Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
قذفاً بظاهره، لأن حقيقة هذا القول عنده: الصعود، كما قلنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار - بفتح الهمزة-.
وإن قال: زنأت في الجبل.. ففيه ثلاثة أوجه حكاها المسعوديُّ [في " الإبانة "] :
أحدها: أنه قذف، وقوله: (في الجبل) بيان المحل.
والثاني: لا يكون قذفاً بظاهره.
والثالث: إن كان لا يعرف العربية.. لا يكون قذفاً، وإن كان يعرف العربية.. كان قذفاً.
[مسألة: قوله زنَى فرجك أو يدك أو بدنك أو نحو ذلك]
إذا قال رجل لامرأة: زنَى فرجك، أو قال لرجل: زنَى ذكرك أو أيرك.. كان صريحاً في القذف، لأن ذلك صريح في الفاحشة.
وإن قال لرجل أو لامرأة: زنَى دبرك.. كان صريحاً في القذف.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يكون ذلك قذفاً) بناء على أصله: أن الحد لا يجب بالوطء في الدبر، وقد دللنا عليه، ونقول هاهنا: لأنه أضاف الزِّنَى إلى سبيل يجب بالزِّنَى فيه الحد، فكان قذفاً صريحاً، كما لو قال لامرأة زنَى فرجك.
وإن قال: زنت عينك، أو يدك، أو رجلك.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح في القذف- وهو ظاهر ما نقله المزني - لأنه أضاف الزِّنَى إلى بعض منه، فهو كما لو أضافه إلى الفرج أو إلى الذكر.
والثاني: أنه ليس بصريح في القذف، وإنما هو كناية فيه. قال الشيخُ أبُو حامد:
ولعله أصح، لأن لهذه الأعضاء زنايين:
زنا ليس بفاحشة، وهو النظر من العينين، والبطش من اليدين، والمشي من الرجلين. وزنا هو فاحشة، وهو مشاركة هذه الأعضاء للفرج، ولهذا قال ﷺ : «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج»
стр. 6477
فبين: أن الزِّنَى لا يتحقق من هذه الأعضاء إلا بمعاونة الفرج.
فإذا احتمل الزِّنَى بهذه الأعضاء هذين الاحتمالين.. لم يكن إضافة الزِّنَى إليها صريحاًَ في القذف، كقوله: يا حلال يا ابن الحلال، ولأنه لو قال: زنت عيني، أو يدي، أو رجلي.. لم يكن ذلك إقراراً منه بالزِّنَى، فإذا أضاف ذلك إلى غيره.. لم يكن صريحاً في القذف.
فإن قلنا: أنه صريح وادعى أنه لم يرد به الزِّنَى الحقيقي.. لم يقبل منه.
وإن قلنا: إنه كناية.. رجع إليه، فإن قال: أردت به الزِّنَى الحقيقي.. لزمه حد القذف، وإن قال لم أرد به الزنى الحقيقي.. فالقول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراده، وإن قال لرجل: زنَى بدنك.. قال الشيخُ أبُو إسحاق: فهل هو صريح أو كناية؟ فيه وجهان، والذي يقتضي المذهب في هذا: أن يقال: يبنى على الوجهين الأولين:
فإذا قلنا: إنه إذا أضاف الزِّنَى إلى عضو من أعضاء البدن غير القبل والدبر يكون صريحاً في القذف.. فيكون هاهنا صريحاً وجهاً واحداً.
وإن قلنا هناك: يكون كناية.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنه صريح في القذف، لأنه أضاف الزِّنَى إلي جميع البدن، والقبل والدبر داخل فيه.
والثاني: أنه كناية في القذف، لأنه أضاف الزِّنَى إلى جميع البدن، والزنا بجميع البدن إنما يكون بالمباشرة، فلم يكن صريحاً في القذف.
стр. 6478
[فرع: قذف الخنثى]
) : وإن قال للخنثى المشكل: زنيت أو يا زاني.. كان صريحاً في القذف، لأنه رماه بالفاحشة. وإن قال له: زنَى فرجك، أو زنَى ذكرك.. فالذي يقتضيه المذهب: أن يكون فيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح.
والثاني: أنه يكون كناية، كما لو أضاف الزِّنَى إلى اليد أو الرجل من المرأة أو الرجل، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون عضواً زائداً، فهو كسائر أعضاء البدن.
وإن قال له: زنَى فرجك وذكرك.. كان صريحاً في القذف، لأنه لا بد أن يكون أحدهما أصلياً، وقد أضاف الزِّنَى إليه.
وإن قال له: زنَى دبرك.. كان صريحاً في القذف، لأن إضافة الزِّنَى إلى الدبر من الرجل أو المرأة صريح في القذف، ولا بد أن يكون الخنثى أحدهما.
[فرع: قوله: لا ترد يد لامس]
وإن قال: فلانة لا ترد يد لامس.. لم يكن صريحاً في القذف، لـ «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس» ، فلم يجعله النَّبيّ ﷺ قاذفاً لها بذلك.
[فرع: قوله زُنَي بك وأنت مكرهة]
إذا قال لامرأة: زنَى بك رجل وأنت مكرهة.. كان قاذفاً لرجل غير معين، ولا يجب عليه الحد، لأنه غير معين، ولا يكون قاذفاً للمرأة، لأنه رماها بوطء ليست بزانية فيه وهل يعزر لها؟ فيه وجهان
стр. 6479
أحدهما: لا يعزر لها، لأنه رماها بوطء لا حد عليها فيه ولا عار.
والثاني: يعزر، لأنه قد آذاها بحصول ماء حرام في رحمها، وذلك طعن عليها فلزمه التَّعزِير لها.
[فرع: قوله: زنيت بصبي أو ركبت رجلاً أو ساحقت امرأة]
وإن قال: زنيت بفلان وهو صبي يجامع مثله.. كان قاذفاً لها، لأنه يوجد منه الوطء الذي يجب به الحد عليها. وإن كان صبياً لا يجامع مثله.. لم يكن قاذفاً لها، لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب، وفي هذا الموضع يعلم كذبه لا غير، فلم يكن به قاذفاً.
وإن قال لامرأة: ركبت رجلاً حتى دخل ذكره في فرجك.. كان قاذفاً لها، لأنه رماها بالفاحشة. وإن قال لامرأة: ساحقت فلانة أو زنيت بفلانة.. لم يكن قاذفاً لها، لأنه لو تحقق ذلك منهما.. لم يجب عليهما الحد، فلم يكن قاذفاً بذلك، ويعزر، لأنه آذاها بذلك.
[مسألة: إنكار نسبة الولد له]
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو ولدت امرأته ولداً، فقال: زوجها: ليس بابني.. فإنه لا يكون عليه حد ولا لعان حتى ينفيه) . وجملة ذلك: أن الرجل إذا أتت امرأته بولد، فقال: هذا الولد ليس مني أو ليس بابني.. فإنه لا يكون قاذفاً لها بظاهر هذا القول، لأنه يحتمل: أنه أراد به ليس مني أو ليس بابني وأنه من الزِّنَى. ويحتمل: أنه ليس مني أو ليس بابني لا لأنه من الزِّنَى ولكنه ليس يشبهني خلقاً ولا خلقاً، ويحتمل: أنه ليس مني أو ليس بابني، بل من زوج قبلي. ويحتمل: أنه ليس بابني وليس مني وأنها استعارته أو التقطته. وإذا احتمل هذا القول القذف وغيره.. لم يكن قذفاً بظاهره، كما لو قال له: يا حلال يا بن الحلال، ويرجع في تفسير ذلك إليه، فإن قال: أردت أنه من الزِّنَى.. كان قاذفاً لها. وإن قال: أردت أنه
стр. 6480
ليس بابني، لأنه لا يشبهني خلقاً ولا خلقا، فإن صدقته على ذلك.. فلا كلام وإلا.. كان القول فيه قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراد. وإن قال: أردت أنه من زوج قبلي، فإن لم يعرف لها زوج قبله.. قيل له: لا يقبل منك هذا التفسير، لأنك فسرته بما لا يحتمله، فعليك أن تفسره بما يحتمله. وإن كان قد عرف لها زوج قبله وصدقته على أنه أراد به ذلك.. لم يكن قاذفاً لها - والكلام في نفي نسب الولد عنه في ذلك قد مَضَى في اللعان - وإن كذبته في ذلك، فقالت: ما أردت بذلك إلا القذف؟ كان القول قوله مع يمينه، لأنه أعلم بما أراد.
وإن قال: أردت أنه ليس بابني، بل استعارته أو التقطته، وصدقته على أنه أراد ذلك، أو كذبته وحلف أنه أراد ذلك.. لم يكن قاذفاً لها، والكلام في نفي نسبه عنه قد مَضَى في اللعان.
[فرع: قذف زوجته ونفى ولدها باللعان ثم قال: أجنبي للولد: لست بابنه]
وإن قذف رجل زوجته ونفى نسب ولدها باللعان، ثم قال رجل أجنبي لذلك الولد: لست بابن فلان.. لم يكن ذلك صريحاً في القذف، لأنه يحتمل: أنه أراد لست بابن فلان، لأنه لا بنوة بينكما، ويحتمل: أنه أراد لست بابن فلان، بل إنك من الزِّنَى، فيرجع إليه، فإن قال: أردت أنه ليس بابنه، لأنه لا بنوة بينهما في الشَّرع، فصدقته المرأة على ذلك، أو كذبته وحلف على ذلك.. لم يكن قاذفاً لها. وإن قال: أرد أنك لست بابنه، بل من الزِّنَى.. كان قاذفاً للمرأة، فيجب لها عليه حد القذف.
وإن قذف امرأة ونفى نسب ولدها باللعان، ثم أكذب نفسه.. لحقه نسب الولد. فإن قال رجل أجنبي لهذا الولد بعد أن أكذب الزوج نفسه: لست بابن فلان.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (حد) ، وقال: في الزوج - إذا قال لهذا الولد: لست بابني -: (لا يكون صريحاً في القذف، وإنما يرجع إليه في التفسير) ، واختلف أصحابنا فيهما على أربعة طرق:
стр. 6481
فـ (الطريق الأول) : منهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وجعلهما على قولين:
أحدهما: أنه صريح في القذف فيهما، لأن الظاهر من هذا القول نفي النسب.
والثاني: أنه كناية فيهما، لأنه يحتمل: أنه أراد لست بابنه - أي -: لا تشبهه في الخلق أو الخلق.
و (الطريق الثاني) : منهم من قال: بل هو كناية فيهما، لأنه يحتمل القذف وغيره. فإذا احتملهما.. لم يجعل قذفاً بظاهره، وحمل كلامه في الأجنبي عليه إذا اعترف: أنه أراد به القذف. وقوله في الأب إذا لم يعترف: أنه لم يرد القذف.
و (الطريق الثالث) : منهم من حملهما على ظاهرهما، فجعل ذلك كناية في الأب، لأنه قد يحتاج إلى تأديب ولده بالفعل والقول، فيقول: لست بابني على سبيل الردع والزجر، وجعل ذلك صريحاً من الأجنبي، لأنه ليس له أن يؤدب ولد غيره بفعل ولا بقول.
و (الطريق الرابع) : قال أبُو إسحاق: هي على اختلاف حالين:
فحيث جعله كناية أراد: إذا قال ذلك قبل استقرار نسب الولد، بأن يقول ذلك الأب أو الأجنبي حال وضع الولد، لأنه لم يستقر نسبه من الأب، لأن له أن ينفيه باللعان.
وحيث جعله صريحاً أراد: إذا قال: ذلك الأب أو الأجنبي بعد استقرار نسب الولد بتكذيب الأب نفسه بعد ذلك، لأنه لا سبيل إلى نفيه بحال. قال الشيخُ أبُو حامد: وهذا أسد الطرق، والله أعلم.
[مسألة: قوله لعربي يا نبطي]
وعكسه] :
وإن قال لعربي: يا نبطي.. لم يكن قاذفا بظاهر الكلام، لأنه يحتمل القذف
стр. 6482
وغيره، فيرجع إليه في تفسيره، فإن قال: أردت أنه نبطي اللسان، لأنه لا فصاحة له، أو نبطي الدار، لأنه ولد في دارهم، وصدقه المقذوف أنه أراد ذلك، أو كذبه وحلف القاذف أنه أراد ذلك.. لم يلزمه الحد، ولكن يلزمه التَّعزِير، لأنه قد أوهم أنه قذفه. وإن قال: أردت إن جدته زنت بنبطي وأتت بأبيه من نبطي، أو أن أمه زنت بنبطي وأتت به منه.. فقد قذف جدته أو أمه، فإن كانت محصنة.. وجب لها عليه حد القذف. وإن كانت غير محصنة.. لم يجب عليه حد القذف. وإن قال: أردت نفي نسبه من العرب إلى النبط بغير زنا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه الحد - وبه قال أبُو حَنِيفَة - لما رُوِيَ: أن ابن عبَّاس سئل عمن قال لنبطي: يا عربي، فقال: (لا حد عليه) . وعن الشعبي أنه قال: كلنا أنباط، يريد به: في الأصل. ولأن الله تَعالَى أوجب حد القذف بالقذف في الزِّنَى، وهذا لم يقذف بالزِّنَى، فلم يجب عليه الحد.
والثاني: يجب عليه حد القذف، وهو ظاهر النص، لأن الشافعيَّ، قال: (فإن قال: عنيت نبطي الدار أو اللسان.. أحلفته: ما أراد أن ينسبة إلى النبط. فإن نكل.. حلف المقذوف: أنه أراد نفيه، وحد له) . وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، والليث، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن الصبَّاغ، لما رَوَى الأشعث بن قيس: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا أوتى برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش.. ألا جلدته»
ورُوِي عن ابن مَسعُودٍ: أنه قال: (لا حد إلا في اثنين: قذف المحصنة، أو نفي رجل من أبيه) . ومثل هذا لا يقوله إلا توقيفاً.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : فإن قال لقرشي: لست من قريش، أو لتيمي: لست من تيم.. نظرت: فإن قال: أردت به أنه ليس من صلب قريش.. لم يصدق، وكان قاذفاً. وإن قال: أردت أن واحدة من أمهاته في الجاهلية زانية.. لم يكن قذفاًًًً؛
стр. 6483
لأنها غير محصنة. وإن قال: أردت أن واحدة من أمهاته في الإسلام زانية.. لم يكن قذفا، لأنها غير معينة، فصار كما لو قال: في هذا البلد زان.
[فرع: قذف غير محصن وعرض به لمحصن]
وإن قذف غير محصن بالزِّنَى، أو عرض بالقذف للمحصن، ولم يقر أنه أراد به الزِّنَى.. فإنه يعزر على ذلك، لأنه آذاه بذلك.
[مسألة: حد القذف حق للمقذوف]
عندنا] :
حد القذف حق للمقذوف، ولا يستوفى إلا بمطالبته، ويسقط بعفوه أو إبرائه. وإن مات قبل الاستيفاء أو العفو أو إبرائه.. ورث عنه.
وقال أبُو حَنِيفَة ﵀: (حد القذف حق لله تَعالَى لا حق للمقذوف فيه، فلا يسقط بعفوه وإبرائه. ولا يورث عنه) . إلا أنه وافقنا: أنه لا يستوفى إلا بمطالبته.
دليلنا: ما رُوِيَ: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «ألا أن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» فأضاف العرض إلينا، والحد إنما يجب بتناول العرض، فإذا كان العرض للمقذوف.. وجب أن يكون ما وجب في مقابلته، كما أنه أضاف الدم والمال إلينا، ثم المال والدم ملك لنا، وما وجب في مقابلتهما.. ملك لنا.
وأيضاً ما رُوِيَ: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان يقول: تصدقت بعرضي» والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما وجب له
стр. 6484
فيه ولأنه حق على البدن، إذا ثبت بالاعتراف.. لم يسقط بالرجوع، فكان للآدمي كالقصاص. وفيه احتراز من حد الزِّنَى وحد الشرب. ولأنه لا خلاف أنه لا يستوفى إلا بمطالبة الآدمي فكان حقاً له، كالقصاص.
[فرع: طلب القذف من القاذف وموت المقذوف قبل الاستيفاء أوالعفو]
فرع: [طلب القذف من القاذف وموت المقذوف قبل الاستيفاء أو العفو] :
إذا قال رجل لآخر: اقذفني فقذفه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه الحد، كما لو قال له: اقطع يدي، فقطع يده.. فإنه لا يجب عليه القصاص.
والثاني: يجب عليه الحد، لأن العار يلحق بعشيرته، فلم يملك الإذن فيه.
وإن قذف حياً محصناً، فمات المقذوف قبل استيفاء الحد أو العفو.. فقد قلنا: أنه ينتقل إلى وارثه، وفيمن يرث ذلك عنه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يرثه جميع الورثة، لأنه موروث، فكان لجميع الورثة كالمال.
والثاني: يرثه جميع الورثة إلا من يرثه بالزوجية.. فإن لا يرثه، لأن الحد يجب لدفع العار، ولا يلحق أحداً من الزوجين عار الآخر بعد الموت، لأنه لا زوجية بينهما بعد الموت.
стр. 6485
والثالث: يرثه من كان يرثه من الرجال بالتعصيب، لأنه حق ثبت لدفع العار، فاختص به الرجال من العصبات، كولاية النكاح.
وإن قذف ميتاً.. كان الحد لوارثه فإن كان في الورثة زوج أو زوجة وقلنا: إنه إذا قذف حياً ثم مات فإنه لم يورث الحد عنه بالزوجية.. فها هنا أولى. وإن قلنا هناك: يورث عنه بالزوجية.. فهاهنا وجهان. والفرق بينهما: أن هناك الزوجية كانت قائمة عند ثبوت الحد، وهاهنا الزوجية قد ارتفعت بالموت، فلا يثبت للباقي منهما الإرث بالزوجية.
وإذا انتقل الحد إلى جماعة من الورثة، فعفا بعضهم عن حقه من الحد.. ثبت جميع الحد لباقي الورثة، لأن الحد جعل للردع، ولا يحصل الردع إلا بما جعله الله تَعالَى للردع.
هذه طريقة أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن لباقي الورثة أن يستوفوا جميع الحد، لما ذكرناه.
والثاني: يسقط جميع الحد، كما قلنا في القصاص.
والثالث: تسقط من الحد حصة العافي، وتبقى حصة من لم يعف، لأنه يتبعض، فتسقط حصة العافي دون الباقي، كالدين والدية.
وإن قذف رجلاً، فمات المقذوف ولا وارث له، أو قذفه بعد موته ولا وارث له معين.. ثبت الحد للمسلمين، ويستوفيه السلطان، لأنه ينوب عنهم في الاستيفاء كما ينوب عنهم في القصاص.
[فرع: قذف المملوك أو الحر وحصول موت أو جنون ونحوه قبل الاستيفاء أو العفو]
] : وإن قذف مملوكا.. ثبتت المطالبة بالتَّعزِير للمملوك، والعفو عنه دون السيد، لأنه ليس بمال ولا له بدَّل هو المال، فكان للمملوك دون السيد، كفسخ النكاح بالعيب، فإن مات المملوك قبل الاستيفاء أو العفو.. ففيه ثلاثة أوجه:
стр. 6486
أحدها: أنه ينتقل إلى مولاه، لأنه ثبت للعبد، فانتقل إلى مولاه بعد موته، كمال المكاتب.
والثاني: يسقط، لأن العبد لا يورث، وإنما المولى يملك عنه من جهة الملك، فلما لم يملك ذلك في حياته.. لم يملكه عنه بعد موته.
والثالث: يكون لعصباته، لأنه ثبت لنفي العار، فكان عصباته أحق به.
وإن ثبت لرجل الحد، فجن أو أغمى عليه قبل الاستيفاء أو العفو.. لم يكن لوليه استيفاؤه، لأنه حق ثبت للتشفي فلم يكن لوليه استيفاؤه في حال الجنون والإغماء، كالقصاص.
[فرع: أقر بزناه من امرأة ثم أكذب نفسه]
إذا قال: الرجل: زنيت بفلانة.. وجب عليه حد الزِّنَى، وإن كانت المرأة محصنة.. وجب لها عليه حد القذف، فلو قال: الرجل: كذبت ولم أزن.. سقط عنه حد الزِّنَى، لأنه إذا ثبت بالإقرار.. فإنه يسقط بالرجوع، وهل يسقط عنه حد القذف؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة "
أحدهما: لا يسقط، لأنه حق لآدمي، فلم يسقط بالرجوع،
كما لو رماها بالزِّنَى بغيره ثم أكذب نفسه.
والثاني: يسقط عنه، لأن قوله: (زنيت بفلانة) إقرار واحد، وكلام واحد، والمقصود منه الإقرار بالزِّنَا، فإذا رجع في الزِّنَا.. قبل رجوعه في جميع موجب الإقرار.
[مسألة: قذف جماعة رجال أو نساء]
] : إذا قذف الرجل جماعة رجال أو جماعة نساء.. نظرت: فإن قذف كل واحد منهم بكلمة، بأن قال لكل واحد منهم: زنيت، أو يا زاني.. وجب لكل واحد منهم حد
стр. 6487
وإن قذفهم بكلمة واحدة.. نظرت فإن كانوا جماعة لا يجوز أن يكونوا كلهم زنَاة، كأهل اليمن أو أهل بغداد.. لم يجب عليه الحد لأن القذف هو ما احتمل الصدق أو الكذب ونحن نقطع بكذبه هاهنا، ويعزر على الكذب، لحق الله تَعالَى، وإن كانوا جماعة يجوز أن يكونوا كلهم زناة، كالعشرة والمائة وما أشبه ذلك.. ففيه قولان:
(أحدهما) قال في القديم: (يجب لهم حد واحد) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الآية (النور: ٤) فأوجبت ثمانين جلدة بقذف المحصنات، وذلك اسم للجمع. ولأن الحد يجب على القاذف لإزالة المعرة عن المقذوف، والمعرة تزول عن الجماعة إذا حد القاذف ثمانين جلدة، ولأن الحدود، إذا كانت من جنس واحد.. تداخلت، كما لو زنَى ثم زنَى
والثاني: قال في الجديد: (يجب لكل واحد منهم حد) . وهو الصحيح لأنها حقوق مقصودة لآدميين، فإذا ترادفت.. لم تتداخل كالقصاص.
فقولنا: (مقصودة) احتراز من الآجال في الديون، وقولنا: (لآدميين) احتراز من الحدود لله تعالى. وأمَّا الآية: فلم تتضمن قذف الواحد لجماعة من المحصنات، وإنما تضمنت قذف جماعة لجماعة، لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: ٤] الآية:
[فرع: خاطب زوجة وأجنبية بأنهما زناة أو أن زوجته زنت بفلان]
وإن قال لزوجته وأجنبية: زنيتما.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان. ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: يجب لكل واحدة منهما هاهنا حد قولا واحداً لأن مخرجه عن قذفه لهما مختلف، لأن حد الأجنبية لا يسقط إلا بالبينة أو إقرار المقذوف، وحد الزوجة يسقط بالبينة أو باللعان.
وإن قال لزوجته: زنيت بفلان. ولم يلاعن اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان. ومنهم من قال: يجب لهما حد واحد قولا واحداً، لأنه رماها بزنا واحد، هذا إذا اجتمعا على المطالبة.
стр. 6488
فأما إذا جاءت الزوجة فطالبت بحدها فحد لها، ثم جاء الرجل فطالب بحده.. بني على ما يجب عليه لهما، فإن قلنا: يجب لهما حدان.. حد له حد آخر، وإن قلنا: لا يجب لهما إلا حد واحد.. لم يحد له هاهنا.
وإن عفت الزوجة عن حدها.. سقط حدها ولا يسقط حده، لأنهما حقان لآدميين، فلم يسقط حق لأحدهما بسقوط حق الآخر كالديون فيحد له إذا طلب.
[فرع: وجوب حدين على القاذف أو أكثر]
وإذا وجب على القاذف حدان لاثنين.. نظرت فإن وجب لأحدهما بعد الآخر حد للأول، ثم يحد للثاني، لأن حق الأول أسبق فإن كان المحدود حرا.. لم يحد له حتى يبرأ ظهره من ألم الحد الأول لأن الموالاة بينهما ربما أدت إلى قتلة وإن كان عبداً ففيه وجهان.
أحدهما: يوالي بينهما، لأنهما كالحد الواحد على الحر.
والثاني: لا يوالي بينهما عليه، لأنهما حدان فلا يوالي بينهما كالحر.
وإن وجب لهما الحد في حالة واحدة.. أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. حد له أولا، والكلام في الموالاة على ما مضى.
وإن قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية.. فقد قذف شخصين بكلمتين، فيجب لكل واحدة منهما حد، فإن جاءت إحداهما وطالبت بحدها والأخرى غائبة، أو حاضرة ولم تطالب.. حد للتي طالبت بحدها. وإن جاءتا وطالبت كل واحدة منهما بحدها.. ففيه وجهان:
(أحدهما) : من أصحابنا من قال: نبدأ بحد البنت، لأنه بدأ بقذفها
والثاني: - وهو المنصوص -: (أنه يبدأ بحد الأم، لأن حدها مجمع عليه، وحد
стр. 6489
البنت مختلف في وجوبه. ولأن حد الأم آكد، لأنه لا يسقط إلا بالبينة، وحد البنت يسقط بالبينة أو اللعان) . وإن قال لها: يا زانية بنت الزانيين.. وجب لها حد وهل للأبوين حد أو حدان؟ على قولين. والكلام في الاستيفاء على ما مضى.
[مسألة: قذف رجلا فحد ثم قذفه فيعزر وماذا لو قذفه أو زوجته بزنايين ؟]
إذا قذف رجل رجلا أو امرأة ليست بزوجة له بزنا، فحد القاذف، ثم قذفه بذلك الزِّنَى الذي حد للمقذوف فيه.. لم يجب عليه الحد، وإنما يعزر للأذى.
وقال بعض الناس: يجب عليه الحد.
دليلنا: ما رُوِيَ: (أن أبا بكرة، ونافعا، وشبل بن معبد، شهدوا على المغيرة بالزِّنَى عند عمر، ولم يصرح زياد بالشهادة على الزِّنَى عليه، فجعل عمر الثلاثة قذفة، فحدهم، ثم قال أبُو بكرة للمغيرة بعد ذلك: قد كنت زنيت، فهم عمر بجلده، فقال له عليّ: إن كنت تريد تحده.. فأرجم صاحبك - يعني: إن جعلت قوله هذا هو القذف الأول.. فقد حددته له وإن جعلته استئناف شهادة أخرى.. فقد تمت الشهادة، فارجم المغيرة - فتركه عمر، وأقرته الصحابة على ذلك) ولأن القذف: ما احتمل الصدق والكذب، وقد علم كذبه، فلا معنى لإيجاب الحد عليه.
وإن قذفه بزنا، ثم قذفه بزنا آخر، فإن كان قد أقيم عليه الحد للأول أو عفا عنه المقذوف.. أقيم عليه الحد للثاني.. وإن لم يقم عليه الحد للأول ولا عفا عنه المقذوف.. ففيه قولان:
(أحدهما) : قال في القديم: (يجب عليه حدان، لأنهما حقان لآدمي، فلم يتداخلا، كالدينين)
والثاني: قال في الجديد: (يجب عليه حد واحد) ، وهو الصحيح، لأنهما حدان من جنس لمستحق واحد فتداخلا، كما لو زنى ثم زنى، أو شرب ثم شرب
стр. 6490
وإن قذف امرأة بزنا فلم يحد لها ولم تعف عنه، ثم تزوجها، ثم قذفها بزنا آخر.. ففيه طريقان:
(أحدهما) : من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالأولى.
(والثاني) : منهم من قال: يجب عليه هاهنا لها حدان قولا واحداً، لأن مخرجه من القذفين مختلف.
[مسألة: قذفت فأقرت ثم حدت ثم قذفت]
وإذا قذف الرجل امرأته أو قذفها أجنبي فأقرت بالزِّنَى فحدت، أو قامت البينة على زناها، ثم قذفها الزوج أو غيره بذلك الزِّنَى أو بغيره.. لم يجب عليه الحد، لأنها غير محصنة، ويعزر للأذى.
وإن قذف الرجل زوجته ولاعنها وأجابت لعانه.. فقد سقط إحصانها في حقه فإن قذفها بذلك الزِّنَى أو بزنا آخر أضافه إلى ما بعد اللعان.. لم يجب عليه الحد، لأن الحد لدفع المعرة عنها، ولم تدخل عليها معرة بهذا القذف، لأنها قد دخلت عليها بالقذف الأول، فلم يؤثر هذا القذف شيئا آخر.
وإن قذفها بزنا آخر أضافه إلى حال الزوجية أو إلى ما قبل القذف الأول أو بعده ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه الحد، وإنما يعزر، لأن اللعان حجة يسقط بها إحصانها في حق الزوج، فوجب أن يسقط إحصانها في الحال وفيما بعد وفي حال الزوجية كلها، كما لو أقام عليها البينة، وكما لو قذف أجنبيا ولم يطالب بحده حتى مر زمان طويل فطالب بحده فأقام القاذف بينة على زناه، فإن حصانته تسقط في الحال وفيما قبل.
والثاني: يجب عليه الحد لأن اللعان إنما يسقط إحصانها في حقه في الحالة التي
стр. 6491
يوجد فيها وفيما بعدها، ولا يسقط فيما تقدم، فوجب عليه الحد لما رماها به.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: إذا لاعنها ثم رماها بذلك الزِّنَى.. فلا حد عليه، وإن رماها بزنا آخر.. ففيه وجهان.
أحدهما: لا حد عليه، لأنه أقام الحجة على زناها مرة فهو كما لو أقام عليها البينة.
والثاني: يجب عليه الحد لأن، هذا قذف بغير ذلك الزِّنَى.
وإن قذف زوجته فلم يلاعن وحد لها ثم قذفها بذلك الزِّنَى.. لم يحد، وإنما يعزر، لما ذكرناه في قصة المغيرة. وإن قذفها بزنا آخر.. ففيه وجهان.
أحدهما - وهو قول ابن الحداد -: أنه لا يحد لها، لأنه قد حد لها مرة.
والثاني: يحد لها، لأنه رماها بزنا آخر.
[فرع: قذفها زوج فأجابت اللعان ثم قذفها أجنبي]
وإن قذف رجل زوجته، فلاعنها وأجابت لعانه، ثم قذفها أجنبي.. نظرت فإن كان قذفها بزنا آخر غير الذي قذفها به الزوج.. حد لها بلا خلاف، وإن قذفها بالزِّنَى الذي قذفها به الزوج.. حد لها إلا إن أقام البينة على زناها.. فلا يحد لها بحال.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن لاعنها الزوج، ونفى حملها، وكان الحمل حيا.. حد الأجنبي. وإن لم ينف حملها، أو نفاه ولكن مات الولد.. لم يحد لها الأجنبي)
دليلنا: ما رَوَى عكرمة عن ابن عبَّاس: «أن النَّبيَّ ﷺ فرق بين المتلاعنين، وقضى: أن لا يدعى الولد لأب، وأنها لا ترمى ولا ولدها، فمن رماها أو ولدها فعليه الحد» . ولم يفرق بين أن يكون الولد حيا أو ميتا. ولأن اللعان إنما جعل حجة في حق الزوج، فلم يسقط إحصانها به إلا في حق الزوج.
стр. 6492
[فرع: قذف زوجته فلاعنها ولم تجب فحدت ثم قذفها هو أو أجنبي]
وإن قذف الرجل امرأته، فلاعنها ولم تجب لعانه، فحدت في الزِّنَى، ثم قذفها الزوج.. لم يحد لها، لأنها محدودة بإقامة الحجة عليها، فهو كما لو أقام البينة على زناها. وإن قذفها أجنبي بذلك الزِّنَى.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا حد عليه، لأنه قذفها بزنا حدت فيه، فهو كما لو حدت بالبينة.
والثاني: يجب عليه الحد، لأن اللعان حجة يختص بإقامتها الزوج، فأختص بسقوط إحصانها به دون الأجنبي
[مسألة: سماع الإمام للقذف]
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: [وليس للإمام إذا رمى رجل رجلا بالزِّنَى أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك]
وجمله ذلك: أن السلطان أو الحاكم إذا سمع رجلا يقول: زنى رجل.. لم يحده، لأن المقذوف غير معين، ولا يسأله عن المقذوف، لأن الحد يدرأ بالشبهة. وإن سمع رجلا يقول: قال رجل: إن فلانا زنى.. لم يكن قاذفا لأنه حاك فإن اعترف المحكي عنه أنه قال: فلان زنى.. كان قاذفا، وإن أنكر.. لم يلزمه القذف بقول الذي قال: سمعته - وحده - لأن القذف لا يثبت بشاهد، ولا يلزم الحاكي بذلك شيء، لأن كل واحد منهما يكذب صاحبه والحد يدرأ بالشبة.
فأما إذا سمع السلطان أو الحاكم رجلا يقول: زني فلان.. قال الشيخُ أبُو حامد المستحب له: أن يبعث على المقذوف ويعلمه بذلك، لأن النَّبيَّ ﷺ بعث أنيسا إلى المرأة التي قال: الرجل إن ابني كان عسيفا على هذا وإنه زني بامرأته، فقال:
стр. 6493
«يا أنيس اغد على امرأة هذا، فإن اعترفت.. فارجمها»
وأمَّا قول الشافعي: (ليس للإمام إذا رمى رجل رجلا بالزِّنَى.. أن يبعث إليه فسأله عن ذلك) فله ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن تأويله: أن يذكر للإمام: أنه استفاض في الناس أن فلانا زنى، فلا يبعث إليه لأنه ليس له قاذف بعينه. ويفارق حديث أنيس، لأنه كان لها قاذف بعينه.
(والثاني) : قال أبُو العباس: تأويله، أن رجلا قذف زوجته برجل بعينه، فلاعنها الزوج لعانا مطلقا، وقلنا: إن حد المرمي يسقط بلعانه.. فإن الإمام لا يبعث إلى المرمي، لأن حده قد سقط. ويفارق حديث أنيس لأن هناك لم يسقط حدها.
(والثالث) : قال أبُو إسحاق: تأويله، إذا قذف الرجل امرأته برجل بعينه.. فإن الإمام لا يبعث إلي المرمي ويعرفه بثبوت الحد له قبل أن يلتعن الزوج، لأن صحة لعانه لا تفتقر إلى مطالبة المرمي به بالحد، بل إذا طالبت المرأة بذلك، فلاعنها الزوج. صح اللعان ويسقط حدهما. ويفارق حديث أنيس، لأن هناك لا يسقط حدها بلعان قاذفها. هكذا ذكره الشيخ أبُو حامد.
وأمَّا الشيخ أبُو إسحاق فقال: هل يلزم السلطان أن يبعث إلى المقذوف ويعلمه بذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه - لأنه قد ثبت له حق لا يعلم به، فلزمه إعلامه به، كما لو ثبت له عنده مال لا يعلم به، فإن كذبه المقذوف.. حد القاذف له، وإن صدقه المقذوف.. حد المقر بالزِّنَى به.
والثاني: لا يلزمه إعلامه؛ لقول النَّبيّ ﷺ : «ادرؤوا الحدود بالشبهات»
стр. 6494
[مسألة: قذف رجل رجلا آخر بالعبودية]
وإن قذف رجل رجلا، فقال: القاذف للمقذوف: أنت عبد فقال: المقذوف: بل أنا حر.. نظرت فإن كان المقذوف حراً معروف الحرية، مثل أن يعرف أن أبويه حران.. فالقول قوله بلا يمين. وإن عرفت عبودية المقذوف، فادعى أنه قد أعتق.. فالقول قول القاذف، لأن الأصل عدم العتق.
فإن اتفقا على أنه كان عبداً ثم أعتق، واختلفا في وقت القذف، فادعى القاذف أن القذف كان قبل العتق، وادعى المقذوف أن العتق كان قبل القذف.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل بقاء العبودية عليه وبراءة ظهره من الحد.
وإن كان المقذوف مجهول الحال.. ففيه طريقان مَضَى ذكرهما في (الجنايات) .
[فرع: أقام بينة على قذفه أو أقر القاذف بقذفه وادعى الجنون وقتها]
وإن أقام رجل على رجل البينة أنه قذفه، أو أقر القاذف بقذفه، وقال: قذفته وعقلي ذاهب من الجنون، وقال: المقذوف: بل قذفتني وأنت ثابت العقل. فإن لم يعلم للقاذف حال جنون.. فالقول قول المقذوف مع يمينه، لأن القاذف يدعي طرآن الجنون عليه، والأصل عدمه وإن عرف للقاذف حالة جنون ففيه قولان.
أحدهما: أن القول قول المقذوف مع يمينه؛ لأن صحته موجودة في الحال وهو يدعي طرآن الجنون عليه حالة القذف والأصل عدم الجنون.
والثاني: أن القول قول القاذف مع يمينه، وهو الأصح، لأنه قد ثبت له حالة جنون، وما يدعيه كل واحد منهما ممكن، والأصل براءة ذمة القاذف من الحد
стр. 6495
[فرع: قوله زنيت يوم كنت نصرانية]
وإن قال لامرأة مسلمة: زنيت وكنت نصرانية يوم الزِّنَى، فقالت: صدقت قد كنت نصرانية ولكني ما زنيت.. لم يجب عليه الحد، لأنه أضاف الزِّنَى إلى حال ليست بمحصنه فيه ويعزر للأذى. فإن قال لها: زنيت، ثم قال: أردت في الحال التي كنت فيه نصرانية، وقالت: بل أردت في الحال.. فالقول قولها مع يمينها، لأن الظاهر يخالف قوله، فإذا حلفت.. لزمه الحد، وإن قال لها: زنيت يوم كنت نصرانية، وقالت: لم أكن نصرانية ولا بينة معه أنها كانت نصرانية.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قولها مع يمينها، لأن الظاهر ممن بدار الإسلام أنه مسلم، فإذا حلفت.. حد لها.
والثاني: أن القول قوله مع يمينه، وهو الأصح، لأن دار الإسلام تجمع المسلمين والنصارى، وما قاله محتمل، والأصل براءة ذمته من الحد، فإذا حلف.. لم يلزمه الحد، ويلزمه التَّعزِير.
وإن أقرت أنها كانت نصرانية، وادعت أنها أسلمت.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل بقاؤها على النصرانية.
وكذلك: لو اتفقا على إسلامها وقد قذفها، واختلفا في السابق منهما.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل عدم إسلامها وبراءة ظهره من الحد.
وإن قذف مسلمة وادعى أنها ارتدت وأنكرت.. فالقول قولها مع يمينها، فإذا حلفت.. لزمه الحد؛ لأن الأصل عدم ردتها.
[فرع: قوله زنيت وكنت مملوكة]
وإن قال لامرأة: زنيت وكنت مملوكة يومئذ، فقالت: كنت مملوكة ولم أزن فلا حد عليه، لأنه أضاف الزِّنَى إلى حالة ليست بمحصنة فيها ويعزر، لأنه آذاها وإن قال لها: زنيت، ثم قال: أردت في الحال الذي كنت أمة فيها ثم أعتقت بعد
стр. 6496
ذلك، فقالت: بل أردت القذف في الحال.. فالقول قولها مع يمينها، فإذا حلفت لزمه الحد، لأن الظاهر معها. فإن قالت: لم أكن أمة.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قول المقذوفة مع يمينها، لأن الظاهر ممن في الدار الحرية.
والثاني: القول قول القاذف، وهو الأصح، لأن الدار تجمع الأحرار والمماليك، والأصل براءة ذمته من الحد.
[مسألة: ادعى على آخر أنه قذفه أو أكل ماله وأقام شاهدين أو شاهدا واحداً]
وإن ادعى رجل على آخر أنه قذفه فأنكر، فأقام عليه شاهدين أنه قذفه، فإن عرف الحاكم عدالتهما.. حكم بشهادتهما وحد القاذف وإن عرف فسقهما.. لم يحكم بشهادتهما. وإن جهل حالهما فسأل المقذوف الحاكم أن يحبس القاذف إلى أن يعرف حالهما.. حبسه لأن البينة قد كملت، والظاهر منهما العدالة.
وإن أقام المقذوف شاهداً واحداً، فسأل الحاكم أن يحبس له القاذف إلى أن يقيم الآخر.. ففيه قولان:
أحدهما: يحبسه، لأن جنايته قد قويت بإقامة الشاهد فهو كما لو أقام شاهدين، ولأنه لو ادعى على رجل حقا وقدمه إلى الحاكم ولم يتفرغ الحاكم لهما فإن له أن يلازمه إلى أن يتفرغ الحاكم ويحكم بينهما، وهذا ضرب من الحبس، فدلَّ على ما ذكرناه.
والثاني: لا يحبسه لأن البينة لم تكمل، فلم يحبس.
وإن ادعى رجل مالا، وأقام عليه شاهدين، ولم يعلم الحاكم عدالتهما ولا فسقهما.. فهل للحاكم أن يحبسه إلى أن يبحث عن حالهما؟ فيه وجهان:
المذهب: أن له أن يحبسه، لما ذكرناه في الحد.
والثاني: قال أبُو سعيد الإصطخري: ليس له أن يحبسه
стр. 6497
والفرق بينهما: أن القاذف ربما هرب ففات الحد. والمال لا يفوت بهربه. وإن ادعى عليه مالا وأقام عليه شاهداً.. فليس له أن يحلف المدعي مع شاهده حتى يبحث عن عدالته، وهل يحبس المدعى عليه إلى أن يعرف عدالته؟
إن قلنا بقول الإصطخري في التي قبلها: لا يحبس.. فهاهنا أولى وإن قلنا هناك بالمذهب.. حبس هاهنا لأن الشاهد مع اليمين حجة في المال.
[فرع: قذفه وادعى أنه كان صغيرا]
وإن قذف غيره، فقال: القاذف: قد قذفتك وكنت صغيراً يوم القذف، وقال: المقذوف بل كنت بالغا يومئذ ولا بينة لهما.. فالقول قول القاذف مع يمينه، لأن الأصل عدم البلوغ. فإذا حلف.. كان عليه التَّعزِير. وكذلك إن أقام القاذف.. البينة أنه كان صغيرا يوم القذف. وإن أقام المقذوف بينة أنه كان بالغا يوم القذف.. وجب عليه الحد.
وإن أقام كل واحد منهما بينة، فإن كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة.. فهما قذفان، لأنه يمكن استعمالهما على ذلك فيجب على القاذف التَّعزِير بقذفه وهو صغير، والحد بقذفه وهو كبير إن ادعاهما المقذوف.
وإن كانتا مؤرختين تأريخا واحداً.. فهما متعارضتان، فإن قلنا: إنهما تسقطان.. كان كما لو لم يكن لهما بينة، ويحلف القاذف، ولا يحد بل يعزر، وإن قلنا تستعملان.. فلا تجيء القسمة، لأن القسمة لا تجيء في القذف، ولا يجيء الوقف، لأن القذف لا يجوز وقفه، ولكن يقرع بينهما، فإن خرجت القرعة للقاذف.. لم يحد ولكن يعزر، وإن خرجت للمقذوف.. حد القاذف. وهل يحلف من خرجت له القرعة؟ على قولين يأتي بيانهما إن شاء الله تَعالَى.
وبالله التوفيق
стр. 6498
[باب قطع السرقة]
الأصل في ثبوت القطع في السرقة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تَعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة: ٣٨)
ورُوِي: عن ابن مَسعُودٍ: (أنه كان يقرأ: "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيديهما ") ورُوِي: " فاقطعوا أيمانهما "
وأمَّا السنة: فما «رُوِيَ: أنه قيل لصفوان بن أمية: إن من لم يهاجر هلك، فهاجر إلى المدينة فنام في المسجد، فسرق رداؤه من تحت رأسه، فانتبه فصاح، فأخذ
стр. 6499
السارق وجاء به إلى النَّبيِّ ﷺ "فقطع يده، فقال: يا رسول الله، ما أردت هذا، هو عليه صدقة، فقال النَّبيّ ﷺ : "هلا قبل أن تأتينا به!»
وأمَّا الإجماع: فلا خلاف في ثبوت القطع في السرقة.
إذا ثبت هذا: فـ (السارق) : من يأخذ الشيء عليّ وجه الاستخفاء و (المختلس) : من يأخذ الشيء عيانا مثل أن يمد يده إلي منديل إنسان فيأخذه من رأسه. و (المنتهب) من يأخذ الشيء عيانا بالغلبة، ولا يجب القطع على المختلس والمنتهب والجاحد والخائن وقال أحمد: (يجب عليهم القطع)
دليلنا: ما روى جابر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «ليس على المختلس، ولا على المنتهب، ولا على الجاحد، ولا على الخائن قطع» ، ولأن السارق يأخذ المال
стр. 6500
على وجه الاستخفاء، فلا يمكن انتزاع الحق منه بالحكم، فجعل القطع ردعا له، والمنتهب والمختلس والجاحد والخائن يأخذون المال على وجه يمكن انتزاع الحق منهم، فلا حاجة إلى إيجاب القطع عليهم.
[مسألة: شروط القطع وماذا لو كان السارق أو الزاني حربيا أو معاهداً ؟]
ولا يجب القطع في السرقة إلا على من يسرق وهو بالغ، عاقل، مختار، مسلماً كان أو كافراً، ملتزما لأحكامهم نصابا من المال يقصد إلى سرقته من حرز مثله لا شبهة له فيه، على ما يأتي تفصيل ذلك. فإن سرق صبي أو مجنون.. لم يجب عليه القطع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة: ٣٨) والصبي والمجنون لا كسب لهما، ورُوِي أن النَّبيَّ ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»
ورَوَى ابن مَسعُودٍ: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي بجارية قد سرقت، فوجدها لم تحض، فلم يقطعها» ورُوِي عن عمر ﵁: (أنه أتي بغلام قد سرق، فقال: اشبروه، فكان ستة أشبار إلا أنملة واحدة، فلم يقطعه فسماه: نميلة)
стр. 6501
وعن عليّ، ﵁: (أنه أتي بغلام قد سرق فشبروه، فنقص عن خمسة أشبار، فلم يقطعه) و: (عن عُثمانَ ﵁، مثله) ولا مخالف لهم في الصحابة، وإن سرق وهو سكران. فهل يجب عليه القطع؟ فيه قولان، مَضَى تعليلهما في الطلاق، ولا يجب القطع على من أكره على السرقة. لقوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : وإن نقب رجل دار رجل، وأخرج منه مالا قيمته النِّصَاب وهو يظن أنه الدار دار نفسه والمال ماله.. وجب عليه القطع خلافا لأبي حنيفة ويجب القطع على المسلم بسرقة مال الذمي، وعلي الذمي بسرقة مال المسلم، وقد مَضَى بيان ذلك. وأمَّا الحربي: فلا يجب عليه القطع بسرقة مال المسلم، لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام.
وهل يجب القطع على المعاهد، ومن دخل إلينا بأمان، بسرقة مال المسلم؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه القطع، لأنه حد لله تَعالَى، فلم يجب عليه، كحد الزِّنَى والشرب.
والثاني: يجب عليه لأنه يجب لصيانة مال المسلم.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: هل يجب عليه القطع؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب.
стр. 6502
والثاني: لا يجب.
والثالث: إن شرط عليه عند المعاهدة والأمان أنه لا يسرق، فسرق.. قطع وإن لم يشرط عليه.. لم يقطع ومنهم من قال: هو على القول الثالث قولا واحداً وأمَّا الحد في الزِّنَى: فأختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هو كقطع السرقة، على ما مَضَى. ومنهم من قال لا يجب الحد في الزِّنَى قولا واحدا بكل حال لأنه حق محض لله تَعالَى.
[فرع: سرقة العبد من غير مال سيده]
وإن سرق العبد من غير مال سيده.. نظرت: فإن كان غير آبق من سيده.. وجب عليه القطع بلا خلاف. وإن كان آبقا من سيده.. وجب عليه القطع عند أكثر أهل العلم. وقال ابن عبَّاس وسعيد بن العاص: (لا يقطع)
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة: ٣٨) وهذا عام.
ورُوِي: (أن ابن عمر أبق له عبد، فسرق، فبعث به إلى سعيد بن العاص ليقطعه، فامتنع من ذلك، وقال لا أقطع آبقا، فقطعة ابن عمر، وقال: في أي كتاب الله تَعالَى وجدتم أن الآبق لا يقطع؟ !) ولأنه إذا وجب القطع على غير الآبق.. فلأن يجب على الآبق أولى، لأنه يحتاج إلى حراسة المال عنه لحاجته إليه.
[مسألة: نصاب القطع في السرقة]
وأمَّا قدر المال الذي يقطع به السارق.. فاختلف العلماء فيه:
فمذهبنا: أنه لا يقطع فيما دون ربع دينار، ويقطع في سرقة ربع دينار فصاعداً فإن سرق غير الذهب من المتاع.. قوم به، فإن بلغت قيمته ربع دينار - والدينار هو
стр. 6503
مثقال الإسلام - قطع. وإن نقص عن ذلك.. لم يقطع، وبه قال أبُو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وعائشة في الصحابة ﵃. وفي الفقهاء: الليث، والأَوزَاعِي، وأحمد، وإسحاق. وذهب داود وشيعته إلى: أن القطع يجب في سرقة ما قل وكثر من المال) . وبه قال الخوارج، والحسن البَصرِيّ واختاره ابن بنت الشافعي. وذهب عُثمانَ البتيُّ إلى: أنه يقطع في سرقة درهم من دراهم الإسلام، ولا يقطع فيما دون ذلك، وذهب زياد بن أبي زياد إلى: أنه يقطع بسرقة درهمين، ولا يقطع بما دونهما. وذهب أبُو هُرَيرَة، وأبو سعيد الخدري إلى: (أنه يقطع بسرقة أربعة دراهم، ولا يقطع بسرقة ما دونها)
وذهب النخغي إلى: أنه يقطع بسرقة خمسة دراهم، ولا يقطع بما دونها.
وذهب مالك: (إلي أنه يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإن سرق غير الذهب والفضة قوم بالدراهم، فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم. قطع، وإن لم تبلغ قيمته ثلاثة دراهم.. لم يقطع) وذهب أبُو حَنِيفَة إلى: (أنه لا يقطع إلا في سرقة عشرة دراهم) وهي قيمة الدينار عنده. وبه قال ابن مَسعُودٍ، ﵁.
دليلنا: ما روت عائشة ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «اقطعوا السارق في ربع دينار، فأما بدون ربع دينار.. فلا تقطعوه» وهذا يبطل قول جميع المخالفين.
стр. 6504
[فرع: سرقة ربع دينار تبرا ونحوه]
فإن سرق ربع دينار تبرا - وهو الذهب الذي ليس بخالص - لم يقطع، لأنه إذا خلص.. لم يأت منه ربع دينار، وإن سرق ربع دينار ذهبا مضروبا.. قطع للخبر. وإن سرق ربع دينار ذهبا خالصا غير مضروب، أو حليا من ذهب وزنه ربع دينار وقيمته أقل من ربع دينار مضروب.. ففيه وجهان.
[أحدهما] : قال أبُو سعيد الإصطخري، وأبو علي بن أبي هُرَيرَة: لا يقطع، لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ أوجب القطع في ربع دينار» . والدينار: إنما يقع على المضروب، وربع دينار خالص لا يجيء منه ربع دينار.
والثاني: قال أكثر أصحابنا: يجب عليه القطع، وهو المذهب، لأن النَّبيَّ ﷺ قال: «لا قطع إلا في ربع دينار» ولم يرد أنه يختص بربع دينار مضروب، وإنما يريد ما يقوم مقامه أو ما يقع به عليه اسم الربع، وهذا يقع عليه اسم ربع دينار، وقيمته ربع دينار مضروب.
[فرع: قطع السارق للثمار والبقول والطبيخ ونحوه]
ويجب القطع بسرقة الثمار الرطبة، كالرطب والعنب والتين والتفاح وما أشبهها، وبسرقة البقول والرياحين والطعام الرطب كالشواء والطبيخ والهريسة، إذا بلغت قيمته نصابا، وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب القطع بسرقة شيء من ذلك بحال)
وقال الثوريُّ: إن مما يبقى يوما ويومين وأكثر، مثل الفواكه.. وجب عليه القطع بسرقتها. وإن كان مما لا يبقى، مثل الشواء والهريسة وما أشبههما.. لم يجب القطع. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة: ٣٨) فعم
стр. 6505
ولم يخص، «ورُوِى عمر بن شعيب عن أبيه، عن جده أن النَّبيَّ ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ هل فيه قطع؟ فقال؟ "لا قطع إلا فيما آواه الجرين، أو بلغ قيمته قيمة المجن ففيه القطع» ، وقيمة المجن كانت يومئذ ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وصرف الدينار باثني عشر. ورُوِي: (أن عُثمانَ قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم) ولأنه سرق ما قيمته نصاب من حرز مثله لا شبهة له فيه، فقطع، كما لو سرق ربع دينار.
وأمَّا ما رُوِيَ عن النَّبيّ ﷺ أنه قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر» فـ: (الثمر)
стр. 6506
هو معروف، و: (الكثر) هو جمار النخيل، وقيل: هو الفسلان الصغار من النخل، وإنما لم يوجب فيهما القطع على عادة أهل الحجاز، لأن بساتينهم لا حوائط عليها فهي غير محروزة.
[فرع: القطع فيما يتمول إذا بلغ ثمنه نصاباً]
ويجب القطع بسرقة كل ما يتمول إذا بلغت قيمته نصابا، سواء كان أصله على الإباحة، مثل الصيود، والطيور، والخشب، والحشيش، والقار، والنفط أو غير ذلك، وقال أبُو حَنِيفَة: (ما كان أصله على الإباحة إذا ملك ثم سرق.. لا يجب فيه القطع، إلا الساج فإنه يجب فيه القطع) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة ٣٨) فعم، ولم يخص. ورُوِي: (أن «النَّبيَّ ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم» ، فنقل الحكم والسبب، وأجمعنا على: أن القطع لم يجب بسرقة المجن بعينه، وإنما كان ذلك، لأن قيمته نصاب، فاقتضى الظاهر: أن كل من سرق ما تبلغ قيمته هذا القدر.. أنه يجب عليه القطع. وإن سرق ترابا أو ما قيمته نصاب.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع، لما ذكرناه.
стр. 6507
والثاني: لا يجب عليه القطع، لأنه عام الوجود لا يتمول في العادة، فلا تدعو النفس إلى سرقته.
وإن سرق مصحفا أو كتاب فقه أو غير ذلك يساوي نصابا، أو عليه حلية تبلغ قيمته مع ذلك نصابا.. وجب عليه القطع. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع)
دليلنا: أنه نوع مال فتعلق بسرقته القطع، كسائر الأموال.
[مسألة: نقب جماعة حرزا واشتركوا في إخراج المال]
وإن نقب جماعة حرزا، ودخلوا وأخرجوا منه المال، فإن بلغت قيمة ما أخرجوه ما يصيب كل واحد منهم نصابا.. وجب عليهم القطع. وإن نقص عن ذلك.. فلا قطع على واحد منهم. وبه قال أبُو حَنِيفَة والثوريُّ وإسحاق، وقال مالك وأحمد وأبو ثور: (يجب القطع على جميعهم، كما لو اشتركوا في قتل إنسان) .
دليلنا: قوله ﷺ : «اقطعوا السارق في ربع دينار، فأما بدون ربع دينار.. فلا تقطعوه» وكل واحد منهم لم يسرق ربع دينار فلم يقطع، ويخالف اشتراكهم في القتل، فإنا لو لم نوجب عليهم القصاص.. لجعل الاشتراك طريقا إلى إسقاط القصاص، بخلاف السرقة لأن كل واحد منهم لا يقصد في العادة إلى سرقة ما دون الربع لقلته.
[فرع: نقبوا حرزا وانفرد كل واحد منهم بإخراج المال]
وإن اشترك جماعة في نقب حرز، فدخلوه وأخرج كل واحد منهم مالا انفرد بإخراجه، فإن بلغت قيمة ما أخرجه كل واحد منهم نصابا بنفسه.. وجب عليه القطع وإن لم يبلغ نصابا.. لم يقطع. وبه قال مالك.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يضم ما أخرجوه بعضه إلى بعض، فإن كان قيمة الجميع مما يصيب كل واحد منهم نصاب.. وجب عليه القطع)
стр. 6508
دليلنا: أن كل واحد منهم سرق دون النِّصَاب، فلم يجب عليه القطع، كما لو انفرد بالنقب.
وإن نقب جماعة حرزاً ودخلوا، فأخرج بعضهم المال، ولم يخرج الباقون شيئا.. فإن بلغت قيمة ما أخرجه كل واحد منهم نصابا.. وجب عليهم القطع، ولم يجب على الذين لم يخرجوا. وقال أبُو حَنِيفَة: (القياس: أن لا يجب القطع إلا على المخرج، وإن كان ما أخرجه بعضهم يبلغ قيمة ما يصيب كل واحد منهم نصابا قطعتهم كلهم استحسانا) .
دليلنا: أن من لم يخرج المال.. ليس بسارق، فلم يجب عليه القطع، كما لو لم يدخل.
[فرع: نقب حرزا على طعام أو مال فأخذه شيئا فشيئا]
وإن نقب رجل حرزا على طعام، فأخرج الطعام قليلا قليلا حتى بلغ قيمة ما أخذه ربع دينار.. ففيه وجهان.
أحدهما: لا يجب عليه القطع، لأن ما أخذه في المرة الأولى لا يبلغ نصابا وما أخذه بعده أخذه من حرز مهتوك فلم يجب عليه القطع.
والثاني: يجب عليه القطع، وهو الأصح، لأنه أخذ نصابا من حرز هتكه، فوجب عليه القطع، كما لو أخذه دفعة واحدة.
وإن نقب حرزا وأخذ منه ثمن دينار وخرج، ثم عاد وأخذ منه ثمنا آخر.. ففيه ثلاثة أوجه:
[أحدها] : قال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: لا يلزمه القطع، لأن الذي سرقه أولا دون النِّصَاب، والذي سرقه ثانيا أخذه من حرز مهتوك.
و [الثاني] : قال أبُو العباس: يلزمه القطع، وهو الأصح، لأنه أخذ نصابا من حرز هتكه بنفسه، فلزمه القطع، كما لو أخذه دفعة واحدة.
و [الثالث] : قال أبُو عليّ ابن خيران: إن أخذ الثمن الثاني بعد أن علم صاحب
стр. 6509
الدار بالنقب، أو علم الناس به.. لم يجب عليه القطع لأنه أخذه من حرز مهتوك. وإن أخذه قبل أن يعلم بالنقب.. وجب عليه القطع، لأنه أخذ النِّصَاب من حرز هتكه بنفسه وهذا طريق أصحابنا البغداديين، وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إن كان المسروق منه عالما بإخراج الثمن الأول قبل أن يخرج الثمن الثاني.. فلا يجب على السارق القطع وإن كان غير عالم بالثمن الأول قبل إخراج الثمن الثاني.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب عليه القطع، كما لو أخرج الثاني بعد علم المسروق منه بالأول.
والثاني: يجب عليه القطع، لأن المتاع المسروق قد لا يمكن السارق إخراجه دفعة واحدة، فصار كما لو بطَّ جيب رجل فيه دراهم، فجعلت الدراهم تخرج منه درهما درهما.
والثالث: ينظر فيه: فإن أخرج الأول ووضعه على باب النقب ثم عاد ليأخذ الثاني.. وجب عليه القطع، لأن هذا يعد في العادة سرقة واحدة. وإن أخرج الأول فذهب به إلى داره، ثم عاد وأخرج الثاني.. لم يقطع، لأنهما سرقتان.
[مسألة: السرقة من غير حرز]
ولا يجب القطع فيما سرق من غير حرز، وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة وأحمد. وقال داود: (يجب عليه الحد)
دليلنا: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن رجلا من مزينة قال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل فقال ﷺ : "ليس في شيء من الماشية
стр. 6510
قطع، إلا ما آواه المراح وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا ما آواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن.. ففيه القطع» . فأسقط القطع في الماشية إلا ما آواه المراح وفي الثمر المعلق إلا ما آواه الجرين وليس بين الحالين فرق إلا أن الشيء محرز في أحد الوضعين دون الآخر، فدلَّ على أن الحرز شرط في إيجاب القطع. وقوله: (حريسة الجبل) لها تأويلان:
أحدهما: أنه أراد سرقة الجبل، لأن السارق يسمى: الحارس، و (الحريسة) : السرقة.
والثاني: أنها مسروقة الجبل.
إذا ثبت هذا: فالحرز يختلف باختلاف المال المحرز، وقد يكون الحرز حرزاً لبعض الأموال دون بعض.
وقال أبُو حَنِيفَة: (ما كان حرزا لشيء من الأموال.. كان حرزا لجميع الأموال)
دليلنا: «أن النَّبيَّ ﷺ جعل حرز الماشية المراح، وجعل حرز الثمر المعلق الجرين» ، لأنهما مالان فدلَّ على: أن الحرز يختلف باختلاف الأموال. ولأن كل ما ورد به الشَّرع مطلقا وليس له حد في اللغة ولا في الشَّرع.. كان المرجع في حده إلى العرف والعادة. كما قلنا في التفرق والقبض في البيع، ووجدنا في العرف والعادة أن الأحراز تختلف باختلاف الأموال، فكان الاعتبار في الحكم بالقطع بذلك.
إذا تقرر هذا نظرت: فإن كان المال من الذهب، أو الفضة، أو الجواهر، أو من متاع البزازين أو العطارين، أو الصيادلة فإن ترك في الدكان في السوق، وأغلق عليه الباب وأقفل.. فهو محرز بالنهار. وأمَّا الليل: فإن كان الأمن ظاهرا ً.. فهو محرز بذلك، وإن كان الأمن غير ظاهر، فإن كان في الدكان أو في
стр. 6511
السوق حافظ.. فهو مَحرُوز بذلك، وإن لم يكن فيه حافظ.. فهو غير مَحرُوز. وإن لم يقفل عليه فإن كان في الدكان أو في السوق حافظ متيقظ.. فهو مَحرُوز، وإن لم يكن فيه حافظ، أو كان فيه حافظ نائم.. فهو غير مَحرُوز.
وإن ترك ذلك في بيت.. نظرت: فإن كان البيت في البلاد والقرى المسكونة، فإن كان البيت مغلقا.. فهو مَحرُوز، سواء كان في البيت حافظ أو لم يكن، لأن العادة جرت بإحراز المال فيها هكذا. وإن كان البيت غير مغلق، فإن كان في البيت حافظ متيقظ.. فهو مَحرُوز. وإن لم يكن في الدار حافظ أو كان فيه حافظ نائم.. فليس بمحرز إلا أن يكون في الدار خزانة مغلقة.. فما فيها محرز وإن لم يكن في الدار حافظ.
فإن كان البيت في الصحراء أو في البستان فإن كان فيه حافظ متيقظ.. فهو حرز لما فيه وإن لم يكن فيه حافظ.. فهو غير حرز لما فيه، سواء كان البيت مفتوحا أو مقفلا لأن العادة لم تجر بإحراز المال فيه من غير حافظ. فإن كان البيت فيه حافظ نائم، فإن كان البيت مقفلا.. فهو حرز لما فيه، وإن كان غير مقفل.. فليس بحرز لما فيه.
قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : وإن كان داره في ناحية بعيدة من البلد بقرب الصحراء أو الخرابات، فأغلق بابها وغاب عنها.. لم تكن حرزا لما فيها وإن كانت مفتوحة الباب وهو فيها مستيقظ.. فهي حرز لما فيها. وإن كان فيها وهو نائم.. فهل هي حرز لما فيها؟ فيه وجهان. وإن كان الباب مفتوحا لكن أذن للناس في الدخول، مثل الخبازين، فسرق سارق من هذه الدار ورب الدار فيها مستيقظ.. فهل يقطع؟ فيه وجهان.
[فرع: حكم أبواب الغرف في الدور وبيوت الشعر والخيام]
وأمَّا أبواب البيوت في الدار.. فحكمها حكم المتاع في البيوت، فإن كان باب الدار مغلقا.. فهي محرزة، سواء كان في الدار حافظ أو لم يكن إذا كانت الدار في العمران، وسواء كانت أبواب البيوت مفتوحة أو مغلقة
стр. 6512
وإن كان باب الدار مفتوحا، فإن كان في الدار حافظ.. فأبواب البيوت محرزة، مغلقة كانت أو مفتوحة. وإن لم يكن في الدار حافظ، فإن كانت أبواب البيوت مغلقة.. فهي محرزة بذلك، وإن كانت غير مغلقة.. فهي غير محرزة.
فأما باب الدار: فهو مَحرُوز بنصبه على الدار، مغلقا كان أو مفتوحا. وأمَّا الحلقة التي على الباب: فإن كانت مسمرة.. فهي محرزة بذلك وإن كانت غير مسمرة.. فهي غير محرزة. وأمَّا الآجر والحجارة واللبن: فإنها محرزة ببنيانها على الحائط، لأن العادة جرت بحفظ ذلك كذلك.
وإن ضرب فسطاطا أو خيمة في صحراء أو برية وشد أطنابه وترك فيه متاعا، فإن كان في الفسطاط أو على بابه حافظ مستيقظ أو نائم.. فالفسطاط وما فيه محرز، لأن عادة الفسطاط وما فيه هكذا يحرز. وإن لم يكن فيه ولا على بابه حافظ فالفسطاط وما فيه غير محرز، لأن العادة لم تجر بأن الفسطاط يضرب في الصحراء ولا يكون فيه أحد. هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال: المسعودي [في " الإبانة "] : إن ضرب الفسطاط في الصحراء مع الجماعة.. فهو بمنزلة الدور ويكون حرزا لما فيها إذا كانت مشدودة الأذيال.
وإن ضرب فسطاطا في مفازة وحده ولم يكن معه من يتقوى به.. فذلك الفسطاط لا يكون حرزاً.
[فرع: حرز الحنطة]
فرع: [ما هو حرز الحنطة؟]
قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والحنطة حرزها أن تكون في الجوالقات وتطرح في وسط السوق، ويضم بعضها إلى بعض ويخاط رأسها، أو تشد ويطرح
стр. 6513
بعضها إلى بعض ويطرح عليها حلس أو أكسية وتشد)
فمن أصحابنا من قال: هذا الذي قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على عادة أهل مصر لأنهم هكذا يحرزون الحنطة في موضع البيع، فأما في العراق وخراسان: فلا تكون محرزة إلا في البيوت والأقفال.
ومنهم من حمله على ظاهرة في جميع البلاد، لأن ما ثبتت له العرف أنه حرز لشيء في بلد.. كان ذلك حرزا له في جميع البلدان. وأمَّا الحطب.. فحرزه أن يعبأ بعضه على بعض، ويربط بحبل بحيث لا يمكن أن يسل منه شيء إلا بحل رباطه، ومن أصحابنا من قال: هذا حرزه نهارا، وأمَّا بالليل فلا بد من باب يغلق عليه أو ما يقوم مقام الباب والأول أصح.
وأمَّا الأجذاع: فإحرازها أن تطرح على أبواب المساكن لأن العادة جرت بإحرازها كذلك.
[فرع: أخذ حب من أرض مبذورة]
وإن دخل رجل إلى أرض غيره وأخذ من حب مبذور فيها ما يساوي نصابا.. ففيه وجهان حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "] :
أحدهما: يجب عليه القطع، لأنه سرق البذر من حرز.
والثاني: لا يجب عليه القطع، لأن حرز كل حبة غير حرز الحبة الأولى.
[مسألة: نبش القبر وسرقة ما فيه]
قال الشيخُ أبُو إسحاق: وإن نبش قبرا وسرق منه الكفن فإن كان في برية لم يقطع - لأنه ليس بحرز للكفن وإنما يدفن في البرية للضرورة، وإن كان في مقبرة تلي العمران.. قطع
стр. 6514
وقال الشيخُ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: إذ نبش قبرا وسرق منه الكفن.. قطع من غير تفصيل. وبه قال ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البَصرِيّ، والنخعي، وربيعة، وحماد، ومالك، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق.
وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إذا سرق كفنا من القبر، فإن كان القبر في موضع حريز، بحيث لو كان هناك مال، فوضع على ظهر الأرض فسرق وجب على سارقه القطع.. قطع سارق الكفن منه. وإن كان القبر في موضع بعيد من العمران. مثل مفازة لا يحتاج السارق في السرقة إلى انتهاز الفرصة.. لم يقطع. وإن كان القبر في مقبرة قريبة من العمران يمر بها الناس، بحيث يحتاج السارق في سرقة الكفن إلى انتهاز الفرصة في السرقة منها.. فهل يقطع؟ فيه وجهان وكذلك ما هو مدفون هناك غير الكفن. هذا مذهبنا، وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه، والثوريُّ، والأَوزَاعِي: (لا يجب القطع على سارق الكفن من القبر بحال) .
دليلنا: قول تَعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة: ٣٨)
و (السارق) : اسم جنس يتناول كل من أخذ الشيء على وجه الاستخفاء، وإن كان كل نوع من السرقة يختص باسم، فيقال لمن نقب: نقاب، ولمن أخذ شيئا من الجيب: طرار، ولمن أخذ الكفن من القبر: نباش، ويسمى: المختفي.
стр. 6515
ولهذا: رُوِيَ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لعن الله المختفي والمختفية» وأراد به النباش. وقال: ﷺ ، «من اختفى ميتا.. فكأنما قتله»
ومن الدليل على وجوب القطع عليه: ما روى البراء بن عازب: أن النَّبيَّ ﷺ : قال: «من حرق.. حرقناه ومن غرق غرقناه ومن نبش.. قطعناه»
ورُوِي: (أن ابن الزبير قطع نباشا بعرفات) ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدلَّ على أنه إجماع. ولأن القطع إنما وجب إحرازا للمال وصيانة له، وكفن الميت أحق بذلك لأن الحي إذا أخذت ثيابه.. استخلف بدلها، والميت لا يستخلف، فكان إيجاب القطع لصيانة ثيابه أولى.
[فرع: سرقة ما زاد على الكفن أو الطيب المستحب]
فإن كفن الميت في أكثر من خمسة أثواب، أو دفن في تابوت، فسرق سارق ما زاد على خمس أثواب أو سرق التابوت من القبر.. لم يقطع، لأن ذلك غير مشروع في الكفن والدفن، فلم يجعل القبر حرزا له، كما لو دفن في القبر دنانير أو دراهم.
قال: الماسرجسي: وإن أخذ السارق من الطيب الذي طيب به الميت ما يساوي نصابا.. قطع، إلا أن يزيد على القدر المستحب في الطيب.. فلا يقطع السارق بسرقة ما زاد على المستحب،
следующие страницы →