← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

السوق حافظ.. فهو مَحرُوز بذلك، وإن لم يكن فيه حافظ.. فهو غير مَحرُوز. وإن لم يقفل عليه فإن كان في الدكان أو في السوق حافظ متيقظ.. فهو مَحرُوز، وإن لم يكن فيه حافظ، أو كان فيه حافظ نائم.. فهو غير مَحرُوز. وإن ترك ذلك في بيت.. نظرت: فإن كان البيت في البلاد والقرى المسكونة، فإن كان البيت مغلقا.. فهو مَحرُوز، سواء كان في البيت حافظ أو لم يكن، لأن العادة جرت بإحراز المال فيها هكذا. وإن كان البيت غير مغلق، فإن كان في البيت حافظ متيقظ.. فهو مَحرُوز. وإن لم يكن في الدار حافظ أو كان فيه حافظ نائم.. فليس بمحرز إلا أن يكون في الدار خزانة مغلقة.. فما فيها محرز وإن لم يكن في الدار حافظ. فإن كان البيت في الصحراء أو في البستان فإن كان فيه حافظ متيقظ.. فهو حرز لما فيه وإن لم يكن فيه حافظ.. فهو غير حرز لما فيه، سواء كان البيت مفتوحا أو مقفلا لأن العادة لم تجر بإحراز المال فيه من غير حافظ. فإن كان البيت فيه حافظ نائم، فإن كان البيت مقفلا.. فهو حرز لما فيه، وإن كان غير مقفل.. فليس بحرز لما فيه. قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : وإن كان داره في ناحية بعيدة من البلد بقرب الصحراء أو الخرابات، فأغلق بابها وغاب عنها.. لم تكن حرزا لما فيها وإن كانت مفتوحة الباب وهو فيها مستيقظ.. فهي حرز لما فيها. وإن كان فيها وهو نائم.. فهل هي حرز لما فيها؟ فيه وجهان. وإن كان الباب مفتوحا لكن أذن للناس في الدخول، مثل الخبازين، فسرق سارق من هذه الدار ورب الدار فيها مستيقظ.. فهل يقطع؟ فيه وجهان. [فرع: حكم أبواب الغرف في الدور وبيوت الشعر والخيام] وأمَّا أبواب البيوت في الدار.. فحكمها حكم المتاع في البيوت، فإن كان باب الدار مغلقا.. فهي محرزة، سواء كان في الدار حافظ أو لم يكن إذا كانت الدار في العمران، وسواء كانت أبواب البيوت مفتوحة أو مغلقة

стр. 6512

وإن كان باب الدار مفتوحا، فإن كان في الدار حافظ.. فأبواب البيوت محرزة، مغلقة كانت أو مفتوحة. وإن لم يكن في الدار حافظ، فإن كانت أبواب البيوت مغلقة.. فهي محرزة بذلك، وإن كانت غير مغلقة.. فهي غير محرزة. فأما باب الدار: فهو مَحرُوز بنصبه على الدار، مغلقا كان أو مفتوحا. وأمَّا الحلقة التي على الباب: فإن كانت مسمرة.. فهي محرزة بذلك وإن كانت غير مسمرة.. فهي غير محرزة. وأمَّا الآجر والحجارة واللبن: فإنها محرزة ببنيانها على الحائط، لأن العادة جرت بحفظ ذلك كذلك. وإن ضرب فسطاطا أو خيمة في صحراء أو برية وشد أطنابه وترك فيه متاعا، فإن كان في الفسطاط أو على بابه حافظ مستيقظ أو نائم.. فالفسطاط وما فيه محرز، لأن عادة الفسطاط وما فيه هكذا يحرز. وإن لم يكن فيه ولا على بابه حافظ فالفسطاط وما فيه غير محرز، لأن العادة لم تجر بأن الفسطاط يضرب في الصحراء ولا يكون فيه أحد. هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال: المسعودي [في " الإبانة "] : إن ضرب الفسطاط في الصحراء مع الجماعة.. فهو بمنزلة الدور ويكون حرزا لما فيها إذا كانت مشدودة الأذيال. وإن ضرب فسطاطا في مفازة وحده ولم يكن معه من يتقوى به.. فذلك الفسطاط لا يكون حرزاً. [فرع: حرز الحنطة] فرع: [ما هو حرز الحنطة؟] قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والحنطة حرزها أن تكون في الجوالقات وتطرح في وسط السوق، ويضم بعضها إلى بعض ويخاط رأسها، أو تشد ويطرح

стр. 6513

بعضها إلى بعض ويطرح عليها حلس أو أكسية وتشد) فمن أصحابنا من قال: هذا الذي قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على عادة أهل مصر لأنهم هكذا يحرزون الحنطة في موضع البيع، فأما في العراق وخراسان: فلا تكون محرزة إلا في البيوت والأقفال. ومنهم من حمله على ظاهرة في جميع البلاد، لأن ما ثبتت له العرف أنه حرز لشيء في بلد.. كان ذلك حرزا له في جميع البلدان. وأمَّا الحطب.. فحرزه أن يعبأ بعضه على بعض، ويربط بحبل بحيث لا يمكن أن يسل منه شيء إلا بحل رباطه، ومن أصحابنا من قال: هذا حرزه نهارا، وأمَّا بالليل فلا بد من باب يغلق عليه أو ما يقوم مقام الباب والأول أصح. وأمَّا الأجذاع: فإحرازها أن تطرح على أبواب المساكن لأن العادة جرت بإحرازها كذلك. [فرع: أخذ حب من أرض مبذورة] وإن دخل رجل إلى أرض غيره وأخذ من حب مبذور فيها ما يساوي نصابا.. ففيه وجهان حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "] : أحدهما: يجب عليه القطع، لأنه سرق البذر من حرز. والثاني: لا يجب عليه القطع، لأن حرز كل حبة غير حرز الحبة الأولى. [مسألة: نبش القبر وسرقة ما فيه] قال الشيخُ أبُو إسحاق: وإن نبش قبرا وسرق منه الكفن فإن كان في برية لم يقطع - لأنه ليس بحرز للكفن وإنما يدفن في البرية للضرورة، وإن كان في مقبرة تلي العمران.. قطع

стр. 6514

وقال الشيخُ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: إذ نبش قبرا وسرق منه الكفن.. قطع من غير تفصيل. وبه قال ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البَصرِيّ، والنخعي، وربيعة، وحماد، ومالك، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق. وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إذا سرق كفنا من القبر، فإن كان القبر في موضع حريز، بحيث لو كان هناك مال، فوضع على ظهر الأرض فسرق وجب على سارقه القطع.. قطع سارق الكفن منه. وإن كان القبر في موضع بعيد من العمران. مثل مفازة لا يحتاج السارق في السرقة إلى انتهاز الفرصة.. لم يقطع. وإن كان القبر في مقبرة قريبة من العمران يمر بها الناس، بحيث يحتاج السارق في سرقة الكفن إلى انتهاز الفرصة في السرقة منها.. فهل يقطع؟ فيه وجهان وكذلك ما هو مدفون هناك غير الكفن. هذا مذهبنا، وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه، والثوريُّ، والأَوزَاعِي: (لا يجب القطع على سارق الكفن من القبر بحال) . دليلنا: قول تَعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (المائدة: ٣٨) و (السارق) : اسم جنس يتناول كل من أخذ الشيء على وجه الاستخفاء، وإن كان كل نوع من السرقة يختص باسم، فيقال لمن نقب: نقاب، ولمن أخذ شيئا من الجيب: طرار، ولمن أخذ الكفن من القبر: نباش، ويسمى: المختفي.

стр. 6515

ولهذا: رُوِيَ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لعن الله المختفي والمختفية» وأراد به النباش. وقال: ﷺ ، «من اختفى ميتا.. فكأنما قتله» ومن الدليل على وجوب القطع عليه: ما روى البراء بن عازب: أن النَّبيَّ ﷺ : قال: «من حرق.. حرقناه ومن غرق غرقناه ومن نبش.. قطعناه» ورُوِي: (أن ابن الزبير قطع نباشا بعرفات) ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدلَّ على أنه إجماع. ولأن القطع إنما وجب إحرازا للمال وصيانة له، وكفن الميت أحق بذلك لأن الحي إذا أخذت ثيابه.. استخلف بدلها، والميت لا يستخلف، فكان إيجاب القطع لصيانة ثيابه أولى. [فرع: سرقة ما زاد على الكفن أو الطيب المستحب] فإن كفن الميت في أكثر من خمسة أثواب، أو دفن في تابوت، فسرق سارق ما زاد على خمس أثواب أو سرق التابوت من القبر.. لم يقطع، لأن ذلك غير مشروع في الكفن والدفن، فلم يجعل القبر حرزا له، كما لو دفن في القبر دنانير أو دراهم. قال: الماسرجسي: وإن أخذ السارق من الطيب الذي طيب به الميت ما يساوي نصابا.. قطع، إلا أن يزيد على القدر المستحب في الطيب.. فلا يقطع السارق بسرقة ما زاد على المستحب،

стр. 6516

قال ابن الصبَّاغ: وعندي: أنه لا يجتمع من الطيب المستحب ما يساوي نصابا، لأن المستحب في تطيبه: التجمير بالعود وإن يطرح مع الحنوط وذلك لا يجتمع وإن كان مجتمعاً.. فلا قطع فيه [فرع: مالكي الكفن] ] واختلف أصحابنا فيمن يملك الكفن: فمنهم من قال: الكفن باق على ملك الميت لأنه محتاج إليه فكان باقيا على حكم ملكه وإن كان لا يجوز أن يدخل شيء في ملكه ابتداء، كما إذا مات وعليه دين؛ فإن الدين يكون باقيا في ذمته، وإن كان لا يجوز أن يثبت في ذمته دين ابتداء. ومنهم من قال: إنه غير مملوك لأحد بل لله تَعالَى: لأنه لا يجوز أن يكون مملوكا لورثته، لأنهم لا يملكون التصرف فيه، ولا يجوز أن يكون مملوكا للميت، لأن الميت لا يملك. ومنهم من قال: إنه مملوك للورثة، وهو الأصح لأنهم يملكون التركة والكفن من جملتها. فإن كفن الميت بكفن من تركته، فأكل السبع الميت، أو ذهب به سيل وبقي الكفن، فإن قلنا: إن الكفن ملك للورثة.. قسم بينهم. وإن قلنا: إنه ملك للميت، أو لا مالك له.. نقل إلى بيت المال. ومن الذي يطالب بقطع سارق الكفن؟ إن قلنا: إنه ملك للورثة.. فهم المطالبون بقطعة. وإن قلنا: أنه لا مالك للكفن. فإن الإمام أو الحاكم يقطع سارقه من غير مطالبة أحد، كما لو سرق سارق سارية من سواري المسجد وإن قلنا: إن الكفن باق على حكم ملك الميت.. ففيه وجهان. أحدهما: أن الحاكم لا يقطع السارق إلا بمطالبة الورثة، لأنهم يخلفون الميت. والثاني: أن الحاكم يقطعه من غير مطالبة منهم، كما يقطع سارق مال الطفل والمجنون الذين لا ولي لهما.

стр. 6517

وإن كفن السيد عبده فلمن يكون الكفن ملكا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه ملك للسيد. والثاني: أنه لا يملكه أحد، ولا يجيء فيه أنه ملك للعبد، لأنه لا يملك إلا بتمليك السيد - على القول القديم - ولم يملكه إياه. [مسألة: النوم على الشيء أو الثوب حرز له] وماذا لو كان معه متاع؟] إذا كان معه ثوب أو شيء خفيف فتركه تحت رأسه ونام عليه، أو فرشه تحته ونام عليه فسرقه سارق من تحت رأسه أو من تحت جنبيه.. قطع لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ قطع سارق رداء صفوان من تحت رأسه» . ولأن العادة في الأشياء الخفيفة أنها تحرز هكذا: فإن تزحزح عنه في النوم وخرج من تحته، فسرقة سارق.. لم يقطع، لأنه خرج عن أن يكون محرزا. وإن ترك الثوب أو المتاع بين يديه وهو ينظر إليه فهو محرز به. فإن تغفله إنسان وسرقة.. قطع - لأنه محرز به وإن نام أو تشاغل عنه فهو غير مَحرُوز - فإن سرقه إنسان.. لم يقطع. قال الشيخُ أبُو إسحاق: فكذلك لو تركه خلفه بحيث لا تناله اليد فسرقه سارق.. لم يقطع، لأنه غير مَحرُوز. وقال الشافعيُّ، ﵀ في " الأم ": (ولو ترك متاعه بين يديه فسرق.. لم يقطع سارقه) قال أصحابنا: أراد بذلك: إذا نام هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إذا ترك متاعه في موضع وقعد بقربه بحيث يقع بصره عليه، فإن كان ذلك الموضع لا يمر الناس فيه غالبا، مثل صحراء متباعدة عن الشارع، فتغفله إنسان فسرقة.. قطع وإن كان ذلك الموضع يمر الناس فيه غالبا، أو كان مشتركا بين جماعة الناس، كالمسجد أو قارعة الطريق ففيه وجهان:

стр. 6518

أحدهما: لا يجب عليه القطع، لأن ذلك الموضع منتاب للناس، فلا يكون حرزاً. والثاني: يجب عليه القطع، كالتي قبلها. وإن وضع متاعه في موضع غير محاط بالجدران، أو كان محاطاً لكن الباب مفتوح، ونام بقربه، فإن كان ذلك الموضع ليس بملك له.. لم يقطع سارق متاعه منه، لأن المكان لا يملكه، فلم يحفظ متاعه بل ضيعه. وإن كان المكان ملكاً له.. ففيه وجهان: أحدهما: أن المال مَحرُوز، لأن المكان ملكه وهو فيه، وقد جرت العادة بأن ينام صاحب الدار الساعة والساعتين والباب مفتوح. والثاني: أنه غير مَحرُوز، لأن المكان وإن كان ملكه.. فإن الباب مفتوح والنائم كالغائب. [فرع: علق ثيابه في الحمام أو المسبح فسرقت] وإن علق ثيابه في الحمام، فسرقها سارق من هناك، فإن أمر الحمامي أو غيره بمراعاتها فرعاها، وسرقها سارق في حال مراعاته لها.. قطع السارق، لأنها محرزة بمن يراعيها. فإن لم يراعها أحد.. لم يقطع السارق، لأنها غير محروزة، لأن الحمام مستطرق. [مسألة: أحوال سرقة الجمال] وإن سرق سارق من الإبل.. فلا يخلو: إما أن يسرق منها وهي في المرعى، أو يسرق منها وهي مناخة، أو يسرق منها وهي مقطرة.

стр. 6519

فإن سرق منها وهي في المرعى.. نظرت: فإن كان معها راع وهو ينظر إلى جميعها أو يبلغها صوته إذا زجرها.. قطع، لأنها محرزة. وإن كان لا ينظر إليها، بأن غابت عنه بجبل أو غيره، أو نام عنها، أو تشاغل، أو كان ينظر إليها ولا يبلغها صوته إذا زجرها، لم يقطع لأنها غير محرزة، وإن كان ينظر إلى بعضها دون بعض.. قطع سارق الذي ينظر إليه دون الذي لا ينظر إليه. وإن سرق منها وهي مناخة، فإن كان معها حافظ ينظر إليها.. فهي محرزة. وإن كان لا ينظر إليها ولكنها معقولة، أو معها حافظ لها بقربها.. فهي محرزة، سواء كان مستيقظاً أو مشتغلاً عنها أو نائماً، لأن العادة جرت: أن الرعاة والمسافرين إذا أرادوا النوم.. عقلوا إبلهم وناموا بقربها، لأن حل العقال: يوقظ النائم وينبه المتغافل. وإن كانت غير معقلة وحافظها نائم بقربها، أو كانت معقلة ولا حافظ معها نائم ولا مستيقظ.. لم يقطع سارقها، لأنها غير محرزة، لأن العادة لم تجر بإحرازها هكذا. وإن سرق منها وهي مقطرة، فإن كان معها سائق ينظر إليها، ويبلغها صوته إذا زجرها، أو كان لها قائد ينظر إليها إذا التفت وأكثر الالتفات إليها ويبلغها صوته إذا زجرها.. قطع سارقها، لأنها محرزة به. هكذا ذكر الشيخ أبُو إسحاق. وأمَّا الشيخ أبُو حامد، وأكثر أصحابنا: فلم يشترطوا بلوغ صوته إليها في شيء من ذلك كله. وقال أبُو حَنِيفَة) إذا كان قائدا لها، فليس فيها محرز إلا التي بيده زمامها) . دليلنا: أن العادة جرت في حفظ الإبل بمراعاتها بالالتفات، فكان ذلك حرزاً لها كالتي زمامها بيده. إذا ثبت هذا: فإن أصحابنا العراقيين لم يقدروا القطار بعدد، بل اشترطوا ما مَضَى. وأمَّا المسعوديُّ [في " الإبانة "] : فاشترط أن لا يزيد القطار الواحد على تسع، لأن هذا هو العرف في القطار، فإن زاد القطار على ذلك.. كان ما زاد غير محرز.

стр. 6520

قال: وإن كان القطار تسعاً، إلا أن الجمال يقوها في سكة مبنية متقاربة البناء، بحيث يغيب عن الجمال بعض الإبل، فمن سرق مما قد غاب عن عينه شيئاً.. لم يقطع. [فرع: سرقة جمل مع راكبه] وإن سرق سارق جملا وعليه راكب، فقال أصحابنا البغداديون: إن كان الراكب له حراً.. لم يقطع السارق، نائما كان الراكب أو مستيقظاً، لأن اليد على الجمل للراكب، ولا يلزم السارق ضمان الجمل، لأنه لم تزل يد الراكب عنه، وإن كان الراكب عليه عبداً.. قطع السارق، لأن اليد ثبتت على العبد وعلى ما في يده. وقال الخراسانيون: فيه أربعة أوجه: أحدها: يجب عليه القطع بكل حال، لأنه سرق من المال نصاباً محرزاً عنه لا شبهة له فيه. والثاني: لا يجب عليه القطع بحال، لأن يد الراكب عليه لم يزلها. والثالث: ينظر فيه: فإن كان الراكب قوياً، بحيث لو انتبه لم يقدر السارق عليه. لم يقطع السارق، وإن كان ضعيفاً، بحيث لو انتبه يقدر على السارق.. قطع السارق. والرابع: إن كان الراكب حراً.. لم يقطع، وإن كان عبداً.. قطع، لما مَضَى. [فرع: السرقة من المتاع المحمول على الإبل المقطرة] وإن سرق سارق من المتاع المحمول على الإبل المقطرة.. فحكمه حكم من سرق من الأجمال المقطرة. وكذلك: إن سرق الجمل والمتاع المحمول عليه.. قطع. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن سرق الجمل والمتاع المحمول عليه.. لم يقطع، وإن فتق الجوالق على الجمل وسرق منه المتاع.. قطع) .

стр. 6521

دليلنا: نأن الجَمَل وما عليه محرز بصاحبه، فقطع سارقه، كما لو سرق متاعا محرزا بالبيت. [فرع: سرقة الأنعام ونحوها] وإن سرق سارق من ماشية غير الإبل، كالبقر والغنم والخيل والبغال والحمير.. فلا يتصور أن تكون مقطرة ولا مناخة، وإنما يتصور أن تكون راعية أو في موضع تأوي إليه. فإن كانت راعية.. فحكمها حكم الإبل الراعية على ما مَضَى. وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إذا أرسل الراعي غنمه في سكة، وفي السكة دور وأبوابها مفتوحة إلى تلك السكة.. لم تكن محرزة به، فإذا أوت إلى موضع.. فالحكم فيها وفي الإبل إذا أوت إلى أعطانها واحد، فلا يخلو: إما أن تكون في البلد، أو في الصحراء. فإذا كانت في البلد في بيت، فإن كان معها حافظ مستيقظ.. فهي محرزة، سواء كان باب البيت مغلقاً أو مفتوحاً. وإن كان الحافظ نائما، فإن كان البيت مقفلاً.. فهي محرزة، وإن كان مفتوحاً.. فهي غير محرزة. وإن كان البيت في الصحراء، فإن لم يكن معها حافظ.. فليست بمحرزة، سواء كان البيت مقفلاً أو مفتوحا. وإن كان معها حافظ مستيقظ.. فهي محرزة، سواء كان باب البيت مفتوحاً أو مقفلا. وإن كان نائما، فإن كان البيت مغلقا.. فهي محرزة، وإن كان مفتوحا.. فهي غير محرزة، كما قلنا في المتاع في البيت. وإن دخل رجل مراحا لغنم، أو كانت في غير مراح إلا أنها محرزة بحافظ، فحلب من ألبانها أو أخذ من أصوافها ما يساوي نصابا.. قطع؛ لأن حرز الغنم حرز لما فيها من اللبن ولما عليها من الصوف. [مسألة: لا يجب القطع على السارق إلا بإخراجه المال من الحرز بفعله] ولا يجب القطع على السارق إلا بأن يخرج المال من الحرز بفعله. فإن دخل مراح غنم ونفرها حتى خرجت.. قطع، لأنها خرجت بفعله. وإن خرجت من غير

стр. 6522

تنفير.. لم يقطع، لأنها لم تخرج بفعله. وإن أخذ منها شاة لا تساوي نصابا، فخرج في إثرها شاة تم بها النِّصَاب.. فهل يقطع؟ قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : ينظر فيه: فإن كان الأغلب أنها تخرج على إثرها؛ مثل ولدها، أو كانت الشاة التي أخرجها هادية الغنم فتبعها غيرها.. قطع؛ لأن إخراج التابع لها منسوب إليه. وإن لم يكن الأغلب ذلك.. لم يقطع، لأن التي أخرج لا تساوي نصابا، والتي تبعتها لا ينسب خروجها إليها. [فرع: نقب حرزا وأخذ مالا ثم ألقاه ثم أخذه وماذا لو بطَّ جيبا أو طعاما] وإن نقب رجل حرزا، ودخل وأخذ المال، ورمى به من النقب إلى خارج الحرز، أو رمى به من فوق حائط الدار، أو فتح الباب ودخل ورمى به، ثم خرج وأخذه.. وجب عليه القطع، لأن المال خرج بإخراجه. وإن نقب الحرز ولم يدخل الحرز، بل أدخل يده في النقب وأخذ المال، أو دخل في البيت محجنا وتناول به المال أو أخرجه.. وجب عليه القطع. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع إلا إن كان النقب صغيراً لا يمكنه الدخول منه) . دليلنا: أنه أخرج المال بفعله، فوجب عليه القطع، كما لو كان النقب صغيرا. وإن كان في جيب رجل أو كمه مال، فبط رجل أسفله، وأخرج منه نصابا.. قطع. وكذلك: إن كان هناك بيت فيه طعام فنقبه رجل، فانثال من الطعام ما يساوي نصابا.. قطع، لأنه خرج بسبب فعله. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال الخراسانيون: هذه مبنية على من نقب حرزا وسرق منه ثمن دينار، ثم عاد

стр. 6523

وسرق منه ثمنا آخر، فإن قلنا هناك: يجب القطع.. فهاهنا أولى. وإن قلنا هناك: لا يجب القطع.. فهاهنا وجهان. والفرق: أن هذا ما أخرجه في الدفعة الأولى متميز عما أخرجه في الدفعة الثانية، وهاهنا: الحنطة المنثالة متصلة بعضها ببعض، فصارت كالمنديل يجره من الكيس فيخرج شيء بعد شيء. وحكى صاحب " الفروع " فيها وجهين على الإطلاق. أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه هكذا يخرج. والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لأنه لم يخرج بفعله. [فرع: أخرج المال من الحرز بواسطة] وإن نقب حرزا فدخل وترك المال في ماء جار في الحرز وخرج المال بجريان الماء من الحرز.. قطع؛ لأن المال خرج بسبب فعله. وحكى الشيخُ أبُو حامد وجها آخر: أنه لا يقطع، وليس بشيء. وإن تركه من ماء راكد في الحرز، وحرك الماء حتى خرج المال من الحرز.. قطع؛ لما ذكرناه. وإن حركه غيره.. لم يقطع؛ لأنه لم يخرج بفعله. وإن تفجر الماء وخرج بالمال.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه أخرجه بوضعه في الماء، فهو كما لو وضعه في الماء الجاري. والثاني: لا يجب عليه القطع، لأن الماء لم يكن آلة لإخراجه، وإنما خرج به بسبب حادث. وإن نقب حرزا وأخذ المال وتركه على النقب في وقت هبوب الريح، فأطارته الريح حتى أخرجته من الحرز.. قطع، كما لو تركه في ماء جار. وإن تركه على النقب.

стр. 6524

ولا ريح، ثم هاجت ريح فأطارته حتى أخرجته.. ففيه وجهان، كما لو تركه في ماء راكد، فتفجر الماء وأخرجه. وإن نقب حرزا فدخله وأخذ المال وتركه على بهيمة، فساق البهيمة أو قادها حتى خرجت بالمال.. قطع؛ لأنها خرجت بسبب فعله. وحكى الشيخُ أبُو حامد: أن من أصحابنا من قال: إنه لا يقطع، وليس بشيء. وإن لم يسق البهيمة ولم يقدها، بل خرجت باختيارها.. فأختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع، لأن البهيمة إذا أحست بالمتاع على ظهرها.. سارت في العادة، فصار فعله سببا في إخراج المال. والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الأصح، لأن للبهيمة قصدا واختيارا، وقد خرجت باختيارها. وقال أبُو عليّ السنجي: إن وقفت البهيمة بعد وضع المال عليها ساعة، ثم سارت.. لم يقطع وجها واحدا. وإن سارت عقيب الوضع.. فهل يقطع؟ فيه وجهان. قال: وهكذا لو وضع لؤلؤا على جناح طائر، فإن هيجه حتى خرج من الحرز.. فعليه القطع. وإن لم يهيجه، فمكث الطائر بعد أن شد عليه ساعة، ثم طار.. لم يجب عليه القطع. وإن طار عقيب الشد.. ففيه وجهان. وإن نقب رجل حرزا وأمر صبيا لا يميز، حرا كان أو عبدا، فأخرج منه نصابا، أو دخل هو ودفع النِّصَاب إلى الصغير وخرج به.. وجب فيه القطع على الرجل، لأن الصغير كالآلة له؛ ولهذا لو أمره بقتل إنسان فقتله.. وجب عليه القتل. هكذا ذكر

стр. 6525

بعض أصحابنا. وحكى صاحب " الفروع " في وجوب القطع على الرجل وجهين، كما لو وضع المال على بهيمة، فخرجت به من غير سوق ولا قَوْد. وإن نقب رجل حرزا، وأمر صغيرا عاقلاً مميزا، فأخرج النِّصَاب.. لم يجب القطع على واحد منهما؛ لأن الرجل لم يخرج المال بفعله، والمميز له اختيار صحيح، فلا يجعل بمنزلة الآلة له، وإنما لم يجب عليه القطع؛ لأنه ليس من أهل التكليف. [فرع: ذبح شاة أو شق ثوبا في الحرز وخرج به] وإن نقب رجل حرزا، فدخل وأخذ شاة فذبحها في الحرز، أو ثوبا فشقه في الحرز، ثم خرج بذلك. فإن كان اللحم والثوب بعد شقه يساوي نصابا.. قطع. وإن لم يساوي نصابا.. لم يقطع. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع بالشاة) ؛ لأن الأشياء الرطبة لا يجب القطع بسرقتها عنده. وقال: في الثوب: (إن خرقه طولا.. لم يجب عليه القطع؛ لأنه بالخيار: بين أن يدفع قيمته ويتملكه. وإن خرقه عرضا.. وجب عليه القطع إذا كانت قيمته نصابا بعد الخرق) . دليلنا: أنه سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع، كما لو وجده مخروقا. وإن سرق ما يساوي نصابا، ثم نقصت قيمته بعد ذلك فصار لا يساوي نصابا.. لم يسقط القطع عنه. وبه قال مالك. وقال أبُو حَنِيفَة: (يسقط عنه القطع) . دليلنا: أنه نقصان حدث بعد وجوب القطع، فلم يسقط به القطع، كما لو استعمله السارق فنقصت قيمته.. فإن القطع لا يسقط عنه بلا خلاف.

стр. 6526

[فرع: سرق فضة أو ذهبا فصاغها دراهم ودنانير] فرع: [سرق فضة أو ذهبا فصاغها دارهم ودنانير] : وإن سرق فضة تساوي نصابا فضربها دراهم، أو سرق نصابا من الذهب فضربه دنانير.. قطع، ووجب عليه رد الدراهم والدنانير. وبه قال أبُو حَنِيفَة. وقال أبُو يوسف ومحمد: لا يلزمه رد الدراهم والدنانير، وبنيا ذلك على أصلهما فيمن غصب فضة فضربها دراهم، أو ذهبا فضربه دنانير.. أنه يسقط حق صاحبها منها. دليلنا: أن هذه عين المال المسروق منه، فوجب ردها، كما لو لم يضربها. [فرع: نقب حرزا وابتلع فيه جوهرة أو تطيب ثم خرج] وإن نقب حرزا فدخله فابتلع فيه جوهرة تساوي نصابا، أو ابتلع ربع دينار ثم خرج.. فإن الشيخ أبا حامد وابن الصبَّاغ قالا: إن لم تخرج منه الجوهرة أو ربع الدينار.. لم يجب عليه القطع؛ لأنه أهلك النِّصَاب في الحرز بالابتلاع، فلم يجب عليه القطع، كما لو أكل في الحرز طعاما يساوي نصابا. وإن خرجت منه الجوهرة أو ربع الدينار وهو يساوي نصابا.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه أخرجه من الحرز، فهو كما لو أخرجه بيده أو في فيه. والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الأصح؛ لأنه بالابتلاع صار في حكم المستهلك؛ بدليل: أن لمالكه أن يطالبه ببدله، فصار بمنزلة ما لو أتلفه في الحرز. وذكر الشيخ أبُو إسحاق والمسعوديُّ [في " الإبانة "] : إذا ابتلع الجوهرة في الحرز وخرج.. هل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان، من غير تفصيل. ولعلهما أرادا: إذا خرجت منه بعد الخروج من الحرز. وإن دخل السارق الحرز وأخذ منه طيبا، فتطيب به في الحرز، ثم خرج، فإن لم يمكن أن يجمع منه من الذي تطيب به عند خروجه ما يساوي نصابا.. لم يقطع؛ لأن الذي أخرجه من الحرز لا يساوي نصابا. وإن أمكن

стр. 6527

أن يجمع منه ما يساوي نصابا.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه قد أخرج من الحرز ما يساوي نصابا، فوجب عليه القطع، كما لو أخرجه في إناء. والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لأنه قد أتلفه في الحرز بالتطيب. [مسألة: وجوب القطع بعد خروج جميع العين المسروقة من الحرز] ولا يجب القطع على السارق حتى تنفصل جميع العين المسروقة عن جميع الحرز بفعل السارق، أو بسبب فعله. فإن نبش قبرا وأخرج الكفن من اللحد، ولم يخرجه عن باقي القبر، ثم خرج وتركه، أو نقب حرزا ودخل وقبض المال في الحرز، ولم يخرج به.. لم يجب عليه القطع؛ لأنه لم يخرجه عن حرزه، ولكن يجب عليه ضمانه؛ لأنه قد قبضه. وإن أخذ طرف جذع أو طرف عمامة أو ثوب من حرز وجره، فأخرج بعضه عن الحرز، فلحقه الصراخ قبل أن ينفصل جميع الجذع أو العمامة أو الثوب عن جميع الحرز.. لم يجب عليه القطع وإن كان قد خرج من الحرز ما يساوي نصابا؛ لأن بعض العين لا ينفرد عن بعض؛ ولهذا: لو كان على رأسه عمامة وطرفها على نجاسة، فصَلَّى فيها.. لم تصح صلاته، كذلك هذا. قال: القاضي أبُو الطيب: وكذلك إذا أخذ طرفا من العين، والطرف الآخر في يد صاحبها.. فإنه لا يضمنها؛ لأنه لم تزل يد المالك عن جميع العين. وإن أخرج نصابا من الحرز ثم رده إليه.. لم يسقط عنه القطع. وقال أبُو حَنِيفَة: (يسقط) . دليلنا: أن القطع قد وجب عليه بالإخراج، فلم يسقط بالرد. [فرع: اشتركا في نقب حرز وأخرج أحدهما المال وناوله للثاني أو سرقه آخر] وإن اشترك اثنان في نقب حرز، ودخل أحدهما الحرز وأخذ المال وأخرج يده من جميع الحرز بالمال وناوله الآخر، أو رمى المال من الحرز إلى خارج الحرز فأخذه

стр. 6528

الآخر.. فإن الضمان يجب عليهما، وأمَّا القطع.. فإنما يجب على الداخل دون الخارج. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب القطع على أحد منهما) . دليلنا: أنه قد أخرج المال بفعله، فوجب عليه القطع، كما لو خرج هو به. وإن اشتركا في نقب الحرز، ودخل أحدهما فأدنى المال إلى النقب من داخل الحرز ولم يخرجه، فأدخل الخارج يده في النقب وأخرج المال.. فإن الضمان يجب عليهما، وأمَّا القطع: قال المسعوديُّ [في" الإبانة "] : فإنه يجب على الخارج لإخراجه المال من الحرز، ولا يجب على الداخل؛ لأنه لم يخرج المال من الحرز. وإن اشترك اثنان في نقب حرز، فدخل أحدهما وأخذ نصابين وتركهما على بعض النقب، وتناولها الآخر من خارج الحرز.. فحكى أصحابنا العراقيون فيها قولين، وحكاهما المسعوديُّ في [" الإبانة "] وجهين: أحدهما: يجب عليهما القطع؛ لأنهما اشتركا في النقب وإخراج المال فلزمهما القطع، كما لو نقب معا ودخلا معا وخرجا معا فأخرجا المال. والثاني: لا يجب عليهما القطع وهو الأصح؛ لأن كل واحد منهما لم يخرج المال من كمال الحرز، فلم يجب عليهما القطع، كما لو دخل أحدهما وأخرج المال إلى قرب النقب ولم يخرجه، وقد مَضَى وتركه. وإن نقب أحدهما الحرز وحده، ودخل الآخر وأخذ المال.. ففيه طريقان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: فيه قولان كالتي قبلها؛ لأن السرقة تمت بهما، فهي كالأولى. و [الثاني] : منهم من قال لا يجب عليهما القطع هاهنا قولا واحدا؛ لأن في الأولى اشتركا في النقب وإخراج المال من الحرز، وهاهنا لم يشتركا في ذلك، وإنما انفرد أحدهما بالنقب والآخر بإخراج المال.

стр. 6529

وإن نقب أحدهما الحرز ودخل، فأخذ المال ورمى به من داخل الحرز إلى خارجه، وخرج ليأخذه وقد أخذه سارق آخر.. فمن أصحابنا الخراسانيين من قال: هو كما لو اشتركا في النقب، وأخرج أحدهما المال إلى بعض النقب، وأخذه الآخر. ووجه الشبه بينهما: أن الرامي لم يتناول المسروق بعد إخراجه إياه من الحرز. كما أن من أخرج المتاع إلى بعض النقب.. لم يتناوله مخرجا. وقال أصحابنا العراقيون وبعض الخراسانيين: يجب القطع هاهنا على الذي رمى بالمال قولا واحدا؛ لأنه أخرج المال من جميع الحرز، فوجب عليه القطع، كما لو خرج وأخذ المال وغصب منه. إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا الخراسانيون في كيفية اشتراكهما في نقب الحرز الذي يختلف فيه الحكم في السارقين على ما مَضَى: فمنهم من قال لا يكونان مشتركين إلا بأن يأخذ آلة واحدة بأيديهما فينقبا الحرز بها معا، كما أنه لا يجب عليهما القود في اشتراكهما في قطع العضو إلا بأن يأخذا آلة واحدة بأيديهما ويقطعا بها العضو معا. فأما إذا نقب كل واحد منهما بعض الحرز بآلة منفردا بها.. فلا يكونان مشتركين في النقب، كما لو أخذ كل واحد منهما آلة، فقطع بها جانبا من العضو وأبانه الآخر.. فإنه لا قَود على واحد منهما في العضو. ومنهم من قال: يصيران مشتركين في النقب إذا أخذا آلة واحدة بأيديهما ونقبا بها الحرز معا، كما مَضَى. ويصيران شريكين أيضا إذا أخذ كل واحد منهما آلة وانفرد بنقب بعض الحرز، وهو الأصح؛ لأنهما قد اشتركا في نقب الحرز، فهو كما لو اشتركا في النقب بآلة واحدة معا. [فرع: مقعد وأعمى يشتركان في سرقة] وإن حمل أعمى مقعدا وأدخله حرزا، وكان المقعد يدل الأعمى على المال، فأخذا منه ما يساوي نصابا.. ففيه وجهان:

стр. 6530

أحدهما: يجب عليهما القطع؛ لأن المال لم يخرج إلا بهما، فهو كما لو اشتركا في إخراجه بالمباشرة. والثاني: لا يجب القطع إلا على الأعمى، وهو الأصح؛ لأنه هو المباشر لإخراجه. [مسألة: إخراج متاع من بيت في الدار أو الخان إلى رحبتها] إذا أخرج السارق المتاع من البيت إلى حجرة الدار - وهي: الصحن - نظرت: فإن كان الصحن مشتركا بين سكان في الدار.. وجب القطع على السارق، سواء كان باب الدار مغلقا أو مفتوحا؛ لأن ما في البيت إنما هو مَحرُوز في البيت لا بباب الدار. وإن كانت الدار جميعها لواحد.. ففيه أربع مسائل: إحداهن: أن يكون باب البيت الذي أخرج منه المتاع مفتوحا وباب الدار مغلقا.. لم يجب القطع هاهنا؛ لأن ما في البيت مَحرُوز بباب الدار دون باب البيت، ولم يخرج المال عن حرزه. الثانية: أن يكون باب البيت مغلقا وباب الدار مفتوحا.. فيجب القطع؛ لأن ما في البيت محرز بباب البيت لا بباب الدار، وقد أخرج المال عن حرزه. الثالثة: أن يكون باب البيت مفتوحا وباب الدار مفتوحا.. فلا يجب عليه القطع؛ لأن المال غير مَحرُوز. الرابعة: أن يكون باب الدار مغلقا وباب البيت مغلقا.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأن المال مَحرُوز بباب البيت، فإذا خرج منه.. وجب عليه القطع، كما لو أخرجه من الدار إلى السكة. والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الأصح؛ لأن المال محرز بباب البيت وباب الدار، ولم يخرج المال من كمال الحرز، فلم يجب عليه القطع، كما لو كان المتاع في صندوق مقفل في البيت، فأخرجه من الصندوق إلى البيت.

стр. 6531

هذا نقل أصحابنا العراقيين: وقال الخراسانيون: إذا كان لرجل بيت في دار له، فأخرج السارق المتاع من البيت إلى الدار، وكان باب البيت مفتوحاً وباب الدار مفتوحاً.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه أخرجه من حرزه الذي أحرز فيه وإن أخرجه إلى حرز آخر. والثاني: لا يجب عليه القطع، لأن المتاع أحرز بالبابين جميعاً، فلما لم يخرجه منهما.. لم يكمل الإخراج. وإن كان في الخان بيوت لجماعة، لكل واحد منهم بيت، وكانت أبواب البيوت مغلقة، وباب الخان مغلقاً، فسرق سارق من ساحة الخان وأخرجه من الخان، فإن لم يكن للسارق بيت في الخان.. قطع. وإن كان له بيت في الخان.. لم يقطع؛ لأنه سرق ما هو غير محرز عنه. إن كان المتاع في بعض بيوت الخان، فأخرجه من لا بيت له في الخان من البيت المغلق إلى ساحة الخان، والخان مغلق الباب.. فهل يقطع؟ فيه وجهان على ما مَضَى. [مسألة: سرقة الضيف] وإن نزل رجل ضيفاً برجل، فسرق الضيف من مال صاحب البيت نصاباً.. نظرت: فإن سرق من متاع في البيت الذي أنزل فيه، أو من موضع غير محرز عنه.. لم يقطع؛ لما رَوَى أبُو الزبير، عن جابر أنه قال: أضاف رجل رجلاً، فأنزله في مشربة له، فوجد متاعاً له قد اختانه، فأتى به أبا بكر ﵁، فقال له: (خل عنه فليس بسارق، وإنما هي أمانة اختانها) . ولأنه غير مَحرُوز عنه، فلم يقطع فيه، كما لو أخذ الوديعة التي عنده.

стр. 6532

وإن سرقه من موضع مَحرُوز عنه.. قطع، وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يقطع) . دليلنا: أنه سرق نصاباً، لا شبهة له فيه، محرزاً عنه، فقطع كغير الضيف. وعلى هذا يحمل ما روي: (أن رجلاً مقطوع اليد والرجل قدم المدينة ونزل بأبي بكر ﵁، وكان يكثر الصلاة في المسجد، فقال أبُو بكر: ما ليلك بليل سارق، فلبثوا ما شاء الله، ففقدوا حليا لهم، فجعل ذلك الرجل يدعو على من سرق أهل هذا البيت الصالح، فمر رجل بصائغ في المدينة، فرأى عنده حلياً، فقال: ما أشبه هذا بحلي آل أبي بكر! فقال للصائغ: ممن اشتريته؟ فقال: من ضيف أبي بكر، فأخذ ذلك الرجل، فأقر أنه سرقه، فبكى أبُو بكر ﵁، فقلت: ما يبكيك من رجل سرق؟! فقال: أبكي لغرته بالله، ثم أمر فقطعت يده) ، ولم يأمر بقطعه إلا لأنه كان محرزاً عنه، بدليل الحديث الأول عنه. [مسألة: سرق اختصاصاً لا يعد مالا ككلب ونحوه أو مما يستهان به كالقشور] وإن سرق ما ليس بمال، كالكلب والخنزير والخمر.. لم يجب عليه القطع. وقال عطاء: إن سرق الخمر أو الخنزير من الذمي.. وجب عليه القطع. دليلنا: أن ذلك ليس بمال؛ بدليل: أنه لا يجب على متلفه قيمته، فلم يجب فيه القطع، كالميتة. فإن سرق إناء يساوي نصابا فيه خمر أو بول.. ففيه وجهان:

стр. 6533

أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه سرق نصاباً. والثاني: لا يجب عليه القطع - وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها سرقة، سقط القطع في بعضها فسقط في جميعها، كما لو سرق مالا مشتركا بينه وبين غيره، والأول أصح؛ لأن سقوط القطع في الخمر لا يوجب سقوط القطع في الإناء. وإن سرق قشور الرمان وما أشبهها مما يستهان به.. فهل يجب فيه القطع؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع " و " التجريد ": أحدهما: لا يجب عليه فيه القطع؛ لأنه لا يتمول. والثاني: يجب فيه القطع، وهو المذهب؛ لأنه مال. [فرع: سرقة آلات اللهو أو إناء أو صنم من ذهب أو فضة] قال الشيخُ أبُو حامد وابن الصبَّاغ: إذا سرق طنبوراً، أو مزماراً، أو غير ذلك من آلة اللهو، فإن كانت قيمته على حاله ربع دينار، وإذا أزيل تأليفه كانت قيمته أقل من ربع دينار.. لم يجب فيه القطع؛ لأن تأليفه محرم لا قيمة له. وإن كان إذا نقض تأليفه وصار خشباً يستعمل في أشياء مباحة يساوي ربع دينار فصاعداً.. وجب القطع بسرقته؛ لأنه سرق ما يساوي ربع دينار. وكذلك: إن كانت قيمته بعد نقضه لمنفعة مباحة لا تبلغ ربع دينار إلا أن عليه حلية تبلغ نصاباً بنفسها، أو تبلغ مع قيمته نصاباً.. وجب بسرقته القطع. وذكر الشيخ أبُو إسحاق: إن كان إذا فصل.. صلح لمنفعة مباحة، وأراد: إذا بلغت قيمته نصاباً بعد ذلك.. فهل يجب بسرقته القطع؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب؛ لما تقدم ذكره. والثاني: لا يجب بسرقته القطع - وبه قال أبُو حَنِيفَة - لأنه آلة معصية، فلم يجب بسرقته القطع، كالخمر. والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هُرَيرَة -: إن أخرجه مفصلاً.. قطع، لزوال المعصية. وإن أخرجه غير مفصل.. لم يقطع؛ لبقاء المعصية. وإن سرق إناء من ذهب أو فضة، فإن كانت قيمته من غير صنعته تبلغ نصاباً..

стр. 6534

وجب بسرقته القطع. وإن كانت قيمته لا تبلغ نصاباً إلا بصنعته.. بني على القولين: هل يجوز اتخاذه؟ فإن قلنا: يجوز اتخاذه.. وجب بسرقته القطع. وإن قلنا: لا يجوز اتخاذه.. لم يجب بسرقته القطع. وإن سرق صنما من ذهب أو فضة، فإن كانت قيمته لا تبلغ نصابا إلا بصنعته.. لم يجب فيه القطع؛ لأن صنعته لا حكم لها؛ لأنه لا يجوز اتخاذه. وإن كانت قيمته تبلغ نصاباً مفصلاً.. فهو كما لو سرق طنبوراً أو مزماراً، على ما مَضَى. [مسألة: سرقة العبيد] وإن سرق عبداً نائماً.. وجب عليه القطع، سواء كان صغيراً أو كبيراً. وإن كان العبد مستيقظاً.. نظرت: فإن كان صغيرا لا يفرق بين طاعة مولاه وبين طاعة غيره.. وجب عليه القطع. وإن كان كبيراً.. نظرت: فإن كان مجنوناً أو أعجمياً لا يفرق بين طاعة مولاه وبين طاعة غيره.. وجب عليه القطع. وبه قال أبُو حَنِيفَة ومالك. وقال أبُو يوسف: لا يجب القطع بسرقة الآدمي بحال. دليلنا: أنه حيوان مملوك لا يميز، فوجب بسرقته القطع، كالبهيمة. وإن كان العبد صغيرا مميزا أو كبيراً عاقلاً مميزاً.. لم يجب بسرقته القطع، لأنه إذا قيل له: تعال إلى موضع كذا.. فذلك خدعة وليس بسرقة بحال. قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إلا أن أكرهه على الذهاب به.. فيجب عليه القطع. وإن سرق أم ولد نائمة، أو مجنونة، أو أكرهها على طريقة المسعوديّ. هل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنها مال مقوم؛ بدليل: أنه لو أتلفها.. لوجبت عليه قيمتها، فهي كالأمة القنة. والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لأن معنى المال فيها ناقص؛ بدليل أنه لا يملك نقل ملك الرقبة فيها إلى غيره.

стр. 6535

[فرع: سرق حرا صغيراً] وإن سرق حراً صغيراً:.. لم يجب عليه القطع. وبه قال أبُو حَنِيفَة. وقال مالك: (يجب عليه القطع) دليلنا: أنه ليس بمال، فلم يجب عليه القطع، كالحر الكبير. وإن سرق حراً صغيراً عليه حلي يبلغ نصاباً فصاعداً.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه سرق الحلي مع الصبي، فوجب عليه القطع، كما لو سرق الحلي منفرداً. والثاني: لا يجب عليه القطع. وبه قال أكثر أصحابنا وأبو حَنِيفَة، وهو الأصح؛ لأن يد الصبي ثابتة على ما معه من الحلي؛ ولهذا: لو وجد منبوذاً ومعه حلي.. كان له الحلي، فلم يجب القطع بسرقته، كما لو سرق متاعاً ومالكه نائم عليه. إذا ثبت هذا: فإن حرز العبد الصغير المستيقظ، والحر الصغير- إذا سرقه مع الحلي، وقلنا: يجب عليه القطع - دار السيد والولي وما يقرب من الدار، فإن كان يلعب مع الصبيان وسرقه سارق من هناك.. وجب عليه القطع؛ لأن السيد والولي لا ينسبان إلى التفريط بتركهما هنالك.. فأما إذا تباعدا عن باب الدار؛ بأن دخلا سكة أخرى، فسرقهما سارق من هنالك.. لم يجب عليه القطع؛ لأن السيد والولي ينسبان إلى التفريط بتركهما له هناك. [فرع: سرقة العين الموقوفة] وإن وقف رجل عينا مما ينقل، فسرقها سارق من غير الموقوفة عليهم، فإن قلنا: إن الملك ينتقل في الوقف إلى الموقوف عليه.. فهل يجب القطع على سارقها؟ فيه وجهان، كالوجهين فيمن سرق أم ولد لغيره نائمة أو مجنونة.

стр. 6536

وإن قلنا: إن الملك في الوقف ينتقل إلى الله تَعالَى.. فهل يجب القطع بسرقتها؟ فيه وجهان أيضا حكاهما الشيخ أبُو حامد: أحدهما: لا يجب فيها القطع؛ لأنها غير مملوكة لآدمي، فلم يجب بسرقتها القطع، كالصيود. والثاني: يجب بسرقتها القطع؛ لأنه مال ممنوع من أخذه، فوجب بسرقته القطع وإن لم يكن له مالك معين، كستارة الكعبة. وإن وقف نخلا أو شجراً على قوم، فسرق سارق من غير أهل الوقف عليها ما يساوي نصابا.. وجب عليه القطع وجها واحداً؛ لأن ذلك ملك للموقوف عليه، فوجب بسرقته القطع، كغلة الوقف. [مسألة: سرق الأموال العامة أو ما فيها شبهة ملك للسارق] ولا يجب القطع بسرقة مال له فيه شبهة؛ لقوله ﷺ : «ادرؤوا الحدود بالشبهات» . فإن سرق مسلم من مال بيت المال.. لم يقطع، لما رُوِيَ: أن رجلا سرق من بيت المال، فكتب بعض عمال عمر ﵁، إليه بذلك، فقال: (خلوه، لا قطع عليه، ما من أحد إلا وله فيه حق) . ورُوِي: (أن رجلا سرق من خُمس الخمس، فرفع إلى عليّ ﵁، - فلم يقطعه ".

стр. 6537

هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إذا سرق مسلم من بيت المال.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه القطع؛ لما مَضَى. والثاني: يجب عليه القطع؛ لأنه مال من جملة الأموال. قال: والصحيح: أنه ينظر فيه: فإن كان المال الذي سرقه منه من مال الصدقات والسارق فقير.. فلا قطع عليه. وإن كان غنيا.. قطع، لأنه لا حق له فيه.. وإن كان المسروق من مال المصالح، فإن كان السارق فقيرا.. فلا قطع عليه، وإن كان غنيا.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه لا يجوز للإمام أن يملك الغني من مال المصالح شيئا، فلا شبهة له فيه. والثاني: لا يجب عليه القطع؛ لقول عمر ﵁، - (ما من مسلم إلا وله في بيت المال حق) وقد يصرف هذا المال في عمارة القناطر والمساجد، فيكون للغني الانتفاع بها، كما يجوز ذلك للفقير. وإن سرق ذمي من بيت المال.. قطع؛ لأنه لا حق له فيه بحال. وإن كفن الإمام رجلا بثوب من بيت المال، فنبشه سارق وأخذ الكفن.. قطع؛ لأن الإمام إذا صرف شيئا من مال بيت المال في جهة.. اختص بها، وانتفت الشبهة فيه لسائر الناس. [فرع: سرقة الشريك من المال المشترك] ] إذا سرق سارق من مال مشترك بينه وبين غيره.. فذكر الشيخ أبُو حامد: أنه لا يقطع؛ لأن له شبهة في كل جزء منه؛ لأنه لا يحرز عنه. وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة "] فيه قولين: أحدهما: لا يقطع؛ لأنه ما من جزء إلا وهو مشاع بينهما. والثاني: يقطع؛ لأن مال شريكه لا شبهة له فيه.

стр. 6538

فإذا قلنا بهذا.. نظرت: فإن كان المال متساوي الأجزاء؛ بحيث يجبر الشريك على قسمته بالأجزاء بالقرعة، كالدنانير والدراهم والحنطة والشعير.. ففيه وجهان: أحدهما: إن كانت الدنانير بينهما نصفين، فسرق نصف دينار.. قطع؛ لأنه تحقق أن ربع الدينار ملك الشريك خاصة. والثاني: لا يقطع بهذا؛ ولكن يجمع حقه فيما سرق؛ فإن كان المشترك دينارين.. لم يقطع إلا بأن يسرق دينارا وربعا.. ولا يقطع إذا سرق دينارا؛ لأن الدينار حقه، والدنانير متماثلة الأجزاء. وإذا امتنع أحد الشريكين من القسمة.. فللآخر أن يأخذ نصيب نفسه، فيجعل هذا السارق كأنه أخذ نصيب نفسه. وإن كان المال المشترك غير متساوي الأجزاء؛ مثل الثياب ونحوها.. فإنه يقطع إذا سرق ما يساوي نصف دينار. والفرق بينهما: أن المال إذا كان متساوي الأجزاء، وأخذ دينارا، وله في جملة المال دينار.. صار كأنه أخذ مال نفسه. وإذا كان متفاوت الأجزاء.. فلا يجوز له أخذ شيء منه بحال إلا بإذن شريكه، فإذا سرق ما يساوي نصف دينار.. جعل سارقا لربع دينار، فقطع. وإن سرق السيد من مال من نصفه حر ونصفه عبد له.. ينظر: فإن سرق من المال الذي له بنصفه الحر وقد أخذ السيد نصيبه منه.. قال القفال: لم يقطع؛ لأن له شبهة في ذلك المال؛ لأن المال إنما يكون في الحقيقة لجميع البدن، ونصف بدنه له، فهو كسرقة مال ولده. وقال أبُو عليّ السنجي: يجب عليه القطع؛ لأنه لا شبهة له في هذا المال؛ لأن العبد يملكه بنصفه الحر ملكا تاما؛ ولهذا: يجب عليه فيه الزكاة، ويورث عنه على الصحيح. [فرع: السرقة من غلة الوقف] وإن سرق إنسان من غلة الوقف على الناس.. لم يقطع؛ لأنه من الناس. وإن كان الوقف على الفقراء والمساكين، فسرق من غلته فقير أو مسكين.. لم يقطع؛ لأنه من أهل الوقف. وإن سرق منها غني.. قطع؛ لأنه ليس من أهل الوقف.

стр. 6539

[فرع: السرقة لستارة الكعبة أو ما يخص المساجد] وإن سرق ستارة الكعبة.. فنص الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أنه يجب عليه القطع) . وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليه القطع) . دليلنا: ما رُوِيَ: (أن رجلا سرق قبطية من منبر رسول الله ﷺ فقطعه عُثمانَ ﵁) . ومثل هذا لا يخفى على الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فدلَّ على: أنه إجماع. ولأن ستارة الكعبة تراد للزينة، وإحرازها نصبها عليها، فإذا سرقها سارق.. فقد سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع كسائر الأموال. قال أصحابنا: وعلى قياس هذا: إن سرق سارية من سواري المسجد أو سرق سقف المسجد أو بابه أو تأزيره.. وجب عليه القطع؛ لأن ذلك يراد لحفظ المسجد وزينته، فهو كستارة الكعبة. فإن سرق مسلم من قناديل المسجد أو حصره.. لم يجب عليه القطع؛ لأن له أن ينتفع بها، فكان ذلك شبهة في سقوط القطع عنه بسرقتها. [مسألة: سرقة الوالد من مال ولده وعكسه وسرقة ذَوِي الأرحام] ] : وإن سرق الوالد من مال ولده وإن سفل من قبل البنين أو البنات.. لم يجب عليه القطع. وكذلك: إن سرق الولد من مال أحد آبائه أو أمهاته وإن علوا.. لم يجب عليه

стр. 6540

القطع. قال الشيخُ أبُو حامد: وهذا إجماع. وحكى الشيخُ أبُو إسحاق وابن الصبَّاغ: أن أبا ثور قال: (يجب القطع على جميعهم؛ لعموم الآية) . دليلنا: قوله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» فأخبر: أن مال الولد للوالد، فلم يجب عليه القطع بسرقته، كما لو أخذ مال نفسه. وإذا ثبت ذلك في الوالد.. ثبت في الولد؛ لأن لكل واحد منهما شبهة في مال الآخر في وجوب النفقة عليه. وأمَّا الآية: فمخصوصة بما ذكرناه. وإن سرق من مال ذَوِي رحمه غير الوالدين والأولاد؛ بأن سرق من مال أخيه، أو ابن أخيه، أو عمه، أو من أشبههم.. وجب عليه القطع. وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا سرق من مال ذي رحم محرم له، كالأخ، وابن الأخ، والعم، والخال، ومن أشبههم. لم يجب عليه القطع. وإن سرق من مال ابن العم، وابن الخال، وما أشبههما.. وجب عليه القطع) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] [المائدة: ٣٨] . وقوله ﷺ : «القطع في ربع دينار» وهذا عام. ولأنهما قرابة لا تمنع قبول الشهادة، فلم تمنع القطع في السرقة، كقرابة ابن العم. [فرع: لا قطع على العبد في سرقته من مال سيده] ولا على السيد من مال مكاتبه أو المأذون] : وإن سرق العبد من مال سيده.. لم يقطع. قال الشيخُ أبُو حامد: وهو إجماع. وحكى الشيخُ أبُو إسحاق: أن أبا ثور قال: (يجب عليه القطع) وحكاه ابن الصبَّاغ عن داود. دليلنا: ما روى أبُو هُرَيرَة ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا سرق العبد..

стр. 6541

فَبِعهُ ولو بِنَش» . و (النَّش) : عشرون درهما، فأمر ببيعه ولم يأمر بقطعه، فدلَّ على: أن القطع لا يجب عليه. ورُوِي عن السائب بن يزيد: أنه قال: (شهدت عبد الله بن عمرو الحضرمي أتى عمر ﵁، - بغلام له، فقال: اقطعه فإنه سرق، فقال: ما الذي سرق؟ قال: مرآة لامرأتي، قيمتها ستون درهما، فقال عمر ﵁: أرسله، فلا قطع عليه، خادمكم سرق مالكم) . وكذلك: رُوِيَ عن ابن مَسعُودٍ، ولا مخالف لهما في الصحابة، فدلَّ على: أنه إجماع. ولأن له شبهة في مال سيده؛ لاستحقاقه النفقة في ماله، كالأب إذا سرق مال ابنه. والآية مخصوصة بما ذكرناه. قال المسعوديُّ [في" الإبانة "] : وإن سرق السيد من مال مكاتبه أو عبده المأذون.. لم يجب عليه القطع. [فرع: سرقة أحد الزوجين من مال الآخر] وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر نصابا.. نظرت: فإن سرق من مال غير محرز عليه.. لم يجب عليه القطع. وإن سرق من مال محرز عنه.. فقد قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (لا يجب عليهما القطع) . وقال: في موضع آخر: (يجب عليهما القطع) . واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب فيها: فقال الشيخُ أبُو حامد: فيها طريقان:

стр. 6542

أحدهما: أنهما على حالين: فالموضع الذي قال: (لا يجب عليهما القطع) أراد: إذا كان مال كل واحد منهما مختلطا بمال الآخر؛ لأنه غير محرز عنه. والموضع الذي قال: (يجب عليهما القطع) أراد: إذا كان مال واحد منهما منفردا عن مال الآخر محرزا عنه. والطريق الثاني: إذا كان مال أحدهما مختلطا بمال الآخر.. فلا يجب على أحدهما القطع بسرقة مال الآخر قولا واحدا؛ لأنه غير محرز عنه. وإن كان مال أحدهما منفردا عن مال الآخر محرزا عنه.. ففيه قولان - قال: وهو الأصح -: أحدهما: لا يجب عليه القطع - وهو قول أبي حَنِيفَة - لأن ما لم يقطع عبده بسرقة ماله.. لم يقطع سيده بسرقته. وقد رُوِيَ عن عمر: أنه قال: في غلام الحضرمي الذي سرق مرآة امرأته: (أرسله: فلا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم) . ولأن كل واحد من الزوجين له شبهة في مال الآخر؛ أما الزوجة: فلاستحقاقها النفقة في مال الزوج، وأمَّا الزوج: فلأنه يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف في مالها- على قول بعض الفقهاء - ولأن العادة أن كل واحد من الزوجين لا يحرز ماله عن الآخر، وإن فعل ذلك.. كان نادرا، فألحق النادر بالغالب. والثاني: يجب عليهما القطع، وهو الصحيح؛ لعموم الآية والخبر. ولأن الزوجية عقد تستباح به المنفعة، فلم تؤثر في إسقاط القطع، كالإجارة.. وما رُوِيَ عن عمر ﵁.. فيحمل على: أنه سرق من موضع ليس بمحرز عنه. وذكر القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر ما هو محرز عنه.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب عليه القطع.

стр. 6543

والثاني: لا يجب عليهما القطع؛ لما ذكرناه. والثالث: يجب القطع على الزوج بسرقة مال الزوجة؛ لأنه لا يستحق حقا في مالها. ولا يجب القطع على الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأن الزوجة تستحق حقا في ماله. فإذا قلنا: لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر.. لم يقطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر؛ لما رَوَيْنَاهُ من حديث عمر ﵁، وأرضاه. وإذا قلنا: يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر.. قطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر. [فرع: سرقا معا وأحدهما ولد صاحب الحرز أو والده] أو أحدهما صبي والآخر بالغ] : وإن نقب رجلان حرزا لرجل، ودخلا وأخذا نصابين، وأحدهما ولد صاحب الحرز أو والده، أو نقب صبي وبالغ حرزا وأخذا نصابين.. وجب القطع على الأجنبي والبالغ. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليهما القطع) . دليلنا: أنه يجب عليه القطع بانفراده بالسرقة، فمشاركة الآخر له في السرقة لا تسقط القطع عنه، كما لو سرق شيئين يجب القطع في أحدهما دون الآخر. [مسألة: سرقة الرهن من حرز المرتهن ونحوه أو السارق من السارق والغاصب] إذا سرق السارق الرهن من حرز المرتهن أو العدل، أو سرق العين المستأجرة من حرز المستأجر، أو العين المودعة من حرز المودع، أو العين المستعارة من حرز المستعير، أو مال القراض من حرز العامل.. وجب على السارق القطع؛ لأن المالك قد رضي بهذا الحرز حرزا لماله؛ إلا أن المطالب بالمال أو القطع هو مالك المال دون المرتهن والمستأجر والمودع والمستعير؛ لأنه هو المالك للمال. فإن سرق سارق نصابا من حرز مثله، فأحرزه في حرز له، فسرقه سارق آخر من حرز هذا السارق.. فإن السارق الأول قد وجب عليه القطع بسرقته، وأمَّا السارق الثاني.. فليس للسارق الأول مطالبته برد النِّصَاب إليه ولا بالقطع؛ لأنه لا حق له فيه -

стр. 6544

وهذا وفاق بيننا وبين أبي حَنِيفَة - ولمالك النِّصَاب أن يطالب السارق الثاني برده، وهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه القطع؛ لأنه سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع، كالسارق الأول. والثاني: لا يجب عليه القطع، وهو الصحيح؛ لأن مالك النِّصَاب لم يرض بهذا الحرز حرزا لماله. وإن غصب رجل من رجل نصابا وأحرزه في حرز مثله، فسرقه سارق من ذلك الحرز.. فإن الغاصب لا قطع عليه، وليس للغاصب مطالبة السارق برد العين المغصوبة إليه قبل أن يطالبه المالك برد النِّصَاب. وقال أبُو حَنِيفَة: (له المطالبة بذلك) . دليلنا: أنه غير مالك للنصاب، فلم يكن له المطالبة برده إليه كالسارق. إذا ثبت هذا: فللمالك مطالبة أيهما شاء برد النِّصَاب، وهل يجب القطع على السارق من الغاصب؟ على الوجهين. وإن غصب رجل من رجل شيئا وأحرزه بحرز مثله، فنقب المغصوب منه حرز الغاصب، فإن أخذ مال نفسه لا غير.. فلا قطع عليه؛ لأنه يستحق أخذه. وإن سرق معه نصابا من مال الغاصب.. نظرت: فإن كان المال المغصوب منه مخلوطا بمال الغاصب غير مميز عنه.. قال الشيخُ أبُو حامد، وابن الصبَّاغ، وأكثر أصحابنا: لم يجب القطع على المغصوب منه وجها واحداً؛ لأنه لا يمكنه أخذ مال نفسه إلا بأخذ مال الغاصب، وذلك شبهة له في سرقة مال الغاصب، فلم يجب عليه القطع. وإن كان مال الغاصب غير مختلط بمال المغصوب منه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه القطع؛ لأن له هتك الحرز لأخذ مال نفسه، فإذا أخذ مال الغاصب.. فقد أخذه من حرز مهتوك، فلم يجب عليه القطع.

стр. 6545

والثاني: يجب عليه القطع؛ لأنه لما أخذ مال الغاصب.. علمنا أنه هتك الحرز ليسرق، فإذا سرق.. وجب عليه القطع. وذكر الشيخ أبُو إسحاق: إذا سرق المغصوب منه من مال الغاصب نصابا مع مال نفسه.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجب عليه القطع. والثاني: يجب عليه القطع؛ لما مَضَى. والثالث: إن كان ما سرقه متميزا عن ماله.. قطع؛ لأنه لا شبهة له في سرقته. وإن كان مختلطا بماله.. لم يقطع؛ لأنه لا يتميز ما يجب فيه القطع بما لا يجب فيه القطع، فعلى قوله.. في المال المخلوط وجهان، وفي غير المختلط وجهان. [فرع: نقب من له دين على حرز من عليه الدين] وإن كان لرجل على رجل دين، فنقب من له الدين حرزا لمن عليه الدين، وأخذ من ماله قدر دينه، وهو نصاب.. فقد قال الشافعي: (لا قطع عليه) . وقال أصحابنا: إنما لا يجب عليه القطع إذا كان من عليه الدين مماطلا بما عليه له من الدين مانعا له عنه؛ لأن له أن يتوصل إلى أخذ دينه عند منعه بأي وجه قدر عليه. وإن كان من عليه الدين باذلا له دينه.. وجب عليه القطع؛ لأنه لا حاجة به إلى هتك الحرز، وأخذ ذلك من غير رضا من عليه الدين. قال ابن الصبَّاغ: فإن كان من عليه الدين غير باذل له دينه، فأخذ من له الدين أكثر من دينه.. كان كالمغصوب منه إذا سرق من مال الغاصب مع مال نفسه على ما ذكرناه، وأراد كما لو سرق المغصوب منه من مال الغاصب نصابا متميزا عن ماله.. فهل يجب عليه القطع؟ فيه وجهان.

стр. 6546

[فرع: سرقة الطعام في المجاعة] وإن سرق سارق الطعام عام المجاعة.. نظرت: فإن كان الطعام موجودا، وإنما هو غال.. وجب عليه القطع؛ لأنه إذا كان موجودا.. فليس لأحد أخذه بغير إذن مالكه، فهو كالطعام في غير المجاعة. وإن كان الطعام غير موجود.. فلا قطع على من سرقه ليأكله؛ لما رُوِيَ عن عمر ﵁: أنه قال: (لا قطع في عام المجاعة) ، ورُوِي عنه: أنه قال: (لا قطع في عام السنة) ، وعام القحط يسمى: السنة. ورُوِي عن مروان: أنه أتي بسارق فلم يقطعه، وقال: أراه مضطرا إليه. ولأن من اضطر إلى طعام غيره.. فله أن يأخذه ويقاتل صاحبه، وهذا السارق مضطر إليه، فلم يقطع بسرقته. [فرع: سرقة المؤجر من المستأجر أو المعير من المستعير] وإن استأجر رجل بيتا فأحرز فيه ماله، فنقبه المؤجر وسرق منه نصابا للمستأجر.. وجب عليه القطع. وبه قال أبُو حَنِيفَة. وقال أبُو يوسف ومحمد: لا يجب عليه القطع.

стр. 6547

دليلنا: أنه سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع، كما لو سرقه من بيت صاحب المال. فإن أعار رجل رجلا بيتا، فأحرز فيه المستعير ماله، فنقبه المعير وسرق منه نصابا.. قال الشيخُان: أبُو حامد وأبو إسحاق: فهل يجب عليه القطع؛ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه القطع؛ لأن له الرجوع في عاريته متى شاء، فإن نقب البيت.. فقد رجع في عاريته فهتك حرز نفسه، فلم يجب عليه القطع بالسرقة منه. والثاني - وهو المنصوص -: (أنه يجب عليه القطع) ، لأنه لما أعاره.. ملك المستعير إحراز ماله فيه، فإذا سرق منه المعير.. فقد سرق من حرز حق، فوجب عليه القطع، كما لو أحرزه في داره. وقال ابن الصبَّاغ والمسعوديُّ [في " الإبانة "] : الوجهان إذا نوى المعير الرجوع في العارية عند النقب، فإذا لم ينو الرجوع عند ذلك.. قطع وجها واحدا. وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه: (لا يجب عليه القطع) وقد مَضَى الدليل عليه. [مسألة: هبة أو بيع المسروق منه] السارق العين المسروقة] : وإذا وهب المسروق منه العين المسروقة من السارق أو باعها منه.. لم يسقط القطع. قال أصحابنا: سواء وهبها منه أو باعها، قبل أن يترافعا إلى الحاكم أو بعد أن يترافعا؛ فإنه لا يسقط القطع، إلا أنه إذا وهبها منه أو باعها منه بعد أن يترافعا إلى الحاكم.. فلا يسقط القطع ويستوفيه الحاكم منه. وإذا وهبها منه أو باعها منه قبل أن يترافعا إلى الحاكم.. فإن القطع لا يسقط، ولكن لا يمكن استيفاؤه منه؛ لأنه بالهبة والبيع قد سقطت مطالبته له، والإمام لا يقطع السارق إلا بمطالبة المسروق منه به، فإذا لم يكن من يطالب بالقطع.. لم يكن استيفاء القطع. هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.

стр. 6548

وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا وهبها منه وأقبضه إياها.. سقط عنه القطع، سواء كان قبل الترافع إلى الحاكم أو بعد الترافع) . وقال: قوم من أصحاب الحديث: إن وهبها منه قبل الترافع.. سقط القطع، وإن وهبها منه بعد الترافع.. لم يسقط القطع. وحكي ذلك عن أبي يوسف وابن أبي ليلى. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] [المائدة: ٣٨] . وقوله ﷺ : «القطع في ربع دينار» . ولم يفرق بين أن يهبها منه أو لا يهبها. «ورُوِي: أن صفوان بن أمية نام في مسجد المدينة متوسدا رداءه، فسرقه رجل من تحته، فانتبه صفوان وصاح، وأخذ السارق وأتى به النَّبيّ ﷺ فأمر النَّبيّ ﷺ بقطعه، فقال: صفوان: يا رسول الله، ما أردت هذا، هو عليه صدقة، فقال النَّبيّ ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به" وقطعه» . فلو كانت الهبة تسقط القطع.. لنبه النَّبيّ ﷺ على إتمامها. وأمَّا قوله ﷺ : «فهلا قبل أن تأتيني به» ففيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد: فهلا سترت عليه ولم تأتني به. والثاني: أنه أراد: فهلا وهبت له قبل أن تأتيني به؛ فيسقط استيفاء القطع لسقوط المطالبة. ولأنه ملك حدث بعد وجوب الحد، فلم يسقط الحد، كما لو زنَى بأمة ثم اشتراها. إذا ثبت هذا: فذكر الشيخ أبُو إسحاق: أنه إذا وهبها بعد ما رفع إلى السلطان.. لم يسقط القطع. ولا يجوز أن يقال: إنه أراد: إذا وهبها منه قبل أن يرفع إلى السلطان.. يسقط القطع؛ لأنه لم يذكر ذلك، وليس لكلامه دليل خطاب، وإنما أراد به: أنه يسقط الاستيفاء، كما قال سائر أصحابنا. [مسألة: إقرار السارق بدعوى من المسروق منه أو بدونها] إذا ادعى رجل على رجل أنه سرق منه نصابا منه حرز مثله، فأقر المدعى عليه بذلك.. لزمه غرم النِّصَاب، والقطع بإقراره مرة. وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة، وأكثر أهل العلم.

стр. 6549

وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، وزفر، وأحمد، وإسحاق: (لا يلزمه القطع إلا بأن يقر بالسرقة مرتين) . دليلنا: قوله ﷺ : «من أتى من هذه القاذورات شيئا.. فليستتر بستر الله؛ فإن من أبدى لنا صفحته.. أقمنا عليه حد الله» ولم يفرق بين أن يقر مرة أو مرتين. فإن رجع عن إقراره.. سقط عنه القطع. وبه قال أكثر أهل العلم. وقال ابن أبي ليلى وداود: (لا يسقط عنه القطع) . وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه يتعلق به صيانة أموال الآدميين. والمذهب الأول؛ لما «رَوَى أبُو أمية المخزومي: أن النَّبيَّ ﷺ أتى بسارق، فاعترف بالسرقة ولم يوجد معه متاع، فقال له النَّبيّ ﷺ : "ما أخالك سرقت". فقال: بلى، فكرر عليه ذلك ثلاثا وهو يقول: بلى، ثم أمر بقطعه فقطع، ثم قال النَّبيّ ﷺ : " تب إلى الله واستغفره" فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، فقال النبي ﷺ : اللهم اغفر له وتب عليه» ، فلولا أن القطع يسقط بالرجوع.. لما عرض له النَّبيّ ﷺ بالرجوع. فإن قطعت بعض يده ثم رجع، فإن كانت يده إذا لم يتم قطعها رجي اندمالها ومنفعتها.. لم يجز قطعها. وإن كانت إذا لم يتم قطعها لا يرجى في تركها منفعة، بل يخشى ضررها.. فالسارق بالخيار: بين أن يقطعها ليستريح منها، وبين أن يتركها.

стр. 6550

إذا ثبت هذا: فإن المال لا يسقط برجوعه. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: هل يسقط المال برجوعه عن إقراره بالسرقة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يسقط، كما لو أقر أنه غصب من غيره عينا ثم رجع. والثاني: يسقط عنه؛ لأنه إقرار واحد، فإذا قبلنا رجوعه فيه في بعض أحكامه.. قبلنا رجوعه في الجميع. وإن أقر أنه سرق نصابا لرجل من حرز مثله من غير دعوى، فصادقه المقر له.. وجب عليه ضمان النِّصَاب والقطع. وإن كذبه المقر له وقال: كنت وهبته أو أبحته له أو للناس.. لم يجب القطع؛ لأن القطع لا يجب إلا بمطالبة المسروق منه، ولا مطالبة مع ذلك. [فرع: ادعاء رجل على آخر أنه سرقه] وإن ادعى رجل على رجل أنه سرق منه نصابا من حرز مثله، وأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي شاهدين ذكرين.. وجب عليه الضمان والقطع، ولا يجب عليه ذلك حتى يبين الشاهدان جنس المال وقدر النِّصَاب وصفة الحرز؛ لأن الناس مختلفون في ذلك، فوجب بيانه لينظر الحاكم فيه. قال: القاضي أبُو الطيب: ويقولا: ولا نعلم أن له فيه شبهة. قال ابن الصبَّاغ: وينبغي أن يكون هذا تأكيدا، لأن الأصل عدم الشبهة. فإن قال: المشهود عليه: كذب الشاهدان، ولم أسرق.. لم يلتفت إلى قوله ولم يسقط القطع. وإن قال: المشهود عليه: صدق الشاهدان، كنت أخذته من حرز مثله ولكنه مال لي غصبه مني، أو كنت ابتعته منه أو وهبه لي وأذن لي بقبضه، أو أباحه لي أو للناس، فأنكر المسروق منه ذلك.. لم يسمع قول السارق في إسقاط حقه من المال فيحلف المسروق منه؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه السارق، ويأخذ المسروق منه ماله. وأمَّا القطع.. فيسقط.
следующие страницы →