← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

[فرع: سرقة الطعام في المجاعة] وإن سرق سارق الطعام عام المجاعة.. نظرت: فإن كان الطعام موجودا، وإنما هو غال.. وجب عليه القطع؛ لأنه إذا كان موجودا.. فليس لأحد أخذه بغير إذن مالكه، فهو كالطعام في غير المجاعة. وإن كان الطعام غير موجود.. فلا قطع على من سرقه ليأكله؛ لما رُوِيَ عن عمر ﵁: أنه قال: (لا قطع في عام المجاعة) ، ورُوِي عنه: أنه قال: (لا قطع في عام السنة) ، وعام القحط يسمى: السنة. ورُوِي عن مروان: أنه أتي بسارق فلم يقطعه، وقال: أراه مضطرا إليه. ولأن من اضطر إلى طعام غيره.. فله أن يأخذه ويقاتل صاحبه، وهذا السارق مضطر إليه، فلم يقطع بسرقته. [فرع: سرقة المؤجر من المستأجر أو المعير من المستعير] وإن استأجر رجل بيتا فأحرز فيه ماله، فنقبه المؤجر وسرق منه نصابا للمستأجر.. وجب عليه القطع. وبه قال أبُو حَنِيفَة. وقال أبُو يوسف ومحمد: لا يجب عليه القطع.

стр. 6547

دليلنا: أنه سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله، فوجب عليه القطع، كما لو سرقه من بيت صاحب المال. فإن أعار رجل رجلا بيتا، فأحرز فيه المستعير ماله، فنقبه المعير وسرق منه نصابا.. قال الشيخُان: أبُو حامد وأبو إسحاق: فهل يجب عليه القطع؛ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه القطع؛ لأن له الرجوع في عاريته متى شاء، فإن نقب البيت.. فقد رجع في عاريته فهتك حرز نفسه، فلم يجب عليه القطع بالسرقة منه. والثاني - وهو المنصوص -: (أنه يجب عليه القطع) ، لأنه لما أعاره.. ملك المستعير إحراز ماله فيه، فإذا سرق منه المعير.. فقد سرق من حرز حق، فوجب عليه القطع، كما لو أحرزه في داره. وقال ابن الصبَّاغ والمسعوديُّ [في " الإبانة "] : الوجهان إذا نوى المعير الرجوع في العارية عند النقب، فإذا لم ينو الرجوع عند ذلك.. قطع وجها واحدا. وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه: (لا يجب عليه القطع) وقد مَضَى الدليل عليه. [مسألة: هبة أو بيع المسروق منه] السارق العين المسروقة] : وإذا وهب المسروق منه العين المسروقة من السارق أو باعها منه.. لم يسقط القطع. قال أصحابنا: سواء وهبها منه أو باعها، قبل أن يترافعا إلى الحاكم أو بعد أن يترافعا؛ فإنه لا يسقط القطع، إلا أنه إذا وهبها منه أو باعها منه بعد أن يترافعا إلى الحاكم.. فلا يسقط القطع ويستوفيه الحاكم منه. وإذا وهبها منه أو باعها منه قبل أن يترافعا إلى الحاكم.. فإن القطع لا يسقط، ولكن لا يمكن استيفاؤه منه؛ لأنه بالهبة والبيع قد سقطت مطالبته له، والإمام لا يقطع السارق إلا بمطالبة المسروق منه به، فإذا لم يكن من يطالب بالقطع.. لم يكن استيفاء القطع. هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.

стр. 6548

وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا وهبها منه وأقبضه إياها.. سقط عنه القطع، سواء كان قبل الترافع إلى الحاكم أو بعد الترافع) . وقال: قوم من أصحاب الحديث: إن وهبها منه قبل الترافع.. سقط القطع، وإن وهبها منه بعد الترافع.. لم يسقط القطع. وحكي ذلك عن أبي يوسف وابن أبي ليلى. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] [المائدة: ٣٨] . وقوله ﷺ : «القطع في ربع دينار» . ولم يفرق بين أن يهبها منه أو لا يهبها. «ورُوِي: أن صفوان بن أمية نام في مسجد المدينة متوسدا رداءه، فسرقه رجل من تحته، فانتبه صفوان وصاح، وأخذ السارق وأتى به النَّبيّ ﷺ فأمر النَّبيّ ﷺ بقطعه، فقال: صفوان: يا رسول الله، ما أردت هذا، هو عليه صدقة، فقال النَّبيّ ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به" وقطعه» . فلو كانت الهبة تسقط القطع.. لنبه النَّبيّ ﷺ على إتمامها. وأمَّا قوله ﷺ : «فهلا قبل أن تأتيني به» ففيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد: فهلا سترت عليه ولم تأتني به. والثاني: أنه أراد: فهلا وهبت له قبل أن تأتيني به؛ فيسقط استيفاء القطع لسقوط المطالبة. ولأنه ملك حدث بعد وجوب الحد، فلم يسقط الحد، كما لو زنَى بأمة ثم اشتراها. إذا ثبت هذا: فذكر الشيخ أبُو إسحاق: أنه إذا وهبها بعد ما رفع إلى السلطان.. لم يسقط القطع. ولا يجوز أن يقال: إنه أراد: إذا وهبها منه قبل أن يرفع إلى السلطان.. يسقط القطع؛ لأنه لم يذكر ذلك، وليس لكلامه دليل خطاب، وإنما أراد به: أنه يسقط الاستيفاء، كما قال سائر أصحابنا. [مسألة: إقرار السارق بدعوى من المسروق منه أو بدونها] إذا ادعى رجل على رجل أنه سرق منه نصابا منه حرز مثله، فأقر المدعى عليه بذلك.. لزمه غرم النِّصَاب، والقطع بإقراره مرة. وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة، وأكثر أهل العلم.

стр. 6549

وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، وزفر، وأحمد، وإسحاق: (لا يلزمه القطع إلا بأن يقر بالسرقة مرتين) . دليلنا: قوله ﷺ : «من أتى من هذه القاذورات شيئا.. فليستتر بستر الله؛ فإن من أبدى لنا صفحته.. أقمنا عليه حد الله» ولم يفرق بين أن يقر مرة أو مرتين. فإن رجع عن إقراره.. سقط عنه القطع. وبه قال أكثر أهل العلم. وقال ابن أبي ليلى وداود: (لا يسقط عنه القطع) . وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه يتعلق به صيانة أموال الآدميين. والمذهب الأول؛ لما «رَوَى أبُو أمية المخزومي: أن النَّبيَّ ﷺ أتى بسارق، فاعترف بالسرقة ولم يوجد معه متاع، فقال له النَّبيّ ﷺ : "ما أخالك سرقت". فقال: بلى، فكرر عليه ذلك ثلاثا وهو يقول: بلى، ثم أمر بقطعه فقطع، ثم قال النَّبيّ ﷺ : " تب إلى الله واستغفره" فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، فقال النبي ﷺ : اللهم اغفر له وتب عليه» ، فلولا أن القطع يسقط بالرجوع.. لما عرض له النَّبيّ ﷺ بالرجوع. فإن قطعت بعض يده ثم رجع، فإن كانت يده إذا لم يتم قطعها رجي اندمالها ومنفعتها.. لم يجز قطعها. وإن كانت إذا لم يتم قطعها لا يرجى في تركها منفعة، بل يخشى ضررها.. فالسارق بالخيار: بين أن يقطعها ليستريح منها، وبين أن يتركها.

стр. 6550

إذا ثبت هذا: فإن المال لا يسقط برجوعه. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: هل يسقط المال برجوعه عن إقراره بالسرقة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يسقط، كما لو أقر أنه غصب من غيره عينا ثم رجع. والثاني: يسقط عنه؛ لأنه إقرار واحد، فإذا قبلنا رجوعه فيه في بعض أحكامه.. قبلنا رجوعه في الجميع. وإن أقر أنه سرق نصابا لرجل من حرز مثله من غير دعوى، فصادقه المقر له.. وجب عليه ضمان النِّصَاب والقطع. وإن كذبه المقر له وقال: كنت وهبته أو أبحته له أو للناس.. لم يجب القطع؛ لأن القطع لا يجب إلا بمطالبة المسروق منه، ولا مطالبة مع ذلك. [فرع: ادعاء رجل على آخر أنه سرقه] وإن ادعى رجل على رجل أنه سرق منه نصابا من حرز مثله، وأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي شاهدين ذكرين.. وجب عليه الضمان والقطع، ولا يجب عليه ذلك حتى يبين الشاهدان جنس المال وقدر النِّصَاب وصفة الحرز؛ لأن الناس مختلفون في ذلك، فوجب بيانه لينظر الحاكم فيه. قال: القاضي أبُو الطيب: ويقولا: ولا نعلم أن له فيه شبهة. قال ابن الصبَّاغ: وينبغي أن يكون هذا تأكيدا، لأن الأصل عدم الشبهة. فإن قال: المشهود عليه: كذب الشاهدان، ولم أسرق.. لم يلتفت إلى قوله ولم يسقط القطع. وإن قال: المشهود عليه: صدق الشاهدان، كنت أخذته من حرز مثله ولكنه مال لي غصبه مني، أو كنت ابتعته منه أو وهبه لي وأذن لي بقبضه، أو أباحه لي أو للناس، فأنكر المسروق منه ذلك.. لم يسمع قول السارق في إسقاط حقه من المال فيحلف المسروق منه؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه السارق، ويأخذ المسروق منه ماله. وأمَّا القطع.. فيسقط.

стр. 6551

وقال أبُو إسحاق: لا يسقط؛ لأن هذا يؤدي إلى: أن كل من ثبت عليه قطع السرقة ادعى ذلك، فيسقط القطع. والمذهب الأول؛ لأن القطع حد، والحد يسقط بالشبهة، وذلك شبهة؛ لأنه يجوز صدقه. وهكذا: لو وجد مع امرأته رجلا يزني بها، فقال: هذه زوجتي، فكذبته.. فإنه يسقط الحد عنه. وإن ادعى عليه أن سرق منه نصابا من حرز مثله، فأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي على ذلك شاهدا وامرأتين، أو شاهدا وحلف معه.. ثبت للمدعي المال الذي ادعاه؛ لأنه يثبت بذلك المال، وأمَّا القطع: فلا يثبت؛ لأن القطع ليس بمال ولا المقصود منه المال. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: لا يثبت القطع، وهل يثبت المال؟ فيه قولان: أحدهما: يثبت؛ لما ذكرناه. والثاني: لا يثبت؛ لأن المال هاهنا تبع للقطع، فإذا لم يثبت القطع.. لم يثبت المال؛ لأنها شهادة واحدة، فلم تتبعض. وإن ادعى على رجل أنه سرق نصابا من حرز مثله، فأنكر المدعى عليه، ولا بينة.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه. فإن حلف.. لم يجب عليه غرم ولا قطع. وإن نكل.. حلف المدعي وثبت له الغرم، ولا يثبت القطع؛ لأنه حد لله تَعالَى، فلا يثبت بيمين المدعي. [فرع: شهدا أنه سرق نصابا من رجل غائب أو أقر بذلك] أو أنه غصبه منه غصبا] : وإن شهد شاهدان على رجل أنه سرق نصابا من حرز مثله لرجل، والمسروق منه غائب.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لا يقطع السارق حتى يحضر المسروق منه) وقال: (لو شهد أربعة على رجل بأنه زنَى بأمة لرجل وهو غائب.. حد، ولا يعتبر حضور السيد) . واختلف أصحابنا فيهما على ثلاثة طرق: فـ[الطريق الأول] : قال أبُو العباس: لا يقطع حتى يحضر المسروق منه، ولا يقام الحد حتى يحضر سيد الأمة قولا واحدا؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، ويجوز أن

стр. 6552

يكون عند الغائب شبهة يسقط بها الحد؛ بأن يقول في السرقة: كنت وهبته له أو أوقفته عليه، وفي الزِّنَى يجوز أن يقول: كنت وقفتها عليه، ومن نقل إقامة الحد قبل حضور السيد.. فخطأ. و [الطريق الثاني] : نقل أبُو إسحاق جوابه في كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين: أحدهما: لا يجوز إقامة الحدين قبل حضور المالكين؛ لما ذكرناه. والثاني: يجوز، لأن الحد قد وجب في الظاهر، فلا يجوز تأخيره. و [الطريق الثالث] : حملهما أبُو الطيب ابن سلمة على ظاهرهما، فقال لا يجوز القطع قبل حضور المالك، ويجوز إقامة حد الزِّنَى قبل حضور السيد؛ لأن الحد في السرقة يسقط بإباحة المالك، والحد في الزِّنَى لا يسقط بالإباحة. ولأن قطع السرقة أوسع في الإسقاط؛ ولهذا: لو سرق مال والده.. لم يقطع، ولو زنَى بأمة والده.. حد. وإن أقر رجل أنه سرق نصابا من حرز مثله لرجل غائب، أو زنَى بجارية لرجل وهو غائب.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تبنى هذه على التي قبلها، وهو: إذا ثبتت بالسرقة والزنا بالبينة، فإن قلنا: يقطع السارق ويحد الزاني قبل حضور المالك.. فهاهنا أولى. وإن قلنا هناك: لا يقطع السارق ولا يحد الزاني حتى يحضر المالك.. فهاهنا وجهان. والفرق بينهما: أن ذلك إذا ثبت بالبينة.. جاز أن تكون البينة كاذبة. وإذا ثبت ذلك بإقراره.. فقد أقر على نفسه. وذكر الشيخ أبُو حامد: إذا أقر بالسرقة ابتداء من غير دعوى.. لم يقطع حتى يحضر المسروق منه، فيطالبه. وقال أبُو إسحاق: يقطع ولا ينتظر حضوره؛ لأن القطع قد لزم بإقراره، فلا معنى لانتظاره. والمذهب: أنه لا يقطع؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، ويجوز أن يكون عند الغائب

стр. 6553

شبهة يسقط بها القطع. فإذا قلنا: يقطع.. فلا كلام. وإذا قلنا: لا يقطع.. فهل يحبس السارق إلى أن يحضر المسروق منه؟ قال الشيخُان: فيه وجهان: أحدهما: يحبس؛ لأن الحد قد وجب في الظاهر، وإنما أخر استيفاؤه خوف أن يكون هناك شبهة يسقط بها القطع، فوجب حبسه، كما لو وجب القطع لصبي أو مجنون. والثاني: إن كانت غيبة المسروق منه قريبة.. حبس السارق إلى أن يقدم. وإن كانت بعيدة.. لم يحبس؛ لأن على السارق ضررا في الحبس إلى أن يحضر من الغيبة البعيدة، ولا ضرر عليه في الحبس إلى أن يحضر من الغيبة القريبة. فإن أقر رجل أنه غصب من رجل غائب مالا.. لم يحبسه الحاكم. والفرق بينهما: أن من أقر بالغصب.. أقر بحق للمغصوب منه، فلا يتعلق للحاكم به مطالبة، فلم يستحق حبسه. ومن أقر بالسرقة.. أقر بما يتعلق به للحاكم مطالبة، وهو القطع، فملك حبسه. وقال ابن الصبَّاغ: هل يحبس السارق؟ فيه وجهان: أحدهما: يحبس؛ لما مَضَى. والثاني: إن كانت العين المسروقة تالفة.. حبس. وإن كانت باقية.. نظرت: فإن كانت غيبته قريبة.. أخذت منه العين وحبس. وإن كانت بعيدة.. أخذت منه العين ولم يحبس. [فرع: أقرا بسرقة عين ذات نصاب أو ادعى السارق أنها ملك لسيده] أو لفلان أذن له فيها] : وإن أقر رجلان بسرقة عين قيمتها نصاب من حرز مثلها.. وجب عليهما القطع. فإن رجع أحدهما عن إقراره، وأقام الآخر على إقراره.. سقط القطع عن الراجع ولم يسقط عن الآخر؛ لأن حكم كل واحد منهما معتبر بنفسه. وإن قال أحدهما: هذه العين لي، وصدقه شريكه، أو ادعاها شريكه لنفسه، وكذبهما المسروقة منه.. لم يقبل قولهما في ملك العين، ويسقط القطع عنهما على المذهب. وأمَّا إذا ادعاها لنفسه وكذبه شريكه، وقال: بل سرقناها.. فإن القطع يسقط عن الذي ادعاها أنها له، وهل يسقط القطع عن شريكه المكذب؟ فيه وجهان:

стр. 6554

[أحدهما] : قال ابن القاص وابن الصبَّاغ: لا يسقط عنه القطع؛ لأنه مقر بالسرقة ولا يدعي شبهة. و [الثاني] : قال القفال: يسقط عنه القطع؛ لجواز صدق شريكه المدعي أنها له. ألا ترى أن رجلا لو سرق عينا من رجل، فقال: المسروق منه: العين للسارق، كنت وهبتها له أو أبحتها له.. سقط القطع؟ وكذلك هذا مثله. فأما إذا قال أحدهما: هذه العين لشريكي الذي أخذها معي وأخذتها مع بإذنه، فقال: شريكه: ليست لي، وإنما سرقناها.. قال: الطبري في " العدة ": فلا قطع على هذا المدعي؛ لأن ما ادعاه محتمل. وهل يجب القطع على شريكه؟ فيه وجهان بناء على الوجهين، إذا شهدا على رجل بما يوجب القتل فقتل، ثم رجعا عن الشهادة، وقال أحدهما: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل، وقال الآخر: بل أخطأنا.. فلا قَود على الذي قال: أخطأنا، وهل يجب الوقود على المقر بعمدها؟ فيه وجهان. وإن شهد شاهدان على عبد لرجل أنه سرق نصابا لرجل من حرز مثله.. وجب عليه القطع. فإن قال: العبد: المال الذي سرقته لسيدي، فإن صدقه السيد.. سقط القطع عن العبد. وإن قال: السيد: المال ليس لي.. فقد قال ابن القاص: يسقط القطع عن العبد. فمن أصحابنا من سلم له ذلك؛ لأن العبد ادعى ما لو ثبت.. سقط عنه به القطع، فصار كالحر إذا سرق وادعى أنه يملك ما سرقه. ومنهم من قال لا يسقط عنه القطع؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئا، وإنما ادعى ملكه لمن لا يدعيه، فلم يسقط عنه القطع. وإن قال: السارق: هذه العين لفلان وقد أذن لي في أخذها، فقال: فلان: ليست لي.. فهل يسقط القطع عن السارق؟ على الوجهين في العبد. [مسألة: قيام البينة على سرقة عبد نصابا أو أقر هو أو سيده بذلك] إذا قامت البينة على عبد لرجل أنه سرق لغيره نصابا.. وجب عليه القطع. فإن كان

стр. 6555

باقيا.. وجب رده، سواء كان في يد العبد أو في يد سيده. وإن كان تالفا.. بيعت رقبة العبد لإيفاء حق المسروق منه. وإن أقر السيد على عبده أنه سرق لغيره نصابا وكذبه العبد.. لم يقطع العبد؛ لأن السيد لا يملك من عبده إلا المال، والقطع ليس من المال، ويقبل إقرار السيد عليه بالمال، فيباع به. وإن أقر العبد أنه سرق من غير سيده أقل من نصاب، أو نصابا من غير حرز، فإن صدقه المولى.. كان كما لو قامت عليه البينة في وجوب ضمان ذلك في رقبته. وإن كذبه المولى.. لم يقبل إقرار العبد على السيد في تعلق ذلك برقبته؛ لأنه متهم في إزالة ملك السيد عنه، فتعلق ذلك بذمته إلى أن يعتق. وإن أقر العبد بسرقة تقتضي القطع، فإن صدقه المولى.. فلا كلام، وإن كذبه المولى.. لزمه القطع. وقال المزني وأحمد ومحمد بن جرير الطبري وأبو يوسف وزفر: (لا يقبل إقراره) . دليلنا: أنه لا يتهم في الإقرار بما يوجب قطعه. فإن كان المسروق في يد السيد.. لم يقبل إقرار العبد عليه، بل يتعلق بذمته إلى أن يعتق. وإن كان المسروق في يد العبد أو تالفا.. فهل يقبل إقراره على المولى بالمال المسروق؟ فيه قولان: أحدهما: يقبل؛ لأنه إقرار واحد، وقد زالت التهمة عنه فيه، فإذا قبل في بعضه.. قبل في جميعه. والثاني: لا يقبل؛ لأنه إقرار بالمال، فلم يقبل على السيد، كما لو أقر بالمال في غير السرقة. واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا كان المال المسروق باقيا في يد العبد، فأما إذا كان

стр. 6556

تالفاً.. فلا يقبل إقراره قولا واحدا في حق المولى في تعلق المال برقبته، بل يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأن المسروق إذا كان باقيا.. فالإقرار يتعلق به، وإذا كان تالفا.. لم يتعلق الإقرار بالمسروق، وإنما يتعلق برقبة العبد، فلم يقبل إقراره، كما لو أقر بغصب مال أو إتلافه. ومنهم من قال: القولان إذا كان المسروق تالفا: أحدهما: يقبل على المولى، فتباع رقبته. والثاني: لا يقبل، فيتعلق بذمته إلى أن يعتق. فأما إذا كان المسروق باقيا في يده.. فلا يقبل على المولى قولا واحدا، بل يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأن يد العبد كيد المولى. ولو أقر بعين في يد المولى.. لم يقبل، فكذلك إذا أقر بعين في يده. ومنهم من قال: القولان في الحالين، سواء كان المسروق باقيا أو تالفا؛ لأن العبد وما في يده في حكم ما في يد المولى، فإذا قبل إقرار العبد على المولى في أحدهما.. قبل في الآخر، وإذا لم يقبل إقراره في أحدهما.. لم يقبل في الآخر. [مسألة: لا عفو ولا شفاعة إذا ثبتت السرقة الموجبة للقطع لدى السلطان] وإذا ثبتت السرقة الموجبة للقطع عند السلطان أو الحاكم.. لم يجز له أن يعفو عنه، ولا لغيره أن يشفع إليه في ذلك؛ لما روت عائشة ﵂: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي بسارق، فأمر به فقطع، فقيل: يا رسول الله، ما كنا نرى أنك تبلغ به هذا؟ فقال ﷺ : "لو كانت فاطمة بنت محمد.. لأقمت عليها الحد» . ورُوِي: «أن النَّبيَّ ﷺ أمر بقطع امرأة من بني مخزوم، فاجتمع أهلها وأقرباؤها، وقالوا: نسأل أسامة بن زيد، فإنه حب رسول الله ﷺ يسأل رسول الله، في أمرها، فسألوه، فسأله، فقال ﵊: "لا تسألوني في حد" ثم صعد المنبر، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم؛ لأنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف..

стр. 6557

تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع.. قطعوه. والذي بعثني بالحق نبيا: لو سرقت فاطمة.. لقطعتها» . ورُوِي: «أن الزبير شفع في سارق، فقيل له: حتى يأتي السلطان، فقال: إذا بلغ السلطان.. فلعن الله الشافع والمشفع، كما قال رسول الله ﷺ » . ولأن الحد لله، فلا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه: كسائر حقوق الله. [مسألة: ما يقطع من السارق وماذا لو سرق ثم قطع ثم سرق وهكذا ؟] إذا سرق أول مرة.. قطعت يده اليمنى؛ لقول تَعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] [المائدة: ٣٨] ، ورُوِي عن ابن مَسعُودٍ: أنه كان يقرؤها: "فاقطعوا أيمانهما". والقراءة الشاذة تجري مجرى أخبار الآحاد. ورُوِي «عن النَّبيّ ﷺ قال: في السارق: "إذا سرق.. فاقطعوا يده اليمنى". و: (أتي النَّبيّ ﷺ بسارق، فقطع يمينه»

стр. 6558

ورُوِي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، ولا مخالف لهما. وإن سرق ثانيا بعد أن قطعت يده اليمنى.. قطعت رجله اليسرى. وبه قال عامة أهل العلم إلا عطاء؛ فإنه قال: تقطع يده اليسرى. دليلنا: ما رُوِيَ: «أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عبَّاس يسأله: هل قطع رسول الله، في المرة الثانية اليد أو الرجل؟ فكتب إليه: (بل قطع الرجل بعد اليد» . فإن سرق بعد أن قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى.. قطعت يده اليسرى. فإن سرق بعد ذلك.. قطعت رجله اليمنى. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق. وقال أبُو حَنِيفَة وأصحابه والأَوزَاعِي: (لا يقطع في الثالثة ولا في الرابعة، بل

стр. 6559

يحبس) . ورُوِي ذلك عن عليّ بن أبي طالب، ﵁. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] [المائدة: ٣٨] واسم اليد يقع على اليمنى واليسرى. وروى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ ﷺ قال: في السارق: «إن سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله، ثم إن سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله» . وروى جابر: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي بسارق فقطع يده، ثم أتي به ثانيا فقطع رجله، ثم أتي به ثالثا فقطع يده، ثم أتي به رابعا فقطع رجله، ثم أتي به خامسا.. فقتله» و: (قطع أبُو بكر ﵁، يد الرجل الذي سرق من بيته الحلي- وكان مقطوع اليد والرجل- عند ذلك) ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. وكذلك فعل عمر ﵁. فإن سرق خامسا.. فإنه يحبس ويعزر، ولا يقتل.

стр. 6560

وقال: عُثمانَ بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز: (يقتل) ؛ لحديث جابر. دليلنا: ما ذكرناه من حديث أبي هُرَيرَة؛ فإنه بين حكم السارق ولم يذكر القتل. وأمَّا حديث جابر.. فمحمول على أنه قتله بزنا أو ردة. [فرع: مكان قطع اليد والرجل حدا] وإذا أراد الإمام قطع يد السارق.. فإنه يقطعها من مفصل الكوع. ورُوِي عن بعض السلف أنه قال: تقطع الأصابع دون الكف. وهي إحدَى الروايتين عن عليّ. وقالت الخوارج: يقطع من المنكب. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] [المائدة: ٣٨] . وإطلاق اسم اليد ينصرف إلى اليد من الكوع؛ بدليل ما رُوِيَ: أن رسول الله ﷺ قال: «في اليد خمسون من الإبل» ، واليد التي يجب بها خمسون إنما هي اليد من الكوع. ورُوِي عن أبي بكر: أنه قال: (إذا سرق.. فاقطعوا يده اليمنى من الكوع) . وكذلك رُوِيَ عن عمر ﵄. ولأن البطش يقع بذلك. وإذا أراد قطع رجله.. فإنه يقطعها من مفصل القدم. ورُوِي عن عليّ: أنه قال: (يقطع من شطر القدم) . وبه قالت الرافضة وأبو ثور. دليلنا: قوله ﷺ : «فإن سرق.. فاقطعوا رجله» ، وإطلاق اسم الرجل إنما ينصرف إلى الرجل من مفصل القدم، بدليل: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «في الرجل خمسون من الإبل» ، وذلك إنما ينصرف إلى الرجل من مفصل القدم.

стр. 6561

[فرع: قطع السارق الذي فقد إحدَى يديه ونحو ذلك] إذا قطعت يده اليمنى بجناية أو قصاص، أو سقطت بآكلة، ثم سرق.. قطعت رجله اليسرى، كما لو سرق فقطعت يده اليمنى ثم سرق ثانيا. وإن سرق ويده اليمنى غير مقطوعة، فقطعت ظلما أو بقصاص، أو سقطت بآكلة.. قال أصحابنا البغداديون: سقط عنه القطع في هذه السرقة. وبه قال أبُو حَنِيفَة. وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : تقطع رجله اليسرى. والأول هو المشهور؛ لأن القطع في السرقة تعلق بيده اليمنى، فإذا سقطت.. سقط القطع. ويخالف: إذا سرق ولا يمين له؛ فإن القطع لم يتعلق بها وإنما يتعلق بالعضو الذي يقطع بعدها. وإن سرق وله يد يمين تامة الأصابع، وله يد يسار شلاء أو ناقصة الأصابع، أو لم يكن له يسار.. قطعت يده اليمنى. وقال أبُو حَنِيفَة: (إن لم يكن له يسار، أو كانت له يسار ناقصة الإبهام أو ناقصة إصبعين من الأصابع الأربع، أو كانت شلاء.. لم تقطع يده اليمنى) . دليلنا: قوله ﷺ في السارق: «إذا سرق.. فاقطعوا يمينه» ولم يفرق. وإن سرق وله كف يمين لا أصابع لها.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز قطعها، بل تقطع رجله اليسرى؛ لأن الكف ليس له بدَّل مقدر، فأشبه الذراع. والثاني: يقطع كف يده، وهو المذهب؛ لأنه بقي بعض ما يقطع في السرقة، فلم ينتقل إلى العضو بعدها مما بعده مع وجوده، كما لو بقي في كفه أنملة. وإن سرق وله يد شلاء، فإن قال: أهل الخبرة: لا يخاف من قطعها هلاكه.. قطعت ولم ينتقل إلى العضو الذي بعدها، كالصحيح. وإن قالوا: يخاف من قطعها هلاكه.. لم يقطع، وقطعت رجله اليسرى؛ لأنها كالمعدومة. [فرع: تداخل حدود السرقة] وإن سرق من رجل سرقة تقتضي القطع، ثم سرق من آخر سرقة تقتضي القطع قبل

стр. 6562

القطع، ثم سرق ثالثا ورابعا.. فإنه يقطع العضو الذي وجب قطعه للسرقة الأولى ويقع ذلك عن جميع السرقات؛ لأنها حقوق لله تَعالَى فتداخلت، كما لو زنَى ثم زنَى. وإن سرق من رجل عينا فقطعت يده فيها، ثم ردت العين إلى مالكها فسرقها هذا السارق مرة ثانية.. قطعت رجله. وكذلك: إذا سرقها ثالثا.. قطعت يده. وإن سرقها رابعا.. قطعت رجله. وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا قطع بسرقة عين مرة.. لم يقطع بسرقتها، سواء سرقها من مالكها الأول أو من غيره) . دليلنا: قوله ﷺ : «من سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله، ثم إن سرق.. فاقطعوا يده، ثم إن سرق.. فاقطعوا رجله» ولم يفرق. [فرع: كيفية قطع اليد] ويجلس السارق إذا أريد قطعه؛ لأنه أمكن. ويضبط؛ لئلا يتحرك فيتعدى القطع إلى موضع آخر. ويخلع كفه، وهو: أن يشد حبل في يده من فوق كوعه، وحبل في كفه، ثم يجر الحبل الذي فوق كوعه إلى جانب مرفقه، والحبل الذي بكفه إلى جانب أصابعه حتى يبين مفصل الكف، ويقطع بسكين حاد أو بحديدة حادة قطعة واحدة، ولا يقطع بسكين غير حاد، ولا قليلا قليلا؛ لأن القصد إقامة الحد دون التعذيب. ثم يحسم موضع القطع، وهو: أن تترك يده بعد القطع في زيت أو سمن مغلي؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي برجل أقر أنه سرق شملة، فقال: " اقطعوه واحسموه» ، ورُوِي ذلك: عن أبي بكر وعمر، ولا مخالف لهما. ولأن بالحسم ينقطع الدم، فلا يتلف. والمستحب: أن يأمر الإمام من يتولى ذلك الحسم. ولا يحسم السارق إلا بإذنه؛ لأنه مداواة، فإن لم يأذن.. لم يحسم. ويكون ثمن

стр. 6563

الدهن وأجرة القاطع من بيت المال؛ لأنه فيه مصلحة، فإن لم يكن في بيت المال شيء.. كان ذلك من مال السارق. فإن قال: السارق: أنا أقطع يدي بنفسي.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يمكن من ذلك، كما قلنا في (القصاص) . والثاني: يجوز تمكينه من ذلك؛ لأن القصد ردعه، وذلك يحصل بقطعه بنفسه، بخلاف القطع في القصاص؛ فإن القصد منه التشفي، وذلك لا يحصل بقطعه. والمستحب: أن تعلق يده على رقبته بعد القطع، ويترك ساعة؛ لما روى فضالة بن عبيد: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي بسارق، فأمر به فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه» ، ولأن في ذلك ردعا له ولغيره من الناس. [مسألة: قطع اليسرى بدَّل اليمنى] إذا وجب على السارق قطع يمينه، فقال له القاطع: أخرج يمينك، فأخرج يساره ظنا منه أنها يمينه أو أن قطعها يجزئ عن قطع اليمين فقطعها.. اختلف أصحابنا فيه: فذكر القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق فيه وجهين: أحدهما: يجزئ قطعها عن اليمين، وهو المنصوص؛ لأن الحق لله تَعالَى ومبناه على المسامحة. والثاني: لا يجزئ؛ لأنه قطع غير العضو الذي تعلق به القطع فلم يجزه، كما قلنا في (القصاص) . فعلى هذا: إن قال: القاطع: علمت أنها اليسار أو أن قطعها لا يجزئ عن اليمين.. وجب عليه القصاص في اليسار. وإن قال: ظننتها اليمين، أو أن قطعها يجزئ عن اليمين.. وجب عليه

стр. 6564

ديتها. وقال الشيخُ أبُو حامد: يرجع إلى القاطع، فإن قال: علمت أنها اليسار، أو أنها لا تجزئ عن اليمين وعمدت إلى قطعها.. وجب عليه القصاص في اليسار، ووجب قطع يمين السارق. وإن قال: القاطع: لم أعلم أنها اليسار، أو علمتها اليسار وظننتها تجزئ عن اليمين.. فالقول قوله مع يمينه، ولا قصاص عليه، بل عليه دية اليسار، وهل يسقط القطع عن يمين السارق؟ فيه قولان. قال أبُو إسحاق المَروَزِيُّ: إذا وجب على السارق القطع في يمينه، فسقطت يساره بآكلة.. سقط القطع عن اليمين. قال الشيخُ أبُو حامد: وأظنه أخذه من أحد القولين في هذه المسألة. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الشافعيَّ، إنما أسقط القطع عن اليمين فيها على أحد القولين - إذا أخذت اليسار بنية القطع عن اليمين بسرقة- وهذا المعنى غير موجود فيه إذا سقطت اليسار بآكلة. [مسألة: في السرقة القطع ورد المسروق معا] إذا سرق نصابا يجب فيه القطع، فإن كان النِّصَاب باقيا.. وجب قطع السارق، ووجب عليه رد المال المسروق بلا خلاف. وإن كان تالفا.. لزمه القطع والغرم عندنا. وبه قال الحَسَن البَصرِيّ، وحماد، وأحمد، وإسحاق. وقال أبُو حَنِيفَة والثوريُّ: (لا يجمع بين الغرم والقطع، فإذا ثبت المسروق منه السرقة عند الحاكم.. فإنه يقطعه ولا غرم عليه. وإن طالبه المسروق منه بالغرامة، وغرم.. سقط القطع عنه) . وقال مالك: (يقطع بكل حال، فإن كان موسراً.. كان عليه الغرم، وإن كان معسراً.. فلا غرم عليه) . دليلنا: قوله ﷺ : «القطع في ربع دينار» ولم يفرق. ولأنه حد لله تَعالَى يجب بإيقاع فعل في عين، فإذا وجب رد العين مع بقائها.. جاز أن يجب الحد وغرم العين مع تلفها، كما لو غصب جارية وزنا بها. وبالله التوفيق

стр. 6565

[باب حد قاطع الطريق] الأصل في حد قاطع الطريق: قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] [المائدة: ٣٣] . وهذه الآية نزلت في قطاع الطريق. وبه قال ابن عبَّاس، ومالك، وأبو حَنِيفَة وأكثر أهل العلم. وقال بعض الناس: نزلت في أهل الذمة إذ نقضوا الذمة ولحقوا بدار الحرب. وقال ابن عمر: (نزلت في المرتدين من العرنيين) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] [المائدة: ٣٤] فأمر بقتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم، وأسقط عنهم بالتوبة من قبل أن يقدر عليهم هذه الأحكام، وهذا إنما يكون في قطاع الطريق. فأما أهل الذمة والمرتدون إذا أسلموا.. حقنوا دماءهم قبل القدرة عليهم وبعد القدرة عليهم. إذا ثبت هذا: فاختلف العلماء في ترتيب الأحكام المذكورة في هذه الآية في قطاع الطريق: فمذهبنا: أنهم إذا أشهروا السلاح وأخافوا السبيل حتى صار الناس يفزعون من الاجتياز فيها خوفاً منهم.. فقد صاروا محاربين بذلك وإن لم يأخذوا شيئا، فيجب

стр. 6566

على الإمام طلبهم؛ لأنه إذا تركهم.. أفسدوا بأخذ الأموال والقتل. فإن هربوا.. تبعهم إلى أن يخرجوا من بلاد الإسلام، فإن أدركهم.. عزرهم بما أداه اجتهاده إليه، ويحبسهم. قال أبُو العباس: والأولى أن يحبسهم في غير بلدهم؛ لتلحقهم الوحشة. فإن أخذوا المال ولم يقتلوا.. قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإن قتلوا ولم يأخذوا المال.. قتلهم ولم يصلبهم. وإن قتلوا وأخذوا المال.. قتلهم وصلبهم. وإن فعلوا شيئا من ذلك وهربوا.. تبعهم الإمام، فإن ظفر بهم.. أقام عليهم من الحدود ما وجب عليهم، وإن لم يظفر بهم.. تبعهم حتى يخرجوا من بلاد الإسلام. وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة "] : أن أبا الطيب ابن سلمة خرج قولا آخر: أنهم إذا أخذوا المال وقتلوا.. فإنه يقطعون لأخذ المال، ثم يقتلون لأجل القتل، ويصلبون للجمع بين ذلك. والمشهور هو الأول، وبه قال ابن عبَّاس، وقتادة، وحماد، وأبو مجلز، والليث، وأحمد، وإسحاق. وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا أخافوا السبيل.. وجب عليهم التَّعزِير- كما قلنا- وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال.. وجب عليهم القتل- كما قلنا- وإن أخذوا المال ولم يقتلوا.. قطعوا- كما قلنا - وإن قتلوا وأخذوا المال.. فالإمام فيهم بالخيار: بين أن يقتلهم ويصلبهم، أو يصلبهم ويقطعهم، أو يقطعهم ويقتلهم ويصلبهم) ، والنفي عنده الحبس. وقال مالك: (إذا أشهروا السلاح وأخافوا السبيل.. فقد لزمتهم هذه الأحكام المذكورة في الآية، إلا أنها تختلف باختلاف أحوالهم، فينظر الإمام فيهم: فمن كان منهم ذا رأي.. قتله، وإن كان جلدا ولا رأي له.. قطعه، ومن لم يكن ذا رأي ولا جلد.. حبسه) . وقال ابن المسيب والحسن ومجاهد: إذا شهروا السلاح وأخافوا السبيل.. فالإمام فيهم بالخيار بين أربعة أشياء: بين أن يقتلهم، أو يقتلهم ويصلبهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم، أو يحبسهم. دليلنا: ما رُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنه قال: في قطاع الطريق: (إذا قتلوا وأخذوا المال.. قتلوا وصلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال.. قتلوا ولم يصلبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا.. قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، و [إذا أخافوا السبيل ولم

стр. 6567

يأخذوا مالا] .. ينفيهم، وإذا هربوا.. يطلبهم حتى يؤخذوا فتقام عليهم الحدود) . ولا يقول مثل هذا إلا توقيفا، وإن قاله تفسيرا للآية.. فهو ترجمان القرآن وأعرف بالتأويل. ولأن العقوبات تختلف باختلاف الأجرام؛ ولهذا اختلف حد الزِّنَى في البكر والثيب، واختلف حد الزِّنَى والقذف والشرب. ولأن الله تَعالَى بدأ في الآية بالأغلظ فالأغلظ، وهذا يدل على أنها على الترتيب، كما أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ في كفارة الظهار لما كانت على الترتيب، ولما كانت كفارة اليمين على التخيير.. بدأ بالأخف فالأخف. [مسألة: الأمكنة التي تعتبر فيها جناية قطاع الطريق وشروط تعلق الأحكام بهم] ] : وحكم قطاع الطريق إذا أخذوا المال وقتلوا، أو أخذوا المال ولم يقتلوا، أو قتلوا ولم يأخذوا المال من المصر أو البلد.. حكمهم إذا فعلوا ذلك في الصحراء. وبه قال الأَوزَاعِي، والليث، وأبو ثور، وأبو يوسف. وقال مالك: (قطاع الطريق الذين تتعلق بهم هذه الأحكام هو: أن يفعلوا ذلك على ثلاثة أميال من المصر فصاعدا، فإن فعلوا ذلك على أقل من ثلاثة أميال أو كانوا في المصر.. لم تتعلق بهم هذه الأحكام) . وقال أبُو حَنِيفَة: (لا تتعلق بهم هذه الأحكام إلا إذا كانوا في البرية، فأما إذا كانوا في مصر أو قرية، أو بين قريتين متقاربتين.. فلا تتعلق بهم هذه الأحكام) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية [المائدة: ٣٣] . ولم يفرق بين أن يكون ذلك في الصحراء أو في المصر. ولأنه إذا وجبت عليهم هذه الحدود إذا فعلوا ذلك في الصحراء وهو موضع الخوف.. فلأن يجب عليهم ذلك إذا فعلوا ذلك في المصر وهو موضع الأمن أولى. إذا ثبت هذا: فإنما تتعلق بهم هذه الأحكام في المصر إذا كان قوم عددهم يسير في قرية، فاجتمع قوم من قطاع الطريق وأشهروا السلاح عليهم وغلبوا أهل القرية ولم

стр. 6568

يتمكنوا من دفعهم، وأخذوا منهم المال وقتلوا، أو فعلوا أحدهما، وكذلك إذا غلبوا على طرف من المصر. فأما إذا أمكن أهل القرية منعهم، فلم يمنعوهم.. فلا تتعلق بهم هذه الأحكام. قال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : وإن اجتمع عدد يسير على آخر القافلة في المواضع المنقطعة، فأخذوا المال وقتلوا، أو خرج الواحد والاثنان والثلاثة على آخر القافلة واستلبوا منهم شيئا، أو اعترضوهم بغير سلاح.. لم يكن حكمهم حكم قطاع الطريق؛ لأنهم غير ممتنعين ولا قاهرين لمن يقصدونهم، فهم كالمختلسين. قال القفال: والمكابرون بالليل، وهو أن يهجم جماعة بالليل على بيت رجل بالمصابيح ويخوفونه بالقتل إن صاح أو استغاث.. حكمهم حكم قطاع الطريق. وقال سائر أصحابنا: ليسوا بقطاع الطريق؛ لأنهم يرجعون إلى الخفية ولا يجاهرون، بل يبادرون مخافة أن يتشاعر الناس بهم. وإن خرج قطاع الطريق بالعصي والحجارة.. فهم محاربون. وقال أبُو حَنِيفَة: (ليسوا بالمحاربين) . دليلنا: أن العصي والحجارة من جملة السلاح الذي يأتي على النفس، فأشبه الحديد. [فرع: أخذ نصاب السرقة من حرز المثل على وجه القهر] والغلبة يثبت حكم قطع الطريق] : ولا يتعلق حكم قطع الطريق بأخذ المال إلا إن كان المال المأخوذ نصابا، فأما بدون النِّصَاب.. فلا يتعلق به حكم قطع الطريق. وخرج أبُو عليّ ابن خيران قولا آخر: أنه لا يعتبر فيه النِّصَاب، كما لا يعتبر التكافؤ في القتل في المحاربة في أحد القولين. والأول أصح؛ لقوله ﷺ : «القطع في ربع دينار» ولم يفرق بين السرقة وبين قطع الطريق. ولأنا لو لم نعتبر النِّصَاب في قطع الطريق.. لأوجبنا تغليظَيْن؛ قطع الرجل وسقوط اعتبار النِّصَاب، وهذا لا سبيل إليه. ويعتبر فيه الحرز: فإن أخذ المال من غير حرز؛ لأن أخذ مالا مضيعا.. لم يتعلق

стр. 6569

به حكم قاطع الطريق. ولا يعتبر أن يأخذ المال فيه على وجه الاستخفاء، بل إذا أخذ النِّصَاب من حرز مثله بالقهر والغلبة مع إشهاره السلاح وإخافته السبيل.. تعلق به حكم قاطع الطريق؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، فوجب عليه القطع، كالسارق. قال المسعوديُّ [في" الإبانة "] : وسواء أخذ النِّصَاب من مالك واحد أو ملاك. فأما في السرقة: فإذا سرق ربع دينار من مالكين: فإن كان من حرز واحد.. قطع. وإن كان من حرزين.. لم يقطع. وسواء كان ربع الدينار الذي في الحرزين ملك واحد أو ملك جماعة؛ فإنه لا يوجب القطع. ولو أخذ في قطع الطريق ثلث دينار، وكان معه ردء وأخذ سدس دينار.. قطع الذي أخذ الثلث دون الذي أخذ السدس. وإذا قطع قاطع الطريق على الواحد أو الجماعة.. تعلق به حكم قاطع الطريق إذا كان قاهرا لهم. [فرع: حكم الردء الذي لم يباشر في أخذ المال أو القتل] وماذا لو كان القاطع للطريق امرأة؟] : ولا يجب حد قطع الطريق إلا على من باشر أخذ المال والقتل، فأما من حضر فكثر وهيب، وكان ردءا لهم أو طليعة.. فلا يجب عليه قطع ولا قتل، وإنما يعزر ويحبس. وقال أبُو حَنِيفَة: (يجب على المكثر والمهيب - وهو الردء - ما يجب على من أعانه من القطع والقتل) . دليلنا: قوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنَى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» . وهذا لم يفعل أحد هذه الأشياء الثلاثة، فلم يجز قتله. ولأنه حد يجب بارتكاب معصية، فلم يجب على المعين، كما لو شد رجل امرأة لآخر حتى زنَى بها. وإن كان في قطاع الطريق امرأة فأخذت المال أو قتلت.. وجب عليها حد قطاع الطريق. وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب عليها ولا على من كان ردءا لها) .

стр. 6570

دليلنا: أن كل من يلزمه الحد في السرقة.. لزمه حكم قطاع الطريق، في قطع الطريق كالرجل. وإن كان قطاع الطريق جماعة فأخذوا المال.. اعتبر أن يكون قدر ما أخذه كل واحد منهم يبلغ نصابا، فإن كان فيهم صبي أو مجنون.. فإنه يجب على شريكه في أخذ المال القطع إذا بلغت حصته نصابا، وهل يجب على شريكه في القتل القتل؟ فيه قولان بناء على القولين في عمد الصبي: هل هو عمد أو خطأ؟ [فرع: أخذ المحارب المال وما يترتب عليه من قطع] وإذا أخذ المحارب المال ولم يقتل.. قطعت يده اليمنى من مفصل الكوع، ورجله اليسرى من مفصل القدم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] [المائدة: ٣٣] . وهو قول ابن عبَّاس ولا مخالف له. ولأن المحارب يساوي السارق في أخذ المال على وجه لا يمكن الاحتراز منه فساواه في قطع اليد وزاد عليه في شهر السلاح وإخافة السبيل فغلظ عليه بقطع الرجل. فإذا قطعت يده اليمنى.. فإنها تحسم بالنار، ثم تقطع رجله اليسرى وتحسم بالنار في مكان واحد؛ لأنهما حد واحد. فإن لم يكن له إلا إحداهما.. قطعت لا غير. وإن لم يكن له واحدة منهما.. قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأنه قد فقد ما يتعلق به القطع ابتداء، فانتقل إليه ما بعدهما، كما لو سرق ولا يمين له. فإن أخذ المال وليس له إلا كف يده اليمنى أو قدم رجله اليسرى، أو ليس على أحدهما أنملة من الأصابع.. فهل يقطعان، أو ينتقل عنهما إلى اليد اليسرى والرجل اليمنى؟ فيه وجهان، كما قلنا فيه إذا سرق وليس له إلا كف اليد اليمنى ولا أنملة عليها. [فرع: قتل المحارب وماذا لو عفا ولي المقتول عنه ؟] وإن قتل المحارب ولم يأخذ المال.. وجب قتله قودا لولي المقتول ويتحتم قتله

стр. 6571

لحق الله تَعالَى، فلا يجوز للإمام تركه؛ فوجوب القتل عندنا حق للآدمي وانحتامه حق لله تَعالَى. وقال بعض الناس: لا يتحتم القتل، بل إن شاء الولي قتل، وإن شاء عفا عنه، كالقتل في غير المحاربة. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية [المائدة: ٣٣] . فعين القتل، فمن قال: إنه على التخيير.. خالف ظاهر الآية. ولأن الله تَعالَى ذكر القتل هاهنا وأطلقه ولم يضفه إلى ولي المقتول، فلو كان ذلك إلى اختيار ولي المقتول.. لأضافه إليه، كما أضاف إليه القتل في غير المحاربة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] [الإسراء: ٣٣] فعلم أن المخاطب بالقتل في المحاربة هم الأئمة دون الأولياء. ورُوِيَ «عن ابن عبَّاس: أنه قال: (نزل جبريل ﵇ بالحد فيهم: أن من قتل ولم يأخذ المال.. قتل» . والحد لا يكون إلا حتما، ولا مخالف له من الصحابة. ولأن ما أوجب عقوبة في غير المحاربة.. تغلظت العقوبة فيه بالمحاربة، كأخذ المال. وإن قتل المحارب من لا يكافئه.. فهل يجب قتله به؟ فيه قولان مَضَى ذكرهما في (الجنايات) . الصحيح: لا يجب. هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: هل القتل في المحاربة حق لله تَعالَى أو للآدمي؟ فيه قولان: أحدهما: أنه حق لله لا حق للآدمي فيه، إذ لو كان حقا للآدمي.. لسقط بعفوه، ولا خلاف أنه لا يسقط بعفوه. والثاني: أنه حق للآدمي؛ لأن القصاص في غير المحاربة حق للآدمي.. فلأن يكون له في المحاربة أولى، إلا أن انحتام القتل وجب تغليظا عليه؛ لقطعه الطريق.

стр. 6572

ولهذين القولين فوائد: منها: إذا قتل في المحاربة من لا يكافئه.. فإن قلنا: أنه حق لله تَعالَى.. قتل به. وإن قلنا: أنه حق للآدمي.. لم يقتل به. الثانية: إذا قتل المحارب جماعة.. فإن قلنا: إنه حق لله تَعالَى.. قتل بجميعهم، ولا شيء للأولياء؛ لأن الحدود تتداخل. وإن قلنا: أنه حق للآدمي.. قتل بأولهم، ووجب للباقين الدية في ماله. الثالثة: إذا عفا ولي الدم عن القاتل، فإن قلنا: إن القتل حق لله تَعالَى.. كان كما لو لم يعف، فيقتل ولا شيء لولي المقتول. وإن قلنا: أنه حق للآدمي.. سقط بعفوه ما كان حقا له؛ وهو قتله قصاصا، ووجبت له الدية في ماله، إلا أن المحارب يقتل لله تَعالَى، كما لو كان عليه قتل قصاص وقتل ردة وعفا ولي القصاص.. فإنه يقتل للردة. [فرع: ارتكاب المحارب جناية لا توجب حدا كقطع مفصل ونحوه] وإن قتل قاطع الطريق رجلا خطأ أو عمد خطأ، أو أخافه عمدا أو خطأ.. فإنه لا يجب عليه القصاص بذلك قولا واحدا؛ لأن هذه الجنايات لا يجب بها القصاص في غير المحاربة، فلم يجب بها في المحاربة. وإن قطع يده من المفصل، أو جرحه جراحة يثبت بها القصاص.. وجب عليه القصاص، وهل يتحتم قطعه؟ فيه قولان: أحدهما: يتحتم؛ لأن ما أوجب العقوبة في غير المحاربة.. تغلظ بالمحاربة بانحتام القود، كالنفس. والثاني: لا يتحتم؛ لأن الله تَعالَى ذكر حدود المحاربة؛ وهي: القتل، وقطع اليد والرجل من خلاف، والصلب. فدلَّ على أن ذلك جميع حدود المحاربة، فلو

стр. 6573

كان انحتام القصاص في ما دون النفس من حدود المحاربة. لذكره كما ذكر غيره. هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إن كانت الجناية في المحاربة فيما دون النفس مما يوجب حدا في غير المحاربة، كقطع اليد والرجل.. انحتم القصاص بها في المحاربة بلا خلاف على المذهب؛ لأنها تجب حدا في غير المحاربة، فانحتم القود فيها في المحاربة، كالنفس. وإن كانت الجناية فيما دون النفس لا توجب حدا في غير المحاربة، كالموضحة وقطع الأذن وما أشبههما.. فهل يتحتم القصاص بها في المحاربة؟ فيه وجهان؛ لأن ذلك لا يوجب حدا في الشَّرع. [فرع: أخذ المحارب المال مع القتل وما يترتب عليه من الحد] وإذا أخذ المحارب المال وقتل.. فقد ذكرنا: أنه يقتل ويصلب. وخرج أبُو الطيب ابن سلمة قولا آخر: أنه تقطع يده ورجله، ثم يقتل، ثم يصلب. وحكى ابن القاص في " التلخيص " عن الشافعيُّ، ﵀: أنه قال: (يصلب قبل القتل ثلاثا، ثم ينزل ويقتل) . ومن أصحابنا من قال لا يقتل، بل يصلب حيا حتى يموت جوعا وعطشا؛ لأن الصلب يراد للزجر، ولا ينزجر بصلبه بعد موته. وقال أبُو يوسف: يصلب حيا ثلاثا، فإن مات، وإلا.. قتل وهو مصلوب. والمذهب الأول، وما حكاه ابن القاص لا يعرف للشافعي؛ لأن كل معصية توجب عقوبة في غير المحاربة.. غلظت تلك العقوبة في المحاربة تغليظا واحدا، كما قلنا فيه إذا أخذ المال ولم يقتل.. فإنه تقطع يده ورجله، فكذلك إذا أخذ المال وقتل.. فإنه يغلظ بالقتل والصلب. وقول أبي الطيب: إنه يقطع ثم يقتل.. لا يصح؛ لأن القتل يحصل به من النَكَال أكثر من القطع. وقول من قال: يصلب حيا حتى يموت.. باطل أيضا؛ لـ: «أن النَّبيَّ ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان» . وهذا حيوان، وقال: ﷺ : «إذا قتلتم.. فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» . وقوله: إن الصلب يراد لزجره.. غير صحيح؛

стр. 6574

إنما يراد لزجر غيره، وذلك يحصل بصلبه بعد موته. إذا ثبت أنه يصلب بعد موته.. قال الشافعيُّ، ﵀: (فإنه يصلب على خشبة ثلاثة أيام، ثم ينزل ويغسل ويكفن ويصَلَّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه مسلم قتل بحق، فهو كالمقتول في القصاص) . قال: القاضي أبُو الطيب: قال الماسرجسي: إنما نص الشافعيُّ، على صلبه ثلاثا في البلاد الباردة أو البلاد المعتدلة، فأما في البلاد الحارة.. فإنه إذا خيف تغيره قبل الثلاث.. فإنه يحنط ليمكن غسله وتكفينه. وقال أبُو عليّ ابن أبي هُرَيرَة: يصلب حتى يسيل صديده، ولا يحنط أبدا. وليس بشيء؛ لأن هذا يؤدي إلى إبطال وجوب غسله وتكفينه ودفنه. هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: يصلب ثلاثا، وهل ينزل بعد الثلاث إن لم يسل صديده؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينزل حتى يسيل صديده؛ لأن الصلب إنما يسمى صلبا بسيلان صديد المصلوب، وهو الودك، فما لم يتغير لا يذوب صديده. والثاني: ينزل بعد الثلاث؛ لئلا يتغير فيتأذى به الناس. فإذا قلنا بهذا: فخيف تغيره قبل الثلاث.. فهل ينزل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ينزل؛ لأن التنكيل لا يحصل بدون الثلاث. والثاني: ينزل؛ لأنا إنما ننزله بعد الثلاث حتى لا يتغير على الصليب، فإذا خيف ذلك قبل الثلاث.. أنزل. وإن مات قبل أن يقتل.. فهل يجب صلبه بعد موته؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق: أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد: أنه لا يصلب؛ لأن الصلب صفة للقتل وتابع له، وقد سقط القتل بالموت فسقط الصلب.

стр. 6575

والثاني - وهو قول القاضي أبي الطيب: إنه يصلب بعد موته؛ لأنهما حقان، فإذا تعذر أحدهما.. وجب الآخر. [مسألة: اجتماع حد محاربة وقصاص] إذا لزمه قتل في المحاربة وقصاص فيما دون النفس في غير المحاربة، فإن عفا من وجب له القصاص فيما دون النفس.. ثبت له الدية في ماله وقتل في المحاربة. وإن اختار أن يقتص منه فيما دون النفس.. اقتص منه، ثم قتل في المحاربة حتما. ويقدم القصاص في الطرف، سواء تقدم القتل عليه أو تأخر. فإن لزمه القصاص فيما دون النفس في المحاربة، وقتل في المحاربة.. فإنه يقتص منه فيما دون النفس، ويقتل في المحاربة. وقال أبُو حَنِيفَة: (يدخل الجرح في القتل) . دليلنا: أنهما حقان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا، كما لو وجبا في غير المحاربة. وإن قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى من رجل في غير المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل.. فمن قطعت يده ورجله بالخيار: بين أن يعفو عنه، وبين أن يقتص. فإن عفا عنه.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى؛ لأخذ المال في المحاربة. وإن اختار به القصاص.. قدم القصاص على القطع في المحاربة، سواء تقدم أخذ المال أو الجناية؛ لأن حق الآدمي آكد، فإذا اقتص منه.. لم يقطع للمحاربة حتى يبرأ من قطع القصاص؛ لأنهما حقان يجبان بسببين مختلفين. وإن قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى من رجل في المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل، فإن قلنا: إن القصاص فيما دون النفس لا يتحتم في المحاربة؛ فإن عفا عن القصاص.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى؛ لأخذ المال في المحاربة. وإن اختار القصاص، أو قلنا: إنه يتحتم.. قدم القطع للقصاص في اليد اليسرى

стр. 6576

والرجل اليمنى على القطع في المحاربة، سواء تقدمت الجناية أو أخذ المال؛ لأن حق الآدمي آكد، ولكن لا يقطع للمحاربة حتى يبرأ من قطع القصاص؛ لأنهما حقان يجبان بسببين مختلفين. وأمَّا إذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى من رجل في غير المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل، فإن اختار المجني عليه العفو عن القصاص وعفا.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى للمحاربة. وإن اختار القصاص.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في القصاص، وسقط القطع للمحاربة؛ لأن العضو الذي تعلق به القطع قد فات. وإذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى من رجل في المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل، فإن قلنا: إن القصاص فيما دون النفس لا يتحتم في المحاربة.. فهو كما لو قطعها في غير المحاربة، وقد مَضَى. وإن قلنا: يتحتم.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى للقصاص، وسقط القطع للمحاربة؛ لأن القصاص حق آدمي، والقطع في المحاربة حق لله تَعالَى.. فقدم حق الآدمي عليه. هكذا ذكر الشيخ أبُو حامد وابن الصبَّاغ. وذكر الشيخ أبُو إسحاق: أنه إذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في المحاربة، وأخذ المال ولم يقتل، وقلنا: يتحتم القصاص فيما دون النفس في المحاربة.. نظرت: فإن تقدم أخذ المال.. سقط قطع المحاربة؛ لما مَضَى. وإن تقدمت الجناية.. لم يسقط القطع للمحاربة، بل تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأن اليد اليمنى والرجل اليسرى استحقا بالجناية قبل أخذ المال، فيصير كمن أخذ المال بالمحاربة وليس له يد يمنى ولا رجل يسرى، فتعلق قطع المحاربة باليد اليسرى والرجل اليمنى. [مسألة: توبة قطاع الطرق] وإذا تاب قاطع الطريق.. نظرت: فإن تاب بعد قدرة الإمام عليه.. لم يسقط عنه شيء مما وجب عليه من حدود المحاربة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] [المائدة: ٣٤] فشرط في الغفران وفي سقوط أحكام المحاربة عنهم أن تكون التوبة قبل القدرة عليهم، فدلَّ على أنها إذا كانت بعد

стр. 6577

القدرة عليهم.. لم يؤثر ذلك؛ لأن المحارب إذا حصل في قبضة الإمام.. وجب عليه إقامة الحد عليه، وإذا تاب في هذه الحال.. فالظاهر: أنه تاب للتقية من إقامة الحد عليه، فلم يسقط. فأما إذا تاب قبل قدرة الإمام عليه.. فإنه تسقط عنه الحدود التي يختص وجوبها بالمحاربة قولا واحدا؛ وهي: قطع الرجل، وانحتام القتل عليه، والصلب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] [المائدة: ٣٤] . ولا تسقط حقوق الآدميين - وهو: حد القذف، وضمان الأموال، والقصاص- بالتوبة بحال، سواء كان محاربا أو غير محارب. وأمَّا الحدود التي تجب لحق الله تَعالَى ولا يختص وجوبها بالمحاربة؛ كحد الزِّنَى، واللواط، وحد الخمر، والسرقة.. فهل تسقط بالتوبة عن المحارب وغير المحارب؟ فيه قولان: أحدهما: لا تسقط بالتوبة - وبه قال أبُو حَنِيفَة - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] [النور: ٢] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] [المائدة: ٣٨] . وقال ﷺ : «من شرب الخمر.. فاجلدوه» ولم يفرق بين أن يتوب وبين أن لا يتوب. ولأنه حد لا يختص بالمحاربة، فلم يسقط بالتوبة، كحد القذف. والثاني: يسقط بالتوبة، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] [المائدة: ٣٤] فأخبر: أن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه.. غفر له جميع ما كان منه، وقال تَعالَى:

стр. 6578

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩] [المائدة: ٣٨-٣٩] فأخبر: أنه إذا تاب وأصلح.. فإن الله يتوب عليه ويغفر له. والظاهر: أنه لا يتعلق عليه شيء بعد ذلك. وقال في الزِّنَى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦] [النساء: ١٦] . وقال ﷺ : «التوبة تجب ما قبلها» . ورُوِي: «أن رجلا أتى النَّبيّ ﷺ فقال: أنِّي أصبت حدا فأقمه عليّ، فقال: "أليس توضأت فصليت؟ " فقال: بلى، قال: "فلا حد عليك» فالظاهر: أنه إنما سقط عند الحد بصلاح العمل. ولأنه حد خالص لله، فسقط بالتوبة، كالحد الذي يختص بالمحاربة. فإذا قلنا بهذا: فإن كانت هذه الحدود وجبت عليه في حال المحاربة.. سقطت عنه بالتوبة، ولا يشترط عليه في سقوط الحد مع التوبة إصلاح العمل. وإن كانت وجبت عليه في غير المحاربة.. لم تسقط عنه حتى يقرن مع التوبة إصلاح العمل. والفرق بينهما: أن المحارب مظهر للمعاصي، فإذا تاب.. فالظاهر من حاله أنه لم يتب تقية، وإنما رجع عما كان عليه. وغير المحارب غير مظهر للمعاصي، فإذا تاب.. فالظاهر: أنه تاب تقية، فلم يحكم بصحة توبته حتى يقترن به إصلاح العمل، ويشترط إصلاحه للعمل مدة يوثق بتوبته فيها. وأمَّا قطع اليد لأخذ المال في المحاربة.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبُو إسحاق: لا يختص بالمحاربة؛ لأنه لا يجب إلا بأخذ نصاب، فهو كالقطع في السرقة. وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة، وأبو عليّ الطبري: يختص بالمحاربة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية [المائدة: ٣٣] فعلق قطع اليد والرجل

стр. 6579

بالمحاربة، فدلَّ على أنهما يختصان معا بالمحاربة. ولأنه وجب لأخذ المال مجاهرة، وقطع اليد في السرقة يجب لأخذ المال من حرزه على وجه الاستخفاء.. فكانا مختلفين. فعلى قول أبي إسحاق: إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه.. هل يسقط عنه قطع اليد؟ على قولين. وعلى قول أبوي عليّ: يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه قولا واحدا. هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "] : إذا تاب قاطع الطريق قبل الظفر به.. فالصحيح: أن ما كان حقا لله تَعالَى كالقطع ونحوه.. فإنه يسقط، وما كان حقا لآدمي، كانحتام القصاص.. لا يسقط. وقيل: يسقط القصاص أيضا. وليس بشيء. وإن تاب بعد الظفر به.. ففيه قولان: أحدهما: حكمه حكم ما لو تاب قبل الظفر به؛ لأن ما يسقط بتوبة أو غيرها لا فرق فيه قبل الظفر به أو بعد الظفر به، كسقوط قطع السرقة الواجب بالإقرار، وعكسه القصاص. والثاني: لا يسقط؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] [المائدة: ٣٤] . قال: وعلى هذا خرج أصحابنا وجهين في حد الزِّنَى والشرب: هل يسقط بالتوبة؟ وبالله التوفيق

стр. 6580

[باب حد الخمر] الخمر محرم، والأصل فيه: الكتاب والسنة والإجماع. والخمر المجمع على تحريمه هو: عصير العنب الذي قد اشتد وقذف زبده. أما الكتاب: فقوله تَعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] [البقرة: ٢١٩] فأخبر: أن فيهما منفعة وإثما، وأن الإثم أكبر من المنفعة. وهذا يدل على التحريم. وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] [المائدة: ٩٠-٩١] . وفي هاتين الآيتين سبعة أدلة: أحدها: أن الله تَعالَى قرن بين الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وقدمه عليها، وهذه الأشياء كلها محرمة، فدلَّ على تحريم الخمر. والثاني: أن الله تَعالَى سماها رجسا، و (الرجس) : اسم للشيء النجس، وكل نجس حرام.

стр. 6581

الثالث: قَوْله تَعَالَى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] ، وما كان من عمل الشيطان فهو محرم. الرابع: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، ولا يأمر باجتناب محرم. الخامس: قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وضد الفلاح الفساد. السادس: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١] وما صدَّ عن ذلك فهو محرم. السابع: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وهذا أبلغ كلمة في الزجر عن الشيء. ويدل على تحريمه من الكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] [الأعراف: ٣٣] و (الإثم) : هو الخمر، قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول واختلف الناس في سبب نزول تحريم الخمر: فقيل: إن السبب أن عمر ﵁، قال: (لا ينتهى عن هذه الخمور حتى يأتي أحدنا وقد ضرب فجرح وكلم) ، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية [البقرة: ٢١٩] ، فاختلف الناس فيها، فقال بعضهم: هي مباحة لذكر المنفعة فيها. وقال بعضهم: هي محرمة لذكر الإثم فيها. فقال عمر ﵁: اللهم بين لنا بيانا شافيا، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] الآية. فقالوا: إنما حرم شربها في وقت الصلاة دون غيره، فقال عمر: اللهم بين لنا بيانا شافيا، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيتين إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] [المائدة: ٩٠-٩١] فقال عمر ﵁: انتهينا يا ربنا) . وقيل: إن سبب نزول تحريم الخمر: «أن رجلا من

стр. 6582

الأنصار شوى بعيرا ودعا سعدا، فأكل وشرب معه وسكر، فرمى وجه سعد بلحي البعير، فكسر أنفه، فنزل تحريمها» . وأمَّا السنة: فما رَوَى الشافعيُّ، ﵀ بإسناده عن ابن عمر ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدنيا.. حرمها في الآخرة» . ورَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لعن الله الخمرة، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه» . ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «الخمر أم الخبائث» .

стр. 6583

ورُوِي «عن أنس: أنه قال: (كنت أسقي أبا طلحة وأبي بن كعب وأبا أيوب الأنصاري، فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبُو طلحة: قم إلى الجرار فاكسرها، فقمت إليها، فضربت أسفلها بمهراس فكسرتها» . ورُوِي: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «شارب الخمر كعابد وثن» . وقال ﷺ : «إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه، وحرم الخنزير وحرم ثمنه، وحرم الخمر وحرم ثمنها» . وأمَّا الإجماع: فأجمعت الصحابة ومن بعدهم من المسلمين: على تحريمها. ورُوِي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب: أنهما قالا: (هي حلال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية [المائدة: ٩٣] فقال قدامة: فلنشرب ونتق، فأنكر عليهما الصحابة ذلك، فرجعا عن ذلك) . وأمَّا الآية.. فلها تأويلان:

стр. 6584

أحدهما: أنه أراد ذلك قبل تحريمها. والثاني: أنه أراد: فيما طعموا من المباحات الطيبات. فمن استحل شربها بعد ذلك.. فهو كافر، وعليه يتأول قوله ﷺ : «شارب الخمر كعابد وثن» يعني: إذا اعتقد إباحتها. إذا ثبت هذا: فمن شرب منها وهو مسلم، عاقل، بالغ، مختار.. وجب عليه الحد، سواء شرب منها قليلا أو كثيرا، سكر أو لم يسكر؛ لما رَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «من شرب الخمر.. فاجلدوه، فإن عاد.. فاجلدوه، فإن عاد.. فاجلدوه، ثم إن عاد.. فاقتلوه» والقتل في الرابعة منسوخ؛ لما روى قبيصة بن ذؤيب: «أن النَّبيَّ ﷺ أتي برجل شرب الخمر فجلده، فأتي به ثانيا وقد شرب فجلده، فأتي به ثالثا وقد شرب فجلده، فأتي به رابعا وقد شرب فجلده، ولم يقتله» . وأجمعت الأمة: على ذلك أيضا.

стр. 6585

[مسألة: حرمة ما أسكر كثيره وقليله وأنواعه] وما عدا الخمر من الأشربة المسكرة؛ كعصير العنب المطبوخ، ونبيذ التمر والزبيب والذرة والشعير، وغير ذلك.. فيحرم قليلها وكثيرها، ويجب بشربها الحد. وبه قال عمر، وعلي، وابن عبَّاس، وابن عمر، وأبو هريرة، وسعد ابن أبي وقاص، وابن مَسعُودٍ، وعائشة ﵃. ومن الفقهاء: مالك، والأَوزَاعِي، وأحمد، وإسحاق، وقال أبُو حَنِيفَة: (الأشربة على أربع أضرب: أحدها: الخمر - وهو عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده - فيحرم قليله وكثيره، ويجب على شاربه الحد- ولم يشترط أبُو يوسف ومحمد أن يقذف زبده، وقالا: إذا اشتد وغلى.. كان خمرا-. والثاني: المطبوخ من عصير العنب، فإذا ذهب أقل من ثلثيه.. فهو حرام، ولا حد على شاربه إلا إذا سكر. وإن ذهب ثلثاه.. فهو حلال إلا ما أسكر منه. وإن طبخه عنبا.. ففيه روايتان: إحداهما: أنه يجري مجرى عصيره. والمشهور: أنه حلال وإن لم يذهب ثلثاه. الثالث: نقيع التمر والزبيب، فإن طبخ بالنار.. فهو مباح، ولا حد على شاربه إلا إذا أسكر، فيحرم القدر الذي يسكر، وفيه الحد. وإن لم تمسسه النار.. فهو حرام، ولا حد على شابه إلا إذا أسكر. الرابع: نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل ونحو ذلك.. فهو حلال،
следующие страницы →