← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

الشاهدان.. فقد قال بعض أصحابنا: إن كان قبل الدخول.. لم ترجع عليهما بشيء، وإن كان بعد الدخول.. غرما ما نقص من المسمى عن مهر مثلها. فال ابن الصباغ: وينبغي أن يقال: إن كان قبل الدخول.. رجعت على الشهود - إن كان المهر المسمى دون مهر المثل - ببقيته. [فرع شهد رجل وعشر نسوة على رضاع بين زوجين ثم حصل رجوع] وإن شهد رجل وعشر نسوة على رجل: أن بينه وبين زوجته رضاعا يحرم فحكم الحاكم بالفرقة بينهما، ثم رجع الرجل وسبع نسوة.. قال ابن الحداد: فإن الزوج يرجع على الراجعين بربع مهر مثلها؛ لأنه انخرم ربع البينة وبقي ثلاثة أرباعها. وعلى قول المزني في ((المنثور)) وأبي إسحاق المروزي: يجب على الراجعين ثلاثة أرباع مهر مثلها، على الرجل سهمان، وعلى كل امرأة سهم. وإن رجع الرجل وست نسوة.. فعلى قول ابن الحداد: لا شيء على الراجعين. وعلى قول المزني وأبي إسحاق: يرجع عليهم بثلثي مهر المثل. وإن رجع الرجل: قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول ابن الحداد.. لا يجب على الراجع شيء؛ لأن البينة قائمة. وعلى قول المزني وأبي إسحاق.. يرجع عليه بسدس مهر مثلها. [مسألة رجوع الشهود عن مال الرجل] وإن كان المشهود به مالا؛ بأن شهدا عليه بمال لرجل وحكم الحاكم بالشهادة، ثم رجع الشهود عن الشهادة.. فقد ذكرنا: أن الحكم لا ينقض، ولا يجب على المشهود

стр. 7002

له رد ما أخذ، وهل يجب على الشهود الضمان؟ نقل المزني: (أنه لا ضمان عليهم) . وقال فيمن أقر بدار في يده لزيد، ثم أقر بها لعمرو: إنها تسلم إلى زيد، وهل يغرم لعمرو شيئا؟ فيه قولان. واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: لا يجب على الشهود في المال إذا رجعوا الضمان قولا واحدا؛ لأن أيديهم لم تثبت على المال، فلم يلزمهم غرم بخلاف المقر؛ فإن يده ثبتت على الدار. وقال أكثرهم: فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليهم الضمان؛ لما ذكرناه. والثاني: يلزمهم الضمان - وبه قال مالك وأبو حنيفة - وهو الأصح؛ لأنهم حالوا بين المشهود عليه وبين ماله بغير حق فلزمهم الضمان، كما لو غصبوه منه. وما قاله الأول.. غير صحيح؛ لأن المال قد يضمن بغير اليد والإتلاف، وهو: إذا حفر بئرا في طريق الناس، فوقع فيها بهيمة أو عبد لرجل.. فإنه يجب على الحافر ضمانه. فإذا قلنا بهذا: فإن شهد رجلان عليه بمال، فحكم الحاكم بشهادتهما عليه، ثم رجعا عن الشهادة.. وجب الضمان عليهما نصفين. وإن رجع أحدهما دون الآخر.. وجب على الراجع نصف المشهود به عليه. وإن شهد عليه ثلاثة رجال بمال، وحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم وبقي اثنان.. لم يجب عليه الضمان على قول ابن الحداد، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق: يجب عليه ضمان ثلث المشهود به. فإن رجع اثنان منهم وبقي الثالث.. رجع عليهما على قول ابن الحداد بضمان نصف المشهود به، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق: يرجع عليهما بضمان ثلثيه. وإن رجع الثلاثة كلهم.. رجع عليهم بالمشهود به بينهم أثلاثا.

стр. 7003

[فرع شهد أربعة على رجل بمال فحكم بها ثم رجعوا واحدا بعد واحد] وإن شهد أربعة رجال على رجل بأربعمائة درهم وحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم عن مائة، ورجع الثاني عن مائتين، ورجع الثالث عن ثلاثمائة، ورجع الرابع عن أربعمائة.. فعلى ما حكاه المزني وقول أبي إسحاق: يلزم كل واحد منهم بحصته مما رجع عنه؛ فيلزم الراجع عن مائة خمسة وعشرون درهما، ويلزم الراجع عن مائتين خمسون، ويلزم الراجع عن ثلاثمائة خمسة وسبعون، ويلزم الراجع عن أربعمائة مائة. وعلى قول ابن الحداد: لا يرجع عليهما بمائتين؛ لأن البينة قائمة فيهما، فإذا رجع الأول والثاني.. لا يرجع عليهما بشيء بنفس رجوعهما، فإذا رجع على الثالث والرابع.. فإن البينة قائمة في مائتين، وقد رجع الأربعة عن مائة، فيجب على الأربعة على كل واحد منهم ربعها، وقد رجع الثاني والثالث والرابع من المائة الثانية وبقي فيها الأول شاهدا، وكم يجب على الثاني والثالث والرابع من المائة التي رجعوا بها، فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: يرجع عليهم بثلاثة أرباعها؛ لأنها لزمته بشهادة أربعة، وقد بقي منهم واحد ثابتا على الشهادة. والثاني: يجب عليهم نصفها؛ لأنه لم ينخرم إلا نصف البينة التي يلزم بها الحق. [فرع شهد رجل وامرأتان أو أكثر على رجل بمال فحكم بها ثم رجعوا] وإن شهد رجل وامرأتان على رجل بمال، فحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجعوا عن الشهادة.. وجب على الرجل ضمان النصف وعلى المرأتين ضمان النصف؛ لأن شهادة الرجل كشهادة المرأتين. وإن شهد رجل وعشر نسوة بمال، فحكم بشهادتهم، ثم رجعوا عن الشهادة.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي العباس وأبي يوسف -: أنه يجب على الرجل ضمان

стр. 7004

النصف وعلى النساء ضمان النصف؛ لأن النساء لا يحكم بشهادتهن بانفرادهن في المال، وإنما يحكم بشهادتهن في ذلك مع الرجل، فدل على أنهن حزب والرجل حزب، فوجب عليهن ضمان النصف وعلى الرجل ضمان النصف. والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة -: أنه يجب على الرجل ضمان السدس وعلى النسوة ضمان خمسة أسداس. وهو الأصح؛ لأن شهادة كل امرأتين بشهادة رجل، فهو كما لو شهد بالمال ستة رجال، ثم رجعوا. فإن رجع ثمان نسوة.. لم يجب عليهن شيء على قول ابن الحداد، وعلى قول المزني وأبي إسحاق: يجب عليهن ثلثا المال. وإن رجع منهن تسع.. وجب على التسع على قول ابن الحداد ربع المال، وعلى قول أبي إسحاق: يجب ثلاثة أرباع المال. [فرع حكم بشهادة الفرع ثم رجع شاهدا الأصل] وإن شهد شاهدان على شهادة رجلين بحق، فشهد شاهد الفرع بالحق، وحكم الحاكم بشهادتهما، فاعترف شاهدا الأصل: أنهما ادعياهما وأنهما رجعا عن الشهادة، وإنما ادعياهما لزور.. فإن الضمان يجب على شاهدي الأصل عندنا، وبه قال أبو حنيفة. وقال محمد: يجب الضمان على شاهدي الفرع. دليلنا: أن الحق إنما يثبت بشهادة شاهدي الأصل، وشاهدا الفرع إنما يثبتان شهادتهما، فإذا رجعا.. لزمهما الضمان، كما لو شهدا بها عند الحاكم فحكم بها، ثم رجعا. [فرع رجوع الشهود وتعزيرهم وماذا عن قبول شهادتهم] وإذا شهد الشهود بحق ثم رجعوا.. فهل يعزرون؟ ينظر فيهم: فإن وجب عليهم عند رجوعهم قصاص في نفس أو طرف.. لم يعزروا؛ لأن التعزير للردع، والذي يفعل بهم أبلغ من التعزير بالردع.

стр. 7005

وإن لم يلزمهم قصاص، وإنما لزمهم مال.. نظرت: فإن ذكروا أنهم أخطؤوا في الشهادة.. لم يعزروا؛ لأنهم معذورون في الخطأ، وإن قالوا: تعمدنا.. عزروا؛ لأنهم أقروا بارتكاب كبيرة مع العلم بها فاستحقوا التعزير. وهل تقبل شهادتهم بعد رجوعهم؟ أما في الذي رجعوا عنه: فلا تقبل شهادتهم فيه بحال؛ لأنهم قد رجعوا عن الشهادة فيه. وأما في غيره: فينظر فيه: فإن قالوا: تعمدنا الشهادة بالزور عليه.. لم تقبل شهادتهم إلا بعد التوبة والإصلاح، كما قلنا في شهادة الزور. وإن قالوا: أخطأنا.. قبلت شهادتهم في غيره؛ لأنهم معذورون في الخطأ، فلا تسقط به عدالتهم. [مسألة موت الشهود أو طرو جنون أو إغماء] أو فسق عليهم] : وإذا شهد الشهود بحق، ثم ماتوا قبل أن يعرف الحاكم عدالتهم، ثم قامت البينة بعدالتهم بعد موتهم، أو ماتوا بعد ثبوت عدالتهم وقبل الحكم بشهادتهم، أو جنوا قبل ثبوت عدالتهم ثم ثبتت عدالتهم بعد جنونهم، أو جنوا بعد ثبوت عدالتهم وقبل الحكم بشهادتهم.. فللحاكم أن يحكم بشهادتهم في جميع ذلك؛ لأن الموت أو الجنون ليس بفسق، فلم يورث ذلك شكا في شهادتهم، فجاز الحكم بها، كما لو كانوا أحياء عقلاء. وكذلك: إذا أغمي عليهم أو ارتدوا أو خرسوا أو عموا.. فإنه يجوز الحكم بشهادتهم. وقال أبو حنيفة: (إذا عموا قبل الحكم بشهادتهم.. لم يجز الحكم بشهادتهم) . وقد مضى ذلك والدليل عليه. وأما إذا شهد الشهود بحق، ثم فسقوا قبل الحكم بشهادتهم.. لم يجز الحكم بشهادتهم؛ لأن الفسق إذا ظهر قبل الحكم.. أوقع شكا في العدالة حال الشهادة؛ لأن العادة في الناس أنهم يستترون في المعاصي ويظهرون الطاعات، فإذا ظهر الفسق.. دل على تقدم أمثاله، فلم يجز الحكم بشهادتهم.

стр. 7006

وإن شهد الشهود بحق، فحكم الحاكم بشهادتهم واستوفى ذلك الحق، ثم فسق الشهود. لم يؤثر الفسق، سواء كان ذلك الحق لله تعالى أو للآدمي؛ لأن الحق قد استوفى والفسق ظهر بعد استيفاء الحق، فيجوز أن يكونوا فساقا حال الشهادة، ويجوز أن يكونوا عدولا، وقد استوفى الحق ونفذ فلا ينقض بأمر محتمل. وإن فسق الشهود بعد الحكم وقبل استيفاء الحق، فإن كان الحق له تعالى كحد الزنى والسرقة والشرب.. لم يستوف؛ لأنها تسقط بالشبهة، والفسق يوقع شكا في حال الشهادة. وإن كان الحق لآدمي.. نظرت: فإن كان حقا لا يسقط بالشبهة؛ كالمال والنكاح.. فله استيفاؤه؛ لأن الحكم قد نفذ فلا ينقض بأمر محتمل. وإن كان مما يسقط بالشبهة، كالحد والقصاص.. ففيه وجهان - حكاهما ابن الصباغ -: أحدهما - ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غيره -: أنه لا يجوز استيفاؤه؛ لأن ذلك ما يسقط بالشبهة، والفسق شبهة، فلم يجز استيفاؤه بعد فسق الشهود، كحد الزنى. والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: أن له استيفاؤه؛ لأنه حق لآدمي فلم يمنع فسق الشهود بعد الحكم به من استيفائه كالديون. [مسألة قضية نقض الحكم بسبب بيان أن الشهود ممن لا تصح شهادتهم] وإذا حكم الحاكم بشهادة رجلين، ثم بان أنهما عبدان أو كافران.. فإنه ينقض حكم نفسه وينقضه غيره؛ لأنه إنما حكم بشهادة من يعتقدهما حرين مسلمين، فأما إذا بانا عبدين أو كافرين.. فقد تحقق أنه حكم بشهادة من لا يجوز الحكم بشهادته فنقضه، كما لو حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه. فإن قيل: كيف ينقض حكم من حكم بشهادة عبدين وقد ذهب إلى جواز شهادة العبيد بعض السلف؟ قلنا: عنه جوابان:

стр. 7007

أحدهما: أن الإجماع قد حصل بعد الاختلاف على رد شهادة العبيد، فيرتفع الاختلاف ويصير إجماعا. والثاني: أن من قال بقبول شهادة العبيد يخالف القياس الجلي؛ لأنه لا يجوز أن يكون الرق مانعا عن الميراث والولاية والرجم ولا يكون مانعا من قبول الشهادة، وكل حكم خالف القياس الجلي.. فإنه ينقض. فأما إذا حكم الحاكم بشهادة رجلين ظاهرهما العدالة ثم شهد شاهدان أنهما فاسقان: فإن شهدا بفسق مطلق غير مضاف إلى حال الشهادة، أو شهدا بفسق حادث بعد الحكم والاستيفاء.. لم ينقض الحكم بشهادتهما. وإن شهدا بفسقهما حال شهادتهما بالحق الذي شهد به.. فقد قال الشافعي في موضع: (ينقض الحكم بشهادتهما) . وقال في موضع: (إن الحاكم ينظر المشهود عليه بجرح الشهود ثلاثا فإن أتى بالجرح بعده.. لم يقبله) وهذا يدل على أنه إذا أقام البينة بفسقهم بعد الحكم.. لا يقبله، واختلف أصحابنا فيها على طريقين: فـ[الطريق الأول] : قال أبو العباس: فيها قولان: أحدهما: لا ينقض الحكم بشهادتهما - وبه قال أبو حنيفة - لأن عدالتهما عرفت من طريق الاجتهاد، وعدالة الشاهدين اللذين شهدا بفسقهما علمت من طريق الاجتهاد، فلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد. والثاني: ينقض الحكم بشهادتهما، وهو الأصح؛ لأنه لو بان رقهما.. لنقض الحكم بشهادتهما، ولا نص في رد شهادة العبد ولا إجماع، فلأن ينقض الحكم بشهادتهما إذا بانا فاسقين وقد ثبت النص برد شهادة الفاسق والإجماع أولى. فأما النص: فقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] [الطلاق: ٢] .

стр. 7008

وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] [الحجرات: ٦] . فأمر بالتبين في نبأ الفاسق وهو خبره، والشهادة خبر فوجب ردها. وأما الإجماع: فإن أحدا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم لم يجز شهادة الفاسق. و [الطريق الثاني] : قال أبو إسحاق: ينقض الحكم بشهادتهما قولا واحدا؛ لما ذكرناه. وحيث قال: (إذا أتى المشهود عليه بالجرح.. لم يقبل) أراد: إذا كان الفسق حادثا، أو كانت الشهادة بفسقهما مطلقة غير مضافة إلى حال الشهادة. إذا ثبت هذا، وقلنا: ينقض الحكم بشهادة الفاسق، أو بانا عبدين أو كافرين.. فلا يخلو المحكوم به: إما أن يكون إتلافا أو مالا. فإن كان إتلافا، مثل الشهادة بما يوجب القتل فقتل، أو بما يوجب القطع فقطع.. فلا يجب الضمان على الشاهدين؛ لأنهما مقيمان على أنهما صادقان في الشهادة، وإنما الشرع منع من قبول شهادتهما. ويخالف إذا رجعا عن الشهادة؛ لأنهما اعترفا بالكذب، ولا يجب على المشهود له ضمان؛ لأنه يقول: استوفيت حقي، ويجب الضمان على الحاكم؛ لأنه حكم بذلك بشهادة من لا يجوز الحكم بشهادته. وقال أبو سعيد الإصطخري: هذا إذا كان الحاكم تولى الاستيفاء بنفسه، أو أمر من تولى ذلك، فأما إذا كان الولي استوفاه بأمر الحاكم.. فالضمان على الولي. والمذهب الأول؛ لأن الحاكم سلطة على ذلك وأجازه له. وقال أبو حنيفة: (يجب الضمان على المزكيين) . دليلنا: أن المزكيين يقولان: ما ثبت بشهادتنا شيء وإنما شهدنا بصفة، والحكم إنما وقع بشهادة الشاهدين، فلا يلزمنا الضمان، وإنما وجب على الحاكم الضمان؛ لأنه مفرط حيث حكم بشهادة من لا يعرف عدالته ظاهرا وباطنا.

стр. 7009

إذا ثبت هذا: فإن القصاص لا يجب على الحاكم؛ لأنه مخطئ، وتجب عليه الدية، وهل تجب على عاقلته أو في بيت المال؟ على قولين، مضى ذكرهما. وإن كان المحكوم به مالا، فإن كان المحكوم به باقيا في يد المحكوم له.. وجب عليه رده. وإن كان تالفا، فإن كان المحكوم له موسرا.. غرمه، وإن كان معسرا.. وجب ضمانه على الحاكم، وهل يجب في ماله أو في بيت المال؟ على قولين. ولا يمكن إيجابه على العاقلة؛ لأن العاقلة لا تحمل المال. فإذا غرم الحاكم المال.. كان المال ثابتا في ذمة المشهود له، فإذا أيسر.. غرم الحاكم أقل الأمرين: مما دفع أو الحق المشهود به. والفرق بين المال وإتلاف النفس والعضو: أن المال يضمن بالإتلاف واليد، وقد حصل المال في يد المشهود له فلزمه ضمانه، وضمان النفس والعضو إنما يجب إذا أتلف بغير حق، وتمكين الحاكم المشهود له من إتلاف ذلك.. أخرج إتلافه عن أن يكون إتلافا بغير حق، فلم يلزمه الضمان. [مسألة حكم الحاكم لا يحيل الأمور] حكم الحاكم لا يحيل الأمور عما هي عليها، فإذا ادعى رجل على رجل حقا، فأنكر المدعى عليه، وأقام المدعي شاهدين وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن كانا قد شهدا بحق.. صح الحكم ظاهرا وباطنا وحل للمشهود له ذلك. وإن شهدا بغير حق، أو حكم له الحاكم بشيء بيمين فاجرة.. فإن الحكم ينفذ في الظاهر، ولا ينفذ في الباطن، ولا يحل للمحكوم له ما حكم له به. وبه قال شريح ومالك وأبو يوسف ومحمد وأكثر أهل العلم.

стр. 7010

وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (حكم الحاكم يحيل الشيء عما هو عليه في الباطن، فإذا ادعى رجل على امرأة أجنبية أنها زوجته فأنكرت، فشهد بذلك شاهدان أنها زوجته وهما شاهدا زور، فحكم له الحاكم بشهادتهما.. فإن الحكم ينفذ ظاهرا وباطنا، وتحل له المرأة. وهكذا: إذا ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها فأنكر، فأقامت على طلاقها شاهدي زور، وحكم الحاكم بشهادتهما.. بانت منه، وحل لكل واحد من الشاهدين أن يتزوجها ولو كان عالما أنه لم يطلقها. وكذلك ما أشبه ذلك) . دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأنا أقضي بما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء.. فلا يأخذ به؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» . فموضع الدليل منه: قوله: «فمن قضيت له من حق أخيه بشيء.. فلا يأخذه» ، وحق أخيه قد يكون مالا وقد يكون طلاقا ونكاحا، فلو كان حكمه ﵊ يغير الشيء عما هو عليه في الباطن.. لم يمنع المحكوم له من أخذه. وروي: «أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة ادعيا على وليدة زمعة، فقال سعد: يا رسول الله، إن أخي عتبة عهد إلي أنه ألم بها في الجاهلية، وأن ولدها ابنه، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ثم رأى به شبها بعتبة، فقال لسودة بنت زمعة: "احتجبي عنه يا سودة» وقد كان حكم بأنه أخوها، فلما رأى به شبها بالزاني.. أمرها أن تحتجب عنه، فلو كان حكم الحاكم يغير الشيء عما هو عليه في الباطن.. لما أمرها بالاحتجاب عنه، ولأنه حكم بسبب غير صحيح في الباطن، فوجب أن لا ينفذ الحكم به في الباطن، كالأموال. والله أعلم وبالله التوفيق

стр. 7011

[كتاب الإقرار]

стр. 7012

كتاب الإقرار الحكم يتعلق بالإقرار، والأصل فيه: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] إلى قوله ﴿أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١] [آل عمران: ٨١] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] [التوبة: ١٠٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] [الأعراف: ١٧٢] . وأما السنة: فروي: أن ماعزا والغامدية أقرا عند النبي ﷺ بالزنا، فأمر برجمهما وقال: «اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت.. فارجمهما» . وأما الإجماع: فلا خلاف بين الأمة في تعلق الحكم بالإقرار. وأما القياس: فلأن الإقرار آكد من الشهادة؛ لأنه لا يتهم فيما يقر به على نفسه، فإذا تعلق الحكم بالشهادة.. فلأن يتعلق بالإقرار أولى.

стр. 7013

إذا ثبت هذا: فهل يجب الإقرار؟ ينظر في الحق المقر به: فإن كان لآدمي، أو حقا لله تعالى لا يسقط بالشبهة - كالزكاة والكفارة - ودعت الحاجة إلى الإقرار به.. لزمه الإقرار به؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] [النساء: ١٣٥] ، ولا يكون شهيدا على نفسه إلا بالإقرار. وإن كان حقا لله تعالى يسقط بالشبهة - كحد الزنا والسرقة والشرب - ولم يظهر عليه.. لم يجب عليه أن يقر به، بل يستحب له أن يكتمه، وقد مضى بيان ذلك. [مسألة يجوز الإقرار إلا من مكلف] مسألة: [لا يجوز الإقرار إلا من مكلف] : قال الشافعي: (ولا يجوز الإقرار إلا من بالغ رشيد) . وجملة ذلك: أن الناس على ضربين: مكلف وغير مكلف. فأما (غير المكلف) : فهو الصبي والمجنون، فلا يصح إقرارهما بحق من الحقوق. وقال أبو حنيفة: (إذا كان الصبي مميزا.. صح إقراره إذا أذن الولي له بالبيع والشراء، فيصح إقراره به) . دليلنا: أنه لا يصح منه ذلك، وقد مضى. فإن أقر مراهق وادعى أنه غير بالغ، وادعى المقر له أنه بالغ.. لم نحكم بصحة إقراره حتى يقيم المقر له البينة على بلوغه؛ لأن الأصل عدم بلوغه. فإن سأله المقر له أن يحلف له.. لم يتوجه عليه اليمين؛ لأنا حكمنا أنه غير بالغ. فإذا ثبت بلوغه بعد ذلك وادعى المقر له أنه كان بالغا وقت إقراره له وسأله أن يحلف له بعد بلوغه.. توجهت عليه اليمين؛ لأنه قد صار بالغا. ولا يصح إقرار المكره؛ لقوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولأن المكره غير داخل في التكليف. ولا يصح إقرار المغمى عليه؛ لأنه غير مكلف. وأما (المكلف) : فعلى ضربين: محجور عليه وغير محجور عليه. فأما (غير المحجور عليه) فإقراره صحيح.

стр. 7014

قال ابن الصباغ: سواء كان عدلا أو فاسقا؛ لأنه غير متهم في حق نفسه. فإن أقر السكران في حال سكره.. فهل يصح منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه زائل العقل، فلم يصح إقراره كالمغمى عليه. والثاني: يصح، وهو الصحيح؛ لأن الشافعي قال: (ولو شرب خمرا أو نبيذا فسكر، فأقر في حال سكره.. لزمه ما أقر به) . وإن أكره رجل على شرب خمر فشربها حتى زال عقله ثم أقر.. لم يلزمه إقراره وجها واحدا؛ لأنه معذور في ذهاب عقله. وأما (المحجور عليه) : فعلى أربعة أضرب: ضرب محجور عليه للفلس، ومحجور عليه للسفه، ومحجور عليه للرق، ومحجور عليه للمرض. فأما (المحجور عليه للفلس) : فإن أقر بحق يتعلق ببدنه أو بذمته.. صح؛ لأنه لا ضرر على الغريم بذلك، وهل يشارك المقر الغرماء بالدين؟ على قولين مضى بيانهما في (التفليس) . وإن أقر بعين في يده.. فهل يقبل إقراره على الغرماء؟ على القولين. وأما (المحجور عليه للسفه) : فيقبل إقراره فيما يتعلق ببدنه، ولا يقبل إقراره بالمال، وقد مضى ذلك في (الحجر) . وأما (المحجور عليه للرق) فإقراره مقبول فيما يتعلق ببدنه، ولا يقبل إقراره بالمال في حق سيده، لكن إذا عتق.. طولب به، وقد مضى بيان ذلك في (الحدود) . [فرع اعترف بأنه باع عبده من نفسه] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو أقر أنه باع عبده من نفسه بألف، فصدقه

стр. 7015

العبد.. عتق والألف عليه، وإن أنكر. فهو حر والسيد مدع والعبد منكر) وجملة ذلك: أن السيد قال لعبده: بعتك نفسك بألف، فقال العبد: قبلت.. فنقل المزني: (أنه يصح ويعتق، فيجب عليه الألف) ، قال الربيع: وفيه قول آخر: (أنه لا يصح) واختلف أصحابنا فيه: فذهب أكثرهم أنها على قولين. أحدهما: لا يصح البيع؛ لأن البيع لا بد أن يكون الثمن فيه عينا أو دينا، والعبد لا يملك العين، والدين لا يثبت في ذمته لسيده، فيكون كالكتابة الفاسدة. الثاني: يصح البيع، وهو الصحيح؛ لأنه لو قال له: إن ضمنت لي ألفا فأنت حر، فقال العبد على الفور: ضمنت.. صح ذلك وعتق، ووجب عليه المال. وكذلك: إذا قال له: أنت حر على ألف، فقبل العبد على الفور.. عتق ووجب المال في ذمته، وشراؤه لنفسه إنما هو من ضمانه المال في مقابلة الحرية؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه وإنما ذلك عبارة عن إسقاط حق الرق عنه، فجرى مجرى عتقه على مال. وقال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة: يصح البيع قولا واحدا؛ لما ذكرناه. إذا ثبت هذا: فادعى السيد أنه باعه نفسه بألف، وقلنا: يصح البيع، فإن صدقه العبد.. عتق وثبت الألف في ذمته. وإن أنكره العبد ولا بينة للسيد.. حلف العبد: أنه ما اشترى نفسه ولم يجب عليه شيء، وعتق بإقرار سيده. وهكذا الحكم إذا قال رجل لحر: بعتك ولدك أو والدك، فأنكر المدعى عليه.. فإنه يحلف ويسقط عنه الثمن ويعتق العبد بإقرار سيده. [فرع إقرار المحجور عليه لمرض بحق] وأما (المحجور عليه لمرض) فإن أقر بحق يتعلق ببدنه؛ كالحدود والقصاص.. قبل: لأنه لا ضرر على الورثة بذلك. وإن أقر بدين أو عين لغير الورثة.. قبل: لأنه غير متهم. وإن أقر بدين في صحته وبدين في مرضه واتسع ماله للجميع.. قسم بينهم، وإن ضاق ماله.. فإنه يقسم بينهم على قدر ديونهم. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (يقدم الدين المقر به في الصحة) . وحكى أبو زيد المروزي عن بعض أصحابنا: أنه قول للشافعي. وليس بمشهور؛

стр. 7016

لأنهما دينان ثبتا في ذمته ولم يختص أحدهما برهن، فاستويا في حق من وجب عليه، كما لو أقر بالجميع في الصحة أو في المرض. وإن أقر في مرض موته لوارثه.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فمن أجاز الإقرار لوارثه.. أجازه، ومن أبى.. رده) واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يصح - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد - لأنه محجور عليه في حق غيره، ومن كان محجورا عليه في حق إنسان.. لم يصح إقراره له، كالصبي في حق جميع الناس. والثاني: يصح إقراره له. وبه قال الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وأبو عبيد، وأبو ثور. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: وهو الأصح؛ لأنه يصح إقراره بوارث، فصح إقراره للوارث، كالصحيح. ولأنه يصح إقراره لغير الوارث، فصح إقراره للوارث، كالأجنبي. وقال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني: يصح إقراره له قولا واحدا - كما ذكرناه - والقول الآخر حكاه عن غيره. فإذا قلنا: يصح إقراره للوارث.. فلا تفريع عليه. وإن قلنا: لا يصح إقراره للوارث.. فالاعتبار بالوارث كونه وارثا حال موت المقر دون حال الإقرار. فإن أقر لأخيه في مرض موته، ثم حدث له ابن قبل موته.. قبل إقراره لأخيه. وإن أقر لأخيه وله ابن، فمات ابنه قبله وصار الأخ وارثا له.. لم يصح إقراره له. هذا نقل أصحابنا العراقيين. وقال الخراسانيون: هل الاعتبار في الإقرار بكونه وارثا حال موت المقر، أو حال إقراره؟ فيه قولان. المشهور: أن الاعتبار بكونه وارثا عند الموت؛ لأن ما يرد لأجل الورثة إنما هو حال الموت كالوصية.

стр. 7017

قال الشيخ أبو إسحاق: وإن ملك رجل أخاه، ثم أقر في مرض موته: أنه كان أعتقه في صحته وهو أقرب عصبته.. نفذ عتقه، وهل يرث؟ فإن قلنا: الإقرار للوارث لا يصح.. لم يرثه؛ لأن توريثه يوجب إبطال الإقرار بحريته، وإذا بطلت الحرية.. سقط الإرث، فتثبت الحرية وسقط الإرث. وإن قلنا: الإقرار للوارث يصح.. نفذ العتق بإقراره، وثبت الإرث بنسبه. فإن أقر المريض: أنه أعتق عبدا في صحته، وكان عليه دين يستغرق تركته.. صح إقراره وحكم بعتقه؛ لأن الإقرار ليس بإيقاع للعتق، وإنما هو إخبار بما تقدم وقوعه. [مسألة إقرار من ثبت له الحق الذي أقر به إذا لم يكذبه المقر له] مسألة: [صحة إقرار من ثبت له الحق الذي أقر به إذا لم يكذبه المقر له] : يصح الإقرار لكل من ثبت له الحق المقر به، فإذا أقر رجل لحر بحق في ذمته أو في يده أو في بدنه.. صح إقراره، ولا نعتبر فيه قبول المقر له، وإنما يعتبر فيه تصديقه له أو سكوته، فإن كذبه المقر له.. بطل إقراره. فإن كان المقر به دينا في ذمته أو حقا في يديه، وكذبه المقر له.. لم يلزم المقر شيء. وإن كان المقر به عينا.. ففيه وجهان. أحدهما: يأخذها الحاكم من المقر إلى أن يأتي من يدعيها ويقيم عليها البينة؛ لأن المقر والمقر له لا يدعيانها، فكان على الحاكم حفظها كالمال الضائع. والثاني: يقر في يد المقر؛ لأنه محكوم له بملكها باليد، فإذا أقر بها لغيره وكذبه المقر له.. بقيت على ملكه بحكم اليد. فإن أقرت المرأة لعبد بالنكاح، أو أقر له رجل بالقصاص أو تعزير القذف.. ثبت له ذلك بتصديقه، ولا يعتبر فيه تصديق السيد؛ لأن الحق للعبد في ذلك دون السيد. وإن أقر له بمال.. فذكر الشيخ أبو إسحاق: إن قلنا: إنه يملك المال.. صح الإقرار له، وإن قلنا: لا يملك.. كان الإقرار لمولاه، يلزم بتصديقه ويبطل برده.

стр. 7018

وذكر ابن الصباغ: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال في الإقرار بالحكم الظاهر: (إذا قال: لعبد فلان عندي ألف درهم.. كان ذلك إقرارا صحيحا لسيده، سواء كان مأذونا له في التجارة أو غير مأذون له؛ لأن غير المأذون له يثبت له المال بالوصية) . وإن قال: لهذه الدار أو لهذه البهيمة ألف.. لم يصح إقراره. وإن قال: لمالك هذه الدابة بسببها ألف درهم.. كان إقراره بذلك صحيحا، ويحمل على أنه جنى عليها. وإن قال: له ألف بسبب حملها.. لم يصح؛ لأن الحمل لا يجب بسببه شيء ما دام حملا، فإذا قال: بسبب ولدها.. لزمه. [مسألة الإقرار لحمل امرأة] وإن أقر لحمل امرأة بمال.. فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يضيف ذلك إلى جهة صحيحة، أو يطلق، أو يضيف إلى جهة باطلة. فإن أضاف ذلك إلى جهة صحيحة؛ بأن قال: عندي له كذا من ميراث أو وصية له.. صح الإقرار؛ لأن الحمل يملك بالإرث والوصية. وإن أطلق؛ بأن قال: له عندي كذا.. ففيه قولان: أحدهما: لا يصح الإقرار - وبه قال أبو يوسف - لأن الحمل لا يملك المال إلا من جهة الإرث والوصية، فإذا لم يضف الإقرار إلى ذلك.. جاز أن يريد من غيرهما، فلم يصح. والثاني: يصح الإقرار - وبه قال محمد بن الحسن - وهو الأصح؛ لأن من صح له الإقرار مضافا إلى جهة.. صح الإقرار له مطلقا، كالطفل. وإن أضاف ذلك إلى جهة باطلة؛ بأن قال: له علي كذا من معاملة بيني وبينه، أو من جناية عليه، فإن قلنا: إنه لو أطلق الإقرار له لا يصح.. فها هنا أولى أن لا يصح. وإن قلنا: إن الإقرار المطلق له يصح.. فهل يصح الإقرار له هاهنا؟ فيه

стр. 7019

قولان، كالقولين فيمن وصل إقراره فيما يسقطه، ويأتي توجيههما. وكل موضع قلنا: يصح الإقرار للحمل.. نظرت: فإن وضعته ميتا.. لم يصح الإقرار؛ لأن الميت لا يملك من جهة الإرث والوصية. وإن وضعته حيا، فإن تيقن أنه كان موجودا حال الوصية.. لزم الإقرار له، وإن لم يتيقن وجوده حال الإقرار.. لم يلزم الإقرار، وقد مضى تيقن وجوده في مواضع قبل هذا. فإن وضعت ولدا واحدا.. فجميع المقر به له، سواء كان ذكرا أو أنثى. وإن وضعت ولدين، فإن كانا ذكرين أو أنثيين.. فهو بينهما نصفان. وإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى. فإن أضاف المقر ذلك إلى الوصية.. فهو بينهما بالسوية. وإن أضاف ذلك إلى الميراث: فإن كانا أخوين لأم.. فهو بينهما بالسوية، وإن كان إلى غيره من الميراث.. فللذكر مثل حظ الأنثيين. وإن أطلق الإقرار لهما، وقلنا: يصح.. فاختلف أصحابنا فيه. فقال الشيخ أبو حامد: يكون بينهما بالسوية. وقال ابن الصباغ: يرجع إلى بيان المقر. فإن وضعت ولدين حيا وميتا.. فالإقرار للحي؛ لأن الميت كالمعدوم، ويسلم إلى ولي الحي. [فرع إقراره بمال لمسجد] وإن أقر لمسجد بمال، فإن قال: من غلة وقف عليه أو وصية له، أو من معاملة بيني وبين وليه في ماله.. صح الإقرار. وإن أطلق الإقرار.. ففيه وجهان، بناء على القولين في الإقرار المطلق للحمل. [مسألة إقراره بحق لله تعالى أو لآدمي ثم رجع عن إقراره] وإن أقر بحق لآدمي، أو بحق لله لا يسقط بالشبهة؛ كالزكاة والكفارة، ثم رجع.. لم يقبل رجوعه؛ لأنه حق ثبت لغيره، فلم يملك إسقاطه بغير رضاه. وإن أقر بحق لله تعالى يسقط بالشبهة، ثم رجع.. فقد مضى بيانه في (الحدود) .

стр. 7020

[مسألة إجابة المقر بلفظ صريح أو محتمل] إذا ادعى رجل على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه: نعم، أو أجل، أو صدقت، أو لعمري.. كان ذلك إقرارا؛ لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق. وإن قال المدعى عليه: لا أنكر ما تدعيه، أو أنا مقر بما تدعيه، أو لا أنكر أن تكون محقا في دعواك.. كان ذلك إقرارا؛ لأنه لا يحتمل غير التصديق. وإن قال المدعى عليه: بلى.. كان إقرارا. قال في " الفروع ": وقيل: إن هذا ليس بجواب؛ لأنه يصلح للنفي. وإن قال المدعى عليه: أنا أقر بما تدعيه، أو: أنا أقر.. لم يكن إقرارا؛ لأنه يحتمل: أنه أراد الوعد بالإقرار في المستقبل. وإن قال المدعى عليه: لا أنكر.. لم يكن إقرارا؛ لأنه لم يسم ما لم ينكره، فيحتمل أن يكون أراد: لا أنكر فضلك، أو لا أنكر وحدانية الله. وكذلك: إذا قال المدعى عليه: لا أقر ولا أنكر.. لم يكن إقرارا؛ لما مضى. وإن قال المدعى عليه: أنا مقر.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يكون إقرارا؛ لأنه يحتمل: أني مقر ببطلان دعواك. والثاني: يكون إقرارا؛ لأنه جواب عن الدعوى، فانصرف الإقرار إلى ما ادعي عليه. وإن قال المدعى عليه: لعل، أو عسى، أو أظن، أو أحسب، أو أقدر.. لم يكن إقرارا؛ لأن هذه الألفاظ وضعت لشك. [فرع أجوبة تحتمل الإقرار وغيره] وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: لفلان علي أكثر مما لك علي..

стр. 7021

قال المسعودي [في ((الإبانة)) ] : لم يكن إقرارا لواحد منهما؛ لاحتمال أنه قاله على سبيل السخرية. وإن قال المدعى عليه: لي مخرج من هذه الدعوى.. لم يكن إقرارا. وقال ابن أبي ليلى: يكون إقرارا. دليلنا: أنه لم يقر له بالحق، وإنما حكى: أن له مخرجا من هذه الدعوى، فهو كما لو قال: لا حق علي لك. وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: إن كنت تدعي بها من ثمن متاع.. فلا يلزمني ذلك، وإن كنت تدعي بها من جهة القرض.. فحتى أجيب، وإن كنت تدعي ألفا مطلقا.. فلا يلزمني ذلك، وإن كنت تدعي ألفا برهن لي عندك.. فحتى أجيب.. صح وينفعه هذا التفصيل؛ لأنه لو أقر بألف، ثم ادعى الرهن.. أخذ منه الألف ولا يصدق في الرهن. وكذلك: لو ادعى على المرتهن عبدا.. فمن حقه أن يقول: إن كنت تدعي عبدا مطلقا.. فلا يلزمني التسليم، وإن كنت تدعي عبدا مرهونا بألف درهم فحتى أجيب.. صح. [فرع أجوبة أخرى يحتمل فيها الإقرار وعدمه] وإن ادعى عليه بألف درهم، فقال المدعى عليه: خذ أو اتزن.. لم يكن إقرارا؛ لأنه يحتمل: خذ الجواب مني، أو اتزن من غيري إن كانت عليه. وإن قال المدعى عليه: خذها أو اتزنها.. ففيه وجهان: أحدهما: يكون إقرارا؛ لأن هاء الكناية ترجع إلى ما تقدم من الدعوى. والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا -: لا يكون إقرارا؛ لأن الصفة ترجع إلى المدعى به، ولم يقر أنه واجب. وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: وهي صحاح.. فاختلف أصحابنا فيه:

стр. 7022

فقال أبو عبد الله الزبيري: يكون ذلك إقرارا منه؛ لأنه إقرار منه بصفة المدعى به عليه، والإقرار بالصفة إقرار بالموصوف. وقال أكثر أصحابنا: لا يكون إقرارا منه؛ لأن الصفة ترجع إلى المدعى به، ولم يقر بوجوبه عليه. وإن ادعى عليه ألف درهم، فقال المدعى عليه: ما أكثر ما تتقاضاني، أو لقد أهممتني، أو ليست بحاضرة اليوم، أو والله لأقضكه.. قال الطبري: لم يكن إقرارا. وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا) . وبه قال بعض أصحابنا. دليلنا: أنه لم يقر بوجوبها عليه بشيء من هذه الألفاظ، فلم تلزمه. وإن قال: لفلان علي ألف درهم في علمي.. كان إقرارا؛ لأن ما في علمه لا يحتمل إلا الوجوب. وإن قال رجل لرجل: اقض الألف التي لي عليك، أو أعطني عبدي هذا، أو اشتر مني عبدي هذا، فقال: نعم.. فهل يكون ذلك إقرارا منه بالألف والعبد؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون إقرارا، كما لو قال له: عندك لي ألف، أو هذا العبد لي، فقال: نعم. والثاني: لا يكون إقرارا؛ لأن الجواب يرجع إلى القضاء والعطية والشراء، وقد يقضي الإنسان ما لا يجب عليه، ويعطيه ويشتري منه ما لا يملكه. والأول أصح. وإن قال: أعطني الألف التي لي عليك، فقال: غدا.. قال الطبري: لك يكن إقرارا. وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا) . دليلنا: أن قوله: (غدا) موعد جواب الدعوى، فصار كما لو قال: غدا أجيب.

стр. 7023

وإن قال: لفلان علي ألف درهم، أو لا؟ لم يكن إقرارا؛ لأنه يشك أن عليه الألف أو لا شيء عليه، فلا يلزمه شيء بالشك. وإن قال لرجل: أخبر فلانا: أن له عليك ألف درهم؟ فقال المسؤول: نعم.. قال الطبري: لا يكون إقرارا. وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا) . دليلنا: أنه أذن له في الخبر المنقسم إلى الصدق والكذب، فلم يكن إقرارا. وكذلك: إذا قال لرجل: لا تخبر فلانا: أن له علي ألف درهم.. لم يكن إقرارا. وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا) . دليلنا: أنه منعه من أن يضيف إليه حقا، والمنع من الإخبار ليس بإقرار، كما لو قال: ليس لفلان علي شيء لا تخبره به. وإن قال: لي عليك ألف درهم أقرضتكها، فقال المدعى عليه: والله لا اقترضت منك غيرها، أو لم تمن بها علي.. قال الصيمري: كان إقرارا. ولو قال: ما أعجب هذا أو نتحاسب.. لم يكن إقرارا. [فرع كتب لزيد علي ألف] لو كتب رجل: لزيد علي ألف درهم، ثم قال للشهود: اشهدوا علي بما فيه.. لم يكن إقرارا. وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا) . دليلنا: أنه ساكت عن الإقرار بالمكتوب فلم يكن إقرارا، كما لو كتب عليه غيره فقال: اشهدوا بما كتب فيه، أو كما لو كتب على الأرض.. فإن أبا حنيفة وافقنا في ذلك. [مسألة الاستثناء والتعليق على شرط في الإقرار] فإن قال: له علي ألف إن شاء الله.. لم يلزمه شيء؛ لأن ما علق بمشيئة الله تعالى

стр. 7024

لا يعلم، فهو كما لو قال: امرأته طالق، أو عبده حر إن شاء الله. وإن قال: له علي ألف إن شاء زيد، أو إذا قدم الحاج.. لم يكن إقرارا؛ لأن الإقرار إخبار عن حق واجب فلم يصح تعليقه على الشرط. وإن قال لرجل: لك علي ألف إن شئت.. لم يكن إقرارا؛ لأن ما لا يلزمه لا يصير واجبا عليه بوجود الشرط. وإن قال: لك علي ألف درهم إن قبلت إقراري.. قال ابن الصباغ: فعندي أنه لا يكون إقرارا. وإن قال: هذا لك بألف إن شئت أو إن قبلت، فقال: قبلت أو شئت.. كان ذلك بيعا صحيحا. والفرق بينهما: أن الإيجاب في البيع يقع متعلقا بالقبول، فإذا لم يقبل.. لم يصح، فجاز تعليقه عليه، والإقرار لا يتعلق بالقبول، وإنما هو إخبار عن حق سابق، فلم يصح تعليق وجوبه بشرط القبول. [فرع علق إقراره على شاهدين] وإن قال: لك علي ألف إن شهد لك بها شاهدان، أو قال: إن شهد لك شاهدان بألف علي فهي علي.. لم يكن إقرارا؛ لأنه إقرار معلق بشرط مستقبل. وإن قال: إن شهد لك علي شاهدان، أو فلان وفلان بألف فهما صادقان.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يكون إقرارا؛ لأنه إقرار معلق على شرط، فلم يكن إقرارا لازما، كما لو قال: إن شهد علي فلان بألف.. صدقته، أو وزنته لك. والثاني - وهو قول ابن القاص واختيار القاضي أبي الطيب -: أنه يكون إقرارا؛ لأنه أخبر أنهما إذا شهدا بذلك.. كانا صادقين، ولا يكونان صادقين إلا إذا كانت الألف واجبة عليه، فوجبت عليه وإن لم يشهدا. ويخالف قوله: إن شهد لك فلان بألف علي صدقته أو وزنته لك؛ لأنه قد يصدق من ليس بصادق وقد يزن ما لا يجب عليه.

стр. 7025

قال الشافعي ﵀: (وإن قال: لفلان علي ألف إن شهد بها فلان وفلان.. فإنه لا يكون إقرارا؛ لأنه إقرار معلق على شرط مستقبل، فإن شهد بها فلان وفلان وهما عدلان.. لزمه الألف بالشهادة دون الإقرار) . [فرع علق معسر إقراره على اليسار] قال الطبري: لو قال معسر: لفلان علي ألف درهم إن رزقني الله مالا.. كان إقرارا. وقال أبو حنيفة: (لا يكون إقرارا) . وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه إقرار معلق على شرط. والأول أصح؛ لأن اليسار ميقات لأداء ما على المعسر، وبيان ميقات الأداء لا يبطله، كما لو قال: له علي ألف إلى رأس الشهر. [فرع علق إقراره على شرط مقدم أو مؤخر أو على الموت] قال الشافعي ﵀: (إذا قال: له علي ألف درهم إذا جاء رأس الشهر.. كان ذلك إقرارا. وإن قال: إن جاء رأس الشهر فله علي ألف درهم.. لم يكن إقرارا) . قال أصحابنا: والفرق بينهما: أنه إذا قال: له علي ألف.. فقد أقر بالألف، فإذا قال بعد ذلك: إذا جاء رأس الشهر.. احتمل أن يكون أراد محلها.. فلم يبطل إقراره بذلك، وإذا بدأ بالشرط فقال: إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف.. لم يقر بالحق وإنما علقه بالشرط، فلم يكن إقرارا. وقال القاضي أبو الطيب: في ذلك نظر، ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره. وإن قال: له علي ألف إلا أن يبدو لي.. ففيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ". وإن قال: له علي ألف إن مت.. لم يكن إقرارا. وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا) . دليلنا: أنه إقرار معلق بالموت فلم يكن إقرارا، كما لو علقه بقدوم زيد.

стр. 7026

[فرع صحة الإقرار بغير لسان قومه] يصح الإقرار بالعجمية، كما يصح بالعربية، فإن أقر أعجمي بالعربية، أو عربي بالعجمية، واعترف أنه عالم بما أقر به.. لزمه ما أقر به. وإن قال: لم أعلم ما معناه، فإن صدقه المقر له على ذلك.. سقط الإقرار، وإن كذبه ولا بينة مع المقر له أن المقر يعلم ما أقر به.. فالقول قول المقر مع يمينه؛ لأن الظاهر من حال العجمي أنه لا يعرف العربية، ومن العربي أنه لا يعرف العجمية. [مسألة الإقرار بالدين والوصية] إذا مات رجل وخلف ابنا لا وارث له غيره، وخلف عبدا قيمته ألف درهم لا مال له غيره، فحضره رجلان فقال له أحدهما: لي على أبيك ألف درهم فصدقه، ثم قال الثاني: أوصى لي أبوك بثلث ماله فصدقه.. قدم إقراره لصاحب الدين، فيباع العبد ويقضى صاحب الدين دينه. فإن رجع العبد إلى الابن ببيع أو هبة أو إرث.. لم يلزمه شيء للموصى له؛ لأن الدين إذا استغرق التركة.. لم تصح الوصية. وإن صدق الموصى له أولا، ثم صدق صاحب الدين.. قال القفال وابن الحداد: فللموصى له ثلث العبد، ولصاحب الدين ثلثا العبد يتعلق به دينه؛ لأنه أقر أولا للموصى له فلزمه إقراره بثلث العبد، فلا يقبل رجوعه عنه إلى الإقرار لصاحب الدين. وإن صدقهما معا.. قال القفال وابن الحداد: إذا قسم العبد على أربعة أسهم: سهم للموصى له، وثلاثة تباع لصاحب الدين؛ لأنه لا مزية لأحدهما في التصديق، فصار كما لو أوصى لأحدهما بالعبد وللآخر بثلثه وأجاز لهما الابن. وقال الشيخ أبو الحسين الطبري: عندي أنه لصاحب الدين؛ إذ حكمهما إذا صدقهما حكم ما لو أقاما البينة، ولو أقاما البينة.. لقدم صاحب الدين، فكذلك إذا صدقهما. والمشهور هو الأول. فإذا قلنا بالمشهور، وسلم إلى الموصى له في الأولى ثلث العبد، وفي الثانية

стр. 7027

ربعه، ثم رجع إلى ملك الابن ببيع أو هبة أو إرث.. لزمه تسليمه ليباع فيما بقي من الدين؛ لأن الوصية لم تبطل الدين، وإنما قدمت الوصية لإقرار المدعى عليه. وإن حضره رجلان، فقال أحدهما: أوصى لي أبوك بثلث ماله، وقال الآخر: أوصى لي أبوك بثلث ماله، فقال لهما: صدقتما.. قسم الثلث بينهما نصفين؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. وإن صدق أحدهما قبل الآخر.. قال القاضي أبو الطيب: انفرد الأول بثلث جميع التركة بإقرار الابن من غير مزاحمة له، وإقراره للثاني إذا لم يصادقه الأول.. لم يثبت حقه، ولا ينقص ما ثبت له بإقراره؛ لأنه لا يقبل رجوعه عنه، ويكون للثاني سدس جميع المال يأخذه مما في يد الابن؛ لأنه ثبت له بإقراره له، فيبقى للابن نصف التركة. وإن صدق الابن الأول وكذب الثاني، فأقام الثاني شاهدين.. ثبت للثاني ثلث جميع التركة بالبينة ولا يشاركه الأول فيه؛ لأن إقرار الوارث لا يعارض البينة، وثبت للأول ثلث ما بقي من التركة، وهو سهمان من تسعة أسهم من جميع التركة؛ لأنه يقر بأنه مستحق لثلث جميع التركة إلا أن الثلث الذي قبضه صاحب البينة كالمغصوب؛ لأنه يكذب البينة، فلزمه ثلث ما بقي في يده من التركة. وإن صدق الابن الثاني، وأراد الثاني أن يقيم البينة.. سمعت بينته؛ لأنه يستفيد بذلك استحقاق ثلث جميع التركة، وإذا لم يقم البينة.. لم يستحق إلا سدسها. وأما الأول.. فلا يعارض الثاني؛ لأن الإقرار لا يعارض البينة، ويكون للأول نصف الثلث؛ لأن البينة قد ثبتت عليه في حق المدعي وفي حق الوارث، فرجع حقه إلى نصف الثلث. [فرع إقرار الوارث بعتق اثنين من التركة وبدين على أبيه] وإن مات رجل وخلف ابنا ولا وارث له غيره، وخلف ثلاثة أعبد قيمتهم سواء لا مال له غيرهم، فقال أحدهم: قد أعتقني أبوك في مرض موته فلم يجبه، وقال

стр. 7028

العبد الثاني: أعتقني أبوك في مرض موته، فقال الابن: صدقتما.. قال ابن الحداد: أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. عتق ورق الآخر. وإن صدق الأول ثم صدق الثاني.. عتق الأول بغير قرعة؛ لأنه ثبت له العتق بإقراره من غير مزاحمة، ولا يقبل رجوعه عنه بتصديقه للثاني. وأما الثاني: فإنه أقر له بالعتق مع المزاحمة فيقرع بينه وبين الأول، فإن خرجت القرعة على الأول.. رق الثاني، وإن خرجت على الثاني.. عتق أيضا. وإن مات رجل وخلف ابنا لا وارث له غيره، وخلف عبدا قيمته ألف لا مال له غيره، فادعى العبد على الابن أن أباه أعتقه في حال صحته، وادعى رجل: أن له على أبيه ألف درهم دينا، فقال الابن: صدقتما.. قال ابن الحداد: عتق نصف العبد وبيع نصفه في الدين؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر في التصديق. وإن صدق العبد أولا ثم صدق صاحب الدين.. عتق العبد وبطل إقراره لصاحب الدين. وإن صدق صاحب الدين أولا، ثم صدق العبد.. بيع العبد في الدين، ولا يصح إقراره بالعتق. فإن كانت بحالها إلا أن العبد ادعى أن أباه أعتقه في مرض موته، فإن صدق العبد أولا.. عتق ثلث العبد وبيع ثلثاه في الدين، وإن صدقهما معا.. عتق ربع العبد وبيع ثلاثة أرباعه في الدين، وإن صدق صاحب الدين أولا.. بيع العبد في الدين وبطل العتق. [فرع يقدم صاحب البينة في الدين على الإقرار] وإن مات رجل وخلف ابنا لا وارث له غيره، وخلف ألف درهم لا مال له غيرها، فادعى رجل على الابن أن له على أبيه ألف درهم دينا فصدقه، ثم ادعى آخر على الابن أن له على أبيه ألف درهم دينا فكذبه، فأقام الثاني بينة بدينه.. قال ابن الحداد: قدم صاحب البينة؛ لأن البينة مقدمة على الإقرار.

стр. 7029

[فرع الإقرار بما يستحقه لغيره] قال الطبري في " العدة ": إذا أقرت المرأة بصداقها الذي في ذمة زوجها لغيرها، أو أقر الزوج بالمال الذي ثبت له على الزوجة بالخلع لغيره، أو أقر المجني عليه بأرش الجناية على الجاني لغيره.. فقال صاحب " التلخيص ": لا يقبل إقراره في جميع هذه المسائل؛ لأنا قد علمنا ثبوته على من هو عليه لمالكه فلا يجوز أن يكون لغيره، والإقرار لا ينقل الملك؛ ولهذا: لو شهد رجلان أن فلانا أقر بدار لفلان وهو يملكها يوم الإقرار.. لم تصح هذه الشهادة. قال أبو علي السنجي: وقعت هذه المسألة فأفتيت فيها هكذا، ثم رأيتها لأصحابنا بنيسابور هكذا؛ لأن الدار إذا كانت ملكا له فإقراره بها لغيره كذب، إلا أن يقولا وكانت في يده، وتصرفه فيها تصرف المالك، ولم يكن له فيها منازع.. فحينئذ يقبل. قال أبو علي السنجي: وهذه المسائل كلها إذا قلنا: لم تصح هبة الدين، ولا بيعه من غير من هو عليه في أحد الوجهين. قال الطبري: وقد تعود الناس اليوم الإقرار للوارث بمال في مرض الموت يقصدون به قطع الميراث عن غيره من غير عقد ولا سبب، وذلك حرام ويكون موروثا. ولو حدث مثل هذا وادعى سائر الورثة على المقر له: أن أبانا قد أقر لك بذلك وظن أنك تملكه بإقراره، فاحلف أنه أقر لك بحق لازم.. لزمه أن يحلف. وكذلك: لو أقر البائع بقبض الثمن وأشهد على نفسه بذلك، ثم قال: قد أقررت به على ما جرت العادة أن المشتري لا يدفع الثمن ما لم يكتب البائع الصك ويشهد عليه، فحلفوه أني كنت قبضته منه.. حلف. والله أعلم

стр. 7030

[باب جامع الإقرار] إذا أقر بمجهول؛ بأن قال: له علي شيء.. صح إقراره. وتخالف الدعوى، حيث قلنا: لا تصح بالمجهول؛ لأن الإقرار حق عليه، فلذلك صح مع الجهالة به. وفي الدعاوى لا يمكن الحكم بالمجهول. ثم يطالب المقر بتفسير ما أقر به؛ لأنا لا نعلم إلا من جهته. فإن امتنع عن التفسير.. قلنا للمقر له: بين أنت ما أقر لك به، فإن قال: أقر لي بكذا.. قلنا للمقر: قد فسر المقر له إقرارك بكذا، فإن صدقه.. لزمه، وإن كذبه أو امتنع عن الجواب.. قلنا: إن فسرت ما أقررت به وحلفت عليه، وإلا.. جعلناك ناكلا وحلفنا المقر له على ما يدعيه وأوجبناه عليك، فإن فسر المقر إقراره.. فلا كلام، وإن لم يفسر.. حلفنا المقر له على ما فسره وأوجبناه عليه، وإن امتنع المقر له عن اليمين.. قيل له: انصرف فلا حكم لك عندنا. وهذا هو المشهور: وحكى الشيخ أبو إسحاق: أن من أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: يحبس المقر إلى أن يفسر. ولم يذكر المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ ٢٩٣] غير هذا. وإن فسر المقر الشيء الذي أقر به.. نظرت: فإن فسره بما يتمول في العادة وإن قل؛ كالدرهم والفلس.. قبل تفسيره ورجع إلى المقر له، فإن صدقه على ذلك.. ثبت ذلك، وإن كذبه في القدر وادعى أكثر مما أقر به من جنس ما فسر به إقراره وأنه أراده بإقراره.. ثبت القدر المقر به وحلف المقر على نفي الزيادة، فيحلف: أنه لا يستحق عليه ما ادعاه وأنه لم يرده بإقراره، يمينا واحدة. وإن ادعى المقر له جنسا آخر غير الجنس الذي أقر به المقر.. سقط ما أقر به

стр. 7031

المقر؛ لأنه كذبه، وكان القول قول المقر مع يمينه في نفي ما ادعاه عليه، فإذا حلف.. سقط حكم الإقرار، وإن نكل المقر عن اليمين.. ردت على المقر له. قال أصحابنا العراقيون: فيحلف: أنه أراد بقوله ما ادعاه المقر له وأنه يستحقه عليه. وقال المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ ٢٩٦] : يحلف أن لي عليه كذا، ولا يحلف أنه أراد بإقراره؛ لأنه لا يمكنه الإطلاع على مراده. وإن فسره بما لا يتمول؛ بأن فسره بقشر جوزة أو قمع باذنجانة أو قشر رمانة أو قشر لوزة.. لم يقبل تفسيره؛ لأن إقراره يقتضي ثبوت حق عليه، وهذا مما لا يثبت في الذمة فيطالب بتفسير إقراره. وإن فسر إقراره بما ليس بمال في الشرع؛ كلحم الميتة والدم وجلد الكلب أو كلب غير معلم.. لم يقبل تفسيره؛ لأن ذلك لا ينتفع به. وإن فسره بالكلب المعلم أو الخنزير أو الخمر أو السرجين أو جلد الميتة قبل الدباغ.. فهل يقبل تفسيره؟ فيه ثلاثة أوجه - حكاها الشيخ أبو إسحاق -: أحدها: يقبل؛ لأنه يقع عليها اسم الشيء. والثاني: لا يقبل؛ لأن الإقرار إخبار عما يجب ضمانه؛ وهذه الأشياء لا تثبت في الذمة ولا يجب ضمانها. والثالث: إن فسره بالخمر أو بالخنزير.. لم يقبل؛ لأنه لا يجب تسليمه. وإن فسره بالكلب أو بالسرجين أو جلد الميتة قبل الدباغ.. قبل؛ لأن هذه الأشياء يجب تسليمها. وإن فسر إقراره بحق الشفعة.. قبل؛ لأنه حق عليه يؤول إلى المال. وإن فسره برد السلام وجواب الكتاب.. لم يقبل؛ لأن ذلك لا يثبت في ذمته؛ لأن رد السلام - وإن كان واجبا - فإنه يسقط بفواته.

стр. 7032

وإن فسره بحد القذف.. ففيه وجهان - حكاهما ابن الصباغ -: أحدهما: يقبل؛ لأنه حق لآدمي. والثاني: لا يقبل؛ لأنه لا يؤول إلى المال بحال. وإن فسره برد وديعة عنده له.. قال المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ ٢٩٦] : قبل؛ لأن الرد شيء واجب عليه. هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة: (إذا قال: له علي شيء.. لم يقبل منه تفسيره بغير المكيل والموزون) . دليلنا: أن غير المكيل والموزون مملوك يدخل تحت العقد، فجاز أن يفسر به الإقرار المجهول، كالمكيل والموزون. وإن قال: غصبتك شيئا، ثم قال: غصبتك نفسك.. لم يقبل؛ لأن الإقرار يقتضي غصب شيء منه، ويطالب بتفسيره. وإن شهد شاهدان على رجل لرجل بمال مجهول.. فهل تقبل شهادتهما؟ فيه وجهان: أحدهما: تصح شهادتهما. وتعلق هذا القائل بأن الشافعي ﵀ قال: (ولو رهن عنده رهنا على مائة، ثم ادعى أن المرتهن أقر بقبض شيء من الحق، أو قال: قد أقبضته بعض الحق، وقامت البينة بذلك.. فالقول قول المرتهن في قدره، فإذا لم يحلف.. قام وارثه مقامه بها) . والثاني: لا تصح هذه الشهادة؛ لأن البينة سميت بينة؛ لأنها تبين ما شهدت به، وهذه ما أبانت. ومن قال بهذا.. تأول ما قاله الشافعي على أنه أراد: إذا شهدت البينة على إقرار المقر بحق مجهول.. فإن الشهادة مقبولة.

стр. 7033

[مسألة الإقرار بشيء عليه لفلان يوجب التفسير] وإن ادعى على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه: علي له شيء.. فهو كما لو أقر له ابتداء بشيء، فيطالب بتفسيره على ما مضى، فإن امتنع من التفسير.. جعله الحاكم ناكلا. قال الشيخ أبو حامد: ويحلف الحاكم المدعي أنه أراد بقوله: (له علي شيء) ألف درهم وأنه يستحق ما ادعاه عليه. وإن قال: أردت به درهما.. قيل للمقر له: ما تقول؟ فإن قال: نعم أراد هذا بإقراره ولكن لي عليه ألف درهم.. قيل له: خذ هذا الدرهم وحلفه على الباقي. وإن قال المدعي: ما أراد بإقراره بالشيء الدرهم، وإنما أراد الألف الذي ادعيت عليه.. فقد ادعى عليه بشيئين: أحدهما: الألف، والثاني: أنه اعترف له به. قال الشيخ أبو حامد: فله أن يحلفه على شيئين: أنه لم يرد بقوله: له علي شيء ألفا، وأنه لا يستحق عليه من الألف إلا درهما، ويكفيه يمين واحدة؛ لأنهما حقان لشخص واحد. وإن فسر إقراره بجنس غير الدرهم؛ بأن قال: له علي ثوب أو عبد.. قيل للمدعي: ما تقول؟ فإن قال: نعم أراد به هذا ولي عليه هذا والألف الدرهم أيضا.. ثبت له ما أقر له به، وحلف المقر على الألف المدعى بها عليه. وإن قال المقر له: صدق أنه أراد بقوله له علي شيء هذا الذي فسره، ولكن ما لي عليه هذا وإنما لي عليه ألف درهم.. بطل إقراره بالثوب؛ لأنه كذبه، وحلف المقر: أنه لا يستحق عليه ألف درهم. وإن قال المقر له: كذب في التفسير، بل أراد بقوله: له علي شيء الألف الدرهم التي ادعيت.. فقد ادعى عليه بشيئين: الألف درهم والاعتراف بها، فيحلف المقر يمينا واحدة أنه ما أراد بقوله: له علي شيء ألف درهم وأنه لا يستحق عليه ألف

стр. 7034

درهم، ويسأل المقر له عما فسر به المقر إقراره، فإن قال: هو لي.. أخذه، وإن قال: ليس لي.. بطل الإقرار له. [مسألة الإقرار بمال يوجب المطالبة بالتفسير] وإن قال: له علي مال.. طولب بتفسيره، فإذا فسره بما يقع عليه اسم المال - وإن قل - قبل منه، والكلام في الرجوع إلى المقر له على ما مضى في الإقرار بالشيء. وإن فسره بخمر أو خنزير أو كلب معلم أو جلد ميتة قبل الدباغ أو سرجين.. لم يقبل وجها واحدا؛ لأن ذلك وإن وقع عليه اسم الشيء.. فلا يقع عليه اسم المال. هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة: (إذا قال: له علي مال.. فلا يقبل في تفسيره إلا المال الذي تجب فيه الزكاة) . واختلف أصحاب مالك فيه: فمنهم من قال كقولنا. ومنهم من قال: لا يقبل أقل من نصاب في الزكاة من نوع أموالهم. ومنهم من قال: لا يقبل منه إلا ما يستباح به البضع، أو ما يقطع به السارق. دليلنا: أن اسم المال يقع على القليل والكثير مما يتمول به في العادة، فقبل تفسيره فيه كالذي سلموه. [فرع إقراره بمال عظيم ونحوه] وإن قال: له علي مال عظيم، أو كثير، أو جليل، أو نفيس، أو عظيم جدا، أو عظيم عظيم.. فإنه لا يتقدر بمقدار، بل إذا فسره بما يقع عليه اسم المال.. قبل منه. واختلف أصحاب أبي حنيفة فيه: فمنهم من قال: لا يقبل فيه أقل من عشرة دراهم. وقيل: إنه مذهب أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقبل فيه أقل من مائتي درهم. ومنهم من قال: لا يقبل فيه أقل من قدر الدية.

стр. 7035

وقال الليث بن سعد: (لا يقبل فيه أقل من اثنين وسبعين درهما؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥] [التوبة: ٢٥] وكانت غزواته وسراياه ﷺ اثنتين وسبعين) . دليلنا: أن ما من قدر من المال إلا وهو عظيم وكثير بالإضافة إلى ما هو دونه فقبل تفسيره فيه كالذي سلمه كل واحد منهم، وما احتج به الليث.. فلا حجة فيه؛ لأن ذلك ليس بحد لأقل الكثير، ولا يمتنع وقوع الكثير على أقل من ذلك. [فرع أقر بأن عليه أكثر من مال فلان] وإن قال: له علي أكثر من مال فلان، أو أكثر من المال الذي في يد فلان.. رجع في تفسيره إليه، فإذا فسره بأي قدر من المال.. قبل منه، سواء فسره بمثل مال فلان أو بأقل منه، وسواء علم مبلغ مال فلان أو لم يعلم؛ لأنه يحتمل أن قوله: (أكثر) أي: أكثر من مال فلان نفعا؛ لكونه حالا أو لكونه في الذمة. وإن قال: له علي أكثر من مال فلان عددا، أو علي له مال عدده أكثر من عدد مال فلان، فإن أقر أنه يعرف قدر مال فلان.. لزمه قدر مال فلان، ورجع في الزيادة إليه، فبأي قدر فسر الزيادة من المال.. قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله. وإن قال: لا أعلم قدر مال فلان إلا كذا.. لزمه قدر ما أقر أنه يعرف أنه مال فلان، ورجع في الزيادة عليه إليه. وإن قال: لا أعلم قدر مال فلان، وحلف أنه لا يعلم قدر مال فلان.. قبل تفسيره وإن كان بأقل من مال فلان؛ لأنه إذا لم يعلم قدر مال فلان.. فقد أقر بمجهول فرجع في تفسيره إليه. قال الشافعي ﵀ في " الأم ": (فإن أقام المقر له بينة أن المقر يعرف قدر مال فلان وهو كذا.. لم أحكم بهذه البينة، بل لا يلزمه إلا ما أقر به؛ لأنه يجوز أن يكون قد عرف قدر مال فلان، ثم اعتقد بعد ذلك أنه قد ذهب بعضه ولا يدري كم ذلك

стр. 7036

البعض، وكل من أقر بشيء.. فإنه يلزمه ما تحقق إقراره فيه، ويرجع في المحتمل إليه وهذا محتمل، فكان القول فيه قوله) . [مسألة إقراره بأن لفلان درهما] وإن قال: لفلان علي درهم، فإن كان في بلد يتعاملون فيه بالدراهم الوازنة - وهي دراهم الإسلام التي في كل درهم منها ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم منها وزن سبعة مثاقيل - فإنه يلزمه درهم من دراهم الإسلام؛ لأن إطلاق الدراهم ينصرف إلى الدراهم الوازنة. وإن فسره بدرهم ناقص، كالدراهم الطبرية التي وزن كل درهم أربعة دوانيق، أو دراهم خوارزم التي وزن كل درهم أربعة دوانيق ونصف، فإن كان ذلك منفصلا عن إقراره.. لم يقبل منه؛ لأن إطلاق الدراهم إنما ينصرف في البدل التي يتعامل فيها بالدراهم الوازنة إليها. وإن كان ذلك متصلا بإقراره.. قبل منه، كما لو قال: له علي درهم إلا دانقين. وحكى ابن الصباغ عن بعض أصحابنا أنه قال: هل يقبل منه ذلك؟ فيه قولان، كما لو قال: له علي ألف درهم قضيتها. وليس بصحيح؛ لأن الدراهم يعبر بها عن الوازنة والناقصة، وإنما حملت على الوازنة؛ لأن عرف الإسلام قائم بها، فإذا فسرها بأنقص منها متصلا بكلام.. كان كالاستثناء فقبل منه. وأما إذا كان المقر في بلد يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة الوزن عن دراهم الإسلام.. فقد قال الشافعي ﵀ في كتاب (الإقرار والمواهب) : (ولو كان ببلد دراهمهم كلها نقص، ثم أقر بدرهم.. كان درهما من درهم البلد) .

стр. 7037

ووجهه: أنه إذا كان هذا عرفا عندهم.. انصرف الإطلاق إليه، كما ينصرف الإطلاق إليه في البيع. فمن أصحابنا من قال: يلزمه من دراهم الإسلام؛ لأن ذلك وزن الإسلام. هكذا ذكر ابن الصباغ: أن إطلاق الإقرار بالدرهم في البلد التي يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة.. هل ينصرف الإقرار إليها؟ على الوجهين.. المنصوص: (أنه ينصرف إليها) . وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن إطلاق الإقرار بالدرهم ينصرف إلى دراهم الإسلام في كل موضع، فإن فسره المقر بدرهم ناقص عن وزن درهم الإسلام وكان المقر في بلد يتعاملون فيها بالدراهم الناقصة.. فهل يقبل منه؟ فيه وجهان. المنصوص: (أنه يقبل منه) . [فرع اعترف له بدرهم كبير أو صغير] فإن قال: له علي درهم كبير.. لزمه درهم من دراهم الإسلام؛ لأنه هو الكبير في العرف، فإن كان في البلد دراهم كبار القدر.. لزمه ذلك.. وإن فسره بما هو أكبر منه من وزن دراهم الإسلام.. قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله. وإن قال: له علي درهم صغير أو دريهم.. قال ابن الصباغ: فإن كان للناس دراهم صغار.. لزمه درهم صغير، وإن كانت دراهمهم وازنة.. لزمه درهم وازن صغير. يريد: صغير القدر. وذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه إذا قال: درهم صغير أو دريهم.. فإنه يلزمه درهم وازن، فإن كان في البلد دراهم صغار ففسره بها.. قبل. قال الشافعي ﵀ في (الإقرار والمواهب) : (إذا قال: له علي مائة درهم عددا.. فهي وازنة) . قال ابن الصباغ: ومعنى ذلك: أنه إذا كان في بلد يتعاملون فيها بالوزانة، فقال: عددا.. اقتضى أن يكون عددا بحكم اللفظ، ووزانة بحكم الاسم، وهما لا يتنافيان.

стр. 7038

[فرع أقر بدراهم ففسرها بالمزيفة] وإن أقر له بدراهم، ففسرها بدراهم زيف.. نظرت: فإن فسرها بدراهم كلها نحاس أو رصاص لا فضة فيها.. لم يقبل منه، سواء وصل ذلك بإقراره أو فصله؛ لأن النحاس والرصاص لا يسمى دراهم. وإن فسرها بدراهم فضة مغشوشة برصاص أو نحاس.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب: يقبل منه، سواء وصل ذلك بإقراره أو فصله؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (ولو قال: من سكة كذا وكذا.. صدق مع يمينه، كانت أردأ الدراهم أو أوسطها) . قال القاضي: وأردأ الدراهم المغشوشة. وقال الشيخان - أبو إسحاق الشيرازي وأبو حامد الإسفرائيني -: حكمه حكم النقص، فإن وصلها بإقراره.. قبل، وإن لم يصلها.. لم يقبل؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (ولو قال: له علي درهم، ثم قال: نقص أو زيف.. لم يصدق) . وما احتج به القاضي.. فإنها تعود إلى أدنى الدراهم سكة. ولأن الدراهم المغشوشة خارجة عن ضرب الإسلام، كالنقص. قال ابن الصباغ: فإن كان المقر ببلد يتعامل فيه بالدراهم المغشوشة.. فينبغي إذا أطلق أن لا يلزمه إلا منها، كما قلنا في النقص. [فرع أقر بغصب ألف درهم أو بأنها وديعة عنده] وإن قال: غصبته ألف درهم، أو عندي له ألف درهم وديعة، ثم قال: هي نقص أو زيف.. قال ابن الصباغ: والذي يقتضي المذهب: أنه لا يقبل منه، كما لو قال: له علي ألف درهم. وقال أبو حنيفة: (يقبل منه في الغصب والوديعة) . دليلنا: أن الاسم يقتضي الوازنة غير الزيف، فلم يقبل ما يخالف الاسم، كما لو قال: له علي ألف درهم.

стр. 7039

[فرع أقر بدراهم ثم فسر نوع سكتها] وإن قال: له علي دراهم، ثم فسرها بسكة دراهم البلد.. قبل منه، وإن فسرها بغير سكة البلد.. فالمنصوص: (أنه يقبل منه) . وقال المزني: لا يقبل منه؛ لأن إطلاق اسم الدراهم ينصرف إلى سكة دراهم البلد، كما قلنا في البيع. وليس بشيء؛ لأن الإقرار إخبار، فإذا كان مطلقا.. قبل تفسيره بما يحتمله، بخلاف البيع؛ فإنه إيجاب في الحال فاعتبر فيه عرف البلد. [مسألة الإقرار بدرهم أو أكثر من مرة مطلقا أو مقيدا] إذا أقر له يوم السبت بدرهم، وأقر له يوم الأحد بدرهم، وأطلق الإقرارين.. لم يلزمه إلا درهم واحد إلا أن يعترف أنه أراد بالثاني غير الأول. وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: (يلزمه درهمان) . واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا فرق بين المجلس والمجلسين. ومنهم من فرق بين المجلس والمجلسين. دليلنا: أن الإقرار إخبار، فإذا أقر، ثم أقر.. احتمل أن يكون الثاني هو الأول، واحتمل أن يكون غيره، وكان المرجع إليه فلم يلزمه ما زاد على درهم بالشك. وإن قال: له علي درهم من ثمن عبد، ثم قال: له علي درهم من ثمن ثوب.. لزمه درهمان؛ لأن الثاني غير الأول. وإن قال: له علي درهم من ثمن عبد، ثم قال: له علي درهم وأطلق.. لم يلزمه إلا درهم واحد؛ لأن الثاني يجوز أن يكون هو الأول، ويجوز أن يكون غيره، فلا يلزمه غير الأول بالشك، كما لو أطلق الإقرار فيهما. [فرع أقر بدرهم ودرهم وما أشبه ذلك من حروف العطف] وإن قال: له علي درهم ودرهم.. لزمه درهمان؛ لأن الواو لا تحتمل غير العطف، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه.

стр. 7040

وإن قال: له علي درهم ودرهمان.. لزمه ثلاثة دراهم، لما ذكرناه. وإن قال: له علي درهم، ثم درهم.. لزمه درهمان؛ لأن ثم للعطف وإن كانت تقتضي الترتيب مع العطف. وإن قال: له علي درهم فدرهم.. رجع إليه: فإن قال: أردت العطف.. لزمه درهمان، وإن قال: لم أرد العطف.. فقد قال الشافعي ﵀: (يقبل منه) ، وقال: (إذا قال لامرأته: أنت طالق فطالق.. يلزمه طلقتان) . فنقل أبو علي بن خيران جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى وخرجهما على قولين: أحدهما: يلزمه درهمان وطلقتان - وبه قال أبو حنيفة - لأن الفاء من حروف العطف، فهو كما لو عطف بالواو. والثاني: لا يلزمه إلا درهم وطلقة؛ لأن قوله يحتمل الصفة والإيجاب، فلم يلزمه ما زاد على درهم وطلقة بالشك. وقال سائر أصحابنا: يلزمه درهم وطلقتان قولا واحدا. والفرق بينهما: أن الدراهم تدخلها الصفة والتفضيل، فيجوز أن يريد: فدرهم أجود منه، والطلاق إيقاع لا تدخله الصفة والتفضيل. قال أبو علي في " الإفصاح " فوزان الإقرار من الطلاق أن يقول: أنت طالق مطلقة، ويريد بذلك الصفة.. فيقبل منه، كما قلنا في الإقرار. وإن قال: له علي درهم ودرهم ودرهم.. فالمنصوص: (أنه تلزمه ثلاثة دراهم) . وقال في (الطلاق) : (إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق.. فإنه يلزمه طلقتان، ويرجع إليه في قوله: وطالق الأخير: فإن قال: أردت به تأكيد الثانية.. لم يلزمه إلا طلقتان. وإن قال: لم أنو شيئا.. ففيه قولان: أحدهما: يلزمه ثلاث طلقات. والثاني: لا يلزمه إلا طلقتان) . وقال أبو علي بن خيران: الإقرار هاهنا مثل الطلاق، فإن قال: أردت تأكيد الثاني
следующие страницы →