Полный текст (886 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمُرَكَّبِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ اللَّبَنِ وَالْمِسْكِ الْمَخْلُوطَيْنِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْغَالِيَةِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ بُسْتَانًا وَفِيهِ قَمِينُ طُوبٍ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: لَا يَدْخُلُ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِدُخُولِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَهُ حِصَّةٌ فِي فَرَسٍ بَاعَهَا لِإِنْسَانٍ وَسَلَّمَهُ جَمِيعَ الْفَرَسِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ فَسَافَرَ عَلَيْهَا سَفَرًا عَنِيفًا حَتَّى أَمْرَضَهَا فَمَنْ يُطَالَبُ؟ .
الْجَوَابُ: الَّذِي سَلَّمَ الْفَرَسَ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ ضَامِنٌ لِحِصَّةِ شَرِيكِهِ، فَلِلشَّرِيكِ مُطَالَبَتُهُ وَمُطَالَبَةُ الَّذِي أَمْرَضَهَا بِالسَّفَرِ وَالْقَرَارِ عَلَيْهِ.
[بَابُ الرِّبَا]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ عِشْرِينَ نِصْفًا فِضَّةً مَغْشُوشَةً بِعَشَرَةِ أَنْصَافٍ طَيِّبَةٍ وَأَقْبَضَ فِي الْمَجْلِسِ فَهَلِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: هَذِهِ الصُّورَةُ لَهَا أَحْوَالٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ فِضَّةُ الْعِشْرِينَ مُسَاوِيَةً لِفِضَّةِ الْعَشَرَةِ وَزْنًا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ، أَمَّا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَوَاضِحٌ لِزِيَادَةِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فِي الرِّبَوِيِّ، وَأَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، وَمَنْ بَاعَ رِبَوِيًّا بِمِثْلِهِ وَمَعَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ جِنْسٌ آخَرُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
[بَابُ الْخِيَارِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اشْتَرَى حُلَّةَ نُحَاسٍ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: هُوَ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ، فَإِذَا وَجَدَ عَيْبًا قَدِيمًا فَلَهُ الرَّدُّ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ جَارِيَةً أَبَقَتْ عِنْدَهُ فَأَبَقَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَاشْتَكَاهُ وَطَالَبَهُ بِثَمَنِهَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَيْسَ لَهُ حَتَّى تَرْجِعَ مِنْ إِبَاقِهَا؟ .
الْجَوَابُ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْجَارِيَةِ وَلَا بِالْأَرْشِ حَتَّى تَرْجِعَ مِنْ إِبَاقِهَا فَيَرُدَّهَا عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَّنَ لَهُ هَذَا الْعَيْبَ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْإِبَاقِ فَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِالثَّمَنِ،
стр. 107
وَهَذَا الْفَرْعُ عَزِيزُ النَّقْلِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الرافعي وَلَا النووي، وَإِنَّمَا نَقَلَهُ السبكي فِي تَكْمِلَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا مُغِبَّةٌ فَبَانَتْ حَامِلًا فَهَلْ لَهُ الرَّدُّ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ لِأَنَّ الْمُغِبَّةَ فِي الْعُرْفِ مَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ لَا بِحَمْلٍ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانَةُ ظُنَّتْ حَامِلًا فَبَانَتْ مُغِبَّةً.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اشْتَرَى شَقَّتَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ وَجَدَ بِإِحْدَاهُمَا عَيْبًا فَهَلْ يَثْبُتُ الْبَيْعُ فِي إِحْدَاهُمَا وَيَفْسُدُ فِي الْأُخْرَى، أَوْ يَفْسُدُ فِيهِمَا، وَهَلْ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَرْشِ الشَّقَّةِ لِرَغْبَةِ الْمُشْتَرِي فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ تَصَرَّفَ فِي إِحْدَاهُمَا فَمَا الْحُكْمُ؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ أَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ؟ .
الْجَوَابُ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الشَّقَّتَيْنِ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ فَيَرُدُّهُمَا مَعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَةَ وَيُمْسِكَ السَّلِيمَةَ وَلَا طَلَبُ الْأَرْشِ، نَعَمْ إِذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي وَاحِدَةٍ ثُمَّ ظَهَرَ بِالْأُخْرَى عَيْبٌ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ حِينَئِذٍ لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ بَلْ يُطَالِبُ بِالْأَرْشِ، وَإِذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ.
[بَابُ الْإِقَالَةِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ حِمَارًا ثُمَّ طَلَبَ مِنَ الْمُشْتَرِي الْإِقَالَةَ فَقَالَ: بِشَرْطِ أَنْ تَبِيعَهُ لِي بَعْدَ ذَلِكَ بِكَذَا فَقَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَقَالَهُ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعِ فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْإِقَالَةُ؟ .
الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يُدْخِلَاهُ فِي صُلْبِ الْإِقَالَةِ بَلْ تَوَاطَآ عَلَيْهِ قَبْلَهَا ثُمَّ حَصَلَتِ الْإِقَالَةُ، فَالْإِقَالَةُ صَحِيحَةٌ وَالشَّرْطُ لَاغٍ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ لَهُ ثَانِيًا، وَإِنْ ذَكَرَ الشَّرْطَ فِي صُلْبِ الْإِقَالَةِ فَسَدَتِ الْإِقَالَةُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا سَنَةً ثُمَّ أَجَّرَهُ لِآخَرَ بَاقِيَ إِجَارَتِهِ ثُمَّ تَقَايَلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ مَعَ الْمُؤَجِّرِ فَإِجَارَةُ الثَّانِي صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟ وَمَنْ يُطَالِبُ الْمُسْتَأْجِرَ الثَّانِيَ وَبِمَاذَا يُطَالِبُ بِالثَّمَنِ أَمْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ؟ .
الْجَوَابُ: الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلَانُ الْإِقَالَةِ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بَعْدَ إِيجَارِهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهَا، وَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ وَارِدَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ غَيْرُ بَاقِيَةٍ فِي مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ
стр. 108
مَا لَوْ تَقَايَلَا فِي الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ بَعْدَ بَيْعِهَا وَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا شُبْهَةٍ، وَإِذَا بَطَلَ التَّقَايُلُ فَالْإِجَارَةُ الثَّانِيَةُ بَاقِيَةٌ وَالْمُطَالَبَةُ لِلْمُؤَجِّرِ الثَّانِي بِمَا أَجَّرَ بِهِ.
[بَابُ السَّلَمِ]
[أَسْلَمَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ إِرْدَبًّا أُرْزًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَقْبَضَ]
بَابُ السَّلَمِ
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَسْلَمَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ إِرْدَبًّا أُرْزًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَقْبَضَ رَأْسَ الْمَالِ فَغَلَا السِّعْرُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نِصْفَ هَذَا الْقَدْرِ وَقَالَ: إِنَّمَا جَعَلْتُ الدَّرَاهِمَ عِنْدِي وَدِيعَةً وَقَدِ اشْتَرَيْتُ لَكَ بِهَا هَذَا الْقَدْرَ.
الْجَوَابُ: إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالسَّلَمِ الْمَذْكُورِ لَزِمَهُ أَدَاءُ الْأُرْزِ كَامِلًا وَلَوْ غَلَا السِّعْرُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَسْلَمَ إِلَيْهِ وَلَزِمَهُ رَدُّ الْمَالِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِي قَبُولُ مَا اشْتَرَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ.
[قَدْحُ الزَّنْدِ فِي السَّلَمِ فِي الْقَنْدِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي السُّكَّرِ الْخَامِ الْقَائِمِ فِي أَعْسَالِهِ الَّذِي لَا تُضْبَطُ لَهُ نَارٌ، وَإِذَا طُبِخَ وَصَارَ فِي الْأَقْمَاعِ وَطُيِّنَ بِالطِّينِ لَا يُعْلَمُ أَيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ مِنْهُ سُكَّرٌ وَلَا عَسَلٌ، تَارَةً يَحْصُلُ السُّكَّرُ كَثِيرًا وَتَارَةً قَلِيلًا؟ .
الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ النووي حَكَى فِي الرَّوْضَةِ وَجْهَيْنِ فِي السَّلَمِ فِي السُّكَّرِ وَلَمْ يُرَجِّحْ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ الْجَوَازَ فِي كُلِّ مَا دَخَلَتْهُ نَارٌ لَطِيفَةٌ وَمَثَّلَ بِالسُّكَّرِ، وَقَدْ نَازَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي ذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْهَا: مَنْعُ كَوْنِ نَارِ السُّكَّرِ لَطِيفَةً بَلْ هِيَ قَوِيَّةٌ، وَمِمَّنْ نَازَعَ بِذَلِكَ ابن الرفعة قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ أَجْدَرُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ مَطْبَخُ سُكَّرٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الرافعي تَصْحِيحُ الْمَنْعِ، قَالَ الإسنوي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: مُقْتَضَى كَلَامِ الرافعي فِي الْكَبِيرِ الْمَنْعُ فِي الْجَمِيعِ - يَعْنِي السُّكَّرَ - وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ إِلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ غَيَّرَهُ حَالَةَ الِاخْتِصَارِ فَحَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْأَصَحُّ فِي الْجَمِيعِ هُوَ الْمَنْعُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرافعي فَإِنَّهُ قَالَ: وَالسَّمْنُ وَالدِّبْسُ وَالسُّكَّرُ وَالْفَانِيدُ كَالْخُبْزِ فَفِي سَلَمِهَا الْوَجْهَانِ، هَذَا لَفْظُهُ،
стр. 109
وَهَذَا الْكَلَامُ مُقْتَضَاهُ الْمَنْعُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; لِأَنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْخُبْزِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ فِي بَابِ الرِّبَا إِلْحَاقُ مَا دَخَلَتْهُ النَّارُ لِلتَّمْيِيزِ بِمَا دَخَلَتْهُ لِلطَّبْخِ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، فَأَطْلَقَ النووي ذِكْرَ وَجْهَيْنِ فَقَطْ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي غَيْرِ التَّصْحِيحِ بِتَصْحِيحٍ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الْمُهِمَّاتِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي فِي نُكَتِهِ: مُقْتَضَى كَلَامِ الرافعي تَرْجِيحُ الْبُطْلَانِ فِي السَّمْنِ وَالدِّبْسِ وَالسُّكَّرِ وَالْفَانِيدِ فَإِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا الْوَجْهَيْنِ فِي السَّلَمِ فِي الْخُبْزِ وَالْأَصَحُّ فِيهِ الْبُطْلَانُ، وَحَذَفَ فِي الرَّوْضَةِ هَذَا التَّشْبِيهَ وَأَطْلَقَ ذِكْرَ وَجْهَيْنِ، انْتَهَى.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ مَيْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى تَصْحِيحِ الْمَنْعِ فِي السُّكَّرِ نَقْلًا وَمَعْنًى، أَمَّا النَّقْلُ فَلِأَنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الرافعي فِي الشَّرْحِ مَعَ مَا عَضَّدَهُ مِنْ خُلُوِّ كُتُبِ النووي عَنْ تَصْرِيحٍ بِتَصْحِيحٍ سِوَى تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا صَحَّحَ فِيهِ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَارَهُ لَطِيفَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ خِلَافُهُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قُوَّةِ نَارِهِ مَعَ الْقِيَاسِ عَلَى بَابِ الرِّبَا فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ نَارِ التَّمْيِيزِ وَغَيْرِهَا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ نَارَهُ لَطِيفَةٌ، نَعَمْ جَزَمَ البلقيني بِالْجَوَازِ فِي السُّكَّرِ وَنَقَلَهُ عَنِ النَّصِّ، هَذَا كُلُّهُ فِي السُّكَّرِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا، أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمَسْؤُولُ عَنْهَا فَهِيَ الْقَنْدُ وَهُوَ غَيْرُ السُّكَّرِ لُغَةً وَعُرْفًا، أَمَّا لُغَةً فَمَنْ رَاجَعَ كُتُبَ اللُّغَةِ وَجَدَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي التَّعْرِيفِ، وَأَمَّا عُرْفًا فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ أَفْرَدُوا الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتَكَلَّمُوا عَلَى كُلٍّ عَلَى حِدَتِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالسُّكَّرِ غَيْرَ الْقَائِمِ فِي أَعْسَالِهِ الَّذِي هُوَ الْقَنْدُ، فَمِمَّنْ أَفْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى كُلٍّ عَلَى حِدَتِهَا البلقيني فِي التَّدْرِيبِ فَقَالَ عَطْفًا عَلَى مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ: وَفِي السُّكَّرِ عَلَى النَّصِّ وَفِي الْقَنْدِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ هَذِهِ عِبَارَتُهُ، لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ولي الدين العراقي فِي فَتَاوِيهِ الْمَيْلُ إِلَى تَصْحِيحِ الْمَنْعِ فِيهِ أَخْذًا مِنْ عُمُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْقَنْدَ لَيْسَ مِثْلِيًّا، فَإِنَّ نَارَهُ قَوِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلتَّمْيِيزِ، وَيَخْتَلِفُ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً بِحَسَبِ تُرْبَةِ الْقَصَبِ وَجَوْدَةِ الطَّبْخِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مَنْعِ الْفُقَهَاءِ السَّلَمَ فِيمَا دَخَلَتْهُ النَّارُ لِلطَّبْخِ، لَكِنْ صَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ السَّلَمَ فِي الْقَنْدِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ، هَذَا لَفْظُهُ فِي فَتَاوِيهِ، وَمَا جَزَمَ بِهِ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ فَهْمًا عَنِ الْأَصْحَابِ هُوَ الْمُتَّجِهُ، وَبِهِ نُفْتِي، وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مُصَرَّحًا بِهَا فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ مَنْعِهِمَا السَّلَمَ فِيمَا طُبِخَ، وَيَزِيدُ عَلَى السُّكَّرِ غَرَرًا بِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِحَسَبِ تُرْبَةِ الْقَصَبِ، فَتَارَةً يَحْصُلُ مِنْهُ السُّكَّرُ كَثِيرًا وَتَارَةً قَلِيلًا بِخِلَافِ السُّكَّرِ فَإِنَّ هَذَا الْغَرَرَ مَعْدُومٌ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 110
[بَابُ الْقَرْضِ] [ اقْتَرَضَ جَارِيَةً مَجُوسِيَّةً]
مَسْأَلَةٌ: لَوِ اقْتَرَضَ جَارِيَةً مَجُوسِيَّةً هَلْ يَجُوزُ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ وَطْئِهَا الْآنَ أَمْ لَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تُسْلِمَ، وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ ابْنَتَهَا، وَلَوِ اقْتَرَضَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: أَمَّا الْأُولَيَانِ فَالْمُتَّجِهُ فِيهِمَا مَنْعُ الِاقْتِرَاضِ كَمَا قَالَهُ الإسنوي فِي أُخْتِ الزَّوْجَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيَجُوزُ وَذَلِكَ مَنْقُولٌ.
[قَطْعُ الْمُجَادَلَةِ عِنْدَ تَغْيِيرِ الْمُعَامَلَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ. . فَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَمَّا وَقَعَ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ وَهُوَ اخْتِلَافُ الْخُصُومِ فِي الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ الْمُنَادَاةِ عَلَى الْفُلُوسِ كُلُّ رِطْلٍ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، وَهَلْ يُطَالَبُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ اللُّزُومِ أَوْ يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ؟ وَهَلْ يُأْخَذُ مِنَ الْفُلُوسِ الْجُدُدُ الْمُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْعَدَدِ؟ فَرَأَيْتُ أَنْ أَنْظُرَ فِي ذَلِكَ وَفِي جَمِيعِ فُرُوعِهِ تَخْرِيجًا عَلَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ نُودِيَ عَلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَكْسُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ عِزَّةُ الْفُلُوسِ وَغُلُوُّهَا بَعْدَ كَثْرَتِهَا وَرُخْصِهَا، وَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ البلقيني كَلَامًا مُخْتَصَرًا فَنَسُوقُهُ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ بِمَا وَعَدْنَا بِهِ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَمِ الدِّينِ البلقيني ﵀ قَالَ فِي فَوَائِدِ الْأَخِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ جلال الدين وَتَحْرِيرِهِ مَا قَالَ: اتَّفَقَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عِزَّةُ الْفُلُوسِ بِمِصْرَ وَعَلَى النَّاسِ دُيُونٌ فِي مِصْرَ مِنَ الْفُلُوسِ، وَكَانَ سِعْرُ الْفِضَّةِ قَبْلَ عِزَّةِ الْفُلُوسِ كُلُّ دِرْهَمٍ بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفُلُوسِ ثُمَّ صَارَ بِتِسْعَةٍ وَكَانَ الدِّينَارُ الْأُفْلُورِيُّ بِمِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا مِنَ الْفُلُوسِ، وَالْهِرْجَةُ بِمِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَالنَّاصِرِيُّ بِمِائَتَيْنِ وَعَشَرَةٍ، وَكَانَ الْقِنْطَارُ الْمِصْرِيُّ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَعَزَّتِ الْفُلُوسُ وَنُودِيَ عَلَى الدِّرْهَمِ بِسَبْعَةِ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الدِّينَارِ بِنَاقِصِ خَمْسِينَ، فَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ فُلُوسًا وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ صَاحِبُ دَيْنِهِ الْفُلُوسَ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَقَالَ: أَعْطِنِي عِوَضًا عَنْهَا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً بِسِعْرِ يَوْمِ الْمُطَالَبَةِ، مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ؟ ، وَظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَرِيبَةُ الشَّبَهِ مِنْ مَسْأَلَةِ إِبِلِ الدِّيَةِ، وَالْمَنْقُولُ فِي إِبِلِ الدِّيَةِ أَنَّهَا إِذَا فُقِدَتْ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ عَلَى الْجَدِيدِ، قَالَ الرافعي: فَتَقُومُ الْإِبِلُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ
стр. 111
وَتُرَاعَى صِفَتُهَا فِي التَّغْلِيظِ، فَإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ فِي الْبَلَدِ تَخَيَّرَ الْجَانِي، وَتُقَوَّمُ الْإِبِلُ الَّتِي لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَجَبَ تَسْلِيمُهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ مَعِيبَةٌ وَجَبَتْ قِيمَةُ الصِّحَاحِ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِبِلٌ فَيُقَوَّمُ مِنْ صِنْفِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ، وَحَكَى صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ مَوَاضِعِ الْوُجُودِ أَوْ قِيمَةُ بَلَدِ الْإِعْوَازِ لَوْ كَانَتِ الْإِبِلُ مَوْجُودَةً فِيهَا؟ وَالْأَشْبَهُ الثَّانِي، وَوَقَعَ فِي لَفْظِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قِيمَةُ يَوْمِ الْوُجُوبِ، وَالْمُرَادُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ يَوْمُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ، أَلَا تَرَاهُمْ قَالُوا إِنَّ الدِّيَةَ الْمُؤَجَّلَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تُقَوَّمُ كُلُّ نَجْمٍ مِنْهَا عِنْدَ مَحَلِّهِ، وَقَالَ الروياني: إِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ وَالْإِبِلُ مَفْقُودَةٌ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوُجُوبِ، أَمَّا إِذَا وَجَبَتْ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فَلَمْ يَتَّفِقِ الْأَدَاءُ حَتَّى أَعْوَزَتْ تَجِبُ قِيمَةُ يَوْمِ الْإِعْوَازِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ حِينَئِذٍ تَحَوَّلَ إِلَى الْقِيمَةِ انْتَهَى، قَالَ: فَهَذِهِ تُنَاظِرُ مَسْأَلَتَنَا لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ مُتَقَوِّمٌ مَعْلُومُ الْوَزْنِ وَهُوَ قِنْطَارٌ مِنَ الْفُلُوسِ مَثَلًا فَلَمْ يَجِدْهُ، فَإِنْ جَرَيْنَا عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ الَّذِي نَقَلَهُ الرافعي فَلَا يُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ إِلَّا بِقِيمَةِ يَوْمِ الْإِقْرَارِ فَيُنْظَرُ فِي سِعْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَوْمَ الْإِقْرَارِ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ الروياني فَتَجِبُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْإِعْوَازِ فَإِنَّ الْأَقَارِيرَ كَانَتْ قَبْلَ الْعِزَّةِ - انْتَهَى مَا أَجَابَ بِهِ ابن البلقيني.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ نَحَا فِي جَوَابِهِ إِلَى اعْتِبَارِ قِيمَةِ الْفُلُوسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَدِمَتْ أَوْ عَزَّتْ فَلَمْ تَحْصُلْ إِلَّا بِزِيَادَةٍ، وَالْمِثْلِيُّ إِذَا عَدِمَ أَوْ عَزَّ فَلَمْ يَحْصُلْ إِلَّا بِزِيَادَةٍ لَمْ يَجِبْ تَحْصِيلُهُ كَمَا صَحَّحَهُ النووي فِي الْغَصْبِ بَلْ يُرْجَعُ إِلَى قِيمَتِهِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ الْفُلُوسَ مِنَ الْمُتَقَوِّمَاتِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ فِي الْأَصَحِّ، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الْمَضْرُوبَانِ مِثْلِيَّانِ بِلَا خِلَافٍ، إِلَّا أَنَّ فِي الْمَغْشُوشِ مِنْهُمَا وَجْهًا أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ، إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَأَقُولُ: تَتَرَتَّبُ الْفُلُوسُ فِي الذِّمَّةِ بِأُمُورٍ مِنْهَا: الْقَرْضُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْقَرْضَ الصَّحِيحَ يُرَدُّ فِيهِ الْمِثْلُ مُطْلَقًا، فَإِذَا اقْتَرَضَ مِنْهُ رِطْلَ فُلُوسٍ فَالْوَاجِبُ رَدُّ رِطْلٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ سَوَاءٌ زَادَتْ قِيمَتُهُ أَمْ نَقَصَتْ، أَمَّا فِي صُورَةِ الزِّيَادَةِ فَلِأَنَّ الْقَرْضَ كَالسَّلَمِ وَسَيَأْتِي النَّقْلُ فِيهِ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ النَّقْصِ فَقَدْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ، وَلَوْ أَقْرَضَهُ نَقْدًا فَأَبْطَلَ السُّلْطَانُ الْمُعَامَلَةَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا النَّقْدُ الَّذِي أَقْرَضَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁، فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعَ إِبْطَالِهِ فَمَعَ نَقْصِ قِيمَتِهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَمِنْ صُورَةِ الزِّيَادَةِ أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ بِالْوَزْنِ ثُمَّ يُنَادَى عَلَيْهَا بِالْعَدَدِ، وَيَكُونُ الْعَدَدُ أَقَلَّ وَزْنًا، وَقَوْلِي: فَالْوَاجِبُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَحْصُلُ الْإِجْبَارُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، هَذَا عَلَى دَفْعِهِ وَهَذَا عَلَى قَبُولِهِ وَبِهِ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ، أَمَّا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى زِيَادَةٍ
стр. 112
أَوْ نَقْصٍ فَلَا إِشْكَالَ، فَإِنَّ رَدَّ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْقَرْضِ جَائِزٌ بَلْ مَنْدُوبٌ، وَأَخْذُ أَقَلَّ مِنْهُ إِبْرَاءٌ مِنَ الْبَاقِي، وَقَوْلِي مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ احْتِرَازٌ مِنْ غَيْرِهِ، كَأَنْ أَخَذَ بَدَلَهُ عُرُوضًا أَوْ نَقْدًا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَهَذَا مَرْجِعُهُ إِلَى التَّرَاضِي أَيْضًا، فَإِنَّهُ اسْتِبْدَالٌ وَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ وَلَا يُجْبَرُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ بَدَلِهِ فُلُوسًا مِنَ الْجُدُدِ الْمُتَعَامَلِ بِهَا عَدَدًا فَهَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ لِكَوْنِ الْكُلِّ نُحَاسًا أَوْ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِوَصْفٍ زَائِدٍ وَزِيَادَةِ قِيمَةٍ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، لَكِنْ لَا إِجْبَارَ فِيهَا أَيْضًا لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا ذُكِرَ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى قَدْرٍ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَلَا يُجْبَرُ الْمَدِينُ عَلَى دَفْعِ رِطْلٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَزْيَدُ قِيمَةً، وَلَا يُجْبَرُ الدَّائِنُ عَلَى أَخْذِ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهَا عَدَدًا لِأَنَّهُ أَنْقَصُ وَزْنًا، فَإِنْ عَدِمَتِ الْفُلُوسُ الْعِتْقَ فَلَمْ تُوجَدْ أَصْلًا رُجِعَ إِلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ، فَيُأْخَذُ الْآنَ لَوْ قُدِّرَ انْعِدَامُهَا فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ دِينَارًا، وَلَوِ اقْتَرَضَ مِنْهُ فُلُوسًا عَدَدًا كَسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ثُمَّ أَبْطَلَ السُّلْطَانُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا عَدَدًا وَجَعَلَهَا وَزْنًا كُلَّ رِطْلٍ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَبَضَهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ بِالْوَزْنِ رَجَعَ بِقَدْرِهِ وَزْنًا وَلَا تُعْتَبَرُ زِيَادَةُ قِيمَتِهِ وَلَا نَقْصُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَزْنُهُ مَعْلُومًا فَهُوَ قَرْضٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ شَرْطَ الْقَرْضِ أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ بِالْوَزْنِ أَوِ الْكَيْلِ، وَقَرْضُ الْمَجْهُولِ فَاسِدٌ وَالْعَدَدُ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ وَالْمَقْبُوضُ [بِالْقَرْضِ] الْفَاسِدِ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إِلَى الْمِثْلِ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِهِ فَيُرْجَعُ إِلَى الْقِيمَةِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ يَوْمَ الْقَبْضِ أَوْ يَوْمَ الصَّرْفِ؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَقَدْ أَخَذَ مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ فَيَرُدُّ مَا قِيمَتُهُ الْآنَ كَذَلِكَ وَهُوَ رِطْلٌ أَوْ مِثْلُهُ مِنَ الْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ.
فَرْعٌ: فَإِنْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْفِضَّةِ فَإِنِ اقْتَرَضَ مِنْهُ أَنْصَافًا بِالْوَزْنِ ثُمَّ نُودِيَ عَلَيْهَا بِأَنْقَصَ أَوْ بِأَزْيَدَ أَوْ بِالْعَدَدِ أَوِ اقْتَرَضَ عَدَدًا ثُمَّ نُودِيَ عَلَيْهَا بِالْوَزْنِ فَلَا يَخْفَى قِيَاسُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَصْلٌ: وَمِنْهَا السَّلَمُ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ بِشَرْطِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ قَسْمُ الْعَدَدِ لِاشْتِرَاطِ الْوَزْنِ فِيهِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ لَزِمَهُ الْقَدْرُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ وَزْنًا، سَوَاءٌ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَمَّا كَانَ وَقْتَ [تَسْلِيمِهِ] السَّلَمَ أَمْ نَقَصَتْ، وَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ بَالِغًا ثَمَنُهُ مَا بَلَغَ، فَإِنْ عَدِمَ فَلَيْسَ إِلَّا الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوِ الصَّبْرُ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فُلُوسًا - وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِعَيْنِهَا - أَخَذَهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ رَجَعَ إِلَى مِثْلِهَا وَزْنًا.
стр. 113
فَصْلٌ: وَمِنْهَا ثَمَنُ مَا بِيعَ بِهِ فِي الذِّمَّةِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا: لَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ فَأَبْطَلَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ النَّقْدَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ إِلَّا ذَلِكَ النَّقْدُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي حِنْطَةٍ فَرَخُصَتْ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَجَازَ الْعَقْدَ بِذَلِكَ النَّقْدِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، كَمَا لَوْ تَغَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ انْتَهَى. فَأَقُولُ هُنَا صُوَرٌ أَحَدَهَا أَنْ يَبِيعَ بِرِطْلِ فُلُوسٍ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا رِطْلٌ زَادَ سِعْرُهُ أَمْ نَقَصَ، سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَ الْبَيْعِ وَزْنًا فَجُعِلَ عَدَدًا أَمْ عَكْسُهُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ بِأُوقِيَّةِ فِضَّةٍ أَوْ عَشَرَةِ أَنْصَافٍ - وَهِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ ذَهَبٍ - ثُمَّ تَغَيَّرَ السِّعْرُ فَلَيْسَ إِلَّا الْوَزْنُ الَّذِي سُمِّيَ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَبِيعَ بِأَلْفٍ فُلُوسًا أَوْ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا ثُمَّ يَتَغَيَّرُ السِّعْرُ فَظَاهِرُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ لَهُ مَا يُسَمَّى أَلْفًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا طَرَأَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ مَا يُسَمَّى أَلْفًا عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَكُونُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ مَحْمُولَةً عَلَى الْجِنْسِ لَا عَلَى الْقَدْرِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ وَإِنْ كَانَ أَوْجَهَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي صُورَةِ الْإِبْطَالِ، إِذْ لَا قِيمَةَ حِينَئِذٍ إِلَّا عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا التَّشْبِيهُ بِمَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ إِذَا رَخُصَتْ، الثَّالِثَةُ أَنْ يَبِيعَهُ بِعَدَدٍ مِنَ الْفِضَّةِ أَوْ مِنَ الْفُلُوسِ كَعَشَرَةِ أَنْصَافٍ أَوْ مِائَةِ فَلْسٍ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ مَجْهُولَةُ الْوَزْنِ فَهَذَا الْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَالْمَقْبُوضُ بِهِ يُرْجَعُ بِقِيمَتِهِ فِيمَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ لَا بِمَا بِيعَ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا، وَإِنْ قُلْنَا: يُرْجَعُ فِي الْمِثْلِيِّ مِنْهُ بِالْمِثْلِ كَمَا صَحَّحَهُ الإسنوي فَكَانَ الْمَبِيعُ فُلُوسًا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْمَغْصُوبِ وَسَيَأْتِي.
فَصْلٌ: وَمِنْهَا الْأُجْرَةُ وَفِيهَا الصُّوَرُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَيْعِ، وَالرُّجُوعُ فِي الثَّالِثَةِ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
فَصْلٌ: وَمِنْهَا الصَّدَاقُ وَفِيهِ الصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ أَيْضًا، وَالرُّجُوعُ فِي الثَّالِثَةِ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
فَصْلٌ: وَمِنْهَا بَدَلُ الْغَصْبِ بِأَنْ غَصَبَ فُلُوسًا أَوْ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا ثُمَّ تَغَيَّرَ سِعْرُهَا، فَإِنْ تَغَيَّرَ إِلَى نَقْصٍ لَزِمَهُ رَدُّ مِثْلٍ يُسَاوِي الْمَغْصُوبَ فِي الْقِيمَةِ فِي أَعْلَى أَحْوَالِهِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، أَوْ إِلَى زِيَادَةٍ لَزِمَهُ رَدُّ الْمِثْلِ وَزْنًا وَالزِّيَادَةُ لِلْمَالِكِ، فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَدَدِيًّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ فِي قَدْرِ وَزْنِهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
فَصْلٌ: وَمِنْهَا الْمَقْبُوضُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَصْبِ وَهُوَ اعْتِبَارُ أَكْثَرِ الْقِيمَةِ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ.
стр. 114
فَصْلٌ: وَمِنْهَا الْإِتْلَافُ بِلَا غَصْبٍ، وَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْمِثْلِ وَزْنًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ، وَكَذَا لَوْ بِيعَتِ الْفُلُوسُ أَوِ الْفِضَّةُ أَوِ الذَّهَبُ ثُمَّ حَصَلَ تَقَايُلٌ بَعْدَ تَلَفِهَا رُجِعَ إِلَى مِثْلِهَا وَزْنًا، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ ثَمَنًا وَتَلِفَتْ ثُمَّ رُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوِ الْتُقِطَتْ وَجَاءَ الْمَالِكُ بَعْدَ التَّمَلُّكِ وَالتَّلَفِ فَالرُّجُوعُ فِي الْكُلِّ إِلَى الْمِثْلِ وَزْنًا، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا طَرَأَ مِنْ زِيَادَةِ السِّعْرِ أَوْ نَقْصِهِ، وَكَذَا لَوْ بِيعَتْ ثُمَّ حَصَلَ تَخَالُفٌ وَفَسْخٌ وَهِيَ تَالِفَةٌ فِيمَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ، لَكِنَّ الَّذِي أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ وُجُوبُ الْقِيمَةِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ، وَمِنْهَا لَوِ اسْتُعِيرَتْ فَإِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ إِعَارَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِلتَّزْيِينِ، وَالَّذِي أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ فِي تَلَفِ الْعَارِيَةِ الرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ وَيُعْتَبَرُ يَوْمُ التَّلَفِ، وَصَحَّحَ السبكي الرُّجُوعَ بِالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْمُعْتَمَدُ إِطْلَاقُ الشَّيْخَيْنِ، وَمِنْهَا لَوْ أُخِذَتْ عَلَى جِهَةِ السَّوْمِ فَتَلِفَتْ وَفِيهَا الْقِيمَةُ وَيُعْتَبَرُ يَوْمُ الْقَبْضِ فِيمَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَيَوْمُ التَّلَفِ فِيمَا صَحَّحَهُ غَيْرُهُ، وَمِنْهَا لَوْ أُخِذَتْ عَلَى جِهَةِ الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ وَاقْتَضَى الْحَالُ الرُّجُوعَ وَهِيَ تَالِفَةٌ رُجِعَ بِمِثْلِهَا وَزْنًا، وَكَذَا لَوْ جُعِلَتْ صَدَاقًا ثُمَّ تُشْطَرُ وَهِيَ تَالِفَةٌ رُجِعَ بِنِصْفِ مِثْلِهَا وَزْنًا، وَمِنْهَا لَوْ أَدَّاهَا الضَّامِنُ عَنِ الْمَضْمُونِ حَيْثُ لَهُ الرُّجُوعُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَرْضِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ ذَلِكَ فِي الْأَوْقَافِ: إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ لِأَرْبَابِ الْوَظَائِفِ مَعْلُومًا مِنْ أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ تَغَيَّرَ سِعْرُهَا عَمَّا كَانَ حَالَةَ الْوَقْفِ فَلَهُ حَالَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُعَلَّقَ ذَلِكَ بِالْوَزْنِ بِأَنْ يَشْرِطَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ أَوْ رِطْلَانِ مِنَ الْفُلُوسِ فَالْمُسْتَحَقُّ الْوَزْنُ الَّذِي شَرَطَهُ زَادَ سِعْرُهُ أَمْ نَقَصَ. الثَّانِي: أَنَّ يُعَلِّقَهُ بِغَيْرِهِ كَثَلَاثِمِائَةٍ مَثَلًا وَيَكُونُ هَذَا الْقَدْرُ قِيمَةَ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ أَوْ قِيمَةَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَنِصْفًا أَوْ قِيمَةَ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ مِنَ الْفُلُوسِ، فَالْعِبْرَةُ بِمَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ، فَلَوْ زَادَ سِعْرُ الدِّينَارِ فَصَارَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ فَلَهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ دِينَارٌ وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِينَارٍ، وَلَوْ نَقَصَ فَصَارَ بِمِائَتَيْنِ فَلَهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ دِينَارٌ وَفِي الثَّانِي دِينَارٌ وَنِصْفٌ، وَكَذَا لَوْ زَادَتْ قِيمَةُ دَرَاهِمِ الْفِضَّةِ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ قِيمَةُ أَرْطَالِ الْفُلُوسِ فَالْمُسْتَحَقُّ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَمِائَةٍ فِي الْحَالِ الثَّانِي وَمَا هُوَ الْوَزْنُ الْمُقَرَّرُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ.
فَصْلٌ: إِذَا تَحَصَّلَ رَيْعُ الْوَقْفِ عِنْدَ النَّاظِرِ أَوِ الْمُبَاشِرِ أَوِ الْجَابِي فَنُودِيَ عَلَيْهِ بِرُخْصٍ نُظِرَ، فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي صَرْفِهِ بِأَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الصَّرْفَ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَحَصَلَ الرَّيْعُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَأُخِّرَ الصَّرْفُ يَوْمًا وَاحِدًا مَعَ حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي الْبَلَدِ عَصَى وَأَثِمَ وَلَزِمَهُ ضَمَانُ مَا نَقَصَ بِالْمُنَادَاةِ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ
стр. 115
وَحَبْسِهِ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِنْ نُودِيَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِزِيَادَةٍ كَانَتْ لِلْوَقْفِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ بِأَنْ كَانَ شَرَطَ الْوَاقِفُ الصَّرْفَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَثَلًا فَحَصَلَ الرَّيْعُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ أَوْ حَصَلَ عِنْدَ الْوَقْتِ الَّذِي شُرِطَ الصَّرْفُ عِنْدَهُ بَعْضُ الرَّيْعِ وَهُوَ يَسِيرٌ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَأُخِّرَ لِيَجْتَمِعَ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فَهَذَا لَا تَقْصِيرَ فِيهِ، وَالنَّقْصُ الْحَاصِلُ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْوَقْفِ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ رَخُصَتْ أُجْرَةُ عَقَارِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ عَلَى الْوَقْفِ، وَلَا يَنْقُصُ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ مِنْ مَعَالِيمِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَلَوْ نُودِيَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِزِيَادَةٍ كَانَتْ لِلْوَقْفِ، ثُمَّ عِنْدَ الصَّرْفِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ يُرَاعِي مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَيُعْمَلُ بِمَا يَقْتَضِيهِ.
فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ: إِذَا أَوْصَى لَهُ بِأَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ وَتَغَيَّرَ سِعْرُهَا مِنَ الْوَصِيَّةِ إِلَى الْمَوْتِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى الْحَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْوَقْفِ إِنْ عُلِّقَ بِالْوَزْنِ فَلِلْمُوصَى لَهُ مَا ذُكِرَ سَوَاءٌ زَادَ السِّعْرُ أَمْ نَقَصَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِثَوْبٍ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ أَوْ نَقَصَتْ وَإِنْ عُلِّقَ بِالْقَدْرِ اسْتَحَقَّ الْقَدْرَ الْمُسَمَّى.
فَصْلٌ: وَمِمَّا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ، مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ وَقَرَّرَ لَهُ الْقَاضِي فَرْضًا كُلَّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ بِمُعَامَلَةِ تَارِيخِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ عِنْدَ تَغَيُّرِ السِّعْرِ مَا قَدْرُهُ مِائَةٌ يَوْمَ التَّقْرِيرِ أَوْ يَوْمَ الدَّفْعِ؟ وَأَقُولُ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ رَضِيعًا وَالتَّقْرِيرُ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ فَالْحُكْمُ مَا سَبَقَ فِي الْأُجْرَةِ أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ، فَظَاهِرُ مَا فِي الرَّوْضَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ أَنَّ عَلَيْهِ مَا يُسَمَّى مِائَةً عِنْدَ التَّقْرِيرِ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ عَلَيْهِ مَا يُسَمَّى مِائَةً عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيدُ فَطِيمًا فَالْمُقَرَّرُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ، وَأَصْلُ الْوَاجِبِ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ الْأَصْنَافُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا رَأَى الْحَاكِمُ تَقْرِيرَ عِوَضٍ عَنْ ذَلِكَ مِنَ النُّقُودِ أَوِ الْفُلُوسِ ثُمَّ تَغَيَّرَ السِّعْرُ فَهَذَا الَّذِي قَرَّرَ لَيْسَ بِلَازِمٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ زَادَ سِعْرُ الْقُوتِ وَالْأُدْمِ احْتِيجَ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْمُقَرَّرِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَا يُسَمَّى مِائَةً عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ قَطْعًا وَلَا يَطْرُقُهُ احْتِمَالٌ أَصْلًا.
فَصْلٌ: وَدَيْنُ الْمُكَاتَبَةِ يَأْتِي فِيهِ مَا فِي الْبَيْعِ، وَدَيْنُ الْمُخَارَجَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَالْمَدَارُ فِيهِ عَلَى قُدْرَةِ الْعَبْدِ.
فَصْلٌ: وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ طَبَّاخِ الشَّيْخُونِيَّةِ يَأْخُذُ أَنْصِبَاءَ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنَ الطَّعَامِ
стр. 116
وَالْخُبْزِ فَيَبِيعُهَا ثُمَّ يَدْفَعُ لَهُمْ فِي آخِرِ الشَّهْرِ قَدْرًا مَعْلُومًا أَقَلَّ مِمَّا بَاعَ بِهِ، وَأَقُولُ: إِنْ كَانَ أَخْذُهُ لَهَا عَلَى جِهَةِ الشِّرَاءِ مِنْ أَرْبَابِهَا فَهَذَا اشْتِرَاءٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ لِمَا لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، فَحُكْمُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ حُكْمُ الْمَبِيعِ الْفَاسِدِ فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ مِنَ النُّقُودِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةٍ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ أَرْبَابِهَا فِي الْبَيْعِ فَهُوَ وَكِيلٌ يُجْعَلُ فَبَيْعُهُ وَقَبْضُهُ صَحِيحٌ، ثُمَّ إِنْ جُعِلَ ثَمَنُ نَصِيبِ كَلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَخْلِطْهُ بِغَيْرِهِ وَلَا تَصَرَّفَ فِيهِ دَفَعَهُ إِلَيْهِ بِرُمَّتِهِ، وَلَهُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي شَرَطَ لَهُ كَالثُّلُثِ مَثَلًا، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالتَّصَرُّفِ، فَالْقَدْرُ الَّذِي تَصَرَّفَ فِيهِ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ وَالْبَاقِي يَدْفَعُهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ خَلَطَهُ ضَمِنَهُ أَيْضًا بِمِثْلِهِ.
فَرْعٌ: مِنْ فَتَاوَى ابن الصلاح، سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَبْلَغٍ مِنَ الْفُلُوسِ فِي الذِّمَّةِ فَانْعَدَمَ النُّحَاسُ فَهَلْ يُرْجَعُ إِلَى قِيمَةِ الْفُلُوسِ بِقِيمَةِ الْبَلَدِ الَّذِي عَقَدُوا النِّكَاحَ فِيهِ أَمْ بِقِيمَةِ الْبَلَدِ الَّذِي تُطَالِبُ فِيهِ؟ فَأَجَابَ: لَا يُرْجَعُ إِلَى قِيمَتِهَا أَصْلًا كَمَا لَا يُرْجَعُ إِلَى قِيمَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا الرُّجُوعُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِالْفَسْخِ أَوِ الِانْفِسَاخِ.
وَهَذِهِ فَوَائِدُ نَخْتِمُ بِهَا الْكِتَابَ:
الْأُولَى: يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ إِبْطَالُ الْمُعَامَلَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ لِمَا أَخْرَجَهُ أبو داود عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ( «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سِكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَارِيَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ» ) .
الثَّانِيَةُ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ كعب قَالَ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ آدَمُ ﵇.
الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» ) وَلِأَنَّ فِيهِ إِفْسَادًا لِلنُّقُودِ وَإِضْرَارًا بِذَوِي الْحُقُوقِ وَغَلَاءَ الْأَسْعَارِ، وَانْقِطَاعَ الْأَجْلَابِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ ضَرْبُ الْمَغْشُوشِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِمَامِ، وَلِأَنَّ فِيهِ افْتِئَاتًا عَلَى الْإِمَامِ وَلِأَنَّهُ يَخْفَى فَيُغْتَرُّ بِهِ بِخِلَافِ ضَرْبِ الْإِمَامِ.
الرَّابِعَةُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَإِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْغِشُّ وَالْإِفْسَادُ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: مَنْ مَلَكَ دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةً كُرِهَ لَهُ إِمْسَاكُهَا بَلْ يَسْبِكُهَا وَيُصَفِّيهَا، قَالَ القاضي أبو الطيب: إِلَّا إِذَا كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ مَغْشُوشَةً فَلَا يُكْرَهُ
стр. 117
إِمْسَاكُهَا، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ إِمْسَاكِ الْمَغْشُوشَةِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهِ وَرَثَتَهُ إِذَا مَاتَ وَغَيْرَهُمْ فِي الْحَيَاةِ، كَذَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
السَّادِسَةُ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إِذَا كَانَ الْغِشُّ فِي الدَّرَاهِمِ مُسْتَهْلَكًا بِحَيْثُ لَوْ صُفِّيَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُورَةٌ جَازَتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا، فَإِنْ كَانَتِ الْفِضَّةُ مَعْلُومَةً لَا تَخْتَلِفُ صِحَّةُ الْمُعَامَلَةِ بِهَا عَلَى عَيْنِهَا الْحَاضِرَةِ وَفِي الذِّمَّةِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتِ الْفِضَّةُ الَّتِي فِيهَا مَجْهُولَةً فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا الْجَوَازُ بِعَيْنِهِ وَفِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَوَاجُهَا، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهَا بِالنُّحَاسِ كَمَا لَا يَضُرُّ بَيْعُ الْمَعْجُونَاتِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْرَادُهَا مَجْهُولَةَ الْمِقْدَارِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْفِضَّةُ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِالْمَاءِ بِالِاتِّفَاقِ. وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ بِأَعْيَانِهَا وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهَا فِي الذِّمَّةِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا وَلَا قَرْضُهَا. وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ الْغِشُّ فِيهَا غَالِبًا لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ.
السَّابِعَةُ: قَالَ الخطابي: كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَعَامَلُونَ بِالدَّرَاهِمِ عَدَدًا وَقْتَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عائشة فِي قِصَّةِ شِرَائِهَا بريرة: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً فَعَلْتُ تُرِيدُ الدَّرَاهِمَ، فَأَرْشَدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْوَزْنِ، وَجَعَلَ الْمِعْيَارَ وَزْنَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْوَزْنُ الْجَارِي بَيْنَهُمْ فِي الدِّرْهَمِ سِتَّةَ دَوَانِيقَ - وَهُوَ دِرْهَمُ الْإِسْلَامِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ - وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مُخْتَلِفَةَ الْأَوْزَانِ فِي الْبُلْدَانِ، فَمِنْهَا الْبَغْلِيُّ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ دَوَانِيقَ، وَالطَّبَرِيُّ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا مُنَاصَفَةً مِائَةً بَغْلِيَّةً وَمِائَةً طَبَرِيَّةً، فَكَانَ فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ زَكَاةً، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ بَنِي أُمَيَّةَ قَالُوا: إِنْ ضَرَبْنَا الْبَغْلِيَّةَ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهَا الَّتِي تُعْتَبَرُ لِلزَّكَاةِ فَيُضَرُّ الْفُقَرَاءُ، وَإِنْ ضَرَبْنَا الطَّبَرِيَّةَ ضُرَّ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ فَجَمَعُوا الدِّرْهَمَ الْبَغْلِيَّ وَالطَّبَرِيَّ وَفَعَلُوهُمَا دِرْهَمَيْنِ كُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِيقَ، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ فَكَانَتْ تُحْمَلُ إِلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ضَرْبَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ سَأَلَ عَنْ أَوْزَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجْمَعُوا لَهُ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَالَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا إِلَّا حَبَّةً بِالشَّامِيِّ، وَأَنَّ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ فَضَرَبَهَا - انْتَهَى كَلَامُ الخطابي.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: اسْتَقَرَّ فِي الْإِسْلَامِ وَزْنُ الدِّرْهَمِ سِتَّةَ دَوَانِيقَ كُلُّ عَشَرَةٍ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ اسْتِقْرَارِهَا عَلَى هَذَا الْوَزْنِ فَقِيلَ كَانَتْ فِي الْفُرْسِ ثَلَاثَةُ أَوْزَانٍ مِنْهَا دِرْهَمٌ عَلَى وَزْنِ الْمِثْقَالِ عِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَدِرْهَمٌ اثْنَا عَشَرَ
стр. 118
وَدِرْهَمٌ عَشْرٌ، فَلَمَّا احْتِيجَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَى تَقْدِيرِهِ أُخِذَ الْوَسَطُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْزَانِ الثَّلَاثَةِ - وَهُوَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قِيرَاطًا - فَكَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا مِنْ قَرَارِيطِ الْمِثْقَالِ، وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَأَى الدَّرَاهِمَ مُخْتَلِفَةً، مِنْهَا الْبَغْلِيُّ ثَمَانِيَةُ دَوَانِيقَ، وَالطَّبَرِيُّ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، وَالْيَمَنِيُّ دَانِقٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ: انْظُرُوا أَغْلَبَ مَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهِ مِنْ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا، فَكَانَ الْبَغْلِيُّ وَالطَّبَرِيُّ فَجُمِعَا فَكَانَا اثْنَيْ عَشَرَ دَانِقًا، فَأَخَذَ نِصْفَهَا فَجَعَلَهَا سِتَّةَ دَوَانِيقَ، فَجَعَلَهُ دِرْهَمَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الْإِسْلَامِ فَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: أَمَرَ عبد الملك بِضَرْبِهَا فِي الْعِرَاقِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقَالَ المدائني: بَلْ ضَرَبَهَا فِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِهَا فِي النَّوَاحِي سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، قَالَ: وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَمْرِ أَخِيهِ عبد الله بن الزبير سَنَةَ سَبْعِينَ عَلَى ضَرْبِ الْأَكَاسِرَةِ، ثُمَّ غَيَّرَهَا الحجاج، انْتَهَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: كَانَتِ الدَّنَانِيرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ وَعِنْدَ عَرَبِ الْحِجَازِ كُلُّهَا رُومِيَّةً تُضْرَبُ بِبِلَادِ الرُّومِ، عَلَيْهَا صُورَةُ الْمَلِكِ وَاسْمُ الَّذِي ضُرِبَتْ فِي أَيَّامِهِ مَكْتُوبٌ بِالرُّومِيَّةِ، وَوَزْنُ كُلِّ دِينَارٍ مِنْهَا مِثْقَالٌ كِمِثْقَالِنَا هَذَا - وَهُوَ وَزْنُ دِرْهَمَيْنِ وَدَانِقَيْنِ وَنِصْفٍ وَخَمْسَةِ أَسْبَاعِ حَبَّةٍ -.
وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ بِالْعِرَاقِ وَأَرْضِ الْمَشْرِقِ كُلُّهَا كِسْرَوِيَّةً عَلَيْهَا صُورَةُ كِسْرَى وَاسْمُهُ فِيهَا مَكْتُوبٌ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَوَزْنُ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْهَا مِثْقَالٌ، فَكَتَبَ مَلِكُ الرُّومِ - وَاسْمُهُ لاوي بن قرفط - إِلَى عبد الملك أَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لَهُ سِكَكًا لِيُوَجِّهَ بِهَا إِلَيْهِ فَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الدَّنَانِيرَ، فَقَالَ عبد الملك لِرَسُولِهِ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا قَدْ عَمِلْنَا سِكَكًا نَقَشْنَا عَلَيْهَا تَوْحِيدَ اللَّهِ وَاسْمَ رَسُولِهِ ﷺ ، وَكَانَ عبد الملك قَدْ جَعَلَ لِلدَّنَانِيرِ مَثَاقِيلَ مِنْ زُجَاجٍ لِئَلَّا تُغَيَّرَ أَوْ تُحَوَّلَ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حِجَارَةٍ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ أَنْ لَا يَتَبَايَعَ أَحَدٌ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ نِدَائِهِ بِدِينَارٍ رُومِيٍّ، فَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ الْعَرَبِيَّةَ وَبَطَلَتِ الرُّومِيَّةُ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُوقِيَّةُ وَالدَّرَاهِمُ مَجْهُولَةً فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي أَعْدَادٍ مِنْهَا وَيَقَعُ بِهَا الْمُبَايَعَاتُ وَالْأَنْكِحَةُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَالَ: وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً إِلَى زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَنَّهُ جَمَعَهَا بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَوَزْنَ الدِّرْهَمِ سِتَّةَ دَوَانِيقَ قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ
стр. 119
مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ، بَلْ كَانَتْ مَجْمُوعَاتٍ مِنْ ضَرْبِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَصِغَارًا وَكِبَارًا وَقِطَعَ فِضَّةٍ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ وَلَا مَنْقُوشَةٍ وَيَمَنِيَّةً وَمَغْرِبِيَّةً، فَرَأَوْا صَرْفَهَا إِلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ وَتَصْيِيرَهَا وَزْنًا وَاحِدًا وَأَعْيَانًا يُسْتَغْنَى فِيهَا عَنِ الْمَوَازِينِ فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا وَضَرَبُوهُ عَلَى وَزْنِهِمْ.
وَقَالَ الرافعي: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْدِيرِ بِهَذَا الْوَزْنِ وَهُوَ أَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِيقَ كُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمِثْقَالُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الصَّحِيحُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ وَاعْتِقَادُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ الْمُطْلَقَةَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْوَزْنِ مَعْرُوفَةَ الْمِقْدَارِ - وَهِيَ السَّابِقَةُ إِلَى الْأَفْهَامِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَبِهَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْحُقُوقِ وَالْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ - وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا كَوْنُهُ كَانَ هُنَاكَ دَرَاهِمُ أُخْرَى أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ، فَإِطْلَاقُ النَّبِيِّ ﷺ الدَّرَاهِمَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَفْهُومِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ كُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِيقَ كُلُّ عَشَرَةٍ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ.
وَأَمَّا مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ فَقَالَ الْحَافِظُ أبو محمد عبد الحق فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ: قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: بَحَثْتُ غَايَةَ الْبَحْثِ عِنْدَ كُلِّ مَنْ وَثِقْتُ بِتَمْيِيزِهِ فَكَلٌّ اتَّفَقَ عَلَى أَنَّ دِينَارَ الذَّهَبِ بِمَكَّةَ وَزْنُهُ ثِنْتَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ مِنْ حَبِّ الشَّعِيرِ الْمُطْلَقِ وَالدِّرْهَمُ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الْمِثْقَالِ، فَوَزْنُ الدِّرْهَمِ الْمَكِّيِّ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ وَسِتَّةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ وَعُشْرُ عُشْرِ حَبَّةٍ، وَالرِّطْلُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالدِّرْهَمِ الْمَذْكُورِ - هَذَا كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ. قَالَ النووي بَعْدَ إِيرَادِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ: وَزْنُ الرِّطْلِ الْبَغْدَادِيِّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَهُوَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا محمد بن عمر الواقدي، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ضَرَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ - وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ضَرْبَهَا وَنَقَشَ عَلَيْهَا -. وَفِي الْأَوَائِلِ للعسكري أَنَّهُ نَقَشَ عَلَيْهَا اسْمَهُ، وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سفيان قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ وَزْنَ سَبْعَةٍ الحارث بن أبي ربيعة - يَعْنِي الْعَشَرَةَ عَدَدًا سَبْعَةً وَزْنًا.
стр. 120
وَأَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ مغيرة قَالَ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ الزُّيُوفَ عبيد الله بن زياد وَهُوَ قَاتِلُ الحسين. وَفِي تَارِيخِ الذهبي: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ الْأُمَوِيُّ الْقَائِمُ بِالْأَنْدَلُسِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِمَا يُحْمَلُ إِلَيْهِمْ مِنْ دَرَاهِمِ الْمَشْرِقِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أبي جعفر قَالَ: الْقِنْطَارُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، وَالْمِثْقَالُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ السدي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قَالَ: يَعْنِي الْمَضْرُوبَةَ حَتَّى صَارَتْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فِي تَحْرِيرِ الدَّرَاهِمِ النُّقْرَةُ الَّتِي كَانَ يُتَعَامَلُ بِهَا فِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ وَشَرَطَهَا أَرْبَابُ الدَّوْلَةِ الْقَلَاوُونِيَّةِ فِي أَوْقَافِهِمْ كشيخون، وصرغتمش، وَنَحْوِهِمَا، قَالَ الذهبي فِي تَارِيخِهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ: أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْصِرُ بِضَرْبِ الدَّرَاهِمِ الْفِضَّةِ لِيُتَعَامَلَ بِهَا بَدَلًا عَنْ قُرَاضَةِ الذَّهَبِ، فَجَلَسَ الْوَزِيرُ وَأَحْضَرَ الْوُلَاةَ وَالتُّجَّارَ وَالصَّيَارِفَةَ وَفُرِشَتِ الْأَنْطَاعُ وَأُفْرِغَ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ، وَقَالَ الْوَزِيرُ: قَدْ رَسَمَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمُعَامَلَتِكُمْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ عِوَضًا عَنْ قُرَاضَةِ الذَّهَبِ رِفْقًا بِكُمْ وَإِنْقَاذًا لَكُمْ مِنَ التَّعَامُلِ بِالْحَرَامِ مِنَ الصَّرْفِ الرِّبَوِيِّ فَأَعْلِنُوا بِالدُّعَاءِ، ثُمَّ أُدِيرَتْ بِالْعِرَاقِ وَسُعِّرَتْ كُلُّ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ، فَقَالَ الموفق أبو المعالي بن أبي الحديد الشَّاعِرُ فِي ذَلِكَ:
لَا عَدِمْنَا جَمِيلَ رَأْيِكَ فِينَا ... أَنْتَ بَاعَدْتَنَا عَنِ التَّطْفِيفِ
وَرَسَمْتَ اللُّجَيْنَ حَتَّى أَلِفْنَا ... هُ وَمَا كَانَ قَبْلُ بِالْمَأْلُوفِ
لَيْسَ لِلْجَمْعِ كَانَ مَنْعُكَ لِلصَّرْ ... فِ وَلَكِنْ لِلْعَدْلِ وَالتَّعْرِيفِ
وَقَالَ ابن كثير فِي تَارِيخِهِ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ رَسَمَ السلطان الملك الناصر حسن بِضَرْبِ فُلُوسٍ جُدُدٍ عَلَى قَدْرِ الدِّينَارِ وَوَزْنِهِ وَجَعَلَ كُلَّ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فِلْسًا بِدِرْهَمٍ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ الْفُلُوسُ الْعِتْقُ كُلُّ رِطْلٍ وَنِصْفٍ بِدِرْهَمٍ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الدَّرَاهِمَ النُّقْرَةَ كَانَ سِعْرُهَا كُلُّ دِرْهَمٍ ثُلُثَا رِطْلٍ مِنَ الْفُلُوسِ، كَمَا أَنَّ مَا قَالَهُ الذهبي صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ سِعْرُهَا حِينَ ضُرِبَتْ كُلُّ دِرْهَمٍ عُشْرُ دِينَارٍ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابن
стр. 121
حجر فِي تَارِيخِهِ: أَنْبَاءُ الْغُمْرِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِيعَ الْإِرْدَبُّ الْقَمْحُ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا نُقْرَةً وَقِيمَتُهَا إِذْ ذَاكَ سِتُّ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ وَرُبْعٌ انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى أَنَّ كُلَّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا مِثْقَالٌ. وَقَالَ ابن حجر أَيْضًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ: غَلَا الْبَيْضُ بِدِمَشْقَ فَبِيعَتِ الْحَبَّةُ الْوَاحِدَةُ بِثُلُثِ دِرْهَمٍ مِنْ حِسَابِ سِتِّينَ بِدِينَارٍ، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ كُلَّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا مِثْقَالٌ.
التَّاسِعَةُ: التَّعَامُلُ بِالْفُلُوسِ قَدِيمٌ، قَالَ الجوهري فِي الصِّحَاحِ: الْفَلْسُ يُجْمَعُ عَلَى أَفْلُسٍ وَفُلُوسٍ، وَقَدْ أَفْلَسَ الرَّجُلُ صَارَ مُفْلِسًا كَأَنَّمَا صَارَتْ دَرَاهِمُهُ فُلُوسًا وَزُيُوفًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ صَارَ إِلَى حَالٍ يُقَالُ فِيهَا لَيْسَ مَعَهُ فَلْسٌ انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهَا فِي زَمَنِ الْعَرَبِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: ثَنَا محمد بن أبان عَنْ حماد عَنْ إبراهيم قَالَ: لَا بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الْفُلُوسِ، أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا رِبَا فِي الْفُلُوسِ - وإبراهيم هُوَ النَّخَعِيُّ -، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهَا فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ يَدًا بِيَدٍ، وَأَخْرَجَ عَنْ حماد مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْفُلُوسَ بِالدَّرَاهِمِ قَالَ: هُوَ صَرْفٌ فَلَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ، وَذَكَرَ الصولي فِي كِتَابِ الْأَوْرَاقِ أَنَّهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلِيَ هارون بن إبراهيم الهاشمي حِسْبَةَ بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَمِدِ فَأَمَرَ أَهْلَ بَغْدَادَ أَنْ يَتَعَامَلُوا بِالْفُلُوسِ فَتَعَامَلُوا بِهَا عَلَى كُرْهٍ ثُمَّ تَرَكُوهَا.
الْعَاشِرَةُ: أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ زَافَتْ عَلَيْهِ وَرَقَةٌ فَلَا يُخَالِفِ النَّاسَ أَنَّهَا طِيَابٌ وَلْيَبْتَعْ بِهَا سَمَلَ ثَوْبٍ أَوْ سَحْقَ ثَوْبٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ بَاعَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ زُيُوفًا وَقَسِيَّاتٍ بِدَرَاهِمَ دُونَ وَزْنِهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَهَاهُ وَقَالَ: أَوْقِدْ عَلَيْهَا حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيهَا مِنْ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ حَتَّى تَخْلُصَ الْفِضَّةُ ثُمَّ بِعِ الْفِضَّةَ بِوَزْنِهَا.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَرْضُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَأَخْرَجَ عَنْ عطاء فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] قَالَ: كَانُوا يُقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ.
стр. 122
الثَّانِيَةَ عَشْرَ: قَالَ العسكري فِي الْأَوَائِلِ: أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ أَلْسِنَةَ الْمَوَازِينِ مِنَ الْحَدِيدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ.
[بَابُ الرَّهْنِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ رَهَنَ بَيْتًا فِيهِ مُطَلَّقَتُهُ الْمُعْتَدَّةُ، فَهَلْ يَصِحُّ الْقَبْضُ لَهُ عَنِ الرَّهْنِ وَهُوَ مَشْحُونٌ بِأَمْتِعَةِ مُطَلَّقَتِهِ؟ .
الْجَوَابُ: يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ فِي الشَّرْحِ وَالْمُحَرَّرَ وَالرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَبَّرَا فِي قَبْضِ الْعَقَارِ بِأَنْ قَالَا: يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّمْكِينِ مِنْهُ بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ، وَكَذَا عَبَّرَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ، والقمولي فِي الْجَوَاهِرِ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي لَفْظَةِ الْبَائِعِ هَلْ هِيَ قَيْدٌ أَوْ مِثَالٌ؟ فَقَالَ الإسنوي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: خَرَجَ بِقَوْلِهِ: أَمْتِعَةُ الْبَائِعِ أَمْتِعَةُ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْغَاصِبِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا التَّعْمِيمِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي هَذَا الْكَلَامَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي النُّكَتِ، وَكَذَا قَالَ ابن الملقن: تَقْيِيدُهُ بِأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ يُخْرِجُ مَا عَدَاهُ كَأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَكَذَا ابن النقيب فِي نُكَتِهِ، وَأَمَّا السبكي فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا بَلْ قَالَ عَقِبَ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ: فَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّسْلِيمِ تَفْرِيغُهَا، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْغُنْيَةِ: ذِكْرُ الْبَائِعِ يُوهِمُ التَّقْيِيدَ بِهِ، وَأَمْتِعَةُ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ وَالْغَاصِبِ كَأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّفْرِيغُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ، وَقَالَ فِي التَّوَسُّطِ: قَوْلُهُ بِأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ مِثَالٌ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ عَنْ أَمْتِعَةِ الْمُشْتَرِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَأَغْرَبَ الإسنوي فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مَا عَدَاهُ، وَاغْتَرَّ بِهِ مَنْ شَرَحَ الْمِنْهَاجَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهَذَا تَخْلِيطٌ، وَلَمْ يَنْظُرْ قَوْلَهُ فِي السَّفِينَةِ مَشْحُونَةً بِالْقُمَاشِ وَهُوَ يَشْمَلُ قُمَاشَ الْبَائِعِ وَغَيْرَهُ - انْتَهَى، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُ ابن المقري فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ: بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ مَتَاعٍ فَنَكَّرَهُ لِيَعُمَّ مَتَاعَ الْبَائِعِ وَغَيْرَهُ، إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَنَعُودُ إِلَى مَسْأَلَتِنَا فَالْقَبْضُ فِي الرَّهْنِ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ مَشْغُولًا بِأَمْتِعَةِ الرَّاهِنِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا شَكٍّ أَوِ الْمُرْتَهِنِ صَحَّ بِلَا شَكٍّ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ وَنَحْوِهِ، فَعَلَى جَعْلِهِ قَيْدًا يَصِحُّ وَعَلَى جَعْلِهِ مِثَالًا لَا يَصِحُّ، وَأَمْتِعَةُ الْمُعْتَدَّةِ لَيْسَتْ كَالْمَالِكِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ بَلْ كَالْمُسْتَأْجِرِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي بَيْعِ الدَّارِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِسُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ، وَالظَّاهِرُ فِي الْمُسْتَأْجِرِ وَنَحْوِهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ.
стр. 123
مَسْأَلَةٌ:
مَاذَا تَقُولُونَ لَا زَالَ الزَّمَانُ بِكُمْ ... زَاهٍ وَعِلْمُكُمُ فِي الْأَرْضِ مُنْتَشِرَا
فِي مُسْلِمٍ أَسْلَمَ الذِّمِّيَّ تَوْثِقَةً ... فِي الدَّيْنِ رَهْنًا عَلَى حَقٍّ بِغَيْرِ مِرَا
فَضَاعَ لَيْلًا مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي سُرِقَتْ ... حَاجَاتُهُ ثُمَّ شَاعَ الْقَوْلُ وَاشْتَهَرَا
فَخَاصَمَ الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ مُدَّعِيًا ... بِرَهْنِهِ عِنْدَ قَاضٍ شَافِعِي ذَكَرَا
فَأَلْزَمَ الْحَاكِمُ الذِّمِّيَّ مُعْتَمِدًا ... مَا لَمْ يَقُلْهُ إِمَامٌ كَانَ مُعْتَبَرَا
هَلْ حُكْمُهُ بَاطِلٌ يَا ذَا الْعُلُومِ وَهَلْ ... لِلشَّافِعِيَّةِ نَقْلٌ بِالَّذِي صَدَرَا؟
جُوزِيتُمُ بِنَعِيمٍ فِي الْجِنَانِ غَدًا ... عِنْدَ الْإِلَهِ الَّذِي لِلْعَالَمِينَ بَرَا
ثُمَّ الصَّلَاةُ وَتَسْلِيمُ الْإِلَهِ عَلَى ... طَهَ الْحَبِيبِ وَمَنْ وَالَاهُ أَوْ نَصَرَا
مَا لَاحَ بَرْقٌ وَمَا نَاحَتْ مُطَوَّقَةٌ ... عَلَى الْغُصُونِ وَهَبَّتْ نَسْمَةٌ سَحَرَا
الْجَوَابُ:
أَقُولُ مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللَّهِ جَلَّ عَلَى ... إِنْعَامِهِ وَأَجَلَّ الْحَمْدَ مَنْ شَكَرَا
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ مَنْ ... عَمَّتْ رِسَالَتُهُ مَنْ جَاءَ أَوْ غَبَرَا
إِنْ يُسْرَقِ الرَّهْنُ مِنْ حِرْزٍ يَلِيقُ فَلَا ... ضَمَانَ يَلْزَمُ مَنْ ذَا فِي يَدَيْهِ جَرَى
وَقَوْلُهُ بِيَمِينٍ مِنْهُ نَقْبَلُهُ ... وَلَمْ يُكَلَّفْ بَيَانًا فَهْوَ مَا ظَهَرَا
وَإِنْ يُقَصِّرْ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي سَكَنِ ... حِرْزٍ يَلِيقُ بِهِ يَضْمَنُهُ مُعْتَبَرَا
قَدْ خَطَّ مُعْتَمِدًا أَحْكَامَ مَذْهَبِهِ ... هَذَا جَوَابُ ابن الاسيوطي مُسْتَطَرَا
[بَابُ الصُّلْحِ]
مَسْأَلَةٌ: زُقَاقٌ غَيْرُ نَافِذٍ بِهِ بُيُوتٌ وَعَلَى كَتِفِهِ مَخْزَنٌ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْبُيُوتِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الزُّقَاقِ بَابًا يَصُونُ بِهِ بُيُوتَهُ وَيَبْنِي عَلَى الْبَابِ طَبَقَةً فَهَلْ لِصَاحِبِ الْمَخْزَنِ مَنْعُهُ؟ .
الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ بَابُ الْمَخْزَنِ دَاخِلَ الزُّقَاقِ فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ بِنَاءِ بَابٍ وَطَبَقَةٍ عُلْوَهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَصِيرُ بَابُ الْمَخْزَنِ دَاخِلَ الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ الْبَابُ يُبْنَى دَاخِلًا بِحَيْثُ يَصِيرُ بَابُ الْمَخْزَنِ خَارِجَهُ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلَانِ لَهُمَا مَنْزِلٌ مُشْتَرَكٌ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ لِآخَرَ وَلِلْمُشْتَرِي بِجِوَارِهِ مَنْزِلٌ، فَجَدَّدَ عِمَارَةَ مَنْزِلِهِ وَأَضَافَ لَهُ قِطْعَةً مِنَ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْمُهُ أَوْ قِيمَةُ نِصْفِ الْقِطْعَةِ؟ .
стр. 124
الْجَوَابُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَسَّمَ فَإِنْ خَرَجَ لَهُ الشِّقُّ الَّذِي فِيهِ الْبِنَاءُ اخْتَصَّ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا خُيِّرَ شَرِيكُهُ بَيْنَ الْقَلْعِ بِلَا غُرْمٍ وَبَيْنَ الْإِبْقَاءِ بِالْأُجْرَةِ.
[بَابُ الْحَوَالَةِ]
مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ جَبَى بِالْأَمَانَةِ رَيْعَ وَقْفٍ بِإِذْنِ نَاظِرٍ شَرْعِيٍّ وَصَرَفَ ذَلِكَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ، وَالْعِمَارَةُ بِإِذْنِهِ وَفَضَلَ لَهُ شَيْءٌ، وَمِنَ الْوَقْفِ حَمَّامٌ تَجَمَّدَ عَلَى مُسْتَأْجِرِهَا مِنْ أُجْرَتِهَا شَيْءٌ فَأَحَالَ النَّاظِرُ الْجَابِيَ عَلَيْهِ بِمَا فَضَلَ لَهُ فَهَلْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْيِينِ جِهَةٍ لِلدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ عَلَى الْوَقْفِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَحَالَ رَجُلًا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى آخَرَ ثُمَّ تَقَايَلَا أَحْكَامَ الْحَوَالَةِ وَمَاتَ الْمُحْتَالُ فَادَّعَى وَارِثُهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالْمَبْلَغِ الْمُحَالِ بِهِ وَقَبَضَهُ مِنْهُ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ .
الْجَوَابُ: الْمَنْقُولُ عَنِ الرافعي أَنَّهُ جَزَمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِقَالَةِ فِي الْحَوَالَةِ وَإِنْ كَانَ البلقيني حَكَى عَنِ الخوارزمي فِيهَا خِلَافًا وَصَحَّحَ الْجَوَازَ، فَعَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الرافعي يَكُونُ مَا قَبَضَهُ وَارِثُ الْمُحْتَالِ مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ صَحِيحًا وَاقِعًا مَوْقِعَهُ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: شَخْصٌ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ بِهِ ضَمَانٌ أَحَالَ بِهِ شَخْصًا عَلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ وَالضَّامِنِ فَهَلِ الْحَوَالَةُ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا صَحَّتْ فَهَلْ يُطَالَبُ الْأَصِيلُ عَلَى انْفِرَادِهِ أَوِ الضَّامِنُ أَوْ هُمَا مَعًا.
الْجَوَابُ: هَذِهِ الْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ فَإِنَّ الرافعي والنووي حَكَيَا فِي صِحَّتِهَا وَجْهَيْنِ وَلَمْ يُرَجِّحَا شَيْئًا، وَصَحَّحَ البلقيني الْبُطْلَانَ وَوَجْهُهُ كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ وَاحِدٍ فَلَا يَسْتَفِيدُ بِالْحَوَالَةِ زِيَادَةَ صِفَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلِ دَيْنٌ فَمَاتَ الدَّائِنُ وَلَهُ وَرَثَةٌ فَأَخَذَ الْأَوْصِيَاءُ مِنَ الْمَدِينِ بَعْضَ الدَّيْنِ وَأَحَالَهُمْ عَلَى آخَرَ بِالْبَاقِي فَقَبِلُوا الْحَوَالَةَ وَضَمِنُوا آخَرَ فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَهَلْ لَهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: يُطَالِبُونَ الضَّامِنَ وَتَرِكَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ إِفْلَاسُهُمَا بَانَ فَسَادُ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ لِلْأَيْتَامِ فَيَرْجِعُونَ عَلَى الْمُحِيلِ.
стр. 125
[بَابُ الضَّمَانِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَئِمَّتُنَا فِيمَنْ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ دَيْنَهُ وَهُوَ عَشَرَةٌ فَصَالَحَ الْمَأْذُونُ رَبَّ الدَّيْنِ مِنْهَا عَلَى نِصْفِهَا أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْعَشَرَةِ، وَلَوْ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَبْرَأَ مِنْ خَمْسَةٍ وَقَبَضَ خَمْسَةً رَجَعَ الْمَأْذُونُ بِخَمْسَةٍ فَقَطْ، وَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الصُّلْحَ مِنَ الدَّيْنِ عَلَى بَعْضِهِ إِبْرَاءٌ لِبَاقِيهِ، فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ صُلْحِ حَطِيطَةٍ إِبْرَاءً مِنَ الْبَاقِي، وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ إِبْرَاءٍ وَإِبْرَاءٍ بِفَرْقٍ يُعْقَلُ مَعْنَاهُ.
الْجَوَابُ: قَوْلُ السَّائِلِ فِي صُورَةِ الصُّلْحِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِعَشَرَةٍ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الرَّوْضَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا أَنَّ الْمَأْذُونَ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِخَمْسَةٍ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الصُّورَتَانِ فِي أَنَّ صُورَةَ الصُّلْحِ يَبْرَأُ فِيهَا الضَّامِنُ وَالْأَصِيلُ مِنَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ، وَصُورَةُ الْإِبْرَاءِ لَا يَبْرَأُ فِيهَا مِنَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ إِلَّا الضَّامِنُ فَقَطْ وَيَبْقَى الْأَصِيلُ وَهَذَا هُوَ مَحَطُّ الْإِشْكَالِ فَانْقَلَبَ الْأَمْرُ عَلَى السَّائِلِ وَقَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ مَعْقُولٍ فَلْيُنْظَرْ مِنْ كَلَامِهِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ ضَمِنَ شَخْصًا بِإِذْنِهِ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا وَلِلْمَضْمُونِ الْمَدْيُونِ عِنْدَ الضَّامِنِ مَالٌ وَدِيعَةٌ فَقَالَ لَهُ: أَدِّ الْعِشْرِينَ مِمَّا عِنْدَكَ، ثُمَّ إِنَّهُ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي قَبْضِ الْوَدِيعَةِ، فَهَلْ لِلضَّامِنِ إِمْسَاكُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهَا الدَّيْنَ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ ضَمِنَ رَجُلًا فِي دَيْنٍ ثُمَّ مَاتَ الضَّامِنُ وَتَرَكَ وَرَثَةً أَخَذُوا مَا خَلَّفَهُ فَطَالَبَ الدَّائِنُ بَعْضَ الْوَرَثَةِ بِالدَّيْنِ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنَ الْمِيرَاثِ فَقَالَ: بَلْ يَلْزَمُكَ الْكُلُّ بِمُقْتَضَى أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي خَصَّهُ مِنَ الْإِرْثِ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الدَّيْنِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: إِنَّمَا يَلْزَمُهُ عَلَى قَدْرِ نِسْبَةِ مَالِهِ مِنَ الْإِرْثِ.
مَسْأَلَةٌ:
يَا مُنْشِئًا لِعُلُومٍ مَا سُبِقْتَ لَهَا ... يَا عَالِمَ الْزَمَنِ الْمَشْهُورِ كَالْعَلَمِ
مَاذَا جَوَابُكَ يَا بَحْرَ الْعُلُومِ وَيَا ... مُفْتِي الْأَنَامِ وَمُجْلِي حِنْدِسِ الظُّلَمِ
فِي رَبِّ دَيْنٍ عَلَى شَخْصٍ أَقَرَّ بِهِ ... مَعْ رُفْقَةٍ ضَمِنُوا فِي الْمَالِ وَالذِّمَمِ
стр. 126
أَحَالَ ذُو الْمَالِ شَخْصًا بِالْمُقِرِّ بِهِ
عَلَى الْأَصِيلِ وَضَمَانٍ بِجَمْعِهِمِ ... فَهَلْ لِمُحْتَالِ هَذَا الْمَالِ مِنْ طَلَبٍ
لِضَامِنٍ قَادِرٍ خَالٍ مِنَ الْعَدَمِ ... أَوْ لَا يُطَالِبُ ضَمَانًا لِمَا ضَمِنُوا
إِلَّا الْأَصِيلَ فَقَدْ بَيَّنَ شَفَا أَلَمِي؟ ... أَثَابَكَ اللَّهُ جَنَّاتٍ مُزَخْرَفَةً
بِجَاهِ خَيْرِ الْبَرَايَا أَشْرَفِ الْأُمَمِ
الْجَوَابُ:
اللَّهَ أَحْمَدُ حَمَدًا غَيْرَ مُنْفَصِمِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَبْعُوثِ لِلْأُمَمِ
مَا لِلَّذِي احْتَالَ إِنْ صَحَّحْتَ مِنْ طَلَبٍ ... إِلَّا الْأَصِيلَ فَقَطْ فَاحْكُمْ وَلَا تَجِمِ
وَلَا يُطَالِبُ ضَمَانًا بِمَا ضَمِنُوا ... فَالنَّقْلُ فِي ذَاكَ بَادٍ فِيهِ لِلْحَكَمِ
[بَابُ الْإِبْرَاءِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ الْإِبْرَاءِ
مَسْأَلَةٌ: أَبْرَأَكَ اللَّهُ هَلْ تَصِحُّ بِهَا الْبَرَاءَةُ؟ .
الْجَوَابُ: وَقَعَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنِ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ: أَنَّ " بَاعَكَ اللَّهُ، وَأَقَالَكَ اللَّهُ، وَزَوَّجَكَ اللَّهُ " كِنَايَةٌ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَذَكَرَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنِ العبادي أَنَّ طَلَّقَكِ اللَّهُ وَأَعْتَقَكَ اللَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ صَرِيحٌ، وَذَكَرَ البوشنجي أَنَّهُ كِنَايَةٌ قَالَ: وَقَوْلُ صَاحِبِ الدَّيْنِ لِلْغَرِيمِ أَبْرَأَكَ اللَّهُ كَقَوْلِ الزَّوْجِ طَلَّقَكِ اللَّهُ انْتَهَى، فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيْعِ تَصْحِيحُ مَقَالَةِ البوشنجي أَنَّ الْكُلَّ كِنَايَةٌ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ اسْتِدْرَاكُ مَقَالَةِ العبادي بِمَقَالَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ نَزَلَ لِآخَرَ عَنْ إِقْطَاعٍ وَالْتَزَمَ لَهُ أَنَّهُ إِذَا صَارَ اسْمُهُ فِي الدِّيوَانِ أَعْطَاهُ مِائَتَيْ دِينَارٍ، فَلَمَّا صَارَ اسْمُهُ فِي الدِّيوَانِ أَعْطَاهُ بَعْضَهَا، وَأَبْرَأَهُ مِنَ الْبَاقِي فَهَلْ تَصِحُّ؟ .
الْجَوَابُ: هَذَا الِالْتِزَامُ إِنْ كَانَ بِطَرِيقِ النَّذْرِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ الْآنَ فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ وَلَوْ تَرَاضَيَا؛ لِأَنَّ النَّذْرَ لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِمُعَيَّنٍ بِخِلَافِ سَائِرِ النُّذُورِ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، كَمَا لَوِ انْحَصَرَتْ صِفَةُ الِاسْتِحْقَاقِ فِي مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ هَذَا الِالْتِزَامُ لَا بِطَرِيقِ النَّذْرِ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ النُّزُولِ وَقُلْنَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ كَمَا اسْتَنْبَطَهُ السبكي مِنْ خَلْعِ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ تَصِحُّ كَمَا لِلْخَلْعِ.
стр. 127
[بَذْلُ الْهِمَّةِ فِي طَلَبِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اغْتَابَ رَجُلًا بِسَبٍّ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ قَذَفَهُ، أَوْ خَانَهُ فِي أَهْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ تَوْبَتُهُ وَرُجُوعُهُ إِلَى اللَّهِ وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَحَلُّلِهِ مِنْ ذَلِكَ وَذِكْرِهِ لَهُ مَا ظَلَمَهُ بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ؟ .
الْجَوَابُ: لَا بُدَّ مِنْ تَحَلُّلِهِ مِنْ ذَلِكَ وَذِكْرِهِ لَهُ مَا ظَلَمَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ، وَمَا لَمْ تَصِحَّ التَّوْبَةُ لَمْ يُكَفِّرِ الذَّنْبَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْآدَمِيِّ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ لِمَوْتٍ أَوْ نَحْوِهِ - هَذَا الَّذِي جَزَمْتُ بِهِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِنَقْلِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلِلْآثَارِ.
أَمَّا النَّقْلُ فَقَالَ الشَّيْخُ محيي الدين النووي فِي الْأَذْكَارِ، فِي بَابِ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهَا: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهَا، وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ يُشْتَرَطُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يُقْلِعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ، وَأَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا، وَأَنْ يَعْزِمَ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهَا، وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ يُشْتَرَطُ فِيهَا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ، وَرَابِعٌ وَهُوَ رَدُّ الظُّلَامَةِ إِلَى صَاحِبِهَا وَطَلَبُ عَفْوِهِ عَنْهَا، وَالْإِبْرَاءُ مِنْهَا، فَيَجِبُ عَلَى الْمُغْتَابِ التَّوْبَةُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الْغِيبَةَ حَقٌّ آدَمِيٌّ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِحْلَالِهِ مَنِ اغْتَابَهُ، وَهَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ قَدِ اغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ، أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ مَا اغْتَابَهُ بِهِ؟
فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِهِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالٍ مَجْهُولٍ، وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُتَسَامَحُ فِيهِ وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْمَحُ بِالْعَفْوِ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا فَقَدْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، لَكِنْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ وَالدُّعَاءَ وَيُكْثِرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ - هَذَا كَلَامُ النووي بِحُرُوفِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تقي الدين السبكي فِي تَفْسِيرِهِ: قَدْ وَرَدَ فِي الْغِيبَةِ تَشْدِيدَاتٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهَا أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الزَّانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالْغَائِبُ لَا يُتَابُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَحِلَّ مِنَ الْمَغِيبِ، رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، قَالَ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كُلِّهَا، فَفِي الْغِيبَةِ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ هَتْكُ الْأَعْرَاضِ وَانْتِقَاصُ الْمُسْلِمِينَ وَإِبْطَالُ الْحُقُوقِ بِمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَإِيقَاعُ الشَّحْنَاءِ وَالْعَدَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا تَقُولُ فِي حَدِيثِ كَفَّارَةِ الِاغْتِيَابِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ
стр. 128
لِمَنِ اغْتَبْتَهُ؟ قُلْتُ: فِي سَنَدِهِ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَوَاعِدُ الْفِقْهِ تَأْبَاهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ فَلَا يَسْقُطُ إِلَّا بِالْإِبْرَاءِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَ وَتَعَذَّرَ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يَسْتَغْفِرُ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ حَسَنَاتٌ عَسَى أَنْ يَعْدِلَ مَا احْتَمَلَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ وَأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِعَفْوِهِ عَنْهُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْقُطَ أَيْضًا، نَعَمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا إِذَا تَحَقَّقَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ، وَعَجَزَ عَنِ التَّحَلُّلِ مِنْهُ بِمَوْتٍ وَنَحْوِهِ، يَكْفِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْآثَارُ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الصَّمْتِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، والأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا " قِيلَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: "الرَّجُلُ يَزْنِي ثُمَّ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهُ» "، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّوْبَةِ مِنَ الْفِرْيَةِ فَقَالَ: تَمْشِي إِلَى صَاحِبِكَ فَتَقُولُ: كَذَبْتُ بِمَا قُلْتُ لَكَ وَظَلَمْتُ وَأَسَأْتُ، فَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتَ بِحَقِّكَ وَإِنْ شِئْتَ عَفَوْتَ، وَأَخْرَجَ الأصبهاني عَنْ عائشة بنت طلحة قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ عائشة أم المؤمنين وَعِنْدَهَا أَعْرَابِيَّةٌ، فَخَرَجَتِ الْأَعْرَابِيَّةُ تَجُرُّ ذَيْلَهَا فَقَالَتْ بِنْتُ طلحة: مَا أَطْوَلَ ذَيْلَهَا، فَقَالَتْ عائشة: اغْتَبْتِهَا أَدْرِكِيهَا تَسْتَغْفِرْ لَكِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ خِيَانَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، وأبو داود، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ بريدة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ رَجُلٍ يَخْلُفُ رَجُلًا فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلَّا نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيلَ لَهُ هَذَا قَدْ خَانَكَ فِي أَهْلِكَ فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ حَتَّى يَرْضَى أَتَرَوْنَ يَدَعُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا» " هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ، فَمَنْ خَانَ رَجُلًا فِي أَهْلِهِ بِزِنًا أَوْ غَيْرِهِ، فَقَدْ ظَلَمَ الزَّوْجَ وَتَعَلَّقَ لَهُ بِهِ حَقٌّ يُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، لَا مَحَالَةَ بِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا حَقٌّ آدَمِيٌّ لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْهُ إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ، وَمِنْهَا اسْتِحْلَالُهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ النووي، ثُمَّ أَقُولُ: لَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ تَبِعَةٌ وَلَا ضَرَرٌ، بِأَنْ يَكُونَ أَكْرَهَهَا عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا كَمَا وَصَفْنَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِأَنْ تَكُونَ مُطَاوِعَةً فَهَذَا قَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَاعٍ فِي إِزَالَةِ ضَرَرِهِ فِي الْآخِرَةِ بِضَرَرِ الْمَرْأَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسُوغَ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِخْبَارُهُ بِهِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى بَقَاءِ ضَرَرِهِ
стр. 129
فِي الْآخِرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا، وَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ إِذَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ حُسْنَ النِّيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَلَّفَ الْإِخْبَارَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَكِنْ يَذْكُرُ مَعَهُ مَا يَنْفِي الضَّرَرَ عَنْهَا، بِأَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا، وَيَجُوزَ الْكَذِبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ عِنْدِي.
وَلَوْ خَافَ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عُذْرًا؛ لِأَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ بِضَرَرِ الدُّنْيَا مَطْلُوبٌ، وَقَدْ أَقَرَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالزِّنَا لِيُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ فَيَطْهُرُوا، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ وَالسِّتْرُ فِيهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْلَى فَكَيْفَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُعْذَرُ بِذَلِكَ وَيُرْجَى مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ خَصْمُهُ إِذَا عَلِمَ حُسْنَ نِيَّتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي الْغِيبَةِ وَالزِّنَا وَنَحْوِهِمَا أَنْ يَعْفُوَ إِلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَلَهُ بَذْلُهُ سَعْيًا فِي خَلَاصِ ذِمَّتِهِ وَالْغِبْطَةُ فِي ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ فِي فَضْلِ التَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ: وَأَمَّا الْحُرْمَةُ بِأَنْ خُنْتَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِحْلَالِ وَالْإِظْهَارِ؛ فَإِنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وَغَيْظًا بَلْ تَفْزَعُ إِلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - لِيُرْضِيَهُ عَنْكَ وَيَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَإِنْ أَمِنْتَ الْفِتْنَةَ وَالْهَيْجَ، وَهُوَ نَادِرٌ فَتَسْتَحِلُّ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَا أَمْكَنَكَ مِنْ إِرْضَاءِ الْخُصُومِ عَمِلْتَ وَمَا لَمْ يُمْكِنْكَ رَاجَعْتَ اللَّهَ بِالتَّضَرُّعِ [وَالِابْتِهَالِ] وَالصِّدْقِ؛ لِيُرْضِيَهُ عَنْكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالرَّجَاءِ مِنْهُ بِفَضْلِهِ الْعَظِيمِ، وَإِحْسَانِهِ الْعَمِيمِ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الصِّدْقَ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُرْضِي خُصَمَاءَهُ مِنْ جَزِيلِ فَضْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ انْتَهَى.
[بَابُ الشَّرِكَةِ]
مَسْأَلَةٌ: جَمَاعَةٌ اشْتَرَكُوا فِي مَالٍ وَاشْتَرَوْا بِهِ قَصَبًا وَقُلْقَاسًا قَائِمًا عَلَى أُصُولِهِ ثُمَّ جَاءَ جَمَاعَةٌ أُخَرُ وَوَافَقُوهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْضُرُوهُ وَلَا وَزَنُوا شَيْئًا مِنَ الثَّمَنِ ثُمَّ عَمِلُوا فِي قَلْعِ الْقَصَبِ وَالْقُلْقَاسِ أَيَّامًا فَهَلِ الشَّرِكَةُ الثَّانِيَةُ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا فَسَدَتْ فَهَلْ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الْعَمَلِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الشَّرِكَةُ الثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِذَا عَمِلُوا فِي الْقَصَبِ وَالْقُلْقَاسِ عَلَى مُسَمًّى فَاسِدٍ
стр. 130
فَلَهُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَشِرَاءُ الْقُلْقَاسِ وَهُوَ مَدْفُونٌ فِي الْأَرْضِ بَاطِلٌ، وَكَذَا الْقَصَبُ فِي الْأَرْضِ إِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِقِشْرِهِ، وَإِلَّا يَصِحُّ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ يُسَمَّى عُثْمَانُ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِينَارًا فَأَقْرَضَ مِنْهَا خَمْسِينَ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرَ الدِّينِ، وَشَارَكَهُ بِالْمِائَةِ الْبَاقِيَةِ وَجَلَسَا فِي دُكَّانٍ وَاشْتَرَيَا قُمَاشًا بِالْمَالِ وَصَارَا يَتَصَرَّفَانِ مَعًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَيَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُمَا حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا، ثُمَّ تَفَاسَخَا الشَّرِكَةَ وَأَخَذَ عُثْمَانُ الْقُمَاشَ بِأَسْرِهِ وَدَفَعَ لِبَدْرِ الدِّينِ خَمْسِينَ دِينَارًا عَنْ حِصَّتِهِ فِي الْقُمَاشِ فَادَّعَى بَدْرُ الدِّينِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ فِي مُدَّةِ الشَّرِكَةِ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ، وَأَنَّ حِصَّتَهُ مِنْهُ بَاقِيَةٌ، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ عُثْمَانُ دَفَعَ لِبَدْرِ الدِّينِ الْخَمْسِينَ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ حِصَّتِهِ مِنَ الْقُمَاشِ، فَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ شِرَائِهَا، فَإِنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ الْبَيْعِ مِنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْعِلْمِ بِالْأَعْيَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَى بِرِبْحٍ سَابِقٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ فِي الْحِصَّةِ الَّتِي بَاعَهَا وَقَدْ رَضِيَ فِيهَا بِهَذَا الثَّمَنِ سَوَاءٌ كَانَ قَدْرَ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ، هَذَا إِنْ صَدَّقَ عَلَى الْبَيْعِ، فَإِنْ أَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَالشَّرِكَةُ بَاقِيَةٌ فِي الْأَمْتِعَةِ وَيَرُدُّ الْخَمْسِينَ دِينَارًا مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ شُرُوطُ الْبَيْعِ فَالشَّرِكَةُ بَاقِيَةٌ فِي الْأَمْتِعَةِ - أَعْنِيَ شَرِكَةَ الْمِلْكِيَّةِ - وَإِنْ كَانَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ قَدِ انْفَسَخَ وَالْخَمْسُونَ دِينَارًا قَبَضَهَا بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ فَيَرُدُّهَا وَلَهُ حِصَّتُهُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إِلَى دَعْوَى رِبْحٍ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِالْأَمْتِعَةِ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ عُثْمَانَ اسْتَبَدَّ بِرِبْحٍ أَخَذَهُ دُونَهُ، وَأَنْكَرَ عُثْمَانُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ عُثْمَانَ بِيَمِينِهِ.
[بَابُ الْوَكَالَةِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ وَكَّلَ إِنْسَانًا فِي أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ فِي قَمْحٍ فَفَعَلَ وَضَمِنَ الْمُسَلَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَهَلْ تَصِحُّ دَعْوَى الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ بِالْقَمْحِ وَعَلَى ضَامِنِهِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُوَكِّلِ بِالضَّمَانِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ لِلْمُوَكِّلِ الدَّعْوَى عَلَى الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ وَالضَّامِنِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْوَكِيلِ لَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ عَزْلِهِ لَمْ تُقْبَلْ وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ خَاصَمَ وَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ قُبِلَتْ.
стр. 131
[بَابُ الْإِقْرَارِ]
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ لِفُلَانٍ عِنْدِي أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ كَمْ يَلْزَمُهُ؟ .
الْجَوَابُ: مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَعْضُ دِرْهَمٍ وَهُوَ قَدْرُ مَا يُتَمَوَّلُ مِنَ الدَّرَاهِمِ.
مَسْأَلَةٌ: مَرِيضُ صَدْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ مُبَارَأَةٌ مَا عَدَا حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ وَلَمْ يَسْتَفْسِرُوهُ عَنْ مُرَادِهِ بِالْحُقُوقِ فَهَلْ تَدْخُلُ كِسْوَتُهَا فِي لَفْظِ الْحُقُوقِ، أَوْ تُحْمَلُ عَلَى حَالِّ الصَّدَاقِ وَمُنَجَّمِهِ فَقَطْ؟ وَهَلْ يَنْفَعُ قَوْلُ الْمَرِيضِ لِغَيْرِ الشُّهُودِ قَبْلَ مَوْتِهِ: لَيْسَ لِزَوْجَتِي عِنْدِي سِوَى حَالِّ الصَّدَاقِ وَمُنَجَّمِهِ؟
الْجَوَابُ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي أَصْلِهَا شَامِلَةٌ لِكُلِّ حَقٍّ لِلزَّوْجَةِ مِنْ صَدَاقٍ وَكِسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِهَا إِرَادَةُ جَمِيعِ مَدْلُولَاتِهَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَأَرَادَ بَعْضَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِذَا أَخْبَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا عِنْدَهُ سِوَى الْحَالِّ وَالْمُنَجَّمِ نَفَعَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْإِقْرَارِ.
[بَابُ الْغَصْبِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ الْغَصْبِ
مَسْأَلَةٌ: سَيِّدٌ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ ثُمَّ غَصَبَهُ غَاصِبٌ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ عِنْدَهُ، فَمَاذَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ؟
الْجَوَابُ: مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ هَلَاكَهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْغَصْبِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ ذِمِّيٌّ نَهَى مُسْلِمًا عَنْ مُنْكَرٍ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ مَرَاتِبُ، مِنْهَا الْقَوْلُ كَقَوْلِهِ: لَا تَزْنِ مَثَلًا، وَمِنْهَا الْوَعْظُ كَقَوْلِهِ: اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ الزِّنَا حَرَامٌ وَعُقُوبَتَهُ شَدِيدَةٌ، وَمِنْهَا السَّبُّ وَالتَّوْبِيخُ وَالتَّهْدِيدُ كَقَوْلِهِ: يَا فَاسِقُ يَا مَنْ لَا يَخْشَى اللَّهَ لَئِنْ لَمْ تُقْلِعْ عَنِ الزِّنَا لَأَرْمِيَنَّكَ بِهَذَا السَّهْمِ، وَمِنْهَا الْفِعْلُ كَرَمْيِهِ بِالسَّهْمِ مَنْ أَمْسَكَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً لِيَزْنِيَ بِهَا، وَكَكَسْرِهِ آلَاتِ الْمَلَاهِي وَإِرَاقَةِ أَوَانِي الْخُمُورِ، وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ الْأَرْبَعَةُ لِلْمُسْلِمِ، وَلَيْسَ لِلذِّمِّيِّ مِنْهَا سِوَى الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ دُونَ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا وِلَايَةً وَتَسَلُّطًا لَا يَلِيقَانِ بِالْكَافِرِ، وَأَمَّا الْأُولَيَانِ فَلَيْسَ فِيهِمَا ذَلِكَ بَلْ هُمَا مُجَرَّدُ فِعْلِ خَيْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الأسنوي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّ فِي حِفْظِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَافِرِ
стр. 132
إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ - يَعْنِي بِالْفِعْلِ - وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ، وَكَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ نُصْرَةٌ لِلدِّينِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ جَاحِدٌ لِأَصْلِ الدِّينِ وَعُدُولِهِ، ثُمَّ قَالَ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ مَا نَصُّهُ: فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ الذِّمِّيِّ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا رَآهُ يَزْنِي؟ قُلْنَا: إِنْ مَنَعَ الْمُسْلِمَ بِفِعْلِهِ فَهُوَ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ فَنَمْنَعُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَسَلُّطٌ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: لَا تَزْنِ فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الزِّنَا بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِذْلَالٌ لِلْمُسْلِمِ إِلَى أَنْ قَالَ بَلْ نَقُولُ: إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا لَمْ يَقُلْ لِلْمُسْلِمِ لَا تَزْنِ، يُعَاقَبُ عَلَيْهِ إِنْ رَأَيْنَا خِطَابَ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ.
[هَدْمُ الْجَانِي عَلَى الْبَانِي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاضِي الْقُضَاةِ علم الدين البلقيني إِجَازَةً عَنْ أبي إسحاق التنوخي، عَنِ القاسم بن مظفر أَنَّ عبد الرحيم بن تاج الأمناء، أَخْبَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْأَكْفَانِيِّ، أَنَا أبو محمد الحسن بن علي بن عبد الصمد الكلاعي أَنَا تَمَّامُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أبو الحسن علي بن شيبان الدينوري، أَخْبَرَنِي محمد بن عبد الرحمن الدينوري، عَنْ رَجُلٍ أَظُنُّهُ الربيع بن سليمان، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: إِنَّ الْعَالِمَ لَا يُمَارِي وَلَا يُدَارِي يَنْشُرُ حِكْمَةَ اللَّهِ فَإِنْ قُبِلَتْ حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ، وَبَعْدُ فَقَدْ رُفِعَ إِلَيَّ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ خَرِبَةً بِجِوَارِ مَسْجِدٍ وَبَنَى بِهَا مَخَازِنَ ثُمَّ إِنَّهُ قَصَرَهَا عَلَى سُكْنَى مَنْ يُعِدُّهَا لِلْفَسَادِ فَيَسْكُنُ فِيهَا جَمَاعَةٌ بَعْضُهُمْ عُزَّابٌ، وَبَعْضُهُمْ مُتَزَوِّجُونَ وَعِيَالُهُمْ بِمَسْكَنٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا يُعِدُّونَ هَذَا الْمَسْكَنَ لِيَخْتَلُوا فِيهِ لِلْفَسَادِ، وَأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ يَجْتَمِعُ فِيهِ كُلَّ يَوْمِ ثُلَاثَاءَ خَلْقٌ كَثِيرُونَ، يَأْتُونَهُ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ مِنْ نِسَاءٍ وَرِجَالٍ وَشَبَابٍ مُرْدٍ فَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ جَمَاعَةٌ يُبَاشِرُونَ الزِّنَا وَاللِّوَاطَ، وَيَتَأَخَّرُ جَمَاعَةٌ يَنْتَظِرُونَ انْتِهَاءَ النَّوْبَةِ إِلَيْهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ بِالدِّهْلِيزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ بِالطَّرِيقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ رُؤِيَ رَجُلٌ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ صَبِيٌّ يَلُوطُ بِهِ، وَصَارَ ذَلِكَ مَشَاعًا فِي تِلْكَ الْخُطَّةِ وَصَارَ الْمَكَانُ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ بِحَيْثُ يُقْصَدُ مِنْ أَمْكِنَةٍ بَعِيدَةٍ لِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَبِجِوَارِ هَذَا الْمَكَانِ الْخَبِيثِ رَجُلٌ مُبَارَكٌ يَقُومُ فِي إِنْكَارِ مَا يَرَاهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، فَرَاجَعَ صَاحِبَ الْبَيْتِ فِي إِخْلَائِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَتَسْكِينِ مَنْ هُوَ عَلَى
стр. 133
سِيرَةٍ حَمِيدَةٍ فَأَبَى بَعْدَ طُولِ الْمُرَاجَعَةِ سِنِينَ رَغْبَةً فِي زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لَهُ: هَذِهِ أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنْ أَخْلَى اللَّهُ الْمَكَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِعَوَارِضَ طَرَأَتْ لَهُمْ ثُمَّ زَالَتْ تِلْكَ الْعَوَارِضُ فَعَادُوا لِيَسْكُنُوا عَلَى مِنْوَالِهِمْ، فَجَاءَنِي ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُبَارَكُ وَشَكَا إِلَيَّ هَذَا الْأَمْرَ فَقُلْتُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ الْمَكَانِ، وَقُلْ لَهُ: إِنْ لَمْ يُخْلِ هَؤُلَاءِ مِنْهُ أَفْتَيْتُ بِهَدْمِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ السَّاكِنِينَ ثَمَّ رَجُلٌ جَهْلُهُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ، وَمَقَامُهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الْكَلَامُ قَالَ: هَذَا لَيْسَ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَذَهَبَ إِلَى الشَّيْخِ شمس الدين الياني فَاسْتَفْتَاهُ فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ لَا يُهْدَمُ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِهَدْمِهِ يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ، ثُمَّ جَاءَ بِهَذِهِ الْفَتْوَى وَصَارَ يَجْلِسُ عَلَى الدَّكَاكِينِ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَقُولُ: فُلَانٌ مُجَازِفٌ فِي دِينِ اللَّهِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عُصْبَةٌ مِنْ نَمَطِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَفْتَى بِهِ - يَعْنِي قَوْلِي بِالْهَدْمِ - خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَآخَرُ يَقُولُ: هَذَا جَاءَ بِهِ مِنْ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، وَصَارَ كُلٌّ مِنَ الْجُهَّالِ يَرْمِي بِكَلَامٍ فَأَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ (رَفْعَ مَنَارِ الدِّينِ وَهَدْمَ بِنَاءِ الْمُفْسِدِينَ) وَهَذَا الْكِتَابُ مُخْتَصَرٌ مِنْهُ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ.
فَأَقُولُ: أَمَّا مَا تَلَفَّظَ بِهِ الْجُهَّالُ، فَإِنَّ كَلَامَ الْجَاهِلِينَ لَا يُعْبَأُ بِهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ الياني فَإِنَّهُ قَدْ كُتِبَ فِي صَحِيفَةِ عَمَلِهِ وَطُبِعَ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ وَسَوْفَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الصِّرَاطِ فَيَقْرَؤُهُ وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَتِهِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ جَاهٌ وَلَا تَعَصُّبٌ، وَأَمَّا الَّذِي أَفْتَيْتُ أَنَا بِهِ فَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، وَثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ وَالْمُلُوكُ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَهَا أَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ.
[ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ]
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقُ بِرِجَالٍ مَعِي مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» " اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُمْ عطاء، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وداود، وَأَبُو ثَوْرٍ، وابن المنذر، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ - الْأَرْبَعَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالْجَوَابُ عَنِ
стр. 134
الْهَمِّ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِهِمْ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّ هَذَا وَرَدَ فِي قَوْمٍ مُنَافِقِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُصَلُّونَ فُرَادَى قَالَ: وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ، قُلْتُ: إِذَا تَأَمَّلَ الْمُنْصِفُ هَذَا الْكَلَامَ عَرَفَ مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَائِلٌ بِجَوَازِ الْعُقُوبَةِ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ سِوَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَقَالَ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ، وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ فَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْحَدِيثِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ أَيْضًا قَائِلُونَ بِجَوَازِ تَحْرِيقِ الْبُيُوتِ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الرافعي فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ: اللَّفْظُ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْإِحْرَاقِ لِلتَّخَلُّفِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ طَائِفَةً مَخْصُوصِينَ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَخَلَّفُونَ، فَأَمَّا مُطْلَقُ التَّخَلُّفِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الزَّجْرَ بِالْإِحْرَاقِ قَالَ: وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْأُمِّ بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ: فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ مِنْ هَمِّهِ بِالْإِحْرَاقِ إِنَّمَا قَالَهُ فِي قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِنِفَاقٍ، وَقَالَ ابن فرحون المالكي: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هُوَ فِي الْمُؤْمِنِينَ أَوِ الْمُنَافِقِينَ؟ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: «ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ» " وَالْمُنَافِقُونَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ قَالَ: وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ "لَقَدْ هَمَمْتُ " تَقْدِيمُ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ إِذَا ارْتَفَعَتْ وَانْدَفَعَتْ بِالْأَخَفِّ مِنَ الزَّوَاجِرِ لَمْ يُعْدَلْ إِلَى الْأَعْلَى انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ أبو الفضل بن حجر فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ، لَا نِفَاقُ الْكُفْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أبي داود: " «ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ» " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِفَاقَهُمْ نِفَاقُ مَعْصِيَةٍ، لَا كُفْرٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَإِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ القرطبي، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ التَّهْدِيدُ بِالتَّحْرِيقِ الْمَذْكُورِ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي حَقِّ تَارِكِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَشْرُوعِيَّةِ قِتَالِهِمْ، وَقَالَ ابن دقيق العيد فِي الْحَدِيثِ إِنَّهُ ﷺ لَا يَهُمُّ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لَوْ فَعَلَهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَرَكَ، وَلَمْ يَفْعَلْ فَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُمُ انْزَجَرُوا بِذَلِكَ، وَتَرَكُوا التَّخَلُّفَ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِسَبَبِهِ، قَالَ الحافظ ابن حجر: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بَيَانُ سَبَبِ التَّرْكِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أحمد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ؛ لَأَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحَرِّقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ» " فَهَذَا كَلَامُ الْأَئِمَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ
стр. 135
فَمَنْ بَعْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ: التَّحْرِيقُ بِالنَّارِ مَنْسُوخٌ، قُلْنَا: فِي الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ فَقَطْ، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا فِي بَابِ السِّيَرِ عَلَى جَوَازِ تَحْرِيقِ شَجَرِ الْكُفَّارِ وَهَدْمِ بِنَائِهِمْ إِذَا دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أسامة بن زيد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» " وَأَخْرَجَ أحمد، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَجِيرِ فَلَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفُّ وَالصَّفَّانِ، وَالنَّاسُ فِي قَايِلَتِهِمْ وَتِجَارَتِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» "، وَأَخْرَجَ أحمد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِي الْقَوْمِ رُفْقَةً فَقَالَ: "إِنِّي لَأَهُمُّ أَنْ أَجْعَلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ثُمَّ أَخْرُجَ فَلَا أَقْدِرُ عَلَى إِنْسَانٍ يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَحْرَقْتُهُ عَلَيْهِ» " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ أَنْصَرِفَ إِلَى قَوْمٍ سَمِعُوا النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِيبُوا فَأُضْرِمَهَا عَلَيْهِمْ نَارًا» " وَأَخْرَجَ الحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى قَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» " وَأَخْرَجَ ابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالك بن الدخشم فَقَالَ: اخْرُجْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ فَقَالَ مالك لعاصم: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ فَأَخَذَ سَعَفَاتٍ مِنْ نَارٍ، وَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتَّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ، وَفِيهِ أَهْلُهُ فَحَرَّقُوهُ وَهَدَمُوهُ وَخَرَجَ أَهْلُهُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ» " وَأَخْرَجَ ابن إسحاق، وابن مردويه، عَنْ أبي رهم كلثوم بن الحصين، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ: " «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالك بن الدخشم، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا عاصم بن عدي فَقَالَ: انْطَلَقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَأَحْرِقَاهُ فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ فَقَالَ مالك لمعن: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ فَدَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ وَأَخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا ثُمَّ خَرَجَا يَشْتَدَّانِ حَتَّى أَتَيَا الْمَسْجِدَ، وَفِيهِ أَهْلُهُ فَحَرَّقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ» " وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابن إسحاق، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: " «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ، وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ قَدْ أَتَوْهُ وَهُوَ مُتَجَهِّزٌ إِلَى تَبُوكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلَّةِ فِي الْحَاجَةِ، وَاللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، وَاللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ
стр. 136
وَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنَا فَتُصَلِّيَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ: إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغُلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا أَتَيْنَاكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ - بَلَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ - وَأَتَاهُ خَبَرُ الْمَسْجِدِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أَوْ أَخَاهُ عاصم بن عدي أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ فَقَالَ: انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ مالك لمعن: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي فَدَخَلَ أَهْلَهُ فَأَخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا ثُمَّ خَرَجَا يَشْتَدَّانِ حَتَّى دَخَلَا الْمَسْجِدَ، وَفِيهِ أَهْلُهُ فَحَرَّقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نَزَلَ» "، وَأَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ محمد بن إسحاق مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابن إسحاق عَنْ ثِقَةٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مُرْسَلًا مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، والحاكم وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ صالح بن محمد بن زائدة قَالَ: " «دَخَلَ مسلمة أَرْضَ الرُّومِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلَّ فَسَأَلَ سالما عَنْهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ، وَاضْرِبُوهُ قَالَ: فَوَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ مُصْحَفًا فَسُئِلَ سالم عَنْهُ، فَقَالَ بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ» ".
وَأَخْرَجَ الحاكم وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " «دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانِ فَقَالَ: مَا هَذَانِ؟ قُلْتُ: صَنَعَتْهُمَا لِي أم عبد الله، قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا رَجَعْتَ إِلَيْهَا فَأَمَرْتَهَا أَنْ تُوقِدَ لَهُمَا التَّنُّورَ ثُمَّ تَطْرَحَهُمَا فِيهِ فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا فَفَعَلَتْ» "، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُوسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: " «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ قَالَ: أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا» " قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْأَمْرُ بِإِحْرَاقِهِمَا عُقُوبَةٌ وَهَتْكٌ لِزَجْرِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ.
[ذِكْرُ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ]
قَالَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالُوا: إِنَّ عمر أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَاشْتَدَّ عَلَى أَهْلِ الرَّيْبِ وَالتُّهَمِ، وَأَحْرَقَ بَيْتَ رويشد الثقفي وَكَانَ حَانُوتًا قَالَ ابن سعد: وَالنَّبَّاذُ بِالْمَدِينَةِ يُسَمَّى الْحَانُوتَ، وَقَالَ ابن سعد أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَخْبَرَنَا يزيد بن هارون، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ
стр. 137
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سعد بن إبراهيم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَرَّقَ بَيْتَ رويشد الثقفي، وَكَانَ حَانُوتًا لِلشَّرَابِ وَكَانَ عمر قَدْ نَهَاهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتَلَهَّبُ كَأَنَّهُ جَمْرَةٌ، أَخْرَجَهُ الدُّولَابِيُّ فِي الْكُنَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سعد بن إبراهيم، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا فِي نُسْخَةِ إبراهيم بن سعد رِوَايَةَ كَاتِبِ الليث عَنْهُ، وَقَالَ عبد الرزاق فِي الْمُصَنَّفِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافع عَنْ صفية ابنة أبي عبيد، ومعمر عَنْ نافع، عَنْ صفية قَالَتْ: وَجَدَ عمر ﵁ فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ خَمْرًا، وَكَانَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الْخَمْرِ فَحَرَّقَ بَيْتَهُ، وَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: رويشد، قَالَ: بَلْ أَنْتَ فُوَيْسِقٌ، وَأَخْرَجَ عَنْ عبد القدوس، عَنْ نافع قَالَ: وَجَدَ عمر فِي بَيْتِ رويشد الثقفي خَمْرًا فَحَرَّقَ بَيْتَهُ، وَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: رويشد، قَالَ: بَلْ أَنْتَ فُوَيْسِقٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ: ثَنَا وكيع عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الحارث بن شبيل عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا أَثْرَى فِي بَيْعِ الْخَمْرِ فَقَالَ: اكْسِرُوا كُلَّ آنِيَةٍ لَهُ، وَسَيِّرُوا كُلَّ مَاشِيَةٍ لَهُ، وَقَالَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ: أَخْبَرَنَا محمد بن عمر حَدَّثَنِي عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حبيب بن عمير، عَنْ مليح بن عوف السلمي قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ صَنَعَ بَابًا مُبَوَّبًا مِنْ خَشَبٍ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَخَصَّ عَلَى قَصْرِهِ خُصًّا مِنْ قَصَبٍ فَبَعَثَ محمد بن مسلمة وَأَمَرَنِي بِالْمَسِيرِ مَعَهُ، وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُحْرِقَ ذَلِكَ الْبَابَ وَذَلِكَ الْخُصَّ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى دَارِ سعد فَأَحْرَقَ الْبَابَ وَالْخُصَّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مسكين بن ميمون ثَنَا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ قَالَ: بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَتَصَفَّحُ النَّاسَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَهْلِ أَجْنَادِهِمْ إِذْ مَرَّ بِأَهْلِ حِمْصَ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ، وَكَيْفَ أَمِيرُكُمْ؟ فَقَالُوا: خَيْرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنَّهُ بَنَى عِلِّيَّةً يَكُونُ فِيهَا، فَكَتَبَ كِتَابًا وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بَرِيدًا وَأَمَرَهُ إِذَا جِئْتَ بَابَ عِلِّيَّتِهِ فَاجْمَعْ حَطَبًا وَأَحْرِقْ بَابَ عِلِّيَّتِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ جَمَعَ حَطَبًا وَأَحْرَقَ بَابَ الْعِلِّيَّةِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ رَسُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ ابن عبد الحكم فِي فُتُوحِ مِصْرَ: حَدَّثَنَا شعيب عَنِ الليث، وعبد الله بن صالح عَنِ الليث، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَنَى غُرْفَةً بِمِصْرَ خارجة بن حذافة فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ خارجة بن حذافة بَنَى غُرْفَةً، وَلَقَدْ أَرَادَ خارجة أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَاتِ جِيرَانِهِ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاهْدِمْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلَامُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ مِنْ طَرِيقِ سعد بن إبراهيم عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ عَلَيْهِ قَمِيصُ حَرِيرٍ عَلَى عمر فَشَقَّ الْقَمِيصَ.
стр. 138
فَهَذِهِ آثَارٌ صَحِيحَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي هَدْمِ بُيُوتِ الْخَمَّارِينَ، وَإِتْلَافِ أَمْكِنَةِ الْفَسَادِ إِذَا تَعَيَّنَتْ طَرِيقًا لِإِزَالَةِ الْفَسَادِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِ وَالصَّحَابَةُ يَوْمَئِذٍ مُتَوَافِرُونَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أبي بكر وعمر» " وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِي معن حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَمَرَا عَلَى دِيكَيْنِ عَلَى عَهْدِ عمر فَأَمَرَ عمر بِقَتْلِ الدِّيَكَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَتَقْتُلُ أُمَّةً تُسَبِّحُ؟ فَتَرَكَهَا، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَالَ فِي النَّرْدِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحُزَمِ حَطَبٍ ثُمَّ أُرْسِلَ إِلَى بُيُوتِ الَّذِينَ هُمْ فِي بُيُوتِهِمْ فَأُحْرِقَهَا، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الحسن أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَأْمُرُ بِذَبْحِ الْحَمَامِ الَّتِي يُلْعَبُ بِهَا.
فَهَذَانِ أَثَرَانِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ثَالِثِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عثمان وَقَالَهُ فِي قِصَّةِ النَّرْدِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَالصَّحَابَةُ يَوْمَئِذٍ مُتَوَافِرُونَ فَكَانَ إِجْمَاعًا مَعَ أَنَّ اللَّعِبَ بِالْحَمَامِ لَيْسَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عبد الرحمن بن يزيد قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَتَاهُ ابْنٌ لَهُ قَدْ أَلْبَسَتْهُ أُمُّهُ قَمِيصًا مِنْ حَرِيرٍ، وَهُوَ مُعْجَبٌ بِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَنْ أَلْبَسَكَ هَذَا؟ قَالَ: أُمِّي قَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ فَشَقَّهُ ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَتُلْبِسَكَ ثَوْبًا غَيْرَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ المهاجر بن شماس، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: رَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ ابْنًا لَهُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ حَرِيرٍ فَشَقَّهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا لِلنِّسَاءِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أبي جحيف قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ عبد الله حَتَّى أَتَيْتُ دَارَهُ فَأَتَاهُ بَنُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ قُمُصُ حَرِيرٍ فَحَرَقَهَا، وَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى أُمِّكُمْ فَتُلْبِسَكُمْ غَيْرَ هَذَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابن الزبير أَنَّهُ خَطَبَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رِجَالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقَالُ لَهَا النَّرْدَشِيرْ أَنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَا أُوتَى بِأَحَدٍ يَلْعَبُ بِهَا إِلَّا عَاقَبْتُهُ فِي شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ، وَأَعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَنْ أَتَانِي بِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشَّهَارْدَةِ فَأَحْرَقَهَا بِالنَّارِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مالك أَنَّهُ قَالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ فَأَحْرَقَهَا، وَقَالَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ: حَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ ثَنَا أحمد بن زيد الخزار ثَنَا ضمرة ثَنَا أكدين بن سليمان أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عبد الله بن عوف عَلَى فِلَسْطِينَ أَنِ ارْكَبْ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُقَالُ
стр. 139
لَهُ الْمَكْسُ فَاهْدِمْهُ ثُمَّ احْمِلْهُ إِلَى الْبَحْرِ فَانْسِفْهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: ثَنَا ابن حميد ثَنَا هارون، عَنْ أبي جعفر عَنْ ليث أَنَّ شقيقا لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ بَنِي غَاضِرَةَ فَقِيلَ لَهُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ لَمْ يُصَلُّوا بَعْدُ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ وَكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرَارًا أَوْ رِيَاءً أَوْ سُمْعَةً فَإِنَّ أَصْلَهُ يَنْتَهِي إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ.
[ذِكْرُ نَقُولِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فِي ذَلِكَ]
قَالَ الشَّيْخُ تاج الدين السبكي فِي الطَّبَقَاتِ الْوُسْطَى فِي تَرْجَمَةِ الإصطخري أَحَدِ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيِّينَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مَا نَصُّهُ: وَلِيَ الْحِسْبَةَ بِبَغْدَادَ وَأَحْرَقَ طَاقَ اللَّعِبِ مِنْ أَجْلِ مَا يُعْمَلُ فِيهِ مِنَ الْمَلَاهِي، وَقَالَ فِي الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى فِي تَرْجَمَةِ الإصطخري أَيْضًا: مِنْ أَخْبَارِهِ فِي حِسْبَتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي إِلَى بَابِ الْقَاضِي فَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ جَالِسًا يَفْصِلُ الْقَضَايَا أَمَرَ مَنْ يَسْتَكْشِفُ عَنْهُ، هَلْ بِهِ عَذْرٌ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِهِ عُذْرًا أَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ لِلْحُكْمِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ أَحْرَقَ مَكَانَ الْمَلَاهِي مِنْ أَجْلِ مَا يُعْمَلُ فِيهَا مِنَ الْمَلَاهِي، قَالَ ابْنُ السُّبْكِيِّ: وَهَذَا مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى جَوَازَ إِتْلَافِ مَكَانِ الْفَسَادِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا - هَذِهِ عِبَارَةُ ابن السبكي، وَقَدْ نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِعْلَ الإصطخري وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَقَالَ أَيْضًا فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يَمْتَازُ وَالِي الْجَرَائِمِ عَلَى الْقُضَاةِ بِأَوْجُهٍ: مِنْهَا أَنَّ لَهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحُدُودِ اسْتِدَامَةَ حَبْسِهِ إِذَا أَضَرَّ النَّاسَ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، وَمِنْهَا أَنَّ لَهُ أَخْذَ الْمُجْرِمِ بِالتَّوْبَةِ قَهْرًا وَيُظْهِرُ لَهُ مِنَ الْوَعِيدِ مَا يَقُودُهُ إِلَيْهَا طَوْعًا وَيَتَوَعَّدُهُ بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: دَرَجَاتُ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ سَبْعَةٌ: الْأُولَى: التَّخْوِيفُ بِلُطْفٍ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَذَلِكَ لِلْجَاهِلِ، الثَّانِيَةُ: النَّهْيُ بِالْوَعْظِ وَالنُّصْحِ وَالتَّخْوِيفِ بِاللَّهِ. الثَّالِثَةُ: السَّبُّ وَالتَّعْنِيفُ بِالْقَوْلِ الْغَلِيظِ الْخَشِنِ، وَذَلِكَ يُعْدَلُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَنْعِ بِاللُّطْفِ وَظُهُورِ مَبَادِئِ الْإِصْرَارِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِالْوَعْظِ وَالنُّصْحِ. الرَّابِعَةُ: التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ كَكَسْرِ آلَاتِ الْمَلَاهِي، وَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. الْخَامِسَةُ: التَّهْدِيدُ وَالتَّخْوِيفُ كَقَوْلِهِ: دَعْ عَنْكَ هَذَا أَوْ لَأَكْسِرَنَّ رَأْسَكَ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ رَقَبَتَكَ. السَّادِسَةُ: مُبَاشَرَةُ الضَّرْبِ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِلَا شَهْرِ سِلَاحٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْآحَادِ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى
стр. 140
قَدْرِ الْحَاجَةِ فِي الدَّفْعِ. السَّابِعَةُ: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى أَعْوَانٍ يَشْهَرُونَ السِّلَاحَ، وَفِي احْتِيَاجِ هَذَا إِلَى إِذْنِ الْإِمَامِ خِلَافٌ فَقَالَ قَائِلُونَ: يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيكِ الْفِتَنِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ، وَهُوَ الْأَقْيَسُ؛ لِأَنَّ مُنْتَهَاهُ تَجْنِيدُ الْجُنُودِ فِي رِضَاءِ اللَّهِ وَدَفْعِ مَعَاصِيهِ، وَنَحْنُ نُجَوِّزُ لِلْآحَادِ مِنَ الْغُزَاةِ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُقَاتِلُوا مَنْ أَرَادُوا مِنْ فِرَقِ الْكُفَّارِ قَمْعًا لِأَهْلِ الْكُفْرِ، فَكَذَلِكَ قَمْعُ أَهْلِ الْفَسَادِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ فَكَذَلِكَ الْفَاسِقُ الْمُنَاضِلُ عَنْ فِسْقِهِ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، وَالْمَقْتُولُ مِنَ الْقَائِمِينَ فِي حَرْبِ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَلْيَجُزْ لِلسُّلْطَانِ زَجْرُ النَّاسِ عَنِ الْمَعَاصِي بِإِتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ، وَتَخْرِيبِ دُورِهِمُ الَّتِي فِيهَا يَشْرَبُونَ، وَإِحْرَاقِ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي بِهَا يَتَوَصَّلُونَ لِلْمَعَاصِي، فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَنْ سُنَنِ الْمَصَالِحِ، وَالْمَصَالِحُ يُتَّبَعُ فِيهَا وَلَا يُبْتَدَعُ، هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ.
فَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى وُرُودِهِ مِنَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِيهِ عَلَى حَدِيثٍ، وَقَدْ صَحَّتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَإِنْ قِيلَ: التَّعْزِيرُ بِإِتْلَافِ الْمَالِ مَنْسُوخٌ فِي مَذْهَبِنَا قُلْتُ: مَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقًا لِإِزَالَةِ الْفَسَادِ، أَمَّا مَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِإِزَالَتِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ فِيهِ، وَلِهَذَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي فُرُوعٍ: مِنْهَا قَوْلُهُمْ يَجُوزُ كَسْرُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِتَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهَا وَاتِّخَاذِهَا، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ: إِنَّ آلَاتِ الْمَلَاهِي تُكْسَرُ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَمِنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: لِلْوُلَاةِ كَسْرُ الظُّرُوفِ الَّتِي فِيهَا الْخُمُورُ؛ زَجْرًا وَتَأْدِيبًا دُونَ الْآحَادِ قَالَ: وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَأْكِيدًا لِلزَّجْرِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ - هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ.
قَالَ الأسنوي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بَعْدَ نَقْلِهِ: - وَهُوَ مِنَ النَّفَائِسِ الْمُهِمَّاتِ - فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ كَيْفَ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مِمَّا لَمْ يَجْرِ فِيهِ النَّسْخُ، وَإِنْ جَرَى فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ، وَمِنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي إِرَاقَةِ الْخُمُورِ لِلْآحَادِ: وَلَوْ كَانَتِ الْخَمْرُ فِي قَوَارِيرَ ضَيِّقَةِ الرُّؤُوسِ وَلَوِ اشْتَغَلَ بِإِرَاقَتِهَا لَأَدْرَكَهُ الْفُسَّاقُ وَمَنَعُوهُ، أَوْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ لَكِنْ كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُ زَمَانِهِ وَتَعْطِيلُ شُغْلِهِ فَلَهُ كَسْرُهَا، إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَيِّعَ مَنْفَعَةَ بَدَنِهِ وَغَرَضَهُ مِنْ أَشْغَالِهِ لِأَجْلِ ظُرُوفِ الْخَمْرِ - نَقَلَهُ الأسنوي وَارْتَضَاهُ - وَمِنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ كَانَتْ آنِيَةٌ مِنْ بَلُّورٍ أَوْ زُجَاجٍ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ وَفِي كَسْرِهَا خُسْرَانُ مَالٍ كَثِيرٍ جَازَ كَسْرُهَا، وَمِنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارٍ أَنَّ فُلَانًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي دَارِهِ، أَوْ بِأَنَّ فِي دَارِهِ
стр. 141
خَمْرًا أَعَدَّهُ لِلشُّرْبِ فَلَهُ إِذْ ذَاكَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذَانُ وَيَكُونُ قَدْ تَخَطَّى مِلْكَهُ بِالدُّخُولِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى دَفْعِ الْمُنْكَرِ كَكَسْرِ رَأْسِهِ بِالضَّرْبِ لِلْمَنْعِ مَهْمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَمِنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَتَوَقَّى فِي إِرَاقَةِ الْخُمُورِ كَسْرَ الْأَوَانِي، وَفِي النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ تَمْزِيقَ الثَّوْبِ إِنْ وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلَّا بِالْكَسْرِ وَالتَّمْزِيقِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَسَقَطَتْ قِيمَةُ الظَّرْفِ وَيُقَوِّمُهُ بِسَبَبِ الْخَمْرِ إِذَا صَارَ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْخَمْرِ، وَلَوْ سَتَرَ الْخَمْرَ بِبَدَنِهِ لَكُنَّا نَقْصِدُ بَدَنَهُ لِلضَّرْبِ وَالْجُرْحِ لِنَتَوَصَّلَ إِلَى إِرَاقَةِ الْخَمْرِ فَإِذًا لَا تَزِيدُ حُرْمَةُ مِلْكِهِ عَلَى حُرْمَةِ نَفْسِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الحافظ عماد الدين بن كثير فِي تَارِيخِهِ فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بَلَغَ الْخَلِيفَةَ الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الرَّافِضَةِ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسْجِدِ بَرَاثَا فَيَنَالُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَيُكَاتِبُونَ الْقَرَامِطَةَ وَيَدْعُونَ إِلَى وِلَايَةِ محمد بن إسماعيل الَّذِي بَيْنَ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُ المهدي وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنَ المقتدر وَمَنْ تَبِعَهُ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ عَلَيْهِمْ وَاسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ فَأَفْتَوْا بِأَنَّهُ مَسْجِدُ ضِرَارٍ يُهْدَمُ كَمَا هُدِمَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ فَهَدَمَهُ نازوك صاحب الشرطة وَأَمَرَ الوزير الخاقاني فَجَعَلَ مَكَانَهُ مَقْبَرَةً فَدُفِنَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَوْتَى.
وَقَالَ ابن عطية فِي تَفْسِيرِهِ: رُوِيَ أَنَّ مَسْجِدَ الضِّرَارِ لَمَّا هُدِمَ وَأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً يُرْمَى فِيهِ الْأَقْذَارُ وَالْقِمَامَاتُ قَالَ: وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] كَانَ لَا يَمُرُّ بِالطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا الْمَسْجِدُ» ، وَقَالَ صَاحِبُ عُيُونِ التَّفَاسِيرِ: كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ مُبَاهَاةً وَرِيَاءً وَسُمْعَةً أَوْ لِغَرَضٍ غَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ أَوْ بِمَالٍ غَيْرِ طَيِّبٍ فَهُوَ لَاحِقٌ بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الكواشي فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، والشهاب الأياسلوغي فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ القرطبي فِي تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا إِلَى جَنْبِ مَسْجِدٍ، وَيَجِبُ هَدْمُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ بِنَائِهِ؛ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْمَسْجِدُ الْأَوَّلُ فَيَبْقَى شَاغِرًا إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَحَلَّةُ كَبِيرَةً فَلَا يَكْفِي أَهْلَهَا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ فَيُبْنَى حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ قَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى فِي الْمِصْرِ الْوَاحِدِ جَامِعَانِ وَيَجِبُ مَنْعُ الثَّانِي وَمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِيهِ لَمْ تُجْزِئْهُ، وَقَدْ أَحْرَقَ النَّبِيُّ ﷺ مَسْجِدَ الضِّرَارِ وَهَدَمَهُ.
стр. 142
[قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ أَوْ رِيَاءٍ أَوْ سُمْعَةٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ] قُلْنَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْعِبَادَةِ وَحَضَّ الشَّرْعُ عَلَى بِنَائِهِ يُهْدَمُ، وَيُنْزَعُ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَمَا ظَنُّكَ بِسِوَاهُ؟ بَلْ هُوَ أَحْرَى أَنْ يُزَالَ وَيُهْدَمَ، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ القرطبي.
وَقَالَ ابن فرحون فِي طَبَقَاتِ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ قَاضِي مِصْرَ: كَانَ عَدْلًا فِي قَضَائِهِ مَحْمُودَ السِّيرَةِ، قَالَ محمد بن عبد الحكم: قَالَ ابن أبي داود: لَقَدْ قَامَ حَارِسُكُمْ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ هَدَمَ مَسْجِدًا كَانَ بَنَاهُ خُرَاسَانِيٌّ بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَاحِيَةِ الْقُطْبِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ فِيهِ لِلْقِرَاءَةِ وَالْقَصَصِ وَالتَّعْبِيرِ، قَالَ ابن فرحون: وَبِمِثْلِ هَذَا أَفْتَى يحيى بن عمر فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُبْنَى نَائِيًا عَنِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ لَا يُصَلِّي فِيهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي فِيهِ مَنْ يَنْتَابُهُ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى فِي مَسْجِدِ السَّبْتِ بِالْقَيْرَوَانِ، وَبِمِثْلِهِ أَفْتَى أبو عمران فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ بِجَبَلِ فَاسَ.
وَقَالَ ابن فرحون فِي كِتَابِهِ تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ فِي أُصُولِ الْأَقْضِيَةِ وَمَنَاهِجِ الْأَحْكَامِ: التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ فَقَدْ عَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَجْرِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِهَجْرِ صبيغ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ إِبَاحَتُهُ سَلَبَ الصَّائِدِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ، وَأَمْرُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ، وَأَمْرُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لُحُومُ الْحُمُرِ، وَهَدْمُهُ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَأَمْرُهُ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ، وَبِقَطْعِ نَخْلِ الْيَهُودِ وَتَحْرِيقِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُثَبِّطُونَ النَّاسَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ طلحة فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُحْرِقَ عَلَيْهِمُ الْبَيْتَ فَفَعَلَ» ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِمَا بَلَغَهُ أَنَّهُ احْتَجَبَ عَنِ الْخُرُوجِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَرَ أَيْضًا بِتَحْرِيقِ حَانُوتِ رويشد الثقفي الَّذِي كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فُوَيْسِقٌ، وَلَسْتَ برويشد، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَاقَ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، قَالَ: وَهَذِهِ قَضَايَا صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ شمس الدين بن القيم الحنبلي فِي كِتَابِ الطُّرُقِ الْحِكَمِيَّةِ: قَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَالَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمَهَ وَحَرَقَ مَتَاعَهُ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَمَنَعَ الْقَاتِلَ مِنَ السَّلَبِ لَمَّا أَسَاءَ شَافِعُهُ عَلَى أَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَعَزَمَ عَلَى تَحْرِيقِ بُيُوتِ تَارِكِي الْجُمُعَةِ
стр. 143
وَالْجَمَاعَةِ، وَأَمَرَ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَبِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا اللَّحْمُ الْحَرَامُ، وَبِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ، وَسَلَكَ أَصْحَابُهُ وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، فَحَرَقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَانُوتَ الْخَمَّارِ بِمَا فِيهِ، وَحَرَّقَ قَرْيَةً يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَحَرَّقَ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا احْتَجَبَ فِي قَصْرِهِ عَنِ الرَّعِيَّةِ.
وَسُئِلَ أُسْتَاذُنَا الْإِمَامُ كمال الدين بن الهمام الحنفي عَنْ رَجُلٍ يَجْمَعُ فِي بَيْتِهِ جَمَاعَةً إِلَى الْفِسْقِ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ قَالَ الْفُقَهَاءُ: رَجُلٌ أَظْهَرَ الْفِسْقَ فِي دَارِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَبَدًا لِلْعُذْرِ فَإِنْ كَفَّ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ سَجَنَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَهُ أَسْوَاطًا وَإِنْ شَاءَ أَزْعَجَهُ عَنْ دَارِهِ، وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا حَيْثُ أَمَرَ بِتَخْرِيبِ دَارِ الْفَاسِقِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابن فرحون: صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَزُولُ فَسَادُهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ وَذَكَرُوا ذَلِكَ فِي اللُّوطِيِّ إِذَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُقْتَلُ تَعْزِيرًا. وَفِي مُعْجَمِ الْأُدَبَاءِ لياقوت الحموي أَنَّ نُورَ الدِّينِ الشَّهِيدَ لَمَّا فَتَحَ الْمَدْرَسَةَ الْكَبِيرَةَ بِحَلَبَ اسْتَدْعَى البرهان البلخي إمام الحنفية فِي زَمَانِهِ فَأَلْقَى فِيهَا الدَّرْسَ وَكَانَ الْأَذَانُ بِحَلَبَ عَلَى قَاعِدَةِ الشِّيعَةِ يُزَادُ فِيهِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ مُحَمَّدٌ وعلي خَيْرُ الْبَشَرِ، فَلَمَّا سَمِعَ البلخي ذَلِكَ أَمَرَ الْفُقَهَاءَ فَصَعِدُوا الْمَنَارَةَ وَقْتَ الْأَذَانِ وَقَالَ لَهُمْ: مُرُوا الْمُؤَذِّنِينَ يُؤَذِّنُوا الْأَذَانَ الْمَشْرُوعَ وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ أَلْقُوهُ مِنْ فَوْقِ الْمَنَارَةِ عَلَى رَأْسِهِ فَفَعَلُوا فَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يُؤَذِّنُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابن كثير فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِمِائَةٍ: بَرَزَتِ الْمَرَاسِيمُ السُّلْطَانِيَّةُ الْمُظَفَّرِيَّةُ بيبرس إِلَى نُوَّابِ الْبِلَادِ السَّاحِلِيَّةِ بِإِبْطَالِ الْخُمُورِ وَتَخْرِيبِ الْحَانَاتِ فَفُعِلَ ذَلِكَ وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا كَثِيرًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَالَ الذهبي فِي الْعِبَرِ فِي سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ: خُرِّبَ الْبَازَارُ الْمُعَدُّ لِلْفَاحِشَةِ بِبَغْدَادَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَمَا يَعْلَمُ مَا غُرِمَ عَلَى بِنَائِهِ إِلَّا اللَّهُ - تَعَالَى مِنْ عِظَمِهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ: خَرَّبَ آلُ مَلِكٍ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ خِزَانَةَ النُّبُوذِ وَأَرَاقَ خُمُورَهَا وَكَانَتْ دَارَ فِسْقٍ وَفُجُورٍ، وَقَالَ الحافظ ابن حجر فِي إِنْبَاءِ الْغُمْرِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ: شَدَّدَ منجك نائب الشام عَلَى أَهْلِ اللَّهْوِ وَأَمَرَ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ الصَّفْصَافِ الَّتِي بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَبِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي بِالسُّوقِ الْأَعْلَى وَأَزَالَ الْمُنْكَرَاتِ مِنْهُ، وَمِنَ الَّذِي فَوْقَ الْجِهَةِ وَهَدَمَ الْأَبْنِيَةَ وَالْحَوَانِيتَ الَّتِي هُنَاكَ.
стр. 144
قُلْتُ: وَمَا زَالَ هَذَا دَأْبَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ سَلَفًا وَخَلَفًا مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا. وَالْعُلَمَاءُ يُفْتُونَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَمَنْ طَالَعَ تَوَارِيخَ الْأُمَّةِ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلِمَهُ عِلْمَ الْيَقِينِ، وَقَدْ قُلْتُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ:
يَقُولُ رَبْعُ الْفِسْقِ مَا مُسْلِمٌ ... مِمَّا لَهُ أُرْصِدْتُ يَرْضَانِي
وَلَا تَرَى فِي النَّاسِ ذَا مَسْكَةٍ ... إِلَّا يَرَى فِي الْوَزْنِ نُقْصَانِي
وَإِنْ يَزْنِي أَحَدٌ رَاجِحًا ... فَالْجَاهِلُ اللُّوطِيُّ وَالزَّانِي
وَقُلْتُ إِنْ لَمْ يَخْلُ مِمَّا بِهِ ... فَالشَّرْعُ فِيهِ هَدْمُ ذَا الْجَانِي
وَاسْتَفْتَى الْبَانِي فَأَفْتَى بِأَنْ ... مَنْ قَالَ هَذَا آثَمٌ جَانِي
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا فَاسْمَعُوا ... مَقَالَ حَقٍّ لَيْسَ بِالْوَانِي
مَنْ ذَا الَّذِي أَوْلَى بِتَأْثِيمِهِ ... عِنْدَ مُحِبٍّ كَانَ أَوْشَانِي
أَهَادِمٌ رَبْعًا بَنَوْهُ لِكَيْ ... يُعْصَى بِهِ اللَّهُ أَمِ الْبَانِي
[بَابُ الْقِرَاضِ]
مَسْأَلَةٌ: لَوِ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْعَامِلُ فَقَالَ الْمَالِكُ: دَفَعْتُ لَكَ الْمَالَ قِرَاضًا، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ قَرْضًا، مَنِ الْمُصَدَّقُ؟ .
الْجَوَابُ: هَذَا الْفَرْعُ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَكْسُهُ وَهُوَ فِي الرَّوْضَةِ مَحْكِيٌّ فِيهِ وَجْهَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ، وَرَجَّحَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا تَصْدِيقَ الْمَالِكِ وَفِيمَا إِذَا تَلِفَ تَصْدِيقَ الْعَامِلِ، وَأَمَّا هَذَا الْفَرْعُ فَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ يَدًا وَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْقُولٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ.
[بَابُ الْمُزَارَعَةِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ اتَّفَقَ مَعَ شَخْصٍ عِنْدَهُ قَمْحٌ عَلَى أَنَّهُمَا يَزْرَعَانِ الْأَرْضَ وَأَنَّ صَاحِبَ الْقَمْحِ يَبْذُرُ عَنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ مَا يَخُصُّهُ مِنَ الْقَمْحِ، وَأَنَّ مَا يَخُصُّ صَاحِبَ الْقَمْحِ يُؤَدِّي هُوَ خَرَاجَهُ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَحْرُثُ مَا يَخُصُّهُ وَمَا يَخُصُّ شَرِيكَهُ فِي مُقَابَلَةِ أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَيْهِ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْقَمْحِ ثُمَّ طَلَعَ الزَّرْعُ فَمَا الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا.
الْجَوَابُ: يَخْتَصُّ صَاحِبُ الْقَمْحِ بِجَمِيعِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْقَمْحَ الَّذِي بَذَرَهُ كُلَّهُ مِلْكُهُ وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ قَرْضٌ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْأَرْضِ وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَيْضًا أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِعَمَلِهِ وَحَرْثِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ.
стр. 145
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَجَّرَ أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ بَاعَهَا لِآخَرَ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ وَجَعَلَ لَهُ أُجْرَةَ السَّنَتَيْنِ فَامْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ زَرْعِهَا وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: ازْرَعْ أَنْتَ أَرْضَكَ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: إِذَا بَاعَ الْأَرْضَ الْمُؤَجَّرَةَ فَالْإِجَارَةُ لَازِمَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِهَا وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الِامْتِنَاعُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الْأُجْرَةِ زَرَعَهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ تَلْزَمُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الزَّرْعِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ الصُّورَةَ الْمَسْؤُولَ عَنْهَا فِيهَا جَعْلُ الْأُجْرَةِ الْبَاقِيَةِ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ بَطَلَ الْبَيْعُ.
مَسْأَلَةٌ: فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا لِقَلْعِ سِنٍّ وَجِعَهُ فَحَضَرَ لِذَلِكَ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ سِنِّي طَيِّبَةٌ وَامْتَنَعَ مِنْ قَلْعِهَا فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا مُرَخَّمًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ خَاصَّةً، وَأَقْبَضَ الْأُجْرَةَ فَوَضَعَ فِيهِ كَتَّانًا وَاحْتَرَقَ الْبَيْتُ بِسَبَبِهِ فَهَلْ يَضْمَنُ الْبَيْتَ وَإِذَا ضَمِنَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَوْ بِنَاءُ مِثْلِهِ؟ وَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِأُجْرَةِ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ؟ .
الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ حُصُولُ الْحَرِيقِ فِي الْبَيْتِ بِفِعْلٍ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِ مِنْ نَارٍ أَوْقَدَهَا وَجَرَتْ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْبَيْتِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِ فَضَمَانُهُ عَلَى مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ الْحَرِيقُ، وَهَلْ يَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ؟ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَ لِلِانْتِفَاعِ مُطْلَقًا فَلَا، أَوْ لِلسُّكْنَى خَاصَّةً فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِوَضْعِ الْكَتَّانِ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ غَاصِبًا كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِيمَا إِذَا اكْتَرَى لِيُسْكِنَ فَأَسْكَنَ حَدَّادًا، أَوْ قَصَّارًا، وَإِذَا صَارَ غَاصِبًا صَارَ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ، وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ الْحَرِيقُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَا حَصَلَ وَيَسْتَحِقُّ بَقِيَّةَ أُجْرَةِ الْمُدَّةِ فَيَرْجِعُ بِهَا أَوْ يُحَاسِبُ بِهَا مِمَّا يَلْزَمُهُ، وَأَمَّا هَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَةُ الدَّارِ أَوْ بِنَاءُ مِثْلِهَا؟ فَالَّذِي أَفْتَى بِهِ النووي، وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِنَاءُ مِثْلِهَا وَلَكِنْ فِيمَا إِذَا هَدَمَ جِدَارًا، وَلَا يَظْهَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَرْقٌ، وَأَمَّا الأسنوي فَصَحَّحَ وُجُوبَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْجِدَارَ مُتَقَوِّمٌ وَأَوَّلَ النَّصَّ، فَالْعُمْدَةُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ النووي وَقِصَّةُ جريج فِي الصَّحِيحِ تُؤَيِّدُهُ.
مَسْأَلَةٌ: اسْتَأْجَرَ إِنْسَانٌ عَيْنًا مُدَّةً وَلَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَادَّعَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ وَكَانَ أَقَرَّ عِنْدَ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ مَلِيءٌ وَقَادِرٌ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى الْإِعْسَارِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ؟ .
следующие страницы →