← Джавами‘

Джавами‘ · id 21723

الحاوي للفتاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (886 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رَكْعَةً أُخْرَى، وَالرَّكْعَةُ الَّتِي تُصَلَّى مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ وَقَدْ سَمَّاهَا رَكْعَةً فَوَجَبَ دُخُولُهُمَا فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، فَإِنْ قِيلَ: يُقَدَّرُ فِي الْحَدِيثِ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَيَضُمَّ إِلَيْهَا التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ، قُلْنَا: هَذَا تَقْرِيرُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ. الثَّامِنُ: لَفْظُ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنَّ الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ يُصَلُّونَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً دَلِيلٌ أَنَّ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ دَاخِلَانِ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، فَإِنَّهَا تَتَشَهَّدُ مَعَهُ وَتُسَلِّمُ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً فَإِنَّ الْأُولَى تَتَشَهَّدُ مَعَهُ وَالثَّانِيَةَ كَذَلِكَ وَتُسَلِّمُ مَعَهُ. وَالتَّاسِعُ: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ: فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّشَهُّدَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ حَيْثُ جَعَلُوا الرَّكْعَةَ ظَرْفًا لِلتَّشَهُّدِ فَيَكُونُ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ زَائِدًا عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ الظَّرْفُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَهَا لَا فِيهَا، فَقَوْلُهُمْ: تَشَهَّدَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَقَوْلِهِمْ تَجِبُ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ قَطْعًا. الْعَاشِرُ: قَوْلُهُ ﷺ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ إِنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَةً ثُمَّ فَصَّلَهَا، خَمْسَ عَشْرَةَ فِي الْقِيَامِ، وَعَشْرٌ فِي الرُّكُوعِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَشْرٌ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَشْرٌ فِي التَّشَهُّدِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَالتَّشَهُّدَ بَعْضٌ مِنَ الرَّكْعَةِ وَدَاخِلَانِ فِي مُسَمَّى الرَّكْعَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ كَانَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسٌ وَسِتُّونَ وَالْبَاقِي مَزِيدٌ عَلَى الرَّكْعَةِ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: ( «يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْقِرَاءَةُ فَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اجْلِسْ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَقُلْهَا عَشْرًا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ» ) - أَخْرَجَهُ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، والحاكم، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، فَإِنْ قِيلَ: الْأَرْجَحُ أَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ فَاصِلَةٌ لَا مِنَ الْأُولَى وَلَا مِنَ الثَّانِيَةِ. قُلْتُ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْجَلْسَةَ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ لَيْسَتْ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ بَلْ جِلْسَةٌ مَزِيدَةٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَالرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ - ذَكَرَ ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن حجر فِي أَمَالِيهِ، وَلِهَذَا طَوَّلْتُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا هُنَا مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ مِنَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، وَلَا تَتِمُّ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ إِلَّا بِمَا يُقَالُ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ التَّوَقُّفَ مَعَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ؟ قُلْتُ: مَسْأَلَةٌ رَأَيْتُهَا

стр. 72

فِي تَهْذِيبِ الْبَغَوِيِّ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ فِي مَسَائِلِ الِاسْتِخْلَافِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُقْتَدِيَ فِي الثَّانِيَةِ يُتِمُّ ظُهْرًا لَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، قَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ فِي الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَرَكَعَ وَسَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ فَلَمَّا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَتَقَدَّمَ الْمَسْبُوقُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً - هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ، فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اتَّجَهَ مَا قِيلَ فِي الْمُفَارَقَةِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبَغَوِيُّ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا صَرَّحَ بِمُوَافَقَتِهِ فِيهَا وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَالَهَا تَخْرِيجًا مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْهَا نَقْلَ الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَا الرافعي فِي شَرْحَيْهِ، وَلَا النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى تَتَبُّعِهِ، وَلَا ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ مَا زَادَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ، وَلَا السبكي، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الرَّوْضَةِ كَصَاحِبِ الْمُهِمَّاتِ وَالْخَادِمِ، وَهِيَ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَهِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْ لِيَ التَّوَقُّفَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الرَّكْعَةَ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الْوَاحِدَةِ مِنْ أَعْدَادِ الصَّلَاةِ مِنَ الْقِيَامِ إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى التَّحَلُّلِ، وَإِخْرَاجُ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامُ عَنْ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالْأَحْوَطُ عَدَمُ تَجْوِيزِ الْمُفَارَقَةِ قَبْلَ السَّلَامِ لِيَتَحَقَّقَ مُسَمَّى الرَّكْعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي إِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [ضَوْءُ الشَّمْعَةِ فِي عَدَدِ الْجُمُعَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدَدٍ، وَإِنْ نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تَصِحُّ بِوَاحِدٍ، وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ القاشاني فَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إِنَّ القاشاني لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِمَامُ كَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، والحسن بن صالح، وداود. الثَّانِي: ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: حُكِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مَذْهَبُ أبي يوسف ومحمد حَكَاهُ الرافعي وَغَيْرُهُ عَنِ الْقَدِيمِ. الثَّالِثُ: أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، والليث، وَحَكَاهُ ابن المنذر عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَاخْتَارَهُ وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ محمد، وَحَكَاهُ صَاحِبُ

стр. 73

التَّلْخِيصِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَكَذَا حَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَاخْتَارَهُ المزني، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ، وَهُوَ اخْتِيَارِي. الرَّابِعُ: سَبْعَةٌ حُكِيَ عَنْ عكرمة. الْخَامِسُ: تِسْعَةٌ حُكِيَ عَنْ ربيعة. السَّادِسُ: اثْنَا عَشَرَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ربيعة حَكَاهُ عَنْهُ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ومحمد بن الحسن. السَّابِعُ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، حُكِيَ عَنْ إسحاق بن راهويه. الثَّامِنُ: عِشْرُونَ، رِوَايَةُ ابن حبيب عَنْ مالك. التَّاسِعُ: ثَلَاثُونَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ مالك. الْعَاشِرُ: أَرْبَعُونَ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، وَبِهِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّافِعِيُّ، وأحمد، وإسحاق، حَكَاهُ عَنْهُمْ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَرْبَعُونَ غَيْرُ الْإِمَامِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ. الثَّانِيَ عَشَرَ: خَمْسُونَ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وأحمد، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا. الثَّالِثَ عَشَرَ: ثَمَانُونَ، حَكَاهُ المازري. الرَّابِعَ عَشَرَ: جَمْعٌ كَثِيرٌ بِغَيْرِ قَيْدٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مالك، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ تُشْتَرَطُ جَمَاعَةٌ تَسْكُنُ بِهِمْ قَرْيَةٌ، وَيَقَعُ بَيْنَهُمُ الْبَيْعُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَنَحْوِهِمْ. قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَلَعَلَّ هَذَا الْمَذْهَبَ أَرْجَحُ الْمَذَاهِبِ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، وَأَقُولُ: هُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ تَعْيِينُ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَأَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ، أَمَّا اشْتِرَاطُ ثَمَانِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ عِشْرِينَ أَوْ تِسْعَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ فَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ الْبَتَّةَ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ رَأَى الْعَدَدَ وَاجِبًا بِالْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ، وَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ فِي اشْتِرَاطِ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَرَأَى أَنَّ أَقَلَّ الْعَدَدِ اثْنَانِ فَقَالَ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا فِي الْوَاقِعِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ لَا يَنْقُضُهُ إِلَّا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِكَذَا أَوْ بِذِكْرِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا سَبِيلَ إِلَى وُجُودِهِ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ رَأَى الْعَدَدَ وَاجِبًا فِي حُضُورِ الْخُطْبَةِ كَالصَّلَاةِ، فَشَرَطَ الْعَدَدَ فِي الْمَأْمُومِينَ الْمُسْتَمِعِينَ لِلْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَدُّ الْإِمَامِ مِنْهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَخْطُبُ وَيَعِظُ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِأَرْبَعَةٍ فَمُسْتَنَدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر النيسابوري، ثَنَا محمد بن يحيى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَنَا معاوية بن يحيى، ثَنَا معاوية بن سعيد التجيبي، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يَصِحُّ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَلَهُ طَرِيقٌ ثَانٍ قَالَ

стр. 74

الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا أبو عبد الله محمد بن علي بن إسماعيل الأيلي، ثَنَا عبيد الله بن محمد بن خنيس الكلاعي، ثَنَا موسى بن محمد بن عطاء، ثَنَا الوليد بن محمد - هو الموقري - ثَنَا الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَتْنِي أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ فِيهَا إِمَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الموقري مَتْرُوكٌ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ مَتْرُوكٌ، طَرِيقٌ ثَالِثٌ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا أبو عبد الله الأيلي، ثَنَا يحيى بن عثمان، ثَنَا عمرو بن الربيع بن طارق، ثَنَا مسلمة بن علي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الحكم بن عبد الله بن سعد، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا ثَلَاثَةً رَابِعُهُمْ إِمَامُهُمْ» ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الزُّهْرِيُّ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنَ الدوسية، والحكم مَتْرُوكٌ، طَرِيقٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ: أَخْبَرَنَا ابن مسلم، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، ثَنَا بقية، ثَنَا معاوية بن يحيى، ثَنَا معاوية بن سعيد التجيبي، عَنِ الحكم بن عبد الله، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أم عبد الله الدوسية قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ فِيهَا إِمَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً» ) حَتَّى ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةً - أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَقَالَ: الحكم بن عبد الله مَتْرُوكٌ، ومعاوية بن يحيى ضَعِيفٌ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، قُلْتُ: قَدْ حَصَلَ مِنَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الطُّرُقِ نَوْعُ قُوَّةٍ لِلْحَدِيثِ، فَإِنَّ الطُّرُقَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا خُصُوصًا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّنَدِ مُتَّهَمٌ، وَيَزِيدُهَا قُوَّةً مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن محمد بن عقبة الشيباني، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْعَنْبَسِ، ثَنَا إسحاق بن منصور، ثَنَا هريم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ قيس بن مسلم، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ: عَبْدٍ مَمْلُوكٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَرِيضٍ، أَوِ امْرَأَةٍ» ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْجَمَاعَةَ فَشَمَلَ كُلَّ مَا يُسَمَّى جَمَاعَةً، وَذَلِكَ صَادِقٌ بِثَلَاثَةٍ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَمُسْتَنَدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ جابر: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا» ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ فِي الِابْتِدَاءِ يُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ، فَلَمَّا لَمْ تَبْطِلُ الْجُمُعَةُ بِانْفِضَاضِ الزَّائِدِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ كَافٍ، قُلْتُ: هُوَ دَالٌّ عَلَى صِحَّتِهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ بِلَا شُبْهَةٍ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ اثْنَيْ عَشْرَةَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِدُونِ هَذَا الْعَدَدِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ أَكْثَرُ مَا فِيهَا أَنَّهُمُ انْفَضُّوا وَبَقِيَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَتَمَّتْ بِهِمُ الْجُمُعَةُ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ لَمْ تَتِمَّ بِهِمْ، فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ أَخَذْتَ مِنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ اشْتِرَاطَ أَرْبَعَةٍ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ قَوْلَهُ

стр. 75

وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً بَيَانٌ لِأَقَلِّ عَدَدٍ تُجْزِئُ بِهِ الْجُمُعَةُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ (أَنْ) وَ (لَوْ) الْوَصْلِيَّتَيْنِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُمَا يُذْكَرُ بَعْدَهُمَا مُنْتَهَى الْأَحْوَالِ وَأَنْدَرُهَا، تَقُولُ: أَحْسِنْ إِلَى زَيْدٍ وَإِنْ أَسَاءَ، وَأَعْطِ السَّائِلَ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ، فَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ مُنْتَهَى غَايَةِ الْمُحْسَنِ إِلَيْهِ وَالْمُعْطَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فَلَيْسَ بَعْدَ مَرْتَبَةِ النَّفْسِ وَالْوَالِدِيَّةِ وَالْأَقْرَبِيَّةِ مَرْتَبَةٌ تُذْكَرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : ( «وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَرْبَعَةً» ) بَيَانٌ لِمُنْتَهَى مَرَاتِبِ الْعَدَدِ الْمُجْزِئِ، وَلَوْ كَانَ أَقَلُّ مِنْهُ مُجْزِئًا لَذَكَرَهُ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِالْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، حَتَّى ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةً، فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ تَنَزَّلَ إِلَى مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ حَتَّى انْتَهَتْ غَايَتُهُ إِلَى ذِكْرِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ ثَلَاثَةٌ لَا أَرْبَعَةٌ. قُلْتُ: الْمُرَادُ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ الْإِمَامِ ; لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ( «وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا ثَلَاثَةً رَابِعُهُمْ إِمَامُهُمْ» ) فَإِنْ قُلْتَ: مُسَلَّمٌ دَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ثُبُوتَ الْأَحَادِيثِ الْمُحْتَجِّ بِهَا فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِمَا بَلَغَ مَرْتَبَةَ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ، قُلْتُ: كَذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِالْأَرْبَعِينَ حَدِيثُهُ ضَعِيفٌ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِاشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِينَ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ «عَنْ جابر قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إِمَامًا، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ جُمُعَةٌ وَفِطْرٌ وَأَضْحَى» ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ، قَالَ: لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، قَالَ النووي: وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَحَادِيثَ بِمَعْنَاهُ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، قَالَ: وَأَقْرَبُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَصْحَابُ «عَنْ عبد الرحمن بن كعب بن مالك عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي الْمَدِينَةِ سعد بن زرارة قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضَمَاتِ، قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ رَجُلًا) » حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أبو داود، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنْ يُقَالَ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ، وَالْأَصْلُ الظُّهْرُ، فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِعَدَدٍ ثَبَتَ فِيهِ التَّوْقِيفُ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُهَا بِأَرْبَعِينَ فَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَرِيحٍ، وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ) وَلَمْ تَثْبُتْ صَلَاتُهُ لَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ انْتَهَى، وَأَقُولُ: لَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ كعب عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِينَ، لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمُعَةَ فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ

стр. 76

قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِقَامَتِهَا هُنَاكَ مِنْ أَجْلِ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ كَتَبَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُجَمِّعُوا فَجَمَّعُوا، وَاتَّفَقَ أَنَّ عِدَّتَهُمْ إِذْ ذَاكَ كَانَتْ أَرْبَعِينَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ دُونَ الْأَرْبَعِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ وَقَائِعَ الْأَعْيَانِ لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ يَرُدُّهُ حَدِيثُ الِانْفِضَاضِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ أَتَمَّهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ الْأَرْبَعِينَ لَا يُشْتَرَطُ، وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أبي مسعود الأنصاري قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْمَدِينَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَمَّعَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنِ حَدِيثِ كعب بِأَنَّ سعدا كَانَ أَمِيرًا وَكَانَ مصعب إِمَامًا، وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ بَابُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الْأَرْبَعِينَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْجَمَاعَةُ ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ آخِرَ مَنْ أَتَاهُ وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَقَالَ: ( «إِنَّكُمْ مُصِيبُونَ وَمَنْصُورُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلْيَصِلِ الرَّحِمَ» ) فَاسْتِدْلَالُهُ بِهَذَا فِي غَايَةِ الْعَجَبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةٌ قَصَدَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْمَعَ أَصْحَابَهُ لِيُبَشِّرَهُمْ، فَاتَّفَقَ أَنِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْهُمْ هَذَا الْعَدَدُ فَهَلْ يُظَنُّ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ أَقَلُّ مِنْهُمْ لَمْ يَفْعَلْ مَا دَعَاهُمْ لِأَجْلِهِ؟ وَإِيرَادُ الْبَيْهَقِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ لِلْمَسْأَلَةِ صَرِيحًا، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: ( «إِذَا رَاحَ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا إِلَى الْجُمُعَةِ كَانُوا كَسَبْعِينَ مُوسَى الَّذِينَ وَفَدُوا إِلَى رَبِّهِمْ أَوْ أَفَضْلَ» ) وَلَمْ يَسْتَدِلَّ أَحَدٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِ سَبْعِينَ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّهُ أَوْجَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعَدَدِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَرْبَعِينَ: مُسْتَنَدُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْعَدَدِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الظُّهْرِ الْإِتْمَامُ إِلَّا بِشَرَائِطَ، وَالْعَدَدُ بِالْإِجْمَاعِ شَرْطٌ، وَلِلشَّرْعِ اعْتِنَاءٌ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَلِذَلِكَ لَا تَنْعَقِدُ جُمُعَتَانِ فِي بَلْدَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَنَدِ التَّقْدِيرِ، وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاقْتِدَاءُ غَيْرُ كَافٍ فَيَكْفِي أَدْنَى مُسْتَنَدٍ، وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَهَا جُمُعَةً» ، وَاسْتَأْنَسَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ أَحَدٌ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعِينَ، فَكَانَ هَذَا الِاتِّقَاءَ بِالِاحْتِيَاطِ - هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ، وَفِي النِّهَايَةِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ نَحْوُهُ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْمُسْتَنَدِ الْمُرَكَّبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثٍ آخَرَ، وَمَعَ كَوْنِ هَذَا

стр. 77

الْحَدِيثِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِرَفْعِهِ، وَالْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ لَهُ مُصَرَّحٌ بِرَفْعِهِ، وَإِذَا قَايَسْتَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ كَانَ إِسْنَادُ الْحَدِيثِ الْمُعَارِضِ أَمْثَلَ مِنْ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْأَمْرُ الثَّانِي مَذْهَبُ تَابِعِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يَحْتَجُّ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فَضْلًا عَنِ التَّابِعِيِّ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا حَكَى عَنْ غَيْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ. وَالثَّالِثُ الْأَمْرُ الْمُنْضَمُّ إِلَيْهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ مَعَ بُطْلَانِهِ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالرِّوَايَتَانِ عَنْهُ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ، فَأَخْرَجَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْمِيَاهِ فِيمَا بَيْنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ جَمِّعُوا إِذَا بَلَغْتُمْ أَرْبَعِينَ، وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الرَّقِيِّ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِذَا بَلَغَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَلْيُجَمِّعُوا. وَأَخْرَجَ عَنْ معاوية بن صالح قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَيُّمَا قَرْيَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا خَمْسُونَ رَجُلًا فَلْيَؤُمُّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَلَيَخْطُبْ عَلَيْهِمْ لِيُصَلِّ بِهِمُ الْجُمُعَةَ، وَيُوَافِقُ اشْتِرَاطَ الْخَمْسِينَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أبي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْجُمُعَةُ عَلَى الْخَمْسِينَ رَجُلًا وَلَيْسَ عَلَى مَا دُونَ الْخَمْسِينَ جُمُعَةٌ» ) وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ عَلَى الْخَمْسِينَ جُمُعَةٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَمَعَ ضَعْفِهِ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ لَا شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ دُونَ الْخَمْسِينَ عَدَمُ صِحَّتِهَا مِنْهُمْ، وَعِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ الْوَارِدَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْسَتَا بِاخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ لَهُ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُمَا، وَمِنْ حَدِيثِ أبي أمامة الْمَذْكُورِ، وَمِنْ حَدِيثِ جابر الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ لِلْأَرْبَعِينَ، وَمِنَ الْأَثَرِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: كُلُّ قَرْيَةٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ، بَيَانُ شَرْطِ الْمَكَانِ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ لَا الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ، فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ فِي كُلِّ مَكَانٍ بَلْ فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، إِمَّا مِصْرٍ، قَالَ علي ﵁: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَإِمَّا بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ، وَلَا تَصِحُّ فِي فَضَاءٍ وَلَا صَحْرَاءَ، فَأُرِيدَ بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي يَصْلُحُ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بَلَدًا أَوْ قَرْيَةً إِلَّا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الرِّجَالِ قَاطِنًا جَمْعٌ نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، فَذِكْرُ عمر فِي أَحَدِ كُتُبِهِ الْأَرْبَعِينَ وَفِي بَعْضِهَا الْخَمْسِينَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْمِثَالِ لَا التَّحْدِيدِ بِالْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ، وَيُفِيدُ هَذَا أَنَّهُ إِذَا قَطَنَ فِي مَكَانٍ نَحْوُ هَذَا الْعَدَدِ صَحَّ أَنَّ تُقَامَ بِهِ الْجُمُعَةُ، ثُمَّ إِنْ أَقَامَهَا أَقَلُّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ وَهُمْ بَعْضُ مَنْ فِيهَا صَحَّتْ مِنْهُمْ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الَّذِي ظَهَرَ لِي وَأَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جعفر بن برقان قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عدي بن عدي الكندي: انْظُرْ كُلَّ قَرْيَةٍ

стр. 78

أَهْلِ قَرَارٍ لَيْسُوا بِأَهْلِ عَمُودٍ يَنْتَقِلُونَ فَأَمِّرْ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا ثُمَّ مُرْهُ فَلْيُجَمِّعْ بِهِمْ، وَأَخْرَجَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ فَقَالَ: كُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِي جَمَاعَةٍ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ أُمِرُوا بِالْجُمُعَةِ فَلْيُجَمِّعْ بِهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَمَدَائِنِ مِصْرَ وَمَدَائِنِ سَوَاحِلِهَا كَانُوا يُجَمِّعُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِأَمْرِهِمَا وَفِيهِمَا رِجَالٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي سُئِلَ عَنِ الْقُرَى الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَا تَرَى فِي الْجُمُعَةِ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ فَلْيُجَمِّعْ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَيْضًا أَنَّهَا ذُكِرَتْ لِبَيَانِ الْمَكَانِ الصَّالِحِ لَا الْعَدَدِ الْحَاضِرِ أَنَّ فِي حَدِيثِ جابر الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ لِلْأَرْبَعِينَ عَطْفًا عَلَى جُمُعَةٍ وَفِطْرٍ وَأَضْحَى، فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ لِبَيَانِ اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِينَ فِي الْجُمُعَةِ وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِمَّنْ دُونَهُمْ لَلَزِمَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، فَكَانَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِمَا حُضُورُ الْأَرْبَعِينَ وَلَا يَصِحَّانِ مِمَّنْ دُونَهُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي يَصْلُحُ لِمَشْرُوعِيَّةِ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ فِيهِ بِحَيْثُ يُؤْمَرُ أَهْلُهُ بِذَلِكَ وَبِالِاجْتِمَاعِ لَهُ، ثُمَّ أَيُّ جَمْعٍ أَقَامَ الْجُمُعَةَ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَأَيُّ جَمْعٍ أَقَامَ الْأَعْيَادَ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا التَّعْبِيرُ (بِفِي) حَيْثُ قِيلَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ جُمُعَةٌ دُونَ (مِنْ) وَسَائِرِ حُرُوفِ الْجَرِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدَدِ إِيقَاعُهَا فِيهِمْ لَا مِنْهُمْ وَلَا بُدَّ، وَذَلِكَ صَادِقٌ بِأَيِّ جَمْعٍ أَقَامُوهَا فِي بَلَدٍ اسْتَوْطَنَهُ أَرْبَعُونَ، وَهَذَا اسْتِنْبَاطٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ دَلَّتْ عَلَى اشْتِرَاطِ إِقَامَتِهَا فِي بَلَدٍ يَسْكُنُهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ بِحَيْثُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بَلَدًا، وَلَمْ تَدُلَّ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ الْعَدَدِ بِعَيْنِهِ فِي حُضُورِهَا لِتَنْعَقِدَ، بَلْ أَيُّ جَمْعٍ أَقَامُوهَا صَحَّتْ بِهِمْ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ الْإِمَامِ فَتَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ، هَذَا مَا أَدَّانِي الِاجْتِهَادُ إِلَى تَرْجِيحِهِ، وَقَدْ رَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ المزني كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ وَكَفَى بِهِ سَلَفًا فِي تَرْجِيحِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ كِبَارِ الْآخِذِينَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ كِبَارِ رُوَاةِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ، وَقَدْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ، وَرَجَّحَهُ أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي: قَالَ المزني: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا لَا يُثْبِتُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَّعَ بِأَرْبَعِينَ انْتَهَى، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الرافعي فِي الشَّرْحِ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابن حجر فِي تَخْرِيجِهِ: لَمْ أَرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ كعب وَقَالَ: إِنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ قُدِحَ فِي حَدِيثِ كعب بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَرْوِي تَارَةً أَنَّ مصعبا

стр. 79

صَلَّى بِالنَّاسِ، وَيَرْوِي تَارَةً أُخْرَى أَنَّ سعد بن زرارة صَلَّى بِهِمْ، وَرَوَى تَارَةً بِالْمَدِينَةِ، وَتَارَةً بِبَنِي بَيَاضَةَ، فَلِأَجْلِ اضْطِرَابِهِ وَاخْتِلَافِ رِوَايَتِهِ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، قُلْتُ: وَمِنَ اضْطِرَابِهِ أَنَّهُ رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ، وَرَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمِنَ الدَّلِيلِ مَا رَوَى سليمان بن طريف عَنْ مكحول عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ ثُمَّ الرافعي، وَقَالَ الْحَافِظُ ابن حجر فِي تَخْرِيجِهِ: لَا أَصْلَ لَهُ، وَأَوْرَدَ الرافعي وَغَيْرُهُ حَدِيثَ أبي أمامة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا جُمُعَةَ إِلَّا بِأَرْبَعِينَ» ، قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر أَيْضًا: وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ: إِنِ انْتَفَتِ الْأَدِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَرْبَعِينَ قُلْنَا: الْأَصْلُ الظُّهْرُ عَامًّا، وَإِنَّمَا يُرَدُّ إِلَى رَكْعَتَيْنِ بِشَرَائِطَ مِنْهَا الْعَدَدُ وَأَصْلُهُ مَشْرُوطٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الشَّارِعِ لَفْظٌ صَرِيحٌ فِي التَّقْدِيرِ، وَفُهِمَ مِنْهُ طَلَبُ تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ جُمُعَتَيْنِ فِي بَلَدٍ فَأَكْثَرَ كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ أَرْبَعُونَ فَأَخَذْنَا بِهِ احْتِيَاطًا، ثُمَّ قَالَ: وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْإِمَامَ أحمد اشْتَرَطَ فِي عَقْدِهَا خَمْسِينَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ابن الرفعة أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ مِنَ النَّصِّ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَرْبَعِينَ فَعُدِلَ إِلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَتَبِعَهُمُ الرافعي والنووي. (خَاتِمَةٌ) : اعْلَمْ أَنَّ تَرْجِيحَنَا لِهَذَا الْقَوْلِ أَوْلَى مِنْ تَرْجِيحِ الْمُتَأَخِّرِينَ جَوَازَ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ أَصْلًا لَا فِي الْجَدِيدِ وَلَا فِي الْقَدِيمِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْقَدِيمِ سُكُوتٌ فَاسْتَنْبَطُوا مِنْهُ رَأْيًا بِالْجَوَازِ، ثُمَّ زَادُوا فَرَجَّحُوهُ عَلَى نُصُوصِهِ فِي الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ، وَهُوَ نَفْسُهُ قَدْ قَالَ: لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ مِنْ سُكُوتِهِ وَيُرَجَّحُ عَلَى نُصُوصِهِ الْمُصَرِّحَةِ بِخِلَافِهِ، وَأَمَّا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ نَصُّ لَهُ صَرِيحٌ، وَقَدِ اقْتَضَتِ الْأَدِلَّةُ تَرْجِيحَهُ فَرَجَّحْنَاهُ فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلٌ لَهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى قَوْلِهِ الثَّانِي فَهُوَ أَوْلَى مِمَّنْ تَرَكَ نَصَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَهَبَ إِلَى تَرْجِيحِ شَيْءٍ خِلَافَهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ، ثُمَّ يَصِيرُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أُسْوَةً بِالْمَسَائِلِ الَّتِي صَحَّحَ فِيهَا النووي الْقَوْلَ الْقَدِيمَ كَمَسْأَلَةِ امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَمَسْأَلَةِ تَفْضِيلِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ عَلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَمَسْأَلَةِ صَوْمِ الْوَلِيِّ عَنْ قَرِيبِهِ الْمَيِّتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.

стр. 80

[بَابُ اللِّبَاسِ] [ مسائل متفرقة] مَسْأَلَةٌ: شَخْصٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ يَلْبَسُ الْفَرُّوجَ، وَالزُّنْطَ الْأَحْمَرَ، وَعِمَامَةَ الْعَرَبِ، اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ وَفَضُلَ وَخَالَطَ الْفُقَهَاءَ فَأَمَرَهُ آمِرٌ أَنْ يَلْبَسَ لِبَاسَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خَرْمًا لِمُرُوءَتِهِ، فَهَلِ الْأَوْلَى لَهُ ذَلِكَ أَوِ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى هَيْئَةِ عَشِيرَتِهِ؟ وَمَا جِنْسُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُ تَحْتَ عِمَامَتِهِ؟ وَمَا مِقْدَارُ عِمَامَتِهِ؟ وَهَلْ لَبِسَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِهِ ﷺ الزُّنْطَ وَالْفَرُّوجَ؟ . الْجَوَابُ: لَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ فِي لِبَاسِهِ ذَلِكَ وَلَا خَرْمَ لِمُرُوءَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِبَاسُ عَشِيرَتِهِ وَطَائِفَتِهِ، وَلَوْ غَيَّرَهُ أَيْضًا إِلَى لِبَاسِ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَخْرِمْ مُرُوءَتَهُ، فَكُلٌّ حَسَنٌ، ذَاكَ لِمُنَاسَبَتِهِ أَهْلَ جِنْسِهِ وَهَذَا لِمُنَاسَبَةِ أَهْلِ وَصْفِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَارِزِيُّ فِي تَوْثِيقِ عُرَى الْإِيمَانِ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَيَلْبَسُ الْقَلَانِسَ بِغَيْرِ عَمَائِمَ، وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ قَلَانِسَ، وَيَلْبَسُ الْقَلَانِسَ ذَوَاتِ الْآذَانِ فِي الْحُرُوبِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَعْتَمُّ بِالْعَمَائِمِ الْحَرْقَانِيَّةِ السُّودِ فِي أَسْفَارِهِ وَيَعْتَجِرُ اعْتِجَارًا قَالَ: وَالِاعْتِجَارُ أَنْ يَضَعَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ شَيْئًا قَالَ: وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنِ الْعِمَامَةُ فَيَشُدُّ الْعِصَابَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَجَبْهَتِهِ، وَكَانَتْ لَهُ عِمَامَةٌ يَعْتَمُّ بِهَا يُقَالُ لَهَا السَّحَابُ فَكَسَاهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَكَانَ رُبَّمَا طَلَعَ علي فَيَقُولُ ﷺ : ( «أَتَاكُمْ علي فِي السَّحَابِ» ) يَعْنِي عِمَامَتَهُ الَّتِي وَهَبَ لَهُ - هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْبَارِزِيُّ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ رُكَانَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ( «فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ» ) قَالَ القزاز: الْقَلَنْسُوَةُ غِشَاءٌ مُبَطَّنٌ يُسْتَرُ بِهِ الرَّأْسُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً بَيْضَاءَ» ، دَلَّ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ هُوَ الْقَلَنْسُوَةُ، وَدَلَّ قَوْلُهُ بَيْضَاءَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الزُّنُوطِ الْحُمْرِ، وَأَشْبَهُ شَيْءٍ أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ الْقُطْنِ أَوِ الصُّوفِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الْجِبَابِ وَالْكِسَاءِ لَا الَّذِي مِنْ جِنْسِ الزُّنُوطِ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ فِي سُدَاسِيَّاتِ الرازي مِنْ طَرِيقِ رستم أبي يزيد الطحان قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ بِالْبَصْرَةِ وَعَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ بَيْضَاءُ مُضَرِيَّةٌ، وَفِي السُّدَاسِيَّاتِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أم نهار قَالَتْ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَمُرُّ بِنَا كُلَّ جُمُعَةٍ

стр. 81

وَعَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لَاطِئَةٌ - وَمَعْنَى لَاطِئَةٍ - أَيْ لَاصِقَةٍ بِالرَّأْسِ إِشَارَةً إِلَى قِصَرِهَا، وَإِنَّمَا حَدَثَتِ الْقَلَانِسُ الطِّوَالُ فِي أَيَّامِ الْخَلِيفَةِ الْمَنْصُورِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: وَكُنَّا نُرَجِّي مِنْ إِمَامٍ زِيَادَةً ... فَزَادَ الْإِمَامُ الْمُصْطَفَى فِي الْقَلَانِسِ وَأَمَّا مِقْدَارُ الْعِمَامَةِ الشَّرِيفَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِي حَدِيثٍ، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ «عَنْ أبي عبد السلام قَالَ: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَمُّ؟ قَالَ: كَانَ يُدِيرُ الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِزُهَا مِنْ وَرَائِهِ وَيُرْسِلُ لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ) » ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عِدَّةُ أَذْرُعٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ نَحْوَ الْعَشَرَةِ أَوْ فَوْقَهَا بِيَسِيرٍ، وَأَمَّا الْفَرُّوجُ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَهُ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ( «أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» ) ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْفَرُّوجُ هُوَ الْقِبَاءُ الْمُفَرَّجُ مِنْ خَلْفٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي لُبْسِ الْخُلَفَاءِ لَهُ، وَإِنَّمَا نَزَعَهُ ﷺ لِكَوْنِهِ كَانَ حَرِيرًا، وَكَانَ لُبْسُهُ لَهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ فَنَزَعَهُ لَمَّا حُرِّمَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ حِينَ نَزَعَهُ: أَنْهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إِلَّا ثَوْبٌ فَغَسَلَهُ وَلَبِسَ ثَوْبًا قَصِيرَ الْكُمِّ وَخَرَجَ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ فَهَلْ فِي ذَلِكَ مِنْ عَيْبٍ أَوْ يَقْدَحُ فِي الدِّينِ؟ وَإِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَهَلْ هُوَ مُصِيبٌ فِي إِنْكَارِهِ أَوْ مُخْطِئٌ؟ . الْجَوَابُ: لَيْسَ فِي هَذِهِ اللُّبْسَةِ مِنْ عَيْبٍ وَلَا تَقْدَحُ فِي الدِّينِ بَلِ التَّقَشُّفُ فِي الْمَلْبَسِ سُنَّةٌ حَضَّ عَلَيْهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَهُوَ شِعَارُ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَنَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الْكُمِّ، فَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ كُمُّهُ إِلَى الرُّسْغِ» وَأَنَّهُ لَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ، وَقَالَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام: تَطْوِيلُ الْأَكْمَامِ بِدْعَةٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَإِسْرَافٌ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ: ( «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْجَنَّةِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» ) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ «عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ رُومِيَّةٌ مِنْ صُوفٍ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَصَلَّى بِنَا فِيهَا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُهَا) » ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ قَمِيصًا قَصِيرَ الْيَدَيْنِ وَالطُّولِ» ) ، وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «ثَلَاثَةٌ

стр. 82

يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: رَجُلٌ غَسَلَ ثَوْبَهُ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ خَلَفًا» ) - الْحَدِيثَ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا وَالْوَعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ ثِيَابًا وَافْتَخَرَ بِهَا كَثِيرَةٌ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ مِثْلَ هَذَا وَهُوَ سُنَّةٌ وَلَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ بَلْ يَخْضَعُونَ لِمِثْلِهِ وَيُعَظِّمُونَهُ، وَلَكِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُنْكَرَ السُّنَّةُ وَتُقَرَّ الْبِدْعَةُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. مَسْأَلَةٌ: خَضَّبَ الرَّجُلُ لِحْيَتَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَمْ لَا؟ وَهَلِ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ. الْجَوَابُ: خِضَابُ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِالْحِنَّاءِ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ، بَلْ سُنَّةٌ صَرَّحَ بِهِ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ نَقْلًا عَنِ اتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهَا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» ) وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جابر قَالَ: «أُتِيَ بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (غَيِّرُوا هَذَا وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ) » وَأَمَّا خِضَابُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالْحِنَّاءِ فَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ وَحَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ إِلَّا لِحَاجَةٍ - هَكَذَا قَالَهُ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِلرِّجَالِ مَا رَوَاهُ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى الْبَقِيعِ» ) ، وَمِنْهَا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ( «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرِّجَالُ» ) قَالَ النووي: عِلَّةُ النَّهْيِ اللَّوْنُ لَا الرَّائِحَةُ، فَإِنَّ رِيحَ الطِّيبِ لِلرَّجُلِ مَحْبُوبٌ وَالْحِنَّاءُ فِي هَذَا كَالزَّعْفَرَانِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي اسْتِحْبَابِهِ لِلنِّسَاءِ الْمُتَزَوِّجَاتِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ. [الْجَوَابُ الْحَاتِمُ عَنْ سُؤَالِ الْخَاتَمِ] مَسْأَلَةٌ: التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ هَلْ لَهُ وَزْنٌ مَعْلُومٌ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ التَّخَتُّمُ بِسَائِرِ الْمَعَادِنِ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ تَعَدُّدُ الْخَوَاتِمِ مِنَ الْفِضَّةِ؟ هَلْ تَخَتَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِغَيْرِهَا؟ وَهَلْ تُبَاحُ الْفُصُوصُ فِي الْخَوَاتِمِ لِلرِّجَالِ؟ وَهَلْ كَانَ خَاتَمُ

стр. 83

النَّبِيِّ ﷺ بِفَصٍّ وَمَا كَانَ فَصُّهُ؟ وَهَلْ تَخَتَّمَ فِي الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَالِ؟ وَهَلْ كَانَ فَصُّهُ مِمَّا يَلِي ظَاهِرَ الْكَفِّ أَوْ بَاطِنَهُ؟ وَهَلِ الْحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ ( «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَيْهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ خَاتَمُ نُحَاسٍ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ رَائِحَةَ أَهْلِ النَّارِ» ؟) صَحِيحٌ وَمَنْ رَوَاهُ وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ أَوِ الْكَرَاهَةُ؟ . الْجَوَابُ: أَمَّا الْوَزْنُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَكِنْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: ( «وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا» ) قَالَ الزركشي فِي الْخَادِمِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ أَصْحَابُنَا لِقَدْرِ الْخَاتَمِ وَلَعَلَّهُمُ اكْتَفَوْا بِالْعُرْفِ فَمَا خَرَجَ عَنْهُ إِسْرَافٌ، وَأَمَّا التَّخَتُّمُ بِسَائِرِ الْمَعَادِنِ مَا عَدَا الذَّهَبَ فَغَيْرُ حَرَامٍ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنْ هَلْ يُكْرَهُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ( «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ فَقَالَ: مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ؟ فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ، فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ، قَالَ: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا» ) أَخْرَجَهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، فَضَعَّفَهُ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِأَجْلِهِ، وَلَكِنَّ ابْنَ حِبَّانَ صَحَّحَهُ فَأَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الْمَسْؤُولُ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَرَجَّحَهُ النووي فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ: لِضَعْفِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَلِمَا أَخْرَجَهُ أبو داود بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ مُعَيْقِيبٍ الصَّحَابِيِّ قَالَ: ( «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ» ) ، وَأَمَّا التَّعَدُّدُ فَصَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ فَوْقَ خَاتَمَيْنِ فِضَّةً، فَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ الْخَاتَمَيْنِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَارْتَضَاهُ الإسنوي، وَقَيَّدَهُ الخوارزمي فِي الْكَافِي بِأَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي إِصْبَعٍ، وَأَمَّا هَلْ تَخَتَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِغَيْرِهَا؟ فَسَيَأْتِي حَدِيثٌ أَنَّهُ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ وَرِقٍ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ معيقيب أَنَّهُ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَمَّا تَخَتُّمُهُ بِالذَّهَبِ فَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ وَطَرَحَهُ كَمَا فِي الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْفَصُّ فَمُبَاحٌ لِلرِّجَالِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَجُوزُ الْخَاتَمُ بِفَصٍّ وَبِلَا فَصٍّ، وَيَجْعَلُ الْفَصَّ مِنْ بَاطِنِ كَفِّهِ أَوْ ظَاهِرِهَا، وَبَاطِنُهَا أَفْضَلُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ انْتَهَى، وَأَمَّا فَصُّ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ فَفِي صَحِيحِ

стр. 84

الْبُخَارِيِّ أَنَّ فَصَّهُ كَانَ مِنْهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا» ) فَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا أَنَّهُ حَجَرٌ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ، وَقِيلَ جَزْعٌ أَوْ عَقِيقٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤْتَى بِهِ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ، وَرَأَيْتُ فِي الْمُفْرَدَاتِ فِي الطِّبِّ لابن البيطار أَنَّهُ صِنْفٌ مِنَ الزَّبَرْجَدِ، وَأَمَّا هَلْ تَخَتَّمَ ﷺ فِي الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ؟ فَقَدْ تَخَتَّمَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، صَحَّ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ كِلَاهُمَا صَحَّ فِعْلُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُ فِي الْيَمِينِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَالْيَمِينُ بِهَا أَوْلَى، وَقَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: وَرَدَ تَخَتُّمُهُ ﷺ فِي الْيَمِينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وأنس عِنْدَ مُسْلِمٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وعبد الله بن جعفر عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وجابر عِنْدَهُ فِي الشَّمَائِلِ، وعلي عِنْدَ أبي داود وَالنَّسَائِيِّ وعائشة عِنْدَ البزاز، وأبي أمامة عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي غَرَائِبِ مالك، فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَرَدَ تَخَتُّمُهُ بِالْيَسَارِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أبي داود، وأبي سعيد عِنْدَ ابن سعد، وَوَرَدَتْ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ أَنَّهُ تَخَتَّمَ أَوَّلًا فِي الْيَمِينِ ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى الْيَسَارِ، أَخْرَجَهَا ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ بِأَنَّهُ تَخَتَّمَ أَوَّلًا فِي يَمِينِهِ ثُمَّ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أبا زرعة عَنِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَثْبُتُ هَذَا، وَلَكِنْ فِي يَمِينِهِ أَكْثَرَ، وَأَمَّا هَلْ كَانَ فَصُّهُ مِمَّا يَلِي بَاطِنَ الْكَفِّ أَوْ ظَاهِرَهُ، فَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا كِلَاهُمَا مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، وَلَكِنَّ أَحَادِيثَ الْبَاطِنِ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ فَلِذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [ثَلْجُ الْفُؤَادِ فِي أَحَادِيثِ لُبْسِ السَّوَادِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ ثَنَا عفان ح، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ثَنَا وكيع، وَقَالَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ، أَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أبي الزبير عَنْ جابر: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا

стр. 85

عبيد الله أَنَا موسى بن عبيدة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ شُقَّةٌ سَوْدَاءُ» ) ، وَأَخْرَجَ ابن سعد، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ جَمِيعًا، أَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ مساور الوراق، عَنْ جعفر بن عمرو بن حريث عَنْ أَبِيهِ: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ ابن سعد وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ سفيان عَنْ أبي الفضل عَنِ الحسن قَالَ: ( «كَانَتْ عِمَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ» ) ، وَقَالَ ابن سعد: أَنَا عتاب بن زياد أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا سفيان عَمَّنْ سَمِعَ الحسن يَقُولُ: ( «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ تُسَمَّى الْعُقَابَ وَعِمَامَتُهُ سَوْدَاءَ» ) ، وَقَالَ أبو بكر بن أبي داود، ثَنَا إسحاق بن الأخيل، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرَائِفِيُّ، ثَنَا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ) ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَنَا القاسم بن عبد الله بن مهدي ثَنَا يعقوب بن كاسب ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ محمد بن عبيد الله عَنْ أبي الزبير عَنْ جابر قَالَ: ( «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ وَيُرْخِيهَا خَلْفَهُ» ) قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا أَعْلَمُ يَرْوِيهِ عَنْ أبي الزبير [عَنْ جابر] غَيْرَ العرزمي وَعَنْهُ حاتم، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ ثَنَا أبو الفضل جعفر بن أحمد ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْجَرْجَرَائِيُّ ثَنَا محمد بن صدران أبو جعفر ثَنَا عنبسة بن سالم ثَنَا عبيد الله بن أبي بكر عَنْ أَنَسٍ ( «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ» ) وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا الحسن بن خلف الواسطي، ثَنَا عبيد الله بن تمام، ثَنَا خالد الحذاء عَنْ غنيم بن قيس عَنْ أبي موسى «أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى ذُؤَابَتَهُ مِنْ وَرَائِهِ» ، وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ثَنَا عبد الله بن يوسف ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ثَنَا أبو عبيدة الحمصي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى خَيْبَرَ فَعَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى» ، وَقَالَ ابن سعد: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثَنَا شريك عَنْ جابر عَنْ مولى لجعفي يقال له هرمز قَالَ: رَأَيْتُ عليا عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا وكيع ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ

стр. 86

جابر بِهِ، وَقَالَ ابن سعد وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ أبي العنبس عمرو بن ميمون عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِمَامَةً سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ. وَقَالَ ابن سعد وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ ثابت بن عبيد الله عَنْ أبي جعفر الأنصاري قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى علي عِمَامَةً سَوْدَاءَ يَوْمَ قُتِلَ عثمان - أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ. وَقَالَ ابن سعد: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وهشام أبو الوليد الطيالسي قَالَا: ثَنَا شريك عَنْ عاصم عَنْ أبي رزين قَالَ: خَطَبَنَا الحسن بن علي ﵄ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ سُودٌ وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا شاذان ثَنَا شريك بِهِ، وَقَالَ ابن سعد: أَنَا سعيد بن محمد الثقفي عَنْ رشدين قَالَ: رَأَيْتُ عبد الله بن الزبير يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ حَرْقَانِيَّةً وَيُرْخِيهَا شِبْرًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا وكيع ثَنَا عاصم بن محمد عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عبد الله بن الزبير اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ نَحْوًا مِنْ ذِرَاعٍ، وَقَالَ ابن سعد: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ أَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ يونس بن عبد الله الجرمي عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْهُمْ قَالَ: أَتَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ معاوية وَهُوَ بِالنَّخِيلَةِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَجُبَّةٌ سَوْدَاءُ وَمَعَهُ عَصًا سَوْدَاءُ. وَقَالَ ابن سعد وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ سلمة بن وردان قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِمَامَةً سَوْدَاءَ عَلَى غَيْرِ قَلَنْسُوَةٍ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ. وَقَالَ ابن سعد: قَالَ عبد الله بن صالح عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عبد الله بن أبي جعفر قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ عِمَامَةً حَرْقَانِيَّةً قَالَ: فَسَأَلْنَا ابْنَ لَهِيعَةَ عَنِ الْحَرْقَانِيَّةِ فَقَالَ السَّوْدَاءُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا غندر عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سماك عَنْ ملحان بن ثروان قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عمار عِمَامَةً سَوْدَاءَ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ: أَنَا أبو الحسين الروذباري ثَنَا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه ثَنَا جعفر بن محمد القلانسي ثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثَنَا شُعْبَةُ ثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ سَمِعْتُ ملحان بن ثوبان يَقُولُ: كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَيْنَا بِالْكُوفَةِ وَكَانَ يَخْطُبُنَا كُلَّ جُمُعَةٍ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ ثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ ثَنَا عثمان بن عمر ثَنَا أبو لؤلؤة قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ عِمَامَةً سَوْدَاءَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا البكراوي عَنْ أبي عيسى عَنْ أَبِيهِ زياد عَنْ شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ سالم قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ عِمَامَةً سَوْدَاءَ. وَقَالَ: ثَنَا إسحاق بن منصور ثَنَا شريك ثَنَا حرب الخثعمي قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى البراء عِمَامَةً سَوْدَاءَ، وَقَالَ: ثَنَا محمد بن عبد الله الأسدي عَنْ شريك بن مخارق عَنْ عطاء قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِمَامَةً سَوْدَاءَ، وَقَالَ: ثَنَا معن عَنْ حسين بن يونس قَالَ: رَأَيْتُ

стр. 87

عَلَى واثلة عِمَامَةً سَوْدَاءَ، وَقَالَ ابن سعد: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ثَنَا عثيم بن نسطاس قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَلْبَسُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى عِمَامَةً سَوْدَاءَ وَيَلْبَسُ عَلَيْهَا بُرْنُسًا، وَقَالَ ابن سعد: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثَنَا بدر بن عثمان قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عِمَامَةً سَوْدَاءَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا وكيع ثَنَا عثمان بن أبي هند قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أبي عبيد عِمَامَةً سَوْدَاءَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ: ثَنَا شبابة عَنْ سليمان قَالَ: رَأَيْتُ الحسن يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا خَلْفَهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا شبابة عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: رَأَيْتُ أبا نضرة يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا تَحْتَ عُنُقِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا وكيع ثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ أبي صخرة قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عبد الرحمن بن يزيد عِمَامَةً سَوْدَاءَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا وكيع قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى الأسود عِمَامَةً سَوْدَاءَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا جرير عَنْ يعقوب بن جعفر عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَتْ عِمَامَةُ جِبْرِيلَ يَوْمَ غَرِقَ فرعون سَوْدَاءَ. (فَائِدَةٌ) أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وأبو نعيم وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا مَعَهُ جِبْرِيلُ وَأَنَا أَظُنُّهُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ، فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُ لَوَضِحُ الثِّيَابِ وَإِنَّ وَلَدَهُ يَلْبَسُونَ السَّوَادَ» ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْعِيدِ] [وُصُولُ الْأَمَانِي بِأُصُولِ التَّهَانِي] بَابُ الْعِيدِ ١٠ - وُصُولُ الْأَمَانِي بِأُصُولِ التَّهَانِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ، فَقَدْ طَالَ السُّؤَالُ عَنْ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنَ التَّهْنِئَةِ بِالْعِيدِ وَالْعَامِ وَالشَّهْرِ وَالْوِلَايَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَلْ لَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ؟ فَجَمَعْتُ هَذَا الْجُزْءَ فِي ذَلِكَ، وَسَمَّيْتُهُ وُصُولَ الْأَمَانِي بِأُصُولِ التَّهَانِي. [التَّهْنِئَةُ بِالْفَضَائِلِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَنَاقِبِ الدِّينِيَّةِ] أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( «أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ

стр. 88

مِمَّا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» ) الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أسامة قَالَ: ( «تَبِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ حمزة فَلَمْ نَجِدْهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: جِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَكَ وَأُهَنِّئَكَ، أَخْبَرَنِي أبو عمارة - يَعْنِي حمزة - أَنَّكَ أُعْطِيتَ نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ يُدْعَى الْكَوْثَرَ» ) ، وَأَخْرَجَ أحمد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هَنِيئًا لَكَ يَا علي أَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ» ) ، وَأَخْرَجَ أحمد وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ( «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا بِغَدِيرِ خُمٍّ فَنُودِيَ فِينَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَأَخَذَ بِيَدِ علي فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قَالُوا: بَلَى، فَأَخَذَ بِيَدِ علي فَقَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، قَالَ فَلَقِيَهُ عمر بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَكَ يَا ابن أبي طالب أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ» ) ، وَأَخْرَجَ ابن عساكر «عَنْ عبد الله بن جعفر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا عبد الله هَنِيئًا لَكَ مَرِيئًا خُلِقْتَ مِنْ طِينَتِي، وَأَبُوكَ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ» ) ، وَأَخْرَجَ أحمد وَمُسْلِمٌ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ، قَالَ: لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أبا المنذر» ) . [التَّهْنِئَةُ بِالتَّوْبَةِ] أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ قَالَ: ( «وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِتَوْبَتِي وَيَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طلحة بن عبيد الله يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي فَكَانَ كعب لَا يَنْسَاهَا لطلحة، قَالَ كعب: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» ) . [التَّهْنِئَةُ بِالْعَافِيَةِ مِنَ الْمَرَضِ] أَخْرَجَ الحاكم «عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: (مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا بَرَأْتُ قَالَ: صَحَّ جِسْمُكَ يَا خوات) » ، وَأَخْرَجَ عبد الله بن أحمد فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مسلم بن يسار قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا بَرَأ مِنْ مَرَضِهِ: لِيَهْنِكَ الطُّهْرُ.

стр. 89

[التَّهْنِئَةُ بِتَمَامِ الْحَجِّ] أَخْرَجَ الْبَزَّارُ «عَنْ عروة بن مضرس قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِنًى فَقَالَ: (أَفْرَخَ رَوْعُكَ يَا عروة) » قَالَ فِي الصِّحَاحِ: أَفْرَخَ الرَّوْعُ أَيْ ذَهَبَ الْفَزَعُ، يُقَالُ: لِيَفْرَخْ رَوْعُكَ أَيْ لِيَخْرُجْ عَنْكَ فَزَعُكَ كَمَا يَخْرُجُ الْفَرْخُ عَنِ الْبَيْضَةِ، وَأَفْرَخَ رَوْعُكَ يَا فُلَانُ أَيْ سَكَنَ جَأْشُكَ، قَالَ الميداني: وَهُوَ فِي هَذَا مُتَعَدٍّ وَفِي الْأَوَّلِ لَازِمٌ، وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: حَجَّ آدَمُ ﵇ فَتَلَقَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالُوا: بَرَّ نَسْكُكَ يَا آدَمُ. [التَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ الْحَجِّ] أَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ( «جَاءَ غُلَامٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَحُجُّ فَمَشَى مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا غُلَامُ زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ وَكَفَاكَ الْهَمَّ، فَلَمَّا رَجَعَ الْغُلَامُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا غُلَامُ قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ» ) وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلْحَاجِّ إِذَا قَدِمَ: تَقَبَّلَ اللَّهُ نُسُكَكَ وَأَعْظَمَ أَجْرَكَ وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ. [التَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ الْغَزْوِ] أَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عروة قَالَ: ( «لَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَدْرٍ اسْتَقْبَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالرَّوْحَاءِ يُهَنِّئُونَهُمْ» ) مُرْسَلٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ عائشة قَالَتْ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا دَخَلَ اسْتَقْبَلْتُهُ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَكَ وَأَعَزَّكَ وَأَكْرَمَكَ» ) ، وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ عبد الله بن أبي سفيان أبي أحمد قَالَ: ( «لَقِيَ أسيد بن الحضير رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَقْبَلَ مِنْ بَدْرٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْفَرَكَ وَأَقَرَّ عَيْنَكَ» ) . [التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ] أَخْرَجَ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَا الْإِنْسَانُ إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ» ) ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وأبو يعلى «عَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَقِيلَ لَهُ: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، فَقَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ

стр. 90

وَبَارَكَ عَلَيْكَ) » وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ هبار ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَهِدَ نِكَاحَ رَجُلٍ فَقَالَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَالْأُلْفَةِ وَالطَّائِرِ الْمَيْمُونِ وَالسَّعَةِ فِي الرِّزْقِ، بَارَكَ اللَّهُ لَكُمْ» ) . [التَّهْنِئَةُ بِالْمَوْلُودِ] أَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ كلثوم بن جوشن قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عِنْدَ الحسن - وَقَدْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَقِيلَ لَهُ: يَهْنِيكَ الْفَارِسُ، فَقَالَ الحسن: وَمَا يُدْرِيكَ أَفَارِسٌ هُوَ؟ قَالُوا: كَيْفَ تَقُولُ يَا أبا سعيد؟ قَالَ: تَقُولُ: بُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ وَشَكَرْتَ الْوَاهِبَ وَرُزِقْتَ بِرَّهُ وَبَلَغَ أَشُدَّهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ مِنْ طَرِيقِ السري بن يحيى قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ فَهَنَّأَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لِيَهْنِكَ الْفَارِسُ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قُلْ: جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَارَكًا عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ حماد بن زيد قَالَ: كَانَ أيوب إِذَا هَنَّأَ رَجُلًا بِمَوْلُودٍ قَالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَارَكًا عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. [التَّهْنِئَةُ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ] قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي أَدَبِ الْحَمَّامِ: لَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ: عَافَاكَ اللَّهُ - نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَفِي الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأبي بكر وعمر وَقَدْ خَرَجَا مِنَ الْحَمَّامِ: (طَابَ حَمَّامُكُمَا) » لَكِنْ بَيَّضَ لَهُ وَلَدُهُ فِي مُسْنَدِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا. [التَّهْنِئَةُ بِشَهْرِ رَمَضَانَ] أَخْرَجَ الأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: ( «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» ) - الْحَدِيثَ قَالَ ابن رجب: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي التَّهْنِئَةِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ. [التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ] أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَزَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ فِي تُحْفَةِ عِيدِ الْأَضْحَى عَنْ حبيب بن عمر الأنصاري قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: لَقِيتُ واثلة ﵁ يَوْمَ عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ، فَقَالَ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. وَأَخْرَجَ الأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو السَّكْسَكِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عبد الله بن بشر وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَائِذٍ وَجُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ

стр. 91

وَخَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ يُقَالُ لَهُمْ فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أبا أمامة وواثلة لَقِيَاهُ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقَالَا: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. وَأَخْرَجَ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ فِي كِتَابِ تُحْفَةِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْفَرَضِيُّ فِي مَشْيَخَتِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَأَخْرَجَ زاهر أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ فِي الْعِيدِ لِأَصْحَابِهِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أدهم مولى عمر بن عبد العزيز قَالَ: كُنَّا نَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعِيدَيْنِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا مِثْلَهُ وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: لَقِيتُ يُونُسَ بْنَ عُبْيَدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ، فَقَالَ لِي مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ مِنْ طَرِيقِ حوشب بن عقيل قَالَ: لَقِيتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ عَنْ علي بن ثابت قَالَ: سَأَلْتُ مالكا عَنْ قَوْلِ النَّاسِ فِي الْعِيدِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ، فَقَالَ: مَا زَالَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا كَذَلِكَ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابن عساكر مِنْ «حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ النَّاسِ فِي الْعِيدَيْنِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، فَقَالَ: (كَذَلِكَ فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ) وَكَرِهَهُ» ، وَفِي إِسْنَادِهِ عبد الخالق بن خالد بن زيد بن واقد الدمشقي، قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أبو حاتم: ضَعِيفٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَقَالَ أبو نعيم: لَا شَيْءَ. [التَّهْنِئَةُ بِالثَّوْبِ الْجَدِيدِ] أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ «عَنْ أم خالد بنت خالد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَسَاهَا خَمِيصَةً فَأَلْبَسَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ) » ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَلَى عمر قَمِيصًا أَبْيَضَ فَقَالَ: (الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمُتْ شَهِيدًا) » وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أبي نضرة قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ: تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللَّهُ .

стр. 92

[التَّهْنِئَةُ بِالصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ] أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابن عمرو قَالَ: ( «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ» ) ، وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ ميسرة بن حلبس قَالَ: لَقِيتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أبا شداد أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ يَا ابْنَ أَخِي. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: ثَنَا أبو شهاب عَنِ الحسن بن عمرو عَنْ أبي معشر عَنِ الحسن قَالَ: إِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ سَلِمَتْ وَاللَّهِ الْقُلُوبُ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَكَيْفَ أَصْبَحْتَ عَافَاكَ اللَّهُ، وَكَيْفَ أَمْسَيْتَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْنَا نَقُولُ لَهُمْ كَانَتْ بِدْعَةً وَإِلَّا غَضِبُوا عَلَيْنَا. [خَاتِمَةٌ] : رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «أَتَدْرُونَ مَا حَقُّ الْجَارِ؟ إِنِ اسْتَعَانَ بِكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ» ) الْحَدِيثَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ، وَمِنْ حَدِيثِ معاوية بن حيدة أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ. (فَائِدَةٌ) : قَالَ القمولي فِي الْجَوَاهِرِ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي التَّهْنِئَةِ بِالْعِيدَيْنِ وَالْأَعْوَامِ وَالْأَشْهُرِ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ، وَرَأَيْتُ فِيمَا نُقِلَ مِنْ فَوَائِدِ الشَّيْخِ زَكِيِّ الدِّينِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيِّ أَنَّ الْحَافِظَ أبا الحسن المقدسي سُئِلَ عَنِ التَّهْنِئَةِ فِي أَوَائِلِ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ أَهُوَ بِدْعَةٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا مُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ الشرف الغزي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.

стр. 93

[كِتَابُ الْجَنَائِزِ] [ مَسْأَلَةٌ سَقْطٌ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَمْ يَخْتَلِجْ وَقَدْ بَلَغَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا هَلْ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ] مَسْأَلَةٌ: سَقْطٌ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَمْ يَخْتَلِجْ وَقَدْ بَلَغَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا هَلْ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: قَدْ يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الرافعي فِي شَرْحَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَلَا اسْتَهَلَّ فَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَوْ بَلَغَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ مَثَلًا حَيْثُ قَالَ فَصَاعِدًا، وَكَذَا مِنْ تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ، وَمِنْ تَعْلِيلِ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَدْ يَتَخَلَّفُ نَفْخُ الرُّوحِ لِأَمْرٍ أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْأَشْبَهُ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ فَصَاعِدًا بِمَا لَمْ يُجَاوِزْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ جَاوَزَهَا دَخَلَ فِي حُكْمِ الْمَوْلُودِ لَا السَّقْطِ، وَقَدْ قَالَ ابن الرفعة فِي الْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ أبي حامد: السَّقْطُ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْ وُلِدَ مَيِّتًا، فَتَرْجِيحُهُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَوْلُودٌ لَا سَقْطٌ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ ضَابِطِ أَحْكَامِ السَّقْطِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَوَائِدُ الْمُمْتَازَةُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَقَعَ السُّؤَالُ عَنِ الْجِنَازَةِ إِذَا صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا، ثُمَّ حَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَصَلَّى فَهَلْ تَكُونُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ فَأَجَبْتُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ، فَسُئِلْتُ عَنْ تَحْرِيرِ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّ الْفَرْضَ بِالصَّلَاةِ الْأُولَى فَكَيْفَ تُوصَفُ الثَّانِيَةُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ؟ فَوَضَعْتُ هَذِهِ الْكَرَّاسَةَ لِتَحْرِيرِ ذَلِكَ وَسَمَّيْتُهَا: (الْفَوَائِدَ الْمُمْتَازَةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) وَنَبْدَأُ بِذِكْرِ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ قَالَ الرافعي: إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ حَضَرَ آخَرُونَ فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهَا أَفْرَادًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى وَتَكُونُ صَلَاتُهُمْ فَرْضًا فِي حَقِّهِمْ كَمَا أَنَّهَا فَرْضٌ فِي حَقِّ الْأَوَّلِينَ، بِخِلَافِ مَنْ صَلَّاهَا مَرَّةً لَا تُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَتُهَا، فَإِنَّ الْمُعَادَ يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَهَذِهِ

стр. 94

الصَّلَاةُ لَا يُتَطَوَّعُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى مَرَّةً وَأَعَادَهَا فِي جَمَاعَةٍ لَمْ تُسْتَحَبَّ أَيْضًا فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُضُورُ الْآخَرِينَ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْمَيِّتِ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحَالَتَيْنِ، أَمَّا قَبْلَ الدَّفْنِ فَلِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّتَيْنِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَّا إِذَا دُفِنَ وَلَمْ يَصُلِّ عَلَيْهِ، وَسَاعَدَ أَبَا حَنِيفَةَ مالك فِي الْفَصْلَيْنِ - هَذَا كَلَامُ الرافعي، وَقَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ جَمَاعَةٌ أَوْ وَاحِدٌ ثُمَّ صَلَّتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَاةُ الْجَمِيعِ تَقَعُ فَرْضًا، قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: تَنْوِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِصَلَاتِهِمُ الْفَرْضَ لِأَنَّ فِعْلَ غَيْرِهِمْ أَسْقَطَ عَنْهُمُ الْحَرَجَ لَا الْفَرْضَ، وَبَسَطَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا بَسْطًا حَسَنًا، فَقَالَ: إِذَا صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ جَمْعٌ يَقَعُ الِاكْتِفَاءُ بِبَعْضِهِمْ، فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّ صَلَاةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَقَعُ فَرِيضَةً، إِذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى بِوَصْفِهِ بِالْقِيَامِ بِالْفَرْضِ مِنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِالْفَرْضِيَّةِ لِلْجَمِيعِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ كَإِيصَالِ الْمُتَوَضِّئِ الْمَاءَ إِلَى رَأْسِهِ دَفْعَةً، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجَمِيعَ فَرْضٌ أَمِ الْفَرْضُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَقَطْ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَخَيَّلُ الْفَطِنُ فَرْقًا وَيَقُولُ مَرْتَبَةُ الْفَرْضِيَّةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ السُّنَّةِ، وَكُلُّ مُصَلٍّ فِي الْجَمْعِ الْكَثِيرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْرَمَ رُتْبَةَ الْفَرْضِيَّةِ وَقَدْ قَامَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَهَذَا لَطِيفٌ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمَسْحِ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ الْأَئِمَّةُ إِذَا صَلَّتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ كَانَ كَصَلَاتِهِمْ مَعَ الْأَوَّلِينَ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ - هَذَا كَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَقَرَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَبْلَ ذَلِكَ مَا نَصُّهُ: إِذَا حَضَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَوْ جَمَاعَةٌ صَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَرْضَ كِفَايَةٍ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُتَنَفَّلُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلَا يُصَلِّيهَا طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ، وَالْجَوَابُ مَنْعُ كَوْنِ صَلَاةِ الثَّانِيَةِ نَافِلَةً بَلْ هِيَ عِنْدَنَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَقَعُ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا وَلَوْ تَرَكُوهَا لَمْ يَأْثَمُوا وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ الْفُرُوضِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، فَإِذَا دُخِلَ فِيهِ صَارَ فَرْضًا كَمَا إِذَا دُخِلَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَكَمَا فِي الْوَاجِبِ عَلَى التَّخْيِيرِ بِخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى لَوْ كَانَتْ أَلْفًا أَوْ أُلُوفًا وَقَعَتْ صَلَاةُ جَمِيعِهِمْ فَرْضًا بِالِاتِّفَاقِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَرْضَ كَانَ يَسْقُطُ بِبَعْضِهِمْ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِأَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ عَلَى الْإِبْهَامِ وَالْبَاقُونَ مُتَنَفِّلُونَ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إِذَا فَعَلَهُ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ كَيْفَ قُلْتُمْ تَقَعُ صَلَاةُ الثَّانِيَةِ فَرْضًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُحَقِّقِينَ سَقَطَ الْحَرَجُ

стр. 95

عَنِ الْبَاقِينَ أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ، فَلَوْ فَعَلُوهُ وَقَعَ فَرْضًا كَمَا لَوْ فَعَلُوهُ مَعَ الْأَوَّلِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا عِبَارَةُ مَنْ يَقُولُ: سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ فَمَعْنَاهُ سَقَطَ حَرَجُ الْفَرْضِ - هَذَا كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَقَالَ ابن الصباغ فِي الشَّامِلِ: إِذَا صُلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ عُمَرَ وعائشة وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وأحمد وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ غَائِبًا فَيُصَلِّي غَيْرُهُ فَيُعِيدُهَا الْوَلِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى قَدْ سَقَطَ بِهَا الْفَرْضُ، فَلَوْ صَلَّى ثَانِيًا لَكَانَ تَطَوُّعًا، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى لَا يُكَرِّرُهَا، قَالَ: وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِمْ فِي الْوَلِيِّ زَادَ فِي التَّتِمَّةِ لِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ جَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا عَلَى الْمَيِّتِ جَازَ لِغَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ: إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ قَوْمٌ ثُمَّ جَاءَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى وَأَرَادُوا الصَّلَاةَ يَنْوُونَ صَلَاةَ الْفَرْضِ لِأَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ مَا أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنْهُ وَإِنَّمَا أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِهِ النُّكَتِ فِي الْخِلَافِ: مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْمَيِّتِ مَعَ الْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ، دَلِيلُنَا «أَنَّ سكينة مَاتَتْ لَيْلًا فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَفَنُوهَا ثُمَّ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ بِهِمْ وَصَلَّى عَلَى قَبْرِهَا» ، فَإِنْ قِيلَ فِي عَهْدِهِ ﷺ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ إِلَّا بِصَلَاتِهِ وَلِهَذَا قَالَ: ( «لَا يَمُوتَنَّ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ فَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْهِ رَحْمَةٌ لَهُ» ) قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَعْلَمَهُ النَّاسُ وَكَانُوا لَا يُصَلُّونَ وَإِنَّمَا نَدَبَهُمْ إِلَى إِعْلَامِهِ لِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ( «فَإِنَّ صَلَاتِي عَلَيْكُمْ رَحْمَةٌ» ) وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَسْقُطْ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ مَعَ النَّاسِ جَازَ لَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِمْ كَالْوَلِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: الْوَلِيُّ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ، قِيلَ لَهُ حَقٌّ قَبْلَ سُقُوطِ الْفَرْضِ، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ إِعَادَتُهَا، قَالُوا: لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ قَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهِ كمعاذ وَغَيْرِهِ، قُلْنَا: هَذَا حُجَّةٌ لِأَنَّهُ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ عَلَى قَبْرِهِ لِأَنَّهُ قَالَ ﵇: ( «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي مَسْجِدًا» ) فَإِنْ قَالُوا سَقَطَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَنْ صَلَّى مَرَّةً، قُلْنَا: يُنْكَرُ مِمَّنْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً، وَالْأَصْلُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ثُمَّ ذَاكَ سَقَطَ الْفَرْضُ بِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، وَهَاهُنَا سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ حُكْمًا، فَجَازَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعَزِيمَةِ كَالْمُسَافِرِ فِي الرُّخَصِ، لِأَنَّ مَنْ رَدَّ السَّلَامَ مَرَّةً لَا يَرُدُّ مَرَّةً أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَرُدَّ يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ - هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أبي إسحاق بِحُرُوفِهِ.

стр. 96

وَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا سُقْنَاهُ مِنَ النُّقُولِ عِدَّةُ مَسَالِكَ فِي التَّعْلِيلِ، الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: الْقِيَاسُ عَلَى فِعْلِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى. وَالْمَسْلَكُ الثَّانِي: الْقِيَاسُ عَلَى أَفْرَادِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى إِذَا كَانَتْ عَدَدًا كَثِيرًا زِيَادَةً عَمَّا يُسْقِطُ الْفَرْضَ، فَإِنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُوصَفُ بِأَنَّهُ فَرْضٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ الْفَرْضَ فِعْلُ بَعْضٍ مِنْهُمْ وَالْبَاقِيَ نَفْلٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَحَكُّمٌ؛ إِذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى بِالْوَصْفِ بِالْفَرْضِيَّةِ مِنْ بَعْضٍ. الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: الْقِيَاسُ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، فَإِذَا دُخِلَ فِيهِ صَارَ فَرْضًا، وَلَا يُسْتَنْكَرُ هَذَا فَلَهُ نَظِيرٌ فِي الْجِهَادِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْقِتَالُ إِذَا شَرَعَ فِيهِ وَحَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الِانْصِرَافُ. الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: الْقِيَاسُ عَلَى الْمُكَفِّرِ إِذَا أَتَى بِجَمِيعِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى الْكُلِّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ مَعَ أَنَّ الْوُجُوبَ سَقَطَ بِالْخَصْلَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي صُورَةِ الْمُكَفِّرِ: أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى الْجَمِيعِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ ; لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى فَرْدٍ مِنْهَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، فَانْضِمَامُ غَيْرِهِ إِلَيْهِ لَا يُنْقِصُهُ عَنْهُ. الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: الْقِيَاسُ عَلَى رَدِّ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ إِذَا رَدَّ وَاحِدٌ جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَرُدَّ وَيَكُونُ قَبْلَهُ فَرْضًا وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ نَفْلٌ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ لَا تَطَوُّعَ فِيهِ. الْمَسْلَكُ السَّادِسُ: مَنْعُ قَوْلِ الْخُصُومِ أَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ بِالْأَوَّلِينَ وَإِنَّمَا السَّاقِطُ حَرَجُهُ لَا هُوَ، فَفَرْقٌ بَيْنَ سُقُوطِ الْحَرَجِ الَّذِي كَانَ يَلْحَقُ الْأُمَّةَ لَوْ تُرِكَ وَبَيْنَ سُقُوطِ الْفَرْضِ. الْمَسْلَكُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ سُقُوطِ الْفَرْضِ فَرْقٌ بَيْنَ سُقُوطِهِ حَقِيقَةً وَبَيْنَ سُقُوطِهِ حُكْمًا، وَفِعْلُ الْأَوَّلِينَ إِنَّمَا أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنْ غَيْرِهِمْ حُكْمًا وَلَمْ يُسْقِطْهُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ حَقِيقَةً بِفِعْلِهِمْ هُمْ، فَإِذَا فَعَلُوهُ ثَانِيًا سَقَطَ عَنْهُمْ حَقِيقَةً، فَوَصَفَ فِعْلَهُمْ بِأَنَّهُ أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنْهُمْ حَقِيقَةً، وَهَذَا الْمَسْلَكُ عِنْدِي أَقْوَى الْمَسَالِكِ وَأَدَقُّهَا وَأَقْطَعُهَا لِلنِّزَاعِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُوَ مَسْلَكُ الشَّيْخِ أبي إسحاق إِمَامِ عَصْرِهِ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَالْجَدَلِ غَيْرَ مُدَافَعٍ. الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ: الْقِيَاسُ عَلَى مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَعَادَهَا فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنَّ أَحَدَ الْأَقْوَالِ فِيهَا أَنَّهُمَا جَمِيعًا يَقَعَانِ عَنِ الْفَرْضِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْفَرْضَ الْأُولَى قَالَ إِنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ فَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ. الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ: تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ مُهِمَّةٍ وَذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ اخْتُلِفَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ؟ أَوْ وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَعْضِ فَذَلِكَ الْبَعْضُ الْمُتَّصِفُ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ عَلَى الْمَعِيَّةِ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ صَلَاةَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ تُوصَفُ بِالْفَرْضِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ قَامَ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْفَرْضَ مُوَجَّهٌ

стр. 97

عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ يُبَعَّضَ وَيُجْعَلَ فِعْلُ بَعْضِ مَنْ قَامَ بِهِ فَرْضًا وَفِعْلُ بَعْضِهِمْ نَفْلًا، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ فَأَوْضَحُ وَأَوْضَحُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْلُ مُخَاطَبٌ بِالْوُجُوبِ وَمَوْصُوفٌ بِأَنَّ الْفَرْضَ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ شَبِيهٌ بِفُرُوضِ الْأَعْيَانِ مِنْ حَيْثُ تَوَجُّهِهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي وُجُوبِ الْمُبَاشَرَةِ، وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ فَرْضٌ فَفَعَلَهُ لَا يُقَالُ أَنَّ فِعْلَهُ نَفْلٌ بَلْ هُوَ فَرْضٌ قَطْعًا سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَى فِعْلِ مِثْلِهِ أَوْ لَا، وَهَذَا مَسْلَكٌ تَحْقِيقِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ قَاعِدَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَكَيْفِيَّةِ تَوَجُّهِهِ، وَالْقَوْلَانِ فِيهِ مَشْهُورَانِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ وَيَسْقُطُ بِالْبَعْضِ، وَمِمَّنْ رَجَّحَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِمَامُ فخر الدين الرازي وَالشَّيْخُ تقي الدين السبكي. الْمَسْلَكُ الْعَاشِرُ: قَالَ ابن السبكي فِي رَفْعِ الْحَاجِبِ: الْأَفْعَالُ قِسْمَانِ مَا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ فَهُوَ عَلَى الْأَعْيَانِ كَالظُّهْرِ مَثَلًا مَصْلَحَتُهَا الْخُضُوعُ وَهُوَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَكُسْوَةِ الْعَارِي، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ الْفَاعِلُونَ وَأَفْعَالُهُمْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ الْغَرَضُ وُقُوعُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى فَاعِلِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَنَّهُ كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يَقْصِدُ الشَّرْعُ حُصُولَهُ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ عَيْنَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ، قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَسْتَحِبُّونَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا مَعَ حُصُولِ الْفَرْضِ بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا؟ قُلْتُ: الْغَرَضُ بِالذَّاتِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ انْتِفَاعُ الْمَيِّتِ، وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ، فَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الِانْتِفَاعَ يَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَسْتَجِبْ دُعَاءَ الْأَوَّلِينَ، وَإِنَّمَا لَمْ نُوجِبْ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ لِئَلَّا نُوجِبَ مَا لَا يَتَنَاهَى، إِذْ لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنَ الِاسْتِجَابَةِ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَأَيْضًا فَالِاسْتِجَابَةُ لَيْسَتْ فِي قُدْرَتِنَا وَالتَّوَصُّلُ إِلَيْهَا مَرَّةً وَاجِبٌ وَبِمَا زَادَ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنَّ صَلَاةَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ تَقَعُ فَرْضًا مَعَ سُقُوطِ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ بِالْأُولَى فَكَيْفَ تَكُونُ فَرْضًا مَعَ جَوَازِ تَرْكِهَا؟ قُلْتُ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ قِسْمَانِ، مَا يَحْصُلُ تَمَامُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ أَوْ لَا وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ فَهَذَا إِذَا وَقَعَ فِعْلُهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ ثَانِيًا، وَمَا يَتَجَدَّدُ بِهِ مَصْلَحَةٌ بِتَكَرُّرِ الْفَاعِلِ كَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَهَذَا كُلُّ مَنْ أَوْقَعَهُ وَقَعَ فَرْضًا، فَإِنْ قُلْتَ: رَدُّ السَّلَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فَأَجَابَ الْجَمِيعُ كَانُوا كُلُّهُمْ مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ سَوَاءٌ أَجَابُوا مَعًا أَمْ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَمُقْتَضَى مَا تَقُولُونَ أَنَّ الْفَرْضَ فِيمَا إِذَا أَجَابُوا عَلَى التَّعَاقُبِ الْأَوَّلِ لِحُصُولِ تَمَامِ الْمَقْصُودِ بِهِ، قُلْتُ: الْمَقْصُودُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ شُرِعَ أَصْلُ السَّلَامِ إِلْقَاءُ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالَ ﷺ : ( «أَلَا أَدُلُّكُمْ

стр. 98

عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» ) وَالْمَوَدَّةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَيْنَ الْمُجِيبِ وَالْمُبْتَدِئِ دُونَ السَّاكِتِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِلثَّانِي الْجَوَابُ فَإِذَا أَجَابَ وَقَعَ فَرْضًا كَمَا قُلْنَاهُ، انْتَهَى مَا فِي رَفْعِ الْحَاجِبِ.

стр. 99

[كِتَابُ الزَّكَاةِ] [ مسائل متفرقة] مَسْأَلَةٌ: قَالُوا لَا زَكَاةَ فِي التِّينِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعِنَبِ بَلْ أَوْلَى. الْجَوَابُ: الْمَدَارُ فِي الزَّكَاةِ عَلَى وُرُودِ النَّصِّ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ فِي إِيجَابِهَا فِي التِّينِ. مَسْأَلَةٌ: مَا الْمُرَادُ بِفَقِيرِ الْبَلَدِ الَّذِي تُصْرَفُ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ هَلْ هُوَ مَنْ أَدْرَكَ وَقْتَ الْوُجُوبِ بِنِيَّةٍ تَقْطَعُ التَّرَخُّصَ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ وَإِذَا لَمْ يَقْبَلِ الْفُقَرَاءُ الزَّكَاةَ هَلْ يُجْبِرُهُمُ الْحَاكِمُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يُجْبِرْهُمْ هَلْ يَجُوزُ النَّقْلُ مَعَ وُجُودِهِمْ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْمُرَادُ بِفَقِيرِ الْبَلَدِ مَنْ كَانَ بِبَلَدِ الْمَالِ عِنْدَ الْوُجُوبِ، صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ الزركشي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّ الْفُقَرَاءَ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ قُوتِلُوا وَلَا يَصِحُّ لَهُمْ إِبْرَاءُ رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا. مَسْأَلَةٌ: شَافِعِيٌّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةِ فِطْرِهِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ بَعْضَ الْمَذَاهِبِ مِمَّنْ يُجَوِّزُ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِذْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ قَدَحَيْنِ لِأَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَمْ لَا؟ فَإِنْ جَوَّزْتُمْ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ سِنِينَ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَدْعُوَ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا وَكَّلَ مَنْ مَذْهَبُهُ جَوَازُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يُرَاعِيَ مَذْهَبَ الْمُوَكِّلِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ وَأَخْرَجَهَا لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهَلْ تَسْقُطُ عَنِ الْمُوَكِّلِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ فَهَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ إِخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ يَسْتَرِدُّهَا مِنَ الْفَقِيرِ أَوْ يُخْرِجُ الْمُوَكِّلُ بَدَلَهَا مِنْ عِنْدِهِ؟ . الْجَوَابُ: يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُقَلِّدَ بَعْضَ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَوَاءٌ عَمِلَ فِيهَا فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَذْهَبِهِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ أَمْ لَا، خُصُوصًا أَنَّ صَرْفَ زَكَاةِ الْفِطْرِ لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ رَأْيٌ فِي الْمَذْهَبِ، فَلَيْسَ الْأَخْذُ بِهِ خُرُوجًا عَنِ الْمَذْهَبِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ أَخْذٌ

стр. 100

بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ وَتَقْلِيدٌ لِمَنْ رَجَّحَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ فَيَنْظُرُ إِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ الدَّفْعَ إِلَى عَدَدٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى أَقَلَّ مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ اسْتَرَدَّ مِنَ الْفَقِيرِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ غَرِمَ الْوَكِيلُ لِبَقِيَّةِ الْأَشْخَاصِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَيَحْتَمِلُ بُطْلَانُ هَذَا التَّوْكِيلِ وَيَحْتَمِلُ صِحَّتُهُ، وَيُرَاعِي مَذْهَبَ الْمُوَكِّلِ تَنْزِيلًا لِلْإِطْلَاقِ مَنْزِلَةَ التَّعَيُّنِ بِقَرِينَةِ الْمُعْتَقِدِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ، فَإِنْ صَرَفَهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِوَاحِدٍ اسْتَرَدَّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ غَرِمَ لِأَحَدَ عَشَرَ نَفَرًا، إِذِ الْمَوْجُودُ مِنَ الْأَصْنَافِ الْآنَ أَرْبَعَةٌ فَيَغْرَمُ لِتِسْعَةٍ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ قَدَحَيْنِ وَذَلِكَ قَدَحٌ وَنِصْفٌ، وَلِاثْنَيْنِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، وَمَدَارِكُ جَمِيعِ مَا قُلْنَاهُ مِنَ التَّخْرِيجِ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِالْفِقْهِ. [بَذْلُ الْعَسْجَدِ لِسُؤَالِ الْمَسْجِدِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ فِيهِ قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ وَالَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، أَمَّا النَّقْلُ فَقَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْغُسْلِ: فَرْعٌ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ السَّائِلَ فِي الْمَسْجِدِ شَيْئًا لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ [﵄] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا، فَقَالَ أبو بكر: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ، فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عبد الرحمن فَأَخَذْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ» ) رَوَاهُ أبو داود بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ - هَذَا كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ لَيْسَتْ مَكْرُوهَةً، وَأَنَّ السُّؤَالَ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ لِأَنَّهُ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ بِأَخْبَارِ الصديق وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُقِرَّ عَلَيْهِ بَلْ كَانَ يَمْنَعُ السَّائِلَ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ إِنْ ثَبَتَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالتَّنْزِيهِ، وَهَذَا صَارِفٌ لَهُ عَنِ الْحُرْمَةِ، قُلْتُ: وَمَنْ أَخَذَ تَحْرِيمَهُ مِنْ كَوْنِهِ مُؤْذِيًا لِلْمُصَلِّينَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فَأَكْثَرُ مَا يَنْهَضُ ذَلِكَ دَلِيلًا لِلْكَرَاهَةِ، وَقَدْ نَصَّ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْخُصُومَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَكَذَا رَفْعُ

стр. 101

الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ إِذَا آذَى الْمُصَلِّينَ وَالنِّيَامَ نَصُّوا عَلَى كَرَاهَتِهِ لَا تَحْرِيمِهِ، وَالْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَاضِحٍ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ غَيْرِ مُعَارَضٍ، ثُمَّ إِلَى نَصٍّ مَنْ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ أبا داود وَالْبَيْهَقِيَّ اسْتَدَلَّا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمَا قَالَا فِي سُنَنِهِمَا بَابُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَوْرَدَا فِيهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، وَأَخْرَجَهُ الحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَ المنذري: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي حَازِمٍ سُلَيْمَانَ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ للزركشي، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ لِمَا قُلْنَاهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: وَقَفَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي تَطَوُّعٍ فَنَزَعَ خَاتَمَهُ فَأَعْطَاهُ السَّائِلَ فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] وَأَخْرَجَ ابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، وَإِذَا مِسْكِينٌ يَسْأَلُ فَقَالَ: أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ ذَاكَ الْقَائِمُ، قَالَ: عَلَى أَيِّ حَالٍ أَعْطَاكَ؟ قَالَ: وَهُوَ رَاكِعٌ، قَالَ: وَذَلِكَ علي فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَلَا الْآيَةَ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] » وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ علي قَائِمًا يُصَلِّي فَمَرَّ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حِبَّانَ وابن مردويه فِي تَفْسِيرِهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: « (نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] الْآيَةَ، عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، فَإِذَا سَائِلٌ، فَقَالَ: أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا إِلَّا ذَاكَ الرَّاكِعُ - لعلي - أَعْطَانِي خَاتَمَهُ) » ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: تَصَدَّقَ علي بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] الْآيَةَ. فَهَذِهِ خَمْسُ طُرُقٍ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي التَّصَدُّقِ عَلَى السَّائِلِ فِي الْمَسْجِدِ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: ( «قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ» ) .

стр. 102

ثُمَّ إِنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَمَا وَقَعَ فِي الْمَدْخَلِ لابن الحاج مِنْ حَدِيثِ: ( «مَنْ سَأَلَ فِي الْمَسَاجِدِ فَاحْرِمُوهُ» ) فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ نَشْدِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا، قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ نَشْدِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا وَكَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ ومحمد بن مسلمة مِنْ أَصْحَابِ مالك رَفْعَ الصَّوْتِ فِيهِ بِالْعِلْمِ وَالْخُصُومَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مَجْمَعُهُمْ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ انْتَهَى.

стр. 103

[كِتَابُ الصِّيَامِ] مَسْأَلَةٌ: لَوْ وَلَدَتِ الصَّائِمَةُ وَلَدًا جَافًّا فَهَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهَا أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: ذَكَرَ النووي الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَحَكَى فِيهَا طَرِيقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ، وَالثَّانِي: فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْغُسْلِ إِنْ أَوْجَبْنَاهُ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا، هَكَذَا أَرْسَلَ الطَّرِيقَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا ارْتَدَّ الصَّائِمُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ فَهَلْ يُعْتَدُّ بِصَوْمِهِ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ الْمَسْأَلَةَ وَحَكَى فِيهَا وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّوْمِ هَلْ تُبْطِلُهُ؟ وَمُقْتَضَاهُ تَصْحِيحُ عَدَمِ الْبُطْلَانِ فَإِنَّهُ الْأَصَحُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَهُوَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ يُصَلِّيهَا، فَتَذَكَّرَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ وَالْوَقْتُ ضَيِّقٌ بِحَيْثُ إِنَّهُ إِنْ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَنَوَى الصَّوْمَ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ خَرَجَ وَقْتُ النِّيَّةِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ أَحَدَهُمَا وَيَقْضِيَهُ أَوْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَإِذَا نَوَى بِقَلْبِهِ فَهَلْ يَحْصُلُ تَشْرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَلَا تَرْكُ النِّيَّةِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنَّ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا تَشْرِيكًا.

стр. 104

[كِتَابُ الْحَجِّ] مَسْأَلَةٌ: الطَّوَافُ هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَوْ يَسَارٌ؟ . الْجَوَابُ: يَسْرِي إِلَى ذِهْنِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ اشْتِرَاطِنَا جَعْلَ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِ الطَّائِفِ أَنَّ الطَّوَافَ يَسَارٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ يَمِينٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّائِفَ عَنْ يَمِينِ الْبَيْتِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَنْ يَسَارِ شَيْءٍ فَذَلِكَ الشَّيْءُ عَنْ يَمِينِهِ، الثَّانِي: أَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ شَيْئًا ثُمَّ أَرَادَ الْمَشْيَ عَنْ جِهَةِ يَمِينِهِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَنْ يَسَارِهِ قَطْعًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جابر «أَنَّهُ ﷺ أَتَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ ثُمَّ مَشَى عَنْ يَمِينِهِ» . مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ وَظَائِفُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ النُّزُولُ عَنْهَا بِمَالٍ لِيَحُجَّ؟ . الْجَوَابُ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ بَيْعِ الضَّيْعَةِ الْمُعَدَّةِ لِنَفَقَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ مَالِيَّةٌ، وَالنُّزُولُ عَنِ الْوَظَائِفِ إِنْ صَحَّحْنَاهُ مِثْلُ التَّبَرُّعَاتِ.

стр. 105

[كِتَابُ الْبَيْعِ] [ مسائل متفرقة] مَسْأَلَةٌ: فِي دَارَيْنِ مُشْتَرِكَتَيْنِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمْ حِصَّةٌ تُبَايِنُ الْأُخْرَى فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَبَاعُوا الدَّارَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَلِ الْبَيْعُ فَاسِدٌ لِتَحَقُّقِ الْجَهَالَةِ فِي الثَّمَنِ الْمُبْتَاعِ بِهِ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ وَجَزَمُوا فِيهِ بِالْبُطْلَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَهَالَةِ قِسْطِهِ أَمْ صَحِيحٌ؟ . الْجَوَابُ: الظَّاهِرُ الصِّحَّةُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا وَاضِحٌ، لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي اخْتِلَافِ الْحِصَصِ مَعْلُومٌ بِالْجُزْئِيَّةِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ مِنْ حَيْثُ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمَا، نَعَمْ لَوْ كَانَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ مُشْتَرِكِينَ فِيهِمَا بِالْحِصَصِ عَلَى حَدِّ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الدَّارَيْنِ اتَّجَهَ الصِّحَّةُ أَيْضًا لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّةِ. مَسْأَلَةٌ: مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ تَرْكِيبِ حَوَائِجَ يَجْتَمِعُ مِنْهَا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ وَيُسَمَّى الْكِيمْيَاءَ وَيَبِيعُهُ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَظْهَرُ لِلنُّقَّادِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؟ وَكَذَلِكَ تَرْكِيبُ حَوَائِجَ يَظْهَرُ مِنْهَا تُوتْيَا، أَوْ لَادِنٌ، أَوْ زَبَادٌ، أَوْ نِيلَةٌ، أَوْ سَمْنٌ، أَوْ قَطِرَانٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، هَلْ يُبَاحُ وَيَحِلُّ أَكْلُ ثَمَنِهِ كَالْغَالِيَةِ أَمْ لَا؟ كَالْمِسْكِ الْمَخْلُوطِ بِغَيْرِهِ وَاللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِالْمَاءِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا بَيَّنَ الْحَالَ لِلْمُشْتَرِي وَبَيْنَ مَا إِذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ، وَإِذَا بَيَّنَ وَعَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ ثَمَنِهِ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: أَمَّا مَسْأَلَةُ الْكِيمْيَاءِ فَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ فِيهَا عَدَمُ الْجَوَازِ، وَعَمَلُهَا مِنْ جُمْلَةِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا الْبَيْعُ سَوَاءٌ ظَهَرَ لِلنُّقَّادِ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ تُوتْيَا وَنَحْوُهُ الَّذِي نَقْطَعُ بِهِ فِيهِ الْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى الْغَالِيَةِ، وَيُشْتَرَطُ لِلْحِلِّ الدَّافِعِ لِلْإِثْمِ أَنْ يُبَيَّنَ الْحَالُ حَذَرًا مِنَ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْكِيمْيَاءِ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا فِيهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْقَدْرَ مِنَ الْكِيمْيَاءِ يُبَاعُ مَثَلًا عَلَى أَنَّهُ ذَهَبٌ بِدِينَارٍ، وَإِذَا حُقِّقَ أَمْرُهُ رَجَعَ إِلَى قِيمَةِ الْفَلْسِ بِخِلَافِ الْمُرَكَّبِ الْمَذْكُورِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُرَكَّبِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَالْإِثْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي

стр. 106

إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمُرَكَّبِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ اللَّبَنِ وَالْمِسْكِ الْمَخْلُوطَيْنِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْغَالِيَةِ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ بُسْتَانًا وَفِيهِ قَمِينُ طُوبٍ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: لَا يَدْخُلُ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِدُخُولِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ لَهُ حِصَّةٌ فِي فَرَسٍ بَاعَهَا لِإِنْسَانٍ وَسَلَّمَهُ جَمِيعَ الْفَرَسِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ فَسَافَرَ عَلَيْهَا سَفَرًا عَنِيفًا حَتَّى أَمْرَضَهَا فَمَنْ يُطَالَبُ؟ . الْجَوَابُ: الَّذِي سَلَّمَ الْفَرَسَ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ ضَامِنٌ لِحِصَّةِ شَرِيكِهِ، فَلِلشَّرِيكِ مُطَالَبَتُهُ وَمُطَالَبَةُ الَّذِي أَمْرَضَهَا بِالسَّفَرِ وَالْقَرَارِ عَلَيْهِ. [بَابُ الرِّبَا] مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ عِشْرِينَ نِصْفًا فِضَّةً مَغْشُوشَةً بِعَشَرَةِ أَنْصَافٍ طَيِّبَةٍ وَأَقْبَضَ فِي الْمَجْلِسِ فَهَلِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: هَذِهِ الصُّورَةُ لَهَا أَحْوَالٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ فِضَّةُ الْعِشْرِينَ مُسَاوِيَةً لِفِضَّةِ الْعَشَرَةِ وَزْنًا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ، أَمَّا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَوَاضِحٌ لِزِيَادَةِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فِي الرِّبَوِيِّ، وَأَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، وَمَنْ بَاعَ رِبَوِيًّا بِمِثْلِهِ وَمَعَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ جِنْسٌ آخَرُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. [بَابُ الْخِيَارِ] مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اشْتَرَى حُلَّةَ نُحَاسٍ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: هُوَ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ، فَإِذَا وَجَدَ عَيْبًا قَدِيمًا فَلَهُ الرَّدُّ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ جَارِيَةً أَبَقَتْ عِنْدَهُ فَأَبَقَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَاشْتَكَاهُ وَطَالَبَهُ بِثَمَنِهَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَيْسَ لَهُ حَتَّى تَرْجِعَ مِنْ إِبَاقِهَا؟ . الْجَوَابُ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْجَارِيَةِ وَلَا بِالْأَرْشِ حَتَّى تَرْجِعَ مِنْ إِبَاقِهَا فَيَرُدَّهَا عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَّنَ لَهُ هَذَا الْعَيْبَ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْإِبَاقِ فَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِالثَّمَنِ،

стр. 107

وَهَذَا الْفَرْعُ عَزِيزُ النَّقْلِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الرافعي وَلَا النووي، وَإِنَّمَا نَقَلَهُ السبكي فِي تَكْمِلَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا مُغِبَّةٌ فَبَانَتْ حَامِلًا فَهَلْ لَهُ الرَّدُّ؟ . الْجَوَابُ: نَعَمْ لِأَنَّ الْمُغِبَّةَ فِي الْعُرْفِ مَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ لَا بِحَمْلٍ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانَةُ ظُنَّتْ حَامِلًا فَبَانَتْ مُغِبَّةً. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اشْتَرَى شَقَّتَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ وَجَدَ بِإِحْدَاهُمَا عَيْبًا فَهَلْ يَثْبُتُ الْبَيْعُ فِي إِحْدَاهُمَا وَيَفْسُدُ فِي الْأُخْرَى، أَوْ يَفْسُدُ فِيهِمَا، وَهَلْ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَرْشِ الشَّقَّةِ لِرَغْبَةِ الْمُشْتَرِي فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ تَصَرَّفَ فِي إِحْدَاهُمَا فَمَا الْحُكْمُ؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ أَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ؟ . الْجَوَابُ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الشَّقَّتَيْنِ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ فَيَرُدُّهُمَا مَعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَةَ وَيُمْسِكَ السَّلِيمَةَ وَلَا طَلَبُ الْأَرْشِ، نَعَمْ إِذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي وَاحِدَةٍ ثُمَّ ظَهَرَ بِالْأُخْرَى عَيْبٌ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ حِينَئِذٍ لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ بَلْ يُطَالِبُ بِالْأَرْشِ، وَإِذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ. [بَابُ الْإِقَالَةِ] مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ بَاعَ حِمَارًا ثُمَّ طَلَبَ مِنَ الْمُشْتَرِي الْإِقَالَةَ فَقَالَ: بِشَرْطِ أَنْ تَبِيعَهُ لِي بَعْدَ ذَلِكَ بِكَذَا فَقَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَقَالَهُ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعِ فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْإِقَالَةُ؟ . الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يُدْخِلَاهُ فِي صُلْبِ الْإِقَالَةِ بَلْ تَوَاطَآ عَلَيْهِ قَبْلَهَا ثُمَّ حَصَلَتِ الْإِقَالَةُ، فَالْإِقَالَةُ صَحِيحَةٌ وَالشَّرْطُ لَاغٍ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ لَهُ ثَانِيًا، وَإِنْ ذَكَرَ الشَّرْطَ فِي صُلْبِ الْإِقَالَةِ فَسَدَتِ الْإِقَالَةُ. مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا سَنَةً ثُمَّ أَجَّرَهُ لِآخَرَ بَاقِيَ إِجَارَتِهِ ثُمَّ تَقَايَلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ مَعَ الْمُؤَجِّرِ فَإِجَارَةُ الثَّانِي صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟ وَمَنْ يُطَالِبُ الْمُسْتَأْجِرَ الثَّانِيَ وَبِمَاذَا يُطَالِبُ بِالثَّمَنِ أَمْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ؟ . الْجَوَابُ: الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلَانُ الْإِقَالَةِ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بَعْدَ إِيجَارِهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهَا، وَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ وَارِدَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ غَيْرُ بَاقِيَةٍ فِي مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ

стр. 108

مَا لَوْ تَقَايَلَا فِي الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ بَعْدَ بَيْعِهَا وَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا شُبْهَةٍ، وَإِذَا بَطَلَ التَّقَايُلُ فَالْإِجَارَةُ الثَّانِيَةُ بَاقِيَةٌ وَالْمُطَالَبَةُ لِلْمُؤَجِّرِ الثَّانِي بِمَا أَجَّرَ بِهِ. [بَابُ السَّلَمِ] [أَسْلَمَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ إِرْدَبًّا أُرْزًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَقْبَضَ] بَابُ السَّلَمِ مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَسْلَمَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ إِرْدَبًّا أُرْزًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَقْبَضَ رَأْسَ الْمَالِ فَغَلَا السِّعْرُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نِصْفَ هَذَا الْقَدْرِ وَقَالَ: إِنَّمَا جَعَلْتُ الدَّرَاهِمَ عِنْدِي وَدِيعَةً وَقَدِ اشْتَرَيْتُ لَكَ بِهَا هَذَا الْقَدْرَ. الْجَوَابُ: إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالسَّلَمِ الْمَذْكُورِ لَزِمَهُ أَدَاءُ الْأُرْزِ كَامِلًا وَلَوْ غَلَا السِّعْرُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَسْلَمَ إِلَيْهِ وَلَزِمَهُ رَدُّ الْمَالِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِي قَبُولُ مَا اشْتَرَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ. [قَدْحُ الزَّنْدِ فِي السَّلَمِ فِي الْقَنْدِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي السُّكَّرِ الْخَامِ الْقَائِمِ فِي أَعْسَالِهِ الَّذِي لَا تُضْبَطُ لَهُ نَارٌ، وَإِذَا طُبِخَ وَصَارَ فِي الْأَقْمَاعِ وَطُيِّنَ بِالطِّينِ لَا يُعْلَمُ أَيُّ شَيْءٍ يَحْصُلُ مِنْهُ سُكَّرٌ وَلَا عَسَلٌ، تَارَةً يَحْصُلُ السُّكَّرُ كَثِيرًا وَتَارَةً قَلِيلًا؟ . الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ النووي حَكَى فِي الرَّوْضَةِ وَجْهَيْنِ فِي السَّلَمِ فِي السُّكَّرِ وَلَمْ يُرَجِّحْ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ الْجَوَازَ فِي كُلِّ مَا دَخَلَتْهُ نَارٌ لَطِيفَةٌ وَمَثَّلَ بِالسُّكَّرِ، وَقَدْ نَازَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي ذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْهَا: مَنْعُ كَوْنِ نَارِ السُّكَّرِ لَطِيفَةً بَلْ هِيَ قَوِيَّةٌ، وَمِمَّنْ نَازَعَ بِذَلِكَ ابن الرفعة قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ أَجْدَرُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ مَطْبَخُ سُكَّرٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الرافعي تَصْحِيحُ الْمَنْعِ، قَالَ الإسنوي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: مُقْتَضَى كَلَامِ الرافعي فِي الْكَبِيرِ الْمَنْعُ فِي الْجَمِيعِ - يَعْنِي السُّكَّرَ - وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ إِلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ غَيَّرَهُ حَالَةَ الِاخْتِصَارِ فَحَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْأَصَحُّ فِي الْجَمِيعِ هُوَ الْمَنْعُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرافعي فَإِنَّهُ قَالَ: وَالسَّمْنُ وَالدِّبْسُ وَالسُّكَّرُ وَالْفَانِيدُ كَالْخُبْزِ فَفِي سَلَمِهَا الْوَجْهَانِ، هَذَا لَفْظُهُ،

стр. 109

وَهَذَا الْكَلَامُ مُقْتَضَاهُ الْمَنْعُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; لِأَنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْخُبْزِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ فِي بَابِ الرِّبَا إِلْحَاقُ مَا دَخَلَتْهُ النَّارُ لِلتَّمْيِيزِ بِمَا دَخَلَتْهُ لِلطَّبْخِ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، فَأَطْلَقَ النووي ذِكْرَ وَجْهَيْنِ فَقَطْ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي غَيْرِ التَّصْحِيحِ بِتَصْحِيحٍ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الْمُهِمَّاتِ. وَقَالَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي فِي نُكَتِهِ: مُقْتَضَى كَلَامِ الرافعي تَرْجِيحُ الْبُطْلَانِ فِي السَّمْنِ وَالدِّبْسِ وَالسُّكَّرِ وَالْفَانِيدِ فَإِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا الْوَجْهَيْنِ فِي السَّلَمِ فِي الْخُبْزِ وَالْأَصَحُّ فِيهِ الْبُطْلَانُ، وَحَذَفَ فِي الرَّوْضَةِ هَذَا التَّشْبِيهَ وَأَطْلَقَ ذِكْرَ وَجْهَيْنِ، انْتَهَى. وَحَاصِلُ ذَلِكَ مَيْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى تَصْحِيحِ الْمَنْعِ فِي السُّكَّرِ نَقْلًا وَمَعْنًى، أَمَّا النَّقْلُ فَلِأَنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الرافعي فِي الشَّرْحِ مَعَ مَا عَضَّدَهُ مِنْ خُلُوِّ كُتُبِ النووي عَنْ تَصْرِيحٍ بِتَصْحِيحٍ سِوَى تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا صَحَّحَ فِيهِ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَارَهُ لَطِيفَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ خِلَافُهُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قُوَّةِ نَارِهِ مَعَ الْقِيَاسِ عَلَى بَابِ الرِّبَا فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ نَارِ التَّمْيِيزِ وَغَيْرِهَا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ نَارَهُ لَطِيفَةٌ، نَعَمْ جَزَمَ البلقيني بِالْجَوَازِ فِي السُّكَّرِ وَنَقَلَهُ عَنِ النَّصِّ، هَذَا كُلُّهُ فِي السُّكَّرِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا، أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمَسْؤُولُ عَنْهَا فَهِيَ الْقَنْدُ وَهُوَ غَيْرُ السُّكَّرِ لُغَةً وَعُرْفًا، أَمَّا لُغَةً فَمَنْ رَاجَعَ كُتُبَ اللُّغَةِ وَجَدَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي التَّعْرِيفِ، وَأَمَّا عُرْفًا فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ أَفْرَدُوا الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتَكَلَّمُوا عَلَى كُلٍّ عَلَى حِدَتِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالسُّكَّرِ غَيْرَ الْقَائِمِ فِي أَعْسَالِهِ الَّذِي هُوَ الْقَنْدُ، فَمِمَّنْ أَفْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى كُلٍّ عَلَى حِدَتِهَا البلقيني فِي التَّدْرِيبِ فَقَالَ عَطْفًا عَلَى مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ: وَفِي السُّكَّرِ عَلَى النَّصِّ وَفِي الْقَنْدِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ هَذِهِ عِبَارَتُهُ، لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ولي الدين العراقي فِي فَتَاوِيهِ الْمَيْلُ إِلَى تَصْحِيحِ الْمَنْعِ فِيهِ أَخْذًا مِنْ عُمُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْقَنْدَ لَيْسَ مِثْلِيًّا، فَإِنَّ نَارَهُ قَوِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلتَّمْيِيزِ، وَيَخْتَلِفُ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً بِحَسَبِ تُرْبَةِ الْقَصَبِ وَجَوْدَةِ الطَّبْخِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مَنْعِ الْفُقَهَاءِ السَّلَمَ فِيمَا دَخَلَتْهُ النَّارُ لِلطَّبْخِ، لَكِنْ صَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ السَّلَمَ فِي الْقَنْدِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ، هَذَا لَفْظُهُ فِي فَتَاوِيهِ، وَمَا جَزَمَ بِهِ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ فَهْمًا عَنِ الْأَصْحَابِ هُوَ الْمُتَّجِهُ، وَبِهِ نُفْتِي، وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مُصَرَّحًا بِهَا فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ مَنْعِهِمَا السَّلَمَ فِيمَا طُبِخَ، وَيَزِيدُ عَلَى السُّكَّرِ غَرَرًا بِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِحَسَبِ تُرْبَةِ الْقَصَبِ، فَتَارَةً يَحْصُلُ مِنْهُ السُّكَّرُ كَثِيرًا وَتَارَةً قَلِيلًا بِخِلَافِ السُّكَّرِ فَإِنَّ هَذَا الْغَرَرَ مَعْدُومٌ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 110

[بَابُ الْقَرْضِ] [ اقْتَرَضَ جَارِيَةً مَجُوسِيَّةً] مَسْأَلَةٌ: لَوِ اقْتَرَضَ جَارِيَةً مَجُوسِيَّةً هَلْ يَجُوزُ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ وَطْئِهَا الْآنَ أَمْ لَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تُسْلِمَ، وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ ابْنَتَهَا، وَلَوِ اقْتَرَضَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: أَمَّا الْأُولَيَانِ فَالْمُتَّجِهُ فِيهِمَا مَنْعُ الِاقْتِرَاضِ كَمَا قَالَهُ الإسنوي فِي أُخْتِ الزَّوْجَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيَجُوزُ وَذَلِكَ مَنْقُولٌ. [قَطْعُ الْمُجَادَلَةِ عِنْدَ تَغْيِيرِ الْمُعَامَلَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ. . فَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَمَّا وَقَعَ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ وَهُوَ اخْتِلَافُ الْخُصُومِ فِي الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ الْمُنَادَاةِ عَلَى الْفُلُوسِ كُلُّ رِطْلٍ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، وَهَلْ يُطَالَبُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ اللُّزُومِ أَوْ يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ؟ وَهَلْ يُأْخَذُ مِنَ الْفُلُوسِ الْجُدُدُ الْمُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْعَدَدِ؟ فَرَأَيْتُ أَنْ أَنْظُرَ فِي ذَلِكَ وَفِي جَمِيعِ فُرُوعِهِ تَخْرِيجًا عَلَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ نُودِيَ عَلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَكْسُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ عِزَّةُ الْفُلُوسِ وَغُلُوُّهَا بَعْدَ كَثْرَتِهَا وَرُخْصِهَا، وَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ البلقيني كَلَامًا مُخْتَصَرًا فَنَسُوقُهُ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ بِمَا وَعَدْنَا بِهِ: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَمِ الدِّينِ البلقيني ﵀ قَالَ فِي فَوَائِدِ الْأَخِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ جلال الدين وَتَحْرِيرِهِ مَا قَالَ: اتَّفَقَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عِزَّةُ الْفُلُوسِ بِمِصْرَ وَعَلَى النَّاسِ دُيُونٌ فِي مِصْرَ مِنَ الْفُلُوسِ، وَكَانَ سِعْرُ الْفِضَّةِ قَبْلَ عِزَّةِ الْفُلُوسِ كُلُّ دِرْهَمٍ بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفُلُوسِ ثُمَّ صَارَ بِتِسْعَةٍ وَكَانَ الدِّينَارُ الْأُفْلُورِيُّ بِمِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا مِنَ الْفُلُوسِ، وَالْهِرْجَةُ بِمِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَالنَّاصِرِيُّ بِمِائَتَيْنِ وَعَشَرَةٍ، وَكَانَ الْقِنْطَارُ الْمِصْرِيُّ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَعَزَّتِ الْفُلُوسُ وَنُودِيَ عَلَى الدِّرْهَمِ بِسَبْعَةِ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الدِّينَارِ بِنَاقِصِ خَمْسِينَ، فَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ فُلُوسًا وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ صَاحِبُ دَيْنِهِ الْفُلُوسَ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَقَالَ: أَعْطِنِي عِوَضًا عَنْهَا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً بِسِعْرِ يَوْمِ الْمُطَالَبَةِ، مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ؟ ، وَظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَرِيبَةُ الشَّبَهِ مِنْ مَسْأَلَةِ إِبِلِ الدِّيَةِ، وَالْمَنْقُولُ فِي إِبِلِ الدِّيَةِ أَنَّهَا إِذَا فُقِدَتْ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ عَلَى الْجَدِيدِ، قَالَ الرافعي: فَتَقُومُ الْإِبِلُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ
следующие страницы →