Полный текст (886 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَظَهَرَ إِسْلَامُهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْفَرَاشُ فَلَا تَتَّبِعُ الْهَوَى، وَلَا تَكْذِبُ فِي الدَّعْوَى - إِلَى أَنْ قَالَ: فَتَلْقَى نَفْسُكَ فِيهَا غُرُورًا، وَتَحْسَبُ النَّارَ نُورًا، فَتَدْعُو ثُبُورًا وَتَصْلَى سَعِيرًا - إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ كُنْتُمْ مِنَ النَّسَكَةِ فَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، بَلَى مَنْ أَرَادَ الْفَخَارَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ - إِلَى أَنْ قَالَ: نَحْنُ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى يَقِينٍ قُلْ: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَفِي كِتَابٍ مُنَزَّلٍ رَأَيْتُمُوهَا أَمْ عَنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ تَلَقَّيْتُمُوهَا؟ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا - إِلَى أَنْ قَالَ: تَحْسُدُنِي عَلَى سَوَادِ الثِّيَابِ، وَقَالَ: يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ؟ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَوْ صَحَّتْ حَتَّى تَنْشَقَّ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَهَوِّنِ الْأَشْيَاءَ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا.
وَقَالَ ابن الوردي أَيْضًا فِي مُفْتَتَحِ كِتَابِ خَرِيدَةِ الْعَجَائِبِ، وَفَرِيدَةِ الْغَرَائِبِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الذَّنْبِ، قَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ، عَالِمِ الْغَيْبِ رَاحِمِ الشَّيْبِ مُنْزِلِ الْكِتَابِ - إِلَى أَنْ قَالَ: سَاطِحِ الْغَبْرَاءِ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ، فَيُمْسِكُهُ بِحِكْمَتِهِ عَنِ الِاضْطِرَابِ، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالْمَآبِ.
وَقَالَ ابن الوردي أَيْضًا فِي مُفَاخَرَةِ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ: فَقَالَ الْقَلَمُ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا - إِلَى أَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الْخَافِضِ الرَّافِعِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ - إِلَى أَنْ قَالَ: الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِهِ، وَلَا سِيَّمَا حِينَ يُسَلُّ فَتَرَى وَدْقَ الدَّمِ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ، مَا هُوَ كَالْقَلَمِ الْمُشَبَّهِ بِقَوْمٍ عُرُّوا عَنْ لَبُوسِهِمْ، ثُمَّ نَكَسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَكَأَنَّ السَّيْفَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، أَوْ كَوْكَبٍ رَاشِقٍ - إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ الْقَلَمُ: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ، يُفَاخِرُ وَهُوَ قَائِمٌ عَنِ الشِّمَالِ الْجَالِسَ عَنِ الْيَمِينِ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَنْتَ لِلرَّهْبِ وَأَنَا لِلرُّغْبِ.
وَإِذَا كَانَ بَصَرُكَ حَدِيدًا فَبَصَرِي مَا ذَهَبَ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَطَالَمَا أَمَرَّتْ بَعْضَ فِرَاخِي وَهِيَ السِّكِّينُ، فَأَصْبَحَتْ مِنَ النَّفَّاثَاتِ فِي عُقَدِكَ يَا مِسْكِينُ - إِلَى أَنْ قَالَ: تَفْصِلُ مَا لَا يُفْصَلُ، وَتَقْطَعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، لَا جَرَمَ سَمْرُ السَّيْفِ وَصَقْلُ قَفَاهُ، وَسُقِيَ مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاهُ - إِلَى أَنْ قَالَ: أَنَا مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَالْقَلَمُ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَتَلَا ذُو الْقَلَمِ لِقَلَمِهِ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَتَلَا صَاحِبُ السَّيْفِ لِسَيْفِهِ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، فَتَلَا ذُو الْقَلَمِ لِقَلَمِهِ: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، قَالَ الْقَلَمُ: أَمَا وَكِتَابِي الْمَسْطُورِ وَبَيْتِي الْمَعْمُورِ - إِلَى أَنْ قَالَ: مَعَ أَنِّي مَا أَلَوْتُكَ نُصْحًا أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي خُطْبَةِ كِتَابِ الشِّفَا: وَكَذَّبَ بِهِ وَصَدَفَ عَنْ آيَاتِهِ مَنْ كَتَبَ
стр. 317
اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقَاءَ حَتْمًا، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى، وَقَالَ أَيْضًا: حَمَّلْتَنِي مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا إِمْرًا، وَأَرْهَقْتَنِي فِيمَا نَدَبْتَنِي إِلَيْهِ عُسْرًا.
وَقَالَ الخطيب ابن نباتة الْقَدِيمُ فِي خُطْبَةٍ لَهُ: فَيَا أَيُّهَا الْغَفَلَةُ الْمُطْرِقُونَ، أَمَا أَنْتُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُصَدِّقُونَ، مَا لَكُمْ لَا تُشْفِقُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ.
وَقَالَ عبد المؤمن الأصفهاني - صَاحِبُ أَطْبَاقِ الذَّهَبِ فِي الْوَعْظِ -: فَمَنْ عَايَنَ تَلَوُّنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا يَغْتَرُّ بِدَهْرِهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الثَّرَى مَضْجَعُهُ لَا يَمْرَحُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَا قَوْمُ لَا تَرْكُضُوا خَيْلَ الْخُيَلَاءِ فِي مَيْدَانِ الْعَرْضِ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ.
وَقَالَ العماد الكاتب فِي كِتَابِ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، وَاسْتِخْلَاصِهَا مِنْ يَدِ الْفِرِنْجِ عَلَى يَدِ السُّلْطَانِ صلاح الدين بن أيوب: وَالْفَرْقُ بَيْنَ فُتُوحِ الشَّامِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَبَيْنَ فُتُوحِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَرْقٌ يَتَبَيَّنُ تَبَيُّنَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَالشَّامُ الْآنَ قَدْ فُتِحَ حَيْثُ الْإِسْلَامُ قَدْ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنْهُ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، وَهُرِيقَ شَبَابُهُ وَقَدْ عَادَ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، وَطَالَ الْأَمَدُ عَلَى الْقُلُوبِ فَقَسَتْ، وَرَانَتِ الْفِتَنُ عَلَى الْبَصَائِرِ فَطُمِسَتْ، وَعَرَضُ هَذَا الْأَدْنَى، قَدْ أَعْمَى وَأَصَمَّ حُبُّهُ، وَمَتَاعُ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْقَلِيلُ قَدْ شَغَلَ عَنِ الْحَظِّ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ كَسْبُهُ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَأَمَدَّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَكُلُّ مُعَادٍ مُعَادِي إِلَّا هَذَا الْمُعَادِيَ، وَكُلُّ مِدَادٍ يُكْتَبُ بِهِ أَسْوَدُ إِلَّا هَذَا الْمِدَادَ، أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَسَارُوا مُدَجَّجِينَ، وَسَرَوْا مُدْلِجِينَ، وَصَبَّحُوا صُفُورَتَهُ، وَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ ضِيَاءُ الدِّينِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي رِسَالَةٍ: وَعِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ إِذَا حَلُّوا بِأَرْضٍ أَمِنَتْ وَسَكَنَتْ، وَأَخَذَتْ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ. وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: وَقَلَّمَا وَلِيَ امْرُؤٌ قَوْمًا فَشَكَرُوا أَثَرَ مَقَامِهِ، وَتَأَلَّمُوا لِفَقْدِ أَيَّامِهِ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَقَالَ فِي تَقْلِيدِ حُسْنِهِ: فَابْدَأُوا أَوَّلًا بِالنَّظَرِ فِي الْعَقَائِدِ وَاهْدِ فِيهَا إِلَى سَبِيلِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الَّذِي هُوَ سَبِيلٌ وَاحِدٌ، وَتِلْكَ الْفِرْقَةُ هِيَ السَّلَفُ الصَّالِحُ الَّذِينَ لَزِمُوا مَوْطِنَ الْحَقِّ فَأَقَامُوا، وَقَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، وَمَنْ عَدَاهُمْ فَشُعَبٌ كَانُوا دِيَانًا، وَعَبَدُوا مِنَ الْأَهْوَاءِ أَوْثَانًا، وَاتَّبَعُوا مَا لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ - إِلَى أَنْ قَالَ: فَخُذْهُمْ بِآلَةِ التَّعْزِيرِ، الَّتِي هِيَ نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى - إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا التَّسْعِيرُ فَإِنَّهُ وَإِنْ آثَرَهُ الْقَاطِنُونَ، وَحَكَمَ بِهِ الْقَاسِطُونَ قِيلَ: إِنَّ
стр. 318
ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْفَقِيرِ فِي تَيْسِيرِ الْعَسِيرِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ نِدًّا لِلَّهِ فِي خَفْضِ مَا رَفَعَ، وَبَذْلِ مَا مَنَعَ، فَقِفْ أَنْتَ حَيْثُ أَوْقَفَكَ حُكْمُ الْحَقِّ، وَدَعْ مَا يَعِنُّ لَكَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْخَلْقِ، وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ تَبِعَ الرَّأْيَ وَالنَّظَرَ، وَتَرَكَ الْآيَةَ وَالْخَبَرَ، فَحِكْمَةُ اللَّهِ مَطْوِيَّةٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَلَيْسَتْ مِمَّا يَسْتَنْبِطُهُ ذُو الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ ذُو الْعَقْلِ بِعَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ تَشْفَعُ إِلَى الْخَلِيفَةِ: وَحَبَاهُ مِنْ عُمْرِ الزَّمَانِ بِعَقْدِ أَلْفٍ وَمِنْ خُلُقِهِ بِعَقِيدَةِ الْأُلْفِ، وَجَعَلَ عَقِبَهُ كَلِمَةً بَاقِيَةً إِذَا أَصْبَحَتِ الْأَعْقَابُ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَهُوَ يَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ فِي رَجَائِهِ هَذَا مِنَ الْخَائِبِينَ، وَأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، وَلَيْسَ هُنَا إِلَّا عَفْوُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى سَفِيرٍ، وَفِيهِ يَصِحُّ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ.
وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى عَنِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي إِلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ: وَلَمَّا بَلَغَ الْخَادِمُ مَحْضَرَهُ قَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا، وَعَدَّ يَوْمَهُ بِالدَّهْرِ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَيَّامِ يَوْمًا.
وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: فَعَبِقَتِ الْأَسْمَاعُ بِهَذَا الْخَبَرِ الْأَرِيجِ، وَاهْتَزَّتْ لَهُ الْآمَالُ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ. وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: فَأَصْبَحَتْ يَدِي حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، وَأَصْبَحَ خَاطِرِي أَبَا جَهْلٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَبَا لَهَبٍ، وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: وَمَحَاهُمُ الْخَطْبُ وَلَمْ يَكُنِ الْخَطْبُ بِمُرِيبٍ، وَكَانَ مَوْعِدُهُمُ الصُّبْحَ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، وَقَالَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى: فَظَنَّ فِي سَوْرَةِ قُوَّةِ الِاحْتِمَاءِ وَقَالَ: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، وَقَالَ فِي أُخْرَى: وَعِنْدَ ذَلِكَ عَمَدَ الْعَبْدُ إِلَى مَا أُمِيتَ بِهِ مِنْ عَدْلٍ فَجَعَلَهُ حِبَاءً مَنْشُورًا، وَقَدِمَ إِلَى مَا عَمِلَ بِهَا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلَهُ هَبَاءً مَنْثُورًا - إِلَى أَنْ قَالَ: تَبِعْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَابَدَ أَسْبَابًا مِنْهَا آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَيَرْجُو الْعَبْدُ أَنَّ تَكُونَ وِلَايَتُهُ هَذِهِ وِلَايَةَ بِرٍّ وَإِلْطَافٍ، وَأَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ النَّاسَ أَعْوَامًا سِمَانًا يَأْكُلْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِجَافِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أَصَابَ اللَّهُ بِهِ قَوْمًا إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَامَهُ هُوَ الْعَامَ الَّذِي فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ، وَلَقَدْ وَجَدَ مِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مَا يُقَالُ مَعَهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى، فَمَا يُرِيهِ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا مَقَامًا، وَكَذَلِكَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلْ إِلَيْهِمْ حَسْبَمَا عَنَّ لَهُمْ مِنْ مَصَالِحِهِمْ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ تَذْكِيرًا - إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَهَّدَ لَهُمْ قَوَاعِدَ الْأَحْكَامِ
стр. 319
وَأَوْضَاعَهَا مِنْ نُصُوصِ الْآيَاتِ وَأَلْمَاعِهَا ; لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، فَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ فَهُوَ فِي الدَّارَيْنِ حَمِيدٌ وَسَعِيدٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْفَعْ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، وَأَطْفَأَ نِبْرَاسَهُ يَعِشْ ذَمِيمًا وَيَصْلَى سَعِيرًا.
وَقَالَ ابن المنير فِي الِانْتِصَافِ فِي مَسْأَلَةٍ رَدَّ فِيهَا عَلَى الزَّمَخْشَرِيِّ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ نَظَرَ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ إِلَى جَهَالَةِ الْقَدَرِيَّةِ وَضَلَالِهَا لَانْبَعَثَ إِلَى حَدَائِقِ السُّنَّةِ وَظِلَالِهَا، وَلَتَزَحْزَحَ عَنْ مَزَالِقِ الْبِدْعَةِ وَمَزَالِّهَا، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ ; لِيَعْلَمَ أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقَّ بِالْأَمْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْعِلْمِ.
وَقَالَ ابن دقيق العيد فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ الْإِلْمَامِ: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا لِي مِنْ وَصْلِ مَاضِيهِ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَلَا مُوجِبًا لِأَنْ أَقْطَعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ.
وَقَالَ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ -مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ- فِي شَرْحِ كِتَابِهِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَكَانَتْ حَالَةً عَجَزَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ نَعْتِهَا، وَنَطَقَتْ بِهَا أَلْسُنٌ طَالَتْ مُدَّةُ صَمْتِهَا، وَمَا يُنْعِمُ اللَّهُ بِنِعْمَةٍ إِلَّا وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا.
وَقَالَ الشيخ جمال الدين الأسنوي فِي خُطَبِهِ الْمُهِمَّاتِ: وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُنْصِفُ هَذَا التَّصْنِيفَ، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ حَكَمَ أَنَّهُ لِنَظْمِ الْكِتَابَيْنِ كَالْقَوَافِي، وَأَنَّ هَذَا الثَّالِثَ هُوَ ثَالِثُ الْأَثَافِيِّ، وَرُبَّمَا تَأَمَّلَهُ بَعْضُ أَبْنَاءِ الْوَقْتِ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ الْخِزْيُ وَالْمَقْتُ، وَاتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَشَيْطَانَهُ مَوْلَاهُ، وَأَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَ الْحَسَدِ وَسِرْبَالَ الشَّقَاوَةِ، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَنَظَرَ إِلَيْهِ بِطَرْفٍ خَفِيٍّ، وَصُمَّ عَنْ إِدْرَاكِ مَا فِيهِ وَعَمِيَ، كَمَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ الْمَوْضُوعِ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمُسَمَّى بِالْجَوَاهِرِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا أَنْ أَشْفَعَ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ، وَلَا قَاطِعًا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ.
فَصْلٌ: وَمِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اسْتِعْمَالًا لِذَلِكَ الصُّوفِيَّةُ، وَقَدْ يُسَمَّى ضَرْبَ مَثَلٍ، وَقَدْ يُسَمَّى إِشَارَةً، بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَوْرِدِ، وَكُتُبُهُمْ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ وَمُحَاوَرَاتُهُمْ وَمُخَاطَبَاتُهُمْ حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَقَامَ بُرْهَةً لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُخَاطِبُ أَحَدًا إِلَّا مِنَ الْقُرْآنِ، وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي مُحَاوَرَاتِهِ: الجنيد، والسري، ومعروف الكرخي، والشبلي. حَضَرَ شَيْخٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ سَمَاعًا فَحَصَلَ لِبَعْضِ الْمُرِيدِينَ وَجْدٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، فَسَكَنَ عَنِ الْقِيَامِ. وَدَخَلَ آخَرُ عَلَى جَمَاعَةٍ وَهُمْ سُكُوتٌ، فَقَالَ: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ. وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فَاسْتَحْقَرَهُ
стр. 320
فِي عَيْنِهِ فَقَالَ سِرًّا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] فَاطَّلَعَ الْوَلِيٌّ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، اقْرَأْ مَا بَعْدَهَا.
وَفِي لَطَائِفِ الْمِنَنِ لِلشَّيْخِ تاج الدين بن عطاء الله: قَالَ الجنيد: التَّصْدِيقُ بِعِلْمِنَا هَذَا وِلَايَةٌ، وَإِذَا فَاتَتْكَ الْمِنَّةُ فِي نَفْسِكَ فَلَا يَفُتْكَ أَنْ تُصَدِّقَ بِهَا فِي غَيْرِكَ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أبو الحسن الشاذلي فِي حِزْبِهِ الْمَشْهُورِ: نَسْأَلُكَ الْعِصْمَةَ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْخَطَرَاتِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالظُّنُونِ وَالْأَوْهَامِ السَّاتِرَةِ لِلْقُلُوبِ عَنْ مُطَالَعَةِ الْغُيُوبِ، فَقَدِ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا لِيَقُولَ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ تاج الدين بن عطاء الله فِي الْحِكَمِ: مَا أَرَادَتْ هِمَمُ سَالِكٍ أَنْ تَقِفَ عِنْدَمَا كَشَفَتْ لَهَا وَنَادَتْهَا هَوَاتِفُ الْحَقِيقَةِ الَّذِي تَطَلَّبَ أَمَامَكَ وَلَا تَبَرَّجَتْ ظَوَاهِرُ الْمَكْنُونَاتِ إِلَّا نَادَتْكَ بِهِ حَقَائِقُهَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ، وَقَالَ: لَا تَرْحَلْ مِنْ كَوْنٍ إِلَى كَوْنٍ فَتَكُونَ كَحِمَارِ الرَّحَا يَسِيرُ وَالَّذِي ارْتَحَلَ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي ارْتَحَلَ مِنْهُ، وَلَكِنِ ارْحَلْ مِنَ الْأَكْوَانِ إِلَى الْمُكَوِّنِ، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى، وَقَالَ: لَا تُفْرِحْكَ الطَّاعَةُ ; لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنْكَ، وَافْرَحْ بِهَا ; لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنَ اللَّهِ إِلَيْكَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، وَقَالَ: قَوْمٌ أَقَامَهُمُ الْحَقُّ لِخِدْمَتِهِ وَقَوْمٌ اخْتَصَّهُمْ بِمَحَبَّتِهِ كُلًّا نَمُدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، وَقَالَ: رُبَّمَا أَفَادَكَ فِي لَيْلِ الْقَبْضِ مَا لَمْ تَسْتَفِدْهُ فِي إِشْرَاقِ نَهَارِ الْبَسْطِ، لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا.
وَقَالَ: الْحَقَائِقُ لَا تَرِدُ فِي حَالِ التَّجَلِّي مُجْمَلَةً وَبَعْدَ الْوَعْيِ يَكُونُ الْبَيَانُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ، مَتَى وَرَدَتِ الْوَارِدَاتُ الْإِلَهِيَّةُ إِلَيْكَ هَدَتِ الْعَوَائِدَ عَلَيْكَ، إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَقَالَ: الْوَارِدُ يَأْتِي مِنْ حَضْرَةِ قَهَّارٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُصَادِمُهُ شَيْءٌ إِلَّا دَمَغَهُ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ، وَقَالَ: بَلْ دَخَلُوا إِلَى ذَلِكَ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ وَمِنَ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ; لِيَكُونَ نَظَرِي إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ إِذَا أَدْخَلْتَنِي، وَاسْتِسْلَامِي وَانْقِيَادِي إِلَيْكَ إِذَا أَخْرَجْتَنِي، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا تَنْصُرُنِي وَتَنْصُرُ بِي.
وَقَالَ السِّلَفِيُّ فِي بَعْضِ أَحْزَابِهِ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ جَعْفَرَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ السَّرَّاجِ النَّحْوِيَّ بِبَغْدَادَ يَقُولُ: رَأَيْتُ عَلَى أبي الحسن القزويني الزَّاهِدِ ثَوْبًا رَفِيعًا لَيِّنًا فَخَطَرَ بِبَالِي كَيْفَ مِثْلُهُ فِي زُهْدِهِ يَلْبَسُ مِثْلَ هَذَا، فَقَالَ فِي الْحَالِ بَعْدَ أَنْ نَظَرَ إِلَيَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَ: وَحَضَرْنَا عِنْدَهُ يَوْمًا لِقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ فَتَمَادَى بِنَا الْوَقْتُ إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا
стр. 321
الشَّمْسُ وَتَأَذَّيْنَا بِحَرِّهَا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ تَحَوَّلَ الشَّيْخُ إِلَى الظِّلِّ، فَقَالَ وَاللَّهِ فِي الْحَالِ: قُلْ نَارُ جَهَنَّمُ أَشَدُّ حَرًّا.
فَصْلٌ: وَمِنْ مُصْطَلَحِ أَهْلِ فَنِّ الْبَلَاغَةِ أَنْ يُصَدِّرُوا إِنْشَاءَاتِهِمْ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِيهَا مُنَاسَبَةٌ لِمَا هُمْ بِصَدَدِهِ وَيُورِدُوهَا بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيرٍ، بِقَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ نَحْوِهِ لِتَكُونَ الْبَسْمَلَةُ مُلَاصِقَةً لِلْآيَةِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ، أَنْشَأَ الشهاب بن فضل الله صُورَةَ مُبَايَعَةٍ لِلْخَلِيفَةِ الحاكم بن المستكفي العباسي أَوْرَدَ صَدْرَهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَقُرِئَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ وَمَشَايِخِ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَكَانُوا جَمًّا غَفِيرًا وَعَدَدًا كَثِيرًا، فَمَا مِنْهُمْ مَنْ أَبْدَى لِذَلِكَ نَكِيرًا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
وَأَنْشَأَ الجمال اليعموري كِتَابَ بِشَارَةٍ بِخَلَاصِ دِمْيَاطَ مِنَ الْفِرِنْجِ بِحَضْرَةِ الشَّيْخِ عز الدين بن عبد السلام وَأَرْسَلَهُ إِلَى بَغْدَادَ لِحَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] .
وَأَنْشَأَ ابن الأثير كِتَابًا عَنْ زَعِيمِ الْمَوْصِلِ إِلَى صَدْرِ الدِّينِ شَيْخِ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ يُبَشِّرُهُ بِعَوْدِ مَمْلَكَتِهِ إِلَيْهِ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] وَأَنْشَأَ تَقْلِيدًا لِقَاضِي الْقُضَاةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ، وَأَنْشَأَ أَيْضًا رِسَالَةً فِي رَجُلٍ غَضِبَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ أَوْرَدَ صَدْرَهَا ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] .
وَأَنْشَأَ الحافظ فتح الدين بن سيد الناس رِسَالَةً فِي صُلْحٍ بَيْنَ طَائِفَةٍ أَوْرَدَ فِي صَدْرِهَا: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] .
وَأَنْشَأَ ابن الأثير كِتَابًا فِي تَهْنِئَةِ الْخَلِيفَةِ بِمَوْلُودٍ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] ، وَأَنْشَأَ كِتَابًا إِلَى أَخِيهِ العلامة مجد الدين صَاحِبِ جَامِعِ الْأُصُولِ يَذْكُرُ مُفَارَقَتَهُ مِصْرَ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٥]
стр. 322
وَأَنْشَأَ كِتَابًا إِلَى الْخَلِيفَةِ عَنِ الملك الأفضل حِينَ حُوصِرَتْ دِمَشْقُ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ، وَأَنْشَأَ كِتَابًا إِلَى الْخَلِيفَةِ عَنِ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْ مَمَالِيكِهِ أَرَادُوا الْفَتْكَ بِهِ فَظَفِرَ بِهِمْ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] .
وَأَنْشَأَ الكمال عبد الرزاق الأصبهاني مَقَامَةً فِي الْقَوْسِ أَوْرَدَ صَدْرَهَا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] .
وَكَتَبَ الشيخ علي بن وفا رِسَالَةً إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَوْرَدَ صَدْرَهَا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وَأَلَّفَ الحافظ الذهبي كِتَابًا فِي رَتَنٍ الَّذِي ادَّعَى الصُّحْبَةَ بَعْدَ السِّتِّمِائَةِ سَمَّاهُ كَسْرَ وَثَنِ رَتَنٍ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] .
وَأَنْشَأَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ كِتَابَ بِشَارَةٍ بِفَتْحِ بِلَادِ النُّوبَةِ وَالسُّودَانِ لَمَّا غُزِيَتْ أَوْرَدَ صَدْرَهُ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢] .
وَأَنْشَأَ فخر الدين بن الدهان كِتَابًا إِلَى الْقَاضِي الْفَاضِلِ يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ لِأَمِيرِ الْمَوَاصِلَةِ مَعَ السُّلْطَانِ صلاح الدين بن أيوب افْتَتَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] .
وَأَعْظَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ وَأَفْضَلُ وَأَفْخَمُ وَأَكْمَلُ إِمَامُ الْعُلَمَاءِ وَالْبُلَغَاءِ إِمَامُنَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَإِنَّهُ سَلَكَ مَسْلَكَ الْبَرَاعَةِ، وَأَتَى بِوَاجِبِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ فَصَدَّرَ كِتَابَ الرِّسَالَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وَبَنَى عَلَيْهَا الْخُطْبَةَ وَلَمْ يُصَدِّرْهَا بِقَوْلِهِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، بَلْ وَصَلَهَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مِنْ نَوْعِ الْإِنْشَاءِ فَإِنَّ وَاجِبَهَا وَصَلُ الْآيَةِ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَالَ: قَالَ اللَّهُ، وَنَحْوُهُ، ثُمَّ لَمَّا عَقَدَ الْأَبْوَابَ وَأَوْرَدَ الْآيَاتِ فِيهَا لِلِاحْتِجَاجِ صَدَّرَهَا بِقَوْلِهِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَعْطَى كُلَّ مَقَامٍ حَقَّهُ وَوَفَّى كُلَّ مَوْضِعٍ قِسْطَهُ وَكَيْفَ لَا وَهُوَ إِمَامُ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْبَرَاعَةِ وَالَّذِي يَقْتَدِي بِهِ أَكَابِرُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ؟
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ لِذَلِكَ مِنْ نُكْتَةٍ يَسْتَحْسِنُهَا أَهْلُ الذَّوْقِ أَوْ دَلِيلٍ مِنَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ يَطْرَبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّوْقِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَمَّا النُّكْتَةُ فَشَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا
стр. 323
الْآيَةَ مَقَامَ خُطْبَةِ الْمَقَامَةِ أَوِ الرِّسَالَةِ أَوْ نَحْوِهَا بِجَامِعِ أَنَّهَا ذِكْرٌ وَالْخُطْبَةُ ذِكْرٌ، كَمَا جَعَلَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مَقَامَ خُطْبَةِ الْكِتَابِ فَافْتَتَحَ بِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْآيَةُ مِنَ الْقُرْآنِ نَاسَبَ أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ بَلْ تَكُونُ مُلْصَقَةً بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَارِئَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُبَسْمِلَ وَيَقْرَأَ عَقِبَهَا مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ أَنَّهُ إِذَا بَسْمَلَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الْقِرَاءَةِ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ أَرَادَ إِيرَادَ آيَةٍ لِلِاحْتِجَاجِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ مَحْضَ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِحَالٍ، وَلَوْ فَعَلَهُ عُدَّ بِدْعَةً وَخِلَافًا لَمَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَلِمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْقِرَاءَاتِ فِي كُتُبِهِمْ، وَلِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَرِدْ قَطُّ عَنْهُ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا مِنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَقْرَءُوا مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ يَقُولُونَ عَقِبَ الْبَسْمَلَةِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُفْتَتَحِ قِرَاءَتِهِمْ، بَلْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْآيَةَ مَوْصُولَةً بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولُوا: قَالَ اللَّهُ، إِذَا أَرَادُوا إِيرَادَ آيَةٍ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى حُكْمٍ أَوْ نَحْوِهِ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَسْمِلُوا، هَذَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ افْتِتَاحَ الْخُطْبَةِ بَسْمَلَ وَوَصَلَ الْبَسْمَلَةَ بِالْآيَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللَّهُ، وَلَمَّا أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ فِي الْأَبْوَابِ بِالْآيَاتِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ، وَذَكَرَ الْآيَةَ مِنْ غَيْرِ بَسْمَلَةٍ، وَعَلَى ذَلِكَ عَمَلُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَبُلَغَائِهَا كَافَّةً.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ فَعَامٌّ وَهُوَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقِرَاءَةِ، وَخَاصٌّ وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى الْيَمَنِ فَصَدَّرَهُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ بِآيَةٍ كَالْخُطْبَةِ وَالْعُنْوَانِ وَبَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ لِلْكِتَابِ وَوَصَلَهَا بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَحْوَهُ، وَبِذَلِكَ اقْتَدَى الْأَئِمَّةُ وَالْبُلَغَاءُ فِي مُكَاتَبَاتِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ وَخُطَبِهِمْ وَإِنْشَاءَاتِهِمْ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الحافظ، أَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثَنَا أحمد بن عبد الجبار، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابن إسحاق، حَدَّثَنِي «عبد الله بن أبي بكر، عَنْ أَبِيهِ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قَالَ: هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا الَّذِي كَتَبَهُ لعمرو بن حزم حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَعَهْدًا فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لعمرو بن حزم حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَقَّ كَمَا أَمَرَهُ أَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ، وَسَاقَ الْكِتَابَ بِطُولِهِ» .
стр. 324
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ: ثَنَا سليمان بن داود، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أبي إسحاق قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا ابن الزبير ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ صَاعٌ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الِاقْتِبَاسُ فِي الشِّعْرِ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِنَا مَعَ شُيُوعِهِ فِي أَعْصَارِهِمْ، وَاسْتِعْمَالِ الشُّعَرَاءِ لَهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَسُكُوتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمُ نَصِّهِمْ عَلَى تَحْرِيمِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْهُ جَائِزًا كَضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَالِاقْتِبَاسِ فِي النَّثْرِ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ اسْتَعْمَلُوهُ فِي شِعْرِهِمْ، قَالَ الشيخ تاج الدين السبكي فِي الطَّبَقَاتِ فِي تَرْجَمَةِ الْأُسْتَاذِ أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي أَحَدِ كِبَارِ الْأَصْحَابِ وَأَجِلَّائِهِمْ، مِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
يَا مَنْ عَدَا ثُمَّ اعْتَدَى ثُمَّ اقْتَرَفْ ... ثُمَّ انْتَهَى ثُمَّ ارْعَوَى ثُمَّ اعْتَرَفْ
أَبْشِرْ بِقَوْلِ اللَّهِ فِي آيَاتِهِ ... إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفْ
قَالَ ابن السبكي: اسْتِعْمَالُ مِثْلِ الْأُسْتَاذِ أبي منصور مِثْلَ هَذَا الِاقْتِبَاسِ فِي شِعْرِهِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّهُ جَلِيلُ الْقَدْرِ وَبَعْضُ النَّاسِ بَحَثَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا الْأُسْتَاذُ أبو منصور مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَقَدْ فَعَلَ هَذَا، وَأَسْنَدَ عَنْهُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ الْأُسْتَاذُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ، وَهُمَا حُجَّةٌ فِي جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنَا أحمد بن محمد بن يزيد لِنَفْسِهِ:
سَلِ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وَاتَّقِهِ ... فَإِنَّ التُّقَى خَيْرُ مَا يُكْتَسَبُ
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ ... وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
فَإِسْنَادُ الْبَيْهَقِيِّ هَذَا الشِّعْرَ وَتَخْرِيجُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ الْجَلِيلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُجَوِّزُهُ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ الرافعي، وَنَاهِيكَ بِهِ إِمَامَةً وَجَلَالَةً وَوَرَعًا، فَقَالَ وَأَنْشَدَهُ فِي أَمَالِيهِ وَرَوَاهُ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ:
الْمُلْكُ لِلَّهِ الَّذِي عَنَتِ الْوُجُو ... هُ لَهُ وَذَلَّتْ عِنْدَهُ الْأَرْبَابُ
مُتَفَرِّدٌ بِالْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ قَدْ ... خَسِرَ الَّذِينَ يُحَارِبُوهُ وَخَابُوا
دَعْهُمْ وَزَعْمَ الْمُلْكِ يَوْمَ غُرُورِهِمْ ... فَسَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ
وَاسْتَعْمَلَهُ أَيْضًا شيخ الشيوخ الحموي، وابن الوردي وَجَمْعٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ آخِرُهُمُ الحافظ ابن حجر، وَلَمَّا أَنْشَأَ شَيْخُنَا الشهاب الحجازي كِتَابَهُ فِي اقْتِبَاسَاتِ الْقُرْآنِ
стр. 325
أَوْقَفَهُ عَلَيْهِ فَكَتَبَ لَهُ خَطَّهُ عَلَيْهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ الشرف ابن المقري صَاحِبُ الرَّوْضِ وَالْإِرْشَادِ فِي شَرْحِ بَدِيعِيَّتِهِ: مَا كَانَ مِنَ الِاقْتِبَاسِ فِي الشِّعْرِ فِي الْمَوَاعِظِ وَالزُّهْدِ وَمَدْحِهِ ﷺ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ فَهُوَ مَقْبُولٌ وَغَيْرُهُ مَرْدُودٌ، وَقَالَ التقي بن حجة: الِاقْتِبَاسُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مَقْبُولٌ وَمُبَاحٌ وَمَرْدُودٌ، فَالْأَوَّلُ مَا كَانَ فِي الْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْعُهُودِ، وَالثَّانِي مَا كَانَ فِي الْغَزَلِ وَالرَّسَائِلِ وَالْقِصَصِ، وَالثَّالِثُ مَا كَانَ فِي الْهَزْلِ وَالْخَلَاعَةِ.
وَذَكَرَ الشيخ علاء الدين العطار تِلْمِيذُ النووي فِي كِتَابٍ لَهُ أَلَّفَهُ فِي الشِّعْرِ أَنَّهُ سَأَلَ النووي عَنِ الِاقْتِبَاسِ فَأَجَازَهُ فِي النَّثْرِ وَكَرِهَهُ فِي الشِّعْرِ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الشيخ بهاء الدين بن السبكي فَجَوَّزَهُ فِي النَّثْرِ وَاسْتَعْمَلَهُ وَقَالَ: الْوَرَعُ اجْتِنَابُهُ فِي الشِّعْرِ - ذَكَرَهُ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ.
قُلْتُ: وَعِلَّةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ النَّثْرِ وَالشِّعْرِ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَمَّا نُزِّهَ عَنْ كَوْنِهِ شِعْرًا نَاسَبَ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ تَضْمِينِهِ الشِّعْرَ بِخِلَافِ النَّثْرِ.
هَذَا مَجْمُوعُ الْمَنْقُولِ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَحَاصِلُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ مِنَ الْقُرْآنِ وَاقْتِبَاسِهِ فِي النَّثْرِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي اقْتِبَاسِهِ فِي الشِّعْرِ؛ فَالْأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَاسْتَعْمَلُوهُ مِنْهُمُ الرافعي، وَأَمَّا النووي، والبهاء بن السبكي فَكَرِهَاهُ وَرَعًا لَا تَحْرِيمًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ بِتَحْرِيمِهِ لِأَحَدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي غَيْرِ الْهَزْلِ وَالْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونِ.
وَيَلْتَحِقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمُ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي عَنِ الشريف تقي الدين الحسيني أَنَّهُ نَظَمَ قَوْلَهُ:
مَجَازٌ حَقِيقَتُهَا فَاعْبُرُوا ... وَلَا تَعْمُرُوا هَوِّنُوهَا تَهُنِ
وَمَا حُسْنُ بَيْتٍ لَهُ زُخْرُفٌ ... تَرَاهُ إِذَا زُلْزِلَتْ لَمْ يَكُنِ
ثُمَّ تَوَقَّفَ لِكَوْنِهِ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الْقُرْآنِيَّةَ فِي الشِّعْرِ فَجَاءَ إِلَى الشَّيْخِ تقي الدين بن دقيق العيد ; لِيَسْتَفْتِيَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْشَدَهُ إِيَّاهُمَا قَالَ لَهُ الشَّيْخُ: قُلْ " وَمَا حُسْنُ كَهْفٍ" فَقَالَ: يَا سَيِّدِي أَفَدْتَنِي وَأَفْتَيْتَنِي، ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ داود الباخلي الشاذلي تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِاللَّطِيفَةِ الْمُرْضِيَةِ فِي شَرْحِ دُعَاءِ الشَّاذِلِيَّةِ وَبَسَطَهَا أَحْسَنَ بَسْطٍ، فَقَالَ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ - يَعْنِي الشَّيْخَ أبا الحسن الشاذلي - فَقَدِ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى آخِرِهِ هَذَا اللَّفْظُ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ التِّلَاوَةِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: فَقَدِ ابْتَلَى الْمُؤْمِنُونَ، وَلِيَقُولَ الْمُنَافِقُونَ، وَالْقُرْآنُ هُنَالِكَ ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: ١٢] وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ التِّلَاوَةَ وَلَوْ أُرِيدُ التِّلَاوَةُ لَتَعَيَّنَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِهَا إِذْ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَزِيدَ حَرْفًا فِي الْقُرْآنِ وَلَا يَنْقُصَ حَرْفًا، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَقْطَعُ بِهِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ؟ وَإِذَا لَمْ
стр. 326
يَقْصِدِ التِّلَاوَةَ جَازَ لِلْإِنْسَانِ النُّطْقُ بِاللَّفْظِ الْمُوَافِقِ لِلتِّلَاوَةِ سَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا أَوْ مُتَطَهِّرًا أَوْ يَجُوزُ مَسُّهُ مَكْتُوبًا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ; لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَزِيدَ لَفْظًا وَيَنْقُصَ لَفْظًا كَغَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ.
قَالَ: وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خُصُوصًا فِي وَقْتٍ وَتَرَدَّدَ سُؤَالُ النَّاسِ مِنِّي عَنْهَا، وَأَجَبْتُ عَنْهَا، قَالَ: وَهَذَا نَصُّ السُّؤَالِ: هَلْ يَجُوزُ ذِكْرُ كَلِمَاتٍ يَسِيرَةٍ مِمَّا يُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَيُقْصَدُ بِهِ مَعْنًى غَيْرُ مَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ لِمَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أَوْ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] أَوْ عَتَبٌ عَلَى أَمْرٍ فَقَالَ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨] فَإِنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ غَيْرُ مَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ هُوَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] أَوْ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ فَثَبَتَ قَوْمٌ وَاضْطَرَبَ آخَرُونَ فَقَالَ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] أَوْ ضَمَّنَ ذَلِكَ خُطْبَةً أَوْ رِسَالَةً قَاصِدًا سِيَاقَ قَوْلِهِ غَيْرَ قَاصِدٍ مَعَانِيَ التِّلَاوَةِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيَنْقُصَ مِنْهُ أَوْ يُغَيِّرَ نَظْمَهُ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ أَوْ تَغْيِيرِ حَرَكَةِ إِعْرَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَنَصُّ الْجَوَابِ: الْكَلَامُ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ مُسْتَمَدٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا تَحْقِيقُ مَعَانِي ذَلِكَ وَتَبْيِينُ وُجُوهِ قَوَاعِدَ تَنْبَنِي عَلَيْهَا وُجُوهُ مَعَانِيهِ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي الْكَلَامَ مِنْ عُلُومٍ غَامِضَةٍ جَلِيلَةٍ هِيَ أَسَاسُ الْعُلُومِ، وَمُسْتَنَارُ الْفُهُومِ قَلَّ مَنْ يَصِلُ بِالتَّحْقِيقِ إِلَيْهَا، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهَا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِعُلُوِّهَا عَنْ فَهْمِ الْعُمُومِ، وَغُمُوضِ مَعَانِيهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْفُهُومِ كَعِلْمِ قَوَاعِدِ مَعْرِفَةِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، وَعِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَدَقَائِقِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَأَسْرَارِهِمَا، وَعِلْمِ الْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ وَالْمَعَانِي وَتَصَرُّفِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَسَعَةِ مَيْدَانِهِ، وَالنَّظَرِ فِي سُرْعَةِ تَصْرِيفِ جَوَادِ الْبَلَاغَةِ عِنْدَ إِطْلَاقِ عِنَانِهِ فِي أَنْحَاءِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ وَالتَّصَرُّفِ فِي بَدَائِعِ الْمَعَانِي فِي التَّوَصُّلِ إِلَى الْإِفْهَامِ، وَلِكُلِّ عَبْدٍ فِي مِقْدَارِ فَهْمِهِ وَمَبْلَغِ عِلْمِهِ حَالٌ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.
وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ عز الدين بن عبد السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي نَحْوِ ذَلِكَ، وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقَالَ: لَا أُجِيبُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِدِقَّةِ الْجَوَابِ عَنْ أَفْهَامِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَطُفَ الْكَلَامُ فِي دَقَائِقِ الْعُلُومِ اسْتَصْعَبَ ذَلِكَ عَلَى فَهْمِ مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا فَهْمٍ ثَاقِبٍ، وَذِهْنٍ صَحِيحٍ وَمُمَارَسَةٍ لِكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتٌ لِإِدْرَاكِ غَامِضِ الْمَعَانِي، وَلَقَدْ ذَاكَرْتُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ شَيْخَ وَقْتِهِ وَإِمَامَ عَصْرِهِ شَيْخَنَا الشَّيْخَ شمس الدين الجزري فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي: حَضَرْتُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ
стр. 327
فَحَاوَلْتُ أَنْ أُوصِلَ إِلَى أَذْهَانِهِمْ مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ لِبُعْدِ أَذْهَانِهِمْ عَنْ إِدْرَاكِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلِ الْآخَرِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَهِيَ الْقَوَاطِعُ السَّمْعِيَّةُ وَالنُّقُولُ الْبَيِّنَةُ الْجَلِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ، وَيَرْتَفِعُ عِنْدَ وُجُودِهَا النِّزَاعُ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ كِفَايَةٍ وَأَكْبَرُ حُجَّةٍ، وَأَجَلُّ بَيَانٍ، وَأَوْضَحُ مَحَجَّةٍ، إِذِ النُّقُولُ الصَّرِيحَةُ يَصِلُ إِلَى فَهْمِ مَعْنَاهَا وَإِدْرَاكِ دَلَالَتِهَا عُمُومُ الْأَفْهَامِ، وَيَشْتَرِكُ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ بِهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَفِي تَقَصِّيهَا وَالنَّظَرِ لِمَا فِيهَا مَا هُوَ جَوَابٌ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَبَيَانٌ لِمِثْلِ هَذَا الْحَالِ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْخُطَبَاءِ وَالْأُدَبَاءِ، وَمَا سَطَّرَهُ فِي ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ وَأَئِمَّةُ اللِّسَانِ قَوْلًا.
وَالثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى فِي ذَلِكَ حُكْمًا، وَذَلِكَ أَمْرٌ فِي ذَلِكَ كَافٍ، وَجَوَابٌ فِي الْمَسْأَلَةِ شَافٍ. أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ علي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: " «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " الْحَدِيثَ، هَذَا ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ التِّلَاوَةَ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] فَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ بَيَانٍ وَأَشْفَى جَوَابٍ لِمَا ذُكِرَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عِنْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: وَجْهُ قَوْلِهِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تِلَاوَةَ الْآيَةِ بَلِ الْإِخْبَارُ بِالِاعْتِرَافِ بِحَالِهِ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى قَوَاعِدَ جَلِيلَةٍ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِشَيْءٍ مِنْ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ غَيْرُ التِّلَاوَةِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَأَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ غَيْرُ التِّلَاوَةِ جَازَ أَنْ يُحْذَفَ شَيْءٌ مِنْهُ وَيُزَادَ عَلَى سِيَاقِ قَوْلِ قَائِلِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ هرقل فَإِنَّ فِيهِ: «ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هرقل عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ، وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ - إِلَى قَوْلِهِ: بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» ، فَذَكَرَ فِيهِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَالتِّلَاوَةَ وَالسَّلَامَ، وَذَكَرَ فِيهِ وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : " «اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» " وَالتِّلَاوَةُ ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾ [البقرة: ٢٠١] وَقَدْ سَمَّاهُ أَنَسٌ دُعَاءً وَلَمْ يُسَمِّهِ تِلَاوَةً.
وَفِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثُ: " «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ
стр. 328
أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُبْعَثُ» " الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: " «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ» "، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» ".
وَحَدِيثُ البراء: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] ".
» وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» فَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ الْحَذْفِ حَيْثُ حَذَفَ الْهَاءَ مِنْ تَفْعَلُوهُ، وَالزِّيَادَةِ. وَالْقَصْدُ سِيَاقُ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ إِذَا قَصَدَ غَيْرَ التِّلَاوَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى مالك فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يحيى بن سعيد أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ: " «اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأَغِثْنِي مِنَ الْفَقْرِ» "، وَرُوِيَ فِي كِتَابٍ إِلَى مَلِكِ فَارِسَ " «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كسرى عَظِيمِ فَارِسَ- إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ; لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ» ".
وَرُوِيَ فِي عَهْدِ أبي بكر لعمر: " هَذَا مَا عَهِدَ أبو بكر خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْخَيْرَ أَرَدْتُ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ "، وَفِي رِسَالَةِ أبي بكر إِلَى علي أَيَّامَ تَوَقُّفِهِ عَنِ الْبَيْعَةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ شَهِيدٌ وَبِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ بَصِيرٌ، وَقَالَ علي فِي جَوَابِهِ آخِرَ كَلَامٍ لَهُ: وَإِنِّي عَائِدٌ إِلَى جَمَاعَتِكُمْ وَمُبَايِعٌ صَاحِبَكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا.
стр. 329
وَمِنْ رَسَائِلِ الْقَاضِي الْفَاضِلِ وَقَدْ ذَكَرَ الْفِرِنْجَ: وَغَضِبُوا زَادَهُمُ اللَّهُ غَضَبًا، وَأَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ حَطَبًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْفَقِيهِ الْإِمَامِ الْخَطِيبِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نَبَاتَةَ فِي خُطَبِهِ الْمَشْهُورَةِ السَّائِرَةِ شَرْقًا وَغَرْبًا قَالَ فِي خُطْبَةٍ هُنَالِكَ: يُرْفَعُ الْحِجَابُ، وَيُوضَعُ الْكِتَابُ، وَيُجْمَعُ مَنْ وَجَبَ لَهُ الثَّوَابُ، وَحَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ فَيُضْرَبُ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ، وَقَالَ فِي خُطْبَةٍ أُخْرَى: يَا لَهُ مِنْ نَادِمٍ عَلَى تَضْيِيعِهِ أَسَفًا عَلَى الْمُسِيءِ مِنْ صَنِيعِهِ، حَيْثُ عَايَنَ رُتَبَ الصَّالِحِينَ وَأَبْصَرَ مَنَازِلَ الْمُفْلِحِينَ الَّذِينَ قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَكَانُوا نُصْبَ نَهْيِهِ وَأَمْرِهِ وَلَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِهِ، وَقَالَ فِي أُخْرَى: أَلَا وَإِنَّ الْجِهَادَ كَنْزٌ وَفَّرَ اللَّهُ بِهِ أَقْسَامَكُمْ، وَحِرْزٌ طَهَّرَ اللَّهُ بِهِ أَجْسَامَكُمْ، وَعِزٌّ أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ إِسْلَامَكُمْ، فَإِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، فَأَحْسِنُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ الثِّقَةَ بِمَنْ لَمْ يَزَلْ بِكُمْ بَرًّا لَطِيفًا، وَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا، وَاغْتَنِمُوا بِمُقَارَعَةِ الْعَدُوِّ وَقُرْبِ الْفَرَجِ فَإِنَّ اللَّهَ اجْتَبَاكُمْ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
وَقَالَ فِي أُخْرَى: وَخَرِسَتِ الْأَلْسُنُ الْفَصِيحَةُ عَنِ الْكَلَامِ، وَقُضِيَ بِدَارِ الْبَوَارِ لِمَنْ حُرِمَ دَارَ السَّلَامِ وَعُرِفَ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَأُخِذُوا بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ، وَكَلَامُهُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي خُطَبِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْفُصَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ اللِّسَانِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الْخُطَبِ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ ; لِأَنَّهَا اشْتَهَرَتْ عَلَى رُءُوسِ الْمَنَابِرِ، وَذُكِرَتْ فِي جَمْعِ الْمُسْلِمِينَ وَجُمُوعِهِمْ وَتَكَرَّرَتْ عَلَى أَسْمَاعِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ فَالِاحْتِجَاجُ بِهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ جَلِيٌّ ظَاهِرٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ناصر الدين بن المنير فِي خُطَبِهِ الْمَشْهُورَةِ مَعَ اشْتِهَارِهِ بِالْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ وَتَقَدُّمِهِ وَتَبَحُّرِهِ فِي ذَلِكَ وَسِيَادَتِهِ، فَقَالَ فِي خُطْبَةٍ: كَيْفَ بِكَ إِذَا جِئْتَ وَأَنْتَ لِجَمِيعِ مَا خَلَّفْتَ فَاقِدٌ؟ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَاهِدٌ. وَقَالَ فِي أُخْرَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَيُكَافِئُ بِالْحُسْنَى وَالزِّيَادَةِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا. وَقَالَ فِي أُخْرَى: بَلْ هُوَ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ يَسْمَعُ النَّجْوَى، وَيَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَهُوَ تَعَالَى أَيْنَمَا كُنَّا مَعَنَا. وَقَالَ فِي أُخْرَى: فَاللَّهَ اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ شَمِّرُوا الذَّيْلَ، فَإِنَّ السَّيْلَ قَدْ بَلَغَ الزُّبَى فَحُلُّوا الْحُبَا وَسُلُّوا الظِّبَا، وَأَعِدُّوا لِعَدُوِّكُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَهُمْ بِهِ رَهَبًا.
قَالَ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْخُطَبِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي تِلْكَ، وَتَزِيدُ هَذِهِ بِوُفُورِ عِلْمِ مَنْ نُسِبَتْ إِلَيْهِ وَتَقَدُّمِهِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ مِنْ هَذَيْنِ لِشُهْرَتِهِمَا
стр. 330
وَكَثْرَةِ دَوْرِ خُطَبِهِمَا بَيْنَ النَّاسِ وَكَثْرَتِهِمَا، وَإِلَّا فَكَلَامُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُصَحَاءِ فِي هَذَا الْمِنْهَاجِ مُتَّسِعٌ وَكَثِيرٌ، وَسُلُوكُ أَرْبَابِ الْعُلُومِ وَالْآدَابِ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ وَشَهِيرٌ.
وَقَالَ الحريري فِي الْمَقَامَةِ الثَّانِيَةِ الْحُلْوَانِيَّةِ: فَلَمْ يَكُ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، حَتَّى أَنْشَدَ فَأَغْرَبَ، وَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ الْكُوفِيَّةِ: فَهَلْ سَمِعْتُمْ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا الْعُجَابِ؟ فَقُلْنَا: لَا وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ. وَقَالَ فِي السَّادِسَةِ: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، وَجُرْتُمْ عَنِ الْقَصْدِ جِدًّا، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: فَإِنْ كُنْتَ صَدَعْتَ عَنْ وَصْفِكَ بِالْيَقِينِ فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَقَالَ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: وَاصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الزَّمَانِ وَمُرِّهِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَالَ فِي الرَّجَبِيَّةِ: كَلَّا سَاءَ مَا تَتَوَهَّمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، وَقَالَ فِي الْمَيَّافَارِقِيَّةِ:
وَلَا سِيَّمَا يَفْتَحُ مُسْتَصْعَبًا ... مُسْتَغْلَقَ الْبَابِ مَنِيعًا مَهِيبْ
إِلَّا وَنُودِيَ حِينَ يَسْمُو لَهُ ... نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبْ
وَقَالَ فِي الْبَغْدَادِيَّةِ: فَعَاهَدَنِي أَنْ لَا أَفُوهَ بِمَا اعْتَمَدْ مَا دُمْتُ حِلًّا بِهَذَا الْبَلَدْ، وَقَالَ فِي الْمَلَطِيَّةِ: فَقَالَ افْعَلْ لِئَلَّا يَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ وَيَظُنُّوا بِي الظُّنُونَ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرٌ جِدًّا. وَالْقَصْدُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا ذُكِرَ لِيَعْلَمَ النَّاظِرُ أَنَّهُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، وَالِاسْتِشْهَادُ بِمَا فِي الْمَقَامَاتِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهَا بَيْنَ النَّاسِ وَاشْتِهَارِهَا وَاطِّلَاعِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا فِيهَا وَقِرَاءَتِهَا وَإِقْرَائِهَا وَحِفْظِهَا وَشَرْحِهَا وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا يُوَضِّحُ صِحَّةَ الِاسْتِشْهَادِ بِمَا فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرُوهَا، أَنَا أَذْكُرُ جُمْلَةً دَالَّةً عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مُؤَكِّدَةً لِمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ وَعُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ وَفُرْسَانُ اللِّسَانِ وَالَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا الشَّأْنِ ; لِيُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَعْلُومُ السَّبِيلِ عِلْمًا جَزْمًا، وَأَنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ نَثْرًا وَنَظْمًا: وَأَنْشَدَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً فِي كِتَابِ الْإِعْجَازِ لَهُ، وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْفَوَائِدِ لَهُ قَالَ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ:
رَحَلَ الظَّاعِنُونَ عَنْكَ وَأَبْقَوْا ... فِي حَوَاشِي الْحِشَاءِ وَجْدًا مُقِيمَا
قَدْ وَجَدْنَا السَّلَامَ بَرْدًا سَلَامًا ... إِذْ وَجَدْنَا النَّوَى عَذَابًا أَلِيمَا
وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْبَيَانِ فِي كُتُبِهِمْ فَقَدْ أَكْثَرُوا مِنْ ذَلِكَ أَنْشَدُوا لِلْحَمَاسِيِّينَ:
إِذَا رُمْتُ عَنْهَا سَلْوَةً قَالَ شَافِعٌ ... مِنَ الْحُبِّ مِيعَادُ السُّلُوِّ الْمَقَابِرُ
стр. 331
سَيَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ وَالْحَشَا
سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
لَا تُعَاشِرْ مَعْشَرًا ضَلُّوا الْهُدَى ... فَسَوَاءٌ أَقْبَلُوا أَوْ أَدْبَرُوا
بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ... وَالَّذِي يُخْفُونَ مِنْهَا أَكْبَرُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ عَلَى هَجْرِنَا ... مِنْ غَيْرِ مَا جُرْمٍ فَصَبْرٌ جَمِيلْ
وَإِنْ تَبَدَّلْتِ بِنَا غَيْرَنَا ... فَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلْ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
خَلَّةُ الْغَانِيَاتِ خَلَّةُ سُوءٍ ... فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
وَإِذَا مَا سَأَلْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ... فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ
قَالَ: وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً كَثِيرَةً لَكِنْ فِي التَّنْبِيهِ بِمَا ذُكِرَ كِفَايَةٌ ; وَلِأَنِّي أَكْرَهُ ذِكْرَ التَّضْمِينِ فِي الشِّعْرِ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ مَشْهُورٌ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى وَعُلَمَاءُ الْأُصُولِ فَقَدْ نَصَّ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ إِمَامُ هَذَا الْفَنِّ وَالْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ لَهُ عَلَى تَضْمِينِ كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي نَثْرِ الْكَلَامِ وَنَظْمِهِ، وَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً، وَلَكِنْ أَشَارَ إِلَى كَرَاهَةِ التَّضْمِينِ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِإِجْلَالِ كَلِمَاتٍ تُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ أَنْ تُسَاقَ فِي أَوْزَانِ الشِّعْرِ وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً دُونَ الْمَنْعِ وَالتَّحْرِيمِ، وَالْمَكْرُوهُ جَائِزٌ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْكَلَامِ، وَكَلَامُ مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَافٍ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ محيي الدين النووي فِي كِتَابِ التِّبْيَانِ لَهُ فَقَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا قَالَ الْإِنْسَانُ: خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، وَقَصَدَ بِهِ غَيْرَ الْقُرْآنِ فَهُوَ جَائِزٌ، قَالُوا: وَيَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنْ يَقُولَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ إِذَا لَمْ يَقْصِدَا الْقُرْآنَ فَانْظُرْ صَرِيحَ هَذَا النَّقْلِ، وَهَذَا إِمَامٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَلْ هُوَ فِي هَذَا الزَّمَانِ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ فِي نَقْلِهِ وَتَصْحِيحِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِ أَنْ يُقْصَدَ غَيْرُ
стр. 332
الْقُرْآنِ كَرَّرَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ قُدْوَةٌ فِي الْعُلُومِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ، وَلَوْ بُسِطَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ نَقْلًا وَبَحْثًا لَاتَّسَعَ جِدًّا، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبَيْنِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْبَيَانِ وَأَئِمَّةُ الْفَصَاحَةِ وَأَهْلُ الِاجْتِهَادِ فِي بَدَائِعِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ فَقَدْ أَوْضَحُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَسَمَّوْهُ بِالِاقْتِبَاسِ، وَلَمْ يَكْتَفُوا فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ الْجَوَازِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ وَجَيِّدِهِ وَمَعْدُودًا فِي طَبَقَاتِ الْفَصَاحَةِ إِذْ هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْبَدِيعِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى التَّصْرِيحِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى، وَأَئِمَّةُ الْفَصَاحَةِ وَهُوَ كَمَا تَرَى أَمْرٌ بَيِّنٌ مَعْلُومٌ وَاضِحٌ لِلْمُتَأَمِّلِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وَشَوَاهِدُهَا مِنَ السُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُصَحَاءِ كَثِيرٌ جِدًّا.
وَمِمَّا اسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلَى الِاقْتِبَاسِ مَعَ تَغْيِيرِ اللَّفْظِ الْمَنْقُولِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ:
قَدْ كَانَ مَا خِفْتُ أَنْ يَكُونَا ... إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاجَعُونَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
يُرِيدُ الْجَاهِلُونَ لِيُطْفِئُوهُ ... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّهْ
وَمِمَّا اسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلَى الِاقْتِبَاسِ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ قَوْلُ ابن عباد:
قَالَ لِي إِنَّ رَقِيبِي ... سَيِّئَ الْخُلْقِ فَدَارِهْ
قُلْتُ دَعْنِي وَجْهَكَ الْجَ ... نَّةُ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهْ
وَهَذَا لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحَدِيثَ أَصْلًا، بَلْ هُوَ مُوَافَقَةٌ فِي ظَاهِرِ عِبَارَةٍ فَقَطْ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُسَدِّدُ وَالْهَادِي، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. انْتَهَى جَوَابُ الشَّيْخِ داود الشاذلي بِلَفْظِهِ، وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحَدُ مُحَقِّقِي الصُّوفِيَّةِ أَخَذَ التَّصَوُّفَ عَنِ الشَّيْخِ تاج الدين بن عطاء الله، وَالْعُلُومَ عَنِ الشَّيْخِ شمس الدين محمد بن يوسف الجزري شَارِحِ مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَلَهُ مُؤَلَّفَاتٌ جَيِّدَةٌ تُؤْذِنُ بِطُولِ بَاعٍ، وَرُسُوخِ قَدَمٍ وَسَعَةِ اطِّلَاعٍ، ﵀ وَنَفَعَنَا بِهِ.
стр. 333
[أَسْئِلَةٌ وَارِدَةٌ مَنِ التَّكْرُورِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَذَا كِتَابٌ فِيهِ أَسْئِلَةٌ مِنَ الْفَقِيرِ الْعَاصِي الْحَقِيرِ الْمُذْنِبِ الْمُنْكَسِرِ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ الْكَرِيمِ الْكَبِيرِ وَسَمَّيْتُهُ مَطْلَبَ الْجَوَابِ بِفَصْلِ الْخِطَابِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَامِلِ الذَّاتِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الْأَزَلِيِّ الصِّفَاتِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى حَبِيبِهِ الْمُفَضَّلِ عَلَى سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ.
فَصْلٌ: رَدُّ الْجَوَابِ عَلَى مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ فَرْضٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] كَمَا أَنَّ السُّكُوتَ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ فَرْضٌ كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وَكَذَلِكَ أَنْ نَخْضَعَ لِمَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يُعَلِّمْهُ لَكَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا وَكَانُوا عِبَادًا مُكْرَمِينَ، وَأَبَى إِبْلِيسُ وَقِيلَ لَهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] وَالسُّؤَالُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَرْضٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
فَصْلٌ: نَسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ عَادَةُ مُلُوكِهِمْ أَخْذُ الْأَمْوَالِ مِنْهُمْ بِعَادَةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي زَمَنٍ مَعْرُوفٍ، وَأَكْثَرُهُ عِنْدَ ظُهُورِ الثُّرَيَّا أَوِ الشِّتَاءِ أَوِ الصَّيْفِ بِأَمْوَالٍ شَتَّى، مِنْهَا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ كَالْمَنِّ، وَمِنْهَا مَا يَخْرُجُ مِنَ الدَّوْمِ حَتَّى حِبَالُهَا وَنِعَالُهَا وَحَصِيرُهَا وَيَفْرِضُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَالْبَلَدُ لِلْمُلُوكِ، وَمَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمْ فَيَجِيءُ عِنْدَهُمْ فَيُعْطِيهِمْ شَيْئًا ثُمَّ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِ شُرُوطَهُمْ فَيُرْضُونَهُمْ، فَإِنَّ نَقَصَ شَيْءٌ مِنْ خَرَاجِهِمْ أَخَذُوهُ وَعَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ وَجَعَلُوا فِي بِلَادِهِمْ مَنْ أَرَادُوا.
فَصْلٌ: وَلَهُمْ عِنْدَ قَوْمٍ بَقَرَاتٌ وَشِيَاهٌ وَمَزَاوِدُ طَعَامٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْخَرَاجِ فِي كُلِّ زَمَنٍ مَعْرُوفٍ، فَمَنْ أَعْطَى وَإِلَّا ضَرَبُوهُ أَوْ نَفَوْهُ.
فَصْلٌ: وَيَأْتِيهِمْ سَادَاتُ قَوْمٍ وَكُبَرَاؤُهُمْ مَعَ جَمَاعَاتِهِمْ فَيَطْلُبُونَ الْبِلَادَ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: إِنْ كَانَتْ عَادَتُنَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَأْتُوا بِقَبِيلَتِكُمْ فَلْنَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْكُمْ. يَحْكُمُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَمَرَّةً يَحْكُمُونَ لِمَنْ يُعْطِيهِمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً أَوْ يَرْجُونَ مِنْهُ أَوْ يَخَافُونَ شَرَّهُ.
стр. 334
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَاصِمُ عَلَى الْأَحْرَارِ وَيَدْعُوهُمْ بِالْعَبِيدِ، فَإِنْ مَاتَ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يَقْسِمُوا بَيْنَ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُوهُمْ مَنْ بَقِيَ بِاسْمِ الرِّقِّ، وَإِنْ قُلْتَ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ كَادُوا يَقْتُلُونَكَ وَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدٌ أَتْبَاعٌ لِلسَّيْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُمْ كَالْخَدَمِ بِالضَّرْبِ وَالْعَذَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْخَرُ مِنْهُمْ وَيَأْخُذُ مِنْهُمُ الْأَمْوَالَ وَلَا يَضُرُّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهُمْ بِالتَّنَافُسِ وَالتَّنَازُعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَمَّرُ عَلَى قَوْمٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْخَرَاجَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ الْمُلُوكُ، فَإِنْ أَبَوْا نَفَاهُمْ أَوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ أَوْ وُزَرَاءَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَمَّرُ عَلَى بَلَدٍ فَيَتْرُكُهُ وَيَمْشِي إِلَى أَحْرَارِ قَبِيلَتِهِ حَيْثُ كَانُوا فَيَأْخُذُ مَا أَرَادَ حَتَّى يَكُونَ الْقِتَالُ فِي ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُورَثُ فَمَا تَرَكَهُ بَعْدَهُ لِأَبْنَاءِ إِخْوَتِهِ وَأَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْجَاهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ أَمِيرًا عَلَى قَوْمٍ فَيُعْطِي الْمُلُوكَ مَالَهُ ثُمَّ يَجِيءُ عِنْدَهُمْ فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ أَضْعَافَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: مِنْ بَعْضِ أَمْوَالِ الْمُلُوكِ الْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَكْسُ الْأَسْفَارِ وَالْأَسْوَاقِ عَلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ بِالْخَيْلِ، أَوِ الْإِبِلِ، أَوِ الْبَقَرِ، أَوِ الْغَنَمِ، أَوِ الرَّقِيقِ، أَوِ الثِّيَابِ، أَوِ الطَّعَامِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْأَبْوَابِ عِنْدَ دُخُولِ قَوْمٍ أَوْ خُرُوجِهِمْ وَلَوْ بِحَطَبٍ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ الْمُصَاحَبَةُ وَالْمُرَاسَلَةُ فَإِنْ قَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَهَبُوهُمْ أَوْ قَطَعُوا عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ لَمْ يُبَالُوا بِذَلِكَ إِنْ أَعْطَوْهُمْ شَيْئًا، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا أَغَرْتَ عَلَى الْكُفَّارِ وَآذَيْتَهُمْ آذَاكَ أَكْثَرَ مِمَّا آذَيْتَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَوْنًا لِلْكُفَّارِ وَضَعْفًا لِلْمُسْلِمِينَ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ الْكُفَّارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِسُكُونِ بِلَادِهِمْ أَوْ رِبْحِ تِجَارَتِهِ فِي أَرْضِهِمْ أَوْ سُكُونِ بَعْضِ أَقَارِبِهِمْ أَوْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ مِنْ دُنْيَاهُمْ لَا يُبَالُونَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ إِلَّا حَيْثُ كَانَتِ اللُّقْمَةُ بَدَاءً.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُبَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَّا حَيْثُ كَانَ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يُعْطِي الْمَرْأَةَ صَدَاقَهَا أَصْلًا وَكَانَ ذَلِكَ عَادَةً فَلَيْسَ لَهُنَّ عِنْدَ الرِّجَالِ إِلَّا الذَّبِيحَةُ وَالنَّفَقَةُ.
فَصْلٌ: وَعَادَتُهُمْ عَدَمُ الْحَيَاءِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ بِالنِّسَاءِ وَخَلْوَتِهِمْ بِهِنَّ، وَاللَّعِبُ بِهِنَّ وَحَدِيثُهُنَّ وَرُؤْيَتُهُنَّ وَكَشْفُ زِينَتِهِنَّ، وَأَكْثَرُهُنَّ لِلْمِزْمَارِ وَالْعُودِ وَالْغِنَاءِ وَضَرْبِ الدُّفُوفِ
стр. 335
وَالزَّغَارِيتِ وَآلَاتِ اللَّهْوِ كُلِّهَا وَيُعَرِّضْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ وَيَقُلْنَ إِنَّ الْجِنَّ فِينَا وَإِنَّ دَوَاءَنَا بِذَلِكَ، وَفِيهِنَّ مَنْ يَقُلْنَ إِنَّ مِنَ الْخَدَمِ مَنْ يَقْتُلُ، وَإِنْ مَسَّكَ مَرِضْتَ وَإِذَا جَنَّ اللَّيْلُ يَطِرْنَ وَمَعَهُنَّ النَّارُ وَيَقْتُلْنَ بِذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ تَكْبُّرًا وَتَجَبُّرًا وَتَنَافُسًا وَيَنْهَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُ بِلَادَ اللَّهِ إِذَا وَكَّلَهُ الْأُمَرَاءُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِالْخَرَاجِ، وَيَمْنَعُ الْمَاءَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْحَشِيشَ وَالْكَلَأَ وَكُلَّ مَا يَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَمْنَعُونَ الطُّرُقَ وَيَسُدُّونَهَا بِالْحِجَارَةِ وَالْأَشْجَارِ حَتَّى لَا يَقْرَبَ الْمُسَافِرُونَ بِلَادَهُمْ، وَيُعَذِّبُونَ بِهَائِمَ الْمُسْلِمِينَ بِآلَاتٍ مِنَ الْعَذَابِ وَالضَّرْبِ وَسَدِّ الْأَفْوَاهِ، وَيَرْبِطُونَ مَعَ أَذْنَابِ الْأَنْعَامِ الشَّوْكَةَ وَمَا لَهُ أَذًى.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَّا الْغِنَاءَ وَالْمِزْمَارَ وَمَدْحَ مَنْ أَعْطَاهُ وَذَمَّ عَكْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ فَيَأْكُلُ مَعَهُمْ وَيَعِيشُ فِي أَمْوَالِهِمُ الْحَرَامِ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا حَتَّى يَجِيءَ أَوَانُ الطَّعَامِ، فَيَحْضُرُ وَيُسَلِّمُ وَيَأْكُلُ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ الْقِمَارُ وَالْمَيْسِرُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَنْكِحَ النِّسَاءَ الْمُطَلَّقَاتِ بِالثَّلَاثِ فَيُحَلِّلُهُنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَرْمِيَ عَقْلَهُ فَيَجْعَلَ نَفْسَهُ كَالْمَجْنُونِ فَيُضْحِكَ النَّاسَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ السُّؤَالُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ النِّسَاءَ الْكَثِيرَاتِ الْأَمْوَالِ وَيَعِيشَ فِي رِزْقِهِنَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ السَّرِقَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ الِاخْتِلَاسُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَصِيدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأُمَرَاءِ فَيَقْضِي لِلنَّاسِ حَوَائِجَهُمْ، وَيَعِيشُ هُنَاكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يُعَادِيَ لِلنَّاسِ أَعْدَاءَهُمْ وَيُحِبَّ لَهُمْ أَحِبَّتَهُمْ سَوَاءٌ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ أَوِ الْبَاطِلِ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ عِلْمُ الْحَدِيثِ، وَالْقَصَصُ وَأَخْبَارُ الدُّنْيَا وَالْحِكَايَاتُ الْمُضْحِكَةُ بِالْحَقِّ أَوِ الْكَذِبِ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَكُونَ نَمَّامًا أَوْ مُغْتَابًا أَوْ مُتَجَسِّسًا، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ مُعَادَاةُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَتْقِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا بَيْنَ النِّسَاءِ
стр. 336
وَالرِّجَالِ كَالدَّيُّوثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَخْلِطَ الْمَاءَ بِاللَّبَنِ أَوِ الشَّحْمَ مَعَ اللَّحْمِ الْهَزِيلِ، أَوْ دَنِيئًا بِجَيِّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يُنْزِلَ الْمُسَافِرِينَ فِي مَسْكَنِهِ فَيَخْدَعُهُمْ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ وَقِلَّةِ عُقُولِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ إِلْبَاسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ عِنْدَ الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيلِ.
فَصْلٌ: عَوَائِدُ بَعْضِهِمُ الْبُخْلُ وَالْجُبْنُ، وَعَدَمُ الرَّحْمَةِ لِلنَّاسِ كَافَّةً وَقَطْعُ الرَّحِمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَتُهُ السَّخَاءُ وَالْكَرَمُ وَالشَّجَاعَةُ إِلَّا أَنَّ عِنْدَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَثْرَةَ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ وَالِاخْتِلَاطَ بِالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ، وَيَحْلِفُونَ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالنِّسَاءِ، وَيَشْهَدُونَ بِالزُّورِ، وَلِنِسَائِهِمْ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ يَخْلُونَ فِيهِ بِالرِّجَالِ فِي يَوْمِ نِكَاحٍ، أَوْ يَوْمِ عُرْسٍ أَوْ يَوْمِ عِيدٍ، وَلَهُمْ لَهْوٌ يَتَضَارَبُونَ فِيهِ حَتَّى يَقَعَ فِي ذَلِكَ شَجٌّ، وَكَسْرُ سِنٍّ أَوْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، أَوْ قَتْلٌ. وَعَادَةُ بَعْضِهِمْ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَالْعُلُومُ وَالْمَدَائِحُ وَالْحَجُّ، وَمَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيَذْبَحُونَ لَهَا، وَلَا تَصُومُ نِسَاؤُهُمْ وَلَا يُصَلِّينَ إِلَّا إِذَا كَبِرْنَ، وَلَا يَدْخُلُونَ مَسَاجِدَهُمْ إِلَّا وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَصًا، وَعِنْدَهُمْ طَلْسَمَاتٌ لِلنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالرَّهْجِ وَالْحُرُوبِ وَالْمَحَبَّةِ وَوَجَعِ الرَّأْسِ وَالضِّرْسِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُلُوكُ الدُّنْيَا وَأَبْنَاءُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْحَدُ الْبَعْثَ وَالْحَشْرَ وَالنَّشْرَ وَالْحِسَابَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَيَسْجُدُونَ لِمُلُوكِهِمْ وَيَرْكَعُونَ لَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْلِمٌ، وَيَجْعَلُونَ أَمْوَالَهُمْ دُوَلًا بَيْنَهُمْ يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَقْتُلُونَهُمْ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ عَادَتُهُ أَنْ يَجِيءَ إِلَى قَوْمٍ فَيَسْأَلُهُمْ إِبِلَهُمْ لِيُسَافِرُوا عَلَيْهَا فَيَحْمِلُوا عَلَيْهَا الطَّعَامَ إِلَى بَلَدِ الْمِلْحِ، وَيَحْمِلُوا عَلَيْهَا الْمِلْحَ إِلَى بِلَادِ السُّودَانِ، فَيَبِيعُونَهَا بِالثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَيَجِيئُهُمْ أَرْبَابُ الْإِبِلِ فَيُعْطُونَهُمْ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَمَرَّةً يَرْضَوْنَ، وَمَرَّةً يَأْبَوْنَ حَتَّى يَسْتَرْضُوهُمْ وَإِلَّا فَيُخَاصِمُونَ مَا شَرَطَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ذَرَّةً.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ صَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ أَبَدًا فَلَا يَتَوَضَّئُونَ إِلَّا نَادِرًا، وَلَا يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ إِلَّا نَادِرًا، وَتَوْحِيدُهُمْ بِالْفَمِ وَمَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ، وَزَكَاتُهُمْ يَجْلِبُونَ بِهَا مَصَالِحَ دُنْيَاهُمْ أَوْ يَدْفَعُونَ بِهَا مَضَارَّهُمْ، وَحَجُّهُمْ بِالْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَتُهُ مَحَبَّةُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَالصَّدَقَةُ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَقِرَى الضَّيْفِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَلَا يَتْرُكُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَكَبُّرٍ، وَاسْتِرْقَاقِ الْأَحْرَارِ، وَالْمُقَاتَلَةِ، وَالظُّلْمِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَتُهُ مُصَاحَبَةُ الْكُفَّارِ وَمُؤَاخَاتُهُمْ، وَذِكْرُ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَعُيُوبِهِمْ لَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَادِي مَنْ عَادَى الْكُفَّارَ.
стр. 337
فَصْلٌ: وَمِنْ فُقَهَائِهِمْ مَنْ عَادَتُهُ تَرْكُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَخْذُ الرِّسَالَةِ وَالْمُدَوَّنَةِ الصُّغْرَى، وابن الجلاب والطليطلي، وابن الحاجب حَتَّى عَادَوْا مَنْ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَبِّي أَيُّ أَرْضٍ تَحْمِلُنِي، وَإِذَا سَمِعُوا آيَةً تُتْلَى لِتَفْسِيرٍ نَفَرُوا عَنْهَا نَفْرَةَ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُ الْأُمَرَاءَ طَرْفَةَ عَيْنٍ يَأْكُلُ مَعَهُمْ وَيَشْرَبُ وَيَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَلِّلُ ذَلِكَ لِلْمُلُوكِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَكَتَ لَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَى فَعَادَوْهُ فَخَافَ فَسَكَتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَعَ النَّاسِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ وَيُقْرِئَ صِبْيَانَهُمْ، وَيَرَى عِنْدَهُمُ الْمُنْكَرَ الْعَظِيمَ وَيَسْكُتَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ قَالُوا لَهُ: اسْكُتْ فَقَدْ ذَكَرْتَ مَا عَلَيْكَ فَخُذْ شَرْطَكَ وَمَالَكَ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فَيَسْكُتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا وَعَظْتَ النَّاسَ قَالُوا لَكَ: أَمَا نَحْنُ فُقَهَاءُ مِثْلَكَ؟ فَنَحْنُ قَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ، وَسَكَتْنَا عَنْهُ، هَذَا آخِرُ الزَّمَانِ نَهْيُ الْمُنْكَرِ فِيهِ مُنْكَرٌ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وَتَقُولُ لَهُ الْعَامَّةُ: أَمَا رَأَيْتَ فُلَانًا هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ وَأَتْقَى وَأَعَزُّ وَأَشْرَفُ وَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَاهُ، وَيَقْدِرُ عَلَى قَطْعِهِ؟ فَيُسْكِتُوكَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا جَعَلُوكَ شَرَّ خَلْقِ اللَّهِ، وَأَجْهَلَ النَّاسِ وَأَسْفَهَ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعِظُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَيُطِيعُكَ وَيُصَدِّقُكَ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ يُكَذِّبُكَ، وَيَذْكُرُ لِلْعَامَّةِ دَلَائِلَهُ عَلَى تَكْذِيبِكَ وَتَصْدِيقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا وَعَظْتَ الْعَامَّةَ وَقَبِلَتْ وَتَابَتْ خَلَا بِهِمْ، فَنَقَضَ عَنْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى تَعُودَ الْعَامَّةُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ الْعُشْرَ عِنْدَ الْمِيرَاثِ فَلَا يَقْسِمُ لِأَحَدٍ إِلَّا إِذَا أَخَذَ عُشْرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ اكْتِسَابُهُ بِالطَّلْسَمَاتِ وَالرُّقَى لِبَابِ الْمَحَبَّةِ وَالنِّكَاحِ وَالْوَجْهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمَنْ غَضِبُوا عَلَيْهِ يَفْعَلُونَ بِهِ مَا قَدَرُوا مِنْ مَكَائِدِ السُّوءِ فَمَرَّةً يُوَافَقُ فِعْلُهُمْ بِالْقَدَرِ، وَيَقُولُونَ: هَذَا فِعْلُنَا.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِي الْقَضَاءَ بِمَالِهِ وَيَأْخُذُ الرِّشْوَةَ وَالسُّحْتَ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَمِّرُهُ الْمُلُوكُ عَلَى قَوْمٍ فَيَأْخُذُ زَكَاتَهُمْ، وَلَا يَقْسِمُهَا بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَقْرَأُ بِالشَّوَاذِّ وَيَتْرُكُ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةَ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمُ الْأَلَدُّ الْخَصْمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
стр. 338
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ إِلَّا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَالْعِبَادَةَ، وَلُزُومَ الْخَلْوَةِ وَقِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ وَالشِّهَابِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ الْجُهَّالِ يَأْكُلُ مَعَهُمْ وَيَشْرَبُ وَيَكُونُ إِمَامَهُمْ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقْتُلُونَ بَعْضًا بِمَسٍّ أَوْ مُقَارَبَةٍ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُمْرِضُونَهُمْ، وَإِنْ أَعْطَوْهُمْ مَا أَرَادُوا دَاوَوْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجَرَبَ وَالْجُذَامَ وَالْبَرَصَ وَالزُّكَامَ وَسَائِرَ الْأَمْرَاضِ تُعْدِي، وَإِذَا نُكِحَتِ امْرَأَةٌ وَمَاتَ عِنْدَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَزْوَاجِ تَشَاءَمُوا بِهَا، وَكَذَلِكَ الدَّارُ وَالْخَيْلُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ بَعْضَ الطُّيُورِ أَوِ السِّبَاعِ أَنْحَسُ مِنْ بَعْضٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا رَمَيْتَهُ بِمُشْطٍ يَقُولُ لَكَ: لَا، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِطَلَاقٍ، وَيَقُولُونَ فِي الْأَيَّامِ: بَعْضُهَا مَنْحُوسٌ وَبَعْضُهَا مَسْعُودٌ، وَيَذُمُّونَ الْحِجَامَةَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَشُرْبَ الدَّوَاءِ وَمَشْيَ الْمُسَافِرِينَ وَالنِّكَاحَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْبِلَادِ وَالْمِيَاهِ وَالْمَرَاعِي يَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَهَا أَعْكَسُ مِنْ بَعْضٍ.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَارِفٌ إِذَا كَرِهَتِ الْبَهِيمَةُ أَوْلَادَهَا، وَيَعْرِفُ أَسْبَابَ ذَلِكَ وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: تَعَالَوْا عِنْدِي كُلُّكُمْ، فَيَأْتُونَهُ فَيَكِيلُ بِذِرَاعِهِ أَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا مَسَحَ بِيَدَيْهِ أَرْجُلَهُمْ وَيَعْزِمُ بِشَيْءٍ فِي نَفْسِهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ، ثُمَّ يَكِيلُهُمْ ثَانِيَةً فَيَزِيدُ الْأَمْرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يَنْقُصُ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ، فَيَأْخُذُونَ مِنْ أَشْعَارِ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ فَيُبَخِّرُونَهُ عَلَى تِلْكَ الْبَهِيمَةِ فَيُوَافِقُ مَرَّةً، وَمَرَّةً لَا.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ إِذَا سُرِقَ مَالُهُ وَأَخَذَ الْمُتَّهَمِينَ فَيُوقِدُ نَارًا، وَيُقَيِّدُ الْمُتَّهَمِينَ بِشَيْءٍ قَصِيرٍ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَشْيِ عَلَيْهَا فَيَمُرُّونَ عَلَيْهَا، فَالَّذِي يَسْرِقُ تَارَةً تَحْرِقُهُ، وَالَّذِي لَمْ يَسْرِقْ لَا تَحْرِقُهُ وَلَا تَمَسُّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ الْمُتَّهَمَ وَيَأْخُذُ الْمِرْآةَ وَيُعَلِّقُهَا عَلَى خَيْطٍ، وَيَأْخُذُ الْخَيْطَ وَيُدْلِي الْمِرْآةَ وَيَجْعَلُ خَطَّيْنِ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُ الرَّمَادَ عَلَى خَطٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَيَتْرُكُ الْآخَرَ وَيُدْلِيهَا عَلَى وَسَطِ الْخَطَّيْنِ، وَيَقْرَءُونَ سُورَةَ يس عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ تَحَرَّكَتِ الْمِرْآةُ وَجَرَتْ عَلَى طَرِيقِ الرَّمَادِ ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يُقْرِئُ الصِّبْيَانَ فَإِذَا خَتَمَ وَاحِدٌ أَوْ بَلَغَ النِّصْفَ أَوِ الثُّلُثَ حَمَلُوهُ عَلَى دَرَقَةٍ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ أَوْ عَلَى فَرَسٍ أَوْ جَمَلٍ وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ، وَيَطُوفُونَ بِهِ الْبَلَدَ كُلَّهُ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ آيَاتِ الرَّجَاءِ وَمَدَائِحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْطِيهِمُ النَّاسُ طَعَامًا وَشَرَابًا وَغَنَمًا وَثِيَابًا فَيَتْرُكُونَهُ لِلْفَقِيهِ.
стр. 339
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي بَيْنَ الْعَوَامِّ وَيُنَاجِي كُلَّ مَنْ يَلْقَاهُ: أَلَا أُرِيَكَ رُقْيَةَ الْعَيْنِ وَالنِّكَاحِ وَدُخْلَةَ الْقُلُوبِ وَالْوَجْهِ عِنْدَ السَّلَاطِينِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُزَوِّجُونَ إِلَّا صَاحِبَ نَسَبٍ وَحَسَبٍ وَمَالٍ كَثِيرٍ وَلَا يُزَوِّجُونَ الْفَقِيرَ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا صَالِحًا تَقِيًّا.
فَصْلٌ: وَمِنْهُمْ قَوْمٌ لَا يَعُدُّونَ الطَّلَاقَ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُمْ حَدٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّ الطَّلَاقَ، فَإِذَا وَصَلُوا ثَلَاثًا أَعْطَى شَيْئًا ثُمَّ يُعِيدُهَا بِغَيْرِ مُحَلِّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْتَدُّ الْمَرْأَةَ فَتَنْكِحُ مَنْ أَرَادَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِي لِلَّتِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مَنْ يُحَلِّلُهَا أَوْ تَشْتَرِيهِ هِيَ بِنَفْسِهَا أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مُلُوكٌ لَا يُقِيمُونَ الْقِصَاصَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ الْمَالَ وَيَقْسِمُونَهُ بَيْنَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ شَرْعًا.
فَصْلٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ شَرِيفٌ لِيُكْرَمَ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَالِمٌ أَوْ وَلِيٌّ أَوْ عَابِدٌ لِيُسْتَخْدَمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا قَصَدَهُ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ نَحْوِهِ يُقَاتِلُ حَتَّى يَقْتُلَ أَوْ يُقْتَلَ، وَفِي نِيَّتِهِ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي الْقِتَالَ حَتَّى يُقْتَلَ بِغَيْرِ حَرَكَةٍ مِنْهُ، وَفِي نِيَّتِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩] كَمَا فَعَلَ هَابِيلُ ثُمَّ عُثْمَانُ أَيُّهُمَا أَعْلَى مِنَ الْآخَرِ.
فَصْلٌ: هَلْ يَجِبُ عَلَى الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ الْقِتَالُ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ؟
فَصْلٌ: فَقِيهٌ رَأَى مُنْكَرًا فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّاسُ نَهْيَهُ وَلَا أَمْرَهُ يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
فَصْلٌ: مَا قُلْتُمْ فِيمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ وَقَصَدَ بِهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً؟
فَصْلٌ: مَا قُلْتُمْ فِيمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ وَخَوَّفُوهُ فَسَكَتَ خَوْفًا؟ وَفِيمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ ثُمَّ سَكَتَ عَجْزًا عَنْ سُوءِ مَقَالَاتِ النَّاسِ لَهُ وَالضَّرَرِ وَالتَّعَبِ؟
فَصْلٌ: مَا قُلْتُمْ فِي رَجُلَيْنِ أَمَرَا بِمَعْرُوفٍ، وَنَهَيَا عَنْ مُنْكَرٍ حَتَّى رَأَيَا أَمْرًا عَظِيمًا فِيهِ هَلَاكُ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فَتَرَكَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ حَتَّى قَتَلَ وَقُتِلَ أَيُّهُمَا أَعْلَى مِنَ الْآخَرِ؟
стр. 340
فَصْلٌ: مَا قُلْتُمْ فِي رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا يُخَالِطُ أُمَرَاءَ السُّوءِ فَيَشْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ لَدَيْهِمْ وَيَنْفَعُهُمْ، وَالْآخَرُ اعْتَزَلَهُمْ أَيُّهُمَا أَعْلَى؟
فَصْلٌ: فِي بِلَادِنَا كُتُبٌ يَذْكُرُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقَاوِيلَ لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَمَا يُفْعَلُ فِيهَا؟ .
فَصْلٌ: هَلْ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ اللَّهِ كَكِتَابِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ أَمْ لَا؟ .
فَصْلٌ: هَلْ يَجُوزُ مَدْحُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْكَلَامِ الْعَجَمِيِّ أَمْ لَا؟ .
فَصْلٌ: هَلْ يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَاصٍ وَتَارِكٌ بَعْضَ الْفَرَائِضِ؟
فَصْلٌ: رَجُلٌ يَعِظُ الرِّجَالَ فَقَالَ لَهُ النِّسَاءُ: عِظْنَا مَعَهُمْ فَجَعَلَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ سِتْرًا لَا يَرَى أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ الْآخَرَ؛ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَصْلٌ: أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقْرِئَ نِسَاءَنَا سُورَةَ النُّورِ حَتَّى يَحْفَظْنَهَا وَيُفَسِّرْنَهَا أَمْ لَا؟
فَصْلٌ: أَيَجُوزُ لِمُسْلِمٍ إِنْ حَضَرَ الْقِتَالَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ أَنْ يَرْمِيَ نَفْسَهُ فِي الْغَرَرِ لِحُبِّ الشَّهَادَةِ؟
فَصْلٌ: أَيَجِبُ الْقِتَالُ عَلَى أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا تَجْهِيزُ الْأُمُورِ وَصَلَاحُهَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَرْمِيَ نَفْسَهُ عَلَى أَشَدِّ الْبَأْسِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهُوَ إِذَا مَاتَ لَمْ يَجْتَمِعِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ لِقِتَالٍ، وَلَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؟
فَصْلٌ: هَلْ تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْكُفَّارِ وَتَجُوزُ صُحْبَتُهُمْ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ جِزْيَةٌ؟
فَصْلٌ: وَتُبَيِّنُ لِي أَمْرَ هَيْئَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِدَلَائِلِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَعَرْضِ بَلَدِنَا وَطُولِهَا، وَبَلَغَنِي أَنَّكَ أَلَّفْتَ شَيْئًا فِي حُرُوفِ التَّهَجِّي فَلَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ أَنْ تَكْتُمَهُ عَنَّا، وَأَنَا أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، وَإِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى لِقَائِكَ غَايَةً.
وَاسْمِي محمد بن محمد بن علي اللمتوني فَلَا تَنْسَنِي فِي دُعَائِكَ. وَالسَّلَامُ.
стр. 341
فَتْحُ الْمَطْلَبِ الْمَبْرُورِ وَبَرَدُ الْكَبِدِ الْمَحْرُورِ
فِي الْجَوَابِ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ مِنَ التَّكْرُورِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مِنَ الْفَقِيرِ عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن همام الخضيري السيوطي الشافعي إِلَى حَبِيبِهِ وَأَخِيهِ فِي اللَّهِ الشَّيْخِ الْعَالِمِ الصَّالِحِ شمس الدين محمد بن محمد بن علي اللمتوني أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ وَأَزَالَ عَنْ قَلْبِهِ كُلَّ رَيْنٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَلَى وَلَدِكَ وَأَهْلِكَ وَمَنْ يَلُوذُ بِكَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ عَلَيَّ أَسْئِلَتُكَ الْمُفِيدَةُ الَّتِي سَمَّيْتَهَا مَطْلَبَ الْجَوَابِ.
وَهَذِهِ أَجْوِبَتُهَا سَمَّيْتُهَا (فَتْحَ الْمَطْلَبِ الْمَبْرُورِ وَبَرَدَ الْكَبِدِ الْمَحْرُورِ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ مَنِ التَّكْرُورِ) فَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ مِنْ فِعْلِ الْمُلُوكِ وَالرَّعِيَّةِ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي وَصَفْتَهَا كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ شَرْعًا إِلَّا مَا اسْتَثْنَيْتُهُ لَكَ، وَبَعْضُهُ أَشَدُّ فِي الْحُرْمَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا مُقْتَضٍ لِلْكُفْرِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْتَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ لِلْأَصْنَامِ وَيَعْبُدُونَهَا، وَقَوْمٍ أَنَّهُمْ يَجْحَدُونَ الْبَعْثَ وَالْحِسَابَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَقَوْمٍ أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ لِمُلُوكِهِمْ. فَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ، وَالْبَاقِي مُحَرَّمٌ لَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى، وَالْقَدْرُ الْمُسْتَثْنَى مِنَ التَّحْرِيمِ مَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا حَتَّى يَجِيءَ أَوَانُ الطَّعَامِ، فَيَحْضُرَ وَيُسَلِّمَ وَيَأْكُلَ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَنْكِحَ الْمُطَلَّقَاتِ الثَّلَاثِ فَيُحَلِّلُهُنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ لَفْظًا فِي الْعَقْدِ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَالْمَجْنُونِ يُضْحِكُ النَّاسَ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ السُّؤَالُ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ نِكَاحُ النِّسَاءِ الْكَثِيرَاتِ الْأَمْوَالِ وَيَعِيشُ فِي رِزْقِهِنَّ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ الصَّيْدُ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأُمَرَاءِ فَيَقْضِي لِلنَّاسِ حَوَائِجَهُمْ وَيَرْتَزِقُ بِذَلِكَ، وَمَنْ حِرْفَتُهُ التَّحْدِيثُ وَالْقَصَصُ وَرِوَايَةُ الْأَخْبَارِ الْحَقِّ بِخِلَافِ الْكَذِبِ، وَمَنْ يَأْخُذُ إِبِلَ قَوْمٍ لِلسَّفَرِ ثُمَّ إِذَا رَجَعَ أَرْضَاهُمْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ شَيْئًا، وَمَنْ يَكُونُ عِنْدَ الْجُهَّالِ يَؤُمُّهُمْ وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ وَيَشْرَبُ، وَمَنْ يُقْرِئُ الصِّبْيَانَ فَإِذَا خَتَمَ وَاحِدٌ دَارَ بِهِ الْبَلَدَ فَيُعْطَى عَلَيْهِ مَا يُعْطَى، وَمَنْ يَكْتُبُ لِلنَّاسِ الرُّقَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَمَنْ لَا يُزَوِّجُ إِلَّا صَاحِبَ نَسَبٍ وَحَسَبٍ وَمَالٍ فَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ، لَكِنَّ بَعْضَهَا مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَبَعْضَهَا مُبَاحٌ.
وَبَقِيَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ مَا يُذْكَرُ جَوَابُهُ فَمِنْهَا مَنْ سَكَتَ عَنْ
стр. 342
إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ لِخَوْفٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا أَنْكَرَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ بَلَّغْتَ فَاسْكُتْ فَسَكَتَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ أَوْ لَهُ شَوْكَةٌ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى إِزَالَتِهِ بِالْيَدِ، وَمِنْهَا مَنْ يَقْرَأُ بِالشَّوَاذِّ وَذَلِكَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمِنْهَا الْأَلَدُّ الْخَصْمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمِنْهَا مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ إِلَّا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَالْعِبَادَةَ وَلُزُومَ الْخَلْوَةِ وَقِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ وَالشِّهَابِ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ وَهَذَا مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ الْحَسَنَةِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ، وَمِنْهَا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقْتُلُ بِمَسٍّ أَوْ مُقَارَبَةٍ أَوْ يُمْرِضُ وَهَذَا اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِسِحْرٍ أَثِمَ فَاعِلُهُ أَوْ كَفَرَ، وَمِنْهَا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْرَاضَ تُعْدِي وَهُوَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ ; قَالَ ﷺ : «لَا عَدْوَى» ، وَمِنْهَا التَّشَاؤُمُ بِالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ مُئَوَّلٌ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مالك، وَمِنْهَا التَّشَاؤُمُ بِبَعْضِ الطُّيُورِ أَوِ السِّبَاعِ أَوْ بِالْمُشْطِ أَوْ بِالْأَيَّامِ وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ، وَمِنْهَا ذَمُّ الْحِجَامَةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَهُوَ صَحِيحٌ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ والحاكم مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى أبو داود «عَنْ أبي بكرة أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَيَزْعُمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ» .
وَرَوَى الْبَزَّارُ والحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» " وَرَوَى أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الحسين بن علي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يَحْتَجِمُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ» " وَصَحَّ الْأَمْرُ بِالْحِجَامَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الحاكم وَغَيْرُهُ.
وَمِنْهَا ذَمُّ السَّفَرِ وَالنِّكَاحِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا، ثَبَتَ عَنْ علي ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يُسَافِرَ فِي مِحَاقِ الشَّهْرِ، وَإِذَا كَانَ الْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ، وَمِنْهَا ذَمُّ شُرْبِ الدَّوَاءِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى حَدِيثٍ وَلَا أَثَرٍ.
وَمِنْهَا ذَمُّ بَعْضِ الْبِلَادِ وَالْمِيَاهِ وَالْمَرَاعِي وَذَلِكَ خَاصٌّ بِمَا حَلَّتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ كَمَا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي بَابِلَ وَالْحِجْرِ وَآبَارِ ثَمُودَ وَنَحْوِهَا.
وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْبَهِيمَةِ، وَالْمُتَّهَمِ بِالسَّرِقَةِ وَهَذَا شَيْءٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَمِنْهَا مَنْ قُصِدَ بِقَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ فَقَاتَلَ، وَآخَرُ أَبَى الْقِتَالَ حَتَّى قُتِلَ بِغَيْرِ حَرَكَةٍ أَيُّهُمَا أَعْلَى، وَالْجَوَابُ: الَّذِي أَبَى الْقِتَالَ أَعْلَى وَأَفْضَلُ مِنَ الَّذِي قَاتَلَ وَفِيهِ وَرَدَ الْحَدِيثُ: " «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» ".
وَمِنْهَا: هَلْ
стр. 343
يَجِبُ عَلَى الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ الْقِتَالُ فِي ذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ: لَا.
وَمِنْهَا: مَنْ رَأَى مُنْكَرًا وَعَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَقْبَلُونَ نَهْيَهُ وَأَمْرَهُ أَيَسْقُطُ عَنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ وَالْجَوَابُ: لَا يَسْقُطُ بَلْ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، فَإِنَّ قُبِلَ قُبِلَ، وَإِنَّ رُدَّ رُدَّ.
وَمِنْهَا: مَنْ أَمَرَ وَنَهَى وَقَصَدَ بِهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مَذْمُومٌ آثِمٌ فَشَرْطُ ذَلِكَ الْإِخْلَاصُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: مَنْ أَمَرَ وَنَهَى، ثُمَّ سَكَتَ لِخَوْفٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ سُوءِ مَقَالَاتِ النَّاسِ لَهُ أَوْ ضَرَرٍ أَوْ تَعَبٍ، وَالْجَوَابُ: هُوَ مَعْذُورٌ.
وَمِنْهَا: رَجُلَانِ أَمَرَا وَنَهَيَا ثُمَّ قَاتَلَ وَاحِدٌ وَتَرَكَ آخَرُ الْقِتَالَ أَيُّهُمَا أَعْلَى؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الَّذِي تَرَكَ أَعْلَى وَأَفْضَلُ فَلَيْسَ سَلُّ السَّيْفِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْهَيِّنِ.
وَمِنْهَا: رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يُخَالِطُ أُمَرَاءَ السُّوءِ فَيَشْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ لَدَيْهِمْ وَيَنْفَعُهُمْ، وَالْآخَرُ اعْتَزَلَهُمْ أَيُّهُمَا أَعْلَى؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَوَّلَ أَعْلَى إِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الِافْتِتَانَ بِهِمْ وَالدُّخُولَ فِي أَهْوَائِهِمْ، وَالثَّانِيَ أَعْلَى لِمَنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: سَأَلْتَ عَنْ كُتُبٍ فِيهَا أَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَيْسَ عِنْدَكُمْ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَمَا تَفْعَلُونَ؟ وَالْجَوَابُ: لَا تَرْوُوا مِنْهَا إِلَّا مَا ثَبَتَ وُرُودُهُ، وَإِلَّا فَقِفُوا عَنْ رِوَايَتِهَا حَتَّى تَكْتُبُوا بِهَا إِلَيَّ وَأُنْبِئَكُمْ بِأَمْرِهَا، وَإِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَوْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَارْوُوهُ مُطْمَئِنِّينَ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مَذْكُورًا فِي تَصَانِيفِ الشَّيْخِ محيي الدين النووي، أَوِ المنذري صَاحِبِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَارْوُوهُ مُطْمَئِنِّينَ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ اللَّهِ كَكِتَابِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ؟ وَالْجَوَابُ: قَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَا بِالْكَعْبَةِ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ مَدْحُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعَجَمِيِّ؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِمَحَبَّتِهِ ﷺ وَهُوَ عَاصٍ؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ.
وَمِنْهَا: رَجُلٌ يَعِظُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ سِتْرٌ لَا يَتَرَاءَيَانِ أَيَجُوزُ؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ إِقْرَاءُ النِّسَاءِ سُورَةَ النُّورِ؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ، رَوَى الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُنْزِلُوهُنَّ الْغُرَفَ، وَلَا تُعَلِّمُونَهُنَّ الْكِتَابَةَ -يَعْنِي النِّسَاءَ- وَعَلِمُوهُنَّ الْغَزْلَ وَسُورَةَ النُّورِ» ".
وَمِنْهَا: أَيَجُوزُ لِمُسْلِمٍ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ أَنْ يَرْمِيَ نَفْسَهُ فِي الْغَرَرِ لِحُبِّ الشَّهَادَةِ؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأَمِيرِ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ.
وَمِنْهَا: أَيَجِبُ الْقِتَالُ عَلَى الْأُمَرَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا تَجْهِيزُ الْأُمُورِ وَصَلَاحُهَا؟ وَالْجَوَابُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا تَجْهِيزُ الْأُمُورِ وَصَلَاحُهَا.
وَمِنْهَا: هَلْ تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْكُفَّارِ وَتَجُوزُ صُحْبَتُهُمْ؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ.
стр. 344
وَمِنْهَا: سَأَلْتَ أَنْ أُبَيِّنَ لَكَ أَمْرَ هَيْئَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِدَلَائِلِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ لِي فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا كَامِلًا يُسَمَّى الْهَيْئَةَ السُّنِّيَّةَ فِي الْهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ، وَسَأُرْسِلُ لَكُمْ مِنْهُ نُسْخَةً.
وَسَأَلْتَ عَنِ الرِّسَالَةِ الَّتِي لِي فِي حُرُوفِ التَّهَجِّي وَسَأُرْسِلُ لَكُمْ مِنْهَا نُسْخَةً أَيْضًا.
وَإِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ كَمَا أَحْبَبْتَنِي، وَنَرْجُو مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَنْ يَجْمَعَنَا فِي اللَّهِ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ يَسْبِقُ، وَلَا تَنْسَنِي مِنْ دُعَائِكَ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
стр. 345
[الْفَتَاوَى الْأُصُولِيَّةُ]
مَسْأَلَةٌ: - وَقَعَتْ فِي الدَّرْسِ - قَالَ الشَّيْخُ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَإِثْمُ الْقَاتِلِ الَّذِي هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِإِيثَارِهِ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ عَلَى مُكَافِئِهِ الَّذِي خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا الْمُكْرِهُ بِقَوْلِهِ: اقْتُلْ هَذَا وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، أَقُولُ: أَشْكَلَ إِعْرَابُ (الَّذِي) ، وَعَائِدُهُ، فَإِنَّ الْمُمْكِنَ فِيهِ أُمُورٌ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْهَاءَ فِي خَيَّرَهُ عَائِدَةٌ عَلَى الْقَاتِلِ، وَفَاعِلُ خَيَّرَ الْمُكْرِهُ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُجْعَلَ (الَّذِي) صِفَةً لِمُكَافِئٍ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ عَوْدُ ضَمِيرٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مُثَنًّى عَلَى (الَّذِي) وَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْعَائِدُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُطَابَقَةُ.
الثَّانِي: أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِنَفْسِهِ وَمُكَافِئِهِ؛ إِمَّا عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ سَبَبِيَّةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُطَابَقَةُ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلَيْنِ الضَّارِبِ أَبُوهُمَا عَمْرًا، أَوْ هُوَ فَاسِدٌ لِاخْتِلَافِ إِعْرَابِهِمَا فَإِنَّ نَفْسَهُ مَنْصُوبٌ، وَمُكَافِئَهُ مَجْرُورٌ ; وَلِأَنَّ الْإِفْرَادَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لِإِسْنَادِ الْوَصْفِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَلَا إِسْنَادَ فِي (الَّذِي) ، وَإِنَّمَا رَبْطُهُ مَرَرْتُ بِالرَّجُلَيْنِ الَّذِي ضَرَبَ أَبُوهُمَا عَمْرًا.
الثَّالِثُ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لَهُمَا عَلَى أَنَّ (الَّذِي) أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ، (وَالَّذِي) إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] فَحَصَلَتِ الْمُطَابَقَةُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْإِعْرَابِ فَيُوجِبُ جَعْلَ الَّذِي نَعْتًا مَقْطُوعًا عَلَى الرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ وَلَا يُخِلُّ بِالتَّرْكِيبِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلْبَقَاءِ، وَالْبَقَاءُ مُعَرَّفٌ بِلَامِ الْجِنْسِ صَادِقٌ بِالْوَاحِدِ فَأَكْثَرَ، فَجَاءَ الْمَوْصُولُ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ، وَالضَّمِيرُ مُرَاعَاةً لِمَعْنَاهُ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا أَمْثَلُ الْأَوْجُهِ وَأَقْرَبُهَا.
الْخَامِسُ: أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِإِيثَارِهِ كَذَلِكَ.
السَّادِسُ: أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلْقَاتِلِ، فَالْعَائِدُ الْهَاءُ فِي خَيَّرَهُ، وَهَذَا أَسْهَلُ الْأَوْجُهِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مَعْنًى وَإِعْرَابًا أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَصْلِ الْكَثِيرِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ سَبَبُ النُّزُولِ يَخُصُّ الْمَنْزُولَ فِيهِ بِلَفْظِهِ وَحُكْمِهِ أَمْ يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ، وَإِذَا وَرَدَ السَّبَبُ خَاصًّا فَهَلْ يَكُونُ التَّخْصِيصُ مِنَ السَّبَبِ أَمْ مِنَ النَّصِّ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّصِّ فَهَلْ يَقْضِي عَلَى النَّصِّ أَمْ لَا؟ وَهَلِ السَّبَبُ نَاشِئٌ عَنِ النَّصِّ أَمْ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ؟ وَهَلِ التَّأْوِيلُ نَاشِئٌ عَنِ النَّصِّ أَمْ لَا؟
стр. 346
الْجَوَابُ: أَمَّا كَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ هَلْ يَخُصُّ الْمَنْزُولَ فِيهِ أَمْ لَا - فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَخُصُّ الْمَنْزُولَ فِيهِ فَلَا يَعُمُّ غَيْرَهُ، وَالْأَصَحُّ وَهُوَ رَأْيُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَخُصُّهُ بَلْ يَعُمُّ غَيْرَهُ، وَلَكِنْ صُورَةُ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِذَا وَرَدَ السَّبَبُ خَاصًّا فَهَلْ يَكُونُ التَّخْصِيصُ مِنَ السَّبَبِ أَمْ مِنَ النَّصِّ؟ فَهَذَا إِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا بِأَنَّ السَّبَبَ يَخُصُّ الْمَنْزُولَ فِيهِ، وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِهِ فَالتَّخْصِيصُ مِنَ السَّبَبِ لِلنَّصِّ الْعَامِّ اللَّفْظِ فَقَطْ عَدَّهُ أَهْلُ الْأُصُولِ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ لِلْعُمُومِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ إِنَّمَا يُقْبَلُ إِذَا وَرَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مُتَّصِلٍ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَمَنْ يَرَى جَوَازَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ لَا يَسْتَنْكِرُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّصِّ فَهَلْ يَقْضِي عَلَى النَّصِّ؟ قَدْ عُلِمَ جَوَابُهُ وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ نَصٌّ أَيْضًا، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ، وَالْحَدِيثُ يَقْضِي عَلَى الْقُرْآنِ ; أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، ويحيى هَذَا مِنَ التَّابِعِينَ مِنْ أَضْرَابِ الزُّهْرِيِّ.
وَقَوْلُهُ: وَهَلِ السَّبَبُ نَاشِئٌ عَنِ النَّصِّ؟ قَدْ عُلِمَ جَوَابُهُ وَهُوَ أَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ نَصٍّ لَكِنْ نَصٌّ حَدِيثِيٌّ لَا قُرْآنِيٌّ، وَلَيْسَ نَاشِئًا عَنِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ السَّبَبَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ نَصٍّ مَقْبُولٍ لَا عَنْ تَأْوِيلٍ، وَلَا مَدْخَلَ لِلتَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَهَلِ التَّأْوِيلُ نَاشِئٌ عَنِ النَّصِّ؟ جَوَابُهُ: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا تَأْوِيلَ.
مَسْأَلَةٌ: تَقَرَّرَ أَنَّهُ إِذَا خَلَا الْعَصْرُ عَنْ مُجْتَهِدٍ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَثِمُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْفَتْرَةِ: إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ صَاحِبُ النَّازِلَةِ مَنْ يَنْقُلُ لَهُ حُكْمًا فِي نَازِلَتِهِ، الصَّحِيحُ انْتِفَاءُ التَّكْلِيفِ عَنِ الْعَبْدِ وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ إِيجَابٌ وَلَا تَحْرِيمٌ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِأَيِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ.
الْجَوَابُ: مُتَعَلِّقُ الْإِثْمِ مُخْتَلِفٌ، فَالْإِثْمُ لِمَنْ كَانَ يُمْكِنُهُ بُلُوغُ هَذِهِ الرُّتْبَةِ وَقَصَّرَ فِيهَا، وَعَدَمُ التَّكْلِيفِ لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُخَاطَبُ بِفَرْضِ الِاجْتِهَادِ كُلَّ أَحَدٍ بَلْ مَنْ هُوَ فِي صِفَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِ: الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ يُقَلِّدُ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ ﵁ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ كَلْبِيَّةٌ فَغَسَلَهَا عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ إِمَامِهِ ثُمَّ أَصَابَتْهُ وَعَسُرَ عَلَيْهِ غَسْلُهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ يَرَى عَدَمَ وُجُوبِ هَذَا الْغَسْلِ أَمْ لَا ; لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ وَعَمِلَ بِهِ أَوَّلًا يَمْنَعُهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ آخِرًا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ لَهُ التَّقْلِيدَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الأسنوي فِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ: إِنَّهُ إِذَا قَلَّدَ مُجْتَهِدًا
стр. 347
فِي مَسْأَلَةٍ فَلَيْسَ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ فِيهَا اتِّفَاقًا، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي حُكْمٍ آخَرَ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَلَوِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا فَفِي الرُّجُوعِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَذَاهِبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ ثَالِثُهَا: يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، هَلْ مَعْنَاهُ امْتِنَاعُ التَّقْلِيدِ فِيمَا تَقَدَّمَ السُّؤَالُ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَمَا الرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ؟ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَإِذَا عَمِلَ الْعَامِّيُّ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ فِي حَادِثَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فِي مِثْلِهَا ; لِأَنَّهُ قَدِ الْتَزَمَ ذَلِكَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ بِهِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ أَيْ جَوَازُ الرُّجُوعِ إِلَى غَيْرِهِ فِي حُكْمٍ آخَرَ - إِلَى أَنْ قَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ قَالَ: فِي خُرُوجِهِ عَنْهُ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا لَا يَجُوزُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَيَجُوزُ فِي بَعْضٍ تَوَسُّطًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَوَازِ فِي غَيْرِ مَا عَمِلَ بِهِ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي عَمَلِ غَيْرِ الْمُلْتَزِمِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ قَالَ ابن الحاجب كالآمدي اتِّفَاقًا، فَالْمُلْتَزِمُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَقَدْ حَكَيَا فِيهِ الْجَوَازَ فَيُقَيَّدُ بِمَا قُلْنَاهُ انْتَهَى، وَإِذَا قُلْتُمْ بِامْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي عَمِلَ بِهَا فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ ذَلِكَ مَعَ مَا قَالَ الكمال الدميري فِي شَرْحِهِ فِي الْقَضَاءِ؟ : فَرْعٌ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ مَذْهَبٌ مُدَوَّنٌ، وَإِذَا دُوِّنَتِ الْمَذَاهِبُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ؟ الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ كَمَا لَوْ قَلَّدَ فِي الْقِبْلَةِ هَذَا أَيَّامًا انْتَهَى، وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ لَمَا عَمِلَ بِهِ وَمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَالْمَسْئُولُ إِيضَاحُ ذَلِكَ.
الْجَوَابُ: الْأَصَحُّ جَوَازُ الِانْتِقَالِ مُطْلَقًا فِيمَا عَمِلَ بِهِ وَفِيمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، كَذَا صَحَّحَهُ الرافعي وَهُوَ الْمَنْقُولُ فِي السُّؤَالِ عَنِ الدميري لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ غَيْرُ الَّتِي حَكَى فِيهَا الْمَنْعَ اتِّفَاقًا ; وَلِذَا جَمَعَ الْأُصُولِيُّونَ بَيْنَهُمَا فَحَكَوُا الِاتِّفَاقَ فِي هَذِهِ وَحَكَوُا الْخِلَافَ فِي تِلْكَ، وَمِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ التَّفْصِيلِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ تِلْكَ فِي التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، وَإِرَادَةِ الِانْتِقَالِ عَنْهُ بَعْدَ الْعَمَلِ بِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَمَسْأَلَةُ الْمَنْعِ اتِّفَاقًا فِيمَنِ اسْتَفْتَى فِي حَادِثَةٍ مُجْتَهِدًا فَأَفْتَاهُ وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ فِي هَذِهِ تَقْلِيدًا فِي جُزْئِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ خَاصَّةٍ، وَتِلْكَ فِيهَا تَقْلِيدٌ كُلِّيٌّ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ لَا التَّفْصِيلِ، إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمُقَلِّدُ الشَّافِعِيِّ إِذَا غَسَلَ نَجَاسَةَ الْكَلْبِ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَقِلَ وَيُقَلِّدَ غَيْرَهُ فِيهَا فَلَهُ ذَلِكَ، لَكِنْ بِشَرْطِ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ فِي جَمِيعِ شُرُوطِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ مِنْ مَسْحِ كُلِّ الرَّأْسِ أَوِ الرُّبُعِ وَالدَّلْكِ، وَمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً بِاتِّفَاقِ الْمَذْهَبَيْنِ.
стр. 348
[الْفَتَاوَى الْقُرْآنِيَّةُ] [ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ] [ سبب افتتاح القرآن الكريم بها]
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: وُجِدَ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ: افْتَتَحَ سُبْحَانَهُ كِتَابَهُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ; لِأَنَّهَا جَمَعَتْ جَمِيعَ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالْأَسَاسُ فَصَارَتْ كَالْعُنْوَانِ، وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَالتَّبْيِينِ.
الْجَوَابُ: هَذَا الْكَلَامُ قَدْ تَكَلَّمْتُ عَلَيْهِ فِي عِدَّةٍ مِنْ تَصَانِيفِي مِنْهَا: الْإِتْقَانُ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ، وَمِنْهَا: الْإِكْلِيلُ فِي اسْتِنْبَاطِ التَّنْزِيلِ، وَمِنْهَا: قَطْفُ الْأَزْهَارِ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ، وَمِنْهَا: حَاشِيَةُ الْبَيْضَاوِيِّ، وَأَنَا أُلَخِّصُ ذَلِكَ هُنَا فَأَقُولُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا افْتَتَحَ سُبْحَانَهُ كِتَابَهُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ; لِأَنَّهَا جَمَعَتْ جَمِيعَ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ فَنَاسَبَ الِافْتِتَاحُ بِهَا ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ كَبَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ وَهِيَ الْإِتْيَانُ أَوَّلَ الْكَلَامِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ، وَكَالْعُنْوَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْعُنْوَانِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى بِذَلِكَ، قَالَ ابن أبي الأصبع فِي بَدَائِعِ الْقُرْآنِ: الْعُنْوَانُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُتَكَلِّمُ فِي غَرَضٍ فَيَأْتِي لِقَصْدِ تَكْمِيلِهِ وَتَأْكِيدِهِ بِأَمْثِلَةٍ فِي أَلْفَاظٍ تَكُونُ عُنْوَانًا لِأَخْبَارٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَقِصَصٍ سَالِفَةٍ، وَمِنْهُ نَوْعٌ عَظِيمٌ جِدًّا وَهُوَ عُنْوَانُ الْعُلُومِ بِأَنْ يَذْكُرَ فِي الْكَلَامِ أَلْفَاظٌ تَكُونُ مَفَاتِيحَ الْعُلُومِ، وَمَدَاخِلَ لَهَا - هَذَا كَلَامُ ابن أبي الأصبع، وَالْفَاتِحَةُ لِكَوْنِهَا جَامِعَةً لِجَمِيعِ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ، وَفِيهَا الْإِشَارَةُ إِلَى جَمِيعِ الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَالْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، وَفِيهَا الْإِشَارَةُ إِلَى مَفَاتِيحِ الْعُلُومِ وَمَدَاخِلِهَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ، وَهَذِهِ الْعُلُومُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَجَلُّ الْعُلُومِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الْإِيمَانُ، وَالثَّانِيَ هُوَ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الْأَعْمَالُ، وَالثَّالِثَ هُوَ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ وَيَصِلُ إِلَى حَضْرَةِ الْخَلَّاقِ
стр. 349
وَمَا عَدَا هَذِهِ مِنَ الْعُلُومِ كَالْوَسِيلَةِ لَهَا، فَلَمَّا جَمَعَتِ الْفَاتِحَةُ هَذِهِ كَانَتْ جَدِيرَةً بِأَنْ تَكُونَ عُنْوَانَ الْقُرْآنِ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابن أبي الأصبع.
[الْقُذَاذَةُ فِي تَحْقِيقِ مَحَلِّ الِاسْتِعَاذَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ كَثِيرًا إِذَا أَرَادُوا إِيرَادَ آيَةٍ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَيَذْكُرُونَ الْآيَةَ هَلْ (بَعْدَ) هَذِهِ جَائِزَةٌ قَبْلَ الِاسْتِعَاذَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ أَصَابَ الْقَارِئُ فِي ذَلِكَ أَوْ أَخْطَأَ؟
فَأَقُولُ: الَّذِي ظَهَرَ لِي مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ وَالِاسْتِدْلَالُ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَذْكُرُ الْآيَةَ وَلَا يَذْكُرُ الِاسْتِعَاذَةَ فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ فِي الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ - أَخْرَجَ أحمد، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ أبو طلحة: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ» " الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبَزَّارُ عَنْ حمزة بن عبد الله بن عمر قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: حَضَرَتْنِي هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ فَلَمْ أَجِدْ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جَارِيَةٍ لِي رُومِيَّةٍ فَأَعْتَقْتُهَا، وَأَخْرَجَ ابن المنذر عَنْ نافع قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَشْتَرِي السُّكَّرَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَنَقُولُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ لَهُمْ بِثَمَنِهِ طَعَامًا كَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ، فَيَقُولُ: إِنِّي أَعْرِفُ الَّذِي تَقُولُونَ لَكِنْ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ يُحِبُّ السُّكَّرَ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ علي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يَضُرُّهُ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] » " وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 350
" «إِنَّ اللَّهَ قَضَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ، وَمَنْ وَثِقَ بِهِ نَجَّاهُ» " قَالَ الربيع: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: مَا تَقُولُ فِي سُلْطَانٍ عَلَيْنَا يَظْلِمُونَا، وَيَعْتَدُونَ عَلَيْنَا فِي صَدَقَاتِنَا أَفَلَا نَمْنَعُهُمْ؟ قَالَ: لَا، الْجَمَاعَةَ الْجَمَاعَةَ، إِنَّمَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ الْخَالِيَةُ بِتَفَرُّقِهَا، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ؟
وَأَخْرَجَ أبو يعلى، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ( «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ» ) قَالَ الحسن: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وابن مردويه عَنِ ابن عمرو «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْجُمُعَةِ: " هِيَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] " وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فَالصَّوَابُ الِاقْتِصَارُ عَلَى إِيرَادِ الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعَاذَةٍ اتِّبَاعًا لِلْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَابَ بَابُ اتِّبَاعٍ، وَالِاسْتِعَاذَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلتِّلَاوَةِ، أَمَّا إِيرَادُ آيَةٍ مِنْهُ لِلِاحْتِجَاجِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُكْمٍ فَلَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَعُوذُ بِاللَّهِ " تَرْكِيبٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَيْسَ [فِيهِ] مُتَعَلِّقٌ لِلظَّرْفِ وَإِنْ قُدِّرَ تَعَلُّقُهُ بِقَالَ فَفِيهِ الْفَسَادُ الْآتِي، وَإِنْ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَذَكَرَ الْآيَةَ فَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ جَعْلُ الِاسْتِعَاذَةِ مَقُولًا لِلَّهِ وَلَيْسَتْ مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ قَدَّمَ الِاسْتِعَاذَةَ ثُمَّ عَقَّبَهَا بِقَوْلِهِ: قَالَ اللَّهُ وَذَكَرَ الْآيَةَ فَهُوَ أَنْسَبُ مِنَ الصُّورَتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُ خِلَافُ الْوَارِدِ، وَخِلَافُ الْمَعْهُودِ مِنْ وَصْلِ آخِرِ الِاسْتِعَاذَةِ بِأَوَّلِ الْمَقْرُوءِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ فَاصِلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلتِّلَاوَةِ، وَبَيْنَ إِيرَادِ آيَةٍ مِنْهُ لِلِاحْتِجَاجِ جَلِيٌّ وَاضِحٌ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَرَأَ كَلِمَةً مُلَفَّقَةً مِنْ قِرَاءَتَيْنِ كَالرَّحِيمِ مَالِكِ بِالْإِدْغَامِ مَعَ الْأَلِفِ، وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى بِتَرْكِ الْأَلِفِ وَعَدَمِ الْإِمَالَةِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: يَجُوزُ، فَهَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ سَوَاءٌ أَخَلَّ بِالْمَعْنَى أَمْ لَا؟ غَيَّرَ نَظْمَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] بِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ نَصْبِ اللَّامِ أَمْ لَا؟ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ؟
стр. 351
الْجَوَابُ: الَّذِي اخْتَارَهُ ابن الجزري فِي النَّشْرِ أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَرَتِّبَةً عَلَى الْأُخْرَى مُنِعَ التَّلْفِيقُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ كَمَنْ يَقْرَأُ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] بِرَفْعِهِمَا أَوْ بِنَصْبِهِمَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ مَقَامِ الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَيَحْرُمُ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ فِي الرِّوَايَةِ وَتَخْلِيطٌ، وَيَجُوزُ فِي التِّلَاوَةِ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ ابن الجزري، وَذَكَرَ ابن الصلاح والنووي أَنَّ التَّالِيَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ مَا دَامَ الْكَلَامُ مُرْتَبِطًا، فَإِذَا انْقَضَى ارْتِبَاطُهُ فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِقِرَاءَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابن الجزري، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَهَذَا أَثَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَغَيْرُهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَرَادَ أَنَّ اتِّبَاعَ مَنْ قَبْلَنَا فِي الْحُرُوفِ سُنَّةٌ، وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ إِمَامٌ وَلَا هِيَ مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ سَائِغًا فِي اللُّغَةِ. انْتَهَى.
مَسْأَلَةٌ: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود فِي سُنَنِهِ «عَنِ الشريد بن سويد قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدِ اتَّكَأْتُ عَلَى إِلْيَةِ يَدِي الْيُسْرَى، وَوَضَعْتُهَا خَلْفَ ظَهْرِي، فَقَالَ: " أَتَقْعُدُ قَعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» " مَنْ هُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ؟ هَلْ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] .
الْجَوَابُ: نَعَمْ، الْمُرَادُ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ هَذِهِ الْقِعْدَةِ لِفِعْلِ الْيَهُودِ لَهَا، وَأَوْرَدَ بَعْدَهُ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ عَنْ عائشة أَنَّهَا كَانَتْ تَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، وَتَقُولُ: إِنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ كَرَاهَةُ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ فِي كَيْفِيَّةِ قُعُودِهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْإِمَامِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْمُسْتَكِنِّ فِي (وَلِيُّ) أَوْ مِنَ الْمَوْصُولِ أَوْ مِنْهُمَا، بَيِّنَ لَنَا كَيْفَ صِيغَةُ الْحَالِ عَلَى كُلٍّ؟
стр. 352
الْجَوَابُ: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ الْحَالِ وَالْحَالَ يُشْبِهَانِ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ، فَلِذَلِكَ السَّبَبِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْحَالِ وَاحِدًا وَيَتَعَدَّدُ حَالُهُ، كَمَا يَكُونُ الْمُبْتَدَأُ وَاحِدًا وَالْخَبَرُ مُتَعَدِّدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْحَالِ مُتَعَدِّدًا وَالْحَالُ مُتَعَدِّدٌ أَوْ مُتَّحِدٌ، وَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الرَّابِطِ لِكُلٍّ مِنَ الضَّابِطَيْنِ، كَمَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الرَّابِطِ لِكُلٍّ مِنَ الْمُبْتَدَأَيْنِ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمَشْهُورَةِ حَتَّى فِي الْأَلْفِيَّةِ أَنَّ الْحَالَ يَأْتِي مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الْمُضَافُ عَامِلًا فِيهِ كَمَا قَالَ:
وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ... إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي (وَلِيُّ) وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ أبو حيان فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّ صِيغَةَ (وَلِيُّ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ هُوَ الْأَوْضَحُ، وَالْحَالُ تَأْتِي مِنَ الْفَاعِلِ كَثِيرًا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ حَالَ إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ مُخْرِجًا لَهُمْ؛ أَيْ: مَوْلَاهُمْ حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ، وَالْحَالُ قَيْدٌ فِي الْعَامِلِ، فَجُمْلَةُ الْإِخْرَاجِ حَالٌ مُبَيِّنَةٌ لِهَيْئَةِ التَّوَلِّي، وَضَمِيرُ يُخْرِجُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ هُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الْحَالِ بِصَاحِبِهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ مِنْ ضَمِيرِ (وَلِيُّ) لَا مِنْ نَفْسِ (وَلِيُّ) ; لِأَنَّهُ وَاقِعٌ خَبَرًا عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْحَالَ لَا تَأْتِي مِنَ الْخَبَرِ، بَلْ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا، وَهُوَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِشَرْطِهِ أَوِ الْمُبْتَدَأُ عَلَى رَأْيٍ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَأْتِي مِنْهُ الْحَالُ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ إِلَى الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهَا حَالٌ مِنَ الْمَوْصُولِ وَاضِحٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مَجْرُورٌ بِإِضَافَةِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ إِلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ مَا كَانَ الْمُضَافُ عَامِلًا فِيهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ ; وَلِهَذَا لَوْ جِئْتَ بَدَلَ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْفِعْلِ ظَهَرَتِ الْمَفْعُولِيَّةُ فَيُقَالُ: اللَّهُ تَوَلَّى الَّذِينَ آمَنُوا، فَيَكُونُ الَّذِينَ مَفْعُولًا وَالْحَالُ يَأْتِي مِنَ الْمَفْعُولِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ حَالَ كَوْنِهِمْ مُخْرَجِينَ بِهِدَايَتِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ، فَإِذَا قُدِّرَتِ الْحَالُ مِنْ ضَمِيرِ (وَلِيُّ) كَانَتْ فِي تَقْدِيرِ مُخْرِجًا بِالْكَسْرِ اسْمَ فَاعِلٍ، وَإِذَا قَدَّرْتَهَا مِنَ الَّذِينَ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ كَانَتْ فِي تَقْدِيرِ مُخْرَجِينَ بِالْفَتْحِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ وَاضِحٌ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهَا حَالٌ مِنْهُمَا مَعًا، فَإِنَّ فِيهَا رَابِطَيْنِ: رَابِطٌ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ ضَمِيرُ يُخْرِجُ الْمُسْتَتِرُ الَّذِي هُوَ فَاعِلٌ، وَرَابِطٌ بِالثَّانِي، وَهُوَ ضَمِيرُ الَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِي هُوَ مَفْعُولُ يُخْرِجُ، وَهُوَ هُمْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا: اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ حَالَ كَوْنِهِ مُخْرِجًا لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَحَالَ كَوْنِهِمْ مُخْرَجِينَ بِالِاهْتِدَاءِ، وَفِي ذَلِكَ مُلَاحَظَةٌ أُخْرَى لِقَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ وَهِيَ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
стр. 353
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] هَلْ يَصِحُّ نَصْبُ حَلَالًا عَلَى التَّمْيِيزِ؟
الْجَوَابُ: لَا يَصِحُّ، بَلْ هُوَ حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ.
[سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ]
مَسْأَلَةٌ: الْمَسْئُولُ مِنْ صَدَقَاتِكُمْ، فَسَّحَ اللَّهُ فِي أَجَلِكُمْ بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ذَكَرَ الْخَيْرَ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ الْمَقْضِيُّ بِالذَّاتِ وَالشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالْعَرَضِ؛ إِذْ لَا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ خَيْرًا كُلِّيًّا -بَيَانًا شَافِيًا.
الْجَوَابُ: لَا شَكَّ أَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَكَذَا أَحْكَامُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ جَارِيَةٌ عَلَى سُنَنِ ذَلِكَ، وَإِنْ خَفِيَ وَجْهُ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا ; وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " «لَا تَتَّهِمِ اللَّهَ عَلَى نَفْسِكَ» " فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كَانَ مَظِنَّةً أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: كَيْفَ قَدَّرَ الشَّرَّ وَهُوَ خِلَافُ مَا عُلِمَ نَظَرُهُ إِلَيْهِ شَرْعًا وَقَدَرًا؟ وَهَذِهِ هِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الشَّرَّ الْيَسِيرَ إِذَا كَانَ وَسِيلَةً إِلَى خَيْرٍ كَثِيرٍ كَانَ ارْتِكَابُهُ مَصْلَحَةً لَا مَفْسَدَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَصْدَ وَالْحِجَامَةَ وَشُرْبَ الدَّوَاءِ الْكَرِيهِ، وَقَطْعَ السِّلْعَةِ وَنَحْوَهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُؤْلِمَةِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى حُصُولِ الصِّحَّةِ؟ يَحْسُنُ ارْتِكَابُهُ فِي مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَيُعَدُّ خَيْرًا لَا شَرًّا، وَصِحَّةً لَا مَرَضًا، لِاسْتِلْزَامِهِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا قَضَاهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرِّ فَإِنَّمَا قَضَاهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى خَيْرٍ أَعْظَمَ وَأَعَمَّ نَفْعًا ; وَلِهَذَا وَرَدَ: " «لَا تَكْرَهُوا الْفِتَنَ فَإِنَّ فِيهَا حَصَادَ الْمُنَافِقِينَ» "، وَوَرَدَ: " «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ الْعُجْبَ الْعُجْبَ» " فَتَقْدِيرُ الذُّنُوبِ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَلَيْسَتْ لِكَوْنِهَا مَقْصُودَةً فِي نَفْسِهَا بَلْ لِغَيْرِهَا وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنْ دَاءِ الْعُجْبِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ عَظِيمٌ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَلِهَذَا قِيلَ: يَا مَنْ إِفْسَادُهُ إِصْلَاحٌ يَعْنِي أَنَّ مَا قَدَّرَهُ مِنَ الْمَفَاسِدِ فَلِتَضَمُّنِهِ مَصَالِحَ عَظِيمَةً اغْتُفِرَ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْيَسِيرُ فِي جَنْبِهَا لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَيْهَا، وَمَا أَدَّى إِلَى الْخَيْرِ فَهُوَ خَيْرٌ، فَكُلُّ شَرٍّ قَدَّرَهُ اللَّهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُقْصَدْ بِالذَّاتِ بَلْ بِالْعَرَضِ لِمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الْخَيْرِ الْأَعْظَمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَنَّهُ خَيْرٌ فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِمَا قَصَدَ أَصْلًا، وَلِمَا وَقَعَ
стр. 354
اسْتِلْزَامًا، وَهَذِهِ مِنْ مَسْأَلَةِ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ، الَّتِي قَرَّرَهَا الْغَزَالِيُّ وَأَلَّفْنَا فِي شَرْحِهَا كِتَابَ: تَشْيِيدِ الْأَرْكَانِ، فَلْيَنْظُرْهُ مَنْ أَرَادَ الْبَسْطَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] كَيْفَ أَضَافَ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ، وَالْمُضَافُ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ؟ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» ".
الْجَوَابُ: كَيْفَ تَسْأَلُ عَنْ هَذَا وَمِنْ شَأْنِ الْمُضَافِ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِلَّا إِضَافَةَ الْبَيَانِ؟ وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ فِي الْآيَةِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " فَعَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ مُعْظَمُ أَفْعَالِ الْحَجِّ وُقُوفُ عَرَفَةَ.
فَأَعَادَ السَّائِلُ السُّؤَالَ: يُحِيطُ عِلْمُ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُعْظَمُ أَفْعَالِ الْحَجِّ يَكُونُ بِعَرَفَةَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِضَافَةِ الْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَأَجَبْتُ: الْبَيْتُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فَأُضِيفَ الْحَجُّ إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقَالَ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ - فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] فَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْبَيْتَ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ عَرَفَةَ وَسَائِرِ الْبِقَاعِ، إِلَّا الْقَبْرَ الشَّرِيفَ النَّبَوِيَّ، فَأُضِيفَ الْحَجُّ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْمُعَظَّمُ فَوْقَ عَرَفَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " فَاعْتِبَارٌ آخَرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سِيقَ لِبَيَانِ مَا يَعْتَنِي الْحَاجُّ بِحُصُولِهِ خَوْفَ فَوَاتِ الْحَجِّ، فَإِنَّ وُقُوفَ عَرَفَةَ مُقَدَّرٌ بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْعِيدِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْوُقُوفَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ فَاتَهُ الْحَجُّ بِخِلَافِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحَلْقِ الَّتِي هِيَ بَقِيَّةُ أَرْكَانِ الْحَجِّ، فَإِنَّهَا لَا تَفُوتُ أَصْلًا وَلَا تَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ بَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ مَتَى فُعِلَتْ أَجْزَأَتْ؛ فَلِهَذَا قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " أَيِ: الْأَمْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ إِدْرَاكُ الْحَجِّ أَوْ فَوَاتُهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ فَاتَهُ الْحَجُّ فَهَذِهِ إِضَافَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: حَجُّ الْبَيْتِ إِضَافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، فَافْهَمِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِضَافَتَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] مَا السِّمَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ؟ وَهَلْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَذَبَةٌ؟ فَإِنَّ الشَّيْخَ مجد الدين الشيرازي
стр. 355
نَقَلَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَذَبَةٌ طَوِيلَةٌ نَازِلَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَتَارَةً عَلَى كَتِفِهِ، وَأَنَّهُ مَا فَارَقَ الْعَذَبَةَ قَطُّ، وَأَنَّهُ قَالَ: " خَالِفُوا الْيَهُودَ وَلَا تُصَمِّمُوا فَإِنَّ تَصْمِيمَ الْعِمَامَةِ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ " وَأَنَّهُ قَالَ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِمَامَةٍ صَمَّاءَ " فَهَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ؟ وَمَا عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْعَذَبَةَ سُنَّةٌ وَتَرَكَهَا مُسْتَنْكِفًا عَنْهَا؟ وَهَلْ إِذَا اقْتَدَى الشَّخْصُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَذَبَةِ وَحَصَلَ لَهُ الْخُيَلَاءُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ كَلَامُ اللَّهِ؟ .
الْجَوَابُ: أَمَّا السِّمَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدَ عَنْ علي، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ أَنَّهَا الصُّوفُ الْأَبْيَضُ فِي نَوَاصِي خُيُولِهِمْ وَأَذْنَابِهَا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْعِهْنِ الْأَحْمَرِ، وَرُوِيَ عَنْ مكحول وَغَيْرِهِ أَنَّهَا الْعَمَائِمُ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ وكيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ يحيى بن عباد أَنَّ الزبير كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، وَرَوَاهُ ابن المنذر مِنْ طَرِيقِ هشام، عَنْ عباد بن حمزة، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِثْلُ سِيمَا الزبير، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمُ بِيضٌ قَدْ أَرْسَلُوهَا إِلَى ظُهُورِهِمْ، وَفِي إِسْنَادِهِ عمار بن أبي مالك ضَعَّفَهُ الأزدي، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عروة قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى سِيمَا الزبير وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي " قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] قَالَ: مُعَلِّمِينَ " وَكَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمُ سُودٌ» ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَهُوَ بَدْرِيٌّ، قَالَ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي عَمَائِمَ صُفْرٍ قَدْ طَرَحُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ.
فَالَّذِي صَحَّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي الْعَمَائِمِ أَنَّهَا صُفْرٌ مُرْخَاةٌ بَيْنَ الْأَكْتَافِ، وَرِوَايَةُ الْبِيضِ وَالسُّودِ ضَعِيفَةٌ.
وَالِاعْتِجَارُ لَفُّ الْعِمَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
وَأَمَّا الْعَذَبَةُ فَوَقَفْتُ فِيهَا عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْ لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلْبَاسِهِ وَلَيْسَ فِيهَا طَوِيلَةٌ:
الْأَوَّلُ «عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وأبو داود.
الثَّانِي: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» ، قَالَ نافع: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
الثَّالِثُ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي» ، رَوَاهُ أبو داود.
الرَّابِعُ: عَنْ عائشة قَالَتْ: «عَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَرْخَى لَهُ أَرْبَعَ أَصَابِعَ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ شَيْخِهِ مِقْدَامِ بْنِ دَاوُدَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
следующие страницы →