Полный текст (886 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الْجَوَابُ: الَّذِي اخْتَارَهُ ابن الجزري فِي النَّشْرِ أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَرَتِّبَةً عَلَى الْأُخْرَى مُنِعَ التَّلْفِيقُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ كَمَنْ يَقْرَأُ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] بِرَفْعِهِمَا أَوْ بِنَصْبِهِمَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ مَقَامِ الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَيَحْرُمُ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ فِي الرِّوَايَةِ وَتَخْلِيطٌ، وَيَجُوزُ فِي التِّلَاوَةِ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ ابن الجزري، وَذَكَرَ ابن الصلاح والنووي أَنَّ التَّالِيَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ مَا دَامَ الْكَلَامُ مُرْتَبِطًا، فَإِذَا انْقَضَى ارْتِبَاطُهُ فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِقِرَاءَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابن الجزري، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَهَذَا أَثَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَغَيْرُهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَرَادَ أَنَّ اتِّبَاعَ مَنْ قَبْلَنَا فِي الْحُرُوفِ سُنَّةٌ، وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ إِمَامٌ وَلَا هِيَ مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ سَائِغًا فِي اللُّغَةِ. انْتَهَى.
مَسْأَلَةٌ: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود فِي سُنَنِهِ «عَنِ الشريد بن سويد قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدِ اتَّكَأْتُ عَلَى إِلْيَةِ يَدِي الْيُسْرَى، وَوَضَعْتُهَا خَلْفَ ظَهْرِي، فَقَالَ: " أَتَقْعُدُ قَعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» " مَنْ هُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ؟ هَلْ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] .
الْجَوَابُ: نَعَمْ، الْمُرَادُ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ هَذِهِ الْقِعْدَةِ لِفِعْلِ الْيَهُودِ لَهَا، وَأَوْرَدَ بَعْدَهُ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ عَنْ عائشة أَنَّهَا كَانَتْ تَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، وَتَقُولُ: إِنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ كَرَاهَةُ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ فِي كَيْفِيَّةِ قُعُودِهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْإِمَامِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْمُسْتَكِنِّ فِي (وَلِيُّ) أَوْ مِنَ الْمَوْصُولِ أَوْ مِنْهُمَا، بَيِّنَ لَنَا كَيْفَ صِيغَةُ الْحَالِ عَلَى كُلٍّ؟
стр. 352
الْجَوَابُ: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ الْحَالِ وَالْحَالَ يُشْبِهَانِ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ، فَلِذَلِكَ السَّبَبِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْحَالِ وَاحِدًا وَيَتَعَدَّدُ حَالُهُ، كَمَا يَكُونُ الْمُبْتَدَأُ وَاحِدًا وَالْخَبَرُ مُتَعَدِّدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْحَالِ مُتَعَدِّدًا وَالْحَالُ مُتَعَدِّدٌ أَوْ مُتَّحِدٌ، وَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الرَّابِطِ لِكُلٍّ مِنَ الضَّابِطَيْنِ، كَمَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الرَّابِطِ لِكُلٍّ مِنَ الْمُبْتَدَأَيْنِ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمَشْهُورَةِ حَتَّى فِي الْأَلْفِيَّةِ أَنَّ الْحَالَ يَأْتِي مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الْمُضَافُ عَامِلًا فِيهِ كَمَا قَالَ:
وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ... إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي (وَلِيُّ) وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ أبو حيان فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّ صِيغَةَ (وَلِيُّ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ هُوَ الْأَوْضَحُ، وَالْحَالُ تَأْتِي مِنَ الْفَاعِلِ كَثِيرًا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ حَالَ إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ مُخْرِجًا لَهُمْ؛ أَيْ: مَوْلَاهُمْ حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ، وَالْحَالُ قَيْدٌ فِي الْعَامِلِ، فَجُمْلَةُ الْإِخْرَاجِ حَالٌ مُبَيِّنَةٌ لِهَيْئَةِ التَّوَلِّي، وَضَمِيرُ يُخْرِجُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ هُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الْحَالِ بِصَاحِبِهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ مِنْ ضَمِيرِ (وَلِيُّ) لَا مِنْ نَفْسِ (وَلِيُّ) ; لِأَنَّهُ وَاقِعٌ خَبَرًا عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْحَالَ لَا تَأْتِي مِنَ الْخَبَرِ، بَلْ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا، وَهُوَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِشَرْطِهِ أَوِ الْمُبْتَدَأُ عَلَى رَأْيٍ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَأْتِي مِنْهُ الْحَالُ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ إِلَى الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهَا حَالٌ مِنَ الْمَوْصُولِ وَاضِحٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مَجْرُورٌ بِإِضَافَةِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ إِلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ مَا كَانَ الْمُضَافُ عَامِلًا فِيهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ ; وَلِهَذَا لَوْ جِئْتَ بَدَلَ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْفِعْلِ ظَهَرَتِ الْمَفْعُولِيَّةُ فَيُقَالُ: اللَّهُ تَوَلَّى الَّذِينَ آمَنُوا، فَيَكُونُ الَّذِينَ مَفْعُولًا وَالْحَالُ يَأْتِي مِنَ الْمَفْعُولِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ حَالَ كَوْنِهِمْ مُخْرَجِينَ بِهِدَايَتِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ، فَإِذَا قُدِّرَتِ الْحَالُ مِنْ ضَمِيرِ (وَلِيُّ) كَانَتْ فِي تَقْدِيرِ مُخْرِجًا بِالْكَسْرِ اسْمَ فَاعِلٍ، وَإِذَا قَدَّرْتَهَا مِنَ الَّذِينَ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ كَانَتْ فِي تَقْدِيرِ مُخْرَجِينَ بِالْفَتْحِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ وَاضِحٌ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهَا حَالٌ مِنْهُمَا مَعًا، فَإِنَّ فِيهَا رَابِطَيْنِ: رَابِطٌ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ ضَمِيرُ يُخْرِجُ الْمُسْتَتِرُ الَّذِي هُوَ فَاعِلٌ، وَرَابِطٌ بِالثَّانِي، وَهُوَ ضَمِيرُ الَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِي هُوَ مَفْعُولُ يُخْرِجُ، وَهُوَ هُمْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا: اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ حَالَ كَوْنِهِ مُخْرِجًا لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَحَالَ كَوْنِهِمْ مُخْرَجِينَ بِالِاهْتِدَاءِ، وَفِي ذَلِكَ مُلَاحَظَةٌ أُخْرَى لِقَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ وَهِيَ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
стр. 353
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] هَلْ يَصِحُّ نَصْبُ حَلَالًا عَلَى التَّمْيِيزِ؟
الْجَوَابُ: لَا يَصِحُّ، بَلْ هُوَ حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ.
[سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ]
مَسْأَلَةٌ: الْمَسْئُولُ مِنْ صَدَقَاتِكُمْ، فَسَّحَ اللَّهُ فِي أَجَلِكُمْ بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ذَكَرَ الْخَيْرَ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ الْمَقْضِيُّ بِالذَّاتِ وَالشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالْعَرَضِ؛ إِذْ لَا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ خَيْرًا كُلِّيًّا -بَيَانًا شَافِيًا.
الْجَوَابُ: لَا شَكَّ أَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَكَذَا أَحْكَامُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ جَارِيَةٌ عَلَى سُنَنِ ذَلِكَ، وَإِنْ خَفِيَ وَجْهُ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا ; وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " «لَا تَتَّهِمِ اللَّهَ عَلَى نَفْسِكَ» " فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كَانَ مَظِنَّةً أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: كَيْفَ قَدَّرَ الشَّرَّ وَهُوَ خِلَافُ مَا عُلِمَ نَظَرُهُ إِلَيْهِ شَرْعًا وَقَدَرًا؟ وَهَذِهِ هِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الشَّرَّ الْيَسِيرَ إِذَا كَانَ وَسِيلَةً إِلَى خَيْرٍ كَثِيرٍ كَانَ ارْتِكَابُهُ مَصْلَحَةً لَا مَفْسَدَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَصْدَ وَالْحِجَامَةَ وَشُرْبَ الدَّوَاءِ الْكَرِيهِ، وَقَطْعَ السِّلْعَةِ وَنَحْوَهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُؤْلِمَةِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى حُصُولِ الصِّحَّةِ؟ يَحْسُنُ ارْتِكَابُهُ فِي مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَيُعَدُّ خَيْرًا لَا شَرًّا، وَصِحَّةً لَا مَرَضًا، لِاسْتِلْزَامِهِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا قَضَاهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرِّ فَإِنَّمَا قَضَاهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى خَيْرٍ أَعْظَمَ وَأَعَمَّ نَفْعًا ; وَلِهَذَا وَرَدَ: " «لَا تَكْرَهُوا الْفِتَنَ فَإِنَّ فِيهَا حَصَادَ الْمُنَافِقِينَ» "، وَوَرَدَ: " «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ الْعُجْبَ الْعُجْبَ» " فَتَقْدِيرُ الذُّنُوبِ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَلَيْسَتْ لِكَوْنِهَا مَقْصُودَةً فِي نَفْسِهَا بَلْ لِغَيْرِهَا وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنْ دَاءِ الْعُجْبِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ عَظِيمٌ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَلِهَذَا قِيلَ: يَا مَنْ إِفْسَادُهُ إِصْلَاحٌ يَعْنِي أَنَّ مَا قَدَّرَهُ مِنَ الْمَفَاسِدِ فَلِتَضَمُّنِهِ مَصَالِحَ عَظِيمَةً اغْتُفِرَ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْيَسِيرُ فِي جَنْبِهَا لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَيْهَا، وَمَا أَدَّى إِلَى الْخَيْرِ فَهُوَ خَيْرٌ، فَكُلُّ شَرٍّ قَدَّرَهُ اللَّهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُقْصَدْ بِالذَّاتِ بَلْ بِالْعَرَضِ لِمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الْخَيْرِ الْأَعْظَمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَنَّهُ خَيْرٌ فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِمَا قَصَدَ أَصْلًا، وَلِمَا وَقَعَ
стр. 354
اسْتِلْزَامًا، وَهَذِهِ مِنْ مَسْأَلَةِ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ، الَّتِي قَرَّرَهَا الْغَزَالِيُّ وَأَلَّفْنَا فِي شَرْحِهَا كِتَابَ: تَشْيِيدِ الْأَرْكَانِ، فَلْيَنْظُرْهُ مَنْ أَرَادَ الْبَسْطَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] كَيْفَ أَضَافَ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ، وَالْمُضَافُ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ؟ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» ".
الْجَوَابُ: كَيْفَ تَسْأَلُ عَنْ هَذَا وَمِنْ شَأْنِ الْمُضَافِ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِلَّا إِضَافَةَ الْبَيَانِ؟ وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ فِي الْآيَةِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " فَعَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ مُعْظَمُ أَفْعَالِ الْحَجِّ وُقُوفُ عَرَفَةَ.
فَأَعَادَ السَّائِلُ السُّؤَالَ: يُحِيطُ عِلْمُ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُعْظَمُ أَفْعَالِ الْحَجِّ يَكُونُ بِعَرَفَةَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِضَافَةِ الْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَأَجَبْتُ: الْبَيْتُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فَأُضِيفَ الْحَجُّ إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقَالَ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ - فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] فَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْبَيْتَ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ عَرَفَةَ وَسَائِرِ الْبِقَاعِ، إِلَّا الْقَبْرَ الشَّرِيفَ النَّبَوِيَّ، فَأُضِيفَ الْحَجُّ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْمُعَظَّمُ فَوْقَ عَرَفَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " فَاعْتِبَارٌ آخَرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سِيقَ لِبَيَانِ مَا يَعْتَنِي الْحَاجُّ بِحُصُولِهِ خَوْفَ فَوَاتِ الْحَجِّ، فَإِنَّ وُقُوفَ عَرَفَةَ مُقَدَّرٌ بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْعِيدِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْوُقُوفَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ فَاتَهُ الْحَجُّ بِخِلَافِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحَلْقِ الَّتِي هِيَ بَقِيَّةُ أَرْكَانِ الْحَجِّ، فَإِنَّهَا لَا تَفُوتُ أَصْلًا وَلَا تَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ بَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ مَتَى فُعِلَتْ أَجْزَأَتْ؛ فَلِهَذَا قَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " أَيِ: الْأَمْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ إِدْرَاكُ الْحَجِّ أَوْ فَوَاتُهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ فَاتَهُ الْحَجُّ فَهَذِهِ إِضَافَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: حَجُّ الْبَيْتِ إِضَافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، فَافْهَمِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِضَافَتَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] مَا السِّمَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ؟ وَهَلْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَذَبَةٌ؟ فَإِنَّ الشَّيْخَ مجد الدين الشيرازي
стр. 355
نَقَلَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَذَبَةٌ طَوِيلَةٌ نَازِلَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَتَارَةً عَلَى كَتِفِهِ، وَأَنَّهُ مَا فَارَقَ الْعَذَبَةَ قَطُّ، وَأَنَّهُ قَالَ: " خَالِفُوا الْيَهُودَ وَلَا تُصَمِّمُوا فَإِنَّ تَصْمِيمَ الْعِمَامَةِ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ " وَأَنَّهُ قَالَ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِمَامَةٍ صَمَّاءَ " فَهَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ؟ وَمَا عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْعَذَبَةَ سُنَّةٌ وَتَرَكَهَا مُسْتَنْكِفًا عَنْهَا؟ وَهَلْ إِذَا اقْتَدَى الشَّخْصُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَذَبَةِ وَحَصَلَ لَهُ الْخُيَلَاءُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ كَلَامُ اللَّهِ؟ .
الْجَوَابُ: أَمَّا السِّمَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدَ عَنْ علي، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ أَنَّهَا الصُّوفُ الْأَبْيَضُ فِي نَوَاصِي خُيُولِهِمْ وَأَذْنَابِهَا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْعِهْنِ الْأَحْمَرِ، وَرُوِيَ عَنْ مكحول وَغَيْرِهِ أَنَّهَا الْعَمَائِمُ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ وكيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ يحيى بن عباد أَنَّ الزبير كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا بِهَا، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، وَرَوَاهُ ابن المنذر مِنْ طَرِيقِ هشام، عَنْ عباد بن حمزة، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِثْلُ سِيمَا الزبير، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمُ بِيضٌ قَدْ أَرْسَلُوهَا إِلَى ظُهُورِهِمْ، وَفِي إِسْنَادِهِ عمار بن أبي مالك ضَعَّفَهُ الأزدي، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عروة قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى سِيمَا الزبير وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي " قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] قَالَ: مُعَلِّمِينَ " وَكَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمُ سُودٌ» ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَهُوَ بَدْرِيٌّ، قَالَ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي عَمَائِمَ صُفْرٍ قَدْ طَرَحُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ.
فَالَّذِي صَحَّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي الْعَمَائِمِ أَنَّهَا صُفْرٌ مُرْخَاةٌ بَيْنَ الْأَكْتَافِ، وَرِوَايَةُ الْبِيضِ وَالسُّودِ ضَعِيفَةٌ.
وَالِاعْتِجَارُ لَفُّ الْعِمَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
وَأَمَّا الْعَذَبَةُ فَوَقَفْتُ فِيهَا عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْ لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلْبَاسِهِ وَلَيْسَ فِيهَا طَوِيلَةٌ:
الْأَوَّلُ «عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وأبو داود.
الثَّانِي: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» ، قَالَ نافع: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
الثَّالِثُ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي» ، رَوَاهُ أبو داود.
الرَّابِعُ: عَنْ عائشة قَالَتْ: «عَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَرْخَى لَهُ أَرْبَعَ أَصَابِعَ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ شَيْخِهِ مِقْدَامِ بْنِ دَاوُدَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
стр. 356
الْخَامِسُ: عَنْ ثَوْبَانَ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَمَّ أَرْخَى عِمَامَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ» " رَوَاهُ فِي الْأَوْسَطِ وَفِيهِ الحجاج بن رشدين ضَعِيفٌ.
السَّادِسُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَأَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَوْ نَحْوَهَا ثُمَّ قَالَ: " هَكَذَا فَاعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَبُ وَأَحْسَنُ» "، رَوَاهُ فِي الْأَوْسَطِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
السَّابِعُ: «عَنْ أبي عبد السلام قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمُّ؟ قَالَ: " كَانَ يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِزُهَا مِنْ وَرَائِهِ وَيُرْسِلُهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ» "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ إِلَّا أبا عبد السلام وَهُوَ ثِقَةٌ.
الثَّامِنُ: عَنْ أبي موسى «أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى ذُؤَابَتَهَا مِنْ وَرَائِهِ» . رَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ عبد الله بن تمام وَهُوَ ضَعِيفٌ.
التَّاسِعُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِالْعَمَائِمِ، فَإِنَّهَا سِيمَا الْمَلَائِكَةِ وَأَرْخُوهَا خَلْفَ ظُهُورِكُمْ» " رَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ علي بن يونس وَهُوَ مَجْهُولٌ.
الْعَاشِرُ: عَنْ أبي أمامة قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُوَلِّي وَالِيًا حَتَّى يُعَمِّمَهُ وَيُرْخِيَ لَهَا مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ نَحْوَ الْأُذُنِ» ، رَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ جميع بن ثوب مَتْرُوكٌ.
الْحَادِي عَشَرَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليا إِلَى خَيْبَرَ فَعَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ، أَوْ قَالَ: عَلَى كَتِفِهِ» ، رَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
الثَّانِي عَشَرَ: عَنْ عائشة قَالَتْ: " «عَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بِفِنَاءِ بَيْتِي هَذَا، وَتَرَكَ مِنْ عِمَامَتِهِ مِثْلَ وَرَقِ الْعُشَرِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ أَكْثَرَ الْمَلَائِكَةِ مُعْتَمِّينَ» " أَخْرَجَهُ ابن عساكر.
هَذَا مَا حَضَرَنِي الْآنَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِيهَا، فَقَوْلُ الشَّيْخِ مجد الدين: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَذَبَةٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: طَوِيلَةٌ لَمْ أَرَهُ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ أَحَادِيثِ إِرْخَائِهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَقَوْلُهُ: بَيْنَ كَتِفَيْهِ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: وَتَارَةً عَلَى كَتِفِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مِنْ لُبْسِهِ لَكِنْ مِنْ إِلْبَاسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْمِيمِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وعليا، وَقَوْلُهُ: مَا فَارَقَ الْعَذَبَةَ قَطُّ، لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ بَلْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمُّ تَارَةً بِعَذَبَةٍ وَتَارَةً بِلَا عَذَبَةٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: " خَالِفُوا الْيَهُودَ " إِلَى آخِرِهِ، وَحَدِيثُ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِمَامَةٍ صَمَّاءَ " فَلَا أَصْلَ لَهُمَا، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَتَرَكَهَا اسْتِنْكَافًا عَنْهَا أَثِمَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ فَلَا، قَالَ
стр. 357
النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَجُوزُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ بِإِرْسَالِ طَرَفِهَا وَبِغَيْرِ إِرْسَالِهِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ إِرْسَالِهَا شَيْءٌ، وَإِرْسَالُهَا إِرْسَالًا فَاحِشًا كَإِرْسَالِ الثَّوْبِ فَيَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ أبو داود، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا إِذَا اقْتَدَى الشَّخْصُ بِهِ ﷺ فِي عَمَلِ الْعَذَبَةِ وَحَصَلَ لَهُ ضِمْنَ ذَلِكَ خُيَلَاءُ، فَدَوَاؤُهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ وَيُعَالِجَ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ الْعَذَبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَزُلْ إِلَّا بِتَرْكِهَا فَلْيَتْرُكْهَا مُدَّةً حَتَّى يَزُولَ ; لِأَنَّ تَرْكَهَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَإِزَالَةُ الْخُيَلَاءِ وَاجِبَةٌ، وَأَمَّا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْأَحَادِيثُ كَلَامُ اللَّهِ؟ فَنَعَمْ بِمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وَرَوَى أبو داود، وَابْنُ حَيَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمَا يَعْدِلُهُ، فَرُبَّ شَبْعَانَ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» ".
وَرَوَى أبو داود مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ نَحْوَهُ وَفِيهِ: " «أَلَا إِنِّي أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا بِمِثْلِ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرَ» "، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَطْلُوبِ مَا رَوَاهُ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي مِثْلُ الْحَيَّيْنِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رَبِيعَةُ وَمُضَرُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ مَا أَقُولُ» " وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ: كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ، أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَهُوَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ; وَلِذَلِكَ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ اسْتَوْعَبْتُهَا فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا عَلَى سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ.
مَسْأَلَةٌ: مَا وَجْهُ عَطْفِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] مَعَ أَنَّ الذُّنُوبَ بِمَعْنَى السَّيِّئَاتِ؟
الْجَوَابُ: فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالذُّنُوبِ الْكَبَائِرُ، وَبِالسَّيِّئَاتِ الصَّغَائِرُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ التَّكْفِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الصَّغَائِرِ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالذُّنُوبِ مَا قَدَّمُوهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَبِالسَّيِّئَاتِ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ
стр. 358
الْمُرَادَ بِالذُّنُوبِ تَرْكُ الطَّاعَاتِ، وَبِالسَّيِّئَاتِ فِعْلُ الْمَعَاصِي.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمُتَرَادِفَيْنِ كَقَوْلِهِ:
وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا.
[سُورَةُ النِّسَاءِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] مَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] مَعَ أَنَّ ذُرِّيَّةً يُغْنِي عَنْهُ، فَإِنَّ الذُّرِّيَّةَ هُمُ الصِّغَارُ؟
الْجَوَابُ: أَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّفْسِيرُ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَسَّرَ الذُّرِّيَّةَ فِي الْآيَةِ بِالْأَوْلَادِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا وَفَسَّرَ قَوْلَهُ ﴿ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] أَيْ: صِغَارًا فَعُلِمَ أَنَّ الذُّرِّيَّةَ شَامِلٌ لِلْأَوْلَادِ مُطْلَقًا كَيْفَ كَانُوا، وَتَخْصِيصُهُمْ فِي الْآيَةِ بِالصِّغَارِ مِنَ الْوَصْفِ أَعْنِي صِغَارًا، وَقَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ: الذُّرِّيَّةُ أَصْلُهَا الصِّغَارُ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ مَعًا فِي التَّعَارُفِ، هَذَا لَفْظُهُ، وَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَاطِقٌ بِإِطْلَاقِ الذُّرِّيَّةِ عَلَى الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] وَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَهُ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَيْضًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ - ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤] وَقَالَ جَمَاعَةٌ: الذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلَى الْأَوْلَادِ وَعَلَى الْآبَاءِ أَيْضًا، قَالَ صَاحِبُ نَظْمِ الْقُرْآنِ: الذُّرِّيَّةُ تُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَلِلْأَصْلِ وَالنَّسْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أَيْ آبَاءَهُمْ، وَقَالَ الزملكاني فِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ: الذُّرِّيَّةُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْأَوْلَادِ تُطْلَقُ عَلَى الْآبَاءِ ; لِأَنَّ الْأَبَ ذُرِئَ مِنَ الْوَلَدِ أَيْ خُلِقَ، فَكَانَ ذُرِّيَّةً لِوَلَدِهِ، كَمَا أَنَّ الْوَلَدَ ذَرِيءٌ مِنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَمِنِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْآبَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أَيْ آبَاءَهُمْ قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] جَعَلَ آدَمَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ ذُرِّيَّةً لِلْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى.
стр. 359
مَسْأَلَةٌ: مَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ بِأَنَّهُ حَرَامٌ اسْتِنَادًا لِمَا نَطَقَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِيهِ بِالْحُرْمَةِ كَآيَةِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ هَلِ الْحُرْمَةُ فِيهِ لِعَيْنِهِ أَمْ لِمَعْنًى آخَرَ؟ حَكَوْا فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَحِينَئِذٍ فَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ مُعَيَّنٌ هَلْ يَقُولُ: إِنَّ حَدَّ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى آخِرِهِ؛ قَيْدُ الْأَفْعَالِ فِيهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، أَوْ مُعْتَبَرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِإِخْرَاجِ مَا احْتَرَزُوا عَنْهُ بِهِ مِمَّا لَا يُسَمَّى حُكْمًا، وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ مُعَلَّقُ الْحُكْمِ بِالْعَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ ذَهَبَ.
الْجَوَابُ: الْخِلَافُ فِي أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ هَلْ هُمَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ أَوْ مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ شَهِيرٌ حَكَاهُ خَلَائِقُ مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي التَّقْرِيبِ، وَحَكَاهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ السبكي، وَزَيَّفَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ جِدًّا حَتَّى قَالَ: إِنَّهُ قَالَ بِهِ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ، وَحَكَاهُ وَلَدُهُ الشَّيْخُ تاج الدين وَقَالَ: إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ أَصْلُنَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ قَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ - هَذِهِ عِبَارَتُهُ، وَذَكَرَ وَالِدُهُ أَنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي فُرُوعٍ فِقْهِيَّةٍ، مِنْهَا مَا لَوْ كَانَ بِيَدِ شَخْصٍ مَالٌ مَغْصُوبٌ فَأَعْطَاهُ لِآخَرَ، وَهُمَا جَاهِلَانِ بِالْغَصْبِ ظَانَّانِ أَنَّهُ مِلْكُهُ فَإِنْ قُلْنَا: التَّحْرِيمُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ؛ لَمْ يُوصَفْ هَذَا الْمَالُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَإِنْ قُلْنَا مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ وُصِفَ بِهِ، وَمِنْهَا قَتْلُ الْخَطَأِ يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ عَلَى قَوْلِ الْأَعْيَانِ دُونَ الْأَفْعَالِ، وَذَكَرَ وَلَدُهُ الشَّيْخُ تاج الدين لَهُ فَوَائِدَ أُصُولِيَّةً مِنْهَا أَنَّ نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لَا إِجْمَالَ فِيهِ قَطْعًا عَلَى قَوْلِ الْأَعْيَانِ وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى قَوْلِ الْأَفْعَالِ، وَأَمَّا حَدُّ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ مَاشٍ عَلَى الْقَوْلِ الصَّوَابِ دُونَ الْقَوْلِ الْمُزَيَّفِ، وَمَنْ يَقُولُ بِالْمُزَيَّفِ يَحْتَاجُ فِي الْحَدِّ إِلَى عِبَارَةٍ تُنَاسِبُ مَذْهَبَهُ، هَذَا آخِرُ الْجَوَابِ، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَ السَّائِلِ: هَلِ الْحُرْمَةُ فِيهِ لِعَيْنِهِ أَمْ لِمَعْنًى آخَرَ؛ عِبَارَةٌ مُلْبِسَةٌ، فَإِنَّ لَنَا مَسْأَلَتَيْنِ: مَسْأَلَةُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْأَفْعَالِ، أَوْ بِالْأَعْيَانِ، وَهَذِهِ مُطَّرِدَةٌ فِي كُلِّ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، وَمَسْأَلَةُ إِذَا قُلْنَا: تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ، فَفِي بَعْضِ الصُّوَرِ يَجْرِي فِيهَا خِلَافٌ هَلِ التَّحْرِيمُ لِلْعَيْنِ أَوِ الذَّاتِ أَوْ لِمَعْنًى خَارِجٍ كَمَا قِيلَ فِي اسْتِعْمَالِ أَوَانِي النَّقْدَيْنِ، وَهَذِهِ غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ فِي كُلِّ تَحْرِيمٍ، فَأَوَّلُ السُّؤَالِ يُوهِمُ أَنَّهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَآخِرُهُ يُوهِمُ أَنَّهُ عَنِ الْأُولَى.
стр. 360
[سُورَةُ الْأَعْرَافِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] هَلْ كَانَتِ الْأَيَّامُ ثَمَّ مَوْجُودَةً قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ وَهَلْ كَانَتْ لَهَا ثَمَّ أُمُورٌ تُعْرَفُ بِهَا أَوْ فِي الْآيَةِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ؟
الْجَوَابُ: الَّذِي وَضَحَ لِي بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ وَالتَّمَهُّلِ أَيَّامًا حَتَّى أَعْطَيْتُ النَّظَرَ حَقَّهُ أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقَ الْأَيَّامِ كَانَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذِكْرُ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ يَطُولُ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ شَيْئًا مُخْتَصَرًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ " وَفِي لَفْظٍ: " الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَالشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَالنُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُسَمَّاةِ بِعَيْنِهَا، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وابن المنذر فِي تَفْسِيرَيْهِمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانًا فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسَمَا عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ سَمَاءً، ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا وَأَقْوَاتَ أَهْلِهَا وَشَجَرَهَا، وَمَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا خَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا. فَهَذَا الْأَثَرُ أَيْضًا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَيَّامَ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ هِيَ هَذِهِ الْمُسَمَّاةُ بِعَيْنِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي أَنَّ الِابْتِدَاءَ يَوْمَ الْأَحَدِ لَا يَوْمَ السَّبْتِ لِأَحَادِيثَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ، وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ أَعَلَّهُ الْحُفَّاظُ وَصَوَّبُوا وَقْفَهُ عَلَى كعب، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْخَلْقَ وَقَعَ فِي الْأَيَّامِ الْمُسَمَّاةِ الْمَعْهُودَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْأَثَرُ الَّذِي سُقْنَاهُ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَيَّامَ لَمْ يَتَقَدَّمْ خَلْقُهَا لِقَوْلِهِ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَفَتْقَهُمَا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَّيْلِ كَانَ قَبْلُ أَمِ النَّهَارُ؟ قَالَ: اللَّيْلُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فَهَلْ تَعْلَمُونَ كَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا ظُلْمَةٌ؟ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
стр. 361
قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ نَهَارٌ وَلَا أَيَّامٌ، وَرَوَى ابن عساكر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْأَحَدَ، فَسَمَّاهُ الْأَحَدَ. فَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ الْأَرْبَعَةُ إِذَا رُكِّبَتْ مَعَ بَعْضِهَا أَنْتَجَتْ لِلْمُجْتَهِدِ أَنَّ خَلْقَ الْأَيَّامِ وَقَعَ مُقَارِنًا لِخَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ لَا مُتَقَدِّمًا وَلَا مُتَأَخِّرًا، وَأَنَّ الْأَيَّامَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] هِيَ أَوَّلُ أَيَّامٍ خُلِقَتْ فِي الدُّنْيَا.
مَسْأَلَةٌ
يَا عَالِمَ الْعَصْرِ لَا زَالَتْ أَنَامِلُكُمْ ... تَهْمِي وَجُودُكُمُ نَامٍ مَدَى الزَّمَنِ
لَقَدْ سَمِعْتُ خِصَامًا بَيْنَ طَائِفَةٍ ... مِنَ الْأَفَاضِلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللُّسُنِ
فِي الْأَرْضِ هَلْ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَهَلْ ... بِالْعَكْسِ جَا أَثَرٌ يَا نُزْهَةَ الْزَمَنِ؟
فَمِنْهُمُ قَالَ إِنَّ الْأَرْضَ مُنْشَأَةٌ ... بِالْخَلْقِ قَبْلَ السَّمَا قَدْ جَاءَ فِي السُّنَنِ
وَمِنْهُمُ مَنْ أَتَى بِالْعَكْسِ مُسْتَنِدًا ... إِلَى كَلَامِ إِمَامٍ مَاهِرٍ فَطِنِ
أَوْضِحْ لَنَا مَا خَفِيَ مِنْ مُشْكِلٍ وَأَبِنْ ... نَجَّاكَ رَبُّكَ مِنْ وِزْرٍ وَمِنْ مِحَنِ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ ... مَاحِي الضَّلَالَةِ هَادِي الْخَلْقِ لِلسُّنَنِ
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْأَفْضَالِ وَالْمِنَنِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَبْعُوثِ بِالسُّنَنِ
الْأَرْضُ قَدْ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ كَمَا ... قَدْ نَصَّهُ اللَّهُ فِي حم فَاسْتَبِنِ
وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي النَّازِعَاتِ أَتَى ... فَدَحْوُهَا غَيْرُ ذَاكَ الْخَلْقِ لِلْفَطِنِ
فَالْحَبْرُ أَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أَجَابَ بِذَا ... لَمَّا أَتَاهُ بِهِ قَوْمٌ ذَوُو لُسُنِ
وابن السيوطي قَدْ خَطَّ الْجَوَابَ لِكَيْ ... يَنْجُوَ مِنَ النَّارِ وَالْآثَامِ وَالْفِتَنِ
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ [العنكبوت: ٤٤] هَلِ السَّمَاوَاتُ مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ؟
الْجَوَابُ: هُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَمَنْ أَعْرَبَهُ مَفْعُولًا بِهِ فَقَدْ غَلَّطَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمُ ابن الحاجب فِي أَمَالِيهِ، وابن هشام فِي مُغْنِيهِ، وَوَجَّهُوهُ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ الْمَفْعُولَ بِهِ مَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْفِعْلِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ، ثُمَّ أَوْقَعَ الْفَاعِلُ بِهِ فِعْلًا، وَالْمَفْعُولُ الْمُطْلَقُ مَا كَانَ الْفِعْلُ الْعَامِلُ بِهِ هُوَ فِعْلَ إِيجَادِهِ، قَالَ ابن هشام: وَالَّذِي غَرَّ النَّحْوِيِّينَ فِي هَذَا أَنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ الْفِعْلَ الْمُطْلَقَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَهُمْ إِنَّمَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ إِنْشَاءُ الْأَفْعَالِ لَا
стр. 362
الذَّوَاتِ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُطْلَقَ لَا يَكُونُ إِلَّا حَدَثًا، وَلَوْ مَثَّلُوا بِأَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُوجِدٌ لِلْأَفْعَالِ وَلِلذَّوَاتِ جَمِيعًا قَالَ: وَكَذَا الْبَحْثُ فِي: أَنْشَأْتُ كِتَابًا، وَعَمِلَ فُلَانٌ خَيْرًا، وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابن هشام، وَقَدْ رَأَيْتُ لِلشَّيْخِ تقي الدين السبكي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا تَأْلِيفَيْنِ نَفِيسَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُطَوَّلٌ سَمَّاهُ: التَّهَدِّي إِلَى مَعْنَى التَّعَدِّي أَتَى فِيهِ بِنَفَائِسَ وَغَرَائِبَ، ثُمَّ لَخَّصَهُ فِي كِتَابٍ أَخْصَرَ مِنْهُ سَمَّاهُ: بَيَانَ الْمُحْتَمَلِ فِي تَعَدِّيهِ عَمَلٌ، قَالَ فِيهِ فِي تَوْجِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ: الْمَفْعُولُ بِهِ هُوَ مَحَلُّ الْفِعْلِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ قَوْلِنَا: مَفْعُولٌ بِهِ؛ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ غَيْرَهُ، فَزَيْدًا فِي: ضَرَبْتُ زَيْدًا مَفْعُولٌ بِهِ ; لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الْمَفْعُولُ الَّذِي أَوْجَدَهُ الْفَاعِلُ فَالضَّرْبُ وَهُوَ الْمَفْعُولُ الْمُطْلَقُ، وَكَذَا نَحْوُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ، وَعَمِلْتُ صَالِحًا، السَّمَاوَاتُ وَالصَّالِحُ هُوَ نَفْسُ الْمَفْعُولِ لَا مَحَلُّ الْفِعْلِ، وَالْمَفْعُولُ غَيْرُهُ فَهُوَ مُطْلَقٌ بِمَعْنَى أَنَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَفَاعِيلِ مُقَيَّدٌ، وَهُوَ نَفْسُ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ أَيِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْقُيُودِ، وَهُوَ الصَّادِرُ عَنِ الْفَاعِلِ وَهُوَ نَفْسُ فِعْلِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا سَرَى الْغَلَطُ مِنْ ظَنِّ أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُطْلَقَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ كُلُّ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَصْدَرًا، هَذَا كَلَامُ السبكي.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] مَا إِعْرَابُهُ؟
الْجَوَابُ: أَيَّانَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَمُرْسَاهَا مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
[سُورَةُ بَرَاءَةَ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] هَلْ يُفَسَّرُ الْقِيَامُ هُنَا بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَهَلْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي زِيَارَتِهِ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ أَنَّهُ لِإِحْيَائِهَا لِتُؤْمِنَ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ تَارِيخَ الزِّيَارَةِ كَانَ بَعْدَ النَّهْيِ.
الْجَوَابُ: الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ عَلَى الْقَبْرِ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ حَالَةَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ سَاعَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الزِّيَارَةَ أَيْضًا أَخْذًا مِنَ الْإِطْلَاقِ، وَتَارِيخُ الزِّيَارَةِ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ لَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ الَّذِي صَحَّ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﷺ زَارَهَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْآيَةُ نَازِلَةٌ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ الضَّمِيرُ فِي مِنْهُمْ خَاصٌّ بِالْمُنَافِقِينَ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَّةُ الْمُشْرِكِينَ يَلْحَقُونَ بِهِمْ قِيَاسًا، وَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيثِ الزِّيَارَةِ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ، وَهَذَا الْإِذْنُ عِنْدِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهَا مِنَ
стр. 363
الْمُوَحِّدِينَ لَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا هُوَ اخْتِيَارِي، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُ نَهَاهُ عَنِ الْقِيَامِ عَلَى قُبُورِ الْكُفَّارِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْقِيَامِ عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُمْ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ يَأْذَنُ لَهُ فِيهِ، وَاحْتِمَالُ التَّخْصِيصِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ صَرِيحٍ، فَإِنْ قُلْتَ: اسْتِئْذَانُهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِلَّا لَزَارَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ قُلْتُ: لَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَقْفَةٌ فِي صِحَّةِ تَوْحِيدِ مَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
[سُورَةُ يُونُسَ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ [يونس: ٣٥] مَا أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَمَاضِيهَا وَمَا إِعْلَالُهَا، وَهَلْ إِعْلَالُهَا جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ؟
الْجَوَابُ: أَصْلُ (يَهِدِّي) يَهْتَدِي قُلِبَتِ التَّاءُ دَالًا لِتُدْغَمَ، فَصَارَ يَهْدَدِي، ثُمَّ سُكِّنَتْ لِذَلِكَ فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا وَهِيَ الْفَتْحَةُ إِلَى الْهَاءِ قَبْلَهَا، وَأُدْغِمَتْ فَصَارَ يَهِدِّي، قَالَ أبو البقاء: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] فِيمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَالطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، قَالَ: فَالْأَصْلُ يَخْتَطِفُ قُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الطَّاءِ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاءِ، وَأَمَّا الْمَاضِي فَهَدَّى، وَالْأَصْلُ اهْتَدَى قُلِبَتِ التَّاءُ دَالًا فَصَارَ اهْدَدَى وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْهَاءِ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ فَحُذِفَتْ وَأُدْغِمَتِ الدَّالُ فِي الدَّالِ فَصَارَتْ هَدَّى، وَهَذَا الْإِعْلَالُ جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْقِيَاسِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ التَّصْرِيفِ، فَإِنَّ فَاءَ الِافْتِعَالِ تُدْغَمُ فِي أَحْرُفٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْهَا الدَّالُ، وَقَدْ مَثَّلَ لِذَلِكَ الجاربردي بِقِرَاءَةِ (مُرَدِّفِينَ) وَالْأَصْلُ مُرْتَدِفِينَ، قُلِبَتِ التَّاءُ دَالًا فَصَارَ مُرْدَدِفِينَ ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الدَّالِ إِلَى الرَّاءِ وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَةِ.
[سُورَةُ هُودٍ]
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : " «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» " مَا الْمُرَادُ بِأَخَوَاتِهَا؟
الْجَوَابُ: الْمُرَادُ بِهِنَّ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ، وَالْمُرْسَلَاتِ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ كَذَا ثَبَتَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والحاكم، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَالْحَاقَّةِ، زَادُ ابن مردويه فِي أُخْرَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، زَادَ ابن سعد فِي أُخْرَى الْقَارِعَةَ وَسَأَلَ سَائِلٌ، وَفِي أُخْرَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ.
стр. 364
[سُورَةُ يُوسُفَ] [ أسئلة عن سورة يوسف]
مَسْأَلَةٌ:
مَا قَوْلُ حَاوٍ لِتَنْبِيهٍ لِبَهْجَتِهِ ... دُرٌّ نَفِيسٌ صَحِيحٌ يَخْطَفُ الْبَصَرَا
بِرَوْضَةٍ أَظْهَرَ الْمِنْهَاجَ فِي مَلَأٍ ... مُحَرَّرًا وَلِأَرْبَابِ الذَّكَا قَمَرَا
فِي آيَةٍ قُرِئَتْ فِي يُوسُفَ عَلَنًا ... فِي وَحْيِ قُرْآنِنَا هَذَا إِلَيْكَ جَرَى
وَفِي إِشَارَاتِ آيَاتِ الْكِتَابِ بِهَا ... بِتِلْكَ فِي آيَةٍ تَبْدُو لِمَنْ نَظَرَا
هَلِ الْإِشَارَةُ مَعْنَاهَا الْجَمِيعُ وَهَلْ ... بِأَحْسَنِ الْقَصَصِ الْقُرْآنُ قَدْ حُصِرَا؟
وَهَلْ تَنَزَّلُ فِي صَوْمٍ بِأَجْمَعِهِ
أَوْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَنْزَلْنَا كَمَا ذُكِرَا
وَأَهْلُ كُفْرٍ وَتَوْحِيدٍ لَهُمْ رُفَقٌ ... فِي النَّارِ إِنْ عُذِّبُوا هَلْ ذَاكَ قَدْ أُثِرَا
لَا زِلْتَ تَجْلُو ظَلَامَ الْجَهْلِ فِي زَمَنٍ
بِكُمْ زَهَا وَلِإِرْشَادِ الْأَنَامِ يُرَى ... بِكُمْ شَفَا وَبِتَوْضِيحِ الْعُلُومِ سَمَا
لِمُسْلِمٍ وَلِجَمْعِ الْخَلْقِ قَدْ شُهِرَا
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا مِثْلَ مَا أَمَرَا ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرَا
إِنَّ الْإِشَارَةَ خَصُّوهَا بِمَا اشْتَمَلَتْ ... عَلَيْهِ سُورَتُهَا لَا شَكَّ مُنْحَصِرَا
وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِيهَا كَانَ مَنْزِلُهُ ... إِلَى سَمَاءِ الْدُنَا جَمْعًا كَمَا أُثِرَا
وَأَهْلُ تَوْحِيدِهِ فِي النَّارِ يَرْتَفِقُوا ... بِمَوْتِهِمْ فَشُعُورٌ مِنْهُمُ شُعِرَا
وَأَهْلُ كُفْرٍ فَمِنْهُمْ ذُو تَشَدُّدِهِ ... وَمَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُ حَسْبُ مَا ذُكِرَا
[دَفْعُ التَّعَسُّفِ عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلَيْنِ قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ ﵇ أَنْبِيَاءُ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ فَمَنْ أَصَابَ؟
الْجَوَابُ: فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ ﵇ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ سَلَفًا وَخَلَفًا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، أَمَّا السَّلَفُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِنُبُوَّتِهِمْ - كَذَا قَالَ ابن تيمية، وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَمَّا أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، فَنُقِلَ عَنِ ابن
стр. 365
زيد أَنَّهُ قَالَ بِنُبُوَّتِهِمْ، وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا فِئَةٌ قَلِيلَةٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَتْبَاعِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَمَّا الْخَلَفُ، فَالْمُفَسِّرُونَ فِرَقٌ؛ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ ابن زيد كَالْبَغَوِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فِي رَدِّهِ كالقرطبي، والإمام فخر الدين، وابن كثير، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ كابن الجوزي، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِمْ أَنْبِيَاءَ كَتَفْسِيرِهِ الْأَسْبَاطَ بِمَنْ نُبِّئَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْمُنَزَّلَ إِلَيْهِمْ بِالْمُنَزَّلِ إِلَى أَنْبِيَائِهِمْ كَأَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، والواحدي، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ فَسَّرَ الْأَسْبَاطَ بِأَوْلَادِ يَعْقُوبَ، فَحَسِبَهُ نَاسٌ قَوْلًا بِنُبُوَّتِهِمْ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُ لَا بَنُوهُ لِصُلْبِهِ، كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا: إِخْوَةُ يُوسُفَ لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُمْ، وَذِكْرُ الْأَسْبَاطِ وَعَدُّهُمْ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ مَنْ نُبِّئَ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَسْبَاطِ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا النَّقْلِ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ مِثْلِ الْقَاضِي، وَقَالَ ابن كثير: اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ إِخْوَةِ يُوسُفَ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَيَحْتَاجُ مُدَّعِي ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا سِوَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦] إِلَى قَوْلِهِ (وَالْأَسْبَاطِ) وَهَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ ; لِأَنَّ بُطُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُمُ: الْأَسْبَاطُ كَمَا يُقَالُ لِلْعَرَبِ: قَبَائِلُ، وَلِلْعَجَمِ: شُعُوبٌ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَذَكَرَهُمْ إِجْمَالًا ; لِأَنَّهُمْ كَثِيرُونَ وَلَكِنْ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ نَسْلِ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَعْيَانِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ أُوحِيَ إِلَيْهِمُ. انْتَهَى.
وَقَالَ الواحدي: الْأَسْبَاطُ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَائِلِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَكَانَ فِي الْأَسْبَاطِ أَنْبِيَاءُ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] يَعْنِي الْمُخْتَصِّينَ بِالنُّبُوَّةِ مِنْهُمْ، وَقَالَ السمرقندي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] إِلَى قَوْلِهِ: (وَالْأَسْبَاطِ) السِّبْطُ بِلُغَتِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْقَبِيلَةِ لِلْعَرَبِ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، فَأَضَافَ إِلَيْهِمْ كَمَا أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَضَافَ إِلَى أُمَّتِهِ، فَقَالَ: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا فَكَذَلِكَ الْأَسْبَاطُ أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَأَضَافَ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣] هُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ أُوحِيَ إِلَى أَنْبِيَائِهِمْ، ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تقي الدين بن تيمية أَلَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُؤَلَّفًا خَاصًّا قَالَ فِيهِ مَا مُلَخَّصُهُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَاللُّغَةُ وَالِاعْتِبَارُ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ
стр. 366
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ خَبَرٌ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّأَهُمْ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ نُبِّئُوا بِقَوْلِهِ فِي آيَتَيِ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣] وَفَسَّرَ الْأَسْبَاطَ بِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمْ أَوْلَادَهُ لِصُلْبِهِ بَلْ ذُرِّيَّتَهُ كَمَا يُقَالُ فِيهِمْ أَيْضًا بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ كَانَ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَالْأَسْبَاطُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْقَبَائِلِ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، قَالَ أبو سعيد الضرير: أَصْلُ السِّبْطِ شَجَرَةٌ مُلْتَفَّةُ كَثِيرَةُ الْأَغْصَانِ فَسُمُّوا الْأَسْبَاطَ لِكَثْرَتِهِمْ، فَكَمَا أَنَّ الْأَغْصَانَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَلِكَ الْأَسْبَاطُ كَانُوا مِنْ يَعْقُوبَ، وَمِثْلُ السِّبْطِ الْحَافِدُ، وَكَانَ الحسن والحسين سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَسْبَاطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ ذَرَارِيُّ أَبْنَائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ - وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٥٩ - ١٦٠] فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَسْبَاطَ هُمُ الْأُمَمُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّ سَبْطَةٍ أُمَّةٌ لَا أَنَّهُمْ بَنُوهُ الِاثْنَا عَشَرَ، بَلْ لَا مَعْنَى لِتَسْمِيَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَنْتَشِرَ عَنْهُمُ الْأَوْلَادُ أَسْبَاطًا، فَالْحَالُ أَنَّ السِّبْطَ هُمُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَمَنْ قَالَ: الْأَسْبَاطُ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ أَوْلَادُهُ لِصُلْبِهِ، بَلْ أَرَادَ ذُرِّيَّتَهُ كَمَا يُقَالُ: بَنُو إِسْرَائِيلَ وَبَنُو آدَمَ، فَتَخْصِيصُ الْآيَةِ بِبَنِيهِ لِصُلْبِهِ غَلَطٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَلَا الْمَعْنَى، وَمَنِ ادَّعَاهُ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً بَيِّنًا، وَالصَّوَابُ أَيْضًا: أَنَّ كَوْنَهُمْ أَسْبَاطًا إِنَّمَا سُمُّوا بِهِ مِنْ عَهْدِ مُوسَى لِلْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنْ حِينَئِذٍ كَانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَ مُوسَى إِلَّا يُوسُفَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] الْآيَاتِ، فَذَكَرَ يُوسُفَ وَمَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَسْبَاطَ فَلَوْ كَانَ إِخْوَةُ يُوسُفَ نُبِّئُوا كَمَا نُبِّئَ يُوسُفُ لَذُكِرُوا مَعَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمَحَامِدِ وَالثَّنَاءِ مَا يُنَاسِبُ النُّبُوَّةَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَمَا قَالَ عَنْ مُوسَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] الْآيَةَ، وَقَالَ فِي يُوسُفَ كَذَلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ " «أَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نَبِيٌّ مِنْ نَبِيٍّ مِنْ نَبِيٍّ» " فَلَوْ كَانَتْ إِخْوَتُهُ أَنْبِيَاءَ كَانُوا قَدْ شَارَكُوهُ فِي هَذَا الْكَرَمِ، وَهُوَ تَعَالَى لَمَّا قَصَّ قِصَّةَ يُوسُفَ وَمَا فَعَلُوا مَعَهُ ذَكَرَ اعْتِرَافَهُمْ بِالْخَطِيئَةِ وَطَلَبَهُمُ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ أَبِيهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ فَضْلِهِمْ مَا يُنَاسِبُ النُّبُوَّةَ، وَلَا شَيْئًا مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَلَا ذَكَرَ عَنْهُمْ تَوْبَةً بَاهِرَةً كَمَا ذَكَرَ عَنْ ذَنْبِهِ دُونَ ذَنْبِهِمْ، بَلْ إِنَّمَا حَكَى عَنْهُمُ الِاعْتِرَافَ وَطَلَبَ الِاسْتِغْفَارَ، وَلَا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلَا بَعْدَهَا أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مِنْ عُقُوقِ الْوَالِدِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَإِرْقَاقِ الْمُسْلِمِ وَبَيْعِهِ إِلَى بِلَادِ
стр. 367
الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ الْبَيِّنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حَكَاهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَحْكِ عَنْهُمْ شَيْئًا يُنَاسِبُ الِاصْطِفَاءَ وَالِاخْتِصَاصَ الْمُوجِبَ لِنَبُّوتِهِمْ بَلِ الَّذِي حَكَاهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا حَكَاهُ عَنْ يُوسُفَ، ثُمَّ إِنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَهْلَ مِصْرَ نَبِيٌّ قَبْلَ مُوسَى سِوَى يُوسُفَ لِآيَةِ غَافِرٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ نَبِيٌّ لَكَانَ قَدْ دَعَا أَهْلَ مِصْرَ وَظَهَرَتْ أَخْبَارُ نُبُوَّتِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ نَبِيٌّ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ مُتَعَدِّدَةٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كُلَّهُمْ مَاتُوا بِمِصْرَ وَهُوَ أَيْضًا، وَأَوْصَى بِنَقْلِهِ إِلَى الشَّامِ فَنَقَلَهُ مُوسَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَلَطَ فِي دَعْوَى نُبُوَّتِهِمْ حَصَلَ مِنْ ظَنِّ أَنَّهُمْ هُمُ الْأَسْبَاطُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الْأَسْبَاطُ ذُرِّيَّتُهُمُ الَّذِينَ قُطِّعُوا أَسْبَاطًا مِنْ عَهْدِ مُوسَى، كُلُّ سِبْطٍ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَسْبَاطِ أَبْنَاءَ يَعْقُوبَ لَقَالَ: وَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ فَإِنَّهُ أَوْجَزُ وَأَبْيَنُ، وَاخْتِيرَ لَفْظُ الْأَسْبَاطِ عَلَى لَفْظِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ النُّبُوَّةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ فِيهِمْ مِنْ حِينِ تَقْطِيعِهِمْ أَسْبَاطًا مِنْ عَهْدِ مُوسَى، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ابن تيمية، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سُورَةُ الْحِجْرِ]
مَسْأَلَةٌ:
مَا الْقَوْلُ يَا عَالِمَ الْعَصْرِ الَّذِي شَهِدَتْ ... بِفَضْلِهِ فِرَقُ الْأَعْجَامِ وَالْعَرَبِ
فِي قَوْلِ رَبِّ الْعُلَا فِيمَا حَكَاهُ لَنَا ... فِي سُورَةِ الْحِجْرِ عَنْ قَوْمٍ أُولِي نَسَبِ
مُسْتَثْنِيًا فِي نَجَاةِ آلِ لُوطِهِمُ ... بِجَمْعِهِمْ يَا أُولِي الْأَحْلَامِ وَالرُّتَبِ
مُسْتَثْنِيًا ثَانِيًا فِي قَوْلِهِ امْرَأَةً ... مُقَرِّرًا أَنَّهَا فِي غَابِرِ الْحِقَبِ
مَا حُكْمُ الَاوَّلِ وَالثَّانِي وَذِكْرِهِمَا ... فِي آيَةٍ نَسَقًا يُفْضِي إِلَى السَّبَبِ
مَا الشَّأْنُ فِيهِ أَبِنْ لَا زِلْتَ تُرْشِدُنَا ... فِي الْمُشْكِلَاتِ وَمَا تُبْدِيهِ مِنْ عَجَبِ
أَنَالَكَ اللَّهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ إِذَا ... هَالَ الْحِسَابُ وَظَلَّ النَّاسُ فِي كَرَبِ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ ... حَامِي الْبَرِّيَّةِ مَاحِي الشِّرْكِ وَالرِّيَبِ
وَآلِهِ الْغُرِّ وَالْأَصْحَابِ مَا طَلَعَتْ ... شَمْسُ الضُّحَى وَحَدَا حَادٍ عَلَى قَتَبِ
الْجَوَابُ:
حَمْدًا لِمَنْ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِالْعَرَبِي ... مُفَصَّلَ الْقَوْلِ مَحْضًا غَيْرَ ذِي أَشَبِ
стр. 368
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا ... مُحَمَّدٍ خَيْرِ أَهْلِ الْعُجْمِ وَالْعَرَبِ
إِذَا تَكَرَّرَ مُسْتَثْنًى نَظَرْتَ إِلَى ... مَعْنَاهُ يُوصِلُكُ الْمَعْنَى إِلَى الْأَرَبِ
فَحَيْثُ أَمْكَنَ فِي كُلٍّ لِسَابِقِهِ ... فَاجْعَلْهُ مِنْهُ بِلَا رَيْبٍ وَلَا نَصَبِ
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْغَرَّاءُ مِنْهُ فَخُذْ ... فَصْلَ الْخِطَابِ وَكُنْ فِي الْحَرْبِ ذَا أُهَبِ
فَأَوَّلٌ مُخْرَجٌ مِنْ مُجْرِمِينَ عُدُّوا ... لِآلِ لُوطٍ فَلَا جُرْمَ لِآلِ نَبِي
وَالثَّانِي يَنْفِي مِنَ الْإِنْجَاءِ مَرْأَتَهُ ... هَذَا الْجَوَابُ عَنِ الْأَشْيَاخِ وَالْكُتُبِ
وَابْنُ السُّيُوطِيِّ يَرْجُو عَفْوَ خَالِقِهِ ... وَأَنْ يَكُونَ بِخَيْرِ الْخَلْقِ ذَا سَبَبِ
[سُورَةُ النَّحْلِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] هَلِ الْمُرَادُ بِهَا جِنْسُ النِّعْمَةِ أَوِ النِّعْمَةُ الْوَاحِدَةُ؟
الْجَوَابُ: أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِنْسُ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ مِنْ أَهْلِ التَّدْقِيقِ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ، ومحمود بن حمزة الكرماني فِي غَرَائِبِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ النِّعْمَةَ الْوَاحِدَةَ لَوْ عُدَّ مَا يَتَشَعَّبُ عَنْهَا مِنَ النِّعَمِ لَمْ يُحْصَ، وَهَذَا أَدَقُّ مَعْنًى وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِمُرَادِ الْأَلْفَاظِ وَمَوَارِدِ اللُّغَةِ.
[سُورَةُ الْإِسْرَاءِ]
مَسْأَلَةٌ:
مَاذَا جَوَابُ إِمَامٍ مُفْرَدٍ شُهِرَتْ ... آيَاتُهُ كَاشْتِهَارِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
إِذْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يُحْصِي فَضَائِلَهُ ... فِي الْعَصْرِ بَلْ لَيْسَ ذَا فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ
فِيمَا قَرَأْنَاهُ فِي الِاسْرَا وَبَانَ لَنَا ... مَعْنَاهُ فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ
بِأَنَّ لَا شَيْءَ فِي الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا ... إِلَّا يُسَبِّحُ فِي حَمْدٍ لِمُقْتَدِرِ
وَقَوْلِ أَحْمَدَ طَهَ حَيْثُ مَرَّ عَلَى ... قَبْرَيْنِ قَدْ عُذِّبَا فِي غَايَةِ الضَّرَرِ
وَشَقَّ غُصْنًا رَطِيبًا ثُمَّ أَوْدَعَ فِي ... كُلٍّ نَصِيبًا كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ
وَقَالَ تَسْبِيحُ هَذَا الْغُصْنِ غَايَتُهُ ... يَبَسًا يَحِلُّ بِهِ يَنْفِيهِ عَنْ نَظَرِ
стр. 369
هَلْ ذَا يُعَارِضُ آيَاتِ الْكِتَابِ إِذَا
أَوْ لَا يُعَارِضُهُ يَا مُنْتَهَى وَطَرِي؟ ... جَنَّاتُ عَدْنٍ لَكُمْ مَأْوًى وَمَسْكَنُكُمْ
يَوْمَ الْمَعَادِ بِقَصْرٍ يَانِعٍ نَضِرِ ... وَلَا بَرِحْتُمْ لِحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ كَمَا
تَأْلِيفُكُمْ لِلْهُدَى يَسْمُو مَدَى الدَّهْرِ
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي الْآصَالِ وَالْبِكَرِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ
قَدْ خُصِّصَتْ آيَةُ الْإِسْرَى بِمُتَّصِفٍ ... وَصْفَ الْحَيَاةِ كَرَطْبِ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ
فَيَابِسٌ مَاتَ لَا تَسْبِيحَ مِنْهُ كَذَا ... مَا زَالَ عَنْ مَوْضِعٍ كَالْقَطْعِ لِلْحَجَرِ
[سُورَةُ الْكَهْفِ]
مَسْأَلَةٌ: مِنْ حَلَبَ - قَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيِّ مَوْضِعٌ عَسِرٌ فَهْمُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الفاتحة: ٢٣ - ٢٨٩٨٩] وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْيِ؛ أَيْ: لَا تَقُولَنَّ لِأَجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ: إِنِّي فَاعِلُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ إِلَّا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ؛ أَيْ: إِلَّا مُلْتَبِسًا بِمَشِيئَتِهِ قَائِلًا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ أَيْ: إِلَّا وَقْتَ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَهُ بِمَعْنَى أَنْ يَأْذَنَ لَكَ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِفَاعِلٍ ; لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ اقْتِرَانِ الْمَشِيئَةِ بِالْفِعْلِ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَاسْتِثْنَاءُ اعْتِرَاضِهَا دُونَهُ لَا يُنَاسِبُ النَّهْيَ. انْتَهَى.
وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ ذَلِكَ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِفَاعِلٍ ; لِأَنَّ إِلَى آخِرِهِ فَإِنَّ هَذَا عَسُرَ فَهْمُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.
الْجَوَابُ: سَبَبُ ذَلِكَ وَجَازَةُ الْعِبَارَةِ وَاخْتِصَارُهَا، وَيُوَضِّحُهُ مَا فِي عِبَارَةِ ابن الحاجب حَيْثُ قَالَ: الْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مُفَرَّغًا كَقَوْلِكَ: لَا تَجِيءُ إِلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ، وَلَا تَخْرُجُ إِلَّا عَشِيَّةً عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَعَمُّ الْمَحْذُوفُ حَالًا أَوْ مَصْدَرًا، وَحُذِفَتِ الْبَاءُ مِنْ بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ؛ أَيْ: إِلَّا بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ، وَقَدْ عُلِمَ ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ الْمُسْتَصْحَبَةِ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ هِيَ الْمَشِيئَةُ الْمَذْكُورَةُ بِحَرْفِ الشَّرْطِ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِكَ: لَأَفْعَلَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَمَا أَشْبَهَهَا، قَالَ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: إِنِّي فَاعِلٌ؛ فَفَاسِدٌ إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: إِنِّي فَاعِلٌ بِكُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي فَاعِلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، انْتَهَى.
وَقَدْ وَضَحَ بِهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِفَاعِلٍ ; لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ اقْتِرَانِ الْمَشِيئَةِ بِالْفِعْلِ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَهَذَا
стр. 370
التَّعْلِيلُ مِنْ زَوَائِدِهِ عَلَى الْكَشَّافِ أَخَذَهُ مِنْ أَمَالِي ابن الحاجب، وَقَوْلُ الْقَاضِي: وَاسْتِثْنَاءُ اعْتِرَاضِهَا دُونَهُ لَا يُنَاسِبُ النَّهْيَ. هَذَا التَّعْلِيلُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكَشَّافِ: وَعِبَارَتُهُ: لَا بِقَوْلِهِ إِنِّي فَاعِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنِّي فَاعِلٌ كَذَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ كَانَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنْ تَعْتَرِضَ مَشِيئَةُ اللَّهِ دُونَ فِعْلِهِ، وَذَلِكَ مَا لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلنَّهْيِ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَاضِيَ عَلَّلَ إِبْطَالَ تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي فَاعِلٌ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي فَاعِلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى: إِنِّي فَاعِلٌ إِلَّا أَنْ تَعْتَرِضَ الْمَشِيئَةُ دُونَ الْفِعْلِ، وَهَذَا الْقَدْرُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلنَّهْيِ فِيهِ فَلَا يَلْتَئِمُ مَعَهُ قَوْلُهُ: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ فَبَطَلَ تَعْلِيقُ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي فَاعِلٌ وَتَعَيَّنَ تَعْلِيقُهُ بِالنَّهْيِ، وَالْأَوَّلُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ذَكَرَهُ ابن الحاجب وَلَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا كَعَادَتِهِ فِي الْجَمْعِ وَالْإِيجَازِ.
[سُورَةُ طه]
مَسْأَلَةٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا - وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] .
الْجَوَابُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ بَلْ فِي الْكَافِرِ، وَمَعْنَى نِسْيَانِهِ تَرْكُهُ الْإِيمَانَ بِهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ، فَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وَلَا يُظَنُّ مِنْ ذَلِكَ سُهُولَةُ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ، فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ» " رَوَاهُ أبو داود.
[سُورَةُ الْفُرْقَانِ]
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ [الفرقان: ٣٨] لِمَ صُرِفَتْ ثَمُودُ وَفِيهَا عِلَّتَانِ مَانِعَتَانِ مِنَ الصَّرْفِ الْعُجْمَةُ وَالْعَلَمِيَّةُ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ فِي ثَمُودَ عُجْمَةٌ، بَلْ هُوَ اسْمٌ عَرَبِيٌّ نَصَّ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ مِنْهُمُ الجوهري فِي صِحَاحِهِ، وَكَذَا نَصَّ أَهْلُ التَّارِيخِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ قَبِيلَةَ ثَمُودَ مِنَ الْعَرَبِ لَا
стр. 371
مِنَ الْعَجَمِ، وَلِهَذِهِ الصِّيغَةِ اشْتِقَاقَاتٌ وَتَصَارِيفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ الْأَعْجَمِيِّ فَلَيْسَ فِيهِ حِينَئِذٍ إِلَّا الْعَلَمِيَّةُ، ثُمَّ إِنِ اعْتُبِرَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ، وَإِنِ اعْتُبِرَ اسْمًا لِلْأَبِ أَوِ الْحَيِّ صُرِفَ لِخُلُوِّهِ مِنْ عِلَّةٍ ثَانِيَةٍ.
[سُورَةُ الشُّعَرَاءِ]
مَسْأَلَةٌ:
مَاذَا يَقُولُ إِمَامُ الْعَصْرِ مَنْ شَهِدَتْ ... بِفَضْلِهِ الْخَلْقُ حَتَّى شَاعَ وَاشْتَهَرَا
فِي قِصَّةِ الْمُجْتَبَى مُوسَى الْكَلِيمِ تَرَى ... فِي قَوْلِ خَالِقِنَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَا
مُخَاطِبًا فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ تَثْنِيَةً ... قَوْلًا كَذَاكَ كَمَا قَدْ قِيلَ مُعْتَبَرَا
إِنَّا رَسُولُ إِلَهِ الْعَرْشِ مُفْرَدَةً ... مِنْ غَيْرِ تَثْنِيَةٍ تَبْدُو لِمَنْ نَظَرَا
هَلِ الرِّسَالَةُ لِلِاثْنَيْنِ مُسْنَدَةً ... أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَا نَاظِمَ الدُّرَرَا
وَإِنْ تَقُولُوا لِكُلٍّ مَا دَلَالَتُهُ ... أَوْ وَاحِدٍ وَحْدَهُ وَالْحَالُ قَدْ شُهِرَا
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمَا مَاذَا تَقُولُ إِذَا ... قَدْ بَلَّغَتْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهُمَا وَجَرَى
أَثَابَكَ اللَّهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ كَمَا ... ضَاءَ الزَّمَانُ بِكُمْ وَالْغَيْثُ قَدْ قُطِرَا
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَيْسَ مُنْحَصِرَا ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرَا
مُوسَى وَهَارُونُ بِالْإِرْسَالِ قَدْ وُصِفَا ... لَمَّا دَعَا بِاشْتِرَاكٍ حَيْثُ سَالَ جَرَى
أَمَا تَلَوْتَ بِطَهَ بَعْدَ أَزْرِيَ أَشْ ... رِكْهُ وَيَتْلُوهُ فِي أَمْرِي كَمَا أُثِرَا
وَحَيْثُ أُفْرِدَ فِي أَنَا رَسُولُ فَلَا ... إِشْكَالَ عِنْدَ لَبِيبٍ خَالَطَ الْكُبَرَا
فَمِنْ قَوَاعِدِ هَذَا النَّحْوِ أَنَّ فَعُو ... لًا مَعْ فَعِيلٍ يَجِي لِاثْنَيْنِ أَوْ كُثُرَا
[سُورَةُ الْأَحْزَابِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] هَلِ الْإِعْدَادُ لِلْمَجْمُوعِ أَوْ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ؟
الْجَوَابُ: الْإِعْدَادُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمَوْصُوفِينَ بِكُلِّ مَا ذُكِرَ فِي
стр. 372
الْآيَةِ مِنَ الصِّفَاتِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الصِّفَاتِ، فَالْمَعْطُوفَاتُ مِنْ عَطْفِ الصِّفَةِ لَا مِنْ عَطْفِ الذَّوَاتِ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ الْبَالِغُونَ دَرَجَةَ الْكَمَالِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَدِّ أَكْمَلُ مَا أَعَدَّ بِدَلِيلِ تَنْكِيرِ مَغْفِرَةِ الدَّالِّ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَتَنْكِيرِ أَجْرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَوَصْفِهِ تَعْظِيمًا وَإِذَا قَالَ اللَّهُ لِشَيْءٍ: عَظِيمٌ؛ فَهُوَ عَظِيمٌ جِدًّا، لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مَا أُعِدَّ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِكُلِّ هَذِهِ الصِّفَاتِ، أَوْ بِبَعْضِهَا فَإِنَّ أَجْرَهُمْ دُونَ ذَلِكَ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنْبَاطُ الْمَأْخُوذُ مِنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ عَنِ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ: إِنَّ الْمَوْعُودَ فِي الْقُرْآنِ بِالْجَنَّةِ لَمْ يَقَعْ مُرَتَّبًا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْإِيمَانِ، بَلْ لَمْ يَقَعْ فِيهِ إِلَّا مَقْرُونًا بِاشْتِرَاكِ انْضِمَامِ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْحَثِّ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْوَاقِعَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلٌّ مِنْهَا جُزْءُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كُلٌّ مِنْهَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ اسْتِقْلَالًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنْبَاطُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ فَرْدٍ مَحْكُومًا عَلَيْهِ اسْتِقْلَالًا لَزِمَ الْحُكْمُ عَلَى فَرْدٍ مِنَ الْأَعْمَالِ كَالصَّوْمِ أَوِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ مُجَرَّدًا عَنِ الْوَصْفِ الْمُصَدَّرِ بِهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَإِذَا بَطَلَ اللَّازِمُ بَطَلَ الْمَلْزُومُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا مُسْتَثْنًى لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ؛ قُلْنَا: وَالْبَاقِي أَيْضًا دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ مَجْمُوعِهِ الْقَوَاعِدُ الْعَرَبِيَّةُ وَالْبَيَانِيَّةُ، وَالسِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْحِسَابِ وَالْوَزْنِ وَالتَّقَاصِّ إِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا بِلَفْظِهَا مَعَ مُرَاعَاةِ قَوَاعِدِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَسَالِيبِ الْبَيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الِاجْتِهَادِ أَنْتَجَتْ لِلْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْإِعْدَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمَجْمُوعِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سُورَةُ سَبَأٍ]
مَسْأَلَةٌ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَارِي الْخَلْقِ وَالنَّسَمِ ... وَمُنْزِلِ الْكُتْبِ لِلتَّبْيِينِ لِلْأُمَمِ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَبْعُوثِ مِنْ مُضَرٍ ... مُحَمَّدِ الْمُصْطَفَى الْهَادِي مِنَ الظُّلَمِ
وَآلِهِ وَصِحَابٍ ثُمَّ شِيعَتِهِ ... وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ لِأَثَرِهِمِ
مَاذَا تَقُولُ مَوَالِينَا وَسَادَتُنَا ... وَقُدْوَةُ الْخَلْقِ لِلرَّحْمَنِ بِالْحِكَمِ؟
مَنْ مَدْحُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ مُنْتَظِمٌ ... بِفَاطِرٍ وَسِوَاهَا أَيَّ مُنْتَظِمِ
أَبْقَاهُمُ اللَّهُ فِي خَيْرٍ وَفِي دَعَةٍ ... وَفِي ازْدِيَادِ عُلُومٍ فَوْقَ عِلْمِهِمِ
стр. 373
هَلْ جَازَ أَنْ يَقْرَأَ الْإِنْسَانُ فِي سَبَأٍ
مِنْسَاتِهِ وَبِجَرِّ الْهَاءِ كَالْقَسَمِ ... وَهَلْ يُجَازَى بِهَا بِالْيَاءِ إِنْ ضُمِمَتْ
بِكَسْرِ زَايٍ وَضَمِّ الرَّاءِ فِي الْكَلِمِ ... وَهَلْ هِشَامٌ قَرَا فِي نَصِّ مَذْهَبِهِ
عَنِ ابْنِ عَامِرٍ ابْرَاهَامَ مُلْتَزِمِ؟ ... فِي سُورَةِ الْحَجِّ أَوْ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَمَا
تَرَوْنَ فِيمَنْ قَرَا هَذَا بِلَا كَتَمِ؟ ... وَحَالِفٍ بِطَلَاقٍ مِنْ حَلِيلَتِهِ
بِأَنَّ ذَا لَيْسَ مِنْ سَبْعٍ عَلَى الْأُمَمِ
الْجَوَابُ: أَمَّا مَنْ قَرَأَ (مِنْسَأَتِهِ) بِالْجَرِّ فَهُوَ لَاحِنٌ مُخْطِئٌ غَالِطٌ جَاهِلٌ ; لِأَنَّهَا مَفْعُولُ تَأْكُلُ، وَالْمِنْسَأَةُ: الْعَصَا، وَأَمَّا (وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ) فَفِيهِ قِرَاءَتَانِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَرَفْعِ الْكَفُورِ نَائِبًا عَنِ الْفَاعِلِ، وَبِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْكَفُورِ مَفْعُولًا، وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِبْرَاهَامُ فِي الْحَجِّ وَالْأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقِ التَّيْسِيرِ وَالشَّاطِبِيَّةِ، لَكِنَّ ابن الجزري ذَكَرَ فِي النَّشْرِ أَنَّ عياشا رَوَى عَنِ ابن عامر أَنَّهُ قَرَأَ إِبْرَاهَامَ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِيمَا فِي التَّيْسِيرِ وَالشَّاطِبِيَّةِ، لَكِنْ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ شَوَاذِّ السَّبْعَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ السبكي وَغَيْرُهُ أَنَّ عِنْدَهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا شَاذًّا، وَأَمَّا الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّبْعِ فَأَقُولُ: إِنْ كَانَ مِنَ الْمُبْتَدِئِينَ فِي هَذَا الْفَنِّ مِمَّنْ أَخَذَ بِالتَّيْسِيرِ وَالشَّاطِبِيَّةِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مُرَادَهُ لَيْسَتْ مِنَ السَّبْعِ مِنْ طَرِيقِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا الْآنَ الْمُعَوَّلُ، فَيَمِينُهُ مَخْصُوصَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُتَبَحِّرِينَ مِمَّنْ أَمْكَنَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي النَّشْرِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِلَى دَرَجَةِ التَّرْجِيحِ بِحَيْثُ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ شُذُوذُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَعَدَمُ إِثْبَاتِهَا، فَلَا يَحْنَثُ حِينَئِذٍ، وَقُلْتُ فِي الْجَوَابِ نَظْمًا:
الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْأَفْضَالِ وَالنِّعَمِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَبْعُوثِ لِلْأُمَمِ
مَنْ قَالَ فِي سَبَأٍ مِنْسَاتِهِ وَأَتَى ... بِالْجَرِّ فَهْوَ حِمَارٌ قُدْهُ بِاللُّجُمِ
وَمَنْ قَرَا هَلْ نُجَازِي نُونٌ أَوَّلُهُ ... وَكَسْرُ زَايٍ فَنَصْبُ الرَّاءِ عَنْهُ نُمِي
وَلَيْسَ فِي الْحَجِّ إِبْرَاهَامُ وَاقْتَرَبَا ... لَا فِي الْقَصِيدِ وَلَا التَّيْسِيرِ فَاحْتَكِمِ
لَكِنَّ فِي النَّشْرِ عَنْ عَيَّاشِ يَأْثِرُهُ ... عَنِ ابْنِ عَامِرِهِمْ يَا طِيبَ نَشْرِهِمِ
وَحَالِفٌ بِطَلَاقٍ إِذْ نَفَاهُ مِنَ السَّ ... بْعِ الْجَوَابُ لَهُ التَّفْصِيلُ فَارْتَسِمِ
إِنْ كَانَ مُبْتَدِئًا لَا حِنْثَ يَلْحَقُهُ ... إِذْ نَفْيُهُ بِيَمِينٍ وَفْقَ ظَنِّهِمِ
стр. 374
إِذِ الْمُرَادُ بِنَفْيِ السَّبْعِ مِنْ طُرُقٍ
أَتَتْ بِتَيْسِيرِهِمْ أَوْ فِي قَصِيدِهِمِ ... وَإِنْ يَكُنْ مِنْ عُلَاةِ الْفَنِّ يَحْنَثْ لَا
إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا يَعْلُو لِنَفْيِهِمِ ... وَابْنُ السُّيُوطِيِّ قَدْ خَطَّ الْجَوَابَ لِكَيْ
يَنْجُو غَدًا مِنْ سَعِيرِ النَّارِ وَالضَّرَمِ
[سُورَةُ يس]
مَسْأَلَةٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] ؟ الْآيَةَ
الْجَوَابُ: رَوَى الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «جَاءَ العاصي بن وائل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَظْمٍ حَائِلٍ فَفَتَّهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَيَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمَّ؟ قَالَ: نَعَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا وَيُمِيتُكَ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ " فَنَزَلَتِ الْآيَاتُ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ» ، وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ يُعْرَفُ مَعْنَى الْآيَةِ، فَالْإِنْسَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ العاصي بن وائل السهمي، وَهُوَ أَحَدُ الْمُسْتَهْزِئِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ قُتِلَ بِبَدْرٍ كَافِرًا، وَضَرْبُهُ الْمَثَلَ بِالْعَظْمِ الرَّمِيمِ وَنَسِيَ خَلْقَهُ أَوَّلًا مِنْ نُطْفَةٍ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وَالْقَادِرُ عَلَى الْإِنْشَاءِ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ، بَلْ هِيَ أَهْوَنُ.
[سُورَةُ الصَّافَّاتِ]
٣٦ - الْقَوْلُ الْفَصِيحُ فِي تَعْيِينِ الذَّبِيحِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ: فَقَدْ وَرَدَتْ إِلَيَّ فَتْوَى فِي السَّيِّدِ إِسْحَاقَ، وَالسَّيِّدِ إِسْمَاعِيلَ مَنِ الذَّبِيحُ مِنْهُمَا؟ وَالْخِلَافُ الْوَارِدُ فِيهِمَا مَا الْأَصَحُّ وَالرَّاجِحُ مِنْهُ؟
فَأَجَبْتُ: الْخِلَافُ فِي الذَّبِيحِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ حُجَجٌ، أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ فَهُوَ قَوْلُ علي، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ
стр. 375
وسعيد بن جبير، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، ويوسف بن مهران، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وأبي صالح، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، والكلبي، وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ خُصُوصًا غَالِبَ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ أبو حاتم: الصَّحِيحُ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: إِنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَفِي الْهُدَى أَنَّهُ الصَّوَابُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَالَ: وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إِسْحَاقُ فَمَرْدُودٌ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا، رَوَى الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ، وَالْخِلَعِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ إسماعيل بن أبي كريمة، عَنْ عمر بن أبي محمد الخطابي، عَنِ العتبي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «عَنِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: " حَضَرْنَا مَجْلِسَ معاوية ﵁ فَتَذَاكَرَ الْقَوْمُ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ أَيُّهُمَا الذَّبِيحُ؟ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِسْمَاعِيلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ: إِسْحَاقُ، فَقَالَ معاوية: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتُمْ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلَفْتُ الْكَلَأَ يَابِسًا، وَالْمَاءَ عَابِسًا، هَلَكَ الْعِيَالُ، وَضَاعَ الْمَالُ، فَعُدْ عَلَيَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَنِ الذَّبِيحَانِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: إِنَّ عبد المطلب لَمَّا أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ نَذَرَ لِلَّهِ إِنْ سَهُلَ أَمْرُهَا أَنْ يَنْحَرَ بَعْضَ بَنِيهِ فَلَمَّا فَرَغَ أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ وَكَانُوا عَشَرَةً، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى عبد الله فَأَرَادَ أَنْ يَنْحَرَهُ فَمَنَعَهُ أَخْوَالُهُ بَنُو مَخْزُومٍ، وَقَالُوا: أَرْضِ رَبَّكَ وَافْدِ ابْنَكَ فَفَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، قَالَ معاوية: هَذَا وَاحِدٌ وَالْآخَرُ إِسْمَاعِيلُ» " هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أبي عاصم الغنوي، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَثَمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤] الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي الْمَنَاسِكِ، ثُمَّ رَوَاهُ أحمد مِنْ طَرِيقِ حماد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِسْحَاقُ، قَالَ ابن كثير: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أُمُورَ الْمَنَاسِكِ إِنَّمَا وَقَعَتْ
стр. 376
لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ.
وَرَوَى أحمد أَيْضًا عَنْ سفيان، عَنْ منصور، عَنْ خَالِهِ مُسَافِعٍ، «عَنْ صفية بنت شيبة قَالَتْ: " أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَلَّدَتْ عَامَّةَ أَهْلِ دَارِنَا، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَقَالَتْ مَرَّةً: أَنَّهَا سَأَلَتْ عثمان: لِمَ دَعَاكَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا فَخَمِّرْهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ الْمُصَلِّينَ» ".
قَالَ ابن كثير: هَذَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، فَإِنَّ قُرَيْشًا تَوَارَثُوا قَرْنَيِ الْكَبْشِ الَّذِي فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَدْ رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثَنَا يونس، أَنَا ابن وهب، أَخْبَرَنِي عمرو بن قيس، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُفَدَّى إِسْمَاعِيلُ، وَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَكَذَبَتِ الْيَهُودُ، وَقَالَ ابن إسحاق: ذَكَرَ محمد بن كعب أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَسَأَلَهُ: أَيُّ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ؟ فَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ يَهُودَ لَتَعْلَمُ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ، وَقَالَ ابن كثير: نُصَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وُلِدَ وَلِإِبْرَاهِيمَ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَوُلِدَ إِسْحَاقُ وَلَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ وَحِيدَهُ - وَفِي نُسْخَةٍ: بِكْرَهُ - فَأَقْحَمُوا هَاهُنَا كَذِبًا وَحَسَدًا (إِسْحَاقَ) وَحَرَّفُوا وَحِيدَكَ بِمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ عِنْدَكَ غَيْرُهُ، فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَهَذَا تَحْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: وَحِيدٌ إِلَّا لِمَنْ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَوَّلَ وَلَدٍ لَهُ مَعَزَّةُ مَا لَيْسَتْ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ، فَالْأَمْرُ بِذَبْحِهِ أَبْلَغُ فِي الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ ; وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِذَبْحِهِ غَيْرُهُ وَقَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أَيْ يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ يُسَمَّى يَعْقُوبَ وَذَلِكَ لَا يَتَخَلَّفُ فَامْتَنَعَ أَنْ يُؤْمَرَ بِذَبْحِهِ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ إِسْحَاقُ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِلَا حُجَّةٍ، وَلَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ لَوْ ثَبَتَ لَقُلْنَا بِهِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبي كريب، عَنْ زيد بن حباب، عَنِ الحسن بن دينار، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الحسن، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الذَّبِيحُ إِسْحَاقُ» " والحسن بن دينار مَتْرُوكٌ وَشَيْخُهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مسلم بن إبراهيم، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ علي بن زيد بِهِ مَرْفُوعًا، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الحسن، عَنِ الأحنف، عَنِ العباس قَوْلَهُ، وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَصَحُّ انْتَهَى.
стр. 377
قُلْتُ: قَدْ رَفَعَهُ مبارك مَرَّةً فَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ معمر بن سهل الأهوازي، عَنْ مسلم بن إبراهيم، عَنْ مبارك، عَنِ الحسن، عَنِ الأحنف، عَنِ العباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الذَّبِيحُ إِسْحَاقُ» " وَلَهُ شَوَاهِدُ أَحَدُهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ أبي كريب، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ أبي سعيد، عَنْ علي بن زيد، عَنِ الحسن، عَنِ الأحنف، عَنِ العباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «قَالَ دَاوُدُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ فَصَبَرَ فِي أَجْلِي، وَتِلْكَ بَلِيَّةٌ لَمْ تَنَلْكَ، وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَبَذَلَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ فَصَبَرَ مِنْ أَجْلِي، وَتِلْكَ بَلِيَّةٌ لَمْ تَنَلْكَ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَغَابَ يُوسُفُ عَنْهُ، وَتِلْكَ بَلِيَّةٌ لَمْ تَنَلْكَ» " وأبو سعيد: هو الحسن بن دينار ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَخْرَجَ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ، عَنْ محمد بن حرب النسائي، عَنْ عبد المؤمن بن عباد، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عطية، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ دَاوُدَ سَأَلَ رَبَّهُ مَسْأَلَةً فَقَالَ: اجْعَلْنِي مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي ابْتَلَيْتُ إِبْرَاهِيمَ بِالنَّارِ فَصَبَرَ، وَابْتَلَيْتُ إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ فَصَبَرَ، وَابْتَلَيْتُ يَعْقُوبَ فَصَبَرَ» ".
الْحَدِيثُ الثَّانِي: مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ والديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ محمد بن أحمد بن إبراهيم الكاتب، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَهْمٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أبي إسحاق، عَنْ أبي الأحوص، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الذَّبِيحُ إِسْحَاقُ» ".
الثَّالِثُ: مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أبي إسحاق، عَنْ أبي الأحوص قَالَ: " افْتَخَرَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَفِي لَفْظٍ: فَاخَرَ أسماء بن خارجة رَجُلًا فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْأَشْيَاخِ الْكِرَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ " وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ: " «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ» " وَفِي سَنَدِهِ بقية وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وأبو عبيدة عَنْ أَبِيهِ عبد الله منقطع.
الرَّابِعُ: مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَغْفِرَ لِنِصْفِ أُمَّتِي، أَوْ شَفَاعَتِي فَاخْتَرْتُ شَفَاعَتِي، وَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ لِأُمَّتِي، وَلَوْلَا الَّذِي سَبَقَنِي إِلَيْهِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ لَعَجَّلْتُ دَعْوَتِي، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَّجَ عَنْ إِسْحَاقَ كَرْبَ الذَّبْحِ قِيلَ لَهُ: يَا إِسْحَاقُ سَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَتَعَجَّلَنَّهَا قَبْلَ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ: اللَّهُمَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا قَدْ أَحْسَنَ فَاغْفِرْ لَهُ» " وعبد الرحمن ضَعِيفٌ، قَالَ ابن كثير: وَالْحَدِيثُ غَرِيبٌ
стр. 378
مُنْكَرٌ، قَالَ: وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ زِيَادَةٌ مُدْرَجَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَّجَ إِلَى آخِرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْأَشْبَهُ أَنَّ السِّيَاقَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَحَرَّفُوهُ بِإِسْحَاقَ.
وَأَخْرَجَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ القاسم قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وكعب فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، وَإِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " فَقَالَ كعب: " أَفَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؟ إِنَّهُ لَمَّا رَأَى ذَبْحَ ابْنِهِ إِسْحَاقَ قَالَ الشَّيْطَانُ: إِنْ لَمْ أَفْتِنْ هَؤُلَاءِ عِنْدَ هَذِهِ لَمْ أَفْتِنْهُمْ أَبَدًا، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِهِ ; لِيَذْبَحَهُ فَذَهَبَ الشَّيْطَانُ فَدَخَلَ عَلَى سارة، فَقَالَ: أَيْنَ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِكِ؟ قَالَتْ: غَدَا بِهِ لِبَعْضِ حَاجَاتِهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَغْدُ بِهِ لِحَاجَةٍ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ بِهِ لِيَذْبَحَهُ، قَالَتْ: وَلِمَ يَذْبَحُهُ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَتْ: قَدْ أَحْسَنَ أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ، فَذَهَبَ الشَّيْطَانُ فِي أَثَرِهِمَا، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَيْنَ ذَهَبَ بِكَ أَبُوكَ؟ قَالَ: لِبَعْضِ حَاجَاتِهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِكَ لِحَاجَةٍ وَلَكِنَّهُ يَذْهَبُ بِكَ لِيَذْبَحَكَ، قَالَ: وَلِمَ يَذْبَحُنِي؟ قَالَ: يَزْعُمُ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لَيَفْعَلَنَّ، فَتَرَكَهُ وَلَحِقَ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَيْنَ غَدَوْتَ بِابْنِكَ؟ قَالَ: لِحَاجَةٍ قَالَ: فَإِنَّكَ لَمْ تَغْدُ بِهِ لِحَاجَةٍ إِنَّمَا غَدَوْتَ بِهِ لِتَذْبَحَهُ، قَالَ: وَلِمَ أَذْبَحُهُ؟ قَالَ: تَزْعُمُ أَنَّ رَبَّكَ أَمَرَكَ بِذَلِكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ، فَتَرَكَهُ وَيَئِسَ أَنْ يُطَاعَ " وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابن وهب، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن حارثة الثقفي أَخْبَرَهُ أَنَّ كعبا قَالَ لأبي هريرة فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: " وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْحَاقَ: إِنِّي أَعْطَيْتُكَ دَعْوَةً أَسْتَجِيبُ لَكَ فِيهَا، قَالَ إِسْحَاقُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تَسْتَجِيبَ لِي أَيُّمَا عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ "، وَقَالَ عبد الله بن أحمد فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ: أَنَا الليث بن خالد أبو بكر البلخي، حَدَّثَنَا محمد بن ثابت العبدي، عَنْ موسى بن أبي بكر عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَنَامِ ذَبْحَ إِسْحَاقَ سَارَ بِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ إِلَى الْمَنْحَرِ بِمِنًى مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا صَرَفَ عَنْهُ الذَّبْحَ وَأُمِرَ بِذَبْحِ الْكَبْشِ ذَبَحَهُ، ثُمَّ رَاحَ بِهِ رَوَاحًا إِلَى مَنْزِلِهِ فِي عَشِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مَسِيرَةَ شَهْرٍ طُوِيَتْ لَهُ الْأَوْدِيَةُ وَالْجِبَالُ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَسَبَهُ القرطبي لِلْأَكْثَرِينَ، وَعَزَاهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى عمر، وعلي، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وجابر، والعباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وأبي ميسرة، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وعبد الله بن شقيق، وَالزُّهْرِيِّ، والقاسم بن يزيد، ومكحول، وكعب، وعثمان بن حاضر، والسدي، والحسن، وقتادة، وأبي
стр. 379
الهذيل، وابن سابط، ومسروق، وعطاء، ومقاتل - وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَأَجَابَ عَنِ الْبِشَارَةِ بِيَعْقُوبَ بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ - أَيِ: الْعَمَلَ - وَمِنَ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ كَانَ وُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ مَعَ يَعْقُوبَ أَيْضًا، وَأَمَّا الْقَرْنَانِ فَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُمَا نُقِلَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَارَ بِهِ مِنَ الشَّامِ عَلَى الْبُرَاقِ حَتَّى أَتَى بِهِ مِنًى فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا صُرِفَ عَنْهُ الذَّبْحُ سَارَ بِهِ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ داود عَنْ عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] قَالَ: بُشِّرَ بِهِ نَبِيًّا حِينَ فَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الذَّبْحِ، وَلَمْ تَكُنِ الْبِشَارَةُ بِالنُّبُوَّةِ عِنْدَ مَوْلِدِهِ، وَجَزَمَ بِهَذَا الْقَوْلِ الْقَاضِي عياض فِي الشِّفَا، والسهيلي فِي التَّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ، وَكُنْتُ مِلْتُ إِلَيْهِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَأَنَا الْآنَ مُتَوَقِّفٌ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سُورَةُ الْفَتْحِ]
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
الْجَوَابُ: أَحْسَنُ مَا يُجَابُ بِهِ عَنِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ كَنَّى بِالْمَغْفِرَةِ عَنِ الْعِصْمَةِ؛ أَيْ: لِيَعْصِمَكَ اللَّهُ عَنِ الذَّنْبِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ عُمُرِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ وَالْعَفْوَ وَالتَّوْبَةَ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي مَعْرِضِ الْإِسْقَاطِ وَالتَّرْخِيصِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] ، ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَيْ رَخَّصَ لَكُمْ ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] وَقَدْ أَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ مُؤَلَّفًا سَمَّيْتُهُ (الْمُحَرَّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
стр. 380
[سُورَةُ الْوَاقِعَةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] هَلِ الْوِلْدَانُ مِنْ مَخْلُوقَاتِ الدُّنْيَا أَوْ مِنْ مَخْلُوقَاتِ الْجَنَّةِ، وَهَلْ هُمْ طِوَالٌ أَوْ قِصَارٌ؟ وَهَلْ يَتَمَتَّعُونَ فِي الْآخِرَةِ بِالنِّسَاءِ؟
الْجَوَابُ: الْوِلْدَانُ مِنْ مَخْلُوقَاتِ الْجَنَّةِ لَا الدُّنْيَا، وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْخِلْقَةِ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَكَذَلِكَ الْحُورُ بِخِلَافِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْخِلْقَةِ، وَلَا يَتَمَتَّعُ الْوِلْدَانُ فِي الْجَنَّةِ بِالنِّسَاءِ بَلْ هُمْ مُعَدُّونَ لِخِدْمَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
[سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ]
مَسْأَلَةٌ مِنْ حَلَبَ: وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي سُورَةِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَمَا وَجْهُ كَوْنِهِ نَظِيرًا لَهُ.
الْجَوَابُ: وَجْهُ إِيقَاعِ لَفْظِ الْكُفْرِ مَوْضِعَ عَدَمِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ هُنَاكَ أَوْقَعَ، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مَوْضِعَ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ، وَهُنَا أَوْقَعَ (وَلِلْكَافِرِينَ) مَوْضِعَ وَلِلَّذِينَ لَا يَقْبَلُونَهَا.
[سُورَةُ الْمُلْكِ]
مَسْأَلَةٌ مِنْ حَلَبَ: وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْمُلْكِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] قَالَ: وَالتَّغْلِيبُ لِلْإِيجَازِ إِلَى آخِرِهِ فَالتَّغْلِيبُ فِي مَاذَا؟
الْجَوَابُ: هُوَ فِي قَوْلِهِ ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] فَإِنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْفَرِيقَانِ: أَصْحَابُ السَّعِيرِ، وَالَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا﴾ [الملك: ١٠] فِيهِمْ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى طِبْقِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَقِيلَ: فَسُحْقًا لَهُمْ وَلِأَصْحَابِ السَّعِيرِ مِنْهُمْ، فَوَقَعَ التَّغْلِيبُ ; لِلْإِيجَازِ، وَلِأَنَّ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِيهِمْ يَصِيرُونَ مِنْهُمْ.
стр. 381
[سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ : ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] هَلْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِضَوْءِ الشَّمْسِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلنَّهَارِ ضَوْءٌ غَيْرُ ضَوْءِ الشَّمْسِ مُخْتَصٌّ بِهِ أَمْ لَا نُورَ لَهُ وَلَا ضَوْءَ أَصْلًا؟ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ؟ وَهَلِ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَجَزَّأَهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ فَخَلَقَ مِنَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ الْعَرْشَ، وَخَلَقَ مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي الْقَلَمَ، وَخَلَقَ مِنَ الثَّالِثِ اللَّوْحَ، ثُمَّ قَسَّمَ الْجُزْءَ الرَّابِعَ وَجَزَّأَهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَخَلَقَ مِنَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ الْعَقْلَ، وَخَلَقَ مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي الْمَعْرِفَةَ، وَخَلَقَ مِنَ الْجُزْءِ الثَّالِثِ نُورَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنُورَ الْأَبْصَارِ وَنُورَ النَّهَارِ، وَجَعَلَ الْجُزْءَ الرَّابِعَ تَحْتَ سَاقِ الْعَرْشِ مَدْخُورًا يَقْتَضِي أَنَّ نُورَ الشَّمْسِ غَيْرُ نُورِ النَّهَارِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] أَنَّ الضُّحَى هُنَا هُوَ النَّهَارُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس: ٣] ؟ وَهَلْ هُمَا غَيْرَانِ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَابْسُطُوا الْجَوَابَ أَثَابَكُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، الصُّبْحُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْفَجْرُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَأَسْفَرَ مَعْنَاهُ: أَضَاءَ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ قَتَادَةَ، وَإِذَا تَعَلَّقَ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِضَوْءِ الشَّمْسِ، وَمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، وَكَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ، وَكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ مُخْتَلِفٌ، مِنْهُ مَا يَشْهَدُ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ نُورُهُ غَيْرُ نُورِ الشَّمْسِ، وَمِنْهُ مَا يَشْهَدُ لِأَنَّ نُورَهُ نُورُهَا، فَمِنَ الْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ السدي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] قَالَ: الظُّلُمَاتُ: ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وَالنُّورُ: نُورُ النَّهَارِ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ النَّهَارَ لَهُ نُورٌ حَيْثُ أَضَافَهُ إِلَيْهِ وَقَابَلَهُ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَلَيْسَ سَبَبُهُ الشَّمْسَ كَمَا أَنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ نَشَأَتْ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَخَلَقَ الظُّلْمَةَ قَبْلَ النُّورِ وَخَلَقَ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّارِ، وَأَخْرَجَ ابن المنذر عَنْ أبي عبيد فِي الْآيَةِ قَالَ: النُّورُ الضَّوْءُ، فَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنُّورِ ضَوْءٌ خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَى حِيَالِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالشَّمْسِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عكرمة قَالَ: سُئِلَ
стр. 382
ابْنُ عَبَّاسٍ: اللَّيْلُ كَانَ قَبْلَ النَّهَارِ؟ فَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] قَالَ: فَالرَّتْقُ: الظُّلْمَةُ، اللَّيْلُ كَانَ قَبْلَ النَّهَارِ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ، فَكَمَا أَنَّ اللَّيْلَ كَانَ يُسَمَّى لَيْلًا قَبْلَ خَلْقِ الْقَمَرِ فِيهِ، كَذَلِكَ كَانَ يُسَمَّى النَّهَارُ نَهَارًا قَبْلَ خَلْقِ الشَّمْسِ، وَاسْتَمَرَّتِ التَّسْمِيَةُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بَعْدَ خَلْقِ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، فَالنَّهَارُ عَلَى هَذَا غَيْرُ الشَّمْسِ، وَضَوْؤُهَا غَيْرُ نُورِهَا، وَقَالَ الكرماني الْقَدِيمُ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] جَمَعَ الظُّلُمَاتِ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ عَنْ أَشْيَاءَ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ السَّحَابِ وَظُلْمَةِ الْبَحْرِ، وَوَحَّدَ النُّورَ لِأَنَّهُ مُتَّحِدُ الْوَصْفِ، وَهُوَ مَا يُرَى وَيُرَى بِهِ، وَأَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ النَّهَارَ لَهُ نُورٌ يَخُصُّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالشَّمْسِ أَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا نَهَارٌ بِلَا شَمْسٍ، أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ شعيب بن الحجام قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وأبو الغالب الرياحي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ الْجَنَّةَ هَكَذَا. وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ بِأَنَّ الْأَيَّامَ عَلَى عِدَّتِهَا أَجْسَامٌ مَخْلُوقَةٌ تَتَكَلَّمُ وَتُحْشَرُ، كَأَثَرِ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْقَضِي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا قَالَ ذَلِكَ الْيَوْمُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنَ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، ثُمَّ يُطْوَى عَلَيْهِ فَيُخْتَمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَفُضُّ خَاتَمَهُ. أَخْرَجَهُ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ حَدِيثَ: «تُحْشَرُ الْأَيَّامُ عَلَى هَيْئَتِهَا، وَتُحْشَرُ الْجُمُعَةُ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا يَحُفُّونَ بِهَا كَالْعَرُوسِ، تُضِيءُ لَهُمْ، يَمْشُونَ فِي ضَوْئِهَا» . فَهَذِهِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهَارَ لَهُ ضَوْءٌ يَخُصُّهُ، لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالشَّمْسِ، لَكِنْ عَارَضَ هَذَا أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] فَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَالشَّمْسِ وَالنَّهَارِ، وَكَانَ يَقُولُ: الضُّحَى هُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَضُحَاهَا: وَضَوْئِهَا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِالشَّمْسِ وَنَهَارِهَا لِأَنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ الظَّاهِرَةِ هُوَ النَّهَارُ. هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّهَارَ هُوَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، وَقَالَ الكرماني الْقَدِيمُ فِي تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ: وَالشَّمْسُ سِرَاجُ النَّهَارِ بِالْإِجْمَاعِ، وَضُحَاهَا: ارْتِفَاعُهَا وَضَوْؤُهَا وَحَرُّهَا، وَقِيلَ: هُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس: ٣] أَيْ: جَلَّى الظُّلْمَةَ، وَقِيلَ: جَلَّا الشَّمْسَ؛ لِأَنَّهَا تَظْهَرُ بِالنَّهَارِ، وَإِنْ كَانَ النَّهَارُ مِنْ ضَوْئِهَا. هَذِهِ عِبَارَتُهُ، وَهِيَ أَيْضًا
стр. 383
صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّهَارَ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: الصُّبْحُ وَالصَّبَاحُ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَهُوَ وَقْتُ مَا احْمَرَّ الْأُفُقُ بِحَاجِبِ الشَّمْسِ. فَأَسْنَدَ نُورَ الصَّبَاحِ وَالنَّهَارِ إِلَى الشَّمْسِ. وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ اسْتَوْفَيْتُهَا فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ شَاهِدَةً لِلْقَوْلَيْنِ مَعًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطَالَةِ بِذِكْرِهَا، وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَجْرَ أَيْضًا مِنْ نُورِ الشَّمْسِ، وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ.
وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ: وَهَلْ قَالَ قَائِلٌ. . . إِلَى آخِرِهِ؟ قَدْ حَكَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَتَادَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سُورَةُ وَالْمُرْسَلَاتِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ - كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢ - ٣٣] .
الْجَوَابُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] قِرَاءَتَانِ، الْمَشْهُورَةُ بِسُكُونِ الصَّادِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَيْتُ، قَالَهُ ابن قتيبة، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَالْحُصُونِ وَالْمَدَائِنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِفَتْحِ الصَّادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ، وَقِيلَ: أُصُولُ الشَّجَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: اقْصُرُوا لَنَا الْحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلَى قَدْرِ الذِّرَاعِ وَالذِّرَاعَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (جِمَالَاتٌ) فِيهِ قِرَاءَتَانِ، الْمَشْهُورَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ، جَمْعُ جِمَالَةٍ، وَجِمَالَةٌ جَمْعُ جَمَلٍ، وَالصُّفْرُ هِيَ السُّودُ، شَبَّهَهَا بِالْإِبِلِ السُّودِ، وَإِطْلَاقُ الصُّفْرِ عَلَى الْإِبِلِ السُّودِ مَعْرُوفٌ كَإِطْلَاقِ السَّوَادِ عَلَى الْخُضْرَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (جُمَالَاتٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ، وَفَسَّرَهُ بِحِبَالِ السُّفُنِ، يُجْمَعُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَطِ الرِّجَالِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالْقِرَاءَتَانِ بِتَفْسِيرِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] قِطَعُ نُحَاسٍ. أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
стр. 384
[سُورَةُ اللَّيْلِ] [ سبب نزول لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ..]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٥ - ١٧] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، هَلْ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ؟ وَمَا سَبَبُ نُزُولِهَا؟ وَهَلِ الْمُرَادُ بِالْأَتْقَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؟
الْجَوَابُ: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ وابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِمَا عَنْ عبد الله بن الزبير، وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، حَيْثُ اشْتَرَى سَبْعَةً كُلُّهُمْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ وَأَعْتَقَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أبي بكر ﵁، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أبي بكر، وَأَنَّ مَا قَبْلَهَا نَزَلَ فِي أمية بن خلف، وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أبي بكر الواحدي فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ، والسهيلي فِي التَّعْرِيفِ وَالْأَعْلَامِ، وَقَالَ القرطبي فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَشْقَى: أمية بن خلف، وَالْأَتْقَى: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: أَرَادَ بِالْأَشْقَى وَالْأَتْقَى الشَّقِيَّ وَالتَّقِيَّ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ وَضَعَّفَهُ، وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ، وَقَدْ تَوَارَدَتْ خَلَائِقُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَا يُحْصَوْنَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أبي بكر، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْحَبْلُ الْوَثِيقُ فِي نُصْرَةِ الصِّدِّيقِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ، فَقَدْ رُفِعَ إِلَيَّ سُؤَالٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٨] ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، هَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي رَجُلَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ؟ وَمَا سَبَبُ نُزُولِهِ؟ وَهَلِ الْمُرَادُ بِالْأَتْقَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ؟ وَذَكَرَ السَّائِلُ أَنَّ السَّبَبَ فِي هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الْأَمِيرَ ازدمر حَاجِبَ الْحُجَّابِ وَالْأَمِيرَ خاير بك مِنْ حَدِيدٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا تَنَازُعٌ فِي أبي بكر ﵁: هَلْ هُوَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ؟ وَأَنَّ خاير بك قَائِلٌ بِذَلِكَ، وَأَنَّ ازدمر
стр. 385
يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ طَالَبَ خاير بك بِدَلِيلٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ أبا بكر أَفْضَلُ، وَأَنَّ خاير بك اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] ؛ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ أبي بكر، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَأَنَّ ازدمر قَالَ: الْأَتْقَى عَامٌّ فِي أبي بكر وَغَيْرِهِ، وَطَالَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِشَهَادَةِ الْعُلَمَاءِ لَهُ بِنَصْرِهِ قَوْلَهُ، وَأَنَّ الشَّيْخَ شمس الدين الجوجري كَتَبَ عَلَى سُؤَالٍ نَظِيرِ هَذَا السُّؤَالِ. فَقُلْتُ: أَرِنِي مَا كَتَبَ. فَأَرَانِيهِ، فَإِذَا فِيهِ أَنَّ الْآيَةَ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي أبي بكر فَإِنَّهَا عَامَّةُ الْمَعْنَى؛ إِذِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَقُلْتُ: هَذَا شَأْنُ مَنْ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي كُلِّ وَادٍ، وَالرَّجُلُ فَقِيهٌ، فَمَا لَهُ يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ فَنِّهِ؟ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ حَدِيثِيَّةٌ أُصُولِيَّةٌ كَلَامِيَّةٌ نَحْوِيَّةٌ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَبَحِّرًا فِي هَذِهِ الْعُلُومِ الْخَمْسَةِ لَمْ يُحْسِنِ التَّكَلُّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَا أُوَضِّحُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي فَصْلَيْنِ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي تَقْرِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ أبي بكر ﵁، قَالَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ بِشْرِ بْنِ السَّرِيِّ، ثَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٧ - ١٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنِي محمد بن إبراهيم الأنماطي، ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ بِهِ، وَقَالَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا موسى بن هارون، ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ بِهِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ: ثَنَا أبو بكر بن أبي داود، ثَنَا محمود بن آدم المروزي، ثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: ثَنَا أَبِي، ثَنَا محمد بن أبي عمر العدني، ثَنَا سفيان، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهُمْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ، مِنْهُمْ بلال وعامر بن فهيرة، وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابن عبد الأعلى، ثَنَا ابن ثور، عَنْ معمر قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْ سعيد فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أبي بكر، أَعْتَقَ نَاسًا لَمْ يَلْتَمِسْ مِنْهُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، مِنْهُمْ بلال وعامر بن فهيرة، وَقَالَ ابن إسحاق: حَدَّثَنِي محمد بن أبي عتيق، عَنْ عامر بن عبد الله، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أبو قحافة لأبي بكر: أَرَاكَ تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ
стр. 386
دُونَكَ. فَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ. ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] أَخْرَجَهُ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ زِيَادٍ الْبَكَّائِيِّ عَنِ ابن إسحاق، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي هارون بن إدريس الأصم، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، ثَنَا محمد بن إسحاق، عَنْ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، فَكَانَ يُعْتِقُ عَجَائِزَ وَنِسَاءً إِذَا أَسْلَمْنَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَيْ بُنَيَّ أَرَاكَ تُعْتِقُ أُنَاسًا ضُعَفَاءَ، فَلَوْ أَنَّكَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَقُومُونَ مَعَكَ وَيَمْنَعُونَكَ وَيَدْفَعُونَ عَنْكَ. فَقَالَ: أَيْ أَبَتِ، إِنَّمَا أُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ثَنَا أَبِي، ثَنَا منصور بن أبي مزاحم، ثَنَا ابن أبي الوضاح، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ اشْتَرَى بلالا مِنْ أمية بن خلف وأبي بن خلف بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ، فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] إِلَى آخِرِهَا فِي أبي بكر وأمية بن خلف. وَقَالَ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ: ثَنَا حَامِدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَلْخِيُّ، ثَنَا منصور بن أبي مزاحم، ثَنَا أبو سعيد المؤدب عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أبي إسحاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ أبا بكر اشْتَرَى بلالا مِنْ أمية بن خلف وأبي بن خلف بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٧ - ١٨] يَعْنِي أبا بكر، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] قَالَ: لَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ أبو بكر لِيَدٍ كَانَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ فَيُكَافِئَهُ بِهَا، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢٠ - ٢١] ، وَفِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: بَلَغَنِي أَنَّ أمية بن خلف قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي بِلَالٍ حِينَ قَالَ: أَتَبِيعُنِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَبِيعُهُ بِقِسْطَاسٍ؛ عَبْدٍ لأبي بكر صَاحِبِ عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَغِلْمَانٍ وَجَوَارٍ وَمَوَاشٍ، وَكَانَ مُشْرِكًا يَأْبَى الْإِسْلَامَ، فَاشْتَرَاهُ أبو بكر بِهِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا فَعَلَ ذَلِكَ أبو بكر ببلال إِلَّا لِيَدٍ كَانَتْ لبلال عِنْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] وَفِي تَفْسِيرِ القرطبي رَوَى عطاء والضحاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَذَّبَ الْمُشْرِكُونَ بلالا فَاشْتَرَاهُ أبو بكر بِرَطْلٍ مِنْ
стр. 387
ذَهَبٍ مِنْ أمية بن خلف وَأَعْتَقَهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا أَعْتَقَهُ أبو بكر إِلَّا لِيَدٍ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ. فَنَزَلَتْ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] . قَالَ الْآجُرِّيُّ: هَذَا وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَصَّ أبا بكر بِأَشْيَاءَ فَضَّلَهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنُزُولِ الْآيَةِ، وَهُوَ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ بَعْدَ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْعُلُومِ الْأَرْبَعَةِ: التَّفْسِيرِ وَالْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالنَّحْوِ، وَقَدْ تَوَارَدَتْ خَلَائِقُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَا يُحْصَوْنَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ أبي بكر ﵁، وَكَذَا أَصْحَابُ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الْمُبْهَمَاتِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَضْعِيفِ مَا أَفْتَى بِهِ الجوجري، وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: ثَلَاثَةٌ جَدَلِيَّةٌ وَوَاحِدٌ مِنْ طَرِيقِ التَّحْقِيقِ، فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُولَى فَأَحَدُهَا أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِ لَهَا فِي كِتَابٍ أَوْ كِتَابَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُتْقِنًا لِذَلِكَ الْفَنِّ بِجَمِيعِ أَطْرَافِهِ مَاهِرًا فِيهِ مُتَبَحِّرًا فِيهِ، لَجَازَ لِآحَادِ الطَّلَبَةِ أَنْ يُفْتُوا، بَلِ الْعَوَامُّ وَالسُّوقَةُ لَا يَعْدَمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِعِدَّةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ تَعَلَّمَهَا مِنْ عَالِمٍ أَوْ رَآهَا فِي كِتَابٍ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُفْتِيَ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ لَوْ تَعَلَّمَ مَسَائِلَ وَعَرَفَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا، إِنَّمَا يُفْتِي الْمُتَبَحِّرُ فِي الْعِلْمِ الْعَارِفُ بِتَنْزِيلِ الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْكُتُبِ، وَمَا شَرَطُوا فِي الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا إِلَّا لِهَذَا الْمَعْنَى وَأَمْثَالِهِ، وَالْمَدَارُ الْآنَ عَلَى التَّبَحُّرِ، فَمَنْ تَبَحَّرَ فِي فَنٍّ أَفْتَى بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى فَنٍّ لَمْ يَتَبَحَّرْ فِيهِ، وَيُطْلِقَ قَلَمَهُ فِيهِ وَهُوَ لَمْ يَقِفْ عَلَى مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ أَرْبَابِ ذَلِكَ الْفَنِّ، فَلَعَلَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى مَقَالَةٍ مَرْجُوحَةٍ وَهُوَ يَظُنُّهَا عِنْدَهُمْ صَحِيحَةً، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَقُصَارَى أَمْرِهِ النَّظَرُ فِي الْمُصَنَّفِ، وَالتَّوْضِيحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ حَتَّى يُحِيطَ بِالْفَنِّ خِبْرَةً وَيَقِفَ عَلَى غَرَائِبِهِ وَغَوَامِضِهِ وَنَوَادِرِهِ، فَضْلًا عَنْ ظَوَاهِرِهِ وَمَشَاهِيرِهِ، وَمَا مَثَلُ مَنْ يُفْتِي فِي النَّحْوِ وَقُصَارَى أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ إِلَّا مَثَلُ مَنْ قَرَأَ الْمِنْهَاجَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْفِقْهِ، فَلَوْ جَاءَتْهُ مَسْأَلَةٌ مِنَ الرَّوْضَةِ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ دَيِّنًا قَالَ: هَذِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَنْكَرَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، بَلْ وَلَا وَاللَّهِ لَا يُكْتَفَى فِي إِبَاحَةِ الْفَتْوَى بِحِفْظِ الرَّوْضَةِ وَحْدَهَا، فَمَاذَا يَصْنَعُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا التَّرْجِيحُ، مَاذَا يَصْنَعُ فِي الْمَسَائِلِ ذَاتِ الصُّوَرِ وَالْأَقْسَامِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الرَّوْضَةِ بَقِيَّةُ صُوَرِهَا وَأَقْسَامِهَا، مَاذَا يَصْنَعُ فِي مَسَائِلَ لَهَا قُيُودٌ وَمَحَالُّ تُرِكَتْ مِنَ الرَّوْضَةِ وَهِيَ مُفَرَّقَةٌ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ مِنَ
стр. 388
الْكُتُبِ؟ مَاذَا يَصْنَعُ فِي مَسَائِلَ خَلَتْ عَنْهَا الرَّوْضَةُ بِالْكُلِّيَّةِ؟ بَلْ لَا بُدَّ فِي الْمُفْتِي مِنْ أَنْ يَضُمَّ إِلَى الرَّوْضَةِ حِمْلَ كُتُبٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْهَضْ إِلَى ذَلِكَ وَعَسُرَ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَأَصْحَابِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَلَا أَقَلَّ مِنِ اسْتِيعَابِ كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ قَالَ ابن بلبان الحنفي فِي كِتَابِهِ زَلَّةِ الْقَارِئِ: قَالَ الشَّيْخُ أبو عبد الله الجرجاني فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي هَذَا الْبَابِ - يَعْنِي بَابَ اللَّحْنِ فِي الْقِرَاءَةِ - إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: حَقِيقَةِ النَّحْوِ، وَالْقِرَاءَاتِ الشَّوَاذِّ، وَأَقَاوِيلِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْبَابِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ حَاوٍ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ، وَأَئِمَّةُ الْمُفَسِّرِينَ أَصْنَافٌ شَتَّى، كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ غَلَبَ عَلَيْهِ فَنٌّ مِنَ الْعُلُومِ، فَكَانَ تَفْسِيرُهُ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ الْفَنُّ الْغَالِبُ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أَنْ يَنْظُرَ تَفْسِيرَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفَنُّ الَّذِي تِلْكَ الْحَيْثِيَّةُ مِنْهُ، فَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ مِنْ حَيْثُ التَّفْسِيرُ الَّذِي هُوَ نَقْلٌ مَحْضٌ وَمَعْرِفَةُ الْأَرْجَحِ فِيهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا تَفَاسِيرَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَالْأَثَرِ، وَأَجَلُّهَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ؛ فَقَدْ قَالَ النووي فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: كِتَابُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثْلَهُ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ مِنْ تَفَاسِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَفْسِيرُ الْحَافِظِ عماد الدين ابن كثير. وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ أَوِ الْآتِيَةِ كَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَحْوَالِ الْبَرْزَخِ وَالْبَعْثِ وَالْمَلَكُوتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، فَالْأَوْلَى أَخْذُهَا مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَسَائِرِ تَفَاسِيرِ الْمُحَدِّثِينَ الْمُسْنَدَةِ؛ كَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ والفريابي وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي الشَّيْخِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ مِنْ حَيْثُ عِلْمُ الْكَلَامِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا تَفْسِيرَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَاشْتَهَرَ بِالْبَرَاعَةِ فِيهِ، كَابْنِ فُورَكَ والباقلاني وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ والإمام فخر الدين والأصبهاني وَنَحْوِهِمْ، وَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْإِعْرَابُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا تَفْسِيرَ أَئِمَّةِ النَّحْوِ الْمُتَبَحِّرِينَ فِيهِ؛ كأبي حيان، وَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْبَلَاغَةُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا الْكَشَّافَ وَتَفْسِيرَ الطيبي وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَمَسْأَلَةُ تَفْضِيلِ أبي بكر مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَكَوْنِهِ هُوَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مِنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَكَانَ الْأَوْلَى للجوجري قَبْلَ الْكِتَابَةِ أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا كِتَابَ ابْنِ جَرِيرٍ وَنَحْوَهُ؛ لِأَجْلِ مَعْرِفَةِ الْأَرْجَحِ فِي التَّفْسِيرِ، وَكِتَابَ الإمام فخر الدين وَنَحْوَهُ؛ لِأَجْلِ مَعْرِفَةِ التَّقْرِيرِ الْكَلَامِيِّ، ثُمَّ يَنْهَضَ إِلَى مُرَاجَعَةِ كُتُبِ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ قَرَّرُوا الِاسْتِدْلَالَ بِهَا عَلَى
стр. 389
أَفْضَلِيَّةِ الصديق، كَكُتُبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وابن فورك والباقلاني وَالشَّهْرَسْتَانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَيَتْعَبَ كُلَّ التَّعَبِ وَيَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، وَيَعْتَزِلَ الرَّاحَةَ وَالشُّغْلَ، وَلَا يَسْأَمَ وَلَا يَضْجَرَ، وَيَدَعَ الْفُتْيَا تَمْكُثُ عِنْدَهُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَالْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ النَّاسِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَظَرَ وَحَقَّقَ وَأَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ إِشْكَالٍ وَأَعَدَّ لَهُ الْجَوَابَ الْمَقْبُولَ، حَطَمَ حِينَئِذٍ عَلَى الْكِتَابَةِ وَحَكَمَ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَفَصَلَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الِاسْتِعْجَالُ فِي الْجَوَابِ وَالْكِتَابَةِ بِمُجَرَّدِ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ وَيَظْهَرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، مَعَ الرَّاحَةِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى الشُّهْرَةِ، وَعَدَمِ التَّضَلُّعِ بِذَلِكَ الْفَنِّ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ، وَلِهَذَا تَجِدُ الْوَاحِدَ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ يَكْتُبُ وَيَرْجِعُ وَيَتَزَلْزَلُ بِأَدْنَى زَلْزَلَةٍ، وَيَضْطَرِبُ قَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ مَرَّاتٍ، وَيَبْحَثُ مَعَهُ أَدْنَى الطَّلَبَةِ فَيُشَكِّكُهُ، وَأَكْثَرُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا صَمَّمَ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ كَذَا أَوْ كَذَا، أَوْ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي، مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى مُسْتَنَدٍ بِيَدِهِ أَوْ حُجَّةٍ يُظْهِرُهَا، كَأَنَّهُ الشَّيْخُ أبو الحسن الشاذلي إِمَامُ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ فِي زَمَانِهِ الَّذِي كَانَ يُسْأَلُ مُعْتَمِدًا عَلَى الْإِلْهَامِ الْوَاقِعِ فِي قَلْبِهِ، ذَاكَ إِلْهَامُهُ صَوَابٌ لَا يُخْطِئُ، وَبَعْدَ مَوْتَاتٍ مَاتَهَا فِي اللَّهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْمُفْتِيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّبِيبِ، يَنْظُرُ فِي الْوَاقِعَةِ وَيَذْكُرُ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَالشَّخْصِ وَالزَّمَانِ، فَالْمُفْتِي طَبِيبُ الْأَدْيَانِ، وَذَلِكَ طَبِيبُ الْأَبْدَانِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَحْكَامٌ بِحَسَبِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ. قَالَ السبكي: لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ، بَلْ بِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ الْحَادِثَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ حُكْمٌ لَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَإِذَا حَدَثَتْ صُورَةٌ عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيهَا، فَقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ لَهُ حُكْمًا خَاصًّا. هَذَا كَلَامُ السبكي، قَرَّرَهُ فِي كِتَابٍ أَلَّفَهُ فِي شَأْنِ رَافِضِيٍّ حَكَمَ بِقَتْلِهِ، وَسَمَّاهُ غَيْرَةَ الْإِيمَانِ الْجَلِيِّ لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وَقَالَ السبكي أَيْضًا فِي فَتَاوِيهِ مَا مَعْنَاهُ: يُوجَدُ فِي فَتَاوِي الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَشْيَاءُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا الْمَذْهَبُ فِي كُلِّ صُورَةٍ؛ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى وَقَائِعَ، فَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ تِلْكَ الْوَقَائِعَ يُسْتَحَقُّ أَنْ يُفْتَى بِهَا بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُ ذَلِكَ وَاسْتِمْرَارُهُ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا تَتَعَلَّقُ بِرَافِضِيٍّ، وَلَيْتَهُ رَافِضِيٌّ فَقَطْ، بَلْ زِنْدِيقٌ جَاهِلٌ مِنْ كِبَارِ الْجَهَلَةِ، وَلَقَدِ اجْتَمَعْتُ بِهِ مَرَّةً فَرَأَيْتُ مِنْهُ الْعَجَبَ مِنْ إِنْكَارِهِ الِاحْتِجَاجَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَدِّ أَقْوَالِهِ الشَّرِيفَةِ، وَيَقُولُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَفَضَّ فَاهُ: النَّبِيُّ وَاسِطِيٌّ، مَا قَالَهُ وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ فَصَحِيحٌ، وَمَا قَالَهُ وَلَيْسَ
стр. 390
فِي الْقُرْآنِ. وَذَكَرَ كَلِمَةً لَا أَسْتَطِيعُ ذِكْرَهَا، فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ أَجْتَمِعْ بِهِ إِلَى الْآنَ، وَأَلَّفْتُ مُؤَلَّفًا سَمَّيْتُهُ: مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ فِي الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَقْوَالِهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ: علي عِنْدَهُ الْعِلْمُ وَالشَّجَاعَةُ، وأبو بكر لَيْسَ عِنْدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا زَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مَالَهُ فَكَافَأَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِأَنَّ أبا بكر أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ وَأَشْجَعُهُمْ، فَقَالَ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كَذِبٌ، ثُمَّ أَعَادَ الْآنَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ مَعَ خاير بك وَطَلَبَ مِنْهُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ أبي بكر بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحَدِيثَ حُجَّةً، فَذَكَرَ لَهُ خاير بك هَذِهِ الْآيَةَ، وَلَمْ يَقُلْهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ رَآهَا فِي بَعْضِ كُتُبِ الْكَلَامِ فَذَكَرَهَا، فَكَانَ لَا يَلِيقُ بالجوجري فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يُفْتِيَ بِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بأبي بكر وَلَا دَالَّةً عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، فَيُؤَيِّدَ مَقَالَةَ الرَّافِضِيِّ وَيُثَبِّتَهُ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الْخَبِيثِ وَيَدْحَضَ حُجَّةً قَرَّرَهَا أَئِمَّةٌ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّفْسِيرِ وَالْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ مِثْلِ الجوجري، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمَرْجُوحَ لَكَانَ اللَّائِقُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، فَكَيْفَ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَالَّذِي أَفْتَى بِهِ الجوجري قَوْلٌ مَرْجُوحٌ؟ هَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ الْجَدَلِيَّةُ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ التَّحْقِيقِ، فَأَقُولُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ: يُرِيدُ بِالْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لَا رِيَاءَ وَلَا سُمْعَةَ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍالصِّدِّيقَ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَقَالَ ابن الخازن فِي تَفْسِيرِهِ: الْأَتْقَى هُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرازي فِي تَفْسِيرِهِ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَتْقَى أبو بكر، وَذَهَبَتِ الشِّيعَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ علي، فَانْظُرْ إِلَى نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ إِجْمَاعَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَتْقَى أبو بكر لَا كُلُّ تَقِيٍّ، وَقَالَ الأصبهاني فِي تَفْسِيرِهِ: خُصَّ الصِّلِيُّ بِالْأَشْقَى وَالتَّجَنُّبُ بِالْأَتْقَى، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ شَقِيٍّ يَصْلَاهَا، وَكُلَّ تَقِيٍّ يُجَنَّبُهَا، لَا يَخْتَصُّ بِالصِّلِيِّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ، وَلَا بِالنَّجَاةِ أَتْقَى الْأَتْقِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ حَالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَظِيمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أَنْ يُبَالَغَ فِي صِفَتَيْهِمَا الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ فَقِيلَ: الْأَشْقَى، وَجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ، كَأَنَّ النَّارَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لَهُ. وَقِيلَ: الْأَتْقَى، وَجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجَاةِ، كَأَنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لَهُ. انْتَهَى.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَتْقَى أَتْقَى الْأَتْقِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَا مُطْلَقُ التَّقِيِّ،
следующие страницы →