Полный текст (886 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
دُونَكَ. فَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ. ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] أَخْرَجَهُ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ زِيَادٍ الْبَكَّائِيِّ عَنِ ابن إسحاق، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي هارون بن إدريس الأصم، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، ثَنَا محمد بن إسحاق، عَنْ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، فَكَانَ يُعْتِقُ عَجَائِزَ وَنِسَاءً إِذَا أَسْلَمْنَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَيْ بُنَيَّ أَرَاكَ تُعْتِقُ أُنَاسًا ضُعَفَاءَ، فَلَوْ أَنَّكَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَقُومُونَ مَعَكَ وَيَمْنَعُونَكَ وَيَدْفَعُونَ عَنْكَ. فَقَالَ: أَيْ أَبَتِ، إِنَّمَا أُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ثَنَا أَبِي، ثَنَا منصور بن أبي مزاحم، ثَنَا ابن أبي الوضاح، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ اشْتَرَى بلالا مِنْ أمية بن خلف وأبي بن خلف بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ، فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] إِلَى آخِرِهَا فِي أبي بكر وأمية بن خلف. وَقَالَ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ: ثَنَا حَامِدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَلْخِيُّ، ثَنَا منصور بن أبي مزاحم، ثَنَا أبو سعيد المؤدب عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أبي إسحاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ أبا بكر اشْتَرَى بلالا مِنْ أمية بن خلف وأبي بن خلف بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٧ - ١٨] يَعْنِي أبا بكر، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] قَالَ: لَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ أبو بكر لِيَدٍ كَانَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ فَيُكَافِئَهُ بِهَا، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢٠ - ٢١] ، وَفِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: بَلَغَنِي أَنَّ أمية بن خلف قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي بِلَالٍ حِينَ قَالَ: أَتَبِيعُنِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَبِيعُهُ بِقِسْطَاسٍ؛ عَبْدٍ لأبي بكر صَاحِبِ عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَغِلْمَانٍ وَجَوَارٍ وَمَوَاشٍ، وَكَانَ مُشْرِكًا يَأْبَى الْإِسْلَامَ، فَاشْتَرَاهُ أبو بكر بِهِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا فَعَلَ ذَلِكَ أبو بكر ببلال إِلَّا لِيَدٍ كَانَتْ لبلال عِنْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] وَفِي تَفْسِيرِ القرطبي رَوَى عطاء والضحاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَذَّبَ الْمُشْرِكُونَ بلالا فَاشْتَرَاهُ أبو بكر بِرَطْلٍ مِنْ
стр. 387
ذَهَبٍ مِنْ أمية بن خلف وَأَعْتَقَهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا أَعْتَقَهُ أبو بكر إِلَّا لِيَدٍ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ. فَنَزَلَتْ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] . قَالَ الْآجُرِّيُّ: هَذَا وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَصَّ أبا بكر بِأَشْيَاءَ فَضَّلَهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنُزُولِ الْآيَةِ، وَهُوَ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ بَعْدَ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْعُلُومِ الْأَرْبَعَةِ: التَّفْسِيرِ وَالْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالنَّحْوِ، وَقَدْ تَوَارَدَتْ خَلَائِقُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَا يُحْصَوْنَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ أبي بكر ﵁، وَكَذَا أَصْحَابُ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الْمُبْهَمَاتِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَضْعِيفِ مَا أَفْتَى بِهِ الجوجري، وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: ثَلَاثَةٌ جَدَلِيَّةٌ وَوَاحِدٌ مِنْ طَرِيقِ التَّحْقِيقِ، فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُولَى فَأَحَدُهَا أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِ لَهَا فِي كِتَابٍ أَوْ كِتَابَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُتْقِنًا لِذَلِكَ الْفَنِّ بِجَمِيعِ أَطْرَافِهِ مَاهِرًا فِيهِ مُتَبَحِّرًا فِيهِ، لَجَازَ لِآحَادِ الطَّلَبَةِ أَنْ يُفْتُوا، بَلِ الْعَوَامُّ وَالسُّوقَةُ لَا يَعْدَمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِعِدَّةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ تَعَلَّمَهَا مِنْ عَالِمٍ أَوْ رَآهَا فِي كِتَابٍ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُفْتِيَ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ لَوْ تَعَلَّمَ مَسَائِلَ وَعَرَفَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا، إِنَّمَا يُفْتِي الْمُتَبَحِّرُ فِي الْعِلْمِ الْعَارِفُ بِتَنْزِيلِ الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْكُتُبِ، وَمَا شَرَطُوا فِي الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا إِلَّا لِهَذَا الْمَعْنَى وَأَمْثَالِهِ، وَالْمَدَارُ الْآنَ عَلَى التَّبَحُّرِ، فَمَنْ تَبَحَّرَ فِي فَنٍّ أَفْتَى بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى فَنٍّ لَمْ يَتَبَحَّرْ فِيهِ، وَيُطْلِقَ قَلَمَهُ فِيهِ وَهُوَ لَمْ يَقِفْ عَلَى مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ أَرْبَابِ ذَلِكَ الْفَنِّ، فَلَعَلَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى مَقَالَةٍ مَرْجُوحَةٍ وَهُوَ يَظُنُّهَا عِنْدَهُمْ صَحِيحَةً، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَقُصَارَى أَمْرِهِ النَّظَرُ فِي الْمُصَنَّفِ، وَالتَّوْضِيحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ حَتَّى يُحِيطَ بِالْفَنِّ خِبْرَةً وَيَقِفَ عَلَى غَرَائِبِهِ وَغَوَامِضِهِ وَنَوَادِرِهِ، فَضْلًا عَنْ ظَوَاهِرِهِ وَمَشَاهِيرِهِ، وَمَا مَثَلُ مَنْ يُفْتِي فِي النَّحْوِ وَقُصَارَى أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ إِلَّا مَثَلُ مَنْ قَرَأَ الْمِنْهَاجَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْفِقْهِ، فَلَوْ جَاءَتْهُ مَسْأَلَةٌ مِنَ الرَّوْضَةِ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ دَيِّنًا قَالَ: هَذِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَنْكَرَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، بَلْ وَلَا وَاللَّهِ لَا يُكْتَفَى فِي إِبَاحَةِ الْفَتْوَى بِحِفْظِ الرَّوْضَةِ وَحْدَهَا، فَمَاذَا يَصْنَعُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا التَّرْجِيحُ، مَاذَا يَصْنَعُ فِي الْمَسَائِلِ ذَاتِ الصُّوَرِ وَالْأَقْسَامِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الرَّوْضَةِ بَقِيَّةُ صُوَرِهَا وَأَقْسَامِهَا، مَاذَا يَصْنَعُ فِي مَسَائِلَ لَهَا قُيُودٌ وَمَحَالُّ تُرِكَتْ مِنَ الرَّوْضَةِ وَهِيَ مُفَرَّقَةٌ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ مِنَ
стр. 388
الْكُتُبِ؟ مَاذَا يَصْنَعُ فِي مَسَائِلَ خَلَتْ عَنْهَا الرَّوْضَةُ بِالْكُلِّيَّةِ؟ بَلْ لَا بُدَّ فِي الْمُفْتِي مِنْ أَنْ يَضُمَّ إِلَى الرَّوْضَةِ حِمْلَ كُتُبٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْهَضْ إِلَى ذَلِكَ وَعَسُرَ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَأَصْحَابِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَلَا أَقَلَّ مِنِ اسْتِيعَابِ كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ قَالَ ابن بلبان الحنفي فِي كِتَابِهِ زَلَّةِ الْقَارِئِ: قَالَ الشَّيْخُ أبو عبد الله الجرجاني فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي هَذَا الْبَابِ - يَعْنِي بَابَ اللَّحْنِ فِي الْقِرَاءَةِ - إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: حَقِيقَةِ النَّحْوِ، وَالْقِرَاءَاتِ الشَّوَاذِّ، وَأَقَاوِيلِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْبَابِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ حَاوٍ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ، وَأَئِمَّةُ الْمُفَسِّرِينَ أَصْنَافٌ شَتَّى، كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ غَلَبَ عَلَيْهِ فَنٌّ مِنَ الْعُلُومِ، فَكَانَ تَفْسِيرُهُ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ الْفَنُّ الْغَالِبُ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أَنْ يَنْظُرَ تَفْسِيرَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفَنُّ الَّذِي تِلْكَ الْحَيْثِيَّةُ مِنْهُ، فَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ مِنْ حَيْثُ التَّفْسِيرُ الَّذِي هُوَ نَقْلٌ مَحْضٌ وَمَعْرِفَةُ الْأَرْجَحِ فِيهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا تَفَاسِيرَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَالْأَثَرِ، وَأَجَلُّهَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ؛ فَقَدْ قَالَ النووي فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: كِتَابُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثْلَهُ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ مِنْ تَفَاسِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَفْسِيرُ الْحَافِظِ عماد الدين ابن كثير. وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ أَوِ الْآتِيَةِ كَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَحْوَالِ الْبَرْزَخِ وَالْبَعْثِ وَالْمَلَكُوتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، فَالْأَوْلَى أَخْذُهَا مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَسَائِرِ تَفَاسِيرِ الْمُحَدِّثِينَ الْمُسْنَدَةِ؛ كَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ والفريابي وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي الشَّيْخِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى آيَةٍ مِنْ حَيْثُ عِلْمُ الْكَلَامِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا تَفْسِيرَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَاشْتَهَرَ بِالْبَرَاعَةِ فِيهِ، كَابْنِ فُورَكَ والباقلاني وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ والإمام فخر الدين والأصبهاني وَنَحْوِهِمْ، وَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْإِعْرَابُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا تَفْسِيرَ أَئِمَّةِ النَّحْوِ الْمُتَبَحِّرِينَ فِيهِ؛ كأبي حيان، وَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْبَلَاغَةُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا الْكَشَّافَ وَتَفْسِيرَ الطيبي وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَمَسْأَلَةُ تَفْضِيلِ أبي بكر مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَكَوْنِهِ هُوَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مِنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَكَانَ الْأَوْلَى للجوجري قَبْلَ الْكِتَابَةِ أَنْ يَنْظُرَ عَلَيْهَا كِتَابَ ابْنِ جَرِيرٍ وَنَحْوَهُ؛ لِأَجْلِ مَعْرِفَةِ الْأَرْجَحِ فِي التَّفْسِيرِ، وَكِتَابَ الإمام فخر الدين وَنَحْوَهُ؛ لِأَجْلِ مَعْرِفَةِ التَّقْرِيرِ الْكَلَامِيِّ، ثُمَّ يَنْهَضَ إِلَى مُرَاجَعَةِ كُتُبِ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ قَرَّرُوا الِاسْتِدْلَالَ بِهَا عَلَى
стр. 389
أَفْضَلِيَّةِ الصديق، كَكُتُبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وابن فورك والباقلاني وَالشَّهْرَسْتَانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَيَتْعَبَ كُلَّ التَّعَبِ وَيَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، وَيَعْتَزِلَ الرَّاحَةَ وَالشُّغْلَ، وَلَا يَسْأَمَ وَلَا يَضْجَرَ، وَيَدَعَ الْفُتْيَا تَمْكُثُ عِنْدَهُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَالْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ النَّاسِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَظَرَ وَحَقَّقَ وَأَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ إِشْكَالٍ وَأَعَدَّ لَهُ الْجَوَابَ الْمَقْبُولَ، حَطَمَ حِينَئِذٍ عَلَى الْكِتَابَةِ وَحَكَمَ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَفَصَلَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الِاسْتِعْجَالُ فِي الْجَوَابِ وَالْكِتَابَةِ بِمُجَرَّدِ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ وَيَظْهَرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، مَعَ الرَّاحَةِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى الشُّهْرَةِ، وَعَدَمِ التَّضَلُّعِ بِذَلِكَ الْفَنِّ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ، وَلِهَذَا تَجِدُ الْوَاحِدَ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ يَكْتُبُ وَيَرْجِعُ وَيَتَزَلْزَلُ بِأَدْنَى زَلْزَلَةٍ، وَيَضْطَرِبُ قَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ مَرَّاتٍ، وَيَبْحَثُ مَعَهُ أَدْنَى الطَّلَبَةِ فَيُشَكِّكُهُ، وَأَكْثَرُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا صَمَّمَ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ كَذَا أَوْ كَذَا، أَوْ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي، مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى مُسْتَنَدٍ بِيَدِهِ أَوْ حُجَّةٍ يُظْهِرُهَا، كَأَنَّهُ الشَّيْخُ أبو الحسن الشاذلي إِمَامُ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ فِي زَمَانِهِ الَّذِي كَانَ يُسْأَلُ مُعْتَمِدًا عَلَى الْإِلْهَامِ الْوَاقِعِ فِي قَلْبِهِ، ذَاكَ إِلْهَامُهُ صَوَابٌ لَا يُخْطِئُ، وَبَعْدَ مَوْتَاتٍ مَاتَهَا فِي اللَّهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْمُفْتِيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّبِيبِ، يَنْظُرُ فِي الْوَاقِعَةِ وَيَذْكُرُ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَالشَّخْصِ وَالزَّمَانِ، فَالْمُفْتِي طَبِيبُ الْأَدْيَانِ، وَذَلِكَ طَبِيبُ الْأَبْدَانِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَحْكَامٌ بِحَسَبِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ. قَالَ السبكي: لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ، بَلْ بِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ الْحَادِثَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ حُكْمٌ لَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَإِذَا حَدَثَتْ صُورَةٌ عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيهَا، فَقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ لَهُ حُكْمًا خَاصًّا. هَذَا كَلَامُ السبكي، قَرَّرَهُ فِي كِتَابٍ أَلَّفَهُ فِي شَأْنِ رَافِضِيٍّ حَكَمَ بِقَتْلِهِ، وَسَمَّاهُ غَيْرَةَ الْإِيمَانِ الْجَلِيِّ لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وَقَالَ السبكي أَيْضًا فِي فَتَاوِيهِ مَا مَعْنَاهُ: يُوجَدُ فِي فَتَاوِي الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَشْيَاءُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا الْمَذْهَبُ فِي كُلِّ صُورَةٍ؛ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى وَقَائِعَ، فَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ تِلْكَ الْوَقَائِعَ يُسْتَحَقُّ أَنْ يُفْتَى بِهَا بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُ ذَلِكَ وَاسْتِمْرَارُهُ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا تَتَعَلَّقُ بِرَافِضِيٍّ، وَلَيْتَهُ رَافِضِيٌّ فَقَطْ، بَلْ زِنْدِيقٌ جَاهِلٌ مِنْ كِبَارِ الْجَهَلَةِ، وَلَقَدِ اجْتَمَعْتُ بِهِ مَرَّةً فَرَأَيْتُ مِنْهُ الْعَجَبَ مِنْ إِنْكَارِهِ الِاحْتِجَاجَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَدِّ أَقْوَالِهِ الشَّرِيفَةِ، وَيَقُولُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَفَضَّ فَاهُ: النَّبِيُّ وَاسِطِيٌّ، مَا قَالَهُ وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ فَصَحِيحٌ، وَمَا قَالَهُ وَلَيْسَ
стр. 390
فِي الْقُرْآنِ. وَذَكَرَ كَلِمَةً لَا أَسْتَطِيعُ ذِكْرَهَا، فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ أَجْتَمِعْ بِهِ إِلَى الْآنَ، وَأَلَّفْتُ مُؤَلَّفًا سَمَّيْتُهُ: مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ فِي الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَقْوَالِهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ: علي عِنْدَهُ الْعِلْمُ وَالشَّجَاعَةُ، وأبو بكر لَيْسَ عِنْدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا زَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مَالَهُ فَكَافَأَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِأَنَّ أبا بكر أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ وَأَشْجَعُهُمْ، فَقَالَ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كَذِبٌ، ثُمَّ أَعَادَ الْآنَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ مَعَ خاير بك وَطَلَبَ مِنْهُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ أبي بكر بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحَدِيثَ حُجَّةً، فَذَكَرَ لَهُ خاير بك هَذِهِ الْآيَةَ، وَلَمْ يَقُلْهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ رَآهَا فِي بَعْضِ كُتُبِ الْكَلَامِ فَذَكَرَهَا، فَكَانَ لَا يَلِيقُ بالجوجري فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يُفْتِيَ بِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بأبي بكر وَلَا دَالَّةً عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، فَيُؤَيِّدَ مَقَالَةَ الرَّافِضِيِّ وَيُثَبِّتَهُ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الْخَبِيثِ وَيَدْحَضَ حُجَّةً قَرَّرَهَا أَئِمَّةٌ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّفْسِيرِ وَالْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ مِثْلِ الجوجري، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمَرْجُوحَ لَكَانَ اللَّائِقُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، فَكَيْفَ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَالَّذِي أَفْتَى بِهِ الجوجري قَوْلٌ مَرْجُوحٌ؟ هَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ الْجَدَلِيَّةُ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ التَّحْقِيقِ، فَأَقُولُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ: يُرِيدُ بِالْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لَا رِيَاءَ وَلَا سُمْعَةَ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍالصِّدِّيقَ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَقَالَ ابن الخازن فِي تَفْسِيرِهِ: الْأَتْقَى هُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرازي فِي تَفْسِيرِهِ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَتْقَى أبو بكر، وَذَهَبَتِ الشِّيعَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ علي، فَانْظُرْ إِلَى نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ إِجْمَاعَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَتْقَى أبو بكر لَا كُلُّ تَقِيٍّ، وَقَالَ الأصبهاني فِي تَفْسِيرِهِ: خُصَّ الصِّلِيُّ بِالْأَشْقَى وَالتَّجَنُّبُ بِالْأَتْقَى، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ شَقِيٍّ يَصْلَاهَا، وَكُلَّ تَقِيٍّ يُجَنَّبُهَا، لَا يَخْتَصُّ بِالصِّلِيِّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ، وَلَا بِالنَّجَاةِ أَتْقَى الْأَتْقِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ حَالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَظِيمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أَنْ يُبَالَغَ فِي صِفَتَيْهِمَا الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ فَقِيلَ: الْأَشْقَى، وَجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ، كَأَنَّ النَّارَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لَهُ. وَقِيلَ: الْأَتْقَى، وَجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجَاةِ، كَأَنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لَهُ. انْتَهَى.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَتْقَى أَتْقَى الْأَتْقِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَا مُطْلَقُ التَّقِيِّ،
стр. 391
وَأَتْقَى الْأَتْقِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ النسفي فِي تَفْسِيرِهِ: الْأَتْقَى: الْأَكْمَلُ تَقْوَى، وَهُوَ صِفَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَقَالَ: وَدَلَّ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] انْتَهَى. وَقَالَ القرطبي فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَتْقَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: أَرَادَ بِالْأَشْقَى وَالْأَتْقَى الشَّقِيَّ وَالتَّقِيَّ، كَقَوْلِ طرفة:
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
أَيْ وَاحِدٍ وَوَحِيدٍ، فَوَضَعَ أَفْعَلَ مَوْضِعَ فَعِيلٍ. انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَعَانِي هُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ الجوجري عَادِلًا عَنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ النَّحْوِ، قَالَ ابن الصلاح: حَيْثُ رَأَيْتُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ: قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي، فَالْمُرَادُ بِهِ مُصَنِّفُو الْكُتُبِ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ كالزجاج والفراء والأخفش وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ. انْتَهَى.
وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهَا فِي أبي بكر بِعِتْقِهِ مَنْ أَعْتَقَ مِنَ الْمَمَالِيكِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ.
فَأَنْتَ تَرَى هَذِهِ النُّقُولَ تُنَادِي عَلَى أَنَّ الَّذِي أَفْتَى بِهِ الجوجري مَقَالَةٌ فِي الْآيَةِ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ مَشَى عَلَيْهَا بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ وَقَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ وَصَحَّحَهُ الْخَلَفُ اخْتِصَاصُهَا بأبي بكر إِبْقَاءً لِلصِّيغَةِ عَلَى بَابِهَا. هَذَا بَيَانُ رُجْحَانِ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّفْسِيرُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ أُصُولُ الْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةُ فَأَقُولُ: قَوْلُ الجوجري: إِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَرْعٌ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ حَتَّى يَكُونَ الْعِبْرَةُ بِهِ، وَالْآيَةُ لَا عُمُومَ فِيهَا أَصْلًا وَرَأْسًا، بَلْ هِيَ نَصٌّ فِي الْخُصُوصِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُمُومَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنْ (أَلِ) الْمَوْصُولَةِ وَالتَّعْرِيفِيَّةِ، وَلَيْسَتْ (أَلْ) هَذِهِ مَوْصُولَةً قَطْعًا ; لِأَنَّ الْأَتْقَى أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَ (أَلِ) الْمَوْصُولَةُ لَا تُوصَلُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ بِإِجْمَاعِ النُّحَاةِ، وَإِنَّمَا تُوصَلُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَفِي الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ خِلَافٌ، وَأَمَّا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَلَا تُوصَلُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا التَّعْرِيفِيَّةُ فَإِنَّمَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجَمْعِ، فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مُفْرَدٍ لَمْ تُفِدْهُ، كَمَا اخْتَارَ الإمام فخر
стр. 392
الدين، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا تُفِيدُهُ فِيهِ، قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ عَهْدٌ، فَإِنْ كَانَ لَمْ تُفِدْهُ قَطْعًا، هَذَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ. وَالْأَتْقَى مُفْرَدٌ لَا جَمْعٌ، وَالْعَهْدُ فِيهِ مَوْجُودٌ فَلَا عُمُومَ فِيهِ قَطْعًا، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي الْأَتْقَى. فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ فَتَحَ اللَّهُ بِهِ عَلَيَّ تَأْيِيدًا لِلْجَنَابِ الصِّدِّيقِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَتْقَى أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَا عُمُومَ فِيهِ، بَلْ وَضْعُهُ لِلْخُصُوصِ ; فَإِنَّهُ لِتَفَرُّدِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ، وَأَنَّهُ لَا مُسَاوِيَ لَهُ فِيهَا، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ أَفْضَلُ النَّاسِ، أَوِ الْأَفْضَلُ، فَإِنَّهَا صِيغَةُ خُصُوصٍ قَطْعًا عَقْلًا وَنَقْلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَنَاوَلَ غَيْرَهُ أَبَدًا، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي الْأَتْقَى، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ تَقْرِيرُ الأصبهاني حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] . وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ شَقِيٍّ يَصْلَاهَا، وَكُلَّ تَقِيٍّ يُجَنَّبُهَا؟ لَا يَخْتَصُّ بِالصِّلِيِّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ وَلَا بِالنَّجَاةِ أَتْقَى الْأَتْقِيَاءِ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ نَكَّرَ النَّارَ فَأَرَادَ نَارًا بِعَيْنِهَا مَخْصُوصَةً بِالْأَشْقَى، فَمَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَفْسَقَ الْمُسْلِمِينَ يُجَنَّبُ تِلْكَ النَّارَ الْمَخْصُوصَةَ لَا الْأَتْقَى مِنْهُمْ خَاصَّةً.
قُلْتُ: الْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ حَالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَظِيمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أَنْ يُبَالَغَ فِي صِفَتِهِمَا الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ فَقِيلَ: الْأَشْقَى، وَجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ، كَأَنَّ النَّارَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لَهُ، وَقِيلَ: الْأَتْقَى، وَجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجَاةِ، كَأَنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لَهُ. هَذِهِ عِبَارَتُهُ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي إِرَادَةِ الْخُصُوصِ؛ أَخْذًا مِنْ صِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وَمَنْ جَنَحَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ احْتَاجَ إِلَى تَأْوِيلِ الْأَتْقَى بِالتُّقَى لِيَخْرُجَ عَنِ التَّفْضِيلِ، وَهَذَا مَجَازٌ قَطْعًا، وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ يُسَاعِدُهُ، بَلِ الدَّلِيلُ يُعَارِضُهُ، وَهُوَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سَبَبِ النُّزُولِ، وَإِجْمَاعُ الْمُفَسِّرِينَ كَمَا نَقَلَهُ مَنْ تَقَدَّمَ، فَثَبَتَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِلتَّفْضِيلِ، وَأَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ، وَأَنَّهُ لَا عُمُومَ فِيهِ أَصْلًا.
فَإِنْ قُلْتَ: لَمْ يُؤْخَذِ الْعُمُومُ مِنْ لَفْظِ (الْأَتْقَى) بَلْ مِنْ لَفْظِ (الَّذِي يُؤْتِي) ، فَإِنَّ (الَّذِي) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ.
قُلْتُ: هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْكَ وَجَهْلٌ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ فَإِنَّ (الَّذِي) وَصْفٌ لِلْأَتْقَى، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَتْقَى خَاصٌّ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ صِفَتُهُ كَذَلِكَ، لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَكُونُ أَعَمَّ مِنَ الْمَوْصُوفِ، بَلْ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ أَخَصَّ مِنْهُ، فَاشْدُدْ بِهَذَا الْكَلَامِ يَدَيْكَ وَعَضَّ عَلَيْهِ بِنَاجِذَيْكَ، عَلَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١] مَا يُشِيرُ إِلَى التَّنْصِيصِ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَقَدْ قَرَّرَ الإمام فخر الدين اخْتِصَاصَ الْآيَةِ بأبي
стр. 393
بكر وَالِاسْتِدْلَالَ بِهَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَقَالَ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَتْقَى أبو بكر، وَذَهَبَ الشِّيعَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ علي، وَالدَّلَالَةُ النَّقْلِيَّةُ تَرُدُّ ذَلِكَ وَتُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْأَتْقَى أَفْضَلُ الْخَلْقِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وَالْأَكْرَمُ هُوَ الْأَفْضَلُ، فَالْأَتْقَى الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِمَّا أبو بكر وَإِمَّا علي، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى علي، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى أبي بكر، وَإِنَّمَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهَا عَلَى عَلِيٍّ لِأَنَّهُ قَالَ عَقِيبَ صِفَةِ هَذَا الْأَتْقَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] ، وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَصْدُقُ عَلَى علي؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي تَرْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَبِيهِ، فَكَانَ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ وَيَكْسُوهُ وَيُرَبِّيهِ، فَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ مُنْعِمًا عَلَيْهِ نِعْمَةً يَجِبُ جَزَاؤُهَا، أَمَّا أبو بكر فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، بَلْ أبو بكر كَانَ يُنْفِقُ عَلَى الرَّسُولِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ نِعْمَةُ الْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى الدِّينِ، وَهَذِهِ النِّعْمَةُ لَا تُجْزَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] ، وَالْمَذْكُورُ هُنَا لَيْسَ مُطْلَقَ النِّعْمَةِ، بَلْ نِعْمَةٌ تُجْزَى، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تَصْلُحُ لعلي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ كَانَ أَفْضَلَ الْخَلْقِ، وَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَفْضَلَ مِنَ الْآيَةِ إِمَّا أبو بكر وَإِمَّا علي، وَثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ غَيْرُ صَالِحَةٍ لعلي، تَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى أبي بكر، وَثَبَتَ دَلَالَةُ الْآيَةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ أبا بكر أَفْضَلُ الْأُمَّةِ. انْتَهَى كَلَامُ الْإِمَامِ.
[سُورَةُ الْقَدْرِ]
مَسْأَلَةٌ.
يَا مُفْرِدًا فَاقَ أَهْلَ الْعَصْرِ بَلْ سَلَفًا ... وَصَارَ مُشْتَهِرًا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ
فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالْأَفْرَادِ قَدْ شُهِرَتْ ... وَهَلْ تُظَنُّ بِشَهْرِ الصَّوْمِ فِي الْأَزَلِ
أَوْ بِالْيَقِينِ وَبِالْعَشْرِ الْأَخِيرِ تُرَى ... مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ وَلَا جَدَلِ
وَإِنْ تَقُولُوا بِهِ مَاذَا أَوَائِلُهَا ... هَلْ بِالْغُرُوبِ إِلَى فَجْرٍ يَلُوحُ جَلِي
وَهَلْ لِقَائِمِ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ عَمَلٍ ... مِنَ الْغُرُوبِ بِفَرْدِ الْعَشْرِ فِي وَجَلِ
يَدْعُو الْإِلَهَ مُظِنًّا أَنَّ دَعْوَتَهُ ... قَدِ اسْتُجِيبَتْ بِنَيْلِ الْقَصْدِ وَالْأَمَلِ
أَفْتُوا عُبَيْدًا غَدَا مِمَّنْ يَلُوذُ بِكُمْ ... يَرْجُو لَكُمْ كُلَّ قَدْرٍ تَقْصِدُونَ عَلِي
أَثَابَكُمْ رَبُّكُمْ جَنَّاتِهِ كَرَمًا ... بِجَاهِ خَيْرِ الْبَرَايَا أَشْرَفِ الرُّسُلِ
стр. 394
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْحَمْدِ فِي الْأَزَلِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ خَاتَمِ الرُّسُلِ
فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَقْوَالٌ وَعِدَّتُهَا ... لِنَحْوِ خَمْسِينَ قَوْلًا يَا أَخِي صَلِّ
فَقِيلَ دَائِرَةٌ فِي الْعَامِ أَجْمَعِهِ ... وَقِيلَ بَلْ نِصْفُ شَعْبَانٍ بِلَا زَلَلِ
وَرَجَّحُوا كَوْنَهَا شَهْرَ الصِّيَامِ أَتَتْ ... وَذَاكَ ظَنٌّ قَوِيٌّ بِالدَّلِيلِ جَلِي
وَكَوْنُهَا فِيهِ دَارَتْ قَوْلُ طَائِفَةٍ ... وَكَوْنُهَا فِي الْأَخِيرِ الْعَشْرِ فَهْوَ جَلِي
وَذَاكَ ظَنٌّ بِلَا قَطْعٍ وَأَوَّلُهَا ... مِنَ الْغُرُوبِ إِلَى فَجْرِ الصَّبَاحِ جَلِي
وَمَنْ يَقُمْ نِصْفَ لَيْلٍ أَوْ أَقَلَّ حَوَى ... فَضْلَ الْقِيَامِ بِهَا فَاقْصِدْ بِلَا وَجَلِ
بَلْ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَا وَالصُّبْحَ ثُمَّتْ فِي ... جَمَاعَةٍ حَازَ مِنْهَا الْحَظَّ فِي الْأَمَلِ
كَذَا أَتَى فِي حَدِيثٍ صَحَّ مُسْنَدُهُ ... فَاقْبَلْهُ طَوْعًا وَكُنْ فِي الدِّينِ ذَا عَمَلِ
هَذَا جَوَابُ ابْنِ الْأَسْيُوطِيِّ مُرْتَجِيًا ... مِنْ فَضْلِ خَالِقِهِ الْغُفْرَانَ لِلزَّلَلِ
بِرَوْضَةِ الْمُشْتَهِي خَطَّ الْجَوَابِ لَدَى ... شَوَّالٍ مِنْ عَامِ تِسْعِينَ بِلَا مَلَلِ
مَسْأَلَةٌ: فِي كَيْفِيَّةِ الْوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، هَلْ يَتَلَقَّاهُ الْمَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِكَلَامٍ يَفْهَمُهُ الْمَلَكُ أَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ لِلنَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ لِلنَّبِيِّ الْعِبْرَانِيِّ، وَهَلْ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ إِلَى جِبْرِيلَ أَوْ جِبْرِيلُ الْمُتَلَقِّي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وَفُسِّرَ بِنُزُولِهِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ، مَا كَيْفِيَّةُ نُزُولِهِ إِلَيْهِ؟ وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِلْقَلَمِ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، هَلْ يَكُونُ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يُلْهِمُهُ لِلْقَلَمِ أَوْ بِإِمْلَاءٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَكَيْفَ أَخَذَ الْمَلَكُ الْوَحْيَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؟ هَلْ يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْيَوْمُ الْفُلَانِيُّ يَقَعُ فِيهِ كَذَا خُذْهُ مِنَ اللَّوْحِ؟ أَوْ يَوْمَ يَقَعُ فِيهِ يَقُولُ لَهُ: خُذْهَا وَأَلْقِهَا إِلَى النَّبِيِّ؟ وَهَلْ تَنَامُ الْمَلَائِكَةُ؟ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] هَلِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ الْوَحْيِ مَلَكٌ أَوْ ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَحَدٍ.
الْجَوَابُ: قَالَ الأصبهاني فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِهِ: اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْإِنْزَالِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِظْهَارُ الْقِرَاءَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَ كَلَامَهُ جِبْرِيلَ وَعَلَّمَهُ قِرَاءَتَهُ، ثُمَّ جِبْرِيلُ أَدَّاهُ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ الطيبي فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ: لَعَلَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَتَلَقَّفَهُ الْمَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَلَقُّفًا
стр. 395
رُوحَانِيًّا، أَوْ يَحْفَظَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَيَنْزِلَ بِهِ إِلَى الرَّسُولِ وَيُلْقِيَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقُطْبُ الرازي فِي حَوَاشِي الْكَشَّافِ: الْمُرَادُ بِإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَى الرُّسُلِ أَنْ يَتَلَقَّفَهَا الْمَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَلَقُّفًا رُوحَانِيًّا، أَوْ يَحْفَظَهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَيَنْزِلَ بِهَا فَيُلْقِيَهَا عَلَيْهِمْ. انْتَهَى. وَقَدْ سَأَلْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ محيي الدين الكافيجي عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّلَقُّفِ الرُّوحَانِيِّ فَقَالَ لِي: لَا يُكَيَّفُ. وَقَالَ الزركشي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، وَأَنَّ جِبْرِيلَ حَفِظَ الْقُرْآنَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَنَزَلَ بِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَحْرُفَ الْقُرْآنِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا بِقَدْرِ جَبَلِ قَافٍ.
وَالثَّانِي أَنَّ جِبْرِيلَ إِنَّمَا نَزَلَ بِالْمَعَانِي خَاصَّةً، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ. وَتَمَسَّكَ قَائِلُ هَذَا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] .
وَالثَّالِثُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَى عَلَيْهِ الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ يَقْرَءُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ بِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّا أَسْمَعْنَاهُ الْمَلَكَ وَأَفْهَمْنَاهُ إِيَّاهُ، وَأَنْزَلْنَاهُ بِمَا سَمِعَ، فَيَكُونُ الْمَلَكُ هُوَ الْمُنْتَقِلَ بِهِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلُ، قَالَ أبو شامة: وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِي كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي جِبْرِيلَ الْوَحْيَ، وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنَّهُ أُلْهِمَهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ حَفِظَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقَوْلُ التَّلَقُّفِ الرُّوحَانِيِّ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْإِلْهَامُ، فَلَا يَكُونُ قَوْلًا رَابِعًا، وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أبو إسحاق إسماعيل البخاري الصفار عَنْ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ مِنْ جِبْرِيلَ إِلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، هَلْ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى جُمْلَةً أَمْ جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؟ قَالَ: كِلَا الْوَجْهَيْنِ جَائِزٌ، وَذَكَرَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَدْرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّعَ جِبْرِيلَ كُلَّهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَمْلَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى السَّفَرَةِ - وَهُمْ مَلَائِكَةٌ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا - لِكَيْ لَا يَكُونَ لَهُمُ احْتِيَاجٌ حِينَ أَسْمَعَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ. وَذَكَرَ الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ أبو الليث فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الدُّخَانِ وَفِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] وَقَالَ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ: جَاءَ بِهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ نُجُومًا [نُجُومًا] . وَذَكَرَ الدينوري أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ جُمْلَةً ثُمَّ نَزَلَ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَفَرِّقًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
стр. 396
جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ بِهِ سَمَاعًا مِنْ إِسْرَافِيلَ، وَإِسْرَافِيلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَفَرِّقًا، وَيُقَالُ: جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِمَا يَحْتَاجُ لَهُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ مُتَفَرِّقًا.
وَقَدْ نَظَرْتُ فِي الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ فَوَجَدْتُهَا أَيْضًا مُخْتَلِفَةً، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ النواس بن سمعان مَرْفُوعًا: " «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاءُ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاءِ صَعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلَ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، فَيَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا؟ قَالَ: الْحَقَّ، فَيَنْتَهِي بِهِ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ» " وَأَخْرَجَ ابن مردويه مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَلْصَلَةً فَيَفْزَعُونَ» " الْحَدِيثَ، هَذَانِ الْحَدِيثَانِ شَاهِدَانِ لِلْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ جِبْرِيلَ يَسْمَعُ الْوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَأَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ عَنِ ابن سابط قَالَ: " فِي أُمِّ الْكِتَابِ كُلُّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وُكِّلَ بِهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَوُكِّلَ جِبْرِيلُ بِالْكُتُبِ وَالْوَحْيِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالنَّصْرِ عِنْدَ الْحُرُوبِ، وَبِالْهَلَكَاتِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَ قَوْمًا، وَوُكِّلَ مِيكَائِيلُ بِالْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ، وَوُكِّلَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَنْفُسِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَارَضُوا بَيْنَ حِفْظِهِمْ وَبَيْنَ مَا كَانَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ فَيَجِدُونَهُ سَوَاءً ". فَهَذَا شَاهِدٌ لِلْقَوْلِ الثَّالِثِ: أَنَّ جِبْرِيلَ حَفِظَ الْوَحْيَ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ يُنَاجِيهِ إِذِ انْشَقَّ أُفُقُ السَّمَاءِ وَنَزَلَ مَلَكٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا، قَالَ: فَقُلْتُ: نَبِيٌّ عَبْدٌ، فَعَرَجَ ذَلِكَ الْمَلَكُ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِسْرَافِيلُ، خَلَقَهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَافًّا قَدَمَيْهِ لَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ، بَيْنَ يَدَيْهِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ فِي شَيْءٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ اللَّوْحُ فَضَرَبَ جَبْهَتَهُ فَيَنْظُرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِي أَمَرَنِي بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ مِيكَائِيلَ أَمَرَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ عَمَلِ مَلَكِ الْمَوْتِ أَمَرَهُ بِهِ» " الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ كعب قَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ أَمْرًا جَاءَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ حَتَّى يُصَفِّقَ جَبْهَةَ إِسْرَافِيلَ فَيَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيَنْظُرَ، فَإِذَا الْأَمْرُ مَكْتُوبٌ، فَيُنَادِي جِبْرِيلَ فَيُلَبِّيهِ، فَيَقُولُ: أُمِرْتَ بِكَذَا أُمِرْتَ بِكَذَا، فَيَهْبِطُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ فَيُوحِي إِلَيْهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ عَنْ أبي بكر الهذلي قَالَ: إِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْأَمْرِ
стр. 397
تَدَلَّتِ الْأَلْوَاحُ عَلَى إِسْرَافِيلَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَيَنْظُرُ فِيهَا إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلَ فَيُجِيبُهُ. وَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أبي سنان قَالَ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِشَيْءٍ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ، فَيَجِيءُ اللَّوْحُ حَتَّى يَقْرَعَ جَبْهَةَ إِسْرَافِيلَ، فَيَنْظُرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ دَفَعَهُ إِلَى مِيكَائِيلَ، وَإِنْ كَانَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ دَفَعَهُ إِلَى جِبْرِيلَ. الْحَدِيثَ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ اسْتَوْفَيْتُهَا فِي كِتَابِي الَّذِي أَلَّفْتُهُ فِي أَخْبَارِ الْمَلَائِكَةِ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ عبد الرحمن بن سابط قَالَ: يُدَبِّرُ أَمْرَ الدُّنْيَا أَرْبَعَةٌ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ وَإِسْرَافِيلُ، فَأَمَّا جِبْرِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِالرِّيَاحِ وَالْجُنُودِ، وَأَمَّا مِيكَائِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِالْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ، وَأَمَّا مَلَكُ الْمَوْتِ فَمُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَأَمَّا إِسْرَافِيلُ فَهُوَ يَنْزِلُ بِالْأَمْرِ عَلَيْهِمْ. وَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عكرمة بن خالد: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمَلَائِكَةِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: " جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، فَأَمَّا جِبْرِيلُ صَاحِبُ الْحَرْبِ وَصَاحِبُ الْمُرْسَلِينَ، وَأَمَّا مِيكَائِيلُ فَصَاحِبُ الْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ، وَأَمَّا مَلَكُ الْمَوْتِ فَمُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَأَمَّا إِسْرَافِيلُ فَأَمِينُ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ» ".
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ خِلَافِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْخُذُ الْوَحْيَ مِنْ إِسْرَافِيلَ، وَإِسْرَافِيلُ يَأْخُذُهُ مِمَّا كُتِبَ تِلْكَ السَّاعَةَ فِي اللَّوْحِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ لِمَنْ تَأَمَّلَ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ.
وَقَوْلُ السَّائِلِ: أَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ لِلنَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ لِلنَّبِيِّ الْعِبْرَانِيِّ.
جَوَابُهُ: مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: لَمْ يَنْزِلْ وَحْيٌ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ تَرْجَمَ كُلُّ نَبِيٍّ لِقَوْمِهِ. وَقَوْلُهُ: هَلْ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ إِلَى جِبْرِيلِ أَوْ جِبْرِيلُ الْمُتَلَقِّي مِنَ اللَّهِ؟ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا شَاهِدٌ لِلْأَوَّلِ وَبَعْضُهَا شَاهِدٌ لِلثَّانِي.
وَقَوْلُهُ: مَا كَيْفِيَّةُ نُزُولِهِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ؟ ذَكَرَ علي بن سهل النيسابوري فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ حَفِظَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فَأَمْلَاهُ عَلَى السَّفَرَةِ الْكَتَبَةُ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] وَتَابَعَهُ الْإِمَامُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ جَمَالِ الْقُرَّاءِ: نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَمَرَهُ سُبْحَانَهُ بِإِمْلَائِهِ عَلَى السَّفَرَةِ الْكِرَامِ وَإِنْسَاخِهِمْ إِيَّاهُ وَتِلَاوَتِهِمْ لَهُ. وَأَمَّا سُؤَالُ الْقَلَمِ فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ أَجْرَاهُ بِالْكِتَابَةِ لِمَا هُوَ كَائِنٌ، بِقُدْرَةٍ مِنَ اللَّهِ لَا بِالْإِمْلَاءِ وَلَا بِالْإِلْهَامِ ; لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا يَكُونَانِ لِلْحَيَوَانِ، وَالْقَلَمُ مِنْ نَوْعِ الْجَمَادِ، وَخِطَابُهُ وَرَدُّهُ الْجَوَابَ مِنْ
стр. 398
بَابِ خِطَابِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْعَرْشَ اسْتَوَى عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْرِيَ بِإِذْنِهِ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ. فَقَوْلُهُ: بِإِذْنِهِ ; أَيْ بِقُدْرَتِهِ، أَيْ أَوْجَدَ الْكِتَابَةَ فِي اللَّوْحِ بِمَرِّ الْقَلَمِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقَلَمَ فَكَتَبَ بِهِ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِدْخَالُ بَاءِ الْآلَةِ عَلَيْهِ وَإِسْنَادُ كَتَبَ إِلَى اللَّهِ، صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَلَمَ آلَةٌ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُ السَّائِلِ: وَكَيْفَ أَخَذَ الْمَلَكُ الْوَحْيَ مِنَ اللَّوْحِ. . . إِلَى آخِرِهِ؟
جَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَثَرِ كعب وَشِبْهِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَهَلْ تَنَامُ الْمَلَائِكَةُ؟ لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] أَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠] إِلَى آخِرِهِ، مِنْ جُمْلَةِ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَرْضُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَشْيَاءَ أُخَرَ بَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ، وَمِنْهُ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِبَيَانِهِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ ادَّعَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كَلِمَةٍ بِقَدْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَالِاشْتِغَالَ بِهَا أَفْضَلُ مِنَ الْقُرْآنِ، يَعْنِي التِّلَاوَةَ وَالذِّكْرَ، مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ كَلِمَةٍ قُلْتُهَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» "، فَهَلْ مَا يَقُولُ مُسْتَقِيمٌ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : " «فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» "؟ وَأَيْضًا فَالْقُرْآنُ تَحْرُمُ تِلَاوَتُهُ عَلَى الْجُنُبِ وَمَسُّهُ عَلَى الْمُحْدِثِ، بِخِلَافِ الذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ.
الْجَوَابُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ، فَتَفْضِيلُهَا عَلَى بَقِيَّةِ كَلِمَاتِهِ مِنْ بَابِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، لَا مِنْ بَابِ تَفْضِيلِ غَيْرِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقُرْآنِ.
مَسْأَلَةٌ: مَا كَيْفِيَّةُ مَا حُزِّبَ الْقُرْآنُ هَلْ هُوَ بَعَدِّ الْآيَاتِ أَمْ غَيْرِهَا؟
الْجَوَابُ: حُزِّبَ بَعْضُ الْحُرُوفِ لَا الْآيَاتُ وَلَا الْكَلِمَاتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 399
[الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةُ] [ كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [ مسائل متفرقة]
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
مَسْأَلَةٌ: مَا قَوْلُكُمْ فِي حَدِيثِ: " «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ» " أَخْرَجَهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ، هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ ضَعِيفٌ؟ وَمَا وَجْهُ ضَعْفِهِ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ أَوِ الْمَعْنَى؟ وَكَذَا حَدِيثُ: " «الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ» " هَلْ خَرَّجَهُ أَحَدٌ؟ فَإِنَّ المنذري فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ قَالَ: لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ خَرَّجَهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ، وَالْمَسْئُولُ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَبْيِينُ صِحَّتِهِمَا وَمَعَانِيهِمَا.
الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ضَعِيفٌ، صَرَّحَ بِضَعْفِهِ جَمَاعَةٌ، وَسَبَبُهُ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الْأَفْرِيقِيَّ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ الْإِمَامُ أحمد: نَحْنُ لَا نَرْوِي عَنْهُ شَيْئًا، لَكِنْ أبو داود إِذْ رَوَاهُ سَكَتَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّ مَا رُوِّيتُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَمْ أُضَعِّفْهُ فَهُوَ صَالِحٌ - يَعْنِي لِلِاحْتِجَاجِ - وَالصَّالِحُ لَهُ إِمَّا صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ حَسَنًا ; لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى ضَعْفِهِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُعَظِّمُهُ وَيَعْرِفُ حَقَّهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَضْعِيفُ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْوُضُوءُ حَسَنَةٌ، فَمَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ " كُتِبَ لَهُ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَلَمْ نَرَ أَحَدًا أَخْرَجَهُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ المنذري، وَكَذَا قَالَ الحافظ زين الدين العراقي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: إِنَّ رزينا أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَعْنَاهُ أَيْضًا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُكْسِبُ أَعْضَاءَهُ نُورًا، وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَضَاءَةِ، وَدَلِيلُهُ قَضِيَّةُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ، فَكَانَ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ يُقَوِّي ذَلِكَ النُّورَ وَيَزِيدُهُ ; إِذْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ مِنَ الْحَدَثِ مَا يَقْتَضِي سَتْرَهُ، وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ شرف الدين المناوي يَذْكُرُ لَنَا أَنَّ الصَّالِحِينَ يُشَاهِدُونَ الْحَدَثَ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَيُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ حَدِيثٌ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْقَدْرِ بَعْدَ الْوُضُوءِ؟ وَمَا حَالُهُ؟
стр. 400
الْجَوَابُ: رَوَى الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ أبي عبيدة، عَنِ الحسن، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ فِي أَثَرِ وُضُوئِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنَ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا حَشَرَهُ اللَّهُ مَحْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ» . وأبو عبيدة مَجْهُولٌ.
مَسْأَلَةٌ: مَا قَوْلُكُمْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أبو داود: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ فَقَالَ: " مَنْ فَعَلَ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» هَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ؟ .
الْجَوَابُ: لَيْسَ لَفْظُ الْحَدِيثِ هَكَذَا، إِنَّمَا لَفْظُهُ: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» . هَكَذَا هُوَ فِي سُنَنِ أبي داود وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، كَمَا قَالَهُ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ رَاجِعٌ إِلَى الْإِيتَارِ، وَهُوَ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ.
[الْأَخْبَارُ الْمَأْثُورَةُ فِي الِاطِّلَاءِ بِالنُّورَةِ]
[حكم الِاطِّلَاءِ بِالنُّورَةِ]
٣٨ - الْأَخْبَارُ الْمَأْثُورَةُ فِي الِاطِّلَاءِ بِالنُّورَةِ.
مَسْأَلَةٌ: مَا قَوْلُكُمْ فِي الِاطِّلَاءِ بِالنُّورَةِ، هَلْ هُوَ سُنَّةٌ مَأْثُورَةٌ عَنِ الشَّارِعِ أَمْ لَا؟ وَهَلِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ ثَابِتَةٌ أَمْ لَا؟ كَحَدِيثِ أم سلمة الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا طَلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ بِالنُّورَةِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ كُلِّهِ» ، وَحَدِيثِ عائشة الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَتْ: «اطَّلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنُّورَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَيْكُمْ بِالنُّورَةِ؛ فَإِنَّهَا طَيِّبَةٌ وَطَهُورٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُ بِهَا عَنْكُمْ أَوْسَاخَكُمْ وَأَشْعَارَكُمْ» فَإِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ، فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا أَخْرَجَهُ أبو حاتم عَنْ أَنَسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَنَوَّرُ، فَإِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ» ؟ وَقَوْلِ الشَّيْخِ محيي الدين النووي فِي فَتَاوِيهِ: لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ مَرْفُوعَةً وَمَوْقُوفَةً وَمَقْطُوعَةً، مَوْصُولَةً وَمُرْسَلَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِاسْتِعْمَالِ النُّورَةِ، فَهِيَ مُبَاحَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وَهَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا سُنَّةٌ؟ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهَا كَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى السُّنَّةِ، فَقَدْ يُقَالُ هُنَا: إِنَّ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي لَا يَدُلُّ فِعْلُهُ لَهَا عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ
стр. 401
كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي فَعَلَهَا وَلَمْ تُوصَفْ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهَا سُنَّةٌ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الِاقْتِدَاءِ، وَقَدْ يُقَالُ فِيهَا بِالِاسْتِحْبَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَخَفُّ مَرْتَبَةً مِنَ السُّنَّةِ، وَمَحَلُّ هَذَا كُلِّهِ مَا لَمْ يَقْصِدِ الْمُتَنَوِّرُ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِعْلِهِ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ ذَلِكَ فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ مَأْجُورٌ وَآتٍ بِسُنَّةٍ.
[ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَنَّهُ ﷺ تَنَوَّرَ]
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا علي بن محمد، ثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أم سلمة ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اطَّلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ» ، قَالَ الحافظ عماد الدين ابن كثير فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي الْحَمَّامِ: هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وعبد الرحمن بن عبد الله هَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ أَنَّهُ أبو سعيد مولى بني هاشم، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ علي بن محمد، عَنْ إسحاق بن منصور، عَنْ كامل أبي العلاء، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أم سلمة، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اطَّلَى وَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ» ، وَقَدْ رَوَاهُ عبد الرزاق عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ منصور عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلًا، وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. انْتَهَى كَلَامُ ابن كثير. قُلْتُ: وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ، قَالَ الْخَرَائِطِيُّ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ: حَدَّثَنَا القنطري، ثَنَا يزيد بن خالد بن يزيد، ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ كهيل، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أم سلمة، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنَوِّرُهُ الرَّجُلُ، فَإِذَا بَلَغَ مَرَاقَّهُ تَوَلَّى هُوَ ذَلِكَ» ، وَقَالَ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن صالح الوزان، ثَنَا سليمان بن سلمة الجنائزي، ثَنَا سليمان بن ناشرة قَالَ: «سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيَّ يَقُولُ: كَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَارًا لِي، فَكَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، فَقُلْتُ: وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْخُلُ الْحَمَّامَ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَكَانَ يَتَنَوَّرُ» . أَخْرَجَهُ يعقوب بن سفيان فِي تَارِيخِهِ عَنْ سليمان بن سلمة الحمصي، ثَنَا بقية، ثَنَا سليمان بن ناشرة بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فَاتَ ابن كثير. وَأَخْرَجَهُ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ موسى بن أيوب، عَنْ بقية، عَنْ عمر بن سليمان الدمشقي، عَنْ مكحول، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 402
خَيْبَرَ جُعِلَتْ لَهُ مَائِدَةٌ، فَأَكَلَ مُتَّكِئًا وَاطَّلَى وَأَصَابَتْهُ الشَّمْسُ وَلَبِسَ الظُّلَّةَ، قَالَ أحمد: سَأَلْتُ آدم: مَا الظُّلَّةُ؟ قَالَ: الْبُرْطُلَّةُ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِهِ» . وَهَذَا أَيْضًا فَاتَ ابن كثير.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: ثَنَا هشيم عَنْ أبي المشرفي - ليث بن أبي راشد - عَنْ أبي معشر، عَنْ إبراهيم قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اطَّلَى وَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ» . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ هشيم وشريك، كِلَاهُمَا عَنْ أبي المشرفي بِهِ، قَالَ ابن كثير: وَهُوَ مُرْسَلٌ يَتَقَوَّى بِالْمَوْصُولِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: ثَنَا الصفدي بن سنان العقيلي، عَنْ محمد بن الزبير الحنظلي، عَنْ مكحول قَالَ: «لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ أَكَلَ مُتَّكِئًا وَتَنَوَّرَ» .
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ فَاتَ ابن كثير فَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَهُوَ مُرْسَلٌ. وَقَالَ أبو داود فِي الْمَرَاسِيلِ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، عَنْ عبد الواحد - هو ابن زياد - عَنْ صالح بن صالح، عَنْ أبي معشر زياد بن كليب، «أَنَّ رَجُلًا نَوَّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْعَانَةَ كَفَّ الرَّجُلُ، وَنَوَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ» . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى. وَفِي تَارِيخِ ابن عساكر بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَوَّرُ كُلَّ شَهْرٍ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ كُلَّ خَمْسَ عَشْرَةَ» . هَذَا الْحَدِيثُ فَاتَ ابن كثير، وَفِيهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ وَهِيَ ذِكْرُ التَّوْقِيتِ.
[ذِكْرُ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ]
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ يعلى بن مرة الثقفي قَالَ: «اطَّلَيْتُ يَوْمًا ثُمَّ تَخَلَّقْتُ بِزَعْفَرَانٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَنَاوَلْتُهُ يَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيَّ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي عَلَى يَدِكَ؟ قُلْتُ: إِنِّي تَنَوَّرْتُ ثُمَّ تَخَلَّقْتُ، فَقَالَ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَلَكَ سُرِّيَّةٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَاغْسِلْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَانْطَلَقْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَصَلَّى عَلَيَّ» . وَأَخْرَجَ مسدد فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ فَيُنَوِّرُهُ صَاحِبُ الْحَمَّامِ، فَإِذَا بَلَغَ حِقْوَهُ قَالَ لِصَاحِبِ الْحَمَّامِ: اخْرُجْ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ قَالَ: كَانَ ثَوْبَانُ جَارًا لَنَا، وَكَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَيَتَنَوَّرُ.
стр. 403
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أسامة بن زيد الليثي عَنْ نافع قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَطَّلِي فَيَأْمُرُنِي أَطْلِيهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ سَفَلَتَهُ وَلِيَهَا هُوَ، وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيُّ عَنْ مكحول قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشَّامَ دَخَلُوا الْحَمَّامَاتِ وَاطَّلَوْا بِالنُّورَةِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافع، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَكَانَ يَتَنَوَّرُ فِي الْبَيْتِ وَيَلْبَسُ إِزَارًا، وَيَأْمُرُنِي أَطْلِي مَا ظَهَرَ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْمُرُنِي أَنْ أُؤَخَّرَ عَنْهُ فَيَلِيَ فَرْجَهُ، وَأَخْرَجَ عبد الرزاق عَنْ أم كلثوم قَالَتْ: أَمَرَتْنِي عائشة فَطَلَيْتُهَا بِالنُّورَةِ، ثُمَّ طَلَيْتُهَا بِالْحِنَّاءِ عَلَى أَثَرِهَا مَا بَيْنَ قَرْنِهَا إِلَى قَدَمِهَا، مِنْ حَصْبَاءَ كَانَتْ بِهَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ: حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، عَنْ كامل، عَنْ حبيب قَالَ: دَخَلَ الْحَمَّامَ عطاء وطاووس وَمُجَاهِدٌ، فَاطَّلَوْا فِيهِ، وَحَدَّثَنَا أبو أسامة عَنْ عمر بن حمزة أَنَّ سالما اطَّلَى مَرَّةً.
وَأَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ أبي عثمان والربيع وأبي حارثة قَالَ: بَلَغَ عمر أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَتَدَلَّكَ بَعْدَ النُّورَةِ بِخُبْزِ عُصْفُرٍ مَعْجُونٍ بِخَمْرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَدَلَّكْتَ بِخَمْرٍ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ وَبَاطِنَهَا، وَقَدْ حَرَّمَ مَسَّ الْخَمْرِ كَمَا حَرَّمَ شُرْبَهَا، فَلَا تُمِسُّوهَا أَجْسَامَكُمْ فَإِنَّهَا نَجَسٌ.
[ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَنَوَّرْ]
قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ: حَدَّثَنَا حسين بن علي، عَنْ زائدة، عَنْ هشام، عَنِ الحسن - هو البصري - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر وعمر لَا يَطَّلُونَ» . قَالَ ابن كثير: هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الحسن، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهَا، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: مَا أَدْرِي مَنْ أَخْبَرَنِي عَنْ قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَنَوَّرْ» . وَأَخْرَجَ أبو داود فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سعيد، عَنْ قَتَادَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَنَوَّرْ وَلَا أبو بكر وَلَا عمر وَلَا عثمان» ، كِلَاهُمَا مُنْقَطِعٌ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مسلم الملائي عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَتَنَوَّرُ، فَإِذَا كَثُرَ شَعَرُهُ حَلَقَهُ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مسلم الملائي ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ أَخَذَهُ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ.
قُلْتُ: فَرَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَوَّلًا ضَعِيفٌ، وَثَانِيًا مَعَارَضٌ
стр. 404
بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْهُ سَنَدًا وَأَكْثَرُ عَدَدًا، وَثَالِثًا أَنَّ تِلْكَ مُثْبِتَةٌ وَهَذَا نَافٍ، وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ تَقْدِيمُ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي، خُصُوصًا أَنَّ الَّتِي رَوَتِ الْإِثْبَاتَ بَاشَرَتِ الْوَاقِعَةَ، وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ أَجْدَرُ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ ; فَإِنَّهَا مِمَّا يُفْعَلُ فِي الْخَلْوَةِ غَالِبًا، لَا بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَجْوِبَةٍ، وَسَادِسٌ: وَهُوَ أَنَّهُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَتَارَةً كَانَ يَتَنَوَّرُ وَتَارَةً كَانَ يَحْلِقُ وَلَا يَتَنَوَّرُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَتَقَدَّمَ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَوَّرُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ عَنْ مسكين بن عبد العزيز، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَارِيَتُهُ تَحْلِقُ عَنْهُ الشَّعَرَ، فَقَالَ: إِنَّ النُّورَةَ تُرِقُّ الْجِلْدَ. فَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، هَذَا فِي أَوْقَاتٍ وَهَذَا فِي أَوْقَاتٍ، نَعَمْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّنَوُّرَ وَيُعَلِّلُهُ بِأَنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا حبان بن علي، عَنْ محمد بن قيس الأسدي، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَطِيبُ بِالْحَدِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَنَوَّرُ؟ قَالَ: إِنَّهَا مِنَ النَّعِيمِ وَأَنَا أَكْرَهُهَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وكيع، عَنْ محمد بن قيس الأسدي، عَنْ علي بن أبي عائشة قَالَ: كَانَ عمر رَجُلًا أَهْدَبَ، وَكَانَ يَحْلِقُ عَنْهُ الشِّعَرَ، وَذُكِرَتْ لَهُ النُّورَةُ فَقَالَ: النُّورَةُ مِنَ النَّعِيمِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الْإِكْثَارَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ: حَدَّثَنَا بقية، حَدَّثَنِي أرطاة بن المنذر، حَدَّثَنِي بَعْضُهُمْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَمَّامِ، وَكَثْرَةَ طِلَاءِ النُّورَةِ، وَالتَّوَطِّيَ عَلَى الْفُرُشِ ; فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ. فَهَذَا الْأَثَرُ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ، وَأَوْلَى مَا اعْتُمِدَ فِي التَّوْقِيتِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقُ، وَهُوَ التَّنَوُّرُ كُلَّ شَهْرٍ، فَيُكْرَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ لِلْخَرَائِطِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا حماد بن الحسن بن عنبسة الوراق، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَطَّابِ، ثَنَا حميد - يعني ابن يعقوب مولى بني هاشم، وَكَانَ ثِقَةً - عَنِ العباس بن فضل، عَنِ القاسم، عَنْ أبي حازم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَكْذِبُوا، فَوَاللَّهِ مَا اطَّلَى نَبِيٌّ قَطُّ، لَكِنْ قَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: مَا اطَّلَى نَبِيٌّ قَطُّ ; أَيْ: مَا مَالَ إِلَى هَوَاهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ مَيْلِ الطُّلَى، وَهِيَ الْأَعْنَاقُ، وَاحِدَتُهَا طُلَاةٌ، يُقَالُ: أَطْلَى الرَّجُلُ إِطْلَاءً: إِذَا مَالَتْ عُنُقُهُ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ. انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُلَخَّصِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ فِي حَدِيثِهِ ﵇: «مَا
стр. 405
أَطْلَى نَبِيٌّ قَطُّ» : أَيْ: مَا مَالَتْ طُلَاتُهُ، أَيْ عُنُقُهُ، أَيْ مَا جَارَ، وَقَالَ عبد الغافر الفارسي فِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ: فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: مَا أَطْلَى نَبِيٌّ قَطُّ - أَيْ مَا مَالَ إِلَى هَوًى - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَيْلُ عُنُقِ الْإِنْسَانِ، يُقَالُ: أَطْلَى الرَّجُلُ ; أَيْ مَالَتْ عُنُقُهُ لِلْمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا صَاحِبُ الْقَامُوسِ.
خَاتِمَةٌ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ» ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بلقيس: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤] فَإِذَا هِيَ شَعْرَاءُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا يُذْهِبُهُ؟ قَالُوا: يُذْهِبُهُ الْمُوسَى، قَالَ: أَثَرُ الْمُوسَى قَبِيحٌ، فَجَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ النُّورَةَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُعِلَتْ لَهُ النُّورَةُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مِثْلَهُ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السدي فِي الْقِصَّةِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ صَنَعُوا لَهُ نُورَةً مِنْ أَصْدَافٍ فَطَلَوْهَا فَذَهَبَ الشَّعَرُ.
стр. 406
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] [ مسائل متفرقة]
مَسْأَلَةٌ: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اسْكُنُوا، وَخَرَجَ وَاغْتَسَلَ وَعَادَ وَتَحَرَّمَ بِهِمْ» ، هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ ظَاهِرٌ أَمْ لَا؟ وَقَوْلُ الأسنوي: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ أَنْشَئُوا اقْتِدَاءً جَدِيدًا، هَلْ عُلِمَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أَوْ طَرِيقٍ، وَهَلْ عُيِّنَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ؟
الْجَوَابُ: الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ، أَيْ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ ; لِأَنَّهُمْ تَابَعُوهُ بَعْدَ عَوْدِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْمُتَابَعَةُ إِلَّا بَعْدَ إِنْشَاءِ اقْتِدَاءٍ جَدِيدٍ ; لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ الْأَوَّلَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الصُّبْحُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ» ، فَهَلْ كَانَ ذَلِكَ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنَ الْقُنُوتِ الَّذِي هُوَ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، إِلَى آخِرِهِ، أَمِ ابْتَدَأَ بِهِ دُونَهُ؟
الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الْقُنُوتِ الَّذِي هُوَ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا إِلَى آخِرِهِ، وَبَيْنَ الدُّعَاءِ عَلَى الْقَوْمِ، بَلْ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي قُنُوتِهِ عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ» هَلْ وَرَدَ؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الحاكم وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ أَيْضًا، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جابر عَنْ علي، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ عَنْ عائشة، وَأَسَانِيدُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ.
مَسْأَلَةٌ: قَدْ كَرِهَ الْفُقَهَاءُ أَنْ يُقَالَ لِلْعِشَاءِ: عَتَمَةٌ، فَكَيْفَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَشَهِدُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» .
الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ مِنْ أَوْجُهٍ، الْأَوَّلُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ
стр. 407
تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً. الثَّانِي: أَنَّهُ جَرَى عَلَى مَا اشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﷺ : " «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» " وَقَدْ نَهَى أَنْ يُحْلَفَ بِالْآبَاءِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ جَرَى عَلَى الْأَلْسِنَةِ. الثَّالِثُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: مَا فِي الْعِشَاءِ أَوِ الصُّبْحِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً. الرَّابِعُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ لِبَيَانِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَسْمِيَتِهَا بِهِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ حَدِيثُ: " «لَا تُسَوِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ» "؟
الْجَوَابُ: لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ أَنَّ بلالا أَوْ غَيْرَهُ أَذَّنَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ؟
الْجَوَابُ: وَرَدَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، وَالْمَشْهُورُ الَّذِي صَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤَذِّنْ قَبْلَهَا بلال وَلَا غَيْرُهُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» هَلِ الْمُرَادُ الْكَمَالُ أَوْ عَدَمُ الصِّحَّةِ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا وَلَا هَذَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي النَّفْيِ الْمُرَادِ بِهِ النَّفْيُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا النَّفْيُ هُنَا فَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، أَيْ لَا تُصَلُّوا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالك، عَنْ أبي حازم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ، قَالَ أبو حازم: لَا أَعْلَمُ إِلَّا يُنْمَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ أبو عبد الله: وَقَالَ إسماعيل: يَنْمِي ذَلِكَ - وَلَمْ يَقُلْ: يُنْمِي بِرَفْعِ الْيَاءِ - هَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: يُنْمِي ذَلِكَ - بِرَفْعِ الْيَاءِ - وَلَمْ يَقُلْ: يَنْمِي - أَيْ بِالْفَتْحِ - فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ - يَنْمِي ذَلِكَ - وَلَمْ يَقُلْ: يُنْمَى بِرَفْعِ الْيَاءِ، وَمَا وَجْهُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ وَمَا الرِّوَايَةُ فِيهِ؟
الْجَوَابُ: مَعْنَاهُ قَالَ إسماعيل: يُنْمَى، بِضَمِّ الْيَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَلَمْ يَقُلْ: يَنْمِي، بِالْفَتْحِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.
стр. 408
مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: «سَلِّمُوا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا تُسَلِّمُوا عَلَى يَهُودِ أُمَّتِي " قِيلَ: وَمَنْ يَهُودُ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: " تُرَّاكُ الصَّلَاةِ» هَلْ وَرَدَ؟
الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَأُورِدَ فِي الْفِرْدَوْسِ بِلَفْظِ: «وَلَا تُسَلِّمُوا عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ» وَبَيَّضَ لَهُ وَلَدُهُ فِي مُسْنَدِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا.
مَسْأَلَةٌ: مِنَ التَّكْرُورِ - مَا الْفَرْقُ بَيْنَ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَاهُمْ عَنْ بَيْعِ بُيُوتِهِمْ حِينَ أَرَادُوا بَيْعَهَا بِسَبَبِ بُعْدِهَا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُمْ ﷺ : " إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا» . وَبَيْنَ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَضْلُ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ عَلَى الدَّارِ الشَّاسِعَةِ كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى الْقَاعِدِ» خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؟
الْجَوَابُ: لَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ; فَإِنَّ كُلَّ وَاقِعَةٍ لَهَا حُكْمٌ يَخُصُّهَا، وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ وَرَدَتْ فِي تَفْضِيلِ مَيَامِينِ الصُّفُوفِ، فَلَمَّا رَغِبَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَطَّلُوا مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ قَدْ تَعَطَّلَتْ، فَقَالَ: «مَنْ عَمَّرَ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ كُتِبَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ» ، فَأَعْطَى أَهْلَ الْمَيْسَرَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ضِعْفَ مَا لِأَهْلِ الْمَيْمَنَةِ مِنَ الْأَجْرِ، وَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ هَذِهِ الْحَالَةَ لَمَّا صَارَتْ مُعَطَّلَةً، وَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ أَصْلُ الْقَضِيَّةِ تَفْضِيلُ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ عَلَى الْبَعِيدَةِ مِنْهَا، فَلَمَّا ثَبَتَ لَهَا هَذَا الْفَضْلُ رَغِبَ كُلُّ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يُغَيِّرُوا ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ وَيَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعَرَّى ظَاهِرُ الْمَدِينَةِ، فَأَعْطَاهُمْ هَذَا الْفَضْلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَنَزَلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] وَقَالَ ﷺ حِينَ نَزَلَتِ الْآيَةُ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارُكُمْ تَكْتُبُ آثَارَكُمْ» .
مَسْأَلَةٌ: فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ» إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَوْلُهُ: وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هريرة: «إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ وَيُحِبُّ الْعُطَاسَ فِي الصَّلَاةِ» ، قَالَ الحافظ ابن حجر: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ
стр. 409
مَوْقُوفٌ. وَفِي حَدِيثِ عبد الرزاق عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «سَبْعٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَذَكَرَ مِنْهَا شِدَّةَ الْعُطَاسِ» . مَا الْجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: الْمَقَامُ مَقَامَانِ: مَقَامُ الْإِطْلَاقِ وَمَقَامٌ نِسْبِيٌّ، فَأَمَّا مَقَامُ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ التَّثَاؤُبَ وَالْعُطَاسَ فِي الصَّلَاةِ كِلَاهُمَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ، وَأَمَّا الْمَقَامُ النِّسْبِيُّ، فَإِذَا وَقَعَا فِي الصَّلَاةِ مَعَ كَوْنِهِمَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَالْعُطَاسُ فِي الصَّلَاةِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ التَّثَاؤُبِ فِيهَا، وَالتَّثَاؤُبُ فِيهَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنَ الْعُطَاسِ فِيهَا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ أَثَرُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى تَفَاوُتِ رُتَبِ بَعْضِ الْمَكْرُوهِ عَلَى بَعْضٍ، هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ لَفْظِ (فِي الصَّلَاةِ) فِي الْأَثَرِ.
[الْجَوَابُ الْحَزْمُ عَنْ حَدِيثِ التَّكْبِيرُ جَزْمٌ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ ﵊: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ تَأْيِيدًا لِمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَنْطِقْ بِالتَّكْبِيرِ إِلَّا مَجْزُومًا، هَلِ الْحَدِيثُ ثَابِتٌ أَمْ لَا؟ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ ضَعِيفٌ؟ وَمَنْ خَرَّجَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ؟ وَمَنْ رِجَالُهُ وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلْكَلَامِ عَلَى سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ؟ وَمَا التَّحْقِيقُ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ، هَلْ يُشْتَرَطُ الْجَزْمُ فِيهَا أَوْ لَا؟ وَهَلْ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِيهَا نَصٌّ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: أَمَّا الْحَدِيثُ فَغَيْرُ ثَابِتٍ، قَالَ الْحَافِظُ أبو الفضل ابن حجر فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: حَدِيثُ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى إِسْنَادِهِ عَنِ النَّخَعِيِّ، قَالَ عبد الرزاق فِي مُصَنَّفِهِ: عَنْ يحيى بن العلاء عَنْ مغيرة قَالَ: قَالَ إبراهيم: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، يَقُولُ: لَا يُمَدُّ - هَكَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ مُفَسَّرًا - وَهَذَا التَّفْسِيرُ إِمَّا مِنَ الرَّاوِي عَنِ النَّخَعِيِّ أَوْ مِنْ يحيى أَوْ مِنْ عبد الرزاق، وَكُلٌّ مِنْهُمْ أَوْلَى بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْأَثَرِ، وَفَسَّرَهُ بِذَلِكَ أَيْضًا الْإِمَامُ الرافعي فِي الشَّرْحِ، وابن الأثير فِي النِّهَايَةِ، وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَأَغْرَبَ المحب الطبري فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا يُمَدُّ وَلَا يُعْرَبُ، بَلْ يُسَكَّنُ آخِرُهُ. وَهَذَا الثَّانِي مَرْدُودٌ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا مُخَالَفَتُهُ لِتَفْسِيرِ الرَّاوِي، وَالرُّجُوعُ إِلَى تَفْسِيرِ الرَّاوِي أَوْلَى كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، الثَّانِي مُخَالَفَتُهُ لِمَا فَسَّرَهُ بِهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، الثَّالِثُ أَنَّ إِطْلَاقَ الْجَزْمِ عَلَى حَذْفِ الْحَرَكَةِ الْإِعْرَابِيَّةِ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَنْطِقْ بِالتَّكْبِيرِ إِلَّا مَجْزُومًا، فَلَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ
стр. 410
وَإِنْ كَانَ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ ﷺ ; لِأَنَّ فَصَاحَتَهُ الْعَظِيمَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَأَمَّا هَلْ يُشْتَرَطُ الْجَزْمُ؟ فَجَوَابُهُ: لَا، بَلْ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ بِالْحَرَكَةِ صَحَّ تَكْبِيرُهُ وَانْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ قُصَارَى أَمْرِهِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِالْحَرَكَةِ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ، وَهُوَ دُونَ اللَّحْنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ لَحَنَ بِأَنْ نَصَبَ الْجَلَالَةَ مَثَلًا، لَمْ يَضُرَّهُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، كَمَا لَوْ لَحَنَ فِي الْفَاتِحَةِ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى ; فَإِنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا هَلْ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ نَصٌّ فِي ذَلِكَ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ غَالِبُ الْأَصْحَابِ اكْتِفَاءً بِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي اللَّحْنِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَمَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ كالمحب الطبري فَكَلَامُهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ لَا فِي الِاشْتِرَاطِ، بِقَرِينَةِ ذِكْرِ ذَلِكَ مَعَ مَسْأَلَةِ الْمَدِّ، وَمَدُّ التَّكْبِيرِ لَا يُبْطِلُ بِلَا خِلَافٍ، وَحَذْفُهُ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، نَعَمْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى جَزْمِ التَّكْبِيرِ بِمَعْنَى حَذْفِهِ وَعَدَمِ مَدِّهِ وَتَمْطِيطِهِ.
[الْمَصَابِيحُ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَبَعْدُ، فَقَدْ سُئِلْتُ مَرَّاتٍ: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ التَّرَاوِيحَ وَهِيَ الْعِشْرُونَ رَكْعَةً الْمَعْهُودَةَ الْآنَ؟ وَأَنَا أُجِيبُ بِلَا، وَلَا يُقْنَعُ مِنِّي بِذَلِكَ، فَأَرَدْتُ تَحْرِيرَ الْقَوْلِ فِيهَا، فَأَقُولُ: الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَالْحِسَانُ وَالضَّعِيفَةُ الْأَمْرُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ، وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِعَدَدٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَإِنَّمَا صَلَّى لَيَالِيَ صَلَاةً لَمْ يُذْكَرْ عَدَدُهَا ثُمَّ تَأَخَّرَ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ ; خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ، لَا يَصْلُحُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَأَنَا أُورِدُهُ وَأُبَيِّنُ وَهَاءَهُ، ثُمَّ أُبَيِّنُ مَا ثَبَتَ بِخِلَافِهِ. رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يزيد، أَنَا إبراهيم بن عثمان، عَنِ الحكم بن مقسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوَتْرَ» " أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ: ثَنَا أبو نعيم، ثَنَا أَبُو شيبة - يعني إبراهيم بن عثمان - بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: ثَنَا منصور بن أبي مزاحم، ثَنَا أبو شيبة بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، أَيْ مِنْ طَرِيقِ أبي شيبة أَيْضًا , قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، قَالَ الذهبي فِي الْمِيزَانِ: إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الكوفي قاضي واسط يَرْوِي عَنْ زَوْجِ أُمِّهِ الحكم بن عيينة، كَذَّبَهُ شُعْبَةُ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَكَتُوا عَنْهُ،
стр. 411
وَهِيَ مِنْ صِيَغِ التَّجْرِيحِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، قَالَ الذهبي: وَمِنْ مَنَاكِيرِهِ مَا رَوَاهُ عَنِ الحكم بن مقسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوَتْرَ» ، قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ لَهُ عَنِ الحكم عِدَّةُ أَحَادِيثَ، مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنَ الْحَكَمِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ: «مَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ إِلَّا فِي آدَارَ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي آدَارَ» . وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. انْتَهَى كَلَامُ الذهبي. وَقَالَ المزني فِي تَهْذِيبِهِ: أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ لَهُ مَنَاكِيرُ، مِنْهَا حَدِيثُ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوَتْرَ» ، قَالَ: وَقَدْ ضَعَّفَهُ أحمد وَابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وأبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ والأحوص بن المفضل الغلابي، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الجوزجاني: سَاقِطٌ، وَقَالَ أبو علي النيسابوري: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ صالح بن محمد البغدادي: ضَعِيفٌ، لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَقَالَ معاذ العنبري: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ أَسْأَلُهُ عَنْهُ: أَرْوِي عَنْهُ؟ قَالَ: لَا تَرْوِ عَنْهُ ; فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَذْمُومٌ. انْتَهَى. وَمَنِ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَضْعِيفِهِ لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ، مَعَ أَنَّ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ الْمُطَّلِعَيْنِ الْحَافِظَيْنِ الْمُسْتَوْعِبَيْنِ حَكَيَا فِيهِ مَا حَكَيَا وَلَمْ يَنْقُلَا عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ وَثَّقَهُ وَلَا بِأَدْنَى مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ، وَقَدْ قَالَ الذهبي، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ فِي نَقْدِ الرِّجَالِ: لَمْ يَتَّفِقِ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَنِّ عَلَى تَجْرِيحِ ثِقَةٍ وَلَا تَوْثِيقِ ضَعِيفٍ، وَمَنْ يُكَذِّبُهُ مِثْلُ شُعْبَةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى حَدِيثِهِ، مَعَ تَصْرِيحِ الْحَافِظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ نَقْلًا عَنِ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ كِفَايَةٌ فِي رَدِّهِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمَرْدُودِ بِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّ عائشة سُئِلَتْ عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» .
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عمر أَنَّهُ قَالَ فِي التَّرَاوِيحِ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ، فَسَمَّاهَا بِدْعَةً، يَعْنِي بِدْعَةً حَسَنَةً، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام، حَيْثُ قَسَّمَ الْبِدْعَةَ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ وَقَالَ: وَمِثَالُ الْمَنْدُوبَةِ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النووي فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: الْمُحْدَثَاتُ فِي الْأُمُورِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا أُحْدِثَ مِمَّا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا
стр. 412
فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ. وَالثَّانِي مَا أُحْدِثَ مِنَ الْخَيْرِ، وَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ، وَقَدْ قَالَ عمر فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ - هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ الصَّحَابِيِّ قَالَ: كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَذَكَرَهُ ; فَإِنَّهُ أَوْلَى بِالْإِسْنَادِ وَأَقْوَى فِي الِاحْتِجَاجِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهَا، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ كَعَدَدِ الْوَتْرِ وَالرَّوَاتِبِ، فَرُوِيَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوَتْرِ، وَعَنْ مالك: التَّرَاوِيحُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوَتْرِ ; لِقَوْلِ نافع: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يَقُومُونَ رَمَضَانَ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، يُوتِرُونَ مِنْهَا بِثَلَاثٍ. الْخَامِسُ: أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً تَشْبِيهًا بِأَهْلِ مَكَّةَ، حَيْثُ كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ طَوَافًا وَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْهِ وَلَا يَطُوفُونَ بَعْدَ الْخَامِسَةِ، فَأَرَادَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مُسَاوَاتَهُمْ فَجَعَلُوا مَكَانَ كُلِّ طَوَافٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَلَوْ ثَبَتَ عَدَدُهَا بِالنَّصِّ لَمْ تَجُزِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَلَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالصَّدْرُ الْأَوَّلُ كَانُوا أَوْرَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ طَالَعَ كُتُبَ الْمَذْهَبِ، خُصُوصًا شَرْحَ الْمُهَذَّبِ، وَرَأَى تَصَرُّفَهُ وَتَعْلِيلَهُ فِي مَسَائِلِهَا، كَقِرَاءَتِهَا وَوَقْتِهَا وَسَنِّ الْجَمَاعَةِ فِيهَا بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِهِمْ، عَلِمَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا خَبَرٌ مَرْفُوعٌ لَاحْتُجَّ بِهِ. هَذَا جَوَابِي فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابن حجر مَا نَصُّهُ: قَوْلُ الرافعي: «إِنَّهُ ﷺ صَلَّى بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً لَيْلَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ اجْتَمَعَ النَّاسُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ مِنَ الْغَدِ: " خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَلَا تُطِيقُوهَا» " مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ حَدِيثِ عائشة، دُونَ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، زَادَ الْبُخَارِيُّ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَأَمَّا الْعَدَدُ فَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جابر «أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ» . فَهَذَا مُبَايِنٌ لِمَا ذَكَرَهُ الرافعي قَالَ: نَعَمْ ذِكْرُ الْعِشْرِينَ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوَتْرَ» ، زَادَ سليم الرازي فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ: وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ عمر أَنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً - الْحَدِيثَ. انْتَهَى. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِشْرِينَ
стр. 413
[رَكْعَةً] لَمْ تَثْبُتْ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ غَايَةٌ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مِنْ تَمَسُّكِنَا بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عائشة أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ ; فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ صَلَّى التَّرَاوِيحَ ثَمَانِيًا ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ. وَمِمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا وَاظَبَ عَلَيْهِ، كَمَا وَاظَبَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَلَوْ فَعَلَ الْعِشْرِينَ وَلَوْ مَرَّةً لَمْ يَتْرُكْهَا أَبَدًا، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ عَلَى عائشة حَيْثُ قَالَتْ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْأَوَائِلِ للعسكري: أَوَّلُ مَنْ سَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ عمر سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، الرِّجَالَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالنِّسَاءَ عَلَى سليمان بن أبي حثمة. وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ جَمَعَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ: سليمان بن أبي حثمة. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي محمد بن يوسف: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: كُنَّا نَقُومُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً نَقْرَأُ فِيهَا بِالْمِئِينَ، وَنَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَنَنْقَلِبُ عِنْدَ بُزُوغِ الْفَجْرِ. فَهَذَا أَيْضًا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عائشة. وَكَانَ عمر لَمَّا أَمَرَ بِالتَّرَاوِيحِ اقْتَصَرَ أَوَّلًا عَلَى الْعَدَدِ الَّذِي صَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ زَادَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ. وَقَالَ سعيد أَيْضًا: حَدَّثَنَا هشيم، ثَنَا زكريا بن أبي مريم الخزاعي: سَمِعْتُ أبا أمامة يُحَدِّثُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكْتُبْ عَلَيْكُمْ قِيَامَهُ، وَإِنَّمَا الْقِيَامُ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُمُوهُ فَدُومُوا عَلَيْهِ وَلَا تَتْرُكُوهُ ; فَإِنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ بِتَرْكِهَا، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أحمد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى الْقِيَامِ» . وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي التَّوَسُّطِ: وَأَمَّا مَنْ نَقَلَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى فِي اللَّيْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ خَرَجَ فِيهِمَا عِشْرِينَ رَكْعَةً، فَهُوَ مُنْكَرٌ، وَقَالَ الزركشي فِي الْخَادِمِ: دَعْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِشْرِينَ رَكْعَةً لَمْ يَصِحَّ، بَلِ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَدَدِ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ جابر «أَنَّهُ صَلَّى
стр. 414
بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَالْوَتْرَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ فِي الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ» . رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَقَالَ السبكي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ كَمْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ اللَّيَالِيَ، هَلْ هُوَ عِشْرُونَ أَوْ أَقَلُّ، قَالَ: وَمَذْهَبُنَا أَنَّ التَّرَاوِيحَ عِشْرُونَ رَكْعَةً ; لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ الصَّحَابِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَقُومُ عَلَى عَهْدِ عمر ﵁ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوَتْرِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ، وَرَأَيْتُ إِسْنَادَهُ فِي الْبَيْهَقِيِّ، لَكِنْ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِي مُصَنَّفِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَقَالَ الجوري مِنْ أَصْحَابِنَا: عَنْ مالك أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَهُوَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَهِيَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قِيلَ لَهُ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوَتْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ قَرِيبٌ، قَالَ: وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُحْدِثَ هَذَا الرُّكُوعُ الْكَثِيرُ؟ وَقَالَ الجوري: إِنَّ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا حَدَّ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ نَافِلَةٌ، وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ آثَارًا فِي صَلَاةِ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، لَكِنَّهَا بَعْدَ زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى رِوَايَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ بِالْوَتْرِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ مالك فِي إِحْدَى عَشْرَةَ وَهْمٌ، وَقَالَ: إِنَّ غَيْرَ مالك يُخَالِفُهُ وَيَقُولُ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، غَيْرَ مالك، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى مُصَنَّفِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ رَوَاهَا كَمَا رَوَاهَا مالك عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ محمد بن يوسف شَيْخِ مالك، فَقَدْ تَضَافَرَ مالك وعبد العزيز الدراوردي عَلَى رِوَايَتِهَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَسْهُلُ الْخِلَافُ فِيهِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّوَافِلِ؛ مَنْ شَاءَ أَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ، وَلَعَلَّهُمْ فِي وَقْتٍ اخْتَارُوا تَطْوِيلَ الْقِيَامِ عَلَى عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَجَعَلُوهَا إِحْدَى عَشْرَةَ، وَفِي وَقْتٍ اخْتَارُوا عَدَدَ الرَّكَعَاتِ فَجَعَلُوهَا عِشْرِينَ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا. انْتَهَى كَلَامُ السبكي.
стр. 415
[كِتَابُ الصِّيَامِ]
مَسْأَلَةٌ: الَّذِي يُقَالُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ أَنَّ الْأَيَّامَ الْبِيضَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا هَبَطَ مِنَ الْجَنَّةِ اسْوَدَّ جِلْدُهُ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِصِيَامِهَا، فَلَمَّا صَامَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ ابْيَضَّ ثُلُثُ جِلْدِهِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي الثُّلُثُ الثَّانِي، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بَقِيَّتُهُ، هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟
الْجَوَابُ: هَذَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي أَمَالِيهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقٍ وَمَوْقُوفًا مِنْ آخَرَ، وَأَخْرَجَهُ ابن الجوزي فِي الْمَوْضُوعَاتِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَرْفُوعِ، وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ وَفِي إِسْنَادِهِ جَمَاعَةٌ مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُونَ.
مَسْأَلَةٌ: فِي حَدِيثِ الْبَيْهَقِيِّ: " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَهُ» " مَا مَعْنَاهُ؟
الْجَوَابُ: كَانَ خَطَرَ لِي احْتِمَالَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَاهُ: فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ الصَّوْمَ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» " فَالضَّمِيرُ فِي "عَمِلَهُ" رَاجِعٌ إِلَى الصَّوْمِ الْمَفْهُومِ مِنْ صَائِمٍ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ هَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَا شُرِعَ هَذَا الْحُكْمُ، فَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ بِحَضْرَتِهِ أَنَّ مَنْ عَمِلَ هَذِهِ الْحَسَنَةَ مِنْهُمْ فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» " ثُمَّ رَاجَعْتُ طُرُقَ الْحَدِيثِ فَوَجَدْتُهَا تُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ; فَإِنَّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عبد الحق بن أبي سليمان، عَنْ عطاء، عَنْ زيد بن خالد الجهني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا، وَمَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا» " وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عطاء، عَنْ زيد بن خالد مَرْفُوعًا: " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، وَمَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا» ". وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عطاء عَنْ زيد بن خالد
стр. 416
مَرْفُوعًا: " «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ فَطَّرَ صَائِمًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا» ". وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عطاء، عَنْ زيد بن خالد مَرْفُوعًا: " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا أَوْ جَهَّزَ غَازِيًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» " دَلَّتْ هَذِهِ الطُّرُقُ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْحَدِيثِ: فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ الصَّوْمَ، لَا مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ تَفْطِيرَ الصَّائِمِ، وَإِنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَغْيِيرِ الرُّوَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مَنْ" فِيهِ بِمَعْنَى " مَا"، وَالْأَصْلُ: كَانَ لَهُ أَجْرُ مَا عَمِلَهُ وَهُوَ الصَّوْمُ، فَالضَّمِيرُ فِي "عَمِلَهُ" رَاجِعٌ إِلَى "مَنْ" بِمَعْنَى "مَا" مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى التَّأْوِيلِ السَّابِقِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ: كَانَ لَهُ أَجْرٌ، بِالتَّنْوِينِ، وَ: مِنْ عَمَلِهِ، بِالْجَرِّ. قُلْتُ: لَا، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ "مِنْ" إِنْ قُدِّرَتْ تَبْعِيضِيَّةً وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الصَّائِمِ كَانَ مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ; فَإِنَّهَا تَقْتَضِي الْمِثْلِيَّةَ، وَتِلْكَ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ تَقْتَضِي الْبَعْضِيَّةَ، وَإِنْ قُدِّرَتْ تَبْعِيضِيَّةً وَالضَّمِيرُ لِلتَّفْطِيرِ، فَفَاسِدٌ كَمَا لَا يَخْفَى. الثَّانِي أَنَّهَا إِنْ قُدِّرَتْ سَبَبِيَّةً وَالضَّمِيرُ لِلصَّائِمِ، فَفَاسِدٌ كَمَا لَا يَخْفَى ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤْجَرُ بِسَبَبِ عَمَلِ غَيْرِهِ، إِنَّمَا يُؤْجَرُ بِسَبَبِ عَمَلِ نَفْسِهِ، أَوْ لِلْمُفْطِرِ، لَمْ يَصِحَّ اعْتِلَاقُ مَا بَعْدَهُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا.
مَسْأَلَةٌ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ: رَجَبٌ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ» ". وَحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَامَ مِنْ شَهْرٍ حَرَامٍ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ، كُتِبَ لَهُ عِبَادَةُ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ» "، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمًا كَانَ كَصِيَامِ شَهْرٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ غُلِّقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ السَّبْعَةُ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتٍ» " هَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالْغَرِيبِ.
الْجَوَابُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمَوْضُوعَةٍ، بَلْ هِيَ مِنْ قِسْمِ الضَّعِيفِ الَّذِي تَجُوزُ رِوَايَتُهُ فِي الْفَضَائِلِ، أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، والأصبهاني وابن شاهين، كِلَاهُمَا فِي التَّرْغِيبِ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الحافظ ابن حجر: وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُنْظَرُ فِي حَالِهِ سِوَى منصور بن زائدة الأسدي، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ لَمْ أَرَ فِيهِ تَعْدِيلًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ الذهبي فِي الْمِيزَانِ وَضَعَّفَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمَّا
стр. 417
الْحَدِيثُ الثَّانِي فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وأبو نعيم وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا بِلَفْظِ: عِبَادَةِ سَنَتَيْنِ، قَالَ الحافظ ابن حجر: وَهُوَ أَشْبَهُ، وَمَخْرَجُهُ أَحْسَنُ، وَإِسْنَادُ الْحَدِيثِ أَمْثَلُ مِنَ الضَّعِيفِ قَرِيبٌ مِنَ الْحَسَنِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ طُرُقُ وَشَوَاهِدُ ضَعِيفَةٌ لَا تَثْبُتُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرْتَقِي عَنْ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالْغَرِيبِ فَإِنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ، فَقَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا غَرِيبًا مَعًا، وَقَدْ يَكُونُ غَرِيبًا لَا ضَعِيفًا ; لِصِحَّةٍ سَنَدِهِ أَوْ حُسْنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا لَا غَرِيبًا لِتَعَدُّدِ إِسْنَادِهِ وَفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْقَبُولِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ.
стр. 418
[كِتَابُ الْحَجِّ]
مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا» " مَا مَعْنَاهُ؟ .
الْجَوَابُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا ; أَيْ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الْمُعْتَادِ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ ; لِأَنَّهُ صَلَّاهَا بِغَلَسٍ جِدًّا وَقْتَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَلِيلًا، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَصَلَّاهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ بِأَنْ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ وَصَلَّاهُمَا جَمِيعًا بِمُزْدَلِفَةَ. وَجَمْعٌ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ مُزْدَلِفَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ: «الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» ، أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ: " «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» " هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ.
الْجَوَابُ: هُوَ مُخْطِئٌ أَشَدَّ الْخَطَأِ ; فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَاذِنْجَانِ كَذِبٌ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابن الجوزي فِي الْمَوْضُوعَاتِ، والذهبي فِي الْمِيزَانِ، وَغَيْرُهُمَا، وَحَدِيثُ زَمْزَمَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قِيلَ: صَحِيحٌ، وَقِيلَ: حَسَنٌ، وَقِيلَ: ضَعِيفٌ، فَأَدْنَى دَرَجَاتِهِ الضَّعْفُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّهُ فِي حَدِّ الْوَضْعِ، قَالَ الشَّيْخُ بدر الدين الزركشي فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ: حَدِيثُ: الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ، بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَدْ لَهِجَ بِهِ الْعَوَامُّ حَتَّى سَمِعْتُ قَائِلًا مِنْهُمْ يَقُولُ: هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ: مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ قَبِيحٌ، قَالَ: وَحَدِيثُ: " «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» " أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ جابر بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَرَوَاهُ الخطيب فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ بِإِسْنَادٍ قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ شرف الدين الدمياطي: إِنَّهُ عَلَى رَسْمِ الصَّحِيحِ. انْتَهَى. وَقَدْ أَلَّفَ الحافظ ابن حجر جُزْءًا فِي حَدِيثِ: مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي تَخْرِيجِ الْأَذْكَارِ فَاسْتَوْعَبَ، وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَصَحَّحَهُ آخَرُونَ، مِنْهُمُ الْحَافِظُ المنذري فِي
стр. 419
التَّرْغِيبِ، وَالْحَافِظُ الدمياطي، قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ حَسَنٌ لِشَوَاهِدِهِ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ مِنْ حَدِيثِ جابر وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا، قَالَ: وَحَدِيثُ جابر مُخَرَّجٌ فِي مُسْنَدِ أحمد وَمُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَمُصَنَّفِهِ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَسُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ وَشُعَبِ الْإِيمَانِ لَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَمُسْتَدْرَكِ الحاكم، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا، لَكِنَّ سَنَدَهُ مَقْلُوبٌ، وَوَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا عَنْ معاوية مَوْقُوفًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ لَا عِلَّةَ لَهُ، وَلَهُ شَوَاهِدُ أُخَرُ مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ تَرَكْتُهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ. وَلَمَّا نَظَرَ المنذري والدمياطي إِلَى كَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ مَعَ جَوْدَةِ طَرِيقِ أبي الزبير عَنْ جابر حَكَمَا لَهُ بِالصِّحَّةِ.
مَسْأَلَةٌ:
مَاذَا جَوَابُ إِمَامٍ فَاقَ أَعْصُرَهُ ... وَخَطُّهُ فَاقَ فِي الْإِفْتَاءِ مَنْ سَبَقَا
فِيمَنْ رَوَى أَنَّ بَاذِنْجَانَهُمْ وَرَدَتْ ... فِيهِ الرِّوَايَةُ مِنْ قَوْلِ الَّذِي صَدَقَا
مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ قَاطِبَةً ... صَلَّى عَلَيْهِ إِلَهُ الْعَرْشِ مَنْ خَلَقَا
إِنَّ الشِّفَاءَ بِهِ قَصْدًا لِآكِلِهِ ... كَمَاءِ زَمْزَمَ دَامَ الْغَيْثُ مُنْدَفِقَا
مِنْ فَضْلِكُمْ هَلْ لِهَذَا صِحَّةٌ فَلَكَمْ ... أَعْرَبْتُمُ عَنْ أُمُورٍ جَلَّ مَنْ خَلَقَا
أَوْضِحْ لَنَا أَمْرَهُ دَامَ السُّرُورُ بِكُمْ ... يَا أَفْصَحَ النَّاسِ إِنْ أَفْتَى وَإِنْ نَطَقَا
لَازِلْتُمُ عُدَّةً لِلسَّائِلِينَ لَكُمْ ... وَبَابُ جُودِكُمُ لِلنَّاسِ لَا غُلِقَا
الْجَوَابُ.
اللَّهَ أَشْكُرُ مِنْ نَعْمَائِهِ غَدَقَا ... وَأُتْبِعُ الشُّكْرَ بِالتَّحْمِيدِ مُلْتَحِقَا
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْهَادِي النَّبِيِّ وَمَنْ ... أَسْرَى بِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ثُمَّ رَقَى
أَبْطِلْ أَحَادِيثَ بَاذِنْجَانِهِمْ فَلَقَدْ ... نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ الْمَوْضُوعُ مُخْتَلَقَا
وَمَاءُ زَمْزَمَ صَحِّحْ مَا رَوَوْهُ بِهِ ... وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَمَّ الْقَوْلُ مُتَّسِقَا
مَسْأَلَةٌ:
يَا غُرَّةً فِي جَبْهَةِ الدَّهْرِ أَفْتِنَا ... لَا زِلْتَ تُفْتِي كُلَّ مَنْ جَا يَسْأَلُ
فِي زَمْزَمَ أَوْ مَاءِ كَوْثَرَ حَشْرُنَا ... مَنْ مِنْهُمَا يَا ذَا الْمَعَالِي أَفْضَلُ؟
جُوزِيتَ بِالْإِحْسَانِ عَنَّا كُلِّنَا ... وَبِجَنَّةِ الْمَأْوَى جَزَاؤُكَ أَكْمَلُ
стр. 420
الْجَوَابُ:
لِلَّهِ حَمْدًا وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِي ... مُحَمَّدٍ مَنْ لِلْبَرِيَّةِ يَفْضُلُ
مَا جَاءَنَا خَبَرٌ بِذَلِكَ ثَابِتٌ ... فَالْوَقْفُ عَنْ خَوْضٍ بِذَلِكَ أَجْمَلُ
هَذَا جَوَابُ ابن السيوطي رَاجِيًا ... مِنْ رَبِّهِ التَّثْبِيتَ لِمَا يُسْأَلُ
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الجندي فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ: ثَنَا عبد الرحمن بن محمد، ثَنَا عبد الرزاق، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَشَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ» ".
الْجَوَابُ: أبو معشر المدني هو نجيح السندي، رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
مَسْأَلَةٌ:
يَا عَالِمَ الْعَصْرِ لَا زَالَتْ أَنَامِلُكُمْ ... تَهْمِي وَعِلْمُكُمُ فِي الْأَرْضِ يَنْتَشِرُ
هَلِ النَّبِيُّونَ حَجُّوا الْبَيْتَ كُلُّهُمُ ... أَوْ لَمْ يَحُجَّ بِهِ بَعْضٌ كَمَا ذَكَرُوا؟
عَنْ صَالِحٍ مَعَ هُودٍ أَنَّ حَجَّهُمَا ... لِلْبَيْتِ أُنْكِرَ يَا مَوْلًى لَهُ نَظَرُ
وَآدَمُ حِينَ حَجَّ الْبَيْتَ هَلْ أَحَدٌ ... لِرَأْسِهِ حَالِقٌ إِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرُوا
هَلْ بِالْحَدِيدِ وَهَلْ جِبْرِيلُ فَاعِلُهُ ... أَوْ جَوْهَرٍ أَوْ بِغَيْرٍ هَلْ لِذَا أَثَرُ؟
اكْشِفْ لَنَا وَأَبِنْ لَا زِلْتَ تُرْشِدُنَا ... طُرُقَ الصَّوَابِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعُمُرُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ ... مَا دَامَ لِلْبَيْتِ حُجَّاجٌ وَمُعْتَمِرُ
الْجَوَابُ: نَعَمْ، وَرَدَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ هُودٍ وَصَالِحٍ تَشَاغَلَا بِأَمْرِ قَوْمِهِمَا حَتَّى قَبَضَهُمَا اللَّهُ وَلَمْ يَحُجَّا، أَخْرَجَهُ ابن إسحاق فِي الْمُبْتَدَأِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ، وَقِصَّتُهُ أَنَّ جِبْرِيلَ حَلَقَ رَأْسَ آدَمَ ﵉ حِينَ حَجَّ بِيَاقُوتَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، رُوِّينَاهَا فِي تَارِيخِ الخطيب مِنْ طَرِيقِ جعفر بن محمد عَنْ آبَائِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 421
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : " «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» " هَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ وَهَلْ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ [﵁] أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: هُوَ صَحِيحٌ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِمَذْهَبِنَا ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَا إِذَا صَرَّحَ فِي الْعَقْدِ بِاشْتِرَاطِ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ طَلَّقَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْحَمْلِ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ كِبَارِ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَ: الْأَظْهَرُ بِمَعَانِي الْحَدِيثِ حَمْلُهُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، لَا عَلَى نِيَّتِهِ ; لِأَنَّ امْرَأَةَ رفاعة صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا تُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ إِقْرَارَهَا عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ، فَإِذَا لَمْ تَقْدَحْ فِيهِ نِيَّتُهَا فَكَذَلِكَ نِيَّةُ الزَّوْجِ، وَنِيَّةُ الْمُطَلِّقِ أَوْلَى أَنْ لَا تُقْدَحَ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْحَدِيثِ مَعْنًى إِلَّا الْحَمْلُ عَلَى الْإِظْهَارِ، فَيَكُونُ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ.
مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ بَرِيرَةَ فِي مُفَارَقَتِهَا زَوْجَهَا مَعَ كَوْنِهِ ﷺ كَلَّمَهَا فِي إِبْقَائِهِ، لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ يُجْبِرُ مَنْ شَاءَ عَلَى نِكَاحِ مَنْ شَاءَ مِنَ الرِّجَالِ ; لِأَنَّ ذَاكَ حَيْثُ كَانَ مِنْهُ إِلْزَامٌ، وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلْزَامٌ لَهَا، وَلِهَذَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي أَمْ تَشْفَعُ؟ فَاسْتَفْهَمَتْهُ هَلْ هُوَ مُلْزِمٌ لَهَا أَمْ مُخَيِّرٌ. فَأَجَابَهَا بِقَوْلِهِ: " «لَا بَلْ أَشْفَعُ» " الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ مُخَيِّرٌ لَا مُلْزِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : " «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» " لِمَ بَدَأَ بِالنِّسَاءِ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ؟ .
الْجَوَابُ: لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بَيَانَ مَا أَصَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، بَدَأَ بِهِ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «مَا أَصَبْنَا مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ إِلَّا النِّسَاءَ» " وَلَمَّا كَانَ الَّذِي حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا هُوَ أَفْضَلَهَا وَهُوَ النِّسَاءُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» " نَاسَبَ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ بَيَانَ أَفْضَلِ الْأُمُورِ [الدِّينِيَّةِ]
стр. 422
وَذَلِكَ الصَّلَاةُ ; فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَكَانَ الْحَدِيثُ عَلَى أُسْلُوبِ الْبَلَاغَةِ مِنْ جَمْعِهِ بَيْنَ أَفْضَلِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَفْضَلِ أُمُورِ الدِّينِ، وَفِي ذَلِكَ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ، وَعَبَّرَ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِعِبَارَةٍ أَبْلَغَ مِمَّا عَبَّرَ بِهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، حَيْثُ اقْتَصَرَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَبُّبِ، وَقَالَ فِي أَمْرِ الدِّينِ: جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي ; فَإِنَّ فِي قُرَّةِ الْعَيْنِ مِنَ التَّعْظِيمِ فِي الْمَحَبَّةِ مَا لَا يَخْفَى.
مَسْأَلَةٌ: فِي قِصَّةِ السَّيِّدِ سُلَيْمَانَ، هَلْ قَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، أَوْ قَالَ: عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً؟
الْجَوَابُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ، إِحْدَاهَا: عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، الثَّانِيَةُ: عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَشَارَ إِلَيْهَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَعْلِيقًا، فَقَالَ: قَالَ شعيب وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: تِسْعِينَ، وَهُوَ أَصَحُّ. هَذِهِ عِبَارَتُهُ، الثَّالِثَةُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي النِّكَاحِ، الرَّابِعَةُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ، الْخَامِسَةُ: عَلَى سِتِّينَ امْرَأَةً، أَشَارَ إِلَيْهَا الحافظ ابن حجر فَقَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: مُحَصَّلُ الرِّوَايَاتِ: سِتُّونَ وَسَبْعُونَ وَتِسْعُونَ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ وَمِائَةٌ، قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا أَنَّ السِّتِّينَ كُنَّ حَرَائِرَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ سَرَارِيَّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَأَمَّا السَّبْعُونَ فَلِلْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا التِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ فَكُنَّ دُونَ الْمِائَةِ وَفَوْقَ التِّسْعِينَ، فَمَنْ قَالَ: تِسْعُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ: مِائَةٌ، جَبَرَهُ، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ. انْتَهَى.
قُلْتُ: وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى رِوَايَةٍ سَادِسَةٍ - وَهِيَ أَلْفُ امْرَأَةٍ - أَخْرَجَ الْحَافِظُ أبو القاسم ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ الخدري عَنْ مقاتل، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عبد الرحمن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﵉ كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ امْرَأَةٍ وَسِتُّمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، فَقَالَ يَوْمًا: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى أَلْفِ امْرَأَةٍ، فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ إِنْسَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَوُلِدَ لَهُ مَا قَالَ فُرْسَانٌ، وَلَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ".
стр. 423
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]
مَسْأَلَةٌ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» ، هَلْ وَرَدَ وَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ أَخْرَجَهُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ» " لَفْظَ التِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ أحمد وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَصَرًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِلَفْظِ: كَانَ نَجِسًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، بَدَلَ: لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ، وَبَدَلَ: فَإِنْ تَابَ: فَإِنْ عَادَ، وَعَنْ أبي ذر أَخْرَجَهُ أحمد وَالْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ أَخْرَجَهُ أبو يعلى وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ أَيْضًا، وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مُخْتَصَرًا: " «مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» " وَعَنْ أسماء بنت يزيد أَخْرَجَهُ أحمد وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ: " «لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ".
مَسْأَلَةٌ: فِي الْحَدِيثِ أَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ بِرَجُلٍ نَشْوَانَ فَقَالَ: تَرْتِرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ، ثُمَّ دَعَا بِسَوْطٍ فَقُطِعَتْ ثَمَرَتُهُ ثُمَّ دُقَّ رَأْسُهُ، مَا مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ؟
الْجَوَابُ: قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَوْلُهُ: تَرْتِرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ ; أَيْ حَرِّكُوهُ لِيُسْتَنْكَهَ هَلْ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ أَمْ لَا، وَيُرْوَى: تَلْتِلُوهُ، وَمَعْنَى الْكُلِّ التَّحْرِيكُ. وَقَالَ فِي حَرْفِ الْمِيمِ:
стр. 424
مَزْمِزُوهُ هُوَ أَنْ يُحَرَّكَ تَحْرِيكًا عَنِيفًا لَعَلَّهُ يُفِيقُ مِنْ سُكْرِهِ وَيَصْحُو، قَالَ: وَثَمَرَةُ السَّوْطِ: طَرَفُهُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَسْفَلِهِ، وَإِنَّمَا دَقَّهَا لِتَلِينَ؛ تَخْفِيفًا عَلَى الَّذِي يُضْرَبُ.
مَسْأَلَةٌ: عَنْ أيمن بن خريم قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِاللَّهِ " ثَلَاثًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] » مَنْ رَوَاهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَا حَالُهُ؟ .
الْجَوَابُ: رَوَاهُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ هَكَذَا، وأيمن مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، فَذَكَرَهُ ابن منده وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ العجلي: تَابِعٌ صَالِحٌ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ خريم بن فاتك وَهُوَ وَالِدُ أيمن، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أحمد وأبو داود وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِنَّهُ الصَّوَابُ ; أَيْ إِنَّهُ مِنْ حَدِيثِ خريم، لَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِهِ أيمن، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " «تَعْدِلُ شَهَادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ» " أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
стр. 425
[كِتَابُ الْأَدَبِ وَالرَّقَائِقِ] [ مسائل متفرقة]
مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : " «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» " هَلِ الْمُرَادُ بِالْكُرَاعِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ بِالْمَدِينَةِ؟
الْجَوَابُ: الْأَرْجَحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُرَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُرَاعُ الدَّابَّةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَكَانٌ بِالْحَرَّةِ، وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِلَفْظِ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ، وَرَدَّهُ النُّقَّادُ وَقَالُوا: إِنَّهُ تَحْرِيفٌ.
مَسْأَلَةٌ: هَلِ الْأَفْضَلُ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا الْأَفْضَلُ الذِّكْرُ أَوِ الْحَمْدُ؟
الْجَوَابُ: قَالَ ﷺ : " «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» " دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ أَفْضَلُ نَوْعِهِ، وَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَمْدِ ; فَإِنَّ نَوْعَ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ نَوْعِ الدُّعَاءِ، وَدَلِيلٌ آخَرُ رَوَى ابن شاهين فِي السُّنَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ، وَالْحَمْدُ ثَمَنُ كُلِّ نِعْمَةٍ» "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ; لِأَنَّ الْجَنَّةَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَثَمَنُهَا أَفْضَلُ.
مَسْأَلَةٌ: مِنَ التَّكْرُورِ - مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «كَانَ دَاوُدُ ﵇ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ وَالرَّمَادِ» ؟ وَمَا الْعَهْدُ وَالْوَعْدُ فِي حَدِيثِ سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ؟ وَمَا مَعْنَى: مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا؟
الْجَوَابُ: مَعْنَى أَثَرِ دَاوُدَ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَأْتَدِمُ بِالْمِلْحِ وَيَخْلِطُهُ بِالرَّمَادِ، مُبَالَغَةً فِي التَّضَرُّعِ وَالتَّوَاضُعِ. وَالْعَهْدُ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي عَالَمِ الذَّرِّ يَوْمَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وَالْوَعْدُ مَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» " وَمَعْنَى مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا: مُخْلِصًا مُصَدِّقًا بِثَوَابِهَا.
مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ» ، هَلْ وَرَدَ؟ وَمَنْ خَرَّجَهُ؟ وَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ:
следующие страницы →