← Джавами‘

Джавами‘ · id 21723

الحاوي للفتاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (886 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[كِتَابُ النِّكَاحِ] مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : " «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» " هَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ وَهَلْ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ [﵁] أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: هُوَ صَحِيحٌ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِمَذْهَبِنَا ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَا إِذَا صَرَّحَ فِي الْعَقْدِ بِاشْتِرَاطِ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ طَلَّقَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْحَمْلِ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ كِبَارِ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَ: الْأَظْهَرُ بِمَعَانِي الْحَدِيثِ حَمْلُهُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، لَا عَلَى نِيَّتِهِ ; لِأَنَّ امْرَأَةَ رفاعة صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا تُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ إِقْرَارَهَا عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ، فَإِذَا لَمْ تَقْدَحْ فِيهِ نِيَّتُهَا فَكَذَلِكَ نِيَّةُ الزَّوْجِ، وَنِيَّةُ الْمُطَلِّقِ أَوْلَى أَنْ لَا تُقْدَحَ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْحَدِيثِ مَعْنًى إِلَّا الْحَمْلُ عَلَى الْإِظْهَارِ، فَيَكُونُ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ بَرِيرَةَ فِي مُفَارَقَتِهَا زَوْجَهَا مَعَ كَوْنِهِ ﷺ كَلَّمَهَا فِي إِبْقَائِهِ، لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ يُجْبِرُ مَنْ شَاءَ عَلَى نِكَاحِ مَنْ شَاءَ مِنَ الرِّجَالِ ; لِأَنَّ ذَاكَ حَيْثُ كَانَ مِنْهُ إِلْزَامٌ، وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلْزَامٌ لَهَا، وَلِهَذَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي أَمْ تَشْفَعُ؟ فَاسْتَفْهَمَتْهُ هَلْ هُوَ مُلْزِمٌ لَهَا أَمْ مُخَيِّرٌ. فَأَجَابَهَا بِقَوْلِهِ: " «لَا بَلْ أَشْفَعُ» " الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ مُخَيِّرٌ لَا مُلْزِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : " «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» " لِمَ بَدَأَ بِالنِّسَاءِ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ؟ . الْجَوَابُ: لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بَيَانَ مَا أَصَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، بَدَأَ بِهِ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «مَا أَصَبْنَا مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ إِلَّا النِّسَاءَ» " وَلَمَّا كَانَ الَّذِي حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا هُوَ أَفْضَلَهَا وَهُوَ النِّسَاءُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» " نَاسَبَ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ بَيَانَ أَفْضَلِ الْأُمُورِ [الدِّينِيَّةِ]

стр. 422

وَذَلِكَ الصَّلَاةُ ; فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَكَانَ الْحَدِيثُ عَلَى أُسْلُوبِ الْبَلَاغَةِ مِنْ جَمْعِهِ بَيْنَ أَفْضَلِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَفْضَلِ أُمُورِ الدِّينِ، وَفِي ذَلِكَ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ، وَعَبَّرَ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِعِبَارَةٍ أَبْلَغَ مِمَّا عَبَّرَ بِهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، حَيْثُ اقْتَصَرَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَبُّبِ، وَقَالَ فِي أَمْرِ الدِّينِ: جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي ; فَإِنَّ فِي قُرَّةِ الْعَيْنِ مِنَ التَّعْظِيمِ فِي الْمَحَبَّةِ مَا لَا يَخْفَى. مَسْأَلَةٌ: فِي قِصَّةِ السَّيِّدِ سُلَيْمَانَ، هَلْ قَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، أَوْ قَالَ: عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً؟ الْجَوَابُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ، إِحْدَاهَا: عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، الثَّانِيَةُ: عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَشَارَ إِلَيْهَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَعْلِيقًا، فَقَالَ: قَالَ شعيب وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: تِسْعِينَ، وَهُوَ أَصَحُّ. هَذِهِ عِبَارَتُهُ، الثَّالِثَةُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي النِّكَاحِ، الرَّابِعَةُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ، الْخَامِسَةُ: عَلَى سِتِّينَ امْرَأَةً، أَشَارَ إِلَيْهَا الحافظ ابن حجر فَقَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: مُحَصَّلُ الرِّوَايَاتِ: سِتُّونَ وَسَبْعُونَ وَتِسْعُونَ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ وَمِائَةٌ، قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا أَنَّ السِّتِّينَ كُنَّ حَرَائِرَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ سَرَارِيَّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَأَمَّا السَّبْعُونَ فَلِلْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا التِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ فَكُنَّ دُونَ الْمِائَةِ وَفَوْقَ التِّسْعِينَ، فَمَنْ قَالَ: تِسْعُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ: مِائَةٌ، جَبَرَهُ، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى رِوَايَةٍ سَادِسَةٍ - وَهِيَ أَلْفُ امْرَأَةٍ - أَخْرَجَ الْحَافِظُ أبو القاسم ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ الخدري عَنْ مقاتل، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عبد الرحمن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﵉ كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ امْرَأَةٍ وَسِتُّمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، فَقَالَ يَوْمًا: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى أَلْفِ امْرَأَةٍ، فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ إِنْسَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَوُلِدَ لَهُ مَا قَالَ فُرْسَانٌ، وَلَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ".

стр. 423

[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ] مَسْأَلَةٌ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» ، هَلْ وَرَدَ وَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ أَخْرَجَهُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ» " لَفْظَ التِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ أحمد وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَصَرًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِلَفْظِ: كَانَ نَجِسًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، بَدَلَ: لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ، وَبَدَلَ: فَإِنْ تَابَ: فَإِنْ عَادَ، وَعَنْ أبي ذر أَخْرَجَهُ أحمد وَالْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ أَخْرَجَهُ أبو يعلى وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ أَيْضًا، وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مُخْتَصَرًا: " «مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» " وَعَنْ أسماء بنت يزيد أَخْرَجَهُ أحمد وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ: " «لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ". مَسْأَلَةٌ: فِي الْحَدِيثِ أَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ بِرَجُلٍ نَشْوَانَ فَقَالَ: تَرْتِرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ، ثُمَّ دَعَا بِسَوْطٍ فَقُطِعَتْ ثَمَرَتُهُ ثُمَّ دُقَّ رَأْسُهُ، مَا مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ؟ الْجَوَابُ: قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَوْلُهُ: تَرْتِرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ ; أَيْ حَرِّكُوهُ لِيُسْتَنْكَهَ هَلْ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ أَمْ لَا، وَيُرْوَى: تَلْتِلُوهُ، وَمَعْنَى الْكُلِّ التَّحْرِيكُ. وَقَالَ فِي حَرْفِ الْمِيمِ:

стр. 424

مَزْمِزُوهُ هُوَ أَنْ يُحَرَّكَ تَحْرِيكًا عَنِيفًا لَعَلَّهُ يُفِيقُ مِنْ سُكْرِهِ وَيَصْحُو، قَالَ: وَثَمَرَةُ السَّوْطِ: طَرَفُهُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَسْفَلِهِ، وَإِنَّمَا دَقَّهَا لِتَلِينَ؛ تَخْفِيفًا عَلَى الَّذِي يُضْرَبُ. مَسْأَلَةٌ: عَنْ أيمن بن خريم قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِاللَّهِ " ثَلَاثًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] » مَنْ رَوَاهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَا حَالُهُ؟ . الْجَوَابُ: رَوَاهُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ هَكَذَا، وأيمن مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، فَذَكَرَهُ ابن منده وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ العجلي: تَابِعٌ صَالِحٌ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ خريم بن فاتك وَهُوَ وَالِدُ أيمن، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أحمد وأبو داود وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِنَّهُ الصَّوَابُ ; أَيْ إِنَّهُ مِنْ حَدِيثِ خريم، لَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِهِ أيمن، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " «تَعْدِلُ شَهَادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ» " أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.

стр. 425

[كِتَابُ الْأَدَبِ وَالرَّقَائِقِ] [ مسائل متفرقة] مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : " «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» " هَلِ الْمُرَادُ بِالْكُرَاعِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ بِالْمَدِينَةِ؟ الْجَوَابُ: الْأَرْجَحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُرَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُرَاعُ الدَّابَّةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَكَانٌ بِالْحَرَّةِ، وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِلَفْظِ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ، وَرَدَّهُ النُّقَّادُ وَقَالُوا: إِنَّهُ تَحْرِيفٌ. مَسْأَلَةٌ: هَلِ الْأَفْضَلُ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا الْأَفْضَلُ الذِّكْرُ أَوِ الْحَمْدُ؟ الْجَوَابُ: قَالَ ﷺ : " «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» " دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ أَفْضَلُ نَوْعِهِ، وَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَمْدِ ; فَإِنَّ نَوْعَ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ نَوْعِ الدُّعَاءِ، وَدَلِيلٌ آخَرُ رَوَى ابن شاهين فِي السُّنَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ، وَالْحَمْدُ ثَمَنُ كُلِّ نِعْمَةٍ» "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ; لِأَنَّ الْجَنَّةَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَثَمَنُهَا أَفْضَلُ. مَسْأَلَةٌ: مِنَ التَّكْرُورِ - مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «كَانَ دَاوُدُ ﵇ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ وَالرَّمَادِ» ؟ وَمَا الْعَهْدُ وَالْوَعْدُ فِي حَدِيثِ سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ؟ وَمَا مَعْنَى: مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا؟ الْجَوَابُ: مَعْنَى أَثَرِ دَاوُدَ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَأْتَدِمُ بِالْمِلْحِ وَيَخْلِطُهُ بِالرَّمَادِ، مُبَالَغَةً فِي التَّضَرُّعِ وَالتَّوَاضُعِ. وَالْعَهْدُ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي عَالَمِ الذَّرِّ يَوْمَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وَالْوَعْدُ مَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» " وَمَعْنَى مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا: مُخْلِصًا مُصَدِّقًا بِثَوَابِهَا. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ» ، هَلْ وَرَدَ؟ وَمَنْ خَرَّجَهُ؟ وَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ:

стр. 426

يَا رَبِّ، مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ» " رَوَاهُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وأبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُؤَمَّلَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا بِلَفْظِ: " لَمَّا «خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ» " وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ بِلَفْظِ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْرِيَ بِإِذْنِهِ فَقَالَ: يَا رَبِّ، بِمَا أَجْرِي؟ قَالَ: بِمَا أَنَا خَالِقٌ وَكَائِنٌ فِي خَلْقِي مِنْ قَطْرٍ أَوْ نَبَاتٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ، فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، فَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَجَرَى بِمَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ» " وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا بِلَفْظِ: " «إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ فَأَمَرَهُ بِكَتْبِ كُلِّ شَيْءٍ» " وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ أبي عبد الله مولى بني أمية عَنْ أبي صالح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وَهِيَ الدَّوَاةُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ مَا يَكُونُ، أَوْ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ عَمَلٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ أَجَلٍ، فَكَتَبَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] قَالَ: لَوْحٌ مِنْ نُورٍ وَقَلَمٌ مِنْ نُورٍ يَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «لَآيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ» " مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ؟ الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ " «أَحِبُّوا الْبَنِينَ فَإِنَّ الْبَنَاتِ يُحْبِبْنَ أَنْفُسَهُنَّ» " هَلْ وَرَدَ؟ الْجَوَابُ: هَذَا لَا يُعْرَفُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَكَا الضَّعْفَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِأَكْلِ الْبَيْضِ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «: كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» ؟

стр. 427

الْجَوَابُ: نَعَمْ، رَوَاهُ ابن جميع فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ الحسن عَنْ أبي بكرة، وَذَكَرَ ابن الأنباري فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّ الرِّوَايَةَ: كَمَا تَكُونُوا، بِحَذْفِ النُّونِ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» ، هَلْ وَرَدَ؟ وَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ وَمَنْ أَخْرَجَهُ؟ الْجَوَابُ: وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وأبو يعلى وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ يوسف بن عطية عَنْ ثابت عَنْهُ، ويوسف مَتْرُوكٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكبير والأصبهاني فِي تَرْغِيبِهِ مِنْ طَرِيقِ الحكم عَنْ إبراهيم عَنْ علقمة عَنْهُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ أبي الهيثم السليل بن موسى بن سليل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ بسر بن نافع، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أبي سلمة عَنْهُ، بِلَفْظِ: " «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ وَتَحْتَ كَنَفِهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ، وَأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ ضَيَّقَ عَلَى عِيَالِهِ» ". مَسْأَلَةٌ: " حَدِيثُ: «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ» " هَلْ وَرَدَ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَحَسَّنَهُ. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ أَنَّ سَعْفَصَ نَهْرٌ فِي السَّمَاءِ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِ الْجَنَّةِ؟ . الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ أَنَّ آدَمَ ﵇ وَالطَّبَقَةَ الْأُولَى مِنْ أَوْلَادِهِ كَانُوا سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَالثَّانِيَةَ أَرْبَعِينَ، وَالثَّالِثَةَ عِشْرِينَ، وَالرَّابِعَةَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ؟ . الْجَوَابُ: هَذَا الْعَدَدُ الْمَخْصُوصُ فِي الطَّبَقَاتِ لَمْ يَرِدْ، وَإِنَّمَا وَرَدَ أَنَّ طُولَ آدَمَ كَانَ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَأَنَّ مَنْ بَعْدَهُ تَنَاقَصَ وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَنَاقَصُونَ. مَسْأَلَةٌ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قُرَيْشًا؛ فَإِنَّ عِلْمَ الْعَالِمِ مِنْهُمْ يَسَعُ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ» ، مَنْ رَوَاهُ؟ الْجَوَابُ: رَوَاهُ أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ " «أَنَا جَدُّ كُلِّ تَقِيٍّ» " هَلْ وَرَدَ؟ الْجَوَابُ: لَا أَعْرِفُهُ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: «مَنْ جَلَسَ فَوْقَ عَالِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى الْمُصْحَفِ» ، هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟

стр. 428

الْجَوَابُ: لَا أَصْلَ لَهُ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: «مَنْ بَشَّ فِي وَجْهِ ذِمِّيٍّ فَكَأَنَّمَا لَكَزَنِي فِي جَنْبِي» ، هَلْ لَهُ أَصْلٌ؟ . الْجَوَابُ: لَا أَصْلَ لَهُ. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ اطَّلَعَ عَلَى النَّارِ فَرَأَى فِيهَا رَجُلًا عَلَيْهِ حُلَلٌ خُضْرٌ وَيُرَوَّحُ عَلَيْهِ بِمَرَاوِحَ فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا حاتم الطائي؟ وَهَلْ وَرَدَ أَنَّ شَجَرَةً كَانَتْ فِي بُسْتَانٍ فَقُطِعَتْ نِصْفَيْنِ، فَجُعِلَ مِنْهَا نِصْفٌ فِي الْقِبْلَةِ وَالْآخَرُ فِي مِرْحَاضٍ، فَشَكَا إِلَى رَبِّهِ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَجْعَلَنَّكَ فِي مَجْلِسِ قَاضٍ لَا يَعْرِفُ الشَّرْعَ. الْجَوَابُ: هَذَانِ بَاطِلَانِ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْشِ هُوَ الَّذِي يَخْفَى؟ قَالَ: شَيْءٌ لَا يَكُونُ» ، وَحَدِيثُ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» ، هَلْ هُمَا صَحِيحَانِ؟ الْجَوَابُ: الْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَالثَّانِي صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ» ، كَيْفَ لَفْظُهُ وَمَنْ رَوَاهُ؟ الْجَوَابُ: رَوَاهُ أبو داود وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: " «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ» " وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أبي ذر بِلَفْظِ: " «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يَضَعَهُ مَتَى وَضَعَهُ» ". مَسْأَلَةٌ: رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ والمسعودي فِي تَارِيخِهِ وَغَيْرُهُمَا: " «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِالْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ آدَمُ ﵇، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالزِّرَاعَةِ حِينَ أُهْبِطُ مِنَ الْجَنَّةِ وَزَرَعَ، أَرْسَلَ اللَّهُ طَائِرَيْنِ عَلَيْهِ يَأْكُلَانِ مَا زَرَعَ وَيُخْرِجَانِ مَا بَذَرَ، فَشَكَا إِلَى اللَّهِ ذَلِكَ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَبِيَدِهِ قَوْسٌ وَوَتَرٌ وَسَهْمَانِ، فَقَالَ آدَمُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَأَعْطَاهُ الْقَوْسَ وَقَالَ: هَذَا قُوَّةُ اللَّهِ، وَأَعْطَاهُ الْوَتَرَ وَقَالَ: هَذِهِ شِدَّةُ اللَّهِ، وَأَعْطَاهُ السَّهْمَيْنِ وَقَالَ: هَذِهِ نِكَايَةُ اللَّهِ، وَعَلَّمَهُ الرَّمْيَ بِهِمَا، فَرَمَى الطَّائِرَيْنِ فَقَتَلَهُمَا وَجَعَلَهَا عُدَّةً فِي غُرْبَتِهِ وَأُنْسًا عِنْدَ وَحْشَتِهِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ثُمَّ إِلَى وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: خُذْهَا ونش أب، وَمِنْهُ اشْتُقَّ اسْمُ النُّشَّابِ. وَاخْتُلِفَ فِي قَوْسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، هَلْ هِيَ الْقَوْسُ الَّتِي هَبَطَتْ عَلَى

стр. 429

آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ غَيْرُهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا هِيَ، وَإِنَّ آدَمَ خَبَّأَهَا كَمَا خَبَّأَ عَصَا مُوسَى، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا غَيْرُهَا، وَإِنَّ اللَّهَ أَهْبَطَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ قَوْسًا مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ وَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ أَرَمَى أَهْلِ زَمَانِهِ، وَعَنْهُ أُخِذَ الرَّمْيُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، وَالَّذِي ذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَنَعَهَا هِيَ قَوْسُ النَّبْعِ، وَصَحَّ أَنَّ تَرْكَ الرَّمْيِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ مَعْصِيَةٌ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ رَمَى بِالْقَوْسِ وَرَكِبَ الْخَيْلَ مُسْرَجَةً وَمُعَرَّاةً، وَتَقَلَّدَ بِالسَّيْفِ وَطَعَنَ بِالرُّمْحِ، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُ قِسِيٍّ: قَوْسٌ تُدْعَى الرَّوْحَاءَ، وَقَوْسٌ تُسَمَّى الْبَيْضَاءَ، وَقَوْسٌ تُسَمَّى الصَّفْرَاءَ، وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ الْمُحْتَسِبَ فِيهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَإِنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَكُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إِلَّا تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَرَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ وَمُلَاعَبَةَ امْرَأَتِهِ» " فَهَلْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ صَحِيحَةٌ؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَكُمْ زِيَادَةٌ فَتَفَضَّلُوا بِهَا. الْجَوَابُ: أَمَّا الْمَنْقُولُ عَنِ الطَّبَرِيِّ أَوَّلًا فَلَمْ أَرَ لَهُ أَصْلًا فِي الْحَدِيثِ، وَرَاجَعْتُ تَارِيخَ الطَّبَرِيِّ فِي تَرْجَمَةِ آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ فَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ، وَلَا يَبْعُدُ صِحَّتُهُ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَ آدَمَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ، وَرَأَيْتُ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا آدَمُ حَتَّى تَقَادَمَتِ الْعَرَبِيَّةُ فَحُرِّفَتْ وَصَارَتْ سُرْيَانِيَّةً، فَجَاءَ إِسْمَاعِيلُ وَفَتَقَ اللَّهُ لِسَانَهُ بِهَا، وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ ﷺ رَمَى بِالْقَوْسِ وَرَكِبَ الْخَيْلَ، فَصَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ، وَمِنْ رُكُوبِهِ الْخَيْلَ مُعْرَوْرَاتٍ رُكُوبُهُ فَرَسَ أَبِي الدَّحْدَاحِ لَيْلَةَ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: «لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا» . وَأَمَّا تَقَلُّدُهُ السَّيْفَ. . . وَأَمَّا حَدِيثُ «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ» - الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، فَأَخْرَجَهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، وَأَمَّا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ إِجَابَةً لِمَا الْتَمَسَ السَّائِلُ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الرَّمْيِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الْقِسِيَّ إِبْرَاهِيمُ، عَمِلَ لِإِسْمَاعِيلَ قَوْسًا وَلِإِسْحَاقَ قَوْسًا، فَكَانُوا يَرْمُونَ بِهِمَا، فَعَلَّمَهُمُ الرَّمْيَ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْقَوْسَ الْفَارِسِيَّةَ نمروذ، وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ أبي رافع مَرْفُوعًا: " «حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْكِتَابَةَ وَالسِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ» " وَفِي الصَّحِيحِ: " «ارْمُوا بَنِي

стр. 430

إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا» " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي تَفْسِيرِ «قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] " أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ " قَالَهَا ثَلَاثًا» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " «مَنْ مَشَى بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ» ". وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ فَإِنَّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» " وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ عائشة مَرْفُوعًا: " «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِذَا أَلَحَّ بِهِ هَمُّهُ أَنْ يَتَقَلَّدَ قَوْسَهُ فَيَنْفِي بِهَا هَمَّهُ» " وَأَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةٌ، وَرُوِيَ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أبي عمرو الأنصاري البدري: " «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَصَّرَ أَوْ بَلَغَ كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّمْيِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ أَلَّفْتُ كِتَابًا فِي الرَّمْيِ سَمَّيْتُهُ غَرْسَ الْأَنْشَابِ فِي الرَّمْيِ بِالنُّشَّابِ، وَكِتَابًا فِي الْخَيْلِ سَمَّيْتُهُ جَرَّ الذَّيْلِ فِي عِلْمِ الْخَيْلِ. [الْقَوْلُ الْجَلِيُّ فِي حَدِيثِ الْوَلِيِّ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَسْأَلَةٌ: الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ شُورَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ اللَّهِ يَقُولُ : " «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَإِنِّي لَأَغْضَبُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَغْضَبُ اللَّيْثُ الْحَرِدُ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَيَدًا، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يَسْأَلُنِي الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فَيُفْسِدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السُّقْمُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، إِنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ; إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» "، مَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ؟ وَمَا حَالُهُ؟

стр. 431

الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَوْلِيَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ والحكم بن موسى قَالَا: ثَنَا الحسن بن يحيى الخشني عَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ هشام الكناني، عَنْ أَنَسٍ، بِطُولِهِ وَلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ الحسن بن يحيى الخشني، قَالَ: ثَنَا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا عبد الجبار بن عاصم ح وَثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ، ثَنَا أحمد بن يحيى الحلواني ح وَثَنَا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا أحمد بن محمد بن يزيد البراتي، قَالَا: ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثَنَا الحسن بن يحيى الخشني بِهِ بِطُولِهِ وَلَفْظِهِ وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ إِلَّا هشام، وَعَنْهُ صَدَقَةُ، تَفَرَّدَ بِهِ الحسن، والحسن بن يحيى قَالَ الذهبي: تَرَكُوهُ، وَقَالَ أبو حاتم: صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَقَالَ دحيم: لَا بَأْسَ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عمر بن سعيد الدمشقي - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عبد الكريم الجزري، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَإِنِّي لَأَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي، إِنِّي لَأَغْضَبُ لَهُمْ كَمَا يَغْضَبُ اللَّيْثُ الْحَرِدُ» " هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا، ثُمَّ إِنَّ لِأَصْلِ الْحَدِيثِ شَوَاهِدَ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ : «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» " تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ، وَأَوْرَدَهُ الذهبي فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ خالد وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، تَفَرَّدَ بِهِ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَلَوْلَا هَيْبَةُ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ لَعَدَدْتُهُ فِي مُنْكَرَاتِ خالد، وَذَلِكَ لِغَرَابَةِ لَفْظِهِ وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ شريك وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ. اه. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حماد بن خالد الخياط، عَنْ عبد الواحد مولى عروة، عَنْ عروة، عَنْ عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ الْفَرَائِضِ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي

стр. 432

عَنْ وَفَاتِهِ لِأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» " وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا عبد الواحد، وَثَّقَهُ أبو زرعة والعجلي وَابْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُمْ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، قَالَ: ثَنَا هارون بن كامل، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثَنَا إبراهيم بن سويد المدني، حَدَّثَنِي أبو حزرة يعقوب بن مجاهد، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائشة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمِثْلِ أَدَاءِ فَرَائِضِي، وَإِنَّ عَبْدِي لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ عَيْنَهُ الَّتِي يُبْصِرُ بِهَا، وَأُذُنَهُ الَّتِي يَسْمَعُ بِهَا، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» "، وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عروة إِلَّا أبو حزرة وعبد الواحد بن ميمون. قُلْتُ: وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا هارون. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ عَنِ العباس بن الوليد، عَنْ يوسف بن خالد، عَنْ عمر بن إسحاق، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ميمونة أم المؤمنين أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «قَالَ اللَّهُ : مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ فَرَائِضِي، وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ رِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَقَلْبَهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ، إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» ". ويوسف - هو السمتي - كَذَّابٌ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أبي أمامة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْعَدَاوَةِ. ابْنَ آدَمَ، لَمْ تُدْرِكْ مَا عِنْدِي إِلَّا بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَحَبَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَأَكُونَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَقَلْبَهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ، فَإِذَا دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَإِنِ اسْتَنْصَرَنِي نَصَرْتُهُ» ". وَفِي سَنَدِهِ علي بن زيد ضَعِيفٌ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ نَاصَبَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَرُبَّمَا سَأَلَنِي وَلِيِّي الْمُؤْمِنُ الْغِنَى فَأَصْرِفُهُ عَنِ الْغِنَى إِلَى الْفَقْرِ، وَلَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى الْغِنَى لَكَانَ شَرًّا لَهُ، وَرُبَّمَا سَأَلَنِي وَلِيِّي الْمُؤْمِنُ الْفَقْرَ فَأَصْرِفُهُ إِلَى الْغِنَى، وَلَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى الْفَقْرِ لَكَانَ شَرًّا لَهُ» ". وَمِنْ شَوَاهِدِ قَوْلِهِ: " «وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي

стр. 433

لَمَنْ يَسْأَلُنِي الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ» " إِلَى آخِرِهِ، مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ عَنْ حاجب بن أبي بكر، عَنْ أحمد الدورقي، عَنْ أبي عثمان الأموي، عَنْ صخر بن عكرمة، عَنْ كليب الجهني ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «قَالَ اللَّهُ : لَوْلَا أَنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ مِنَ الْعُجْبِ مَا خَلَّيْتُ بَيْنَ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الذَّنْبِ» " وَمَا أَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ جعفر بن محمد بن عيسى الناقد، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ ضمام بن إسماعيل، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْلَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْجَبُ بِعَمَلِهِ لَعُصِمَ مِنَ الذَّنْبِ حَتَّى لَا يَهُمَّ بِهِ، وَلَكِنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْعُجْبِ» "، وَمَا أَخْرَجَهُ أبو نعيم والحاكم فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ سلام بن أبي الصهباء، عَنْ ثابت، عَنْ أَنَسٍ، والديلمي مِنْ طَرِيقِ كثير بن يحيى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الجريري، عَنْ أبي نضرة، عَنْ أبي سعيد قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ لَمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ لَخِفْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ: الْعُجْبَ الْعُجْبَ» ". مَسْأَلَةٌ: شَخْصٌ رَوَى حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: " «مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» "، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: تُجَازِفُ فِي الْحَدِيثِ، فَمَا حَالُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا مَعْنَاهُ؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالتَّرَدُّدُ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ أَجْوِبَةٌ مَشْهُورَةٌ، أَحْسَنُهَا - وَعَلَيْهِ [جَرَى] ابن الجوزي - أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْخِطَابِ لَنَا بِمَا نَعْقِلُ، وَالْبَارِي تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: " «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» " فَكَمَا أَنَّ أَحَدَنَا يُرِيدُ ضَرْبَ وَلَدِهِ تَأْدِيبًا فَتَمْنَعُهُ الْمَحَبَّةُ وَتَبْعَثُهُ الشَّفَقَةُ فَيَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْوَالِدِ كَالْمُعَلِّمِ لَمْ يَتَرَدَّدْ، بَلْ كَانَ يُبَادِرُ إِلَى ضَرْبِهِ لِتَأْدِيبِهِ، فَأُرِيدَ تَفْهِيمُنَا لِتَحْقِيقِ الْمَحَبَّةِ لِلْوَلِيِّ بِذِكْرِ التَّرَدُّدِ جَرْيًا عَلَى مُخَاطَبَةِ الْعَرَبِ بِمَا يَفْهَمُونَ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَعْرَبَهُ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ» " هَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أبي عصمة، عَنْ زيد العمي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ

стр. 434

قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ كُلَّهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ أَرْبَعُونَ حَسَنَةً، فَإِنْ أَعْرَبَ بَعْضَهُ وَلَحَنَ فِي بَعْضِهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَإِنْ لَمْ يُعْرِبْ مِنْهُ شَيْئًا فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» " وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ لَمْ يُدْرِكْ عمر، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ. الثَّانِي أَنَّ زيدا العمي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. الثَّالِثُ أَنَّ عصمة هو نوح بن أبي مريم الْجَامِعُ الْكَذَّابُ الْمَعْرُوفُ بِالْوَضْعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا صَنَعَتْ يَدَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الذهبي فِي تَرْجَمَتِهِ وَعَدَّهُ مِنْ مَنَاكِيرِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى مُخَالِفَةٍ فِي السَّنَدِ وَالصَّحَابِيِّ وَالْمَتْنِ، وَهُوَ دَلِيلُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ وَنَكَارَتِهِ وَاضْطِرَابِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الفضل بن هارون، ثَنَا إسماعيل بن هارون الترجماني، ثَنَا عبد الرحيم بن زيد العمي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عروة، عَنْ عائشة مَرْفُوعًا: " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى أَيِّ حَرْفٍ كَانَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ فَأَعْرَبَ بَعْضًا وَلَحَنَ بَعْضًا كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَمُحِيَ عَنْهُ عِشْرُونَ سَيِّئَةً، وَرُفِعَ لَهُ عِشْرُونَ دَرَجَةً، وَمَنْ قَرَأَهُ وَأَعْرَبَهُ كُلَّهُ كُتِبَ لَهُ أَرْبَعُونَ حَسَنَةً وَمُحِيَ عَنْهُ أَرْبَعُونَ سَيِّئَةً وَرُفِعَ لَهُ أَرْبَعُونَ دَرَجَةً» "، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عروة إِلَّا زيد، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُهُ، وَقَدْ عَرَفْتَ ضَعْفَ زيد، وَابْنُهُ مَتْرُوكٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عبد العزيز بن أبي رواد، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَ فِي قِرَاءَتِهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَمَنْ قَرَأَهُ بِغَيْرِ إِعْرَابٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» " وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا ; فَإِنَّ بقية مُدَلِّسٌ وَقَدْ عَنْعَنَهُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وأبو نعيم مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عبد الرحمن بن يحيى، عَنْ مالك، عَنِ ابن القاسم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة مَرْفُوعًا: " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ كَانَتْ لَهُ دَعْوَةٌ عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَجَابَةٌ، إِنْ شَاءَ أَعَدَّ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " وَهُوَ غَرِيبٌ أَيْضًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ نهشل، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ أبي الأحوص، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَكَفَّارَةُ عَشْرِ سَيِّئَاتٍ، وَرَفْعُ عَشْرِ دَرَجَاتٍ» ". ونهشل مَتْرُوكٌ. مَسْأَلَةٌ: الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَهُوَ الْخُمُولُ نِعْمَةٌ وَكُلٌّ يَأْبَاهُ، وَالشُّهْرَةُ آفَةٌ وَكُلٌّ يَرْضَاهُ، هَلْ وَرَدَ؟ الْجَوَابُ: لَيْسَ هَذَا بِحَدِيثٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ

стр. 435

الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ: سَمِعْتُ أبا النواس هبة الله بن سعد الطبري بِآمُلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَدِّي لِأُمِّي الْإِمَامَ أَبَا الْمَحَاسِنِ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الرُّويَانِيَّ يَقُولُ: الشُّهْرَةُ آفَةٌ، وَكُلٌّ يَتَحَرَّاهَا، وَالْخُمُولُ رَاحَةٌ وَكُلٌّ يَتَوَقَّاهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْخُمُولِ قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن علي، ثَنَا إبراهيم بن الأشعث، سَمِعْتُ الفضيل يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُقَالُ لِلْعَبْدِ فِي بَعْضِ مِنَنِهِ [الَّتِي] مَنَّ بِهَا عَلَيْهِ: أَلَمْ أُنْعِمْ عَلَيْكَ؟ أَلَمْ أُعْطِكَ؟ أَلَمْ أُخْمِلْ ذِكْرَكَ؟ أَلَمْ أَلَمْ؟ مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» " وَحَدِيثُ: «اتَّخِذُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ أَيَادِيَ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ دَوْلَتُهُمْ» ، وَحَدِيثُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُنْشِدَ بَيْنَ يَدَيْهِ: لَسَعَتْ حَيَّةُ الْهَوَى كَبِدِي ... فَلَا طَبِيبَ لَهَا وَلَا رَاقِي إِلَّا الْحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ ... فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وَتِرْيَاقِي فَتَوَاجَدَ حَتَّى سَقَطَتِ الْبُرْدَةُ عَنْ كَتِفَيْهِ» ، مَا حَالُهَا؟ الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْحَدِيثَانِ الْآخَرَانِ بَاطِلَانِ مَوْضُوعَانِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «خَيْرُكُمْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ الْخَفِيفُ الْحَاذِ» " هَلْ هُوَ صَحِيحٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ " الْحَالِ " بِاللَّامِ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ آخَرُ: إِنَّهُ " الْجَادِ " بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ آخَرُ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ: " «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» " فَهَلْ مَا قَالُوهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ بِلَفْظِ: «خَيْرُكُمْ فِي الْمِائَتَيْنِ كُلُّ خَفِيفِ الْحَاذِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ خَفِيفُ الْحَاذِ؟ قَالَ: مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ» . وَفِي إِسْنَادِهِ داود بن الجراح، قَالَ فِيهِ أحمد: لَا بَأْسَ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ سفيان بِمَنَاكِيرَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: رَوَى غَيْرَ حَدِيثٍ مُنْكَرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أبو حاتم: مَحَلُّهُ الصِّدْقُ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ، قَالَ الذهبي فِي الْمِيزَانِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا غَلِطَ فِيهِ ; فَإِنَّ أبا حاتم

стр. 436

قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ مُنْكَرٌ لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ الثِّقَاتِ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ بَدْءُ هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا ذُكِرَ لِي أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَوَّادٍ فَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَاسْتَحْسَنَهُ وَكَتَبَهُ، ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ بَعْدُ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ سَمَاعِهِ. انْتَهَى. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة: " «إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ، ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ» "، وَأَمَّا الْحَاذُ فَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ بِاللَّامِ أَوْ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، فَقَدْ صَحَّفَ، قَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ فِي حَرْفِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي فَصْلِ حَوَذَ: وَأَصْلُ الْحَاذِ طَرِيقَةُ الْمَتْنِ، وَهُوَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اللِّبْدُ مِنْ ظَهْرِ الْفَرَسِ ; أَيْ خَفِيفُ الظَّهْرِ مِنَ الْعِيَالِ، وَالْحَاذُ وَالْحَالُ وَاحِدٌ، وَكَذَا قَالَ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، وَزَادَ: ضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلًا لِقِلَّةِ مَالِهِ وَعِيَالِهِ، وَفِي الصِّحَاحِ: حَاذُ مَتْنِهِ وَحَالُ مَتْنِهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَوْضِعُ اللِّبْدِ مِنْ ظَهْرِ الْفَرَسِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ» " أَيْ خَفِيفُ الظَّهْرِ. انْتَهَى. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَلَمْ يُصِبْ ; لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّسْخَ خَاصٌّ بِالطَّلَبِ وَلَا يَدْخُلُ الْخَبَرَ، وَهَذَا خَبَرٌ كَمَا تَرَى، ثُمَّ إِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: " «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» " حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ، فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ وَخَشِيَ مِنَ النِّكَاحِ التَّوْرِيطَ فِي أُمُورٍ يَخْشَى مِنْهَا عَلَى دِينِهِ بِسَبَبِ طَلَبِ الْمَعِيشَةِ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَلَا نَسْخَ، فَدَعْوَى النَّسْخِ فِي الْخَبَرِ جَهْلٌ بِقَوَاعِدِ الْأُصُولِ. مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ صَاحِبِ الشِّفَا عَنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ عِبَادَتُهُمْ كُلُّ دَارٍ فِيهَا اسْمُ مُحَمَّدٍ» " هَلْ هِيَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَوْ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ؟ وَإِذَا كَانَتْ بِالْيَاءِ فَمَا مَعْنَاهَا؟ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ فَمَا مَعْنَاهَا؟ الْجَوَابُ: هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، مِنَ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: كُلُّ دَارٍ، عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ ; أَيْ حِرَاسَةُ كُلِّ دَارٍ أَوْ حِفْظُ كُلِّ دَارٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ. مَسْأَلَةٌ: الْأَسْمَاءُ الَّتِي اشْتَهَرَتْ للبوني هَلْ لَهَا أَصْلٌ؟ الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ لَهَا عَلَى أَصْلٍ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن سعيد، ثَنَا سلام الطويل عَنِ الحسن بن علي، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ إِدْرِيسَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ فَشَا فِيهِمُ السِّحْرُ فَلَمْ يُطِقْهُمْ، عَلَّمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ لَا تُبْدِيهِنَّ لِلْقَوْمِ فَيَدْعُونِي بِهِنَّ، وَلَكِنْ قُلْهُنَّ سِرًّا فِي نَفْسِكَ، فَكَانَ إِذَا دَعَا بِهِنَّ اسْتُجِيبَ لَهُ، وَبِهِنَّ دَعَا فَرَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا، ثُمَّ عَلَّمَهُنَّ اللَّهُ مُوسَى وَكَانَ لَا

стр. 437

يَخْلُصُ إِلَيْهِ سِحْرٌ وَلَا سُمٌّ إِذَا دَعَا بِهِنَّ، ثُمَّ عَلَّمَهُنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَكَانَ إِذَا دَعَا بِهِنَّ اسْتُجِيبَ لَهُ، وَبِهِنَّ دَعَا فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ. قَالَ الحسن: فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ الْتِمَاسَ الْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَاغْتَسِلْ وَالْبَسْ ثِيَابًا جُدُدًا، وَقُمْ إِذَا نَامَ كُلُّ ذِي عَيْنٍ فَاخْرُجْ إِلَى فَضَاءٍ مِنَ الْأَرْضِ فَادْعُ اللَّهَ بِهِنَّ أَرْبَعِينَ مَرَّةً؛ فَإِنَّهُنَّ أَرْبَعُونَ اسْمًا عَدَدَ أَيَّامِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ مِنْ أَمْرِ آخِرَتِكَ وَدُنْيَاكَ، تَقُولُ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَوَارِثَهُ، يَا إِلَهَ الْآلِهَةِ الرَّفِيعُ جَلَالُهُ، يَا اللَّهُ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ فِعَالِهِ، يَا رَحْمَنَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَاحِمَهُ، يَا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ فِي دَيْمُومَةِ مُلْكِهِ وَبَقَائِهِ، يَا قَيُّومُ فَلَا يَفُوتُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ وَلَا يَئُودُهُ، يَا وَاحِدُ الْبَاقِي أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ وَآخِرَهُ، يَا دَائِمُ فَلَا فَنَاءَ وَلَا زَوَالَ لِمُلْكِهِ، يَا صَمَدُ فِي غَيْرِ شِبْهٍ وَلَا شَيْءَ كَمِثْلِهِ، يَا بَارُّ فَلَا شَيْءَ كُفْؤُهُ يُدَانِيهِ وَلَا إِمْكَانَ لِوَصْفِهِ، يَا كَبِيرُ أَنْتَ الَّذِي لَا تَهْتَدِي الْقُلُوبُ لِصِفَةِ عَظَمَتِهِ، يَا بَارِيَ النُّفُوسِ بِلَا مِثَالٍ خَلَا عَنْ غَيْرِهِ، يَا زَاكِيَ الطَّاهِرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْسِهِ، يَا كَافِي الْمُوسِعُ لِمَا خَلَقَ مِنْ عَطَاءِ فَضْلِهِ، يَا نَقِيًّا مِنْ كُلِّ جَوْرٍ لَمْ يَرْضَهُ وَلَمْ يُخَالِطْ فِعَالَهُ، يَا حَنَّانُ أَنْتَ الَّذِي وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، يَا مَنَّانُ ذَا الْإِحْسَانِ قَدْ عَمَّ كُلَّ الْخَلَائِقِ مَنُّهُ، يَا دَيَّانَ الْعِبَادِ فَكُلٌّ يَقُومُ خَاضِعًا لِرَهْبَتِهِ، يَا خَالِقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكُلٌّ إِلَيْهِ مَعَادُهُ، يَا رَحِيمَ كُلِّ صَرِيخٍ وَمَكْرُوبٍ وَغِيَاثَهُ وَمَعَاذَهُ، يَا تَامُّ فَلَا تَصِفُ الْأَلْسُنُ كُلَّ جَلَالِهِ وَعِزِّهِ، يَا مُبْدِئَ الْبَدَائِعِ لَمْ يَبْغِ فِي إِنْشَائِهَا عَوْنًا مِنْ خَلْقِهِ، يَا عَلَّامَ الْغُيُوبِ فَلَا يَئُودُهُ شَيْءٌ مِنْ حِفْظِهِ، يَا حَلِيمُ ذُو الْأَنَاةِ فَلَا يُعَادِلُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، يَا مُعِيدٌ مَا أَفْنَى إِذَا بَرَزَ الْخَلَائِقُ لِدَعْوَتِهِ مِنْ مَخَافَتِهِ، يَا حَمِيدَ الْفِعَالِ ذَا الْمَنِّ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِلُطْفِهِ، يَا عَزِيزُ الْمَنِيعُ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ فَلَا شَيْءَ يُعَادِلُهُ، يَا قَاهِرُ ذَا الْبَطْشِ الشَّدِيدِ أَنْتَ الَّذِي لَا يُطَاقُ انْتِقَامُهُ، يَا قَرِيبُ الْمُتَعَالِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ عُلُوُّهُ وَارْتِفَاعُهُ، يَا مُذِلَّ كُلِّ جَبَّارٍ بِقَهْرِ عَزِيزِ سُلْطَانِهِ، يَا نُورَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدَاهُ أَنْتَ الَّذِي فَلَقَ الظُّلُمَاتِ نُورُهُ، يَا عَالِي الشَّامِخُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ عُلُوُّهُ وَارْتِفَاعُهُ، يَا قُدُّوسُ الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ يُعَادِلُهُ مِنْ خَلْقِهِ، يَا مُبْدِئَ الْبَرَايَا وَمُعِيدَهَا بَعْدَ فَنَائِهَا بِقُدْرَتِهِ، يَا جَلِيلُ الْمُتَكَبِّرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَالْعَدْلُ أَمْرُهُ وَالصِّدْقُ وَعْدُهُ، يَا مَحْمُودُ فَلَا تَبْلُغُ الْأَوْهَامُ كُلَّ ثَنَائِهِ وَمَجْدِهِ، يَا كَرِيمَ الْعَفْوِ ذَا الْعَدْلِ أَنْتَ الَّذِي مَلَأَ كُلَّ شَيْءٍ عَدْلُهُ، يَا عَظِيمُ ذَا الثَّنَاءِ الْفَاخِرِ وَذَا الْعِزِّ وَالْمَجْدِ وَالْكِبْرِيَاءِ فَلَا يُذَلُّ عِزُّهُ، يَا عَجِيبُ فَلَا تَنْطِقُ الْأَلْسُنُ بِكُلِّ آلَائِهِ وَثَنَائِهِ، يَا غِيَاثِي عِنْدَ كُلِّ كُرْبَةٍ وَيَا مُجِيبِي عِنْدَ كُلِّ دَعْوَى أَسْأَلُكَ أَمَانًا مِنْ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ تَحْبِسَ عَنِّي أَبْصَارَ الظَّلَمَةِ الْمُرِيدِينَ بِيَ

стр. 438

السُّوءَ، وَأَنْ تَصْرِفَ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَرِّ مَا يُضْمِرُونَ إِلَى خَيْرِ مَا لَا يَمْلِكُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ وَمِنْكَ الْإِجَابَةُ، وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ؟ الْجَوَابُ: ذَكَرَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تقي الدين الشمني ﵀ فِي حَاشِيَةِ الشِّفَا عِنْدَ ذِكْرِهِ شِرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّرَاوِيلِ وَقَوْلِهِ لأبي هريرة: " «صَاحِبُ الشَّيْءِ أَحَقُّ بِحَمْلِهِ» "، قَالَ: قَالُوا: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَلَكِنَّهُ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَلْبَسْهَا، وَفِي الْهُدَى لابن القيم أَنَّهُ لَبِسَهَا، قَالُوا: وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ. انْتَهَى. وَقَدْ أَجَبْتُ بِذَلِكَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الشِّفَا فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَمُسْنَدِ أبي يعلى، وَفِيهِ أَنَّهُ لَبِسَهَا، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «دَخَلْتُ يَوْمًا السُّوقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ إِلَى الْبَزَّازِينَ فَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَكَانَ لِأَهْلِ السُّوقِ وَزَّانٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " زِنْ وَأَرْجِحْ "، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّرَاوِيلَ فَذَهَبْتُ لِأَحْمِلَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: " صَاحِبُ الشَّيْءِ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا يَعْجِزُ عَنْهُ فَيُعِينُهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّكَ لَتَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ؟ قَالَ: " أَجَلْ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَبِاللَّيْلِ وَبِالنَّهَارِ، فَإِنِّي أُمِرْتُ بِالسَّتْرِ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَسْتَرَ مِنْهُ» أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ يوسف بن زياد الواسطي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الْأَفْرِيقِيِّ، عَنْ أبي مسلم الأغر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ويوسف وَشَيْخُهُ ضَعِيفَانِ. وَأَخْرَجَ أحمد قَالَ: ثَنَا يزيد بن هارون، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، «سَمِعْتُ أبا صفوان مالك بن عمير الأسدي يَقُولُ: قَدِمْتُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَرَى مِنِّي سَرَاوِيلَ فَأَرْجَحَ لِي» . مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» " مَا الْمُرَادُ بِأَخَوَاتِهَا؟ الْجَوَابُ: الْمُرَادُ بِهِ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، كَذَا ثَبَتَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والحاكم، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَالْحَاقَّةِ، زَادَ ابن مردويه فِي أُخْرَى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، زَادَ ابن سعد فِي أُخْرَى: الْقَارِعَةِ وَسَأَلَ سَائِلٌ، وَفِي أُخْرَى عَنْ عطاء قَوْلَهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] . مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَعْنِي حَدِيثَ: " «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» " عَلَى بُطْلَانِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُطْعَمُ وَيُسْقَى مِنْ رَبِّهِ إِذَا وَاصَلَ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ جَائِعًا مَعَ عَدَمِ الْوِصَالِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى

стр. 439

شَدِّ حَجَرٍ عَلَى بَطْنِهِ؟ قَالَ: وَأَمَّا لَفْظُ الْحَدِيثِ " الْحُجْزَ " بِالزَّايِ، وَهُوَ طَرَفُ الْإِزَارِ، فَتَصَحُّفٌ بِالرَّاءِ. الْجَوَابُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُطْعَمَ وَيُسْقَى إِذَا وَاصَلَ فِي الصَّوْمِ تَكْرِمَةً لَهُ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْجُوعُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ عَلَى وَجْهِ الِابْتِلَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْأَنْبِيَاءِ تَعْظِيمًا لَهُ، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا» " وَكَمَا قَالَ جابر فِي حَدِيثِهِ لِامْرَأَتِهِ: «سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ» . مَسْأَلَةٌ: سِيرَةُ الْبَكْرِيِّ هَلْ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، أَوِ الْغَالِبُ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ؟ وَهَلْ تَجُوزُ قِرَاءَتُهَا؟ الْجَوَابُ: الْغَالِبُ عَلَيْهَا الْبُطْلَانُ وَالْكَذِبُ، وَلَا تَجُوزُ قِرَاءَتُهَا. مَسْأَلَةٌ: هَلْ رُدَّتِ الشَّمْسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَمَا غَرَبَتْ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ أَوْ فِي غَيْرِهَا؟ وَهَلْ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا أَوْ قَضَاهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؟ الْجَوَابُ: الثَّابِتُ فِي الصِّحَاحِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، لَكِنْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ إِلَيْهِ حَتَّى صَلَّاهَا وَقَالَ: إِنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ، حَكَاهُ عَنْهُ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، والحافظ ابن حجر فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمَا فِي الصِّحَاحِ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: بَعْدَمَا غَرَبَتْ، أَوْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، عَلَى وُجُودِ الْغُرُوبِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَهَا عَادَتْ، فَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ رِوَايَةَ الصِّحَاحِ سَكَتَتْ عَنِ الْعَوْدِ الثَّابِتِ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ لِأَجْلِهِ بَعْدَمَا غَرَبَتْ عَنْ علي ﵁، وَكَانَتِ الْعَصْرُ فَاتَتْهُ، وَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ» " فَطَلَعَتْ بَعْدَمَا غَرَبَتْ، وَوَرَدَ أَنَّ الشَّمْسَ حُبِسَتْ لَهُ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ حِينَ أُخْبِرَ بِقُدُومِ الْعِيرِ فَأَبْطَأَتْ، وَالْقِصَّتَانِ فِي الشِّفَا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» " هَلْ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ، هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وعصمة بن مالك.

стр. 440

مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ حَجَرُ بِلَّوْرٍ يَقْعُدُ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَيَقُولُ: الْأَحْجَارُ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا الْحَجَرُ مِنْ جِنْسِ الْأَحْجَارِ الَّتِي سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَذَبْتَ، هَذَا الْحَجَرُ مَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مِنْ جِنْسِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَأَيُّهُمَا الْمُخْطِئُ وَالْمُصِيبُ؟ وَهَلِ الْأَحْجَارُ إِذَا سَمِعَتْ صَوْتَ الْمُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلْ تُصَلِّي عَلَيْهِ بِلِسَانِ الْحَالِ، كَمَا وَرَدَ أَنَّ مَنْ كَتَبَ اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوَرَقِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَا تَزَالُ تِلْكَ الْأَحْرُفُ تُصَلِّي مَا دَامَتْ تِلْكَ الْأَحْرُفُ مَكْتُوبَةً؟ وَهَلْ ثَبَتَ أَنَّ الْحَجَرَ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ الْجَوَابُ: ثَبَتَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ أَنَّ الْأَحْجَارَ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنِ الْبِلَّوْرُ بِخُصُوصِهِ لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحْجَارَ إِذَا سَمِعَتِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ، وَلَا وَرَدَ أَيْضًا أَنَّ مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ الشَّرِيفَ فِي الْوَرَقِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحْرُفُ، وَإِنَّمَا الْوَارِدُ: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ - أَيْ عَلَى الْمُصَلِّي - مَا دَامَ اسْمُهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، ﷺ » . مَسْأَلَةٌ: فِي خَبَرٍ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَخَلَقَ الْأَرْزَاقَ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، مَا الْجَوَابُ عَنِ التَّعَارُضِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ؟ الْجَوَابُ: إِنَّمَا يُطْلَبُ الْجَوَابُ عَنِ التَّعَارُضِ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ ثَابِتَيْنِ، وَهَذَانَ الْحَدِيثَانِ غَيْرُ ثَابِتَيْنِ، أَمَّا الثَّانِي فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَوَرَدَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا، فَلَا نُعَوِّلُ عَلَيْهِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلْأَرْزَاقِ. مَسْأَلَةٌ: فِي أَخْبَارٍ وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «احْتَجَمَ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَبَيْنَ الْكَتِفَيْنِ» ، وَقِيلَ: فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ، وَقِيلَ: وَهُوَ مُحْرِمٌ بِمُشَلَّلٍ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، مَا الْجَوَابُ عَنِ الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ وَعَنِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ؟ الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أبو داود عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «احْتَجَمَ ثَلَاثًا فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ» ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْأَخْدَعَانِ: عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ، وَالْكَاهِلُ مُقَدَّمُ أَعْلَى الظَّهْرِ، وَقَالَ الجوهري فِي الصِّحَاحِ: الْأَخْدَعُ: عِرْقٌ، وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الْوَرِيدِ، وَهُمَا أَخْدَعَانِ، وَرُبَّمَا وَقَعَتِ الشَّرْطَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَيَنْزِفُ صَاحِبُهُ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي

стр. 441

فَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِمُشَلَّلٍ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا، اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. مَسْأَلَةٌ: فِيمَا وَرَدَ عَنْ بحيرا أَنَّهُ بَشَّرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، هَلْ كَانَتْ تِلْكَ الْبِشَارَةُ صَادِرَةً مِنْهُ عَنْ إِيمَانٍ بِهِ حِينَئِذٍ؟ وَهَلْ مَاتَ بحيرا قَبْلَ الْبَعْثَةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَهَلْ مَاتَ مُسْلِمًا أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: بِشَارَةُ بحيرا الرَّاهِبِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا لَقِيَهُ فِي سَفَرِهِ كَانَتْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، فَفِي طَبَقَاتِ ابن سعد وَدَلَائِلِ أبي نعيم أَنَّ سِنَّهُ ﷺ كَانَ إِذْ ذَاكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابن منده: عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ بحيرا عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ وَانْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُهَا، قَالَ ابن حجر فِي كِتَابِ الْإِصَابَةِ: مَا أَدْرِي أَدْرَكَ الْبَعْثَةَ أَمْ لَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابن منده وأبو نعيم فِي كِتَابَيْهِمَا فِي الصَّحَابَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ مَاتَ عَلَى دِينٍ حَقٍّ، وَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ الْبَعْثَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ قَبْلَ نَسْخِهِ بِالْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. مَسْأَلَةٌ: فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ حِينَ وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَطَسَ أَشَمَّتَتْهُ الْمَلَائِكَةُ لِكَوْنِهِ عَطَسَ أَوْ شَمَّتَتْهُ، وَمَا الْمُشَمِّتُ وَمَنِ الرَّاوِي، أَهِيَ الشفاء أَوْ غَيْرُهَا، وَمَا نَسَبُهَا؟ الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ مُصَرِّحًا عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمَّا وُلِدَ عَطَسَ، وَعَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ شَمَّتَتْهُ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ أَحَادِيثِ الْمَوْلِدِ مِنْ مَظَانِّهَا، كَالطَّبَقَاتِ لابن سعد وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ ولأبي نعيم وَتَارِيخِ ابن عساكر عَلَى بَسْطِهِ وَاسْتِيعَابِهِ، وَكَالْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ وَنَحْوِهِ. وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَتْهُ الشفاء فِيهِ لَفْظٌ يُشْبِهُ التَّشْمِيتَ، لَكِنْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ الْعُطَاسُ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أبو نعيم فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أُمِّهِ الشفاء بنت عمرو بن عوف قَالَتْ: لَمَّا وَلَدَتْ آمنة بنت وهب مُحَمَّدًا ﷺ ، وَقَعَ عَلَى يَدَيَّ فَاسْتَهَلَّ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَرَحِمَكَ رَبُّكَ، الْحَدِيثَ، وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الِاسْتِهْلَالَ هُوَ صِيَاحُ الْمَوْلُودِ أَوَّلَ مَا يُولَدُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ هُنَا الْعُطَاسُ فَمُحْتَمَلٌ، وَحَمْلُ الْقَائِلِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَلَكِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الشفاء فَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا بِنْتُ عمرو بن عوف، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابن سعد فِي طَبَقَاتِهِ أَنَّهَا بِنْتُ عوف بن عبد الحرث بن زهرة بن كلاب، أَسْلَمَتْ

стр. 442

قَدِيمًا وَهَاجَرَتْ وَمَاتَتْ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْتِقُ عَنْ أُمِّي؟ فَقَالَ: " نَعَمْ "، فَأَعْتَقَ عَنْهَا، قَالَ ابن سعد: فَكَانَ فِيهَا سُنَّةُ الْعَتَاقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ. مَسْأَلَةٌ: أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ حَدِيثًا فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ» " ثُمَّ قَالَ: " أَيْ طَالِبُهُ " فَهَلْ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ؟ وَهَلْ رَائِدٌ بِمَعْنَى طَالِبٍ كَمَا ذَكَرَهُ، أَوْ لَهُ مَعْنًى آخَرُ؟ فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى طَالِبٍ فَلَيْسَ كُلُّ حُمَّى مَخُوفَةً؛ إِذْ فِيهَا الْمَخُوفُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَوْتِ، وَفِيهَا الْغَيْرُ الْمَخُوفِ، وَقَوْلُهُ: الْحُمَّى، يَشْمَلُ الْكُلَّ. الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، قَالَ ابن الأثير فِي مَعْنَاهُ: أَيْ رَسُولُ الْمَوْتِ الَّذِي يَتَقَدَّمُهُ كَمَا يَتَقَدَّمُ الرَّائِدُ قَوْمَهُ. انْتَهَى. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِيهِ عَدَمُ اسْتِلْزَامِهِ كُلَّ حُمَّى لِلْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ كُلَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مُقَدِّمَاتٌ لِلْمَوْتِ وَمُنْذِرَاتٌ بِهِ، وَإِنْ أَفْضَتْ إِلَى سَلَامَةٍ، جَعَلَهَا [اللَّهُ] تَذْكِرَةً لِابْنِ آدَمَ يَتَفَكَّرُ بِهَا الْمَوْتَ، وَقَدْ أَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَا مِنْ مَرَضٍ يَمْرَضُهُ الْعَبْدُ إِلَّا رَسُولُ مَلَكِ الْمَوْتِ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ مَرَضٍ يَمْرَضُهُ الْعَبْدُ أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ فَقَالَ: أَتَاكَ رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ فَلَمْ تَعْبَأْ بِهِ، وَقَدْ أَتَاكَ رَسُولٌ يَقْطَعُ أَثَرَكَ مِنَ الدُّنْيَا. فِي آثَارٍ أُخَرَ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَوَضَحَ أَنَّ الْأَمْرَاضَ كُلَّهَا رُسُلٌ لِلْمَوْتِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا مُقَدِّمَاتُهُ وَمُنْذِرَاتٌ بِهِ إِلَى أَنْ يَجِيءَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ مُوجِبًا لِلْمَوْتِ بِذَاتِهِ. مَسْأَلَةٌ: مَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﵇: " «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ» " الْحَدِيثَ، وَعَنْ قَوْلِهِ فِي تَعْوِيذَةِ الحسن والحسين: " «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ كُلِّ هَامٍّ وَهَامَّةٍ» " الْحَدِيثَ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْهَامِ وَالثَّانِي عَلَى وُجُودِهِ، فَمَا التَّوْفِيقُ؟ الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ الثَّانِي لَفْظُهُ: " «مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ» " وَالْهَامَّةُ بِالتَّشْدِيدِ وَاحِدَةُ الْهَوَامِّ، وَهِيَ الْحَيَّاتُ وَالْعَقَارِبُ وَمَا شَاكَلَهَا، وَأَمَّا الْهَامَةُ الْمَنْفِيَّةُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَهِيَ بِالتَّخْفِيفِ، شَيْءٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْقَتِيلَ إِذَا قُتِلَ يَخْرُجُ لَهُ طَائِرٌ يُسَمَّى الْهَامَةَ فَيَقُولُ: اسْقُونِي اسْقُونِي، حَتَّى يُؤْخَذَ بِثَأْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: يَا عمرو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ... أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسْقُونِي مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «شِفَاءُ أُمَّتِي فِي ثَلَاثٍ: آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ لَعْقَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ كَأْسٍ مِنْ حَجَّامٍ، أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ» " هَلْ وَرَدَ لَذْعَةٌ مِنْ نَارٍ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ، وَرَدَ لَذْعَةٌ مِنْ نَارٍ، لَكِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: " «إِنْ كَانَ فِي أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي

стр. 443

شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جابر، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» "، وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَعْقَةِ عَسَلٍ» " هَذِهِ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ، وَاللَّذْعَةُ بِسُكُونِ الذَّالِ الْمَنْقُوطَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بِلَا نَقْطٍ، هِيَ الْخَفِيفُ مِنْ حَرْقِ النَّارِ، وَلَيْسَتْ بِالْغَيْنِ الْمَنْقُوطَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا يَنْطِقُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ قَلِّبْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ " هَلْ وَرَدَ؟ . الْجَوَابُ: لَمْ يَرِدْ بِلَفْظِ قَلِّبْ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، إِنَّمَا وَرَدَ: " «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» "، رَوَاهُ أحمد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أسماء بنت يزيد، وَالشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عائشة. مَسْأَلَةٌ: مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُدَّاحِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ: «زَيِّنُوا مَجَالِسَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي أَوْ تُعْرَضُ عَلَيَّ» ، هَلْ هُوَ حَدِيثٌ؟ وَهَلْ هُوَ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ ضَعِيفٌ، وَمَا لَفْظُهُ؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، أَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ بِلَفْظِ: " «زَيِّنُوا مَجَالِسَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ ; فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ عَلَيَّ نُورٌ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَوْ تَبْلُغُنِي، فَقِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ ثَابِتٍ قَوِيٍّ، أَوَّلُهُ: " «صَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الحسن بن علي. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمِغْزَلِ حَدِيثٌ؟ الْجَوَابُ: رَوَى ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ يزيد بن مروان، عَنْ زياد بن عبد الله القرشي قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى هند بنت المهلب بن أبي صفرة، وَهِيَ امْرَأَةُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَرَأَيْتُ فِي يَدِهَا مِغْزَلًا تَغْزِلُ فَقُلْتُ: أَتَغْزِلِينَ وَأَنْتِ امْرَأَةُ أَمِيرٍ؟ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَطْوَلُكُنَّ طَاقَةً أَعْظَمُكُنَّ أَجْرًا، وَهُوَ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَيَذْهَبُ بِحَدِيثِ النَّفْسِ» ". وَأَخْرَجَ ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ موسى بن إبراهيم المروزي: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أبي حازم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَمَلُ الْأَبْرَارِ مِنَ الرِّجَالِ الْخِيَاطَةُ، وَعَمَلُ الْأَبْرَارِ مِنَ النِّسَاءِ الْمِغْزَلُ» " وموسى بن إبراهيم مَتْرُوكٌ. وَأَخْرَجَ ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ محمد

стр. 444

بن بكار السكسكي: ثَنَا موسى بن أبي عوف، ثَنَا العقيلي، ثَنَا زياد أبو السكن، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى أم سلمة وَبِيَدِهَا مِغْزَلٌ تَغْزِلُ بِهِ فَقُلْتُ: كُلَّمَا أَتَيْتُكِ وَجَدْتُ فِي يَدَيْكِ مِغْزَلًا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَيُذْهِبُ حَدِيثَ النَّفْسِ، وَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَعْظَمَكُنَّ أَجْرًا أَطْوَلُكُنَّ طَاقَةً» وَقَالَ الخطيب فِي التَّارِيخِ: أَنَا محمد بن الحسين بن الفضل القطان، أَنَا عثمان بن أحمد الدقاق، ثَنَا سهل بن أحمد الواسطي، ثَنَا عمرو بن علي، قَالَ: محمد بن زياد صَاحِبُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ كَذَّابٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «زَيِّنُوا مَجَالِسَ نِسَائِكُمْ بِالْمِغْزَلِ» ". مَسْأَلَةٌ: مَا الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثٍ صَحَّ فِي سَنَدٍ ... عَنْ أَكْرَمِ الْخَلْقِ وَالْمَبْعُوثِ مِنْ مُضَرِ إِنَّ الْوِلَادَةَ لِلْمَوْلُودِ كَائِنَةٌ ... بِإِذْنِ خَالِقِنَا حَقًّا عَلَى الْفِطَرِ وَوَالِدَاهُ بِتَهْوِيدٍ وَمَا مَعَهُ ... يُصَرِّفَاهُ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ وَبَيْنَ مَا صَحَّ فِي الْآثَارِ أَنَّ إِذَا ... أَرَادَ رَبُّ الْعُلَا التَّخْلِيقَ لِلْبَشَرِ فَيَأْخُذُ الْمَلَكُ الْمَاءَ الْمُخَلَّقَ فِي ... يَدٍ يُمَرِّغُهُ فِي تُرْبٍ مُعْتَبَرِ يَقُولُ يَا رَبِّ مَخْلُوقٌ وَكَيْفَ بِهِ ... مُقَدَّرُ الْخَلْقِ مِنْ أُنْثَى وَمِنْ ذَكَرِ مَا الرِّزْقُ مَا أَجَلٌ مَا الْحَالُ فِيهِ وَهَلْ ... يَشْقَى وَيَسْعَدُ مَا الْمَحْتُومُ فِي الْقَدَرِ مِنْ أَيْنَ لِلْأَبَوَيْنِ الْحُكْمُ فِيهِ إِذَا ... كَانَ الْقَضَا وَمَضَى حَالٌ عَلَى قَدَرِ حَقِّقْ لَنَا يَا إِمَامَ الْعَصْرِ صُورَتَهُ ... يَا عَالِمًا فَاقَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَثَرِ وَحَافِظَا الْمَرْءِ إِنْ حَانَتْ مَنِيَّتُهُ ... وَفَارَقَتْ رُوحُهُ جِسْمًا مِنَ الْبَشَرِ فَهَلْ يَمُوتَانِ أَوْ لِلْغَيْرِ يَنْتَقِلَا ... يَا ذَا الْعُلُومِ وَرَبَّ الْخُبْرِ وَالْخَبَرِ لَا زَالَ مَجْدُكَ مَحْرُوسًا بِأَرْبَعَةٍ ... الْعِزِّ وَالنَّصْرِ وَالْإِقْبَالِ وَالظَّفَرِ الْجَوَابُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ مَوْصُولًا مَدَى الدَّهْرِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَبْعُوثِ مِنْ مُضَرِ مَا بَيْنَ ذَيْنِ تَنَافٍ كُلُّ ذِي سَبَبٍ ... وَذِي فِعَالٍ جَرَى فِي سَابِقِ الْقَدَرِ فَيَكْتُبُ الْمَلَكُ الْمَأْمُورُ مَا سَبَقَتْ بِهِ ... الْمَقَادِيرُ مِنْ رُشْدٍ وَمِنْ خُسْرِ فَيُولَدُ الْمَرْءُ ذَا رُشْدٍ وَتُدْرِكُهُ ... سَوَابِقُ الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ فِي الذِّكْرِ يُسَبِّبُ اللَّهُ أَسْبَابَ الضَّلَالِ عَلَى ... يَدَيْ أَبٍ أَوْ لِعَيْنِ الْجِنِّ وَالْبَشَرِ أَلَا تَرَى قَاتِلَ الْإِنْسَانِ ذَا سَبَبٍ ... وَكَانَ فِي قَدَرِ هَذَا مُنْتَهِي الْعُمُرِ

стр. 445

وَحَافِظَا الْمَرْءِ مَهْمَا مَاتَ يَعْتَكِفَا ... بِقَبْرِهِ ذَاكِرَيْنِ اللَّهَ فِي الدَّهْرِ يُسَبِّحَانِ بِتَهْلِيلٍ وَيُكْتَبُ ذَا ... لِصَاحِبِ الْقَبْرِ هَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ وَلَا يَمُوتَانِ إِلَّا عِنْدَ نَفْخَتِهِ ... فِي الصُّورِ لِلصَّعْقِ كَالْأَمْلَاكِ فَادَّكِرِ وابن السيوطي قَدْ خَطَّ الْجَوَابَ لِكَيْ ... يَكُونَ فِي الْحَشْرِ مِمَّنْ فَازَ بِالظَّفَرِ مَسْأَلَةٌ. مَاذَا جَوَابُكَ يَا بَحْرَ الْعُلُومِ وَيَا ... مُجْلِيَ الْهُمُومِ وَمَنْ فِي دَهْرِهِ بَرَعَا فِي الْقَهْقَرَى رَجْعَةِ الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ ... رَسُولِ رَبِّ الْعُلَا لِمَا لَهُ وَقَعَا مَعْ عَمِّهِ حمزة مَاذَا الْمُرَادُ بِهِ ... مَا حِكْمَةٌ فِيهِ يَا مَنْ لِلْوَرَى نَفَعَا أَوْضِحْ لَنَا أَمْرَهُ مِنْ فَضْلِكُمْ لِنَرَى ... مَا لَمْ يُرَ الْآنَ فِي مِصْرٍ وَلَا سُمِعَا لَكَ النَّعِيمُ غَدًا يَوْمَ الْحِسَابِ فَكَمْ ... أَبْدَيْتَ مِنْ حُجَجٍ كَالْبَدْرِ إِذْ طَلَعَا ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ قَدْ عَلَا شَرَفًا ... عَلَى الْأَنَامِ وَسَادَ الْكُلَّ فَارْتَفَعَا مَا حَنَّ وَحْشٌ إِلَى وَكْرٍ وَغَرَّدَ فِي ... خَمَائِلِ الْأَيْكِ قُمْرِيٌّ وَقَدْ سَجَعَا الْجَوَابُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا نَجْمُ الْهُدَى طَلَعَا ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ سَيِّدِ الشُّفَعَا لَعَلَّهُ كَانَ مِنْ خَوْفِ الْوُثُوبِ وَقَدْ ... رَآهُ فِي حَالَةٍ لَا تَمْنَعُ الْفَزَعَا أَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ لَحْظًا يُدَاوِمُهُ ... لِكَيْ يَرَى مِنْهُ مَا مِنْ بَعْدِهِ صَنَعَا أَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ لِلنَّاسِ تَعْلِمَةً ... كَيْفَ الرُّجُوعُ لَدَى خَوْفٍ فَذَا شُرِعَا أَوْ كَانَ ذَا قَبْلَ نَهْيٍ مِنْهُ مُرْتَجِعًا ... عَنْ قَهْقَرَى فَأَتَاهُ قَبْلَ مَا وَقَعَا وَقَدْ يُقَالُ كَنَى الرَّاوِي بِذَاكَ عَنِ الرّ ... رُجُوعِ لِلْبَيْتِ لَا بِالظَّهْرِ قَدْ رَجَعَا هَذِي أُمُورٌ تَبَدَّتْ قُلْتُ مُحْتَمِلًا ... وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَبْدَى فَاتُّبِعَا مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «اللَّهُمَّ مَنْ أَحْبَبْتَهُ فَأَقْلِلْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ» " هَلْ وَرَدَ؟ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ عمرو بن غيلان الثقفي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي وَعَلِمَ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَقْلِلْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَكَ وَعَجِّلْ لَهُ الْقَضَاءَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي وَيُصَدِّقْنِي وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ» " وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ إِنْ صَحَّتْ صُحْبَةُ عمرو بن غيلان ; فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَأَبُوهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ

стр. 446

عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ فَأُمِرَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ. قُلْتُ: وَمِنْ شَوَاهِدِهِ مَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ السُّنَنِ لَهُ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عَنْ عبد الله بن عبد الرحمن بن عمرو بن حزم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «اللَّهُمَّ مَنْ أَبْغَضَنِي وَعَصَانِي فَأَكْثِرْ لَهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي وَأَطَاعَنِي فَارْزُقْهُ الْكَفَافَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ الْكَفَافَ، اللَّهُمَّ رِزْقَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ» " وَيُنَاسِبُهُ مَا أَوْرَدَهُ السلفي فِي الطُّيُورِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ منصور عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ «أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ لِي، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَصِحَّ جِسْمَهُ وَأَكْثِرْ مَالَهُ وَأَطِلْ حَيَاتَهُ» . مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " «إِنَّ الْعَيْنَ تَسْبِقُ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ» " هَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ الْجَوَابُ: لَفْظُ الْحَدِيثِ: " «لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» " هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ أحمد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أسماء بنت عميس بِلَفْظِ: " «لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» " وَأَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن جراد بِلَفْظِ: " «الْعَيْنُ وَالنَّفْسُ كَادَا يَسْبِقَانِ الْقَدَرَ» ". مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ «مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَلْعَنِ الْيَهُودَ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ» ، هَلْ وَرَدَ؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ السلفي فِي الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّاةِ الطُّيُورِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ يحيى بن خالد المخزومي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن طلحة بن زادان المزني، ثِقَةٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة مَرْفُوعًا: " «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَدَقَةٌ فَلْيَلْعَنِ الْيَهُودَ» ". [وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ مِنْ حَدِيثِهَا أَيْضًا] وَأَخْرَجَهُ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ أبي بكر محمد بن إسحاق بن يعقوب الطلحي عَنْ سليم المكي، عَنْ طلحة بن عمرو، عَنْ عطاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِهِ. [وَرَوَاهُ أَيْضًا ابن حبيب - أَبِي هُرَيْرَةَ، الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ - فِي تَارِيخِهِ، وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ ضَعِيفٌ] .

стр. 447

مَسْأَلَةٌ: مَاذَا يَقُولُ الَّذِي زَادَتْ مَنَاقِبُهُ ... عَلَى أَكَابِرِنَا فِي الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ فِيمَنْ رَوَى أَنَّ خَيْرَ الْخَلْقِ سَيِّدَنَا ... رَسُولَ رَبِّ الْعِبَادِ الْهَادِيَ الْعَرَبِي قَالَ الدَّرَاهِمُ وَالدِّينَارُ قَدْ جُعِلَا ... خَوَاتِمَ اللَّهِ فِي أَرْضٍ لِذِي طَلَبِ مَنْ جَاءَ بِالْخَاتَمِ الْمَذْكُورِ حَاجَتُهُ ... تُقْضَى وَلَمْ يَعْزُهُ رَاوِيهِ لِلْكُتُبِ هَلْ ذَا صَحِيحٌ وَمَا مَعْنَاهُ إِنْ وَرَدَتْ ... بِهِ الرِّوَايَةُ أَوْ قَدْ صَحَّ فِي الْكُتُبِ جُدْ بِالْجَوَابِ فَقَدْ أَشْفَيْتَ لِي عِلَلًا ... نُجِّيتَ دَهْرَكَ مِنْ هَمٍّ وَمِنْ نَصَبِ وَنِلْتَ جَنَّةَ عَدْنٍ يَوْمَ مَبْعَثِنَا ... بِجَاهِ خَيْرِ الْأَنَامِ الطَّاهِرِ النَّسَبِ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا دَائِمَ الْحِقَبِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى الْعَرَبِي هَذَا الْحَدِيثُ رَوَيْنَاهُ لَهُ سَنَدٌ ... رُوَاتُهُ ضَعُفَتْ فِيمَا حَكَى الذهبي فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِي الْأَوْسَطِ انْتَظَمَتْ ... فِيهِ رِوَايَتُهُ يَا مُنْتَهَى الطَّلَبِ وَصَحَّ فِي الْحِلْيَةِ الْغَرَّاءِ مِنْ طُرُقٍ ... يُعَلُّ رَفْعٌ بِهَا وَقْفًا عَلَى وهب بِأَنَّهَا خَاتَمٌ تَقْضِي الْمَعَايِشَ لَمْ ... تُوضَعْ لِأَكْلٍ إِذَا عُدَّتْ وَلَا شُرْبِ وابن السيوطي يَرْجُو إِذْ أَجَابَ بِذَا ... فِي الْحَشْرِ لَمْحَةَ غُفْرَانٍ بِلَا نَصَبِ مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ ﷺ وَشَرُفَ وَكَرُمَ: " «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ» " فَقَدْ أَشْكَلَ مِنْ جِهَةِ تَنْزِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَلَى الْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُوصَلُ بِمِنْ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ، وَوَصْلُهُ بِهَا غَيْرُ مُتَأَتٍّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ؛ إِذْ يَصِيرُ الْكَلَامُ: حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ مَمَاتِي، وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حَيَاتِي، وَهُوَ مُشْكِلٌ. الْجَوَابُ: إِنَّمَا حَصَلَ الْإِشْكَالُ مِنْ ظَنِّ أَنَّ خَيْرًا هُنَا أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّ لَفْظَةَ خَيْرٍ لَهَا اسْتِعْمَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَ بِهَا مَعْنَى التَّفْضِيلِ لَا الْأَفْضَلِيَّةِ، وَضِدُّهَا الشَّرُّ، وَهِيَ كَلِمَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا لَمْ يُحْذَفْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ بِهَا مَعْنَى الْأَفْضَلِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي تُوصَلُ بِمِنْ، وَهَذِهِ أَصْلُهَا أَخْيَرُ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهَا تَخْفِيفًا، وَيُقَابِلُهَا شَرٌّ الَّتِي أَصْلُهَا أَشَرُّ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ، قَالَ الشَّاعِرُ: فَمَا كِنَانَةُ فِي خَيْرٍ مُخَامِرَةٌ ... وَلَا كِنَانَةُ فِي شَرٍّ بِأَشْرَارِ

стр. 448

وَتَأْنِيثُ هَذِهِ خَيْرَةٌ وَجَمْعُهَا خَيْرَاتٌ، وَهِيَ الْفَاضِلَاتُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ [التوبة: ٨٨] ، وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ مَعْنَى أَفْعَلَ، فَلَوْ أَرَدْتَ مَعْنَى التَّفْضِيلِ قُلْتَ: فُلَانَةُ خَيْرُ النَّاسِ، وَلَمْ تَقُلْ: خَيْرَةُ، وَلَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى أَفْعَلَ. انْتَهَى كَلَامُ الصِّحَاحِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ يُقَالَانِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَا اسْمَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الثَّانِي أَنْ يَكُونَا وَصْفَيْنِ، وَتَقْدِيرُهُمَا تَقْدِيرُ أَفْعَلَ، مِنْ نَحْوِ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ ذَاكَ وَأَفْضَلُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَيَحْتَمِلُ الِاسْمِيَّةَ وَالْوَصْفِيَّةَ مَعًا قَوْلُهُ تَعَالَى: [ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَقَالَ أبو حيان فِي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] لَيْسَ خَيْرٌ هُنَا أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلْ هِيَ لِلتَّفْضِيلِ لَا لِلْأَفْضَلِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] وَ ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَفِي قَوْلِ حسان: فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ انْتَهَى. إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَخَيْرٌ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهِيَ يُرَادُ بِهَا التَّفْضِيلُ لَا الْأَفْضَلِيَّةُ، فَلَا تُوصَلُ بِمِنْ، وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى أَفْعَلَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ ﷺ خَيْرٌ، لَا أَنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَلَا أَنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا. مَسْأَلَةٌ: مَاذَا جَوَابُ إِمَامٍ لَا نَظِيرَ لَهُ ... فِي الْعَصْرِ كَلَّا وَلَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ فِي الْحَافِظَيْنِ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذْ كَتَبَا ... هَلْ بِالْمِدَادِ وَحِبْرٍ عُدَّ لِلْبَشَرِ وَكَاغَدٍ يَكْتُبَا مَا كَانَ مَعْ قَلَمٍ ... أَوْ لَا كَذَلِكَ يَا مَنْ ضَاءَ كَالْقَمَرِ أَثَابَكُمْ رَبُّكُمْ جَنَّاتِهِ كَرَمًا ... بِجَاهِ خَيْرِ الْوَرَى الْمَبْعُوثِ مِنْ مُضَرِ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا غَيْرَ مُنْحَصِرِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ مِدَادُهُ الرِّيقُ فِيمَا قَدْ أَتَى وَلِسَا ... نُ الْخَلْقِ أَقْلَامُهُمْ قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ وَفِي الصَّحِيفَةِ كَتْبٌ وَالْبِطَاقَةِ جَا ... مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ جِنْسٍ صَحَّ فِي الْخَبَرِ

стр. 449

مَسْأَلَةٌ: هَلِ الشَّمْعُ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَوِ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ؟ وَهَلِ الِاسْتِضَاءَةُ بِهِ مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَدْهَانِ يَقُومُ مَقَامَهُ تُعَدُّ إِسْرَافًا؟ الْجَوَابُ: الشَّمْعُ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ قَدِيمٍ مِنْ زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ العسكري فِي الْأَوَائِلِ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أُوقِدَ لَهُ الشَّمْعُ جذيمة بن مالك الأبرش، وَهُوَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ بِدَهْرٍ، وَلَيْسَ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ إِسْرَافًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنَهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ، بَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ أُوقِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ دَفْنِهِ عبد الله ذا البجادين، وَقَدْ أَلَّفْتُ فِي الْمَسْأَلَةِ مُؤَلَّفًا سَمَّيْتُهُ: مُسَامَرَةَ السَّمُوعِ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ. [قَطْفُ الثَّمَرِ فِي مُوَافَقَاتِ عُمَرَ] سُئِلْتُ عَنْ مُوَافَقَاتِ عمر ﵁ فَنَظَمْتُ فِيهَا هَذِهِ الْأَبْيَاتَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ ... عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي اجْتَبَاهُ يَا سَائِلِي وَالْحَادِثَاتُ تَكْثُرُ ... عَنِ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ عمر وَمَا يُرَى أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ ... مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ الصَّوَابِ خُذْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي أَبْيَاتِ ... مَنْظُومَةٍ تَأْمَنُ مِنْ شَتَاتِ فَفِي الْمَقَامِ وَأُسَارَى بَدْرِ ... وَآيَتَيْ تَظَاهُرٍ وَسَتْرِ وَذِكْرِ جِبْرِيلَ لِأَهْلِ الْغَدْرِ ... وَآيَتَيْنِ أُنْزِلَا فِي الْخَمْرِ وَآيَةِ الصِّيَامِ فِي حِلِّ الرَّفَثْ ... وَقَوْلِهِ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ يُبَثْ وَقَوْلِهِ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى ... يُحَكِّمُوكَ إِذْ بِقَتْلٍ أَفْتَى وَآيَةٍ فِيهَا لِبَدْرٍ أَوْبَهْ ... وَلَا تَصِلْ آيَةً فِي التَّوْبَةْ وَآيَةٍ فِي النُّورِ هَذَا بُهْتَانُ ... وَآيَةٍ فِيهَا بِهَا الِاسْتِئْذَانُ وَفِي خِتَامِ آيَةٍ فِي الْمُؤْمِنِينَ ... تَبَارَكَ اللَّهُ بِحِفْظِ الْمُتَّقِينَ وَثُلَّةٌ مِنْ فِي صِفَاتِ السَّابِقِينَ ... وَفِي سَوَاءِ آيَةِ الْمُنَافِقِينَ وَعَدَّدُوا مِنْ ذَاكَ نَسْخَ الرَّسْمِ ... لِآيَةٍ قَدْ نَزَلَتْ فِي الرَّجْمِ وَقَالَ قَوْلًا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَدْ ... نَبَّهَهُ كعب عَلَيْهِ فَسَجَدْ

стр. 450

وَفِي الْأَذَانِ الذِّكْرُ لِلرَّسُولِ ... رَأَيْتُهُ فِي خَبَرٍ مَوْصُولِ وَفِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالتَّحْقِيقِ ... مَا هُوَ مِنْ مُوَافِقِ الصِّدِّيقِ كَقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي ... عَلَيْكُمُ أَعْظِمْ بِهِ مِنْ فَضْلِ وَقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْمُجَادَلَهْ ... لَا تَجِدُ الْآيَةَ فِي الْمُخَالَلَهْ نَظَمْتُ مَا رَأَيْتُهُ مَنْقُولَا ... وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ: " الْغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ الْقَسْوَةَ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ " هَلْ وَرَدَ؟ الْجَوَابُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ ذَمِّ الْمَلَاهِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ» " وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لَفْظَةَ الْغِنَى بِالْقَصْرِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ غِنَى الْمَالِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ، وَصَوَّبَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ بِالْمَدِّ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّغَنِّي، وَلِهَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ ذَمِّ الْمَلَاهِي، وَاسْتَدَلَّ لِصِحَّةِ هَذَا بِأَنَّ ابْنَ أَبِي الدُّنْيَا أَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا قَالَ: " الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ، وَالذِّكْرُ يُنْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ " فَمُقَابَلَةُ الْغِنَاءِ بِالذِّكْرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّغَنِّي. مَسْأَلَةٌ: فِي مَجِيءِ المهدي مِنَ الْغَرْبِ، هَلْ وَرَدَ فِيهِ أَثَرٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ الْآنَ بِالْمَغْرِبِ صِحَّةٌ أَوْ لَا؟ وَهَلْ مَجِيئُهُ قَبْلَ نُزُولِ عِيسَى ﵇؟ وَهَلْ نُزُولُ عِيسَى مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ؟ وَهَلْ يُقِيمُ بِالدُّنْيَا إِذَا نَزَلَ وَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ وِلْدَانٌ يُسَمِّي أَحَدَهُمَا محمدا وَالْآخَرَ أبا موسى؟ وَيُدْفَنُ بِإِزَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وَهَلِ الْمَقَالَةُ الْحَاصِلَةُ بَيْنَ النَّاسِ: إِنَّهُ يَنْزِلُ بِالشَّامِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَإِنَّ بَغْلَةً تُشَدُّ لَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ انْتِظَارًا لِنُزُولِهِ، لَهَا صِحَّةٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ نُزُولُهُ قَبْلَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَوْ بَعْدَهُ؟ وَمَا طُولُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ؟ وَمِنْ أَيْنَ خُرُوجُهُمْ، وَمَا مِقْدَارُ إِقَامَتِهِمْ؟ وَمَا صِفَةُ الدَّابَّةِ الَّتِي تَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَمِنْ أَيْنَ خُرُوجُهَا؟ وَأَيْنَ تَصِلُ؟ وَهَلْ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ عِيسَى أَوْ بَعْدَهُ؟ وَهَلِ الْحُورُ الْعِينُ وَالْمَلَائِكَةُ يَمُوتُونَ أَوْ لَا؟ وَمَنْ يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ؟ الْجَوَابُ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ: الْأَحَادِيثُ فِي الْمَهْدِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، فَفِي بَعْضِهَا: " «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» "، وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، ثُمَّ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ فاطمة، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ العباس، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَمَلَهُ عَلَى الْمَهْدِيِّ ثَالِثِ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ الَّذِي تَوَلَّى الْخِلَافَةَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي، وَالَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي مِنْ

стр. 451

أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ خَلِيفَةٌ يَقُومُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ فاطمة، وَقَدْ ثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَأَنَّهُ يُبَايَعُ لَهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّهُ يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّ النَّاسَ يَقْتَتِلُونَ عَلَى الْمُلْكِ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَمِيرُكُمْ فُلَانٌ، فَيُبَايِعُونَ لَهُ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَى الْآنَ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ الْآنَ بِالْمَغْرِبِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ عِيسَى ﵇ يَنْزِلُ فِي حَيَاتِهِ فَيُسَلِّمُ المهدي الْأَمْرَ لَهُ، وَنُزُولُ عِيسَى ﵇ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ وَهُوَ خُرُوجُ الدجال، فَإِنَّهُ يَنْزِلُ فِي أَيَّامِهِ وَيَقْتُلُهُ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ وَيَحُجُّ وَيُدْفَنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ تَرِدْ تَسْمِيَةُ وَلَدِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ. وَأَمَّا شَدُّ الْبَغْلَةِ كُلَّ جُمُعَةٍ فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَنُزُولُهُ قَبْلَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَإِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ فِي أَوَاخِرِ أَيَّامِهِ. وَأَمَّا طُولُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَفِي أَثَرٍ أَخْرَجَهُ ابن المنذر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا أَنَّهُمْ شِبْرٌ وَشِبْرَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ. وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُمْ أَصْنَافٌ: صِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُ الْأَرْزِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ بِأُذُنِهِ وَيَلْتَحِفُ بِالْأُخْرَى، وَأَمَّا خُرُوجُهُمْ فَمِنْ خَلْفِ السَّدِّ أَقْصَى بِلَادِ التُّرْكِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مُقَدِّمَتَهُمْ بِالشَّامِ وَسَاقَتَهُمْ بِخُرَاسَانَ، وَأَمَّا مُدَّةُ إِقَامَتِهِمْ فَيَسِيرَةٌ فَإِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ فِي زَمَنِ عِيسَى وَيَهْلِكُونَ فِي زَمَنِهِ، وَأَمَّا صِفَةُ الدَّابَّةِ فَذَاتُ زَغَبٍ وَرِيشٍ، لَهَا أَرْبَعَةُ قَوَائِمَ، وَمَسَافَةُ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهَا مَسِيرَةُ فَرْسَخٍ لِلرَّاكِبِ، وَخُرُوجُهَا مِنْ صَدْعٍ فِي الصَّفَا بِمَكَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ بَعْضِ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ، فَتَدُورُ الْأَرْضَ بِأَسْرِهَا، وَاخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ هَلْ خُرُوجُهَا قَبْلَ نُزُولِ عِيسَى أَوْ بَعْدَهُ. وَأَمَّا الْحُورُ الْعِينُ وَالْوِلْدَانُ وَزَبَانِيَةُ النَّارِ فَلَا يَمُوتُونَ، وَهُمْ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَيَمُوتُونَ بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ، وَيَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَيَمُوتُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِلَا مَلَكِ الْمَوْتِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَسْئِلَةِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، وَسَرْدُ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ وَالْأَحَادِيثِ يَحْتَمِلُ كَرَارِيسَ كَثِيرَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّاعُونَ وَخْزُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ هَذَا الْأَمْرِ مِنَ الْإِخْوَانِ؟ وَكَيْفَ سُمُّوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِخْوَانًا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْعَظْمِ؟ وَلَيْسُوا مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ شَهَادَةً مَعَ أَنَّهُ ﷺ اسْتَعَاذَ

стр. 452

مِنْهُ؟ وَهَلْ وُجِدَتْ أَدْعِيَةٌ تَمْنَعُ مِنْهُ؟ وَهَلْ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ﷺ لَمْ يُؤْلَفْ صِحَّةٌ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ: " «وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» " هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وأبو يعلى فِي مَسَانِيدِهِمْ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ أبو يعلى مِنْ حَدِيثِ عائشة، كُلُّهُمْ بِلَفْظِ: " أَعْدَائِكُمْ " وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: إِخْوَانِكُمْ، قَالَ الحافظ ابن حجر فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: يَقَعُ فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ بِلَفْظِ: وَخْزُ إِخْوَانِكُمْ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ التَّامِّ، لَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا فِي الْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ، فَزَالَ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ. وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُمْ إِخْوَانًا فِي حَدِيثِ الْعَظْمِ فَبِاعْتِبَارِ الْإِيمَانِ ; فَإِنَّ الْأُخُوَّةَ فِي الدِّينِ لَا تَسْتَلْزِمُ الِاتِّحَادَ فِي الْجِنْسِ. وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: إِنَّهُ ﷺ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا وَرَدَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، بَلِ الْوَارِدُ أَنَّهُ ﷺ دَعَا بِهِ وَطَلَبَهُ لِأُمَّتِهِ، فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ طَعْنًا وَطَاعُونًا» " أَخْرَجَهُ أبو يعلى، وَأَخْرَجَ أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: " «إِنَّ الطَّاعُونَ شَهَادَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ» " قَالَ أبو قلابة: فَعَرَفْتُ الشَّهَادَةَ وَعَرَفْتُ الرَّحْمَةَ، وَلَمْ أَدْرِ مَا دَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ حَتَّى أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّي إِذْ قَالَ فِي دُعَائِهِ: " «فَحُمَّى إِذَنْ وَطَاعُونًا» " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ تَدْعُو بِدُعَاءٍ؟ قَالَ: وَسَمِعْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا غَيْرَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَأَبَى عَلَيَّ، فَقُلْتُ: فَحُمَّى إِذَنْ أَوْ طَاعُونًا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَأَخْرَجَ أحمد وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ [اجْعَلْ] فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» " وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ دَعَا بِهِ، لَا أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، وَلَمْ يَرِدْ دُعَاءٌ يَمْنَعُ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ أَصْلًا، وَلَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ بِأَنَّهُ ﷺ يُؤْلَفُ تَحْتَ الْأَرْضِ أَوْ لَا يُؤْلَفُ. مَسْأَلَةٌ وَرَدَتْ نَظْمًا: أَظُنُّ النَّاسَ بِالْآثَامِ بَاءُوا ... فَكَانَ جَزَاءَهُمْ هَذَا الْوَبَاءُ أَسَيِّدٌ مَنْ لَهُ قَانُونُ طِبٍّ ... بِحِيلَةِ بُرْئِهِ يُرْجَى الشِّفَاءُ أَآجَالُ الْوَرَى مُتَقَارِبَاتٌ ... بِهَذَا الْفَصْلِ أَمْ فَسَدَ الْهَوَاءُ

стр. 453

أَمِ الْأَفْلَاكُ أَوْجَبَتِ اتِّصَالًا ... بِهِ فِي النَّاسِ قَدْ عَاثَ الْفَنَاءُ أَمِ اسْتِعْدَادُ أَمْزِجَةٍ جَفَاهَا ... جَمِيلُ الطَّبْعِ وَاخْتَلَفَ الْغِذَاءُ أَمِ اقْتَرَبَتْ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ ... عَقَائِدُنَا فَلِلزَّمَنِ انْقِضَاءُ أَفِدْنَا مَا حَقِيقَةُ مَا نَرَاهُ ... فَمَا الْأَذْهَانُ أَحْرُفُهَا سَوَاءُ وَقُلْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ عَنْ يَقِينٍ ... بِحَقٍّ لَا يُعَارِضُهُ رِيَاءُ فَإِنِّي غَيْرُ مُفْشٍ سِرَّ حَبْرٍ ... مِنَ الْمُتَشَرِّعِينَ بِهِ حَيَاءُ وَلَا تُخْلِ الْأَحِبَّةَ مِنْ دُعَاءٍ ... فَمِنْكَ الْيَوْمَ يُلْتَمَسُ الدُّعَاءُ الْجَوَابُ: بِحَمْدِ اللَّهِ يَحْسُنُ الِابْتِدَاءُ ... وَلِلْمُخْتَارِ يَنْعَطِفُ الثَّنَاءُ سَأَلْتَ فَخُذْ جَوَابَكَ عَنْ يَقِينٍ ... فَمَا أَوْرَدْتَ عِنْدَهُمُ هَبَاءُ فَمَا الطَّاعُونُ أَفْلَاكًا وَلَا إِذْ ... مِزَاجٌ سَاءَ أَوْ فَسَدَ الْهَوَاءُ رَسُولُ اللَّهِ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا ... بِوَخْزِ الْجِنِّ يَطْعَنُنَا الْعَدَاءُ يُسَلِّطُهُمْ إِلَهُ الْخَلْقِ لَمَّا ... بِهِمْ تَفْشُو الْمَعَاصِي وَالزِّنَاءُ يَكُونُ شَهَادَةً فِي أَهْلِ خَيْرٍ ... وَرِجْسًا لِلْأُلَى بِالشَّرِّ بَاءُوا أَتَانَا كُلُّ هَذَا فِي حَدِيثٍ ... صَحِيحٍ مَا بِهِ ضَعْفٌ وَدَاءُ وَمَنْ يَتْرُكْ حَدِيثًا عَنْ نَبِيٍّ ... كَمَا قَالَ الْفَلَاسِفَةُ الْجَفَاءُ فَذَلِكَ مَا لَهُ فِي الْعَقْلِ حَظٌّ ... وَمِنْ دِينِ النَّبِيِّ هُوَ الْبَرَاءُ وَنَاظِمُهُ ابْنُ الْأَسْيُوطِيِّ يَدْعُو ... بِكَشْفِ الْكَرْبِ إِنْ نَفَعَ الدُّعَاءُ مَسْأَلَةٌ: فِي الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ: «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] بَكَى عمر وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَمَنْ يَنْجُو مِنَّا قَلِيلٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عمر فَقَالَ: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا قُلْتَ، فَقَالَ عمر: رَضِينَا عَنْ رَبِّنَا وَتَصْدِيقِ نَبِيِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مِنْ آدَمَ إِلَيْنَا ثُلَّةٌ، وَمِنِّي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُلَّةٌ، فَلَا يَسْتَتِمُّهَا إِلَّا أَسْوَدَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ مِمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .

стр. 454

الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ الواحدي فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مَقْطُوعًا هَكَذَا بِلَا إِسْنَادٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ ابن عساكر فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عبد ربه بن صالح، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] ذُكِرَ فِيهَا: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] قَالَ عمر: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عمر تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إِلَيَّ ثُلَّةٌ، وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ تُسْتَكْمَلَ ثُلَّتُنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» ، فَقَوْلُهُ: بِالسُّودَانِ هُوَ جَمْعُ أَسْوَدَ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي السُّؤَالِ: إِلَّا سُودَانٌ هِيَ إِلَّا الَّتِي لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَسُودَانٌ جَمْعُ أَسْوَدَ، وَلَيْسَ تَثْنِيَةَ أَسْوَدَ مُعَرَّفًا كَمَا ظُنَّ. مَسْأَلَةٌ: فِيمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الدُّرَّةِ الْفَاخِرَةِ فِي كَشْفِ عُلُومِ الْآخِرَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَوْتِ: وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَكَّلَ أَعْوَانَهُ وَاسْتَعْمَلَهُمْ بِالْمَيِّتِ، فَيَأْتُونَهُ عَلَى صِفَةِ أَبَوَيْهِ عَلَى صِفَةِ الْيَهُودِيَّةِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مُتْ يَهُودِيًّا، فَإِنِ انْصَرَفَ عَنْهُمْ جَاءَ أَقْوَامٌ آخَرُونَ عَلَى صِفَةِ النَّصَارَى، حَتَّى يُعْرَضَ عَلَيْهِ كُلُّ عَقَائِدِ كُلِّ مِلَّةٍ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ فَيَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَجُنْدَهُ، فَيَبْتَسِمُ الْمَيِّتُ وَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِكَ فِي دَارِ غُرْبَتِي؟ فَيَقُولُ: أَنَا جِبْرِيلُ، وَهَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، مُتْ عَلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ وَالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى الْإِنْسَانِ وَأَفْرَحَ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] . وَقَالَ رَجُلٌ: الدُّرَّةُ الْفَاخِرَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْغَزَالِيِّ، وَلَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ مِنَ الْإِحْيَاءِ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَنْزِلْ إِلَى الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي يَا أَمِينَ اللَّهِ وَجِعًا، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: مَلَكُ الْمَوْتِ، وَهَذَا آخِرُ عَهْدِي بِالدُّنْيَا بَعْدَكَ وَآخِرُ عَهْدِكَ بِهَا، وَلَنْ آسَى عَلَى شَيْءٍ هَالِكٍ مِنْ بَنِي آدَمَ بَعْدَكَ، وَلَنْ أَهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ بَعْدَكَ لِأَحَدٍ أَبَدًا. فَهَلِ الدُّرَّةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْغَزَالِيِّ أَمْ لَا؟ وَهَلِ الْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ لَهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُرَدُّ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ بِالْحَدِيثِ الْمُعَارِضِ أَمْ لَا؟

стр. 455

الْجَوَابُ: أَمَّا الْمَذْكُورُ أَوَّلًا مِنْ فِتْنَةِ الْمَوْتِ إِلَى آخِرِهِ، فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ هَكَذَا، وَإِنَّمَا وَرَدَ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ، فَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ وَلَقِّنُوهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَبَشِّرُوهُمْ بِالْجَنَّةِ؛ فَإِنَّ الْحَلِيمَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَتَحَيَّرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنِ ابْنِ آدَمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ» "، وَأَخْرَجَ الحارث بن أبي أسامة فِي مُسْنَدِهِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مُعَالَجَةُ مَلَكِ الْمَوْتِ أَشَدُّ مِنْ أَلْفِ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ إِلَّا وَكُلُّ عِرْقٍ مِنْهُ يَأْلَمُ عَلَى حِدَةٍ، وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ عَدُوُّ اللَّهِ مِنْهُ تِلْكَ السَّاعَةَ» " مُرْسَلٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مُرْسَلًا نَحْوَهُ، فَهَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى حُضُورِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا حُضُورُ جِبْرِيلَ فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ «عَنْ ميمونة بنت سعد قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَنَامُ الْجُنُبُ؟ قَالَ: " مَا أُحِبُّ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُتَوَفَّى فَلَا يَحْضُرُهُ جِبْرِيلُ» ، دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَحْضُرُ الْمَوْتَى، خُصُوصًا مَنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْجَنَابَةِ كَافِيَةٌ فِي حُضُورِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَأَنَّ الْجُنُبَ إِذَا تَوَضَّأَ يُرْجَى لَهُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ وَحُضُورُهُ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الدُّرَّةَ الْفَاخِرَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْغَزَالِيِّ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَقَدْ نَسَبَهَا إِلَيْهِ الْأَكَابِرُ، مِنْهُمُ القرطبي فِي التَّذْكِرَةِ، وَيَنْقُلُ مِنْهَا الصَّفْحَةَ وَالْوَرَقَةَ بِحُرُوفِهَا، وَمِنْهُمْ خَاتِمَةُ الْحُفَّاظِ أبو الفضل ابن حجر فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ. نَعَمِ الدُّرَّةُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَلْفَاظٍ رَكِيكَةٍ وَأَشْيَاءَ غَيْرِ مُسْتَقِيمَةِ الْإِعْرَابِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَغْيِيرِ النُّسَّاخِ لِكَثْرَةِ تَدَاوُلِ أَيْدِي الْعَوَامِّ عَلَيْهَا، فَزَادُوا فِيهَا وَنَقَصُوا وَحَرَّفُوا وَغَيَّرُوا، وَقَدْ نَقَلَ الحافظ ابن حجر فِي التَّخْرِيجِ عَنْهَا شَيْئًا لَيْسَ مَوْجُودًا فِيهَا الْآنَ، فَكَأَنَّهُ مِمَّا أَسْقَطَهُ النُّسَّاخُ، وَقَدْ أَمْلَيْتُ عَلَيْهَا تَخْرِيجًا فِي خَمْسِينَ مَجْلِسًا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، حَرَّرْتُ فِيهِ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، وَبَيَّنْتُ مَا لَهُ أَصْلٌ وَمَا لَا أَصْلَ لَهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْوَفَاةِ وَقَوْلُ جِبْرِيلَ: هَذَا آخِرُ وَطْأَتِي بِالْأَرْضِ، فَضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُعَارَضَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ عَهْدِهِ بِإِنْزَالِ الْوَحْيِ. وَأَمَّا نُزُولُهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] قَالُوا: الْمُرَادُ بِالرُّوحِ جِبْرِيلُ، وَرَوَى فِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا

стр. 456

" «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ السَّمَاءِ يُصَلُّونَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى» ". وَأَمَّا نُزُولُهُ عَلَى عِيسَى ﵇ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ النواس بن سمعان قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدجال، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ الدجال وَنُزُولَ عِيسَى وَقَتْلَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: " «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ فِي قِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» " الْحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى، ظَاهِرٌ فِي نُزُولِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهَلْ يُرَدُّ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ بِالْحَدِيثِ الْمُعَارِضِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَصْلًا، ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ. مَسْأَلَةٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. الْجَوَابُ: الْجَدُّ، بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَمَعْنَاهُ فِيمَا ذَكَرَ الخطابي: الْغِنَى، وَفِيمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ: الْحَظُّ، قَالَ الخطابي: وَ (مِنْ) هُنَا بِمَعْنَى الْبَدَلِ، وَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُ صَاحِبَ الْغِنَى غِنَاهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ الجوهري فِي الصِّحَاحِ: (مِنْكَ) هُنَا بِمَعْنَى عِنْدَكَ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى عِنْدَكَ غِنَاهُ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَقَالَ ابن التين: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْبَدَلِ وَلَا بِمَعْنَى عِنْدَ، بَلْ هُوَ كَمَا تَقُولُ: لَا يَنْفَعُكَ مِنِّي شَيْءٌ إِنْ أَنَا أَرَدْتُكَ بِسُوءٍ، وَأَوْضَحَهُ ابن دقيق العيد فَقَالَ: يَنْفَعُ هُنَا قَدْ ضُمِّنَ مَعْنَى يَمْنَعُ وَمَا قَارَبَهُ، وَ (مِنْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَلَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالْجَدِّ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ مِنْهُ تَعَالَى نَافِعٌ. انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا (فَمِنْ) لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا حَكَاهُ الرَّاغِبُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَدِّ هُنَا أَبُو الْأَبِ، أَيْ لَا يَنْفَعُ أَحَدًا نَسَبُهُ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ القرطبي عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ الْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الِاجْتِهَادِ اجْتِهَادُهُ، وَأَنْكَرَهُ الطَّبَرِيُّ، وَوَجَّهَ القزاز إِنْكَارَهُ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ نَافِعٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ دَعَا الْخَلْقَ إِلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاجْتِهَادَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَضْيِيعَ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ بِمُجَرَّدِهِ مَا لَمْ يُقَارِنْهُ الْقَبُولُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، كَمَا وَرَدَ: " «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ» " وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ: السَّعْيُ التَّامُّ فِي الْحِرْصِ، أَوِ الْإِسْرَاعُ فِي الْهَرَبِ، قَالَ النووي: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ

стр. 457

الْحَظُّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ أَوِ الْوَلَدِ أَوِ الْعَظَمَةِ أَوِ السُّلْطَانِ، وَالْمَعْنَى: لَا يُنْجِيهِ حَظُّهُ مِنْكَ وَإِنَّمَا يُنْجِيهِ فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ. مَسْأَلَةٌ: مَاذَا الْجَوَابُ مِنَ الْبَحْرِ الْمُفِيدِ لَنَا ... فِي مُشْكِلٍ وَإِلَيْهِ يُهْرَعُ الْبَشَرُ عِنْدَ الْحَوَادِثِ أَنْ قَالَ الْأَكَابِرُ لَا ... تُفْتَى وَقَصَّرَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ نَظَرُ فِي الْكَاسِ وَالطَّاسِ وَالسَّاقِي وَشَارِبِهِمْ ... وَفِي النَّدِيمِ وَقَوْلٍ قَالَهُ عمر أَعْنِي بِهِ الْعَالِمَ الْمَعْرُوفَ نِسْبَتُهُ ... لِفَارِضٍ قَبْرُهُ بِالسُّحْبِ مُنْهَمِرُ فِي سَقْيِهِ مِنْ حُمَيَّا كَأْسِ خَمْرَتِهِ ... مَا الصَّفْوُ مَا سُقْيُهُ مَا الْكَاسُ مَا الْخَمْرُ وَأَهْلُ مَكَّةَ قَالُوا فِي سُؤَالِهِمُ ... بِالْهَاشِمِيِّ الْمُصْطَفَى لَمَّا لَهُ حَضَرُوا قُبَيْلَ خَلْقِ السَّمَا وَالْأَرْضِ أَيْنَ ثَوَى ... إِلَهُكَ الْحَقُّ يَا مُخْتَارُ يَا طَهِرُ أَجَابَهُمْ فِي عَمَاءٍ كَانَ وَهْوَ كَذَا ... مَا هُوَ الْعَمَاءُ وَمَا مَعْنَاهُ يَا مَهِرُ وَمَنْ تَوَالَدَ مَخْتُونًا وَعِدَّتُهُمْ ... فِي الْأَنْبِيَاءِ سِوَى طَهَ وَهَلْ حُصِرُوا بِالْفَضْلِ مِنْكَ أَجِبْ هَذَا السُّؤَالَ بَدَا ... قَدِمًا تَصَوُّرُهُ بِالنَّقْلِ مُشْتَهِرُ بَيْنَ الْأَكَابِرِ لَكِنْ لَا جَوَابَ لَهُمْ ... عَلَيْهِ يَا عَالِمًا أَلْفَاظُهُ دُرَرُ وَحَازَ كُلَّ فَخَارٍ بِالْعُلُومِ وَقَدْ ... أَضْحَتْ بِهِ مِصْرُ تَزْهُو ثُمَّ تَفْتَخِرُ الْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُ وَلِيِّ اللَّهِ الشَّيْخِ [الْعَارِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى] عُمَرَ بْنِ الْفَارِضِ، فَلَا نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَاهُ فَلْيَجُعْ جُوعَهُ وَيَسْهَرْ سَهَرَهُ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَهُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُخَاضُ فِي مَعْنَاهُ، قَالَ أبو عبيد فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: لَا نَدْرِي كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ أَمْرٍ لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُ بَنِي آدَمَ وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ الْوَصْفُ وَالْفَطِنُ، وَقَالَ الأزهري: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُهُ بِصِفَةٍ. وَأَمَّا مَنْ خُلِقَ مَخْتُونًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَسَبْعَةَ عَشَرَ: آدَمُ وَشِيثُ وَإِدْرِيسُ وَنُوحٌ وَسَامٌ وَلُوطٌ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَشُعَيْبٌ وَسُلَيْمَانُ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وحنظلة بن صفوان، وَخَاتَمُهُمْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ . مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «اللَّهُمَّ مَنْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَاجْعَلْهُ رَحْمَةً لَهُ» " وَمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقِ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ» " فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ وَيُؤَوَّلُ إِلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ لَا يَدْعُو لِمَنْ يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ.

стр. 458

الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا أَنْ لَا تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَأَخْرَجَ أحمد فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى حفصة رَجُلًا وَقَالَ: احْتَفِظِي بِهِ، فَغَفَلَتْ عَنْهُ وَمَضَى فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَطَعَ اللَّهُ يَدَكِ " فَفَزِعَتْ فَقَالَ: " إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي ﵎ أَيُّمَا إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ مَغْفِرَةً» قَالَ ابن العاص مِنْ أَصْحَابِنَا وَتَبِعَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى الْوَالِي إِذَا شَقَّ وَنَحْوَهُ دُعَاءٌ بِسَبَبٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ بِالْأَوَّلِ الدُّعَاءُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَهَذَا عَلَى مُبْهَمٍ. مَسْأَلَةٌ: " «أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ» " هَلْ هُوَ وَارِدٌ؟ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ نجم الدين الْكَبْرَا أَنَّ الذِّكْرَ يَقْطَعُ لُقَيْمَاتِ الْحَرَامِ، هَلْ لَهُ مَحْمَلٌ؟ وَهَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَارِدٌ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ، وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةً مِنْ حَدِيثِ عائشة مَرْفُوعًا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ نجم الدين الْكَبْرَا جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَمَحْمَلُهُ عَلَى لُقَيْمَاتٍ يَسِيرَةٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: لُقَيْمَاتٌ - بِالتَّصْغِيرِ - يَأْكُلُهَا الْإِنْسَانُ فِي وَقْتِ غَلَبَةِ الْحَرَامِ عَلَى الدُّنْيَا، كَمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُبَاحُ لَهُ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابن عبد السلام وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ عَمَّ الْحَرَامُ الدُّنْيَا جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ قَدْرَ الْقُوتِ، كَمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ قِيلَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا دَمًا عَبِيطًا كَانَ قُوتُ الْمُؤْمِنِ مِنْهَا حَلَالًا، وَمَعَ كَوْنِهِ مُبَاحًا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَإِنَّهُ يُورِثُ ظُلْمَةً فِي الْقَلْبِ ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فَالذِّكْرُ يُنَوِّرُهُ وَيَمْحَقُ تِلْكَ الظُّلْمَةَ كَمَا أَنَّ الدَّوَاءَ يُذْهِبُ الْأَخْلَاطَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنَ الْغِذَاءِ الْمَذْمُومِ وَيَقْطَعُهَا ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] . مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ " «مَرَّ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَى عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: وَجَبَتْ» " إِلَى آخِرِهِ، هَلْ هُوَ صَحِيحٌ يُعْمَلُ بِظَاهِرِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ ثَنَاءُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مُوجِبًا لِلْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ بِحَسَبِ الثَّنَاءِ؟ أَوِ الْعِبْرَةُ بِثَنَاءِ الْأَكْثَرِ؟

стр. 459

الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ مِنْ عَدْلٍ خَيِّرٍ صَالِحٍ لِلتَّزْكِيَةِ، كَذَا حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ ثَنَاءُ مَنْ ذُكِرَ مُوجِبًا لِذَاتِهِ بَلْ عَلَامَةٌ عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ثَنَاءِ الْأَكْثَرِ، بَلْ ثَنَاءُ الِاثْنَيْنِ كَافٍ، وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَفِي حِفْظِي أَنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُ يَكْفِي ثَنَاءُ الْوَاحِدِ أَيْضًا، وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ مَنْ خَرَّجَهُ لِأَنِّي كَتَبْتُ هَذِهِ الْأَحْرُفَ عَلَى عَجَلٍ. مَسْأَلَةٌ: فِيمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قَالَ: سَبْعُ أَرَضِينَ، فِي كُلِّ أَرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ، وَآدَمُ كَآدَمِكُمْ وَنُوحٌ كَنُوحِكُمْ وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمِكُمْ وَعِيسَى كَعِيسَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنِّي لَا أَعْلَمُ لِأَبِي الضُّحَى مُتَابِعًا، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَهَلْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مِنَ الْبَشَرِ أَوْ مِنَ الْجِنِّ أَوْ خَلْقٌ آخَرُ؟ وَهَلْ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ مُقَارِنًا لِمِثْلِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ الْبَشَرِ فِي الزَّمَانِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ بِمَرَّةٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْبَيْهَقِيِّ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ صِحَّةُ الْمَتْنِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَصِحَّ الْإِسْنَادُ وَيَكُونُ فِي الْمَتْنِ شُذُوذٌ أَوْ عِلَّةٌ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَإِذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ الْحَدِيثِ أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَأْوِيلِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَقَامِ لَا تُقْبَلُ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَوَّلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ النُّذُرُ الَّذِينَ كَانُوا يُبَلِّغُونَ الْجِنَّ عَنْ أَنْبِيَاءِ الْبَشَرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُسَمَّى كُلٌّ مِنْهُمْ بِاسْمِ النَّبِيِّ الَّذِي بَلَّغَ عَنْهُ. مَسْأَلَةٌ: هَلْ تَنَامُ الْمَلَائِكَةُ؟ الْجَوَابُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] أَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْحَدِيثِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ، قَالَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ: أَنَا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين وَأَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَا: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا أبو الفتح المظفر بن أحمد بن برهان المقري، ثَنَا أبو بكر

стр. 460

محمد بن أيوب الداراني، ثَنَا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، ثَنَا سليمان بن عبد الرحمن، حَدَّثَنِي عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا: رَبَّنَا خَلَقْتَنَا وَخَلَقْتَ بَنِي آدَمَ، فَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُونَ الشَّرَابَ وَيَلْبَسُونَ الثِّيَابَ وَيَأْتُونَ النِّسَاءَ وَيَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ وَيَنَامُونَ وَيَسْتَرِيحُونَ، وَلَمْ تَجْعَلْ لَنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ : لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ» . مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَنْ تَجْعَلَنِي فِي حِرْزِكَ وَحِفْظِكَ وَجِوَارِكَ وَتَحْتَ كَنَفِكَ. الْجَوَابُ: أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدْعُو، فَذَكَرَهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا. مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ فِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ شَيْءٌ؟ وَهَلْ يَقْرَأُ عِنْدَ تَسْرِيحِهَا شَيْئًا؟ الْجَوَابُ: وَرَدَ فِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ أَحَادِيثُ، أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ [الْقِنَاعَ، يَعْنِي] التَّطَيْلُسَ، وَيُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ، وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ» . وَأَخْرَجَ الخطيب فِي الْجَامِعِ مِنْ حَدِيثِ الحسن مُرْسَلًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالْمُشْطِ» . وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عِنْدَ تَسْرِيحِهَا فَلَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ. مَسْأَلَةٌ: فِي حَدِيثِ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً أَمَرَ اللَّهُ الْحَفَظَةَ أَنْ لَا تَكْتُبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ، هَلْ وَرَدَ؟ الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ.
следующие страницы →