Полный текст (886 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
" «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ السَّمَاءِ يُصَلُّونَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى» ".
وَأَمَّا نُزُولُهُ عَلَى عِيسَى ﵇ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ النواس بن سمعان قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدجال، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ الدجال وَنُزُولَ عِيسَى وَقَتْلَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: " «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ فِي قِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» " الْحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى، ظَاهِرٌ فِي نُزُولِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهَلْ يُرَدُّ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ بِالْحَدِيثِ الْمُعَارِضِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَصْلًا، ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
الْجَوَابُ: الْجَدُّ، بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَمَعْنَاهُ فِيمَا ذَكَرَ الخطابي: الْغِنَى، وَفِيمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ: الْحَظُّ، قَالَ الخطابي: وَ (مِنْ) هُنَا بِمَعْنَى الْبَدَلِ، وَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُ صَاحِبَ الْغِنَى غِنَاهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ الجوهري فِي الصِّحَاحِ: (مِنْكَ) هُنَا بِمَعْنَى عِنْدَكَ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى عِنْدَكَ غِنَاهُ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَقَالَ ابن التين: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْبَدَلِ وَلَا بِمَعْنَى عِنْدَ، بَلْ هُوَ كَمَا تَقُولُ: لَا يَنْفَعُكَ مِنِّي شَيْءٌ إِنْ أَنَا أَرَدْتُكَ بِسُوءٍ، وَأَوْضَحَهُ ابن دقيق العيد فَقَالَ: يَنْفَعُ هُنَا قَدْ ضُمِّنَ مَعْنَى يَمْنَعُ وَمَا قَارَبَهُ، وَ (مِنْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَلَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالْجَدِّ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ مِنْهُ تَعَالَى نَافِعٌ. انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا (فَمِنْ) لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا حَكَاهُ الرَّاغِبُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَدِّ هُنَا أَبُو الْأَبِ، أَيْ لَا يَنْفَعُ أَحَدًا نَسَبُهُ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ القرطبي عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ الْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الِاجْتِهَادِ اجْتِهَادُهُ، وَأَنْكَرَهُ الطَّبَرِيُّ، وَوَجَّهَ القزاز إِنْكَارَهُ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ نَافِعٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ دَعَا الْخَلْقَ إِلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاجْتِهَادَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَضْيِيعَ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ بِمُجَرَّدِهِ مَا لَمْ يُقَارِنْهُ الْقَبُولُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، كَمَا وَرَدَ: " «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ» " وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ: السَّعْيُ التَّامُّ فِي الْحِرْصِ، أَوِ الْإِسْرَاعُ فِي الْهَرَبِ، قَالَ النووي: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ
стр. 457
الْحَظُّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ أَوِ الْوَلَدِ أَوِ الْعَظَمَةِ أَوِ السُّلْطَانِ، وَالْمَعْنَى: لَا يُنْجِيهِ حَظُّهُ مِنْكَ وَإِنَّمَا يُنْجِيهِ فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ.
مَسْأَلَةٌ:
مَاذَا الْجَوَابُ مِنَ الْبَحْرِ الْمُفِيدِ لَنَا ... فِي مُشْكِلٍ وَإِلَيْهِ يُهْرَعُ الْبَشَرُ
عِنْدَ الْحَوَادِثِ أَنْ قَالَ الْأَكَابِرُ لَا ... تُفْتَى وَقَصَّرَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ نَظَرُ
فِي الْكَاسِ وَالطَّاسِ وَالسَّاقِي وَشَارِبِهِمْ ... وَفِي النَّدِيمِ وَقَوْلٍ قَالَهُ عمر
أَعْنِي بِهِ الْعَالِمَ الْمَعْرُوفَ نِسْبَتُهُ ... لِفَارِضٍ قَبْرُهُ بِالسُّحْبِ مُنْهَمِرُ
فِي سَقْيِهِ مِنْ حُمَيَّا كَأْسِ خَمْرَتِهِ ... مَا الصَّفْوُ مَا سُقْيُهُ مَا الْكَاسُ مَا الْخَمْرُ
وَأَهْلُ مَكَّةَ قَالُوا فِي سُؤَالِهِمُ ... بِالْهَاشِمِيِّ الْمُصْطَفَى لَمَّا لَهُ حَضَرُوا
قُبَيْلَ خَلْقِ السَّمَا وَالْأَرْضِ أَيْنَ ثَوَى ... إِلَهُكَ الْحَقُّ يَا مُخْتَارُ يَا طَهِرُ
أَجَابَهُمْ فِي عَمَاءٍ كَانَ وَهْوَ كَذَا ... مَا هُوَ الْعَمَاءُ وَمَا مَعْنَاهُ يَا مَهِرُ
وَمَنْ تَوَالَدَ مَخْتُونًا وَعِدَّتُهُمْ ... فِي الْأَنْبِيَاءِ سِوَى طَهَ وَهَلْ حُصِرُوا
بِالْفَضْلِ مِنْكَ أَجِبْ هَذَا السُّؤَالَ بَدَا ... قَدِمًا تَصَوُّرُهُ بِالنَّقْلِ مُشْتَهِرُ
بَيْنَ الْأَكَابِرِ لَكِنْ لَا جَوَابَ لَهُمْ ... عَلَيْهِ يَا عَالِمًا أَلْفَاظُهُ دُرَرُ
وَحَازَ كُلَّ فَخَارٍ بِالْعُلُومِ وَقَدْ ... أَضْحَتْ بِهِ مِصْرُ تَزْهُو ثُمَّ تَفْتَخِرُ
الْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُ وَلِيِّ اللَّهِ الشَّيْخِ [الْعَارِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى] عُمَرَ بْنِ الْفَارِضِ، فَلَا نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَاهُ فَلْيَجُعْ جُوعَهُ وَيَسْهَرْ سَهَرَهُ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَهُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُخَاضُ فِي مَعْنَاهُ، قَالَ أبو عبيد فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: لَا نَدْرِي كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ أَمْرٍ لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُ بَنِي آدَمَ وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ الْوَصْفُ وَالْفَطِنُ، وَقَالَ الأزهري: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُهُ بِصِفَةٍ. وَأَمَّا مَنْ خُلِقَ مَخْتُونًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَسَبْعَةَ عَشَرَ: آدَمُ وَشِيثُ وَإِدْرِيسُ وَنُوحٌ وَسَامٌ وَلُوطٌ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَشُعَيْبٌ وَسُلَيْمَانُ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وحنظلة بن صفوان، وَخَاتَمُهُمْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ .
مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «اللَّهُمَّ مَنْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَاجْعَلْهُ رَحْمَةً لَهُ» " وَمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقِ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ» " فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ وَيُؤَوَّلُ إِلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ لَا يَدْعُو لِمَنْ يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ.
стр. 458
الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا أَنْ لَا تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَأَخْرَجَ أحمد فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى حفصة رَجُلًا وَقَالَ: احْتَفِظِي بِهِ، فَغَفَلَتْ عَنْهُ وَمَضَى فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَطَعَ اللَّهُ يَدَكِ " فَفَزِعَتْ فَقَالَ: " إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي ﵎ أَيُّمَا إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ مَغْفِرَةً» قَالَ ابن العاص مِنْ أَصْحَابِنَا وَتَبِعَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى الْوَالِي إِذَا شَقَّ وَنَحْوَهُ دُعَاءٌ بِسَبَبٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ بِالْأَوَّلِ الدُّعَاءُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَهَذَا عَلَى مُبْهَمٍ.
مَسْأَلَةٌ: " «أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ» " هَلْ هُوَ وَارِدٌ؟ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ نجم الدين الْكَبْرَا أَنَّ الذِّكْرَ يَقْطَعُ لُقَيْمَاتِ الْحَرَامِ، هَلْ لَهُ مَحْمَلٌ؟ وَهَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَارِدٌ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ، وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةً مِنْ حَدِيثِ عائشة مَرْفُوعًا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ نجم الدين الْكَبْرَا جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَمَحْمَلُهُ عَلَى لُقَيْمَاتٍ يَسِيرَةٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: لُقَيْمَاتٌ - بِالتَّصْغِيرِ - يَأْكُلُهَا الْإِنْسَانُ فِي وَقْتِ غَلَبَةِ الْحَرَامِ عَلَى الدُّنْيَا، كَمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُبَاحُ لَهُ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابن عبد السلام وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ عَمَّ الْحَرَامُ الدُّنْيَا جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ قَدْرَ الْقُوتِ، كَمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ قِيلَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا دَمًا عَبِيطًا كَانَ قُوتُ الْمُؤْمِنِ مِنْهَا حَلَالًا، وَمَعَ كَوْنِهِ مُبَاحًا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَإِنَّهُ يُورِثُ ظُلْمَةً فِي الْقَلْبِ ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فَالذِّكْرُ يُنَوِّرُهُ وَيَمْحَقُ تِلْكَ الظُّلْمَةَ كَمَا أَنَّ الدَّوَاءَ يُذْهِبُ الْأَخْلَاطَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنَ الْغِذَاءِ الْمَذْمُومِ وَيَقْطَعُهَا ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ " «مَرَّ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَى عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: وَجَبَتْ» " إِلَى آخِرِهِ، هَلْ هُوَ صَحِيحٌ يُعْمَلُ بِظَاهِرِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ ثَنَاءُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مُوجِبًا لِلْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ بِحَسَبِ الثَّنَاءِ؟ أَوِ الْعِبْرَةُ بِثَنَاءِ الْأَكْثَرِ؟
стр. 459
الْجَوَابُ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ مِنْ عَدْلٍ خَيِّرٍ صَالِحٍ لِلتَّزْكِيَةِ، كَذَا حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ ثَنَاءُ مَنْ ذُكِرَ مُوجِبًا لِذَاتِهِ بَلْ عَلَامَةٌ عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ثَنَاءِ الْأَكْثَرِ، بَلْ ثَنَاءُ الِاثْنَيْنِ كَافٍ، وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَفِي حِفْظِي أَنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُ يَكْفِي ثَنَاءُ الْوَاحِدِ أَيْضًا، وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ مَنْ خَرَّجَهُ لِأَنِّي كَتَبْتُ هَذِهِ الْأَحْرُفَ عَلَى عَجَلٍ.
مَسْأَلَةٌ: فِيمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قَالَ: سَبْعُ أَرَضِينَ، فِي كُلِّ أَرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ، وَآدَمُ كَآدَمِكُمْ وَنُوحٌ كَنُوحِكُمْ وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمِكُمْ وَعِيسَى كَعِيسَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنِّي لَا أَعْلَمُ لِأَبِي الضُّحَى مُتَابِعًا، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَهَلْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مِنَ الْبَشَرِ أَوْ مِنَ الْجِنِّ أَوْ خَلْقٌ آخَرُ؟ وَهَلْ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ مُقَارِنًا لِمِثْلِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ الْبَشَرِ فِي الزَّمَانِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ بِمَرَّةٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْبَيْهَقِيِّ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ صِحَّةُ الْمَتْنِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَصِحَّ الْإِسْنَادُ وَيَكُونُ فِي الْمَتْنِ شُذُوذٌ أَوْ عِلَّةٌ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَإِذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ الْحَدِيثِ أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَأْوِيلِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَقَامِ لَا تُقْبَلُ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَوَّلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ النُّذُرُ الَّذِينَ كَانُوا يُبَلِّغُونَ الْجِنَّ عَنْ أَنْبِيَاءِ الْبَشَرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُسَمَّى كُلٌّ مِنْهُمْ بِاسْمِ النَّبِيِّ الَّذِي بَلَّغَ عَنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ تَنَامُ الْمَلَائِكَةُ؟
الْجَوَابُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] أَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْحَدِيثِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ، قَالَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ: أَنَا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين وَأَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَا: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا أبو الفتح المظفر بن أحمد بن برهان المقري، ثَنَا أبو بكر
стр. 460
محمد بن أيوب الداراني، ثَنَا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، ثَنَا سليمان بن عبد الرحمن، حَدَّثَنِي عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا: رَبَّنَا خَلَقْتَنَا وَخَلَقْتَ بَنِي آدَمَ، فَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُونَ الشَّرَابَ وَيَلْبَسُونَ الثِّيَابَ وَيَأْتُونَ النِّسَاءَ وَيَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ وَيَنَامُونَ وَيَسْتَرِيحُونَ، وَلَمْ تَجْعَلْ لَنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ : لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ» .
مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَنْ تَجْعَلَنِي فِي حِرْزِكَ وَحِفْظِكَ وَجِوَارِكَ وَتَحْتَ كَنَفِكَ.
الْجَوَابُ: أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدْعُو، فَذَكَرَهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ وَرَدَ فِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ شَيْءٌ؟ وَهَلْ يَقْرَأُ عِنْدَ تَسْرِيحِهَا شَيْئًا؟
الْجَوَابُ: وَرَدَ فِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ أَحَادِيثُ، أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ [الْقِنَاعَ، يَعْنِي] التَّطَيْلُسَ، وَيُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ، وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ» . وَأَخْرَجَ الخطيب فِي الْجَامِعِ مِنْ حَدِيثِ الحسن مُرْسَلًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالْمُشْطِ» . وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عِنْدَ تَسْرِيحِهَا فَلَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ.
مَسْأَلَةٌ: فِي حَدِيثِ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً أَمَرَ اللَّهُ الْحَفَظَةَ أَنْ لَا تَكْتُبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ، هَلْ وَرَدَ؟
الْجَوَابُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ.
стр. 461
[إِعْمَالُ الْفِكْرِ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ]
مَسْأَلَةٌ فِي الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ: هَلْ هُوَ مُعَادِلٌ لِلصَّدَقَةِ وَيَقُومُ مَقَامَهَا فِي دَفْعِ الْبَلَاءِ؟ الْجَوَابُ: الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ وَفِي تَفْضِيلِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ سَبَبًا لِدَفْعِ الْبَلَاءِ فَهُوَ أَمْرٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ لَا تُحْصَى فِي أَذْكَارٍ مَخْصُوصَةٍ مَنْ قَالَهَا عُصِمَ مِنَ الْبَلَاءِ وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَمِنَ الضُّرِّ وَمِنَ السُّمِّ وَمِنْ لَذْعَةِ الْعَقْرَبِ، وَمِنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَكِتَابُ الْأَذْكَارِ لِلشَّيْخِ محيي الدين النووي مَشْحُونٌ بِذَلِكَ، وَكَذَا كِتَابُ الدُّعَاءِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلِلْبَيْهَقِيِّ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِطَالَةِ بِذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ فِي لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، أَنَّهَا تَدْفَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الضُّرِّ أَدْنَاهَا الْفَقْرُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَدْنَاهَا الْهَمُّ، وَأَخْرَجَ الحاكم وَصَحَّحَهُ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ» وَأَخْرَجَ الحاكم أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عائشة مَرْفُوعًا: «الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَأَخْرَجَ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ أبو داود وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سويد بن جميل قَالَ: مَنْ قَالَ بَعْدَ الْعَصْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قَاتَلْنَ عَنْ قَائِلِهِنَّ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْغَدِ، وَأَخْرَجَ إسحاق بن راهويه فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أُتِيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِغُرَابٍ وَافِرِ الْجَنَاحَيْنِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا صِيدَ صَيْدٌ وَلَا عُضِدَتْ عِضَاهٌ وَلَا قُطِعَتْ وَشِيجَةٌ إِلَّا بِقِلَّةِ التَّسْبِيحِ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ مِنْ طَرِيقِ ابن عون بن مهران عَنْ أبي بكر مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأبو الشيخ فِي الْعَظَمَةِ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «مَا أُخِذَ طَائِرٌ وَلَا حُوتٌ إِلَّا بِتَضْيِيعِ التَّسْبِيحِ» ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «آجَالُ الْبَهَائِمِ كُلِّهَا وَخَشَاشِ الْأَرْضِ فِي التَّسْبِيحِ، فَإِذَا انْقَضَى تَسْبِيحُهَا قَبَضَ اللَّهُ أَرْوَاحَهَا» وَمِنْ حَدِيثِ يزيد بن مرثد مَرْفُوعًا: «لَا يُصَادُ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ وَالْحِيتَانِ إِلَّا بِمَا يَضِيعُ مِنْ تَسْبِيحِ اللَّهِ» .
стр. 462
وَأَمَّا تَفْضِيلُ الذِّكْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ، فَمِنَ الْمَوْقُوفَةِ مَا أَخْرَجَهُ الحاكم وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعُهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَأَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً» وَأَخْرَجَ الحاكم عَنِ البراء مَرْفُوعًا: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، فَهُوَ كَعِتْقِ نَسَمَةٍ» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مُنْذُ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» .
فَفِي هَذَيْنِ عَدْلُ الذِّكْرِ بِالْعِتْقِ وَتَفْضِيلُهُ عَلَيْهِ. وَمِنَ الْمَوْقُوفَاتِ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " لَأَنْ أُسَبِّحَ تَسْبِيحَاتٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُنْفِقَ بِعَدَدِهِنَّ دَنَانِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". وَأَخْرَجَ عَنْهُ قَالَ: " لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِعَدَدِهَا دَنَانِيرَ "، وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: " لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْمِلَ عَلَى عِدَّتِهَا مِنْ خَيْلٍ بِأَرْسَانِهَا " وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " ذِكْرُ اللَّهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ أَعْظَمُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِعْطَاءِ الْمَالِ سَحًّا " وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: " لَأَنْ أُسَبِّحَ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ "، وَأَخْرَجَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَحْمِلُ عَلَى الْجِيَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْآخَرُ يَذْكُرُ اللَّهَ، لَكَانَ الذَّاكِرُ أَعْظَمَ وَأَفْضَلَ أَجْرًا. وَأَخْرَجَ عَنْهُ قَالَ: " لَأَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ مِنْ غَدْوَةٍ حَتَّى تَطَلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْمِلَ عَلَى الْجِيَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَأَخْرَجَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: " لَوْ بَاتَ رَجُلٌ يُعْطِي الْقِيَانَ الْبِيضَ وَبَاتَ آخَرُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يَذْكُرُ اللَّهَ، لَرَأَيْتُ أَنَّ ذَاكِرَ اللَّهِ أَفْضَلُ "، وَأَخْرَجَ عَنِ ابن عمرو قَالَ: " لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَقْبَلَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ مِنَ الْمَغْرِبِ، مَعَ أَحَدِهِمَا ذَهَبٌ لَا يَضَعُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا فِي حَقٍّ، وَالْآخَرُ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يَلْتَقِيَا فِي طَرِيقٍ، كَانَ الَّذِي يَذْكُرُ اللَّهَ أَفْضَلَهُمَا " فَهَؤُلَاءِ سَبْعُ صَحَابَةٍ صَرَّحُوا بِتَفْضِيلِ الذِّكْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَمِنْ أَقْوَالِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أبي الأحوص قَالَ: " لَتَسْبِيحَةٌ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ خَيْرٌ مِنْ لَقُوحٍ
стр. 463
صَفِيٍّ فِي عَامِ أَزْبَةٍ أَوْ لَزْبَةٍ "، وَأَخْرَجَ عَنْ أبي بردة قَالَ: " لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي حِجْرِهِ دَنَانِيرُ يُعْطِيهَا وَالْآخَرُ يَذْكُرُ اللَّهَ، كَانَ ذَاكِرُ اللَّهِ أَفْضَلَ " وَالْآثَارُ فِي الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا أَوْرَدْنَاهُ كِفَايَةٌ.
وَمِمَّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَفْضِيلِ الذِّكْرِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي تَرْكِهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: افْتَرَضَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عِنْدَ أَشْغَلِ مَا تَكُونُوا، عِنْدَ الضِّرَابِ بِالسُّيُوفِ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[نَتِيجَةُ الْفِكْرِ فِي الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى. وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، سَأَلْتُ أَكْرَمَكَ اللَّهُ عَمَّا اعْتَادَهُ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ مِنْ عَقْدِ حِلَقِ الذِّكْرِ وَالْجَهْرِ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّهْلِيلِ، وَهَلْ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ: إِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ، وَأَحَادِيثُ تَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْإِسْرَارِ بِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، كَمَا جَمَعَ النووي بِمِثْلِ ذَلِكَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِاسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْوَارِدَةِ بِاسْتِحْبَابِ الْإِسْرَارِ بِهَا، وَهَا أَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا.
[ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ تَصْرِيحًا أَوِ الْتِزَامًا]
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ» وَالذِّكْرُ فِي الْمَلَأِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ جَهْرٍ.
стр. 464
الْحَدِيثُ الثَّانِي: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ جابر قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِلَّهِ سَرَايَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الْأَرْضِ، فَارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ "، قَالُوا: وَأَيْنَ رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " مَجَالِسُ الذِّكْرِ، فَاغْدُوَا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ» .
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: أَخْرَجَ مُسْلِمٌ والحاكم - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً وَفُضَلَاءَ، يَلْتَمِسُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا أَتَوْا عَلَى مَجْلِسِ ذِكْرٍ حَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ وَيَسْتَجِيرُونَكَ، فَيَقُولُ: مَا يَسْأَلُونَ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُولُونَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا، ثُمَّ يَقُولُ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ ثُمَّ يَقُولُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُونِي وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُونِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، إِنَّ فِيهِمْ عَبْدًا خَطَّاءً جَلَسَ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، فَيَقُولُ: وَهُوَ أَيْضًا قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» ".
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» .
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ معاوية «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» .
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: أَخْرَجَ الحاكم وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ» .
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّكُمْ مُرَاءُونَ» مُرْسَلٌ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقَالُ عِنْدَ الْجَهْرِ دُونَ الْإِسْرَارِ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ
стр. 465
الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " حِلَقُ الذِّكْرِ» .
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: أَخْرَجَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ، أَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَالْآخَرُ يُعَلِّمُونَ الْعِلْمَ، فَقَالَ: " كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ خَيْرٌ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْآخَرِ» .
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ» .
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ الْيَوْمَ مَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ، فَقِيلَ: وَمَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فِي الْمَسَاجِدِ» .
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ الْجَبَلَ لَيُنَادِي الْجَبَلَ بِاسْمِهِ: يَا فُلَانُ، هَلْ مَرَّ بِكَ الْيَوْمَ لِلَّهِ ذَاكِرٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمِ، اسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قَرَأَ عبد الله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٠] الْآيَةَ، وَقَالَ: أَيَسْمَعُونَ الزُّورَ وَلَا يَسْمَعُونَ الْخَيْرَ؟
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أبي عبيد قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ نَادَتْ بِقَاعُ الْأَرْضِ: عَبْدُ اللَّهِ الْمُؤْمِنُ مَاتَ، فَتَبْكِي عَلَيْهِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، فَيَقُولُ الرَّحْمَنُ: مَا يُبْكِيكُمَا عَلَى عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ يَمْشِ فِي نَاحِيَةٍ مِنَّا قَطُّ إِلَّا وَهُوَ يَذْكُرُكَ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ سَمَاعَ الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ لِلذِّكْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنِ الْجَهْرِ بِهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَبْدِي، إِذَا ذَكَرْتَنِي خَالِيًا ذَكَرْتُكَ خَالِيًا، وَإِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَأَكْثَرَ» .
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: «قَالَ ابن الأدرع:
стр. 466
انْطَلَقْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَمَرَّ بِرَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَائِيًا، قَالَ: " لَا، وَلَكِنَّهُ أَوَّاهٌ» . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ذو البجادين: إِنَّهُ أَوَّاهٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ» ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ هَذَا خَفَضَ مِنْ صَوْتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " دَعْهُ فَإِنَّهُ أَوَّاهٌ» .
الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَخْرَجَ الحاكم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: «إِنَّا لَعِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ قَالَ: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفَعَلْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَأَمَرْتَنِي بِهَا وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهَا الْجَنَّةَ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ» .
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ سَيَّارَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذِّكْرِ، فَإِذَا أَتَوْا عَلَيْهِمْ حَفُّوا بِهِمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: غَشُّوهُمْ بِرَحْمَتِي فَهُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» .
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قَالَ: «نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَعْضِ أَبْيَاتِهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] الْآيَةَ، فَخَرَجَ يَلْتَمِسُهُمْ فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى، مِنْهُمْ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَجَافُّ الْجِلْدِ وَذُو الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَلَمَّا رَآهُمْ جَلَسَ مَعَهُمْ وَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَهُمْ» .
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ ثابت قَالَ: «كَانَ سلمان فِي عِصَابَةٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فَكَفُّوا فَقَالَ: مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ؟ قُلْنَا: نَذْكُرُ اللَّهَ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْكُمْ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَارِكَكُمْ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَهُمْ» .
الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ: أَخْرَجَ الأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ عَنْ أبي رزين العقيلي " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ الْأَمْرِ الَّذِي تُصِيبُ بِهِ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَإِذَا خَلَوْتَ فَحَرِّكْ لِسَانَكَ بِذِكْرِ اللَّهِ» .
стр. 467
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ والأصبهاني عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَلَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَخْرَجَ الحاكم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ، وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: " فَنَادَى» .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَخْرَجَ أحمد وأبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ السائب، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَرَّ أَصْحَابُكَ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ» .
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَخْرَجَ المروزي فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَا يَأْتِيَانِ السُّوقَ أَيَّامَ الْعَشْرِ فَيُكَبِّرَانِ، لَا يَأْتِيَانِ السُّوقَ إِلَّا لِذَلِكَ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ عمر يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ فَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُ أَهْلُ السُّوقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَإِنَّهُمْ لَيُكَبِّرُونَ فِي الْعَشْرِ حَتَّى كُنْتُ أُشَبِّهُهَا بِالْأَمْوَاجِ مِنْ كَثْرَتِهَا.
فَصْلٌ: إِذَا تَأَمَّلْتَ مَا أَوْرَدْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ عَرَفْتَ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ الْبَتَّةَ فِي الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ إِمَّا صَرِيحًا أَوِ الْتِزَامًا، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَأَمَّا مُعَارَضَتُهُ بِحَدِيثِ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» فَهُوَ نَظِيرُ مُعَارَضَةِ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ بِحَدِيثِ: «الْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ» وَقَدْ جَمَعَ النووي بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِخْفَاءَ أَفْضَلُ حَيْثُ خَافَ الرِّيَاءَ أَوْ تَأَذَّى بِهِ مُصَلُّونَ أَوْ نِيَامٌ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ وَلِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَتَعَدَّى إِلَى السَّامِعِينَ، وَلِأَنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ وَيَجْمَعُ هَمَّهُ إِلَى الْفِكْرِ وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إِلَيْهِ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَيَزِيدُ فِي النَّشَاطِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ وَالْإِسْرَارُ
стр. 468
بِبَعْضِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسِرَّ قَدْ يَمَلُّ فَيَأْنَسُ بِالْجَهْرِ، وَالْجَاهِرُ قَدْ يَكِلُّ فَيَسْتَرِيحُ بِالْإِسْرَارِ. انْتَهَى، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الذِّكْرِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قُلْتُ: الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ كَآيَةِ الْإِسْرَاءِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] وَقَدْ نَزَلَتْ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فَيَسْمَعُهُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّونَ الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ، فَأُمِرَ بِتَرْكِ الْجَهْرِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، كَمَا نُهِيَ عَنْ سَبِّ الْأَصْنَامِ لِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابن كثير فِي تَفْسِيرِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ شَيْخُ مالك، وَابْنُ جَرِيرٍ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى الذَّاكِرِ حَالَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ أُمِرَ لَهُ بِالذِّكْرِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ أَنْ تُرْفَعَ عِنْدَهُ الْأَصْوَاتُ، وَيُقَوِّيِهِ اتِّصَالُهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِالْإِنْصَاتِ خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ الْإِخْلَادَ إِلَى الْبَطَالَةِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّكُوتِ بِاللِّسَانِ إِلَّا أَنَّ تَكْلِيفَ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ بَاقٍ حَتَّى لَا يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَلِذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]
. الثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ الصُّوفِيَّةُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ الْكَامِلِ الْمُكَمَّلِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ مَحَلُّ الْوَسَاوِسِ وَالْخَوَاطِرِ الرَّدِيَّةِ فَمَأْمُورٌ بِالْجَهْرِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي دَفْعِهَا، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى مِنْكُمْ بِاللَّيْلِ فَلْيَجْهَرْ بِقِرَاءَتِهِ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَتَسْمَعُ لِقِرَاءَتِهِ، وَإِنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي الْهَوَاءِ وَجِيرَانَهُ مَعَهُ فِي مَسْكَنِهِ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَسْتَمِعُونَ قِرَاءَتَهُ، وَإِنَّهُ يَنْطَرِدُ بِجَهْرِهِ بِقِرَاءَتِهِ عَنْ دَارِهِ وَعَنِ الدُّورِ الَّتِي حَوْلَهُ فُسَّاقُ الْجِنِّ وَمَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ» .
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] وَقَدْ فُسِّرَ الِاعْتِدَاءُ بِالْجَهْرِ فِي الدُّعَاءِ، قُلْتُ: الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّاجِحَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ تَجَاوُزُ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوِ اخْتِرَاعُ دَعْوَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجه والحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أبي نعامة ﵁ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ
стр. 469
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» فَهَذَا تَفْسِيرُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ.
الثَّانِي: عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، فَالْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ لَا فِي الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءُ بِخُصُوصِهِ الْأَفْضَلُ فِيهِ الْإِسْرَارُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] وَمِنْ ثَمَّ اسْتُحِبَّ الْإِسْرَارُ بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ، فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُهَلِّلُونَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَرَاكُمْ إِلَّا مُبْتَدِعِينَ، حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ سَنَدِهِ وَمَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ فِي كُتُبِهِمْ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِالْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الثَّابِتَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يَقْتَضِي إِنْكَارَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ: ثَنَا حسين بن محمد، ثَنَا المسعودي، عَنْ عامر بن شقيق، عَنْ أبي وائل قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عبد الله كَانَ يَنْهَى عَنِ الذِّكْرِ، مَا جَالَسْتُ عبد الله مَجْلِسًا قَطُّ إِلَّا ذَكَرَ اللَّهَ فِيهِ. وَأَخْرَجَ أحمد فِي الزُّهْدِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ ذِكْرِ اللَّهِ لَيَجْلِسُونَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآثَامِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَإِنَّهُمْ لَيَقُومُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا عَلَيْهِمْ مِنْهَا شَيْءٌ.
[الدُّرُّ الْمُنَظَّمُ فِي الِاسْمِ الْأَعْظَمِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلْيَا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمَخْصُوصِ بِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْمَقَامِ الْأَسْنَى، وَبَعْدُ، فَقَدْ سُئِلْتُ عَنِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَمَا وَرَدَ فِيهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَتَبَّعَ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ، فَقُلْتُ: فِي الِاسْمِ الْأَعْظَمِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ، بِمَعْنَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّهَا عَظِيمَةٌ لَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ قَوْمٌ، مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ ابْنُ حِبَّانَ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مالك وَغَيْرِهِ: لَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ عَلَى بَعْضٍ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ مَا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَظِيمُ، وَعِبَارَةُ الطَّبَرِيِّ: اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي تَعْيِينِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ؛ إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي خَبَرٍ مِنْهَا أَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ، وَلَا
стр. 470
شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِي يَجُوزُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَعْظَمَ، فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى عَظِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَعْظَمِيَّةُ الْوَارِدَةُ فِي الْأَخْبَارِ الْمُرَادُ بِهَا: مَزِيدُ ثَوَابِ الدَّاعِي بِذَلِكَ، كَمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَزِيدُ ثَوَابِ الدَّاعِي وَالْقَارِئِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَفِي سَاعَةِ الْإِجَابَةِ وَفِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ (هُوَ) نَقَلَهُ الإمام فخر الدين عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكَشْفِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ كَلَامٍ عَظِيمٍ بِحَضْرَتِهِ لَمْ يَقُلْ: أَنْتَ قُلْتَ كَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: هُوَ؛ تَأَدُّبًا مَعَهُ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: (اللَّهُ) لِأَنَّهُ اسْمٌ لَمْ يُطْلَقْ عَلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَمِنْ ثَمَّ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أبي رجاء، حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ جابر بن عبد الله بن زيد أَنَّهُ قَالَ: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ هُوَ اللَّهُ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ: حَدَّثَنَا إسحاق بن إسماعيل، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مسعر قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ: يَا اللَّهُ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: (اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) قَالَ الحافظ ابن حجر فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ «عَنْ عائشة أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهَا الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَصَلَّتْ وَدَعَتْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ اللَّهَ وَأَدْعُوكَ الرَّحْمَنَ وَأَدْعُوكَ الرَّحِيمَ، وَأَدْعُوكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: إِنَّهُ لَفِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي دَعَوْتِ بِهَا» . قَالَ: وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ. انْتَهَى. قُلْتُ: أَقْوَى مِنْهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مَا أَخْرَجَهُ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ إِلَّا كَمَا بَيْنَ سَوَادِ الْعَيْنِ وَبَيَاضِهَا مِنَ الْقُرْبِ» ، وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ للديلمي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي سِتِّ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ» .
الْقَوْلُ السَّادِسُ: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أسماء بنت يزيد أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] » .
стр. 471
الْقَوْلُ السَّابِعُ: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ والحاكم عَنْ أبي أمامة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَفَعَهُ: «الِاسْمُ الْأَعْظَمُ فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ: الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَطه، قَالَ القاسم الرَّاوِي عَنْ أبي أمامة: الْتَمَسْتُهُ فِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» ، وَقَوَّاهُ الفخر الرازي وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى صِفَاتِ الْعَظَمَةِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُمَا كَدَلَالَتِهِمَا.
الْقَوْلُ الثَّامِنُ: (الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) لِحَدِيثِ أحمد وأبي داود وَابْنِ حِبَّانَ والحاكم «عَنْ أَنَسٍ " أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ ﷺ : لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» .
الْقَوْلُ التَّاسِعُ: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) أَخْرَجَ أبو يعلى مِنْ طَرِيقِ السري بن يحيى عَنْ رَجُلٍ مِنْ طَيِّئٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيَنِي الِاسْمَ الْأَعْظَمَ فَرَأَيْتُ مَكْتُوبًا فِي الْكَوَاكِبِ فِي السَّمَاءِ: يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
الْقَوْلُ الْعَاشِرُ: (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ معاذ «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ» وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّمْلِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الِاسْمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَاحْتَجَّ لَهُ الفخر بِأَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْإِلَهِيَّةِ؛ لِأَنَّ فِي الْجَلَالِ إِشَارَةً إِلَى جَمِيعِ السُّلُوبِ، وَفِي الْإِكْرَامِ إِشَارَةً إِلَى جَمِيعِ الْإِضَافَاتِ.
الْقَوْلُ الْحَادِي عَشَرَ: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) لِحَدِيثِ أبي داود وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ والحاكم عَنْ بريدة «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ " وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أبي داود: لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ» ، قَالَ الحافظ ابن حجر: وَهُوَ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ عَنْ جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ.
стр. 472
الْقَوْلُ الثَّانِي عَشَرَ: (رَبِّ رَبِّ) أَخْرَجَ الحاكم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: اسْمُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ رَبِّ رَبِّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عائشة مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَبَّيْكَ عَبْدِي سَلْ تُعْطَ» .
الْقَوْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: - وَلَمْ أَدْرِ مَنْ ذَكَرَهُ (مَالِكُ الْمُلْكِ) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] » .
الْقَوْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ) لِحَدِيثِ النَّسَائِيِّ والحاكم عَنْ فضالة بن عبيد رَفَعَهُ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ معبد مَرْفُوعًا: «اسْمُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى: دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» ، وَأَخْرَجَ الحاكم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ؟ دُعَاءُ يُونُسَ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَلْ كَانَتْ لِيُونُسَ خَاصَّةً؟ فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] » وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كثير بن معبد قَالَ: سَأَلْتُ الحسن عَنِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ قَالَ: أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَوْلُ ذِي النُّونِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] .
الْقَوْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ: (كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ) نَقَلَهُ عياض.
الْقَوْلُ السَّادِسَ عَشَرَ: نَقَلَ الفخر الرازي عَنْ زين العابدين أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُعَلِّمَهُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، فَرَأَى فِي النَّوْمِ: هُوَ اللَّهُ اللَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
الْقَوْلُ السَّابِعَ عَشَرَ: هُوَ مَخْفِيٌّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عائشة الْمُتَقَدِّمُ لَمَّا دَعَتْ بِبَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، قَالَ: إِنَّهُ لَفِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي دَعَوْتِ بِهَا.
الْقَوْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ: إِنَّهُ كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى دَعَا الْعَبْدُ بِهِ رَبَّهُ مُسْتَغْرِقًا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِي فِكْرِهِ حَالَةَ إِذْ غَيْرُ اللَّهِ؛ فَإِنَّ مَنْ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى بِهَذِهِ الْحَالَةِ كَانَ قَرِيبَ الْإِجَابَةِ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَحْدُودٌ، إِنَّمَا هُوَ فَرَاغُ قَلْبِكَ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَافْزَعْ إِلَى أَيِّ اسْمٍ شِئْتَ؛
стр. 473
فَإِنَّكَ تَسِيرُ بِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم أَيْضًا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ بَعْضَ الْمَشَايِخِ عَنِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ قَالَ: تَعْرِفُ قَلْبَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ أَقْبَلَ وَرَقَّ فَسَلِ اللَّهَ حَاجَتَكَ، فَذَاكَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ.
وَأَخْرَجَ أبو نعيم أَيْضًا عَنِ ابن الربيع السائح أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: عَلِّمْنِي الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، فَقَالَ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَطِعِ اللَّهَ يُطِعْكَ كُلُّ شَيْءٍ.
الْقَوْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ: (اللَّهُمَّ) حَكَاهُ الزركشي فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ، وَالْمِيمَ دَالَّةٌ عَلَى الصِّفَاتِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ، ذَكَرَهُ ابن مظفر، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: اللَّهُمَّ، مَجْمَعُ الدُّعَاءِ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ، فَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ.
الْعِشْرُونَ: (الم) أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الم هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الم اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الم قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى.
تَمَّ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنَ الْحَاوِي لِلْفَتَاوِي.
وَيَلِيهِ الْجُزْءُ الثَّانِي، أَوَّلُهُ الْمِنْحَةُ فِي السُّبْحَةِ.
стр. 474
[الْمِنْحَةُ فِي السُّبْحَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٥ - (الْمِنْحَةُ فِي السُّبْحَةِ)
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وَبَعْدُ، فَقَدْ طَالَ السُّؤَالُ عَنِ السُّبْحَةِ هَلْ لَهَا أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ؟ فَجَمَعْتُ فِيهَا هَذَا الْجُزْءَ مُتَتَبِّعًا فِيهِ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، والحاكم وَصَحَّحَهُ «عَنِ ابن عمرو قَالَ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَدِهِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أبي شيبة، وأبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، والحاكم عَنْ بسيرة - وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ التَّوْحِيدَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ وَمُسْتَنْطَقَاتٌ» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والحاكم، وَالطَّبَرَانِيُّ «عَنْ صفية قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهِنَّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا بِنْتَ حيي؟ قُلْتُ: أُسَبِّحُ بِهِنَّ، قَالَ: قَدْ سَبَّحْتُ مُنْذُ قُمْتُ عَلَى رَأْسِكِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، قُلْتُ: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " قُولِي سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ مِنْ شَيْءٍ» صَحِيحٌ أَيْضًا.
وَأَخْرَجَ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، والحاكم وَصَحَّحَهُ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: " أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى - أَوْ حَصًى - تُسَبِّحُ فَقَالَ: أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا وَأَفْضَلُ؟ قُولِي سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، اللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ» .
وَفِي جُزْءِ هِلَالٍ الْحَفَّارِ، وَمُعْجَمِ الصَّحَابَةِ لِلْبَغَوِيِّ، وَتَارِيخِ ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ جَدِّهِ بقية، عَنْ أبي صفية مولى النبي ﷺ أَنَّهُ كَانَ
стр. 475
يُوضَعُ لَهُ نِطَعٌ، وَيُجَاءُ بِزِنْبِيلٍ فِيهِ حَصًى فَيُسَبِّحُ بِهِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ يُرْفَعُ فَإِذَا صَلَّى الْأُولَى أَتَى بِهِ، فَيُسَبِّحُ بِهِ حَتَّى يُمْسِيَ.
وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، ثَنَا عفان، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: رَأَيْتُ أبا صفية - رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ جَارَنَا - قَالَتْ: فَكَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى.
وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ حكيم بن الديلي أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ مَوْلَاةٍ لسعد، أَنَّ سعدا كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى، أَوِ النَّوَى، وَقَالَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ: أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَنَا إسرائيل عَنْ جابر عَنِ امْرَأَةٍ حَدَّثَتْهُ عَنْ فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، أَنَّهَا كَانَتْ تُسَبِّحُ بِخَيْطٍ مَعْقُودٍ فِيهَا.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ نعيم بن محرز بن أبي هريرة عَنْ جَدِّهِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَيْطٌ فِيهِ أَلْفَا عُقْدَةٍ فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ.
وَأَخْرَجَ أحمد فِي الزُّهْدِ، ثَنَا مسكين بن نكير، أَنَا ثابت بن عجلان عَنِ القاسم بن عبد الرحمن قَالَ: كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ نَوًى مِنْ نَوَى الْعَجْوَةِ فِي كِيسٍ فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَخْرَجَهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً يُسَبِّحُ بِهِنَّ حَتَّى يَنْفَدْنَ.
وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ بِالنَّوَى الْمُجَزَّعِ، وَقَالَ الديلي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ: أَنَا عبدوس بن عبد الله، أَنَا أبو عبد الله الحسين بن فتحويه الثقفي، ثَنَا علي بن محمد بن نصرويه، ثَنَا محمد بن هارون بن عيسى بن المنصور الهاشمي، حَدَّثَنِي محمد بن علي بن حمزة العلوي، حَدَّثَنِي عبد الصمد بن موسى، حَدَّثَتْنِي زينب بنت سليمان بن علي، حَدَّثَتْنِي أم الحسن بنت جعفر بن الحسين، عَنْ أَبِيهَا عَنْ جَدِّهَا عَنْ علي مَرْفُوعًا: «نِعْمَ الْمُذَكِّرُ السُّبْحَةُ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى.
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أبي نضرة عَنْ رَجُلٍ مِنَ الطُّفَاوَةِ، قَالَ: نَزَلْتُ عَلَى إبراهيم وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى فَيُسَبِّحُ بِهِ حَتَّى يَنْفَدَ.
وَأَخْرَجَ عَنْ زَاذَانَ قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ أُمِّ يعفور تَسَابِيحَ لَهَا فَلَمَّا أَتَيْتُ عليا قَالَ: ارْدُدْ عَلَى أم يعفور تَسَابِيحَهَا.
ثُمَّ رَأَيْتُ كِتَابَ تُحْفَةِ الْعُبَّادِ وَمُصَنِّفُهُ مُتَأَخِّرٌ عَاصَرَ الجلال البلقيني - فَصْلًا حَسَنًا
стр. 476
فِي السُّبْحَةِ قَالَ فِيهِ مَا نَصُّهُ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: عَقْدُ التَّسْبِيحِ بِالْأَنَامِلِ أَفْضَلُ مِنَ السُّبْحَةِ لِحَدِيثِ ابن عمرو، لَكِنْ يُقَالُ إِنَّ الْمُسَبِّحَ إِنْ أَمِنَ مِنَ الْغَلَطِ كَانَ عَقْدُهُ بِالْأَنَامِلِ أَفْضَلَ وَإِلَّا فَالسُّبْحَةُ أَوْلَى.
وَقَدِ اتَّخَذَ السُّبْحَةَ سَادَاتٌ يُشَارُ إِلَيْهِمْ وَيُؤْخَذُ عَنْهُمْ، وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ، كَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ لَهُ خَيْطٌ فِيهِ أَلْفَا عُقْدَةٍ، فَكَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ قَالَهُ عكرمة، وَفِي سُنَنِ أبي داود مِنْ حَدِيثِ أبي نضرة الغفاري قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَشَدَّ تَشْمِيرًا وَلَا أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى وَأَسْفَلَ مِنْهُ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ مَا فِي الْكِيسِ أَلْقَاهُ إِلَيْهَا فَأَعَادَتْهُ فِي الْكِيسِ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ يُسَبِّحُ - قَوْلُهُ تَثَوَّيْتُ - أَيْ تَضَيَّفْتُهُ وَنَزَلْتُ فِي مَنْزِلِهِ - وَالْمَثْوَى الْمَنْزِلُ وَقِيلَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يُسَبِّحُ بِالنَّوَى الْمُجَزَّعِ - يَعْنِي الَّذِي حُكَّ بَعْضُهُ حَتَّى ابْيَضَّ شَيْءٌ مِنْهُ، وَتُرِكَ الْبَاقِي عَلَى لَوْنِهِ - وَكُلُّ مَا فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ - فَهُوَ مُجَزَّعٌ - قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَذَكَرَ الحافظ عبد الغني فِي الْكَمَالِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عُوَيْمِرٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ، وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ: كَانَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ يُسَبِّحُ فِي الْيَوْمِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ سِوَى مَا يَقْرَأُ، فَلَمَّا وُضِعَ لِيُغَسَّلَ جَعَلَ بِأُصْبُعِهِ كَذَا يُحَرِّكُهَا - يَعْنِي بِالتَّسْبِيحِ -، وَمِنَ الْمَعْلُومِ الْمُحَقَّقِ أَنَّ الْمِائَةَ أَلْفٍ بَلْ وَالْأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يُحْصَرُ بِالْأَنَامِلِ فَقَدْ صَحَّ بِذَلِكَ وَثَبَتَ أَنَّهُمَا كَانَا يَعُدَّانِ بِآلَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ لِأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ سُبْحَةٌ فَقَامَ لَيْلَةً وَالسُّبْحَةُ فِي يَدِهِ قَالَ: فَاسْتَدَارَتِ السُّبْحَةُ فَالْتَفَّتْ عَلَى ذِرَاعِهِ وَجَعَلَتْ تُسَبِّحُ فَالْتَفَتَ أبو مسلم وَالسُّبْحَةُ تَدُورُ فِي ذِرَاعِهِ وَهِيَ تَقُولُ: سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبَاتِ وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ، قَالَ: هَلُمِّي يَا أم مسلم فَانْظُرِي إِلَى أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ، قَالَ: فَجَاءَتْ أم مسلم وَالسُّبْحَةُ تَدُورُ وَتُسَبِّحُ فَلَمَّا جَلَسَتْ سَكَتَتْ. ذَكَرَهُ أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري فِي كِتَابِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَارِفُ عمر البزار: كَانَتْ سُبْحَةُ الشَّيْخِ أبي الوفا كاكيش - وبالعربي عبد الرحمن - الَّتِي أَعْطَاهَا لِسَيِّدِي الشَّيْخِ محيي الدين عبد القادر الكيلاني قَدَّسَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ إِذَا وَضَعَهَا عَلَى الْأَرْضِ تَدُورُ وَحْدَهَا حَبَّةً حَبَّةً.
وَذَكَرَ القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان فِي وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ أَنَّهُ رُئِيَ فِي يَدِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ
стр. 477
رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمًا سُبْحَةٌ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ مَعَ شَرَفِكَ تَأْخُذُ بِيَدِكَ سُبْحَةً؟ قَالَ: طَرِيقٌ وَصَلْتُ بِهِ إِلَى رَبِّي لَا أُفَارِقُهُ، قَالَ: وَقَدْ رَوَيْتُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مُسَلْسَلًا - وَهُوَ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله مِنْ لَفْظِهِ - وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: أَنَا الْإِمَامُ أبو العباس أحمد بن أبي المحاسن يوسف بن البانياسي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: أَنَا أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أبي الثناء، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: أَنَا عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: أَنَا أبو محمد يوسف بن أبي الفرج عبد الرحمن بن علي، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: أَنَا أَبِي وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أبي الفضل بن ناصر، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ أبا بكر محمد بن علي السلمي الحداد، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا نَصْرٍ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِيَ، وَرَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، قَالَ: رَأَيْتُ أبا الحسن علي بن الحسن بن أبي القاسم المترفق الصوفي وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أبا الحسن المالكي يَقُولُ: وَقَدْ رَأَيْتُ فِي يَدِهِ سُبْحَةً، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أُسْتَاذُ وَأَنْتَ إِلَى الْآنَ مَعَ السُّبْحَةِ، فَقَالَ: كَذَلِكَ رَأَيْتُ أُسْتَاذِي الجنيد وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أُسْتَاذُ وَأَنْتَ إِلَى الْآنَ مَعَ السُّبْحَةِ؟ قَالَ: كَذَلِكَ رَأَيْتُ أُسْتَاذِي سَرِيَّ بْنَ مُغَلِّسٍ السَّقَطِيَّ وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فَقُلْتُ: يَا أُسْتَاذُ أَنْتَ مَعَ السُّبْحَةِ؟ فَقَالَ: كَذَلِكَ رَأَيْتُ أُسْتَاذِي مَعْرُوفًا الْكَرْخِيَّ وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَقَالَ: كَذَلِكَ رَأَيْتُ [بشرا الحافي وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَقَالَ: كَذَلِكَ رَأَيْتُ] أُسْتَاذِي عمر المالكي وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: كَذَلِكَ رَأَيْتُ أُسْتَاذِي الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَفِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، فَقُلْتُ: يَا أُسْتَاذُ مَعَ عِظَمِ شَأْنِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ وَأَنْتَ إِلَى الْآنَ مَعَ السُّبْحَةِ؟ فَقَالَ لِي: شَيْءٌ كُنَّا اسْتَعْمَلْنَاهُ فِي الْبِدَايَاتِ مَا كُنَّا نَتْرُكُهُ فِي النِّهَايَاتِ، أُحِبُّ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ بِقَلْبِي وَفِي يَدِي وَلِسَانِي، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي اتِّخَاذِ السُّبْحَةِ غَيْرُ مُوَافَقَةِ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ وَالدُّخُولِ فِي سِلْكِهِمْ وَالْتِمَاسِ بَرَكَتِهِمْ، لَصَارَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ [مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ وَآكَدِهَا] ، فَكَيْفَ بِهَا وَهِيَ مُذَكِّرَةٌ بِاللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّ أَنْ يَرَاهَا إِلَّا
стр. 478
وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِهَا، وَبِذَلِكَ كَانَ يُسَمِّيهَا بَعْضُ السَّلَفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْ فَوَائِدِهَا أَيْضًا الِاسْتِعَانَةُ عَلَى دَوَامِ الذِّكْرِ، كُلَّمَا رَآهَا ذَكَرَ أَنَّهَا آلَةٌ لِلذِّكْرِ فَقَادَهُ ذَلِكَ إِلَى الذِّكْرِ، فَيَا حَبَّذَا سَبَبٌ مُوَصِّلٌ إِلَى دَوَامِ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُسَمِّيهَا حَبْلَ الْوَصْلِ، وَبَعْضُهُمْ رَابِطَةَ الْقُلُوبِ. وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِقَوْلِهِ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ قَافِلَةٍ فِي دَرْبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَرِيَّةُ عَرَبٍ وَجَرَّدُوا الْقَافِلَةَ جَمِيعَهُمْ وَجَرَّدُونِي مَعَهُمْ، فَلَمَّا أَخَذُوا عِمَامَتِي سَقَطَتْ مِسْبَحَةٌ مِنْ رَأْسِي فَلَمَّا رَأَوْهَا، قَالُوا: هَذَا صَاحِبُ سُبْحَةٍ فَرَدُّوا عَلَيَّ مَا كَانَ أُخِذَ لِي، وَانْصَرَفْتُ سَالِمًا مِنْهُمْ. فَانْظُرْ يَا أَخِي إِلَى هَذِهِ الْآلَةِ الْمُبَارَكَةِ الزَّاهِرَةِ وَمَا جُمِعَ فِيهَا مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَلَا مِنَ الْخَلَفِ الْمَنْعُ مِنْ جَوَازِ عَدِّ الذِّكْرِ بِالسُّبْحَةِ، بَلْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَعُدُّونَهُ بِهَا وَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَقَدْ رُئِيَ بَعْضُهُمْ يَعُدُّ تَسْبِيحًا فَقِيلَ لَهُ: أَتَعُدُّ عَلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَعُدُّ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَكْثَرَ الذِّكْرِ الْمَعْدُودِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ لَا يَنْحَصِرُ بِالْأَنَامِلِ غَالِبًا، وَلَوْ أَمْكَنَ حَصْرُهُ لَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ وَهُوَ الْمُرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ عَنْ بكر بن خنيس عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ قَالَ: كَانَ فِي يَدِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ سُبْحَةٌ يُسَبِّحُ بِهَا، قَالَ: فَقَامَ وَالسُّبْحَةُ فِي يَدِهِ فَاسْتَدَارَتِ السُّبْحَةُ فَالْتَفَّتْ عَلَى ذِرَاعِهِ وَجَعَلَتْ تُسَبِّحُ، فَالْتَفَتَ أبو مسلم وَالسُّبْحَةُ تَدُورُ فِي ذِرَاعِهِ وَهِيَ تَقُولُ: سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبَاتِ وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ، فَقَالَ: هَلُمَّ يَا أم مسلم وَانْظُرِي إِلَى أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ فَجَاءَتْ أم مسلم وَالسُّبْحَةُ تَدُورُ تُسَبِّحُ فَلَمَّا جَلَسَتْ سَكَنَتْ. وَقَالَ عماد الدين المناوي فِي سُبْحَةٍ:
وَمَنْظُومَةُ الشَّمْلِ يَخْلُو بِهَا ... اللَّبِيبُ فَتَجْمَعُ مِنْ هِمَّتِهْ
إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ ... عَلَيْهَا تَفَرَّقَ مِنْ هَيْبَتِهْ
مَسْأَلَةٌ: هَلْ تَدَاوَى النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِنَّهُ ثَمَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ إِنَّهُ أُمِرَ بِالتَّدَاوِي وَلَمْ يَتَدَاوَ؟.
الْجَوَابُ: نَعَمْ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ: احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ مَكْرُوهٌ، وَمُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْ ذِكْرِهِ ﷺ لِمَنَافِعِ الْأَدْوِيَةِ
стр. 479
وَالْأَطْعِمَةِ كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، وَالْقُسْطِ وَالصَّبِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ ﷺ تَدَاوَى، وَبِأَخْبَارِ عائشة بِكَثْرَةِ تَدَاوِيهِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ «أَنَّهُ ﷺ تَطَبَّبَ فِي نَفْسِهِ، وَطَبَّبَ غَيْرَهُ» انْتَهَى.
قُلْتُ: يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وأبو نعيم كِلَاهُمَا فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مِنْ طَرِيقِ «هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لعائشة ﵂: يَا أم المؤمنين أَعْجَبُ مِنْ بَصَرِكِ بِالطِّبِّ، قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا طَعَنَ فِي السِّنِّ سَقِمَ فَوَفَدَتِ الْوُفُودُ، فَنَعَتَتْ فَمِنْ ثَمَّ» ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم مِنْ طَرِيقِ محمد بن عبد الرحمن المليكي، قَالَ: «حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لعائشة: يَا خَالَةُ إِنِّي لَأُفَكِّرُ فِي أَمْرِكِ وَأَتَعَجَّبُ أَنْ وَجَدْتُكِ عَالِمَةً بِالطِّبِّ فَمِنْ أَيْنَ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَتْ أَسْقَامُهُ فَكُنَّا نُعَالِجُ لَهُ» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ «عَنْ عائشة، أَنَّهُ قِيلَ لَهَا، مِنْ أَيْنَ تَعَلَّمْتِ الطِّبَّ؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِسْقَامًا، وَكَانَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَتَنْعِتُ لَهُ فَتَعَلَّمْتُ ذَلِكَ» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ «عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: كَانَتْ فاطمة تَغْسِلُ الدَّمَ، وعلي يَسْكُبُ الْمَاءَ عَلَيْهَا: فَلَمَّا رَأَتْ فاطمة الدَّمَ لَا يَزِيدُ إِلَّا كَثْرَةً: أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا حَتَّى إِذَا صَارَتْ رَمَادًا أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ» .
وَأَخْرَجَ أبو داود، والحاكم وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَطَ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعَطَ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، " أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: الْحَجْمُ، قُلْتُ: وَمَا الْحَجْمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خَيْرُ مَا تَدَاوَى بِهِ الْعَرَبُ» .
وَأَخْرَجَ الحاكم وَصَحَّحَهُ عَنْ سمرة قَالَ: «دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذَا الْحَجْمُ وَهُوَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ عبد الله بن جعفر قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَرْنِهِ بَعْدَ مَا» .
وَأَخْرَجَ أبو داود، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جابر «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَنْيٍ كَانَ بِهِ يَعْنِي مِنْ وَهْنٍ دُونَ الْخَلْعِ وَالْكَسْرِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ مِنْ أَذًى كَانَ بِهِ» .
وَأَخْرَجَ
стр. 480
أبو نعيم عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِرَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ صُدِعَ فَيُغَلِّفُ رَأْسَهُ بِالْحِنَّاءِ» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ عبد الرحمن بن عثمان «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ تَحْتَ كَتِفِهِ الْيُسْرَى مِنَ الشَّاةِ الَّتِي أَكَلَ يَوْمَ خَيْبَرَ» .
وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ علي قَالَ: «لَدَغَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: لَعَنَكِ اللَّهُ لَا تَدَعِينَ نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَجَعَلَ يَمْرُسُهَا عَلَيْهَا» .
[أَعْذَبُ الْمَنَاهِلِ فِي حَدِيثِ مَنْ قَالَ أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ]
٤٦ - أَعْذَبُ الْمَنَاهِلِ
فِي حَدِيثِ مَنْ قَالَ أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، سُئِلْتُ عَنْ حَدِيثِ «مَنْ قَالَ: أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ» .
الْجَوَابُ: هَذَا إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ كَلَامِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ عَلَى ضَعْفٍ فِي إِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، ويحيى مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ فَإِنَّهُ رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَحْدَهُ، وَقَدْ يُعَدُّ فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَلْقَ غَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ رِوَايَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنْ وُجِدَ عَنْهُ الْجَزْمُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حَكَمَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ بِالْوَهْمِ فِي رَفْعِهِ، فَإِنَّ لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ، قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ يحيى بن سعيد أَسْوَأَ رَأْيًا فِي أَحَدٍ مِنْهُ فِي ليث لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُرَاجِعَهُ فِيهِ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: ليث أَضْعَفُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: سَأَلْتُ جريرا عَنْ ليث، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَعَنْ يزيد بن أبي زياد فَقَالَ: كَانَ يزيد أَحْسَنَهُمُ اسْتِقَامَةً فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ عطاء، وَكَانَ ليث أَكْثَرَهُمْ تَخْلِيطًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَذَا فَقَالَ: أَقُولُ كَمَا قَالَ جرير، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ لَيْثِ
стр. 481
بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَقَالَ عمرو بن علي: كَانَ يحيى لَا يُحَدِّثُ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَقَالَ أبو معمر القطيعي: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يُضَعِّفُ لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: قُلْتُ لسفيان: إِنَّ ليثا رَوَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سفيان وَعَجِبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ جَدُّ طلحة لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ: سَأَلْتُ وكيعا عَنْ حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ: ليث ليث كَانَ سفيان لَا يُسَمَّى ليثا، وَقَالَ قبيصة، قَالَ شُعْبَةُ لِلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ: أَيْنَ اجْتَمَعَ لَكَ عطاء، وطاووس، وَمُجَاهِدٌ؟ فَقَالَ: إِذْ أَبُوكَ يُضْرَبُ بِالْخُفِّ لَيْلَةَ عُرْسِهِ فَمَا زَالَ شُعْبَةُ مُتَّقِيًا لليث مُذْ يَوْمِئِذٍ، وَقَالَ أبو حاتم: أَقُولُ فِي ليث كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبِي، وأبا زرعة يَقُولَانِ: ليث لَا يُشْتَغَلُ بِهِ وَهُوَ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أبو زرعة أَيْضًا: ليث لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَقَالَ مؤمل بن الفضل: قُلْنَا لِعِيسَى بْنِ يُونُسَ: لَمْ تَسْمَعْ مِنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ وَكَانَ قَدِ اخْتَلَطَ وَكَانَ يَصْعَدُ الْمَنَارَةَ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ فَيُؤَذِّنُ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ.
هَذَا مَجْمُوعُ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي تَخْرِيجِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ صِحَّةِ عَقْلِهِ كَثِيرَ التَّخْلِيطِ فِي حَدِيثِهِ بِحَيْثُ جُرِحَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ثُمَّ طَرَأَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْتِلَاطُ فِي عَقْلِهِ فَازْدَادَ حَالُهُ سُوءًا، وَحُكْمُ الْمُخْتَلِطُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ مِنَ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ الْمُحْتَجِّ بِهِمْ أَنَّ مَا رَوَاهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ يُرَدُّ، وَكَذَا مَا شُكَّ فِيهِ هَلْ رَوَاهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمُ مَنِ اخْتَلَطَ مِنَ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِهِمْ فَكَيْفَ بِمَنِ اخْتَلَطَ مِنَ الضُّعَفَاءِ الْمَجْرُوحِينَ الَّذِينَ لَا يُحْتَجُّ بِهِمْ قَبْلَ طُرُوءِ الِاخْتِلَاطِ عَلَيْهِمْ؟ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْحُفَّاظِ إِذَا تَرْجَمُوا أَحَدًا مِمَّنْ تُكِلِّمَ فِيهِ أَنْ يَسْرُدُوا فِي تَرْجَمَتِهِ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَحَادِيثُ سِوَاهَا صَالِحَةٌ نَبَّهُوا عَلَى أَنَّ مَا عَدَا مَا سَرَدُوهُ مِنْ أَحَادِيثِهِ صَالِحٌ مَقْبُولٌ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِمَّنْ خُرِّجَ لَهُ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ صَاحِبَ الصَّحِيحِ لَمْ يُخَرِّجْ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قَبُولُ كُلِّ مَا رَوَاهُ، هَكَذَا نَصُّوا عَلَيْهِ. وَهَذَا الرَّجُلُ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِأَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ فَالْحُجَّةُ فِي رِوَايَةِ أبي إسحاق، وَالْحَدِيثُ الَّذِي خَرَّجَهُ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ أبي إسحاق، لَا مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ. وَلَمَّا تَرْجَمَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ سَرَدَ أَحَادِيثَهُ الَّتِي أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: لَهُ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُ، وَكَذَا صَنَعَ الحافظ الذهبي فِي الْمِيزَانِ سَرَدَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَحَادِيثَ أَنْكَرْتُ
стр. 482
عَلَيْهِ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ - أَعْنِي حَدِيثَ: «مَنْ قَالَ أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ» - وَحَدِيثَ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فَلَمْ يُسَمِّ أَحَدَهُمْ مُحَمَّدًا فَقَدْ جَهِلَ» . وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابن الجوزي فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَحَدِيثَ: «كَانَ بِالْيَمَنِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ زُعَاقُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ مَاتَ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَّهَ إِلَيْهِ: أَيُّهَا الْمَاءُ أَسْلِمْ فَقَدْ أَسْلَمَ النَّاسُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ حُمَّ وَلَا يَمُوتُ» ، فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَجْزِمْ ليث بِرَفْعِهِ ; لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذِهِ صِيغَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الشَّكِّ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ بُطْلَانَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ثُبُوتُ هَذَا اللَّفْظِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ لِيَقَعُوا فِي شَيْءٍ وَرَدَ فِيهِ ذَمٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَا ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ خَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ كَمَا سُقْتُ رِوَايَاتِهِمْ وَأَلْفَاظَهُمْ فِي الْكِتَابِ الْمُسَمَّى - بِالصَّوَاعِقِ عَلَى النَّوَاعِقِ - وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ لَا يُطْبِقُونَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِمَا ذَمَّ النَّبِيُّ ﷺ التَّلَفُّظَ بِهِ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ ﵇ فِيمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي التَّنْزِيلِ ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] . فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ حُكِمَ عَلَى الْحَدِيثِ بِالْإِبْطَالِ وليث لَمْ يُتَّهَمْ بِكَذِبٍ؟ قُلْتُ: الْمَوْضُوعُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ تَعَمَّدَ وَاضِعُهُ وَضْعَهُ وَهَذَا شَأْنُ الْكَذَّابِينَ، وَقِسْمٌ وَقَعَ غَلَطًا لَا عَنْ قَصْدٍ وَهَذَا شَأْنُ الْمُخَلِّطِينَ وَالْمُضْطَرِبِينَ فِي الْحَدِيثِ كَمَا حَكَمَ الْحُفَّاظُ بِالْوَضْعِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ وَهُوَ: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» فَإِنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَوَاضِعُهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَضْعَهُ وَقِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ العراقي فِي أَلْفِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ:
وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدْ
، نَحْوَ حَدِيثِ ثابت: " مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ " الْحَدِيثَ.
وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ الْوَضْعُ لِلْمُغَفَّلِينَ وَالْمُخَلِّطِينَ وَالسَّيِّئِ الْحِفْظِ بِعَزْوِ كَلَامِ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِمَّا كَلَامُ تَابِعِيٍّ، أَوْ حَكِيمٍ، أَوْ أَثَرٌ إِسْرَائِيلِيٌّ كَمَا وَقَعَ فِي: " الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ "، " وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ "، " وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ يَكُونُ مَعْرُوفًا بِعَزْوِهِ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَلْتَبِسُ عَلَى الْمُخَلِّطِ فَيَرْفَعُهُ إِلَيْهِ وَهْمًا مِنْهُ، فَيَعُدُّهُ الْحُفَّاظُ مَوْضُوعًا، وَمَا تَرَكَ الْحُفَّاظُ بِحَمْدِ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا بَيَّنُوهُ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
стр. 483
وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَى سَعَةِ النَّظَرِ وَطُولِ الْبَاعِ وَكَثْرَةِ الِاطْلَاعِ، وَقَدْ يَقَعُ الْوَضْعُ فِي لَفْظَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ لَا فِي كُلِّهِ كَحَدِيثِ: «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ» ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ صَدْرُهُ ثَابِتٌ، وَقَوْلُهُ: "أَوْ جَنَاحٍ " مَوْضُوعٌ تَعَمَّدَهُ وَاضِعٌ تَقْرُّبًا إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمَهْدِيِّ، لَمَّا كَانَ مَشْغُوفًا بِاللَّعِبِ بِالْحَمَامِ، وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ لليث هَذَا صَاحِبِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وعطاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الَّذِي «وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْتِقْ رَقَبَةً قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: أَهْدِ بَدَنَةً، قَالَ: لَا أَجِدُ» ، قَالَ الْحُفَّاظُ: ذِكْرُ الْبَدَنَةِ فِيهِ مُنْكَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ليثا إِنَّمَا زَادَهَا غَفْلَةً وَتَخْلِيطًا لَا عَنْ قَصْدٍ وَعَمْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[حُسْنُ التَّسْلِيكِ فِي حُكْمِ التَّشْبِيكِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى: قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: " بَابُ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ " وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» ، قَالَ الحافظ ابن حجر فِي شَرْحِهِ: حَدِيثُ أبي موسى دَالٌّ عَلَى جَوَازِ التَّشْبِيكِ مُطْلَقًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ فِي غَيْرِهِ أَجْوَزُ.
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ قَبْلَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثٌ آخَرُ نَصُّهُ: حَدَّثَنَا حامد بن عمر ثَنَا بشر ثَنَا عاصم، ثَنَا واقد عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «شَبَّكَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَابِعَهُ» ، قَالَ الحافظ مغلطاي: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الصَّحِيحِ، وَقَالَ الحافظ ابن حجر: هُوَ ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مُعَارَضَةُ مَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيكِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ مَرَاسِيلُ وَمُسْنَدٌ مِنْ طُرُقٍ غَيْرِ ثَابِتَةٍ، وَقَالَ ابن المنير: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ تَعَارُضٌ إِذِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَبَثِ، وَجَمَعَ الإسماعيلي بِأَنَّ النَّهْيَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَاصِدًا إِلَيْهَا، إِذْ مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي، وَقِيلَ: إِنَّ صُورَتَهُ تُشْبِهُ صُورَةَ
стр. 484
الِاخْتِلَافِ، فَكُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ، حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ لِلْمُصَلِّينَ: " «وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» ، وَقَالَ الحافظ مغلطاي فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مُعَارِضَةٌ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيكِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصِّحَّةِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: حَدِيثُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ مالك: رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ لَيُنْكِرُونَ تَشْبِيكَ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا بِهِ بَأْسٌ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ، وسالم ابْنُهُ، فَكَانَا يُشَبِّكَانِ بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ مغلطاي: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيكِ وَبَيْنَ تَشْبِيكِهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مُعَارَضَةٌ ; لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ فِعْلِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْمُضِيِّ إِلَيْهَا، وَفِعْلُهُ ﷺ لِلتَّشْبِيكِ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَلَا فِي الْمُضِيِّ إِلَيْهَا، فَلَا مُعَارَضَةَ إِذَنْ وَبَقِيَ كُلُّ حَدِيثٍ عَلَى حِيَالِهِ انْتَهَى.
قُلْتُ: وَمِنَ الْأَحَادِيثِ فِي تَشْبِيكِهِ ﷺ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ هَكَذَا - زَادَ الْبَيْهَقِيُّ - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» . وَأَخْرَجَ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ أَنْتُمْ فِي قَوْمٍ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَصَارُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «كَيْفَ تَرَوْنَ إِذَا أُخِّرْتُمْ فِي زَمَانِ حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَنُذُورُهُمْ فَاشْتَبَكُوا فَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُقْبِلُ أَحَدُكُمْ عَلَى خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَيَذَرُ أَمْرَ الْعَامَّةِ» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كُنْتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ وَاخْتَلَفُوا حَتَّى يَكُونُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: خُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ» .
وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ، وأحمد، وأبو داود، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، «عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ
стр. 485
شَمْسٍ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَنَا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ عَنْ أبي ذر قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا أبا ذر كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كُنْتَ فِي حُثَالَةٍ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَأْمُرُنِي؟ اصْبِرْ، اصْبِرْ، اصْبِرْ خَالِقُوا النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ وَخَالِفُوهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْكَافِرُ يَقُولُ لَهُ الْقَبْرُ لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، ثُمَّ يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ أَضْلَاعُهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ فَشَبَّكَهَا» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبو داود عَنْ جابر فِي حَدِيثِ الْحَجِّ قَالَ: «قَامَ سراقة بن جعشم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: " دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ» .
وَأَخْرَجَ ابن عساكر «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِذَا اخْتَلَفُوا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ أُبَصِّرُهُمْ بِالْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِهِ تَقْصِيرٌ، وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ زَحْفًا» .
ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْمُسَلْسَلِ بِالتَّشْبِيكِ
أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْإِمَامُ تقي الدين الشمني بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، والجلال أبو المعالي القمصي، وأبو العباس أحمد بن الجمال - عبد الله بن علي الكناني - سَمَاعًا عَلَيْهِمَا بِالْقَاهِرَةِ، وناصر الدين أبو الفرج بن الإمام زين الدين أبي بكر المراغي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، والحافظ تقي الدين أبو الفضل بن فهد الهاشمي سَمَاعًا عَلَيْهِ بِمِنًى، وَشَبَّكَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِيَدَيَّ، قَالَ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي، وَالثَّالِثُ: أَنَا الجمال عبد الله بن علي الحنبلي وَشَبَّكَ بِيَدِ كُلٍّ مِنَّا، قَالَ: أَنَا أبو الحسن علي بن أحمد العرضي وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، وَقَالَ الرَّابِعُ: أَنَا الشَّيْخُ شمس الدين محمد بن محمد الجزري وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، قَالَ: أَنَا أبو حفص عمر بن حسن المزي وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، قَالَ هُوَ. وَالْعُرْضِيُّ: أَنَا أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري وَشَبَّكَ بِيَدَيْ كُلٍّ مِنَّا أَنَا عمر بن سعيد الحلبي وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ أَنَا أَبُو الْفَرَجِ يَحْيَى بْنُ مَحْمُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا الْحَافِظُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ
стр. 486
وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ أَنَا الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَغْفَرِيُّ، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا أبو بكر أحمد بن عبد العزيز المكي، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا أبو الحسين محمد بن طالب، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا أبو عمر عبد العزيز بن الحسن بن بكر بن عبد الله بن الشرود الصنعاني، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، قَالَ: شَبَّكَ بِيَدَيْ أَبِي ح. وَقَالَ الْخَامِسُ: أَنَا القاضي جمال الدين بن ظهيرة وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا البهاء عبد الله بن محمد المكي، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا الرضي الطبري، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ بِنْتِ الْجُمَيْزِيِّ، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ أَنَا الشَّرَفُ بْنُ أَبِي عَصْرُونَ، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، أَنَا القاضي أبو عبد الله بن نصر، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّرَيْثِيثِيُّ، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، ثَنَا علي بن أبي نصر وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، حَدَّثَنَا محمد بن علي بن هاشم، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، حَدَّثَنَا عبيد بن إبراهيم الصنعاني، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، ثَنَا بكر بن الشرود، وَشَبَّكَ بِيَدَيَّ، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدَيَّ ابن أبي يحيى. وَقَالَ ابن أبي يحيى: شَبَّكَ بِيَدَيَّ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ. وَقَالَ صفوان: شَبَّكَ بِيَدَيَّ أيوب بن مالك الأنصاري. وَقَالَ أيوب: شَبَّكَ بِيَدَيَّ عبد الله بن رافع. وَقَالَ عبد الله بن رافع: شَبَّكَ بِيَدَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ. «وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: شَبَّكَ بِيَدَيَّ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ وَقَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَالْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» .
مَسْأَلَةٌ:
مَاذَا يَقُولُ إِمَامُ الْعَصْرِ مُجْتَهِدٌ ... قَدْ فَاقَ سَالِفَهُ فِي الْعُجْمِ وَالْعَرَبِ
فِيمَا رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سَيِّدِنَا ... فِي يَوْمِ بَدْرٍ عَقِيبَ النَّصْرِ وَالنَّصَبِ؟
بِأَنَّهُ قَالَ لِلْكُفَّارِ حِينَ رُمُوا ... ضِمْنَ الْقَلِيبِ قَضَوْا لِلنَّارِ وَاللَّهَبِ
أَهْلَ الْقَلِيبِ وَجَدْنَا وَعْدَ خَالِقِنَا ... حَقًّا وَفُزْنَا بِنَيْلِ الْقَصْدِ وَالْأَرَبِ
فَهَلْ وَجَدْتُمْ حَقِيقًا وَعْدَ رَبِّكُمُ ... وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ قَدْ مَالَ لِلْعَجَبِ؟
وَقَالَ كَلَّمْتُ خَيْرَ الْخَلْقِ مِنْ مُضَرَ ... مَوْتًى خَلَوْا عَنْ سَمَاعِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
وَأَنَّ أَحْمَدَ خَيْرُ الْخَلْقِ قَالَ لَهُ ... مِنْكُمْ لَأَسْمَعُ فِي بَعْضٍ مِنَ الْكُتُبِ
وَأَنْ تَقُولُوا رَوَى فِي قَوْلِ خَالِقِنَا ... فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ لِلْمَبْعُوثِ خَيْرِ نَبِيِّ
لَا يَسْمَعُ الْمَيِّتُ مَاذَا الْقَوْلُ فِيهِ وَهَلْ ... مُعَارِضٌ لِلَّذِي قُلْنَاهُ فِي الرُّتَبِ؟
لَا زِلْتَ تُرْشِدُ عَبْدًا ضَلَّ فِي حَلَكٍ ... بِوَاضِحِ الْفَرْقِ خَالِيَ الشَّكِّ وَالرِّيَبِ
وَنِلْتَ أَعْلَى مَقَامٍ فِي النَّعِيمِ غَدًا ... مُهَنَّئًا بِسُرُورٍ غَيْرَ مُقْتَضِبِ
стр. 487
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا دَائِمَ الْحِقَبِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَبْعُوثِ خَيْرِ نَبِي
سَمَاعُ مَوْتَى كَلَامِ الْخَلْقِ مُعْتَقَدٌ ... جَاءَتْ بِهِ عِنْدَنَا الْآثَارُ فِي الْكُتُبِ
وَآيَةُ النَّفْيِ مَعْنَاهَا سَمَاعُ هُدًى ... لَا يَقْبَلُونَ وَلَا يُصْغُوا إِلَى أَدَبِ
[شَدُّ الْأَثْوَابِ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَبَكَى أبو بكر فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أبو بكر أَعْلَمَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أبا بكر، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أبا بكر، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أبي بكر - وَفِي لَفْظٍ - لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا سُدَّتْ إِلَّا خَوْخَةَ أبي بكر " أَخْرَجَهُ ابن عساكر، وَفِي لَفْظٍ: " ثُمَّ هَبَطَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَمَا رُئِيَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ» أَخْرَجَهُ أحمد وَالدَّارِمِيُّ هَذَا حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ كَمَا سَأُشِيرُ إِلَى طُرُقِهِ.
قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ خَصِيصَةٌ لأبي بكر ﵁. وَقَالَ ابن شاهين فِي السُّنَّةِ: تَفَرَّدَ أبو بكر ﵁ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ. وَلِلْأَمْرِ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ تَبْلُغُ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ فِي خِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أبي بكر، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أبا بكر خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أبي بكر» ".
وَأَخْرَجَ ابن سعد مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أيوب بن بشير الأنصاري، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ
стр. 488
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فَاسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ، فَلَمَّا قَضَى تَشَهُّدَهُ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ رَبِّهِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ رَبِّهِ، فَفَطِنَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوَّلَ النَّاسِ، فَعَرَفَ إِنَّمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ نَفْسَهُ، فَبَكَى أبو بكر، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ يَا أبا بكر سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أبي بكر، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ امْرَءًا أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصَّحَابَةِ مِنْ أبي بكر» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ مِنْ آبَارٍ شَتَّى حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَلَمْ يَفْهَمْهَا إِلَّا أبو بكر فَبَكَى، فَقَالَ: نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ، أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ وَذَاتِ الْيَدِ ابن أبي قحافة، انْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَابِ أبي بكر، فَإِنِّي رَأَيْتُ عَلَيْهِ نُورًا» .
وَأَخْرَجَ عبد الله بن أحمد فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أبو بكر صَاحِبِي وَمُؤْنِسِي فِي الْغَارِ سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أبي بكر» .
وَأَخْرَجَ أبو يعلى بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: انْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الْمُلَاصِقَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَيْتِ أبي بكر فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَفْضَلَ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ مِنْهُ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُدُّوا عَنِّي كُلَّ بَابٍ إِلَّا بَابَ أبي بكر» ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ عائشة قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أبي بكر» .
وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عائشة قَالَتْ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ: " صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ مِنْ سَبْعِ آبَارٍ شَتَّى حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ فَخَرَجَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَبَكَى أبو بكر فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكَ سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أبي بكر، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ امْرَءًا أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أبي بكر ".»
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُؤْذُونِي فِي صَاحِبِي، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ صَاحِبًا لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا أَلَا فَسُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ إِلَّا خَوْخَةَ ابن أبي قحافة» .
وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ يحيى بن سعيد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ عَلَيَّ مَنًّا فِي
стр. 489
الصُّحْبَةِ وَذَاتِ يَدِهِ أبو بكر فَأَغْلِقُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّارِعَةَ كُلَّهَا فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أبي بكر، فَقَالَ نَاسٌ: أَغَلَقَ أَبْوَابَنَا وَتَرَكَ بَابَ خَلِيلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي قُلْتُمْ فِي بَابِ أبي بكر، وَإِنِّي أَرَى عَلَى بَابِ أبي بكر نُورًا، وَأَرَى عَلَى أَبْوَابِكُمْ ظُلْمَةً» مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو طَاهِرٍ الْمُخْلِصُ فِي فَوَائِدِهِ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ، مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ يحيى بن سعيد عَنْ أَنَسٍ بِهِ، وَزَادَ: فَكَانَتِ الْآخِرَةُ أَعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُولَى " قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا أَعْلَمُ وَصَلَهُ عَنِ الليث غَيْرُ عبد الله بن صالح وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ الليث عَنْ يحيى بن سعيد بِدُونِ ذِكْرِ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ عَنْ أبي الأحوص حكيم بن عمير العنسي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " عِنْدَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ سَدِّ [تِلْكَ] الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ أبي بكر " وَقَالَ: " لَيْسَ مِنْهَا بَابٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ ظُلْمَةٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَابِ أبي بكر فَإِنَّ عَلَيْهِ نُورًا» .
وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ أبي الحويرث قَالَ: " «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَبْوَابِ تُسَدُّ إِلَّا بَابَ أبي بكر قَالَ عمر: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَفْتَحُ كُوَّةً أَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا» .
وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ أبي البداح بن عاصم بن عدي، قَالَ: «قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُكَ فَتَحْتَ أَبْوَابَ رِجَالٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا بَالُكَ سَدَدْتَ أَبْوَابَ رِجَالٍ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عباس مَا فَتَحْتُ عَنْ أَمْرِي، وَلَا سَدَدْتُ عَنْ أَمْرِي» .
فَصْلٌ: وَأَخْرَجَ أحمد، وَالنَّسَائِيُّ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «كَانَ لِنَفِرٍّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَوْمًا: سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ علي فَتَكَلَّمَ أُنَاسٌ فِي ذَلِكَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَمَرْتُ بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ علي، فَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئًا وَلَا فَتَحْتُهُ وَلَكِنِّي أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْتُهُ» .
وَأَخْرَجَ أحمد، وَالنَّسَائِيُّ، وأبو يعلى، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَرْكِ بَابِ علي فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَدَدْتَ أَبْوَابَنَا كُلَّهَا إِلَّا بَابَ علي قَالَ: مَا أَنَا سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَدَّهَا» .
وَأَخْرَجَ أحمد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَسُدَّتْ إِلَّا بَابَ علي» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ: «فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مَأْمُورٌ مَا أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ إِنْ
стр. 490
أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: " «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أبي بكر أَنْ سُدَّ بَابَكَ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً فَسَدَّ بَابَهُ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عمر، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى العباس بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَنَا سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ وَفَتَحْتُ بَابَ علي، وَلَكِنَّ اللَّهَ فَتَحَ بَابَ علي وَسَدَّ أَبْوَابَكُمْ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ علي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْطَلِقْ فَمُرْهُمْ فَلْيَسُدُّوا أَبْوَابَهُمْ فَانْطَلَقْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ فَفَعَلُوا إِلَّا حمزة فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ فَعَلُوا إِلَّا حمزة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ لحمزة فَلْيُحَوِّلْ بَابَهُ، فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُحَوِّلَ بَابَكَ فَحَوَّلَهُ» .
وَأَخْرَجَ أحمد، وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ غَيْرَ بَابِ علي، وَكَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ جُنُبٌ وَهُوَ طَرِيقُهُ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا غَيْرَ بَابِ علي فَقَالَ العباس: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْرَ مَا أَدْخُلُ أَنَا وَحْدِي، وَأَخْرُجُ قَالَ: مَا أَمَرْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَسُدَّهَا كُلَّهَا غَيْرَ بَابِ علي» ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ علي فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ سَدَّ أَبْوَابَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَقَرَّ بَابَهُ» .
وَأَخْرَجَ أحمد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أُعْطِيَ علي ثَلَاثَ خِصَالٍ: زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِابْنَتِهِ وَوَلَدَتْ لَهُ، وَسَدَّ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ» ، فَهَذِهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا فِي الْأَمْرِ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ وَبَقِيَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ تَرَكْتُهَا كَرَاهَةَ الْإِطَالَةِ.
فَصْلٌ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّهُ سَدَّ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ أبي بكر، وَبَيْنَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ أَنَّهُ سَدَّ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ علي، فَإِنَّهُمَا قِصَّتَانِ إِحْدَاهُمَا غَيْرُ الْأُخْرَى، فَقِصَّةُ علي كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً وَهِيَ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ، وَقَدْ كَانَ أَذِنَ لعلي أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ، وَقِصَّةُ أبي بكر مُتَأَخِّرَةٌ فِي مَرَضِ الْوَفَاةِ فِي سَدِّ طَاقَاةٍ كَانُوا يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا وَهِيَ الْخَوْخُ، كَذَا جَمَعَ القاضي إسماعيل المالكي فِي أَحْكَامِهِ، وَالْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِيهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِهِ، وَعِبَارَةُ الْكَلَابَاذِيِّ لَا تُعَارِضُ بَيْنَ قِصَّةِ علي وَقِصَّةِ أبي بكر ; لِأَنَّ بَابَ أبي بكر كَانَ مِنْ جُمْلَةِ خَوْخَاتٍ يَطَّلِعُ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَأَبْوَابُ الْبُيُوتِ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَدِّ تِلْكَ الْخَوْخِ فَلَمْ تَبْقَ تُطَّلَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَتُرِكَتْ خَوْخَةُ أبي بكر
стр. 491
فَقَطْ. وَأَمَّا بَابُ علي فَكَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ يَخْرُجُ مِنْهُ وَيَدْخُلُ مِنْهُ.
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: قِصَّةُ علي فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ، وَأَمَّا سَدُّ الْخَوْخِ فَالْمُرَادُ بِهِ طَاقَاةٌ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِسَدِّهَا إِلَّا خَوْخَةَ أبي بكر، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِخْلَافِ أبي بكر لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَسْجِدِ كَثِيرًا دُونَ غَيْرِهِ. انْتَهَى.
قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ قِصَّةِ علي ذِكْرُ حمزة قِصَّتَهُ فَإِنَّ حمزة قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
فَصْلٌ: قَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّهُ ﷺ مَنَعَ مِنْ فَتْحِ بَابٍ شَارِعٍ إِلَى مَسْجِدٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَلَا لِعَمِّهِ العباس وَلَا لأبي بكر إِلَّا لعلي لِمَكَانِ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، وَمِنْ فَتْحِ خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ طَاقَةٍ أَوْ كُوَّةٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَلَا لعمر إِلَّا لأبي بكر خَاصَّةً لِمَكَانِ الْخِلَافَةِ، وَلِكَوْنِهِ أَفْضَلَ النَّاسِ يَدًا عِنْدَهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَى التَّعْلِيلِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُبْدَأِ بِهَا، وَهَذِهِ خِصِّيصَةٌ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ أَحَدٍ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ عمر اسْتَأْذَنَ فِي كُوَّةٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يُقَاسُ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ مُنِعَ عمر، وَاسْتَأْذَنَ العباس فِي فَتْحِ بَابٍ صَغِيرٍ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَحْدَهُ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَهُوَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ مُنِعَ مِنْهُ عمر والعباس؟ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ بِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسُدَّ مَا سَدَّ وَلَمْ يَفْتَحْ مَا فَتَحَ إِلَّا بِأَمْرِهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ الْوَفَاةِ، وَفِي آخِرِ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَهِدَ بِهِ إِلَى أُمَّتِهِ وَمَاتَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ، وَتَقَلَّدَ ذَلِكَ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَلَا يَكْتُمَهُ، فَإِنْ تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ مَنُوطٌ بِرَأْيِ الْإِمَامِ زِدْ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْعِهِ، فَلَا رَأْيَ لِأَحَدٍ فِي إِبَاحَتِهِ، بَلْ لَوْ وَقَفَ رَجُلٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ فِيهِ شَيْئًا اتُّبِعَ شَرْطُهُ، فَكَيْفَ بِمَسْجِدٍ وَقَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَصَّ فِيهِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَمْرٍ وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْوَحْيِ، وَجَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ عَهْدِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَسَاجِدَ لَا تَعْرِضُ فِي شُرُوطِ وَاقِفِيهَا لِمَنْعٍ وَلَا لِغَيْرِهِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ تَوَقُّفٍ وَنَظَرٍ، وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ قَدْ زَالَتْ مَعَالِمُهُ وَجُدُرُهُ وَوُسِّعَ زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ فِي عَهْدِهِ ﷺ فَلَا يُجْدِيهِ هَذَا شَيْئًا فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ وَأَحْكَامَهُ
стр. 492
الثَّابِتَةَ لَهُ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوِ اتَّسَعَ وَأُزِيلَتْ جُدُرُهُ وَأُعِيدَتْ عَادَتْ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ مَنُوطٌ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِذَاكَ الْجِدَارِ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ بُنِيَ فِي زَمَنِ عمر وَوُسِّعَ فِي زَمَنِ عثمان وَغَيْرِهِ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَهُ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ الْفَتْحِ فِي الْجِدَارِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ الْفَاتِحِ، قُلْنَا: إِنْ كَانَ مَعَ إِعَادَةِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ كَمَا كَانَتْ بِحَيْثُ يُسَدُّ الْبَابُ وَالشَّبَابِيكُ الَّتِي فِي الْجِدَارِ فَلَا يُسْتَطْرَقُ مِنْهُ، وَلَا يُطَّلَعُ مِنْهَا فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَانَ مَعَ إِزَالَةِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ وَبَقَاءِ الِاسْتِطْرَاقِ وَالِاطِّلَاعِ، فَمَعَاذَ اللَّهِ فَإِنَّ هَذِهِ ذَرِيعَةٌ وَحِيلَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الشَّرِيفِ، وَإِذَا مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ عمر مِنْ فَتْحِ كُوَّةٍ يَنْظُرُهُ مِنْهَا حِينَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَكَيْفَ يَهْدِمُ الْحَائِطَ جَمِيعَهُ؟ بَلْ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَأَقُولُ لَوْ أُعِيدَ حَائِطُ الْمَسْجِدِ وَبُنِيَ خَلْفَهُ جِدَارٌ أَطْوَلُ مِنْهُ وَفُتِحَ فِي أَعْلَاهُ كُوَّةٌ يُطَّلَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ; احْتِيَاطًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّبَابِيكَ تَصِيرُ مُعَدَّةً لِمَنْ يَجْلِسُ فِيهَا مُرْتَفِعًا، وَالْقَبْرُ الشَّرِيفُ تَحْتَهُ فَهَذَا أَشَدُّ وَأَشَدُّ، وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَحَرٍّ الِاحْتِيَاطُ لِدِينِهِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ فِيهِ بَعْدَ نَصِّهِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ يُنْقَضُ وَفَتْوَى الْمُفْتِي بِمَا يُعَارِضُ تُرَدُّ، وَالتَّوَصُّلُ إِلَى خِلَافِهِ بِالْحِيَلِ الْفَاسِدَةِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ: تَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» .
فَصْلٌ: اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ مُفْتِي عَصْرِنَا أَفْتَوْا بِجَوَازِ فَتْحِ الْبَابِ وَالْكُوَّةِ وَالشُّبَّاكِ مِنْ دَارٍ بُنِيَتْ مُلَاصِقَةً لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمُ اسْتِرْوَاحًا وَعَدَمَ وُقُوفٍ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ رُوجِعَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مُسْتَنَدِهِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ فَأَبْدَوْا شُبَهًا كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ، وَلَوْلَا جَنَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَعَظَمَتُهُ الرَّاسِخَةُ فِي الْقَلْبِ، لَمْ أَتَكَلَّمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَكُنْتُ إِلَى السُّكُوتِ أَمْيَلَ لَكِنْ لَا أَرَى السُّكُوتَ يَسَعُنِي فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا عَهْدٌ عَهِدَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَهُ، وَلَا يُرَاعِيَ فِيهِ صَدِيقًا وَلَا حَبِيبًا، وَلَا بَعِيدًا وَلَا قَرِيبًا، وَأَنَا أَذْكُرُ شُبَهَ الْمُفْتِينَ وَأَرُدُّهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَقْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَهْلِ مَذْهَبِنَا وَنَقُولُ بِالْجَوَازِ اسْتِحْسَانًا حَيْثُ لَا ضَرَرَ، وَجَوَابُ هَذَا أَنَّهُ لَا اسْتِحْسَانَ مَعَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ رَأَى النَّاظِرُ ذَلِكَ، وَجَوَابُ هَذَا أَنَّ النَّصَّ مَنَعَ الْقِيَاسَ، وَدَلَّتِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ انْفَرَدَ بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مَنُوطٌ بِرَأْيِ الْإِمَامِ. وَجَوَابُ هَذَا أَنَّهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَلْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ
стр. 493
يُغَيِّرَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الشَّرِيعَةِ شَيْئًا بِرَأْيِهِ؟
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِزَمَنِهِ ﵇ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى تَخْصِيصِ النُّصُوصِ بِدَلِيلٍ.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْقِصَّةَ أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ، وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَهَا إِلَّا دُونَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْصُوصًا بِزَمَنٍ لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَإِلَّا لَكَانَ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، لَا سِيَّمَا وَهِيَ آخِرُ جِلْسَةٍ جَلَسَهَا لِلنَّاسِ.
رَابِعُهَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَمَرُّوا إِلَى أَنِ انْقَرَضُوا وَهُمْ بَاقُونَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوهُ شَرْعًا مُؤَبَّدًا.
خَامِسُهَا: يُقَالُ لِهَذَا الَّذِي ادَّعَى التَّخْصِيصَ مَا وَجْهُ مَنْعِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِهِ وَالْإِذْنِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، وَالصَّحَابَةُ أَشْرَفُ وَأَجَلُّ وَأَحَقُّ بِكُلِّ خَيْرٍ؟ وَهَلْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ أَنْ يُرَخِّصَ لِأَهْلِ الْقَرْنِ الْأَرْذَلِ مَا مُنِعَ [مِنْهُ] أَشْرَفُ الْأُمَّةِ وَخِيَارُهُمْ؟! مَعَاذَ اللَّهِ؟!
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَنْعُ مَخْصُوصٌ بِجِدَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هُدِمَ وَأُعِيدَ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْمُعَادَ مِلْكٌ لِلْمُعِيدِ فَيَفْتَحُ فِيهِ مَا شَاءَ وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يُوقِفَهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ مَرْدُودٌ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْقَوْلِ فُهِمَ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجِدَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْجِدِ، وَقَصْدُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا يُسْتَطْرَقَ إِلَى مَسْجِدِهِ مِنْ بَابٍ فِي دَارٍ تُلَاصِقُهُ، وَلَا يُطَّلَعُ إِلَيْهِ مِنْ كُوَّةٍ فِي دَارٍ تُلَاصِقُهُ، فَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَقِيَ الْجِدَارُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ أَوْ أُزِيلَ وَأُعِيدَ غَيْرُهُ فَإِنَّ الْمُعَادَ يَقُومُ مَقَامَ الْجِدَارِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِالْعِلِيَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ رَتَّبَ ﷺ الْحُكْمَ هُنَا عَلَى الْوَصْفِ حَيْثُ قَالَ: «انْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا» ، وَفِي لَفْظٍ: " الشَّوَارِعَ إِلَى الْمَسْجِدِ " فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالشَّوَارِعِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سَدِّهَا كَوْنُهَا شَارِعَةً إِلَى الْمَسْجِدِ أَيْ طَرِيقًا إِلَيْهِ مِنْ دَارٍ فَسَدَّ كُلَّ بَابٍ يَشْرَعُ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ دَارٍ، سَوَاءٌ فُتِحَ فِي الْجِدَارِ النَّبَوِيِّ أَمْ فِي الْجِدَارِ الَّذِي أُعِيدَ مَكَانَهُ، أَمْ فِي جِدَارِ صَاحِبِ الدَّارِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْجِدَارَ النَّبَوِيَّ أُزِيلَ فِي عَهْدِ عمر، وعثمان وَبُنِيَ غَيْرُهُ، وَأَبْقَى الصَّحَابَةُ هَذَا الْحُكْمَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنَ الْأَمْرِ الشَّرِيفِ تَعَلُّقَ ذَلِكَ بِالْمَسْجِدِ لَا بِالْجِدَارِ، وَإِلَّا لَكَانُوا يَفْتَحُونَ لَهُمْ أَبْوَابًا وَكَوَّاتٍ وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْجِدَارَ النَّبَوِيَّ أُزِيلَ، وَهَذَا الْجِدَارُ مِلْكُ عمر أَوْ عثمان وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَهُمْ أَتْقَى لِلَّهِ وَأَوْرَعُ وَأَشَدُّ خَشْيَةً.
وَانْظُرْ إِلَى «قَوْلِ عمر ﵁: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " يَنْبَغِي أَنْ
стр. 494
يُزَادَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا مَا زِدْتُ» أَخْرَجَهُ أحمد، وأبو يعلى، وَالْبَزَّارُ فِي مَسَانِيدِهِمْ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّوَقُّفِ مِنْ إِحْدَاثِ شَيْءٍ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ إِلَّا بِنَصٍّ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ ﷺ .
الرَّابِعُ: أَنَّ دَعْوَى أَنَّ الْجِدَارَ الْمُعَادَ مِلْكٌ لِلْمُعِيدِ يُقَالُ عَلَيْهِ أَوَّلًا هَدْمُ الْجِدَارِ الَّذِي قَبْلَهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْهَادِمِ، فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ بَدَلَ مُتْلَفٍ لَا مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ مِنْ مَالِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ أَوْ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا أُعِيدَ مِنْهُمَا كَانَ وَقْفًا كَمَا كَانَ لَا مِلْكًا، وَإِنْ أَعَادَهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى نِيَّةِ إِعَادَتِهِ لِلْمَسْجِدِ، فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ أَيْضًا أَوْ عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَكَيْفَ يَبْنِي عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا الْجِدَارَ الْمُعَادَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَمْحَضَ جِدَارًا لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ أَوْ يَجْعَلَ جِدَارًا لِلدَّارِ الَّتِي تُبْنَى مُلَاصِقَةً، وَيَكْتَفِي بِهِ عَنْ إِعَادَةِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ أَوْ يُجْعَلُ جِدَارًا لَهَا، وَيُعَادُ جِدَارُ الْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ، فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ إِهْمَالُ إِعَادَةِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوِ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ نَاظِرِ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ إِعَادَةُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَتْرُكُهُ مَهْدُومًا، وَيَزِيدُ ذَلِكَ تَحْرِيمًا أَنْ يُبْنَى عَلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ، وَيُجْعَلَ جِدَارًا لِلدَّارِ، فَهَذَا فِيهِ أَخْذُ قِطْعَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ وَإِدْخَالُهَا فِي الدَّارِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَجَبَ فَصْلُ الدَّارِ مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ فِي الدَّارِ.
السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «: " سُدُّوا الْأَبْوَابَ اللَّاصِقَةَ فِي الْمَسْجِدِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْحُكْمَ بِجِدَارِهِ بَلْ عَلَّقَهُ بِاللُّصُوقِ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِهِ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ بَابٍ لَصِقَ بِهِ مِنْ أَيِّ جِدَارٍ كَانَ.
السَّابِعُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَوْ بُنِيَ مَسْجِدِي هَذَا إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» دَلَّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ مَسْجِدًا وَالَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ يَسْتَوِي الْجِدَارُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ وَالَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ.
الثَّامِنُ: لَوْ قُدِّرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ احْتِيَاجُ بَعْضِ حِيطَانِ الْكَعْبَةِ إِلَى هَدْمٍ وَإِصْلَاحٍ، فَهَدَمَهَا الْإِمَامُ وَأَعَادَهَا فَهَلْ يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ الْحَائِطَ الَّذِي أَعَادَهُ مِلْكٌ لَهُ يَفْتَحُ فِيهِ مَا شَاءَ وَيَتَصَرَّفُ
стр. 495
فِيهِ كَيْفَ شَاءَ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى يُوقِفَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ بِذَلِكَ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ فَحَائِطُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَذَلِكَ، إِذِ الْحَرَمَانِ الشَّرِيفَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، وَقِيَاسُ الْحَرَمِ النَّبَوِيِّ عَلَى الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ أَشْبَهُ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، لِمَا لَهُ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ.
التَّاسِعُ: قَدْ ذَكَرَ الأقفهسي أَنَّ الملك الظاهر بيبرس هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ الْمَقْصُورَةَ حَوْلَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ زِيَادَةُ تَعْظِيمٍ وَحُرْمَةٍ لِلْحُجْرَةِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الأقفهسي هَذَا الْفِعْلَ لِكَوْنِهِ حَجَرَ طَائِفَةً مِنَ الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ صَلَاةِ النَّاسِ فِيهَا، وَصَارَ هَذَا الْقَدْرَ مَأْوَى النِّسَاءِ بِأَطْفَالِهِنَّ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، وَنَقَلَ عَنْ قاضي القضاة عز الدين بن جماعة أَنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ للملك الظاهر فَسَكَتَ وَمَا أَجَابَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُنْظَرُ فِيهِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ إِلَى تَوَقُّفِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْقَدْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِمَنْعٍ، بَلْ قُصِدَ التَّعْظِيمُ فِيهِ، وَالْحُرْمَةُ ظَاهِرٌ، فَكَيْفَ بِإِحْدَاثِ بَابٍ يَشْرَعُ أَوْ شَبَابِيكُ يَطَّلِعُ مِنْهَا أَوْ يَجْلِسُ فِيهَا الْجَالِسُ مُرْتَفِعًا مَعَ مُصَادَمَةِ ذَلِكَ لِلنُّصُوصِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمَنْ قَالَ بِذَلِكَ اطِّرَادُ الْحُرْمَةِ فِي الْجِدَارِ الْمُعَادِ فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّوَقُّفِ وَالْوَرَعِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَحَلِّ الْخَطِرِ.
الْعَاشِرُ: هَلْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَوْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ الْمَنْعَ بِالْجِدَارِ بُخْلًا بِجِدَارِهِ أَوْ حِرْصًا عَلَيْهِ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَضْعُفَ الْجِدَارُ؟ كَلَّا وَاللَّهِ بَلْ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ مَنْعَ الِاسْتِطْرَاقِ وَالِاطِّلَاعِ إِلَى مَسْجِدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْجِدَارِ بِخُصُوصِهِ حَسْبَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: هَلْ كَانَ الْمَنْعُ لعمر وَغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجِدَارُ حَتَّى لَوْ فَتَحُوا مِنْ جِدَارِهِمْ حَيْثُ لَا جِدَارَ لِلْمَسْجِدِ لَجَازَ لَهُمْ ذَلِكَ؟ الْأَحَادِيثُ تَقْتَضِي خِلَافَهُ كَمَا مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا.
الثَّانِيَ عَشَرَ: هَذَا الْمَنْعُ قَدْ أَسْنَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْوَحْيِ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِلَّتَهُ، فَإِنْ أُدْرِكَ لَهُ عِلَّةٌ وَهُوَ تَعْظِيمُ الْمَسْجِدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ جِدَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ عِلَّةٌ اسْتَمَرَّ أَيْضًا، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ إِذَا لَمْ يُنَصَّ يَكُونُ عَنْ قِيَاسٍ وَمَا لَا تُدْرَكُ عِلَّتُهُ لَا يَدْخُلُهُ الْقِيَاسُ كَسَائِرِ الْأُمُورِ التَّوْقِيفِيَّةِ وَالتَّعَبُّدِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْعِلَّةُ اخْتِصَاصُهُ بِالْجِدَارِ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِعِلَّةٍ، وَإِنْ قَالَ: الْعِلَّةُ خَوْفُ إِضْعَافِهِ، قُلْنَا: هِيَ عِلَّةٌ سَاقِطَةٌ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا
следующие страницы →