Полный текст (886 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فَقَطْ. وَأَمَّا بَابُ علي فَكَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ يَخْرُجُ مِنْهُ وَيَدْخُلُ مِنْهُ.
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: قِصَّةُ علي فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ، وَأَمَّا سَدُّ الْخَوْخِ فَالْمُرَادُ بِهِ طَاقَاةٌ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِسَدِّهَا إِلَّا خَوْخَةَ أبي بكر، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِخْلَافِ أبي بكر لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَسْجِدِ كَثِيرًا دُونَ غَيْرِهِ. انْتَهَى.
قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ قِصَّةِ علي ذِكْرُ حمزة قِصَّتَهُ فَإِنَّ حمزة قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
فَصْلٌ: قَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّهُ ﷺ مَنَعَ مِنْ فَتْحِ بَابٍ شَارِعٍ إِلَى مَسْجِدٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَلَا لِعَمِّهِ العباس وَلَا لأبي بكر إِلَّا لعلي لِمَكَانِ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، وَمِنْ فَتْحِ خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ طَاقَةٍ أَوْ كُوَّةٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَلَا لعمر إِلَّا لأبي بكر خَاصَّةً لِمَكَانِ الْخِلَافَةِ، وَلِكَوْنِهِ أَفْضَلَ النَّاسِ يَدًا عِنْدَهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَى التَّعْلِيلِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُبْدَأِ بِهَا، وَهَذِهِ خِصِّيصَةٌ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ أَحَدٍ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ عمر اسْتَأْذَنَ فِي كُوَّةٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يُقَاسُ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ مُنِعَ عمر، وَاسْتَأْذَنَ العباس فِي فَتْحِ بَابٍ صَغِيرٍ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَحْدَهُ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَهُوَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ مُنِعَ مِنْهُ عمر والعباس؟ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ بِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسُدَّ مَا سَدَّ وَلَمْ يَفْتَحْ مَا فَتَحَ إِلَّا بِأَمْرِهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ الْوَفَاةِ، وَفِي آخِرِ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَهِدَ بِهِ إِلَى أُمَّتِهِ وَمَاتَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ، وَتَقَلَّدَ ذَلِكَ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَلَا يَكْتُمَهُ، فَإِنْ تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ مَنُوطٌ بِرَأْيِ الْإِمَامِ زِدْ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْعِهِ، فَلَا رَأْيَ لِأَحَدٍ فِي إِبَاحَتِهِ، بَلْ لَوْ وَقَفَ رَجُلٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ مَسْجِدًا وَشَرَطَ فِيهِ شَيْئًا اتُّبِعَ شَرْطُهُ، فَكَيْفَ بِمَسْجِدٍ وَقَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَصَّ فِيهِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَمْرٍ وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْوَحْيِ، وَجَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ عَهْدِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَسَاجِدَ لَا تَعْرِضُ فِي شُرُوطِ وَاقِفِيهَا لِمَنْعٍ وَلَا لِغَيْرِهِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ تَوَقُّفٍ وَنَظَرٍ، وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ قَدْ زَالَتْ مَعَالِمُهُ وَجُدُرُهُ وَوُسِّعَ زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ فِي عَهْدِهِ ﷺ فَلَا يُجْدِيهِ هَذَا شَيْئًا فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ وَأَحْكَامَهُ
стр. 492
الثَّابِتَةَ لَهُ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوِ اتَّسَعَ وَأُزِيلَتْ جُدُرُهُ وَأُعِيدَتْ عَادَتْ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ مَنُوطٌ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِذَاكَ الْجِدَارِ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ بُنِيَ فِي زَمَنِ عمر وَوُسِّعَ فِي زَمَنِ عثمان وَغَيْرِهِ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَهُ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ الْفَتْحِ فِي الْجِدَارِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ الْفَاتِحِ، قُلْنَا: إِنْ كَانَ مَعَ إِعَادَةِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ كَمَا كَانَتْ بِحَيْثُ يُسَدُّ الْبَابُ وَالشَّبَابِيكُ الَّتِي فِي الْجِدَارِ فَلَا يُسْتَطْرَقُ مِنْهُ، وَلَا يُطَّلَعُ مِنْهَا فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَانَ مَعَ إِزَالَةِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ وَبَقَاءِ الِاسْتِطْرَاقِ وَالِاطِّلَاعِ، فَمَعَاذَ اللَّهِ فَإِنَّ هَذِهِ ذَرِيعَةٌ وَحِيلَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الشَّرِيفِ، وَإِذَا مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ عمر مِنْ فَتْحِ كُوَّةٍ يَنْظُرُهُ مِنْهَا حِينَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَكَيْفَ يَهْدِمُ الْحَائِطَ جَمِيعَهُ؟ بَلْ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَأَقُولُ لَوْ أُعِيدَ حَائِطُ الْمَسْجِدِ وَبُنِيَ خَلْفَهُ جِدَارٌ أَطْوَلُ مِنْهُ وَفُتِحَ فِي أَعْلَاهُ كُوَّةٌ يُطَّلَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ; احْتِيَاطًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّبَابِيكَ تَصِيرُ مُعَدَّةً لِمَنْ يَجْلِسُ فِيهَا مُرْتَفِعًا، وَالْقَبْرُ الشَّرِيفُ تَحْتَهُ فَهَذَا أَشَدُّ وَأَشَدُّ، وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَحَرٍّ الِاحْتِيَاطُ لِدِينِهِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ فِيهِ بَعْدَ نَصِّهِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ يُنْقَضُ وَفَتْوَى الْمُفْتِي بِمَا يُعَارِضُ تُرَدُّ، وَالتَّوَصُّلُ إِلَى خِلَافِهِ بِالْحِيَلِ الْفَاسِدَةِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ: تَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» .
فَصْلٌ: اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ مُفْتِي عَصْرِنَا أَفْتَوْا بِجَوَازِ فَتْحِ الْبَابِ وَالْكُوَّةِ وَالشُّبَّاكِ مِنْ دَارٍ بُنِيَتْ مُلَاصِقَةً لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمُ اسْتِرْوَاحًا وَعَدَمَ وُقُوفٍ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ رُوجِعَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مُسْتَنَدِهِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ فَأَبْدَوْا شُبَهًا كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ، وَلَوْلَا جَنَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَعَظَمَتُهُ الرَّاسِخَةُ فِي الْقَلْبِ، لَمْ أَتَكَلَّمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَكُنْتُ إِلَى السُّكُوتِ أَمْيَلَ لَكِنْ لَا أَرَى السُّكُوتَ يَسَعُنِي فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا عَهْدٌ عَهِدَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَهُ، وَلَا يُرَاعِيَ فِيهِ صَدِيقًا وَلَا حَبِيبًا، وَلَا بَعِيدًا وَلَا قَرِيبًا، وَأَنَا أَذْكُرُ شُبَهَ الْمُفْتِينَ وَأَرُدُّهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَقْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَهْلِ مَذْهَبِنَا وَنَقُولُ بِالْجَوَازِ اسْتِحْسَانًا حَيْثُ لَا ضَرَرَ، وَجَوَابُ هَذَا أَنَّهُ لَا اسْتِحْسَانَ مَعَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ رَأَى النَّاظِرُ ذَلِكَ، وَجَوَابُ هَذَا أَنَّ النَّصَّ مَنَعَ الْقِيَاسَ، وَدَلَّتِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ انْفَرَدَ بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مَنُوطٌ بِرَأْيِ الْإِمَامِ. وَجَوَابُ هَذَا أَنَّهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَلْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ
стр. 493
يُغَيِّرَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الشَّرِيعَةِ شَيْئًا بِرَأْيِهِ؟
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِزَمَنِهِ ﵇ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَى تَخْصِيصِ النُّصُوصِ بِدَلِيلٍ.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْقِصَّةَ أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ، وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَهَا إِلَّا دُونَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْصُوصًا بِزَمَنٍ لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَإِلَّا لَكَانَ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، لَا سِيَّمَا وَهِيَ آخِرُ جِلْسَةٍ جَلَسَهَا لِلنَّاسِ.
رَابِعُهَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَمَرُّوا إِلَى أَنِ انْقَرَضُوا وَهُمْ بَاقُونَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوهُ شَرْعًا مُؤَبَّدًا.
خَامِسُهَا: يُقَالُ لِهَذَا الَّذِي ادَّعَى التَّخْصِيصَ مَا وَجْهُ مَنْعِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِهِ وَالْإِذْنِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، وَالصَّحَابَةُ أَشْرَفُ وَأَجَلُّ وَأَحَقُّ بِكُلِّ خَيْرٍ؟ وَهَلْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ أَنْ يُرَخِّصَ لِأَهْلِ الْقَرْنِ الْأَرْذَلِ مَا مُنِعَ [مِنْهُ] أَشْرَفُ الْأُمَّةِ وَخِيَارُهُمْ؟! مَعَاذَ اللَّهِ؟!
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَنْعُ مَخْصُوصٌ بِجِدَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هُدِمَ وَأُعِيدَ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْمُعَادَ مِلْكٌ لِلْمُعِيدِ فَيَفْتَحُ فِيهِ مَا شَاءَ وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يُوقِفَهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ مَرْدُودٌ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْقَوْلِ فُهِمَ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجِدَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْجِدِ، وَقَصْدُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا يُسْتَطْرَقَ إِلَى مَسْجِدِهِ مِنْ بَابٍ فِي دَارٍ تُلَاصِقُهُ، وَلَا يُطَّلَعُ إِلَيْهِ مِنْ كُوَّةٍ فِي دَارٍ تُلَاصِقُهُ، فَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَقِيَ الْجِدَارُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ أَوْ أُزِيلَ وَأُعِيدَ غَيْرُهُ فَإِنَّ الْمُعَادَ يَقُومُ مَقَامَ الْجِدَارِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِالْعِلِيَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ رَتَّبَ ﷺ الْحُكْمَ هُنَا عَلَى الْوَصْفِ حَيْثُ قَالَ: «انْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا» ، وَفِي لَفْظٍ: " الشَّوَارِعَ إِلَى الْمَسْجِدِ " فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالشَّوَارِعِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سَدِّهَا كَوْنُهَا شَارِعَةً إِلَى الْمَسْجِدِ أَيْ طَرِيقًا إِلَيْهِ مِنْ دَارٍ فَسَدَّ كُلَّ بَابٍ يَشْرَعُ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ دَارٍ، سَوَاءٌ فُتِحَ فِي الْجِدَارِ النَّبَوِيِّ أَمْ فِي الْجِدَارِ الَّذِي أُعِيدَ مَكَانَهُ، أَمْ فِي جِدَارِ صَاحِبِ الدَّارِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْجِدَارَ النَّبَوِيَّ أُزِيلَ فِي عَهْدِ عمر، وعثمان وَبُنِيَ غَيْرُهُ، وَأَبْقَى الصَّحَابَةُ هَذَا الْحُكْمَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنَ الْأَمْرِ الشَّرِيفِ تَعَلُّقَ ذَلِكَ بِالْمَسْجِدِ لَا بِالْجِدَارِ، وَإِلَّا لَكَانُوا يَفْتَحُونَ لَهُمْ أَبْوَابًا وَكَوَّاتٍ وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْجِدَارَ النَّبَوِيَّ أُزِيلَ، وَهَذَا الْجِدَارُ مِلْكُ عمر أَوْ عثمان وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَهُمْ أَتْقَى لِلَّهِ وَأَوْرَعُ وَأَشَدُّ خَشْيَةً.
وَانْظُرْ إِلَى «قَوْلِ عمر ﵁: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " يَنْبَغِي أَنْ
стр. 494
يُزَادَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا مَا زِدْتُ» أَخْرَجَهُ أحمد، وأبو يعلى، وَالْبَزَّارُ فِي مَسَانِيدِهِمْ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّوَقُّفِ مِنْ إِحْدَاثِ شَيْءٍ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ إِلَّا بِنَصٍّ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ ﷺ .
الرَّابِعُ: أَنَّ دَعْوَى أَنَّ الْجِدَارَ الْمُعَادَ مِلْكٌ لِلْمُعِيدِ يُقَالُ عَلَيْهِ أَوَّلًا هَدْمُ الْجِدَارِ الَّذِي قَبْلَهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْهَادِمِ، فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ بَدَلَ مُتْلَفٍ لَا مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ مِنْ مَالِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ أَوْ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا أُعِيدَ مِنْهُمَا كَانَ وَقْفًا كَمَا كَانَ لَا مِلْكًا، وَإِنْ أَعَادَهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى نِيَّةِ إِعَادَتِهِ لِلْمَسْجِدِ، فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ أَيْضًا أَوْ عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَكَيْفَ يَبْنِي عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا الْجِدَارَ الْمُعَادَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَمْحَضَ جِدَارًا لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ أَوْ يَجْعَلَ جِدَارًا لِلدَّارِ الَّتِي تُبْنَى مُلَاصِقَةً، وَيَكْتَفِي بِهِ عَنْ إِعَادَةِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ أَوْ يُجْعَلُ جِدَارًا لَهَا، وَيُعَادُ جِدَارُ الْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ، فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ إِهْمَالُ إِعَادَةِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوِ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ نَاظِرِ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ إِعَادَةُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَتْرُكُهُ مَهْدُومًا، وَيَزِيدُ ذَلِكَ تَحْرِيمًا أَنْ يُبْنَى عَلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ، وَيُجْعَلَ جِدَارًا لِلدَّارِ، فَهَذَا فِيهِ أَخْذُ قِطْعَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ وَإِدْخَالُهَا فِي الدَّارِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَجَبَ فَصْلُ الدَّارِ مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ فِي الدَّارِ.
السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «: " سُدُّوا الْأَبْوَابَ اللَّاصِقَةَ فِي الْمَسْجِدِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْحُكْمَ بِجِدَارِهِ بَلْ عَلَّقَهُ بِاللُّصُوقِ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِهِ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ بَابٍ لَصِقَ بِهِ مِنْ أَيِّ جِدَارٍ كَانَ.
السَّابِعُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَوْ بُنِيَ مَسْجِدِي هَذَا إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» دَلَّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ مَسْجِدًا وَالَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ يَسْتَوِي الْجِدَارُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ وَالَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ.
الثَّامِنُ: لَوْ قُدِّرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ احْتِيَاجُ بَعْضِ حِيطَانِ الْكَعْبَةِ إِلَى هَدْمٍ وَإِصْلَاحٍ، فَهَدَمَهَا الْإِمَامُ وَأَعَادَهَا فَهَلْ يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ الْحَائِطَ الَّذِي أَعَادَهُ مِلْكٌ لَهُ يَفْتَحُ فِيهِ مَا شَاءَ وَيَتَصَرَّفُ
стр. 495
فِيهِ كَيْفَ شَاءَ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى يُوقِفَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ بِذَلِكَ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ فَحَائِطُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَذَلِكَ، إِذِ الْحَرَمَانِ الشَّرِيفَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، وَقِيَاسُ الْحَرَمِ النَّبَوِيِّ عَلَى الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ أَشْبَهُ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، لِمَا لَهُ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ.
التَّاسِعُ: قَدْ ذَكَرَ الأقفهسي أَنَّ الملك الظاهر بيبرس هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ الْمَقْصُورَةَ حَوْلَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ زِيَادَةُ تَعْظِيمٍ وَحُرْمَةٍ لِلْحُجْرَةِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الأقفهسي هَذَا الْفِعْلَ لِكَوْنِهِ حَجَرَ طَائِفَةً مِنَ الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ صَلَاةِ النَّاسِ فِيهَا، وَصَارَ هَذَا الْقَدْرَ مَأْوَى النِّسَاءِ بِأَطْفَالِهِنَّ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، وَنَقَلَ عَنْ قاضي القضاة عز الدين بن جماعة أَنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ للملك الظاهر فَسَكَتَ وَمَا أَجَابَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُنْظَرُ فِيهِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ إِلَى تَوَقُّفِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْقَدْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِمَنْعٍ، بَلْ قُصِدَ التَّعْظِيمُ فِيهِ، وَالْحُرْمَةُ ظَاهِرٌ، فَكَيْفَ بِإِحْدَاثِ بَابٍ يَشْرَعُ أَوْ شَبَابِيكُ يَطَّلِعُ مِنْهَا أَوْ يَجْلِسُ فِيهَا الْجَالِسُ مُرْتَفِعًا مَعَ مُصَادَمَةِ ذَلِكَ لِلنُّصُوصِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمَنْ قَالَ بِذَلِكَ اطِّرَادُ الْحُرْمَةِ فِي الْجِدَارِ الْمُعَادِ فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّوَقُّفِ وَالْوَرَعِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَحَلِّ الْخَطِرِ.
الْعَاشِرُ: هَلْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَوْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ الْمَنْعَ بِالْجِدَارِ بُخْلًا بِجِدَارِهِ أَوْ حِرْصًا عَلَيْهِ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَضْعُفَ الْجِدَارُ؟ كَلَّا وَاللَّهِ بَلْ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ مَنْعَ الِاسْتِطْرَاقِ وَالِاطِّلَاعِ إِلَى مَسْجِدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْجِدَارِ بِخُصُوصِهِ حَسْبَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: هَلْ كَانَ الْمَنْعُ لعمر وَغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجِدَارُ حَتَّى لَوْ فَتَحُوا مِنْ جِدَارِهِمْ حَيْثُ لَا جِدَارَ لِلْمَسْجِدِ لَجَازَ لَهُمْ ذَلِكَ؟ الْأَحَادِيثُ تَقْتَضِي خِلَافَهُ كَمَا مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا.
الثَّانِيَ عَشَرَ: هَذَا الْمَنْعُ قَدْ أَسْنَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْوَحْيِ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِلَّتَهُ، فَإِنْ أُدْرِكَ لَهُ عِلَّةٌ وَهُوَ تَعْظِيمُ الْمَسْجِدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ جِدَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ عِلَّةٌ اسْتَمَرَّ أَيْضًا، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ إِذَا لَمْ يُنَصَّ يَكُونُ عَنْ قِيَاسٍ وَمَا لَا تُدْرَكُ عِلَّتُهُ لَا يَدْخُلُهُ الْقِيَاسُ كَسَائِرِ الْأُمُورِ التَّوْقِيفِيَّةِ وَالتَّعَبُّدِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْعِلَّةُ اخْتِصَاصُهُ بِالْجِدَارِ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِعِلَّةٍ، وَإِنْ قَالَ: الْعِلَّةُ خَوْفُ إِضْعَافِهِ، قُلْنَا: هِيَ عِلَّةٌ سَاقِطَةٌ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا
стр. 496
يَلْتَزِمُونَ بِنَاءَهُ كُلَّمَا وَهِيَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُعَلَّلُ بِتَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ فَيَعُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عِلَّتِهِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: قَدْ وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ هَذَا عَهْدٌ عَهِدَ بِهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ عَلِمَ ﷺ مَا هُوَ كَائِنٌ فِي أُمَّتِهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَعَلِمَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ فِي خِلَافَةِ عمر إِزَالَةُ تِلْكَ الْجُدُرِ الْمَوْجُودَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِسِنِينَ قَلِيلَةٍ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي عَهِدَ بِهِ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ الْجُدُرِ لَبَيَّنَهُ لِعِلْمِهِ بِزَوَالِهَا عَنْ قَرِيبٍ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: قَدْ وَرَدَ عَنْ عائشة أَنَّهَا كَانَتْ تَمْنَعُ أَهْلَ الدُّورِ الْمُطِيفَةِ بِالْمَسْجِدِ مِنْ دَقِّ الْوَتَدِ فِي الْحَائِطِ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِزَالَةِ الْجُدُرِ الَّتِي كَانَتْ فِي عَهْدِهِ ﷺ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجُدُرَ الَّتِي أُعِيدَتْ لَهَا حُكْمُ الْجُدُرِ الْأُوَلِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْجِدَارِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ دَارَ أبي بكر الَّتِي أُبْقِيَتْ فِيهَا الْخَوْخَةُ بَاعَهَا أبو بكر فِي أَمْرٍ احْتَاجَ إِلَيْهِ فَاشْتَرَتْهَا حفصة أم المؤمنين بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ فِي زَمَنِ عثمان طَلَبَ مِنْهَا أَنْ تَبِيعَهَا لِيُوَسِّعَ بِهَا الْمَسْجِدَ فَامْتَنَعَتْ وَقَالَتْ: كَيْفَ بِطَرِيقِي فِي الْمَسْجِدِ؟ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِنَ الْأَمْرِ الشَّرِيفِ الِاخْتِصَاصَ بِالْمَسْجِدِ لَا بِالْجِدَارِ امْتِنَاعَ فَتْحِ الْأَبْوَابِ وَنَحْوِهَا وَلَوْ بَعْدَ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ وَهَدْمِ الْجِدَارِ النَّبَوِيِّ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ ابن الصلاح سُئِلَ عَنْ رِبَاطٍ مَوْقُوفٍ عَلَى الصُّوفِيَّةِ اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُفْتَحَ فِيهِ بَابٌ جَدِيدٌ مُضَافًا إِلَى بَابِهِ الْقَدِيمِ، فَأَجَابَ بِالْجَوَازِ بِشُرُوطٍ وَاسْتَدَلَّ بِفِعْلِ عثمان ﵁ حَيْثُ فَتَحَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَبْوَابًا زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ، وَهَذَا مِنِ ابن الصلاح دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْجِدَارَ الْمُعَادَ لَهُ حُكْمُ الْجِدَارِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ عثمان ﵁ إِنَّمَا فَتَحَ فِي جِدَارِهِ الَّذِي بَنَاهُ هُوَ بَعْدَ إِزَالَةِ الْجُدُرِ النَّبَوِيَّةِ وَالْجُدُرِ الْعُمَرِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُخْتَلِفًا لَمْ يَنْهَضْ لِابْنِ الصَّلَاحِ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ فِي الْفَرْقِ جِدَارُ الرِّبَاطِ جِدَارُ الْوَاقِفِ فَلَا يُفْتَحُ فِيهِ، وَالْجِدَارُ الَّذِي فَتَحَ فِيهِ عثمان لَيْسَ جِدَارَ الْوَاقِفِ بَلْ هُوَ جِدَارٌ وَمَلَكَهُ فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ، وَقَدْ نَقَلَ السبكي كَلَامَ ابن الصلاح هَذَا فِي فَتَاوِيهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ فَهُوَ تَقْرِيرٌ لِهَذَا الْفَهْمِ.
стр. 497
الثَّامِنَ عَشَرَ: صَرَّحَ العبادي، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِأَنَّهُ لَوِ الْتَمَسَ مِنَ النَّاسِ آلَةً لِيَبْنِيَ بِهَا مَسْجِدًا فَأَعْطَوْهُ الْآلَةَ فَبَنَى بِهَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَسْجِدًا بِنَفْسِ الْبِنَاءِ، وَلَا يَحْتَاجِ إِلَى إِنْشَاءِ وَقْفٍ، كَمَا لَوْ أَحْيَا مَوَاتًا بِنِيَّةٍ جَعَلَهَا مَسْجِدًا، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَسْجِدًا بِالنِّيَّةِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى وَقْفٍ، نَقَلَهُ الزركشي فِي التَّكْمِلَةِ عَنِ الجويني، وابن العماد فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ عَنِ العبادي، وَهَذَا يَدْفَعُ الْقَوْلَ بِأَنَّ حَائِطَ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ إِذَا أَعَادَهَا الْإِمَامُ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَيَحْتَاجُ إِلَى إِنْشَاءِ وَقْفٍ ; لِأَنَّهُ مَا نَوَى بِعِمَارَتِهَا إِلَّا إِعَادَةَ حَائِطِ الْمَسْجِدِ، وَالْقَرَائِنُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ مُتَضَافِرَةٌ مِنْهَا كَوْنُ الْبِنَاءِ عَلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا بَنَى مَسْجِدًا فِي مَوَاتٍ وَنَوَى بِهِ الْمَسْجِدَ صَارَ بِهِ مَسْجِدًا وَيُغْنِي الْفِعْلُ مَعَ النِّيَّةِ عَنِ الْقَوْلِ، قَالَ: وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنِ الْآلَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنَ الْبِنَاءِ، وَهِيَ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: إِنَّهَا لِلْمَسْجِدِ فَيَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ نَقَلَهُ الزركشي فِي التَّكْمِلَةِ، وَصَّدَرَ هَذَا الْكَلَامَ وَالِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي فِي آخِرِهِ بِبُطْلَانِ الْقَوْلِ بِأَنَّ حَائِطَ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ إِذَا أَعَادَهَا الْإِمَامُ صَارَتْ مِلْكَهُ وَيَحْتَاجُ إِلَى وَقْفٍ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ عثمان ﵁ أَنَّهُ حِينَ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ صَرَّحَ بِوَقْفٍ وَلَا ذَكَرَ لَفْظًا ذَكَرَهُ الزركشي فِي التَّكْمِلَةِ، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَا عَنِ المهدي حِينَ وَسَّعَاهُ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ بَنَوْهُ بَعْدَ الْحَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوَقْفٍ وَلَا ذَكَرُوا لَفْظًا وَلَا نَبَّهَهُمْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ الْمَحْدُودَ تَابِعٌ لِلْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: قَالَ الزركشي: أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ لَوْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ حِينَ بَنَى مَسْجِدَهُ تَلَفَّظَ بِوَقْفِهِ، قُلْتُ: وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ ﷺ بَنَاهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالْوَحْيِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِوَقْفِهِ، فَإِنَّ قُوَّةَ الْأَحَادِيثِ وَالْأَخْبَارِ تُعْطِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ مَسْجِدِهِ وَتَسْتَمِرُّ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ كُلُّ مَنْ جَدَّدَهُ إِلَى تَصْرِيحٍ بِوَقْفِهِ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا نَقْلًا عَنِ الْإِمَامِ: لَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِ
стр. 498
تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَنْ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ انْتَهَى.
وَهَذَا الْكَلَامُ صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ مِنْ أَنْ يَبْنِيَ حَائِطًا عَلَى بُقْعَةِ الْمَسْجِدِ وَيَضُمَّ إِلَيْهَا زِيَادَةً فِي الْبِنَاءِ مَوْصُولَةً بِهَا مُتَمَلِّكًا ذَلِكَ وَيَتَصَرَّفَ فِي الْمَجْمُوعِ بِفَتْحِ الشَّبَابِيكِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: هَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ إِعَادَةُ حَائِطِ الْمَسْجِدِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ وَالتَّصَرُّفِ بِمَا شَاءَ مَعَ وُجُودِ سَهْمِ الْمَصَالِحِ الَّذِي يَجِبِ عَلَيْهِ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ مِنْهُ وَإِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ، وَمَا أَظُنُّ فَقِيهًا يَسْمَحُ بِهِ إِلَّا بِشَرْطِ عَدَمِ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ وَالتَّصَرُّفِ، وَكَذَا مَعَ وُجُودِ رِيعٍ مُتَحَصِّلٍ مِنْ وَقْفِ الْمَسْجِدِ.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ مِلْكَ النَّبِيِّ ﷺ ثَابِتٌ بَعْدَ مَوْتِهِ لِثُبُوتِ الْحَيَاةِ لَهُ، وَلِهَذَا أُنْفِقَ عَلَى زَوْجَاتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ سَهْمِهِ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ، فَكَذَلِكَ يُبْنَى مِنْهُ مَا تَهَدَّمَ مِنْ مَسْجِدِهِ، وَيُعَادُ عَلَى وَضْعِهِ، وَشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَصَرُّفٍ.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: لَا شَكَّ فِي أَنَّ جَمِيعَ مَا بِأَيْدِي الْمُلُوكِ الْآنَ هُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ يُثْبِتُ أَنَّهُ مِلْكُهُمْ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ، وَأَيُّ جِهَةٍ فَرَضَتْ فَعَنْهَا الْجَوَابُ الشَّافِي فَالْحَائِطُ الْمُعَادُ لَمْ يُبْنَ بِمَالِ نَفْسِهِ فَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى قُرَيْشٍ حَيْثُ تَصَرَّفُوا فِي الْكَعْبَةِ لَمَّا بَنَوْهَا، وَلَمْ يُعِيدُوهَا عَلَى بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَسَدُّوا أَحَدَ بَابَيْهَا، وَغَيَّرُوا مَوْضِعَ الْآخَرِ وَهَمَّ بِهَدْمِهَا، وَإِعَادَةِ الْبَابَيْنِ كَمَا كَانَا لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَصْلَحَةُ التَّآلُفِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَخَوْفُ ارْتِدَادِهِمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ الْمُعَادَ لَهُ حُكْمُ مَا كَانَ قَبْلَ الْهَدْمِ، وَإِلَّا كَانَ يُقَالُ أَنَّ قُرَيْشًا إِنَّمَا تَصَرَّفَتْ فِي بِنَائِهَا الَّذِي بَنَتْهُ مِنْ مَالِهَا، وَأَنَّ بِنَاءَ إِبْرَاهِيمَ قَدْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ وَزَالَ رَسْمُهُ، وَلِهَذَا قَالَ السبكي فِيمَا سَيَأْتِي نَقْلُهُ عَنْهُ: أَنَّ هَمَّ النَّبِيِّ ﷺ بِفَتْحِ الْبَابِ الثَّانِي فِي الْكَعْبَةِ رَدٌّ لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ بِالْوَحْيِ وَبَيْنَ مَا بَنَاهُ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ بِالْوَحْيِ، وَإِنَّمَا قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بَنَاهَا آحَادُ النَّاسِ إِنْ سَلِمَ الْفَرْقُ وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ ابن الصلاح قِيَاسُ رِبَاطِ الصُّوفِيَّةِ فِي إِحْدَاثِ بَابٍ فِيهِ عَلَى الْكَعْبَةِ.
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: صَرَّحَ ابن العماد فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ مَسَاجِدُ مُتَلَاصِقَةً فَأَرَادَ النَّاظِرُ رَفْعَ الْجِدَارِ الَّتِي بَيْنَهَا وَجَعْلَهَا مَسْجِدًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَالِاقْتِصَارُ
стр. 499
عَلَى جِدَارٍ وَاحِدٍ يُجْعَلُ لِلْمَدْرَسَةِ الَّتِي تُلَاصِقُهُ مُكْتَفِيًا بِهِ عَنْ جِدَارِ الْمَسْجِدِ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِصَاصِ بِالْمَدْرَسَةِ أَوِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ جِدَارٍ لِلْمَسْجِدِ مُتَمَيِّزٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ جِدَارِ غَيْرِهِ يَخْتَصُّ بِهِ وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: هَذِهِ الْمَدْرَسَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مَسْجِدًا كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَدَارِسِ وَالرُّبَطِ فَلَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ فِي الْجِدَارِ، إِذْ لَا يَتَمَيَّزُ حِينَئِذٍ جِدَارُ الْمَسْجِدِ الَّذِي حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ مِنْ جِدَارِ الْمَدْرَسَةِ الَّذِي لَا يُعْطَى حُكْمُ الْمَسْجِدِ مِنْ وُجُوهٍ، مِنْهَا تَحْرِيمُ مُكْثِ الْجُنُبِ وَصِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ وَالِاعْتِكَافُ وَتَحْرِيمُ الْبُصَاقِ وَحَمْلُ الْجُذُوعِ وَإِعَادَتُهُ إِذَا هُدِمَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، أَوْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْجِدًا فَيُنْظَرُ إِلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ فِي آخِرِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَنْعُ مَخْصُوصٌ بِالْقَدْرِ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ ﷺ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي وُسِّعَ بِهَا فَلَا وَهَذَا مَرْدُودٌ بِنَصِّ الْعُلَمَاءِ، عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَيْنِ وَلَوْ وُسِّعَا مَعًا لَمْ تَخْتَلِفْ أَحْكَامُهُمَا الثَّابِتَةُ لَهُمَا، وَقَدْ وُسِّعَ فِي زَمَنِ عثمان وَغَيْرِهِ، وَاسْتَمَرَّ الصَّحَابَةُ عَلَى إِبْقَاءِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ.
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ بُنِيَ مَسْجِدِي هَذَا إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» ، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ مُدَّ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ لَكَانَ مِنْهُ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ وَالْأَثَرُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَحْكَامَ الْمَسْجِدِ ثَابِتَةٌ لَهُ، وَلَوْ هُدِمَ عَمَّا كَانَ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَأُعِيدَ وَلَوْ وُسِّعَ وَامْتَدَّ، وَأَيْضًا فَالتَّوْسِعَةُ لَا تَمْنَعُ اسْتِمْرَارَ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِطْرَاقِ إِلَى الْقَدْرِ الْمَزِيدِ الِاسْتِطْرَاقُ إِلَى بَقِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ فَالْمَحْذُورُ بَاقٍ.
فَصْلٌ: وَقَدْ تَعَرَّضَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا لِلْمَسْأَلَةِ وَعُمُومِهَا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، فَسُئِلَ الشَّيْخُ تقي الدين عَنْ بَابٍ فُتِحَ فِي سُورِ الْمَسْجِدِ هَلْ بَعْدَ فَتْحِهِ يَجُوزُ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ إِلَى الْمَسْجِدِ مِثْلَ الْأَبْوَابِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمِثْلَ شُبَّاكِ الطَّيْبَرْسِيَّةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْجَامِعِ الْأَزْهَرِ أَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجِدَارُ عَرِيضًا بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى وَضْعِ الْقَدَمِ فِي وَسَطِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُتَكَلَّمُ فِيهَا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي جَوَازِ فَتْحِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَكَادُ الشَّافِعِيَّةُ يَرْتَابُونَ فِي عَدَمِ إِيجَازِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَحْتَرِزُونَ عَنْ تَغْيِيرِ الْوَقْفِ جِدًّا، وَلَمَّا فُتِحَ شُبَّاكُ الطَّيْبَرْسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَرَأَيْتُهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَمَّا فَتَحَ الشَّيْخُ علاء الدين فِي بَيْتِهِ فِي الْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ شُبَّاكًا
стр. 500
لَطِيفًا لِأَجْلِ الضَّوْءِ خَشِيَ الْإِنْكَارَ [عَلَيْهِ] فَقَالَ لِي: إِنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى كَلَامٍ لابن الرفعة فِي الْمَطْلَبِ شَرْحِ الْوَسِيطِ. وَرَأَيْتُ أَنَا ذَلِكَ الْكَلَامَ عِنْدَ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي تَعْلِيلِ الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ الْمَوْقُوفَةِ ; لِأَنَّهُ يَنْقُصُ الْوَقْفُ وَيُخَالِفُ غَرَضَ الْوَاقِفِ، فَقَالَ ابن الرفعة: قَوْلُهُ: وَيُخَالِفُ غَرَضَ الْوَاقِفِ يُفْهَمُ أَنَّ أَغْرَاضَ الْوَاقِفِينَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا يُنْظَرُ إِلَيْهَا ; وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُنَا عماد الدين يَقُولُ: إِذَا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ تَغْيِيرَ بِنَاءِ الْوَقْفِ فِي صُورَتِهِ لِزِيَادَةِ رِيعِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ بِلَفْظِهِ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ حَالَةَ الْوَقْفِ لَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ. قَالَ ابن الرفعة: وَقُلْتُ: ذَلِكَ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي وَقْتِهِ. وَقَاضِي الْقُضَاةِ تقي الدين بن دقيق العيد، وَأَنَّ قاضي القضاة تاج الدين وَوَلَدَهُ قاضي القضاة صدر الدين عَمِلَا بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْوَقْفِ مِنْ تَغْيِيرِ بَابٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، فَقَالَ لِي فِي جَوَابِ ذَلِكَ: كَانَ وَالِدِي يَعْنِي الشَّيْخَ مجد الدين يَقُولُ: كَانَ شَيْخِي المقدسي يَقُولُ بِذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ الشيخ تقي الدين: وَنَاهِيكَ بالمقدسي أَوْ كَمَا قَالَ: فَأَشْعَرَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِرِضَاهُ فَاغْتَبَطَ ابن الرفعة بِمَا اسْتَشْعَرَهُ مِنْ رَضَى الشَّيْخِ تقي الدين وَكَانَ قُدْوَةَ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَكَانَ بِحَيْثُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِأَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، والمقدسي شَيْخُ وَالِدِهِ مَالِكِيٌّ فَقِيهٌ مُحَدِّثٌ قُدْوَةٌ أَيْضًا، وَقَدْ قُلْتُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: أَنَّ الَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْجَوَازِ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيِّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ بِأَنْ يَنْقُلَ بَعْضَهُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، فَإِنِ اقْتَضَى زَوَالَ شَيْءٍ مِنَ الْعَيْنِ لَمْ يَجُزْ، فَإِذَا وُجِدَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فَلَا بَأْسَ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ، فَهَذَا شَرْطٌ ثَالِثٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ مَقْصُودِي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَإِنْ لَمْ أُصَرِّحْ بِهِ، وَفَتْحُ شُبَّاكِ الطَّيْبَرْسِيَّةِ لَا مَصْلَحَةَ لِجَامِعِ الْأَزْهَرِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ فَتْحُ أَبْوَابٍ لِلْحَرَمِ لَا حَاجَةَ لِلْحَرَمِ بِهَا وَإِنَّمَا هِيَ لِمَصْلَحَةِ سَاكِنِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلَا عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ.
وَفِي فَتَاوَى ابن الصلاح رِبَاطٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الصُّوفِيَّةِ اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ لِأَهْلِهِ أَنْ يُفْتَحَ فِيهِ بَابٌ جَدِيدٌ مُضَافًا إِلَى بَابِهِ الْقَدِيمِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ بِمَنْعٍ وَلَا إِطْلَاقٍ؟ أَجَابَ: إِنِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ تَغْيِيرَ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَنْ هَيْئَةٍ كَانَ عَلَيْهَا عِنْدَ الْوَقْفِ إِلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى غَيْرِ مُجَانِسَةٍ لَهَا مِثْلَ أَنْ يُفْتَحَ الْبَابُ إِلَى أَرْضٍ وُقِفَتْ بُسْتَانًا مَثَلًا فَيَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرَ مَحَلِّ الِاسْتِطْرَاقِ مِنْهُ، وَجَعْلَ ذَلِكَ الْقَدْرِ طَرِيقًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَرْضَ غَرْسٍ وَزِرَاعَةٍ فَهَذَا
стр. 501
وَشِبْهُهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا مُجَرَّدَ فَتْحِ بَابٍ جَدِيدٍ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ لَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ الصَّحِيحَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْوِيغِهِ الْحَدِيثَ: " «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكَ بِالْكُفْرِ لَجَعَلْتُ لِلْكَعْبَةِ بَابَيْنِ» وَلَا فَرْقَ، وَالْأَثَرُ فِعْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ إِجْمَاعٌ.
قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ لَكِنْ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْكَعْبَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْبَابَيْنِ كَانَا فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ فَفَتْحُ الثَّانِي رَدٌّ لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ، وَأَمَّا فِعْلُ عثمان فَكَانَ لِمَصْلَحَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَلْزَمُ طَرْدُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ هَدْمٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَوْ جِئْنَا نَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ ابن الصلاح: لَا بُدَّ أَنْ يُصَانَ ذَلِكَ عَنْ هَدْمِ شَيْءٍ لِأَجْلِ الْفَتْحِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْمَكَانِ الْمَوْقُوفِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْقُوفِ، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُ الْوَقْفِ فِيهِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ الْفَتْحُ بِانْتِزَاعِ حِجَارَتِهِ بِأَنْ تُجْعَلَ فِي طَرَفٍ آخَرَ مِنَ الْمَكَانِ، فَلَا بَأْسَ - هَذَا كَلَامُ ابن الصلاح، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْفَتْحُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فِي بَابٍ جَدِيدٍ فِي الْحَرَمِ إِذَا ضَاقَتْ أَبْوَابُهُ مِنِ ازْدِحَامِ الْحَجِيجِ وَنَحْوِهِمْ، فَيُفْتَحُ فِيهِ بَابٌ آخَرُ وَأَكْثَرُ لِيَتَّسِعُوا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقُولُ أَنَّهُ جَائِزٌ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، أَمَّا غَيْرُهُ لِغَرَضٍ خَاصٍّ مِنْ جِيرَانِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَلَا.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي وَهُوَ جَوَازُ الِاسْتِطْرَاقِ فِيهِ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَا نَقْلَ عِنْدِي فِي مِثْلِهِ، وَالَّذِي أَقُولُهُ أَنَّهُ حَيْثُ جَازَ الْفَتْحُ جَازَ الِاسْتِطْرَاقُ وَلَا إِشْكَالَ، وَحَيْثُ لَمْ يَجُزِ الْفَتْحُ فَقَدْ خَطَرَ لِي فِي نَظَرِي فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْكَعْبَةِ الَّذِي هُوَ الْيَوْمَ، وَهُوَ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ قُرَيْشٌ بَدَلًا عَنِ الْبَابِ التَّحْتَانِيِّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَدْ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ، وَخَطَرَ لِي فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ دَخُولَ الْكَعْبَةِ مَشْرُوعٌ سُنَّةً وَرُبَّمَا كَانَ وَاجِبًا، فَلَا يُتْرَكُ لِفِعْلِ قُرَيْشٍ وَلَمْ يَكُنْ تَغْيِيرُ ذَلِكَ الْبَابِ مُمْكِنًا لِمَا قَالَ ﷺ : " لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِكَ " فَاجْتَمَعَ فِي بَابِ الْكَعْبَةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا جَوَازُ إِبْقَائِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالثَّانِي الْحَاجَةُ إِلَى دُخُولِ الْكَعْبَةِ إِقَامَةً لِلشَّرْعِ الْمَسْنُونِ وَالْوَاجِبِ وَهَكَذَا الْآنَ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ تَغْيِيرِهِمَا مَعًا، وَيَكْفِي تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلًا لِجَوَازِ إِبْقَاءِ ذَلِكَ الْبَابِ وَالدُّخُولِ مِنْهُ رَدْعٌ يَكُونُ فُتِحَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَتَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وَدُخُولُهُ مِنْهُ شَرْعٌ مُسْتَقِلٌّ، وَيَكُونُ أَيْضًا فِي أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ وَقَدْ أُفْرِدَ عَنْهُ بِبِنَاءٍ لَطِيفٍ فِيهِ فَتْحَتَانِ شَرْقِيَّةٌ وَغَرْبِيَّةٌ فِي جِرْيَةٍ مُتَلَاصِقَتَانِ لِجِهَةِ الْكَعْبَةِ وَالدُّخُولُ فِيهِ مِنْ إِحْدَى الْفَتْحَتَيْنِ، أَوْ مِنْ فَوْقِ جِدَارِهِ اللَّطِيفِ مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَمْنَعُ مِنْهُ وَلَا أَدْرِي هَلْ دَخَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ لَا، وَلَكِنْ جَاءَ فِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ لعائشة:
стр. 502
" صَلِّي فِيهِ " وَالْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا يَكْفِي فِي مَشْرُوعِيَّةِ إِبْقَائِهِ وَالدُّخُولِ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْفَتْحَتَيْنِ، وَمِنَ التَّسَوُّرِ عَلَى جِدَارِهِ، وَكَيْفَ كَانَ فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الدُّخُولِ فِيهِ [جَازَ] الدُّخُولُ مِنْهُ كَالدُّخُولِ فِي الْكَعْبَةِ لِاجْتِمَاعِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ كَانَ الْجَوَازُ لِأَجْلِ جَوَازِ الْإِبْقَاءِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَلِلتَّقْرِيرِ؟ وَأَمَّا الْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ لِلْحَرَمِ مِنْ أَمَاكِنَ لِأَصْحَابِهَا فَلَا حَاجَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا لِلْحَرَمِ بِهَا فَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا وَلَا يَجُوزُ إِبْقَاؤُهَا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الدُّخُولِ إِلَى الْحَرَمِ مِنْهَا، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْكَعْبَةِ فَيَظْهَرُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مَعْنًى فَإِنَّ شَيْخَنَا ابن الرفعة لَمَّا زُيِّنَتِ الْقَاهِرَةُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ زِينَةً عَظِيمَةً أَفْتَى بِتَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَيْهَا قَالَ: لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُعْمَلُ لِيُنْظَرَ إِلَيْهَا فَهُوَ الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهَا
[فَفِي] تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَيْهَا حَمْلٌ عَلَى تَرْكِهَا، وَهَكَذَا إِذَا تَوَاطَأَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا إِلَى سَدِّهِ الْوَاجِبِ، وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى الْوَاجِبِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ حَرَامٌ، بَلْ أَقُولُ أَنَّ الدُّخُولَ مِنْهُ دِعَايَةٌ إِلَى الْحَرَامِ وَدَوَامِهِ فَيَكُونُ حَرَامًا، وَالثَّانِي أَنَّ الْوَقْفَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَنَا، وَإِنَّمَا جَازَ لَنَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِإِذْنٍ مِنَ الْوَاقِفِ شَرْطًا أَوْ عُرْفًا عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ، فَوَافَقَ الْجَامِعَ وَالْحَرَمَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا، وَقْفُهُ عَلَى صِفَةٍ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَصَرَّفَ فِيهِ إِلَّا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَالدُّخُولُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمَفْتُوحِ لَمْ يَقْتَضِهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ فَلَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لَنَا، وَأَيْضًا فَمَنْ مَلَكَ مَكَانًا مَلَكَ تَحْتَهُ إِلَى تَحْتِ تُخُومِ الْأَرْضِ، وَفَوْقَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَالْهَوَاءِ الَّذِي فَوْقَهُ مَمْلُوكٌ لَهُ فَالدَّاخِلُ مِنَ الْبَابِ مُتَصَرِّفٌ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ بِمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ مُلَاحَظَةِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَتَبَةُ عَرِيضَةً، بِحَيْثُ يَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا أَوْ لَا، نَعَمْ إِنْ كَانَتْ عَرِيضَةً يَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْهَوَاءِ وَالْقَرَارِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ الْمَنْعُ إِنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ الْجِدَارِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ الْجِدَارُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ فَلَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْمَكَانِ كَمَا لَوِ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ، وَاعْتِبَارُ مِلْكِ الْهَوَاءِ بِحَيْثُ يُقَالُ لَيْسَ لَهُمَا الْعُبُورُ إِذَا انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ لَا تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْفِقْهِ وَلَا الْعُرْفُ وَهُوَ مُسْتَنْكَرٌ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا يُتَخَيَّلُ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا إِعَانَةٌ عَلَى ظُلْمٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِعَانَةً عَلَى ظُلْمٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَذَلِكَ حَيْثُ لَا يُفِيدُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الدُّخُولِ وَإِنَّمَا يُفِيدُ إِذَا كَانَ الْمُمْتَنِعُ مُطَاعًا، فَيَكُونُ امْتِنَاعُهُ سَبَبًا لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ فَيَجِبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَا مَنْعَ، لَا سِيَّمَا قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّغْيِيرِ سَاكِنًا فِي جِوَارِ الْحَرَمِ فِي مَكَانٍ قَدْ فُتِحَ مِنْهُ بَابٌ كَذَلِكَ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى سَدِّهِ
стр. 503
فَيُحْتَمَلُ جَوَازُ دُخُولِهِ مِنْهُ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ إِذَا احْتَاجَ بِأَنْ يَكُونَ فِي اللَّيْلِ وَنَحْوِهِ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَا مَعَهُ مِنَ الْخُرُوجِ فَإِنَّا نَقْطَعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِجَوَازِ دُخُولِهِ قِيَاسًا عَلَى الْكَعْبَةِ لِلْحَاجَةِ، وَأَمَّا السَّكَنُ فِيهِ فَلَا يَمْتَنِعُ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ السبكي فِي فَتَاوِيهِ.
وَقَالَ الزركشي فِي كِتَابِهِ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ: بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابَ الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ وَأَدْخَلَ فِيهِ حَدِيثَ أبي سعيد «أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ وَقَالَ: " لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أبي بكر» ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ الْمَنْعُ وَخُصُوصِيَّةُ الصِّدِّيقِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ هَذِهِ عِبَارَتُهُ، وَأَوْرَدَ ابن العماد فِي كِتَابِهِ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ كَلَامَ السبكي بِحُرُوفِهِ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى حَدِيثِ الْأَمْرِ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِشْكَالًا وَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ فَقَالَ: يَلْزَمُ عَلَى الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ - يَعْنِي الَّتِي أَمَرَ بِسَدِّهَا - إِنْ كَانَتْ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ الَّتِي وُضِعَ الْمَسْجِدُ عَلَيْهَا لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ وَخُرُوجِهِ عَنِ الْهَيْئَةِ الَّتِي وُضِعَ عَلَيْهَا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ فَتْحِ بَابٍ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَكُوَّةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، مِمَّا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةٌ حَتَّى يَجُوزُ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَفْتَحَ مِنْ دَارِهِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَسْجِدِ بَابًا إِلَى الْمَسْجِدِ فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ هُوَ الَّذِي وَقَفَ الْمَسْجِدَ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ انْتِقَالِ الْوَقْفِ وَزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
قُلْتُ: الْإِشْكَالُ سَاقِطٌ فَإِنَّ الْفَتْحَ أَوَّلًا كَانَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ وَوَحْيٍ، فَكَانَ جَائِزًا ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَأَمَرَ بِالسَّدِّ بِوَحْيٍ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا إِشْكَالَ، وَقَدْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ السبكي السَّابِقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفَتْحُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيِّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ، وَأَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْوَقْفِ أَوْ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُزَادُ عَلَيْهَا شَرْطٌ رَابِعٌ مِنْ فَتَاوَى ابن الصلاح، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ نَصٌّ عَلَى مَنْعِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ جَازَ الْفَتْحُ وَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَقَدْ فُقِدَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ شَرْطَانِ:
الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: فَإِنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ لِلْمَسْجِدِ بَلْ لِلْمَدْرَسَةِ الْمُجَاوِرَةِ، كَمَا قَالَهُ السبكي فِي الطَّيْبَرْسِيَّةِ مَعَ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَفِي الْبُيُوتِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالرَّابِعُ فَإِنَّ الْوَاقِفَ وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ نَصَّ عَلَى مَنْعِهِ، وَأَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى الْوَحْيِ الشَّرِيفِ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ وَلَوْ قِيلَ بِالْجَوَازِ فِي بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ، وَقَدْ بَنَى السُّلْطَانُ
стр. 504
سِقَايَةً لِلشُّرْبِ فِي رَحَبَةِ الْجَامِعِ الطُّولُونِيِّ وَفَتَحَ لَهُ شُبَّاكًا فِي الْجِدَارِ الْمُحَوِّطِ عَلَى الرَّحَبَةِ لِيُسَهِّلَ شُرْبَ الْمَارِّينَ مِنْهَا، وَهَذَا الْفَتْحُ جَائِزٌ هُنَا لِوُجُودِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَعَدَمِ نَصٍّ مِنَ الْوَاقِفِ عَلَى مَنْعِهِ، وَلَوْ أَرَادَ السُّلْطَانُ الْآنَ الزِّيَادَةَ فِي عِدَّةِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لَجَازَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَالثَّانِي الرَّدُّ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَسَيَأْتِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِشْرُونَ بَابًا.
فَائِدَةٌ نَخْتِمُ بِهَا الْكِتَابَ: قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَرْعٌ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ آخِرِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ قَالَ: «بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا أَوْ يَزِيدُ،» قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ: جَعَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ طُولَ الْمَسْجِدِ مِائَةً وَسِتِّينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهُ فِي مُقَدِّمَه مِائَتَيْنِ وَفِي مُؤَخَّرِهِ ثَمَانِينَ، زَادَ فِيهِ المهدي مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ فَقَطْ مِائَةً وَخَمْسِينَ، وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ سِتَّةً، كَمَا كَانَتْ فِي زَمَنِ عمر، وَزَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَلَ طُولَهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهُ دُونَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، هَذَا مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَرَكَتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدُ السهل وسهيل - غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ - وَكَانَا فِي حِجْرِ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَا: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، فَابْتَاعَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَأَمَرَ أبا بكر أَنْ يُعْطِيَهُمَا ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ الَّذِي فِي الْحَدِيقَةِ وَبِالْغَرْقَدِ الَّذِي فِيهِ أَنْ يُقْطَعَ، وَأَمَرَ بِاللَّبِنِ فَضُرِبَ، وَكَانَ فِي الْمِرْبَدِ قُبُورُ جَاهِلِيَّةٍ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنُبِشَتْ، وَأَمَرَ الْعِظَامَ أَنْ تُغَيَّبَ، وَكَانَ فِي الْمِرْبَدِ مَاءٌ مُسْتَحَلٌّ فَسَيَّرُوهُ حَتَّى ذَهَبَ وَأَسَّسُوا الْمَسْجِدَ فَجَعَلُوا طُولَهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ إِلَى مُؤَخَّرِهِ مِائَةَ ذِرَاعٍ، وَفِي هَذَيْنِ الْجَانِبَيْنِ مِثْلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُرَبَّعٌ، وَيُقَالُ: كَانَ أَقَلَّ مِنَ الْمِائَةِ وَجَعَلُوا الْأَسَاسَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ عَلَى الْأَرْضِ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ بَنَوْهُ بِاللَّبِنِ وَبَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَجَعَلَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ، وَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
وَجَعَلَ يَقُولُ:
هَذَا الْحَمَّالُ لَا حَمَّالُ خَيْبَرْ ... هَذَا أَبْرَرُ بِنَا وَأَطْهَرْ
стр. 505
وَجَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ: بَابًا فِي مُؤَخَّرِهِ، وَبَابًا يُقَالُ لَهُ بَابُ الرَّحْمَةِ وَهُوَ الْبَابُ الَّذِي يُدْعَى بَابَ عَاتِكَةَ، وَالْبَابَ الثَّالِثَ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْبَابُ الَّذِي يَلِي آلَ عُثْمَانَ، وَجَعَلَ طُولَ الْجِدَارِ بُسُطِهِ وَعُمُدِهِ الْجُذُوعَ وَسَقْفَهُ جَرِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَسْقُفُهُ؟ فَقَالَ: عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى خُشَيْبَاتٌ وَتَمَامُ الشَّأْنِ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَبَنَى بُيُوتًا إِلَى جَنْبِهِ بِاللَّبِنِ وَسَقَّفَهَا بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَالْجَرِيدِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْبِنَاءِ بَنَى بعائشة فِي الْبَيْتِ الَّذِي بَابُهُ شَارِعٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَجَعَلَ سودة فِي الْبَيْتِ الْآخَرِ، الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْبَابِ الَّذِي يَلِي آلَ عُثْمَانَ، وَأَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ عَنْ مجمع بن يزيد قَالَ: «بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ مَرَّتَيْنِ، بَنَاهُ حِينَ قَدِمَ أَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ فِي مِائَةٍ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ بَنَاهُ وَزَادَ فِيهِ مِثْلَهُ فِي الدَّوْرِ وَضَرْبِ الْحُجُرَاتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَا بَنَاهُ بِالْجَرِيدِ، وَإِنَّمَا بَنَاهُ بِاللَّبِنِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبو بكر شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عمر وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عثمان فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ» .
وَقَالَ الأقفهسي فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ: قِيلَ كَانَ عَرْضُ الْجِدَارِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبِنَةً ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا كَثُرُوا بَنَوْهُ لَبِنَةً وَنِصْفًا، ثُمَّ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ لَزِدْنَا، فَقَالَ: نَعَمْ فَزَادُوا فِيهِ، وَبَنَوْا جِدَارَهُ لَبِنَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَطْحٌ فَشَكَوُا الْحَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُقِيمَ لَهُ سَوَارٍ مِنْ جُذُوعٍ، ثُمَّ طُرِحَتْ عَلَيْهَا الْعَوَارِضُ وَالْحُصُرُ وَالْإِذْخِرُ، فَأَصَابَتْهُمُ الْأَمْطَارُ فَجَعَلَ يَكِفُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ بِالْمَسْجِدِ فَطُيِّنَ، فَقَالَ: عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى، وَالْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَمَّا زَادَ فِيهِ عمر جَعَلَ طُولَهُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَبَدَّلَ أَسَاطِينَهُ بِأُخَرَ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، وَسَقَّفَهُ بِجَرِيدٍ، وَجَعَلَ طُولَ السَّقْفِ أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَفَرَشَهُ بِالْحَصَى، وَلَمَّا زَادَ فِيهِ عثمان - وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ - جَعَلَ طُولَهُ مِائَةً وَسِتِّينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ سِتَّةً. وَلَمَّا زَادَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَذَلِكَ بِأَمْرِ الْوَلِيدِ بْنِ
стр. 506
عَبْدِ الْمَلِكِ - وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ - جَعَلَ طُولَهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ الْأَرْبَعَةِ مَنَارَةً لِلْأَذَانِ، وَجَعَلَ لَهُ عِشْرِينَ بَابًا وَبَنَى عَلَى الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ حَائِطًا، وَلَمْ يُلْصِقْهُ بِجِدَارِ الْحُجْرَةِ وَلَا بِالسَّقْفِ، وَطُولَهُ مِقْدَارَ نِصْفِ قَامَةٍ بِالْآجُرِّ، فَلَمَّا حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هَدَمَ الْمَنَارَةَ الَّتِي هِيَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ مِنَ الْغَرْبِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مُطِلَّةً عَلَى دَارِ مروان فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَأَطَلَّ عَلَى سليمان، وَهُوَ فِي الدَّارِ فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا، ثُمَّ زَادَ فِيهِ المهدي سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَلَمْ يَزِدْ بَعْدَهُ أَحَدٌ شَيْئًا، ثُمَّ عَمَّرَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي صَحْنِهِ قُبَّةً لِحِفْظِ حَوَاصِلِ الْحَرَمِ وَذَخَائِرِهِ، ثُمَّ احْتَرَقَ الْمَسْجِدُ الشَّرِيفُ بِالنَّارِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ الْحَرَّةِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ فَأَرْسَلَ الصُّنَّاعَ وَالْآلَاتِ مَعَ حُجَّاجِ الْعِرَاقِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَسَقَّفُوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ وَمَا حَوْلَهَا إِلَى الْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ وَالشَّرْقِيِّ إِلَى بَابِ جِبْرِيلَ، وَسَقَّفُوا الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قُتِلَ الْخَلِيفَةُ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَاسْتَوْلَى التَّتَارُ عَلَى بَغْدَادَ، فَوَصَلَتِ الْآلَاتُ مِنْ صَاحِبِ الْيَمَنِ الملك المظفر يوسف بن عمر بن رسول، فَعَمِلَ إِلَى بَابِ السَّلَامِ، ثُمَّ عَمِلَ مِنْ بَابِ السَّلَامِ إِلَى بَابِ الرَّحْمَةِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ مِصْرَ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ قُطُزَ الْمُعِزِّي، ثُمَّ انْتَقَلَ الْمُلْكُ آخِرَ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الملك الظاهر بيبرس الصالحي، فَعَمِلَ فِي أَيَّامِهِ بَاقِيَ الْمَسْجِدِ وَجُعِلَتِ الْأَبْوَابُ أَرْبَعَةً، ثُمَّ لَمَّا حَجَّ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ أَرَادَ أَنْ يُدِيرَ عَلَى الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ داربزينا مِنْ خَشَبٍ، فَقَاسَ مَا حَوْلَهَا بِيَدِهِ، وَأَرْسَلَهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَعَمِلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ وَطُولَهُ نَحْوَ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ فِي أَيَّامِ الملك المنصور قلاوون عُمِلَتِ الْقُبَّةُ عَلَى الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ فِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ فِي أَيَّامِ الملك العادل كتبغا زِيدَ فِي الداربزين الَّذِي عَلَى الْحُجْرَةِ حَتَّى وُصِلَ بِسَقْفِ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ، ثُمَّ فِي أَيَّامِ الملك الناصر محمد بن قلاوون فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِمِائَةٍ جُدِّدَ سَقْفُ الرِّوَاقِ الَّذِي فِيهِ الرَّوْضَةُ الشَّرِيفَةُ، ثُمَّ جُدِّدَ السَّقْفُ الشَّرْقِيُّ وَالْغَرْبِيُّ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِعِمَارَةِ الْمَنَارَةِ الرَّابِعَةِ مَكَانَ الَّتِي هَدَمَهَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَعُمِّرَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِمِائَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِنْشَاءِ الرِّوَاقَيْنِ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، ثُمَّ فِي أَيَّامِ الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون جُدِّدَتِ الْقُبَّةُ الَّتِي عَلَى الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ أُحْكِمَتْ فِي أَيَّامِ الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِأَنْ سَمَّرَ عَلَيْهَا أَلْوَاحًا مِنْ
стр. 507
خَشَبٍ وَمِنْ فَوْقِهَا أَلْوَاحُ الرَّصَاصِ، ثُمَّ فِي أَيَّامِ سُلْطَانِ الْعَصْرِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ قايتباي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَمَّرَ قُبَّةً أُخْرَى وَأَشْيَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ نُزُولُ صَاعِقَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْمَسْجِدَ بِأَسْرِهِ، وَذَلِكَ فِي لَيْلَةِ ثَالِثَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ الصُّنَّاعَ وَالْآلَاتِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَعَلَيْهِمُ الخواجا شمس الدين بن الزمن، فَهَدَمَ الْحَائِطَ الْقِبْلِيَّةَ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِجِوَارِ الْمَسْجِدِ مَدْرَسَةً بَاسْمِ السُّلْطَانِ وَيَجْعَلَ الْحَائِطَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ، وَيَفْتَحَ فِيهِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَشَبَابِيكَ مُطِلَّةً عَلَيْهِ، فَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ مَرْسُومًا مِنَ السُّلْطَانِ بِذَلِكَ فَبَلَغَهُ مَنْعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: اسْتَفْتُوا الْعُلَمَاءَ، فَأَفْتَاهُ الْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمَاعَةٌ بِالْجَوَازِ، وَامْتَنَعَ آخَرُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَجَاءَنِي الْمُسْتَفْتِي يَوْمَ الْأَحَدِ رَابِعَ عَشَرِيَّ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ فَجَمَعْتُ الْأَحَادِيثَ الْمُصَدَّرَ بِهَا، وَأَرْسَلْتُهَا لقاضي القضاة الشافعي، فَذَكَرَ أَنَّهُ يَرَى اخْتِصَاصَهَا بِالْجِدَارِ النَّبَوِيِّ وَقَدْ أُزِيلَ، وَهَذَا الْجِدَارُ مِلْكُ السُّلْطَانِ يَفْتَحُ فِيهِ مَا شَاءَ، وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا إِلَّا بِوَقْفِهِ، فَذَكَرْتُ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا، وَأَلْحَقْتُهَا بِالْأَحَادِيثِ مَعَ مَا ذُكِرَ مَعَهَا وَأَفْرَدْتُهَا تَأْلِيفًا، وَرَأَيْتُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشَرِيَّ رَجَبٍ فِي الْمَنَامِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي هِمَّةٍ وَأَنَا وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَرْسَلَنِي لَا أَدْرِي إِلَى عمر أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا أَدْرِي هَلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْهِ لِأَدْعُوَهُ أَوْ لِأُبَلِّغَهُ رِسَالَةً، وَلَمْ أَضْبُطْ مِنَ الْمَنَامِ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ لَا يُتِمَّ لَهُمْ مَا أَرَادُوهُ، ثُمَّ بَرَزَ مَرْسُومُ السُّلْطَانِ بِالْفَتْحِ حَسْبَمَا أَفْتَاهُ مَنْ أَفْتَاهُ، وَسَافَرَ الْقَاصِدُ بِذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ رَجَبٍ وَأَرْسَلَ إِلَى رَجُلَانِ مِنْ كِبَارِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ يُخْبِرَانِي أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَتِمُّ فَفِي رَمَضَانَ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ رُجِعَ عَنْهُ، وَعَدَلُوا إِلَى الْفَتْحِ مِنَ الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَأَفْتَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّ دَارَ أبي بكر ﵁ كَانَتْ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَكَانَ لَهُ بَابٌ مَفْتُوحٌ فَيُفْتَحُ نَظِيرُهُ فَوَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ.
فَأَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَقَرَّرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أبا بكر ﵁ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي فَتْحِ الْبَابِ بَلْ أُمِرَ بِسَدِّ بَابِهِ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ وَهِيَ الْمُرَادَةُ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، فَلَا يَجُوزُ الْآنَ فَتْحُ بَابٍ كَبِيرٍ قَطْعًا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْمَعْنَى الِاسْتِطْرَاقُ فَيَسْتَوِيَ الْبَابُ وَالْخَوْخَةُ فِي الْجَوَازِ، لِأَنَّ النَّصَّ مِنَ الشَّارِعِ ﷺ عَلَى التَّفْرِقَةِ حَيْثُ أَمَرَ بِسَدِّ بَابِهِ وَأَبْقَى خَوْخَتَهُ يَمْنَعُ مِنَ التَّسْوِيَةِ وَالْإِلْحَاقِ، وَأَمَّا جَوَازُ فَتْحِ الْخَوْخَةِ الْآنَ فَأَقُولُ: لَوْ بَقِيَتْ دَارُ أبي بكر وَاتَّفَقَ هَدْمُهَا وَإِعَادَتُهَا أُعِيدَتْ بِتِلْكَ الْخَوْخَةِ، كَمَا كَانَتْ بِلَا مِرْيَةٍ، وَكَانَ يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعَادَ مِثْلُ تِلْكَ الْخَوْخَةِ قَدْرًا
стр. 508
وَمَحَلًّا، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا بِالتَّوْسِعَةِ، وَلَا جَعْلُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْحَائِطِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ الْإِذْنُ مِنَ الشَّارِعِ الْوَاقِفِ فِيهِ، لَكِنَّ دَارَ أبي بكر هُدِمَتْ وَأُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ زَمَنَ عثمان، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى بِإِزَائِهَا دَارٌ يُفْتَحُ مِنْهَا خَوْخَةٌ نَظِيرَ ذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَتَوَقُّفٌ فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ ; لِأَنَّ تِلْكَ خِصِّيصَةٌ كَانَتْ لأبي بكر فَلَا تَتَعَدَّى دَارَهُ، وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَقَّ الْمُرُورِ قَدْ ثَبَتَ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الَّتِي بِإِزَاءِ دَارِ أبي بكر إِلَى الْمَسْجِدِ بِوَاسِطَةِ دَارِ أبي بكر فَيَسْتَمِرُّ.
وَالثَّانِي: لَا أُبْدِيهِ خَوْفًا أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ الْمُتَوَسِّعُونَ.
وَعَلَى الِاحْتِمَالِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ يَتَعَذَّرُ الْآنَ وُجُودُهُمَا أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُفْتَحُ بِقَدْرِ تِلْكَ الْخَوْخَةِ لَا أَوْسَعَ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى سِمَتِهَا لَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَالْأَمْرَانِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِمَا الْآنَ لِلْجَهْلِ بِمِقْدَارِ تِلْكَ الْخَوْخَةِ وَمَحَلِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ الشَّرْطِ امْتَنَعَ الْمَشْرُوطُ، فَتَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ مِنَ الْخَوْخَةِ وَمِنَ الشَّبَابِيكِ أَيْضًا، وَبِتَحَقُّقِ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ يُجَابُ عَنِ الْأَمْرِ الثَّانِي الَّذِي رَمَزْتُ إِلَيْهِ، وَلَمْ أُبْدِهِ إِنْ عَثَرَ عَلَيْهِ عَاثِرٌ، هَذَا مَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ.
خَاتِمَةٌ: وَأَمَّا كِسْوَةُ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، فَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا ابن أبي الهيجاء وزير ملك مصر، بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَضِيءَ فَكَسَاهَا دِيبَاجًا أَبْيَضَ، ثُمَّ بَعْدَ سَنَتَيْنِ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَضِيءُ كِسْوَةً دِيبَاجًا بَنَفْسَجِيًّا، ثُمَّ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لَمَّا وَلِيَ كِسْوَةً مِنَ الدِّيبَاجِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ لَمَّا حَجَّتْ أُمُّ الْخَلِيفَةِ وَعَادَتْ أَرْسَلَتْ كِسْوَةً كَذَلِكَ، ثُمَّ صَارَتْ تُرْسَلُ الْكِسْوَةُ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ كُلَّ سَبْعِ سِنِينَ مِنَ الدِّيبَاجِ الْأَسْوَدِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الأقفهسي.
[الْعَجَاجَةُ الزَّرْنَبِيَّةُ فِي السُّلَالَةِ الزَّيْنَبِيَّةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. مَسْأَلَةٌ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ رُزِقَ مِنَ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ وَلَدًا، وَمِنَ الْإِنَاثِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَالَّذِينَ أَعْقَبُوا مِنْ وَلَدِهِ الذُّكُورِ خَمْسَةٌ، قَالَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ: كَانَ النَّسْلُ مِنْ وَلَدِ علي لِخَمْسَةٍ: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس بن الكلابية، وَعُمَرَ بن التغلبية.
مَسْأَلَةٌ: فاطمة الزهراء ﵂ رُزِقَتْ مِنَ الْأَوْلَادِ خَمْسَةً: الحسن، والحسين، ومحسنا، وأم كلثوم، وزينب فَأَمَّا محسن فَدَرَجَ سَقْطًا، وَأَمَّا الحسن والحسين فَأَعْقَبَا الْكَثِيرَ الطَّيِّبَ، وَأَمَّا أم كلثوم فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ
стр. 509
اللَّهُ عَنْهُ، وَوَلَدَتْ لَهُ زيدا ورقية، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ ابْنُ عَمِّهَا عون بن جعفر بن أبي طالب فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ أَخُوهُ محمد فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ أَخُوهُ عبد الله بن جعفر فَمَاتَتْ عِنْدَهُ، وَلَمْ تَلِدْ لِأَحَدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ شَيْئًا، وَأَمَّا زينب، فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا عبد الله بن جعفر فَوَلَدَتْ لَهُ عليا، وعونا الْأَكْبَرَ، وعباسا، ومحمدا، وأم كلثوم.
مَسْأَلَةٌ: أَوْلَادُ زَيْنَبَ الْمَذْكُورَةِ مِنْ عبد الله بن جعفر مَوْجُودُونَ بِكَثْرَةٍ، وَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ مِنْ آلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ آلَهُ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: " أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي " ثَلَاثًا فَقِيلَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ قَالَ: أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حَرَّمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قِيلَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ.
» الثَّانِي: أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَأَوْلَادِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: أَوْلَادُ بَنَاتِ الْإِنْسَانِ لَا يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي ذُرِّيَّتِهِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ أَوْلَادِ فُلَانٍ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبِنْتِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ هَلْ يُشَارِكُونَ أَوْلَادَ الحسن، والحسين فِي أَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ وَالْجَوَابُ لَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ مَنْ يُسَمَّى وَلَدًا لِلرَّجُلِ وَبَيْنَ مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي دَخَلَ وَلَدُ الْبِنْتِ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إِلَيَّ مِنْ أَوْلَادِي لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ الْبِنْتِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ أَوْلَادُ بَنَاتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي أَوْلَادِ بَنَاتِ بَنَاتِهِ، فَالْخُصُوصِيَّةُ لِلطَّبَقَةِ الْعُلْيَا فَقَطْ، فَأَوْلَادُ فاطمة الْأَرْبَعَةُ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ، أَوْلَادُ الحسن والحسين يُنْسَبُونَ إِلَيْهِمَا، فَيُنْسَبُونَ إِلَيْهِ، وَأَوْلَادُ زينب وأم كلثوم يُنْسَبُونَ إِلَى أَبِيهِمْ عمر وعبد الله لَا إِلَى الْأُمِّ إِلَى أَبِيهَا ﷺ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ بِنْتِ بِنْتِهِ لَا أَوْلَادُ بِنْتِهِ، فَجَرَى الْأَمْرُ فِيهِمْ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّرْعِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي النَّسَبِ لَا أُمَّهُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ أَوْلَادُ فاطمة وَحْدَهَا لِلْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي وَرَدَ الْحَدِيثُ بِهَا، وَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى ذُرِّيَّةِ الحسن والحسين.
أَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ جابر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ بَنِي أُمٍّ عَصَبَةٌ إِلَّا ابْنَيْ فاطمة أَنَا وَلِيُّهُمَا وَعَصَبَتُهُمَا» .
وَأَخْرَجَ أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ فاطمة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ بَنِي أُمٍّ عَصَبَةٌ إِلَّا ابْنَيْ فاطمة أَنَا وَلِيُّهُمَا وَعَصَبَتُهُمَا» فَانْظُرْ إِلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ كَيْفَ خَصَّ الِانْتِسَابَ وَالتَّعْصِيبَ بالحسن والحسين، دُونَ أُخْتَيْهِمَا لِأَنَّ أَوْلَادَ أُخْتَيْهِمَا إِنَّمَا يُنْسَبُونَ إِلَى آبَائِهِمْ. وَلِهَذَا جَرَى السَّلَفُ وَالْخَلَفُ
стр. 510
عَلَى أَنَّ ابْنَ الشَّرِيفَةِ لَا يَكُونُ شَرِيفًا، وَلَوْ كَانَتِ الْخُصُوصِيَّةُ عَامَّةً فِي أَوْلَادِ بَنَاتِهِ، وَإِنْ سَفَلْنَ لَكَانَ ابْنُ كُلِّ شَرِيفَةٍ شَرِيفًا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ كَذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَلِهَذَا حَكَمَ ﷺ بِذَلِكَ لِابْنَيْ فاطمة دُونَ غَيْرِهَا مِنْ بَنَاتِهِ ; لِأَنَّ أُخْتَهَا زينب بنت رسول الله ﷺ لَمْ تُعْقِبْ ذَكَرًا حَتَّى يَكُونَ كالحسن والحسين فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَعْقَبَتْ بِنْتًا وَهِيَ أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع، فَلَمْ يَحْكُمْ لَهَا ﷺ بِهَذَا الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِهَا فِي زَمَنِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَهَا لَا يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا بِنْتُ بِنْتِهِ، وَأَمَّا هِيَ فَكَانَتْ تُنْسَبُ إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ لزينب ابنة رسول الله ﷺ وَلَدٌ ذَكَرٌ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمُ الحسن والحسين فِي أَنَّ وَلَدَهُ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ ﷺ ، هَذَا تَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ خَبَطَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِعِلْمٍ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ هَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أَشْرَافٌ؟ وَالْجَوَابُ: إِنَّ اسْمَ الشَّرِيفِ كَانَ يُطْلَقُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ سَوَاءٌ كَانَ حَسَنِيًّا أَمْ حُسَيْنِيًّا أَمْ عَلَوِيًّا، مِنْ ذُرِّيَّةِ محمد بن الحنفية وَغَيْرِهِ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَمْ جَعْفَرِيًّا أَمْ عَقِيلِيًّا أَمْ عَبَّاسِيًّا، وَلِهَذَا تَجِدُ تَارِيخَ الحافظ الذهبي مَشْحُونًا فِي التَّرَاجِمِ بِذَلِكَ يَقُولُ: الشريف العباسي، الشريف العقيلي، الشريف الجعفري، الشريف الزينبي، فَلَمَّا وَلِيَ الْخُلَفَاءُ الْفَاطِمِيُّونَ بِمِصْرَ قَصَرُوا اسْمَ الشَّرِيفِ عَلَى ذُرِّيَّةِ الحسن والحسين فَقَطْ، فَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِمِصْرَ إِلَى الْآنَ، وَقَالَ الحافظ ابن حجر فِي كِتَابِ الْأَلْقَابِ: الشَّرِيفُ بِبَغْدَادَ لَقَبٌ لِكُلِّ عَبَّاسِيٍّ، وَبِمِصْرَ لَقَبٌ لِكُلِّ عَلَوِيٍّ انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصْطَلَحَ الْقَدِيمَ أَوْلَى وَهُوَ إِطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ عَلَوِيٍّ وَجَعْفَرِيٍّ وَعَقِيلِيٍّ وَعَبَّاسِيٍّ كَمَا صَنَعَهُ الذهبي وَكَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ كِلَاهُمَا فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابن مالك فِي الْأَلْفِيَّةِ: وَآلِهِ الْمُسْتَكْمِلِينَ الشَّرَفَا، فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى ذُرِّيَّةِ زينب الْمَذْكُورِينَ أَشْرَافٌ، وَكَمْ أَطْلَقَ الذهبي فِي تَارِيخِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ التَّرَاجِمِ قَوْلَهُ: الشريف الزينبي، وَقَدْ يُقَالُ: يُطْلَقُ عَلَى مُصْطَلَحِ أَهْلِ مِصْرَ: الشَّرَفُ أَنْوَاعٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَخَاصٌّ بِالذُّرِّيَّةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّيْنَبِيَّةُ وَأَخَصُّ مِنْهُ شَرَفُ النِّسْبَةِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِذُرِّيَّةِ الحسن والحسين.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُمْ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ بَنِي جَعْفَرٍ مِنَ الْآلِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 511
السَّابِعُ: أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ وَقْفِ بِرْكَةِ الْحَبَشِ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ بِرْكَةَ الْحَبَشِ لَمْ تُوقَفْ عَلَى أَوْلَادِ الحسن والحسين خَاصَّةً، بَلْ وُقِفَتْ نِصْفَيْنِ: النِّصْفُ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَشْرَافِ وَهُمْ أَوْلَادُ الحسن والحسين، وَالنِّصْفُ الثَّانِي عَلَى الطَّالِبِيِّينَ وَهُمْ ذُرِّيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِخْوَتِهِ، وَذُرِّيَّةُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَذُرِّيَّةُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَثَبَتَ هَذَا الْوَقْفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى قاضي القضاة بدر الدين يوسف السنجاوي فِي ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، ثُمَّ اتَّصَلَ ثُبُوتُهُ عَلَى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام تَاسِعَ عَشَرِيَّ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ اتَّصَلَ ثُبُوتُهُ عَلَى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. ذَكَرَ ذَلِكَ ابن المتوج فِي كِتَابِهِ "إِيقَاظِ الْمُتَأَمِّلِ".
الثَّامِنُ: هَلْ يَلْبَسُونَ الْعَلَامَةَ الْخَضْرَاءَ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا كَانَتْ فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِأَمْرِ الملك الأشرف شعبان بن حسين، وَقَالَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبي عبد الله بن جابر الأندلسي الأعمى صَاحِبِ شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ الْمَشْهُورِ بِالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ:
جَعَلُوا لِأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلَامَةً ... إِنَّ الْعَلَامَةَ شَأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهَرِ
نُورُ النُّبُوَّةِ فِي وَسِيمِ وُجُوهِهِمْ ... يُغْنِي الشَّرِيفَ عَنِ الطِّرَازِ الْأَخْضَرِ
وَقَالَ الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم الدمشقي:
أَطْرَافُ تِيجَانٍ أَتَتْ مِنْ سُنْدُسٍ ... خُضْرٍ بِأَعْلَامٍ عَلَى الْأَشْرَافِ
وَالْأَشْرَفُ السُّلْطَانُ خَصَّصَهُمْ بِهَا ... شَرَفًا لِيَعْرِفَهُمْ مِنَ الْأَطْرَافِ
وَحَظُّ الْفَقِيهِ فِي ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ هَذِهِ الْعَلَامَةُ بِدْعَةً مُبَاحَةً لَا يُمْنَعُ مِنْهَا مَنْ أَرَادَهَا مِنْ شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تَرَكَهَا مِنْ شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ، وَالْمَنْعُ مِنْهَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَائِنًا مَنْ كَانَ لَيْسَ أَمْرًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّ النَّاسَ مَضْبُوطُونَ بِأَنْسَابِهِمُ الثَّابِتَةِ، وَلَيْسَ لُبْسُ الْعَلَامَةِ مِمَّا وَرَدَ بِهِ شَرْعٌ فَيُتَّبَعُ إِبَاحَةً وَمَنْعًا - أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ - أَنَّهُ أَحْدَثَ التَّمْيِيزَ بِهَا لِهَؤُلَاءِ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِخُصُوصِ الْأَبْنَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُمْ ذُرِّيَّةُ الحسن والحسين، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُعَمَّمَ فِي كُلِّ ذُرِّيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَسِبُوا إِلَيْهِ كَالزَّيْنَبِيَّةِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُعَمَّمَ فِي كُلِّ أَهْلِ الْبَيْتِ كَبَاقِي الْعَلَوِيَّةِ
стр. 512
وَالْجَعْفَرِيَّةِ وَالْعَقِيلِيَّةِ كُلٌّ جَائِزٌ شَرْعًا، وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ فِيهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَخْصِيصِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلِبَاسٍ يَخْتَصُّونَ بِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْأَكْمَامِ وَإِدَارَةِ الطَّيْلَسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيُعْرَفُوا فَيُجَلُّوا تَكْرِيمًا لِلْعِلْمِ، وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّاسِعُ: هَلْ يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الْأَشْرَافِ؟
وَالْعَاشِرُ: هَلْ يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَشْرَافِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنْ وُجِدَ فِي كَلَامِ الْمُوصِي وَالْوَاقِفِ نَصٌّ يَقْتَضِي دُخُولَهُمْ أَوْ خُرُوجَهُمُ اتُّبِعَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا فَقَاعِدَةُ الْفِقْهِ أَنَّ الْوَصَايَا وَالْأَوْقَافَ تُنَزَّلُ عَلَى عُرْفِ الْبَلَدِ، وَعُرْفُ مِصْرَ مِنْ عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ إِلَى الْآنَ أَنَّ الشَّرِيفَ لَقَبٌ لِكُلِّ حَسَنِيٍّ وَحُسَيْنِيٍّ خَاصَّةً فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْعُرْفِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ دُخُولَهُمْ فِي وَقْفِ بِرْكَةِ الْحَبَشِ ; لِأَنَّ وَاقِفَهَا نَصَّ فِي وَقْفِهِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ وَقَفَ نِصْفَهَا عَلَى الْأَشْرَافِ، وَنِصْفَهَا عَلَى الطَّالِبِيِّينَ.
[آخِرُ الْعَجَاجَةِ الزَّرْنَبِيَّةِ فِي السُّلَالَةِ الزَّيْنَبِيَّةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مِنْ كِتَابِ نُزْهَةِ الْمَجَالِسِ لعبد الرحمن الصفوري عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَلْعَنِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى» .
حِكَايَةٌ: «خَرَجَ عَلِيُّ بن أبي طالب ﵁ يَبِيعُ إِزَارَ فاطمة ﵂ لِيَأْكُلُوا بِثَمَنِهِ فَبَاعَهُ بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ، فَرَآهُ سَائِلٌ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَمَعَهُ نَاقَةٌ، فَقَالَ: يَا أبا الحسن اشْتَرِ هَذِهِ النَّاقَةَ، فَقَالَ: مَا مَعِي ثَمَنُهَا، قَالَ: إِلَى أَجَلٍ فَاشْتَرَاهَا بِمِائَةٍ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مِيكَائِيلُ فِي طَرِيقِهِ فَقَالَ: أَتَبِيعُ هَذِهِ النَّاقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاشْتَرَيْتُهَا بِمِائَةٍ، قَالَ: وَلَكَ مِنَ الرِّبْحِ سِتُّونَ فَبَاعَهَا لَهُ، فَعَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: بِعْتَهُ النَّاقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ادْفَعْ إِلَيَّ دَيْنِي فَدَفَعَ لَهُ مِائَةً، وَرَجَعَ بِسِتِّينَ، فَقَالَتْ لَهُ فاطمة: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: تَاجَرْتُ مَعَ اللَّهِ بِسِتَّةٍ فَأَعْطَانِي سِتِّينَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: الْبَائِعُ جِبْرِيلُ، وَالْمُشْتَرِي مِيكَائِيلُ، وَالنَّاقَةُ لفاطمة
стр. 513
تَرْكَبُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
حِكَايَةٌ: " رَأَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ دِرْعَ علي ﵁ يُبَاعُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْلَةَ عُرْسِهِ عَلَى فاطمة، فَقَالَ عثمان ﵁: هَذَا دِرْعُ فَارِسِ الْإِسْلَامِ لَا يُبَاعُ أَبَدًا فَدَفَعَ لِغُلَامِ علي أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ وَرَدَّ الدِّرْعَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عثمان وَجَدَ فِي دَارِهِ أَرْبَعَمِائَةِ كِيسٍ فِي كُلِّ كِيسٍ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ دِرْهَمٍ هَذَا ضَرْبُ الرَّحْمَنِ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: هَنِيئًا لَكَ يَا عثمان ".
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ غَرِيبٍ ضَحِكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَظَرَ الْغَرِيبُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَعَنْ أَمَامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَلَمْ يَرَ أَحَدًا يَعْرِفُهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَنْظُرُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْغَرِيبِ أَلْفَ نَظْرَةٍ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَا مِنْ غَرِيبٍ يَمْرَضُ فَيَرَى بِبَصَرِهِ فَلَا يَقَعُ عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَفَسٍ يَتَنَفَّسُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ سَبْعِينَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ» . وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أَكْرِمُوا الْغُرَبَاءَ فَإِنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا وَأَنَّهُ يُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا لِيَقُمِ الْغُرَبَاءُ فَيَقُومُونَ يَسْتَبِقُونَ إِلَى اللَّهِ، أَلَا مَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنِي، وَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَكْرَمَ غَرِيبًا فِي غُرْبَتِهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» .
وَعَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «: " أَلَا لَا غُرْبَةَ عَلَى مُؤْمِنٍ، وَمَا مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَ عَنْهُ بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ» .
وَعَنْهُ ﵇: «قَالَ ارْحَمُوا الْيَتَامَى، وَأَكْرِمُوا الْغُرَبَاءَ، فَإِنِّي كُنْتُ فِي الصِّغَرِ يَتِيمًا وَفِي الْكِبَرِ غَرِيبًا ".
» وَقَالَ ﵇: «مَنْ آذَى جَارَهُ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ حَارَبَ جَارَهُ فَقَدْ حَارَبَنِي، وَمَنْ حَارَبَنِي فَقَدْ حَارَبَ اللَّهَ ".
» وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «مَسْأَلَةُ النَّاسِ مِنَ الْفَوَاحِشِ، مَا أُحِلَّ مِنَ الْفَوَاحِشِ غَيْرُهَا ".»
«وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ عليا يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لَا تُحْوِجْنِي إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، قَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الَّذِينَ إِذَا أَعْطَوْا مَنُّوا، وَإِذَا مَنَعُوا عَابُوا» .
فَائِدَةٌ: أَصَابَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حَاجَةٌ فَذَهَبَ إِلَى صَدِيقٍ لَهُ لِيَسْتَقْرِضَ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَمْ يُقْرِضْهُ فَرَجَعَ مَهْمُومًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لَوْ سَأَلْتَنِي لَأَعْطَيْتُكَ فَقَالَ: يَا رَبِّ عَرَفْتُ مَقْتَكَ لِلدُّنْيَا فَخَشِيتُ أَنْ أَسْأَلَكَ إِيَّاهَا فَتَمْقُتُنِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لَيْسَتِ الْحَاجَةُ مِنَ الدُّنْيَا.
حِكَايَةٌ: قَالَ النسفي فِي زَهْرَةِ الرِّيَاضِ: لَمَّا تَوَلَّى سُلَيْمَانُ الْمُلْكَ جَاءَهُ جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ يُهَنِّئُونَهُ إِلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهَا جَاءَتْ تُعَزِّيهِ فَعَاتَبَهَا النَّمْلُ فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ: كَيْفَ أُهَنِّئُهُ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا زَوَى عَنْهُ الدُّنْيَا، وَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْآخِرَةَ، وَقَدْ شُغِلَ سُلَيْمَانُ بِأَمْرٍ لَا
стр. 514
يَدْرِي عَاقِبَتَهُ فَهُوَ بِالتَّعْزِيَةِ أَوْلَى مِنَ التَّهْنِئَةِ، وَجَاءَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ شَرَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شَرِبْتَهُ لَمْ تَمُتْ فَشَاوَرَ جُنْدَهُ إِلَّا الْقُنْفُذَ فَإِنَّهُ كَانَ غَائِبًا، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَهُ، فَأَرْسَلَ الْفَرَسَ خَلْفَ الْقُنْفُذِ فَلَمْ يُجِبْهَا، فَأَرْسَلَ الْكَلْبَ خَلْفَهَا فَأَجَابَهُ، فَسَأَلَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ الشَّرَابِ فَقَالَ: لَا تَشْرَبْهُ فَإِنَّ الْمَوْتَ فِي عِزٍّ خَيْرٌ مِنَ الْبَقَاءِ فِي سِجْنِ الدُّنْيَا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَأَرَاقَ الشَّرَابَ فِي الْبَحْرِ فَطَابَ مَاؤُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ أَطَعْتَ الْكَلْبَ دُونَ الْفَرَسِ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا تَعْدُو بِصَاحِبِهَا وَبِغَيْرِهِ، وَالْكَلْبُ لَا يُطِيعُ إِلَّا صَاحِبَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَحَبَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ ثَلَاثٌ» ".
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَمْطَرَ اللَّهُ عَلَى أَيُّوبَ ﵇ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ؟ قِيلَ: جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الدُّودِ الَّذِي أَكَلَهُ، فَالْجَرَادُ خِلْعَةُ الطَّائِعِ وَعُقُوبَةُ الْعَاصِي ; لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ تُلْقَى ذُنُوبُهُ فِي الْبَحْرِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ مِنْهَا التِّمْسَاحَ، فَإِذَا مَاتَ التِّمْسَاحُ صَارَ دُودًا ثُمَّ جَرَادًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْأَدَبِ مِنْ كِتَابِ الْمَوْتِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ طِينَةِ آدَمَ ﵇، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الدُّنْيَا مِيرَاثُ الْغَرُورِ، وَمَسْكَنُ الْبَطَّالِينَ، وَسُوقُ الرَّاغِبِينَ، وَمَيْدَانُ الْفَاسِقِينَ، وَسِجْنُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَزْبَلَةُ الْمُتَّقِينَ - زَادَ مُؤَلِّفُهُ ﵀ وَمَزْرَعَةٌ لِلْعَالِمِينَ.
فَائِدَةٌ: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا» ، وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «الْعَصَا عَلَامَةُ الْمُؤْمِنِ وَسُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ عَصًا مِنْ لَوْزٍ مَرَّ " أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ سَبُعٍ ضَارٍ، وَلِصٍّ عَاصٍ، وَمِنْ كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَكَانَ مَعَهُ سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ مِنَ الْمُعَقِّبَاتِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، حَتَّى يَرْجِعَ وَيَضَعَهَا» ، وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ «: " مَنْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَمْ يَأْخُذِ الْعَصَا عُدَّ لَهُ مِنَ الْكِبَرِ وَالْعُجْبِ» ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «لَيْسَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ وَلَا الْآخِرَةَ لِلدُّنْيَا، وَلَكِنَّ خَيْرَكُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ لِهَذِهِ» .
لَطِيفَةٌ: «قَالَ أَنَسٌ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵇ فَرَأَيْنَا طَيْرًا أَعْمَى يَضْرِبُ بِمِنْقَارِهِ عَلَى شَجَرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: " أَتَدْرِي مَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْعَدْلُ وَقَدْ حَجَبْتَ عَنِّي بَصَرِي وَقَدْ جُعْتُ، فَأَقْبَلَتْ جَرَادَةٌ فَدَخَلَتْ فِي فِيهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِمِنْقَارِهِ عَلَى الشَّجَرَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: أَتَدْرِي مَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «مَنْ
стр. 515
عَمِلَ فُرْقَةً بَيْنَ امْرَأَةٍ وَزَوْجِهَا، كَانَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ".
» مَوْعِظَةٌ: عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَانَتْ زَوْجَهَا فِي الْفِرَاشِ فَعَلَيْهَا نِصْفُ عَذَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» ، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ لَمْ يَلْبَثْ فِي قَبْرِهِ إِلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلِكًا يُشْبِهُ الْخُطَّافَ، فَيَخْطِفُهُ بِرِجْلَيْهِ وَيَطْرَحُهُ فِي بِلَادِ قَوْمِ لُوطٍ، وَيَكْتُبُ عَلَى جَبِينِهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» ، وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَطْفَالٍ لَيْسَ لَهُمْ رُؤُوسٌ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمَظْلُومُونَ، فَيَقُولُ: مَنْ ظَلَمَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: آبَاؤُنَا كَانُوا يَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ فَأَلْقَوْنَا فِي الْأَدْبَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: سُوقُوهُمْ إِلَى النَّارِ وَاكْتُبُوا عَلَى جِبَاهِهِمْ آيِسِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» .
وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «يُمْسَخُ اللُّوطِيُّ فِي قَبْرِهِ خِنْزِيرًا وَتَدْخُلُ [النَّارُ] فِي مِنْخَرَيْهِ وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
وَقَالَ ﵇ «: " الْعِفْرِيتُ أَخْبَرَنَا عَنْ إِبْلِيسَ فَتَوَجَّهَ مَعَهُ إِلَى الْبَحْرِ فَوَجَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَقَالَ: أَخْبِرْنَا بِأَبْغَضِ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكَ، قَالَ: اللِّوَاطُ وَلَوْلَا مَمْشَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَخْبَرْتُكَ ".
» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَشَى فِي تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ حَلَالًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَلْفَ امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كُلُّ امْرَأَةٍ فِي قَصْرٍ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ، وَكَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا أَوْ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا فِي ذَلِكَ عِبَادَةُ سَنَةٍ، قِيَامُ لَيْلِهَا وَصِيَامُ نَهَارِهَا ".
» وَذَكَرَ ابن الجوزي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ أَرْبَعِينَ بَدَلًا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَذَلِكَ كُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ قَامَ مَقَامَهُ آخَرُ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَأَرْبَعُونَ امْرَأَةً كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، وَكُلَّمَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهَا امْرَأَةً» .
فَائِدَةٌ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ «: " إِذَا غَسَلَتِ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ زَوْجِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا أَلْفَيْ حَسَنَةٍ، وَغَفَرَ لَهَا أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَاسْتَغْفَرَ لَهَا كُلُّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَرَفَعَ لَهَا أَلْفَيْ دَرَجَةٍ» .
وَقَالَتْ عائشة: " صَرِيرُ مِغْزَلِ الْمَرْأَةِ يَعْدِلُ التَّكْبِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ كَسَتْ زَوْجَهَا مِنْ غَزْلِهَا كَانَ لَهَا بِكُلِّ سُدًى مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ. قَالَ أبو قتادة ﵁: صَرِيرُ مِغْزَلِ الْمَرْأَةِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللَّهِ سَوَاءٌ، وَقَالَ ﵇: «مَنِ اشْتَرَى لِعِيَالِهِ شَيْئًا ثُمَّ حَمَلَهُ بِيَدِهِ إِلَيْهِمْ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ ذَنْبَ سَبْعِينَ سَنَةً ".
» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَنْ فَرَّحَ أُنْثَى فَكَأَنَّمَا بَكَى مِنْ
стр. 516
خَشْيَةِ اللَّهِ، وَمَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ بَدَنَهُ عَلَى النَّارِ» .
وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ النُّورَيْنِ فِي إِصْلَاحِ الدَّارَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «الْبَيْتُ الَّذِي فِيهِ الْبَنَاتُ يُنْزِلُ اللَّهُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَحْمَةً مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا تَنْقَطِعُ زِيَارَةُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ، يَكْتُبُونَ لِأَبَوَيْهِمَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِبَادَةَ سَنَةٍ» .
وَعَنْ حذيفة أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «أَطْعَمَنِي جِبْرِيلُ الْهَرِيسَةَ أَشُدُّ بِهَا ظَهْرِي لِقِيَامِ اللَّيْلِ، أَوَّلُ مَنْ حَرَثَ آدَمُ ﵇ أَدْرَكَهُ التَّعَبُ آخِرَ النَّهَارِ فَقَالَ لحواء: ازْرَعِي مَا بَقِيَ فَصَارَ زَرْعُهَا شَعِيرًا، فَتَعَجَّبَتْ مِنْ ذَلِكَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى آدَمَ لَمَّا أَطَاعَتِ الْعَدُوَّ الْمُشِيرَ أَبْدَلْنَا الْقَمْحَ بِالشَّعِيرِ.
» وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «نِعْمَ الطَّعَامُ الزَّبِيبُ يَشُدُّ الْعَصَبَ وَيُذْهِبُ الْوَصَبَ، وَيُطْفِئُ الْغَضَبَ، وَيَذْهَبُ بِالْبَلْغَمِ، وَيُصَفِّي اللَّوْنَ، وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ - يَعْنِي رَائِحَةَ الْفَمِ.»
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا لِلنُّفَسَاءِ عِنْدِي شِفَاءٌ مِثْلُ الرُّطَبِ، وَلَا لِلْمَرِيضِ مِثْلُ الْعَسَلِ» . وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «أَطْعِمُوا نِسَاءَكُمْ فِي نِفَاسِهِنَّ التَّمْرَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ طَعَامُهَا فِي نِفَاسِهَا التَّمْرَ خَرَجَ وَلَدُهَا حَلِيمًا» .
وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «أَطْعِمُوا حَبَالَاكُمُ اللِّبَانَ - يَعْنِي بِذَلِكَ حَصَى لِبَانِ الذَّكَرِ - فَإِنْ يَكُنْ فِي بَطْنِهَا ذَكَرٌ يَكُنْ ذَكِيَّ الْقَلْبِ» .
وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِأَكْلِ الْبَلَسِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ عُرُوقَ الْجُذَامِ أَلَا وَهُوَ التِّينُ ".»
وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «كُلُوا السَّفَرْجَلَ فَإِنَّهُ يَجْلُو عَنِ الْفُؤَادِ وَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا وَأَطْعَمَهُ مِنْ سَفَرْجَلِ الْجَنَّةِ، فَيَزِيدُ فِي قُوَّتِهِ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا ".
» وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَأَلَ النَّبِيُّ ﵇ إِبْلِيسَ عَنْ ضَجِيعِهِ فَقَالَ: السَّكْرَانُ، وَعَنْ جَلِيسِهِ قَالَ: النَّاسِي يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَعَنْ ضَيْفِهِ فَقَالَ: السَّارِقُ، وَعَنْ أَنِيسِهِ فَقَالَ: الشَّاعِرُ، وَعَنْ رَسُولِهِ فَقَالَ: الْكَاهِنُ، وَالسَّاحِرُ، وَعَنْ قُرَّةِ عَيْنِهِ فَقَالَ: الَّذِي يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، وَعَنْ حَبِيبِهِ قَالَ: تَارِكُ الصَّلَاةِ، وَعَنْ أَعَزِّ النَّاسِ قَالَ: مَنْ سَبَّ أبا بكر وعمر ".»
وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الرَّافِضَةِ قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: يَا أبا الحسن كَيْفَ سَبَقَكَ أبو بكر بِالْخِلَافَةِ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي كُنْتُ اشْتَغَلْتُ بِتَجْهِيزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَفْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ حَضَرْتَ مُبَايَعَةَ أبي بكر؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ بَايَعَهُ أَوَّلًا؟ قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَعَهُ عُكَّازٌ أَخْضَرُ، فَقَالَ علي ﵁: ذَاكَ إِبْلِيسُ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ «أَوَّلَ مَنْ يُبَايِعُ أبا بكر إِبْلِيسُ» .
لَطِيفَةٌ: رَأَيْتُ فِي شَوَارِدِ الْمُلَحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ، وَالْعَرُوسُ تُجَلَّى تَارَةً بِتَاجٍ، وَتَارَةً بِعِمَامَةٍ، وَتَارَةً بِمِنْطَقَةٍ، وَتَارَةً بِسَيْفٍ، فَتَاجُهُ أبو بكر، وَعِمَامَتُهُ عمر، وَمِنْطَقَتُهُ
стр. 517
عثمان، وَسَيْفُهُ علي.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ وَأَدْخَلَ الرُّوحَ فِي جَسَدِهِ، أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ تُفَّاحَةً مِنَ الْجَنَّةِ فَأَعْصِرُهَا فِي حَلْقِهِ فَعَصَرْتُهَا، فَخَلَقَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْقَطْرَةِ الْأُولَى، وَمِنَ الثَّانِيَةِ أبا بكر، وَمِنَ الثَّالِثَةِ عمر، وَمِنَ الرَّابِعَةِ عثمان، وَمِنَ الْخَامِسَةِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْرَمْتَهُمْ؟ فَقَالَ تَعَالَى: هَؤُلَاءِ خَمْسَةُ أَشْيَاخٍ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، وَهَؤُلَاءِ أَكْرَمُ عِنْدِي مِنْ جَمِيعِ خَلْقِي فَلَمَّا عَصَى آدَمُ قَالَ: يَا رَبِّ بِحُرْمَةِ أُولَئِكَ الْأَشْيَاخِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ فَضَّلْتَهُمْ إِلَّا تُبْتَ عَلَيَّ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
» وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: " «أَوَّلُ مَنْ جَزِعَ مِنَ الشَّيْبِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ رَآهُ فِي عَارِضِهِ فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الشَّوْهَةُ الَّتِي شَوَّهَتْ بِخَلِيلِكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ هَذَا سِرْبَالُ الْوَقَارِ وَنُورُ الْإِسْلَامِ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا أَلْبَسْتُهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِي يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي إِلَّا اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ أَنْصِبَ لَهُ مِيزَانًا، أَوْ أَنْشُرَ لَهُ دِيوَانًا، أَوْ أُعَذِّبَهُ بِالنَّارِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا، فَأَصْبَحَ رَأْسُهُ مِثْلَ الْغَمَامَةِ الْبَيْضَاءِ» .
وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «اخْتَضِبُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَسْتَبْشِرُونَ بِخِضَابِ الْمُؤْمِنِ» .
وَقَالَ أبو طيبة ﵁: نَفَقَةُ دِرْهَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَنَفَقَةُ دِرْهَمٍ فِي خِضَابِ اللِّحْيَةِ بِسَبْعَةِ آلَافٍ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ وَهُوَ مُخْتَضِبٌ بِالْحِنَّاءِ أَتَاهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ مُنْكَرٌ لِنَكِيرٍ: ارْفُقْ بِالْمُؤْمِنِ أَمَا تَرَى نُورَ الْإِيمَانِ.» وَقَالَ أَنَسٌ: «دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ وَهُوَ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَقَالَ: أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَاخْتَضِبْ» . فَائِدَةٌ: قَالَ ابن كعب: قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «مَنْ سَرَّحَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ عُوفِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ وَزِيدَ فِي عُمْرِهِ ".
» وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «مَنْ أَمَرَّ الْمُشْطَ عَلَى حَاجِبِهِ عُوفِيَ مِنَ الْوَبَاءِ» .
وَقَالَ علي ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْمُشْطِ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الْفَقْرَ، وَمَنْ سَرَّحَ لِحْيَتَهُ حَتَّى يُصْبِحَ كَانَ لَهُ أَمَانًا حَتَّى يُمْسِيَ ; لِأَنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنُ الرِّجَالِ وَجَمَالُ الْوَجْهِ» .
فَائِدَةٌ: قَالَ وهب ﵁: مَنْ سَرَّحَ لِحْيَتَهُ بِلَا مَاءٍ زَادَ هَمُّهُ أَوْ بِمَاءٍ نَقَصَ هَمُّهُ، وَمَنْ سَرَّحَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ زَادَهُ اللَّهُ نَشَاطًا، أَوِ الِاثْنَيْنِ قَضَى حَاجَتَهُ، أَوِ الثُّلَاثَاءِ زَادَهُ اللَّهُ رَخَاءً، أَوِ الْأَرْبِعَاءِ زَادَهُ اللَّهُ نِعْمَةً، أَوِ الْخَمِيسِ زَادَ اللَّهُ فِي حَسَنَاتِهِ، أَوِ الْجُمُعَةِ زَادَهُ اللَّهُ سُرُورًا، أَوِ السَّبْتِ طَهَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ. وَمَنْ سَرَّحَهَا قَائِمًا رَكِبَهُ الدَّيْنُ أَوْ قَاعِدًا
стр. 518
ذَهَبَ عَنْهُ الدَّيْنُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ فَمَا يُجْزَى إِلَّا عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ ".
» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﵇ قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ آلَةٌ وَآلَةُ الْمُؤْمِنِ الْعَقْلُ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ دِعَامَةٌ، وَدِعَامَةُ الْمُؤْمِنِ الْعَقْلُ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ غَايَةٌ، وَغَايَةُ الْعُبَّادِ الْعَقْلُ، وَلِكُلِّ صِنْفٍ رَاعٍ وَرَاعِي الْعَابِدِينَ الْعَقْلُ، وَلِكُلِّ تَاجِرٍ بِضَاعَةٌ، وَبِضَاعَةُ الْمُجْتَهِدِينَ الْعَقْلُ، وَلِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ قَيِّمٌ وَقَيِّمُ بُيُوتِ الصِّدِّيقِينَ الْعَقْلُ، وَلِكُلِّ خَرَابٍ عِمَارَةٌ، وَعِمَارَةُ الْآخِرَةِ الْعَقْلُ» .
وَرَأَيْتُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَالَ: «نَهَانَا ﵇ أَنْ يُمَشِّطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَتْ عائشة: مَنْ أَكَلَ الْيَقْطِينَ بِالْعَدَسِ رَقَّ قَلْبُهُ.
وَعَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﵇ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَدِينَةً تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ مِسْكٍ أَذْفَرَ عَلَى بَابِهَا مَلَكٌ يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ أَلَا مَنْ زَارَ عَالِمًا فَقَدْ زَارَ الرَّبَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» .
وَعَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عُتَقَاءِ اللَّهِ مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إِلَى بَابِ عَالِمٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبَادَةَ سَنَةٍ، وَيُبْنَى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَيَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ ".
» وَعَنْهُ ﵇: «مَنْ خَاضَ فِي الْعِلْمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ سَبْعِينَ أَلْفَ رَقَبَةٍ، وَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَكَأَنَّمَا حَجَّ أَرْبَعِينَ أَلْفَ حَجَّةٍ، وَهُوَ فِي رِضْوَانِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ ".
» وَقَالَ ﵇: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ مَلِكَاهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي طَلَبِهِ مَاتَ شَهِيدًا، وَكَانَ قَبْرُهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَيُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَيُنَوِّرُ عَلَى جِيرَانِهِ أَرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَسَارِهِ، وَأَرْبَعِينَ مِنْ خَلْفِهِ، وَأَرْبَعِينَ أَمَامَهُ» .
حِكَايَةٌ: «قَالَ أبو جهل: يَا مُحَمَّدُ إِنْ أَخْرَجْتَ لَنَا طَاوُوسًا مِنْ صَخْرَةٍ فِي دَارِي آمَنْتُ بِكَ، فَدَعَا رَبَّهُ فَصَارَتِ الصَّخْرَةُ تَئِنُّ أَنِينَ الْمَرْأَةِ الْحُبْلَى ثُمَّ انْشَقَّتْ عَنْ طَاوُوسٍ صَدْرُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرَأْسُهُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَجَنَاحَاهُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَرِجْلَاهُ مِنْ جَوْهَرٍ، فَلَمَّا رَآهُ أبو جهل أَعْرَضَ عَنِ الْإِيمَانِ» .
وَرَأَيْتُ فِي الزَّهْرِ الْفَائِحِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ جَالِسًا فِي أَصْحَابِهِ، فَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ دُونَ شَهْرَيْنِ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنْهُ عَبَسَتْ فِي وَجْهِهِ فَانْتَفَضَ الطِّفْلُ وَتَرَكَ ثَدْيَهَا، وَقَالَ: يَا ظَالِمَةً نَفْسَهَا تَعْبَسِي فِي وَجْهِ
стр. 519
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَنْ أَخْبَرَكَ أَنِّي أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ بِذَلِكَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: صَدَقَ الْغُلَامُ ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْ خُدَّامِكَ فِي الْجَنَّةِ، فَدَعَا لَهُ فَمَاتَ فِي الْحَالِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَاأَسَفَاهْ عَلَى مَا فَاتَنِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَبْشِرِي فَقَدْ هَدَمَ الْغُلَامُ عَنْكِ مَا فَعَلْتِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى كَفَنِكِ وَحَنُوطِكِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْهَوَاءِ فَمَاتَتْ أَيْضًا فِي الْحَالِ فَصَلَّى عَلَيْهِمَا النَّبِيُّ ﷺ » .
حِكَايَةٌ: فِي رَوْضِ الْأَفْكَارِ: أَنَّ «امْرَأَةً خَرَجَتْ تَسْمَعُ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَآهَا شَابٌّ فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَتْ: أَسْمَعُ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَتُحِبِّينَهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِحَقِّهِ ارْفَعِي نِقَابَكِ حَتَّى أَنْظُرَ وَجْهَكِ، فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِذَلِكَ، فَأَوْقَدَ تَنُّورًا ثُمَّ قَالَ: بِحَقِّهِ عَلَيْكِ ادْخُلِي التَّنُّورَ، فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا فِيهِ، ثُمَّ ذَهَبَ وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ارْجِعْ وَاكْشِفْ عَنْهَا، فَكَشَفَ فَرَآهَا سَالِمَةً وَقَدْ جَلَّلَهَا الْعَرَقُ» ، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي خَيْبَرَ فَطَلَعَتْ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ، وَقَالَ ﵇: " «مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالْوَلَايَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ أَمَانٌ مِنَ الْعَذَابِ» ".
رَأَيْتُ فِي الْقَوْلِ الْبَدِيعِ عَنْ علي عَنْهُ ﵇، قَالَ: «مَنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَغَزَا بَعْدَهَا غَزَاةً كُتِبَتْ غَزَاتُهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ حَجَّةٍ فَانْكَسَرَتْ قُلُوبُ قَوْمٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مَا صَلَّى عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا كَتَبْتُ صَلَاتَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ غَزَاةٍ كُلُّ غَزَاةٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ حَجَّةٍ» ، وَقَالَ علي: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً ثَمَرُهَا أَكْبَرُ مِنَ التُّفَّاحِ، وَأَصْغَرُ مِنَ الرُّمَّانِ، أَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَأَغْصَانُهَا مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ، وَجُذُوعُهَا مِنَ الذَّهَبِ، وَوَرَقُهَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا إِلَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
«وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ أَنَّهُ أَحْدَقَ النَّظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: لَمَّا رَفَعَتْكَ حليمة وَأَنْتَ ابْنُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا رَأَيْتُكَ تُخَاطِبُ الْقَمَرَ وَيُخَاطِبُكَ بِلُغَةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، قَالَ: يَا عَمِّ قَرَصَنِي الْقِمَاطُ فِي جَانِبِي الْأَيْمَنِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَبْكِيَ فَقَالَ الْقَمَرُ: لَا تَبْكِ وَلَوْ قَطَرَ مِنْ دُمُوعِكَ قَطْرَةٌ عَلَى الْأَرْضِ قَلَبَ اللَّهُ الْخَضْرَاءَ عَلَى الْغَبْرَاءِ فَصَفَّقَ العباس فَقَالَ: أَزِيدُكَ يَا عَمِّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ثُمَّ قَرَصَنِي
стр. 520
الْقِمَاطُ فِي جَانِبِي الْأَيْسَرِ فَهَمَمْتُ أَنْ أَبْكِيَ فَقَالَ الْقَمَرُ: لَا تَبْكِ يَا حَبِيبَ اللَّهِ فَإِنْ وَقَعَ مِنْ دُمُوعِكَ قَطْرَةٌ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ تَنْشَقَّ عَنْ خَضْرَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَسَكَتَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِي، فَصَفَّقَ العباس وَقَالَ: أَكُنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ وَأَنْتَ ابْنُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا؟ فَقَالَ: يَا عَمِّ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ صَرِيرَ الْقَلَمِ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَأَنَا فِي ظُلْمَةِ الْأَحْشَاءِ، أَفَأَزِيدُكَ يَا عَمِّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ أَلْفِ نَبِيٍّ وَأَرْبَعًا وَعِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ مَا مِنْهُمْ مِنْ نَبِيٍّ عَلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَتَّى بَلَغَ أَشُدَّهُ - وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً - إِلَّا عِيسَى فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ مِنْ جَوْفِ أُمِّهِ قَالَ: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَابْنَ أَخِيكَ، أَفَأَزِيدُكَ يَا عَمِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَمَّا وُلِدْتُ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى سَبْعَةَ جِبَالٍ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَلَأَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَيُقَدِّسُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ ثَوَابَ تَسْبِيحِهِمْ وَتَقْدِيسِهِمْ لِعَبْدٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَزْعَجَ أَعْضَاءَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ» - ذَكَرُهُ فِي شَوَارِدِ الْمُلَحِ - وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَجَهَرَ بِهَا شَهِدَ لَهُ كُلُّ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ» ".
وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابًا مِنَ الْعَافِيَةِ» ".
وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ فَإِنَّهَا تَحُلُّ الْعُقَدَ وَتُفَرِّجُ الْكُرَبَ» ".
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَاعِدًا غُفِرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا غُفِرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ» ".
وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «مَنْ شَمَّ الْوَرْدَ الْأَحْمَرَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَقَدْ جَفَانِي» ". وَعَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﵇ قَالَ: " «خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَرْدَ الْأَحْمَرَ مِنْ بَهَائِهِ، وَجَعَلَهُ رِيحًا لِأَنْبِيَائِهِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَهَاءِ اللَّهِ وَيَشُمَّ رَائِحَةَ الْأَنْبِيَاءِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْوَرْدِ الْأَحْمَرِ» ". وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشُمَّ رَائِحَتِي فَلْيَشُمَّ الْوَرْدَ الْأَحْمَرَ» ".
لَطِيفَةٌ: يُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَكْلِ الرُّزِّ ; لِأَنَّهُ كَانَ جَوْهَرًا أُودِعَ فِيهِ نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَّا خَرَجَ النُّورُ مِنْهُ تَفَتَّتَ وَصَارَ حَبًّا.
وَعَنْ علي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «كُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ فِيهِ دَاءٌ وَشِفَاءٌ، إِلَّا الْأَرُزَّ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لَا دَاءَ فِيهِ» ".
لَطِيفَةٌ: قَالَ مُؤَلِّفُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: سَمِعْتُ وَالِدِي ﵀ يَقُولُ لِبَعْضِ الْفُقَرَاءِ تَعَالَ كُلْ مِنْ هَذَا الْعَدَسِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: أَطْعِمُونِي مِنَ الرُّزِّ الْمَيْشُومِ. رَأَيْتُ فِي مَنَازِلِ الْأَنْوَارِ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا خَيَّرَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ:
стр. 521
" «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ قُبَّةً فِي الْجَنَّةِ عَرْضُهَا ثَلَثُمِائَةِ عَامٍ قَدْ حَفَّتْهَا رِيَاحُ الْكَرَامَةِ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ أَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ» ".
فَائِدَةٌ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ يَا رَبَّ مُحَمَّدٍ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْزِ مُحَمَّدًا ﷺ مَا هُوَ أَهْلُهُ أَتْعَبَ سَبْعِينَ كَاتِبًا أَلْفَ صَبَاحٍ وَلَمْ يَبْقَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ أَدَّاهُ وَغُفِرَ لِوَالِدَيْهِ وَحُشِرَ مَعَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» ".
فَائِدَةٌ: رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ كَانَ لَهُ ذُو بَطْنٍ فَأَجْمَعَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا رَزَقَهُ اللَّهُ غُلَامًا» ". وَقَالَتْ جليلة بنت عبد الجليل: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ لَا يَعِيشُ لِي وَلَدٌ فَقَالَ: اجْعَلِي لِلَّهِ عَلَيْكِ أَنْ تُسَمِّيهِ مُحَمَّدًا فَفَعَلَتْ فَعَاشَ وَلَدُهَا» . وَرَأَيْتُ فِي الْمَوْرِدِ الْعَذْبِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: " «مَنْ صَبَّحَ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فِي الدُّنْيَا صَبَّحَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَا» ". وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «لَوْ يَعْلَمُ الْأَمِيرُ مَا فِي ذِكْرِ اللَّهِ لَتَرَكَ إِمَارَتَهُ، وَلَوْ يَعْلَمُ التَّاجِرُ مَا فِي ذِكْرِ اللَّهِ لَتَرَكَ تِجَارَتَهُ، وَلَوْ أَنَّ ثَوَابَ تَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ قُسِّمَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَصَابَ كُلَّ وَاحِدٍ عَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا» ".
وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ أَلْفُ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ طَلْعُهَا - أَيْ ثَمَرُهَا - كَثَدْيِ الْأَبْكَارِ أَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وَأَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ، كُلَّمَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَادَ كَمَا كَانَ» ". وَعَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ خَلَقَ اللَّهُ مَلَكًا لَهُ عَيْنَانِ وَجَنَاحَانِ وَشَفَتَانِ وَلِسَانٌ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَيَسْتَغْفِرُ لِقَائِلِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ".
فَائِدَةٌ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «أَكْثِرُوا مِنَ الْحَمْدِ لِلَّهِ فَإِنَّ لَهَا عَيْنَيْنِ وَجَنَاحَيْنِ تَطِيرُ بِهِمَا وَتَسْتَغْفِرُ لِقَائِلِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ".
مَوْعِظَةٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً ضَرَبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ» ".
فَائِدَةٌ: عَنْهُ ﵇: " «خَلَقَ اللَّهُ نُورًا قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِأَلْفِ عَامٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ مِسْكًا، فَكَتَبَ بِهِ سُورَةَ يس، وَخَلَقَ لَهَا خَمْسِينَ أَلْفَ جَنَاحٍ فَلَمْ تَمُرَّ فِي سَمَاءٍ إِلَّا خَضَعَتْ لَهَا سُكَّانُهَا وَسَجَدُوا لَهَا، فَمَنْ تَعَلَّمَ يس وَعَرَفَ حَقَّهَا كَانَ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا» "، وَقَوْلُهُ: " خَلَقَ لَهَا أَيْ لِثَوَابِهَا "، وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «يس تُدْعَى فِي التَّوْرَاةِ الْمُعِمَّةَ قِيلَ: وَمَا الْمُعِمَّةُ؟ قَالَ: تَعُمُّ صَاحِبَهَا بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتُكَابِدُ عَنْهُ بَلْوَى الدُّنْيَا وَأَهَاوِيلَ الْآخِرَةِ» ".
стр. 522
وَفِي الْخَبَرِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى عِشْرِينَ أَلْفَ نَهْرٍ، وَقَالَ لِلْقَلَمِ: اكْتُبْ فَضْلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، وَفِي كِتَابِ الْبَرَكَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: " «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا حُبًّا لِي وَتَبَرُّكًا كَانَ هُوَ وَمَوْلُودُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَا قَعَدَ قَوْمٌ عَلَى طَعَامٍ حَلَالٍ فِيهِمْ رَجُلٌ اسْمُهُ اسْمِي إِلَّا تَضَاعَفَتْ فِيهِمُ الْبَرَكَةُ» ، وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «زَوَّجَنِي عائشة رَبِّي فِي السَّمَاءِ، وَأَشْهَدَ عَقْدَهَا الْمَلَائِكَةَ، وَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ وَرِيحُهَا رِيحُ الْمِسْكِ» ".
رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْمَجَامِيعِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: " «يَا جِبْرِيلُ هَلْ كُنْتَ تَعْلَمُ بَرَاءَةَ عائشة؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ لَمْ تُخْبِرْنِي؟ قَالَ: أَرَدْتُ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ لَا تَفْعَلِ الشِّدَّةُ مِنِّي، وَالْفَرَجُ مِنِّي» ".
وَعَنْهُ ﵇: " «مَا صَبَّ اللَّهُ فِي صَدْرِي شَيْئًا إِلَّا صَبَبْتُهُ فِي صَدْرِ أبي بكر» ".
وَعَنْ حذيفة قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: أَيْنَ أبو بكر؟ قَالَ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَلَحِقْتَ مَعِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى؟ قَالَ: كُنْتُ مَعَكَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَوَسْوَسَ لِي شَيْءٌ فِي الطَّهَارَةِ، فَخَرَجْتُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ يَا أبا بكر فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا بِقَدَحٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَاءٌ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ مِنَ الشَّهْدِ - بِفَتْحِ الشِّينِ عَلَى الْأَفْصَحِ - وَعَلَيْهِ مِنْدِيلٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَتَوَضَّأْتُ ثُمَّ وَضَعْتُ الْمِنْدِيلَ مَكَانَهُ فَقَالَ: يَا أبا بكر لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْقِرَاءَةِ أُخِذَتْ رُكْبَتِي فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ حَتَّى جِئْتَ وَإِنَّ الَّذِي وَضَّأَكَ جِبْرِيلُ، وَالَّذِي مَنْدَلَكَ مِيكَائِيلُ، وَالَّذِي أَخَذَ بِرُكْبَتِي إِسْرَافِيلُ» ".
لَطِيفَةٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «يَا علي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُقَدِّمَكَ فَأَبَى إِلَّا أبا بكر» .
حِكَايَةٌ: قَالَ حذيفة: «صَنَعَ النَّبِيُّ ﵇ طَعَامًا وَدَعَا أَصْحَابَهُ فَأَطْعَمَهُمْ لُقْمَّةً لُقْمَّةً وَقَالَ: سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ، وَأَطْعَمَ أبا بكر ثَلَاثَ لُقَمٍ فَسَأَلَهُ العباس عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَمَّا أَطْعَمْتُهُ أَوَّلَ لُقْمَةٍ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَنِيئًا لَكَ يَا عَتِيقُ، فَلَمَّا لَقَمْتُهُ الثَّانِيَةَ قَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ: هَنِيئًا لَكَ يَا رَفِيقُ، فَلَمَّا لَقَمْتُهُ الثَّالِثَةِ قَالَ لَهُ رَبُّ الْعِزَّةِ: هَنِيئًا لَكَ يَا صِدِّيقُ» .
وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﵇: " «أَوَّلُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ الْحَقُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ فَيَنْطَلِقُ إِلَى الْجَنَّةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» ، «وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ إِذَا قَطَرَتْ قَطْرَةٌ - يَعْنِي مِنَ السَّمَاءِ - يَقُولُ: رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ ذَهَبَ السُّخْطُ وَنَزَلَتِ الرَّحْمَةُ» ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «إِذَا تَقَرَّبَ النَّاسُ إِلَى خَالِقِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ فَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْعَقْلِ» . وَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي
стр. 523
فَأُعْطِيتُ سَفَرْجَلَةً فَانْفَلَقَتْ عَنْ حَوْرَاءَ فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: إِنَّ عَلَى هَذَا النَّهْرِ سَبْعِينَ أَلْفَ شَجَرَةٍ كُلُّ شَجَرَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ غُصْنٍ، عَلَى كُلِّ غُصْنٍ سَبْعُونَ أَلْفَ وَرَقَةٍ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ حَوْرَاءُ مِثْلِي خَلَقَهُنَّ اللَّهُ لِمُحِبِّي أبي بكر، وعمر» ".
لَطِيفَةٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: " «رَأَيْتُ حمزة وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَنَامِ، وَكَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا طَبَقٌ فِيهِ نَبْقٌ كَالزَّبَرْجَدِ فَأَكَلَا مِنْهُ ثُمَّ صَارَ عِنَبًا، فَأَكَلَا مِنْهُ ثُمَّ صَارَ رُطَبًا فَأَكَلَا مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُمَا: مَا وَجَدْتُمَا أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ؟ قَالَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قُلْتُ: ثُمَّ مَاهْ؟ قَالَا: الصَّلَاةُ عَلَيْكَ، قُلْتُ: ثُمَّ مَاهْ؟ قَالَا: حُبُّ أبي بكر وعمر» ".
«وَمَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مَجْنُونٌ فَقَالَ: الْمَجْنُونُ الْمُقِيمُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَكِنْ قُولُوا مُصَابٌ» . وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «تَهُبُّ عَلَى النَّارِ رِيحٌ فَيَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا رِيحًا أَنْتَنَ مِنْ هَذِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ رِيحُ مَنْ يَسُبُّ أبا بكر وعمر» ". وَكَانَ عمر ﵁ إِذَا ذَكَرَ الْكُوفَةَ قَالَ: كَنْزُ الْإِيمَانِ، وَرُمْحُ اللَّهِ الْأَطْوَلُ.
لَطِيفَةٌ: «عَطَسَ النَّبِيُّ ﵇ بِحَضْرَةِ يَهُودِيٍّ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَقَالَ: يَهْدِيكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَنَاوَلَنِي جِبْرِيلُ تُفَّاحَةً فَانْفَلَقَتْ عَنْ حَوْرَاءَ عَيْنَاءَ مَرْضِيَّةٍ كَأَنَّ مَقَادِمِ عَيْنِهَا أَجْنِحَةُ النُّسُورِ فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: لِلْخَلِيفَةِ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ» ".
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇: " «لَمَّا أُسْرِيَ بِي مَرَرْتُ بِمَلِكٍ جَالِسٍ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ نُورٍ إِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْمَشْرِقِ وَالْأُخْرَى فِي الْمَغْرِبِ وَالدُّنْيَا كُلُّهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ لَوْحٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عِزْرَائِيلُ تَقَدَّمْ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ " فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَحْمَدُ مَا فَعَلَ ابْنُ عَمِّكَ علي؟ قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُ ابْنَ عَمِّي عليا؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَا أَعْرِفُهُ وَقَدْ وَكَلَنِي رَبِّي بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْخَلَائِقِ مَا خَلَا رُوحَكَ وَرُوحَ ابْنِ عَمِّكَ» .
وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵇ يَقُولُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: " «أَنْتَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، وَأَنْتَ الْفَارُوقُ الَّذِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ» ". وَقَالَ علي: " قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «يَا علي إِنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ بَعْدِي فَتَدْخُلُهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ» ". وَقَالَ لِي ﵇: " «مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّكَ بَعْدَ مَوْتِكَ خُتِمَ لَهُ بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ» ". وَقَالَ أَنَسٌ: خَرَجْتُ مَعَ بلال، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى السُّوقِ فَاشْتَرَى بِطِّيخًا وَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِهِ فَكَسَرَ وَاحِدَةً فَوَجَدَهَا مُرَّةً فَأَمَرَ بلالا بِرَدِّ الْبِطِّيخِ إِلَى صَاحِبِهِ، فَلَمَّا رَدَّهُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يَا أبا الحسن إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ حُبَّكَ عَلَى الْبَشَرِ وَالشَّجَرِ فَمَنْ أَجَابَ إِلَى حُبِّكَ عَذُبَ وَطَابَ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ إِلَى حُبِّكَ خَبُثَ وَمَرَّ وَأَظُنُّ هَذَا الْبِطِّيخَ
стр. 524
مِمَّنْ لَا يُحِبُّنِي» ، وَفِي حَاوِي الْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ وَغَيْرِهِ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِلَادٌ لَهَا بِطِّيخٌ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ خَارُوفُ غَنَمٍ يَعِيشُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ".
فَائِدَةٌ: عَنْهُ ﵇: " «مَنْ أَحَبَّ عليا بِقَلْبِهِ فَلَهُ ثَوَابُ ثُلُثِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ أَحَبَّهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ فَلَهُ ثَوَابُ ثُلُثَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ أَحَبَّهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَلَهُ ثَوَابُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّقِيَّ كُلَّ الشَّقِيِّ مَنْ أَبْغَضَ عليا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي، أَلَا وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ السَّعِيدَ كُلَّ السَّعِيدِ مَنْ أَحَبَّ عليا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي» ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْكُلُ الذُّنُوبَ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَلَوِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى حُبِّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ.
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا مَعْصِيَةٌ، وَبُغْضُهُ مَعْصِيَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ، وَعَنْهُ ﵇: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْقَضِيبِ الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ الَّذِي غَرَسَهُ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ فَلْيَتَمَسَّكْ بِحُبِّ علي» "، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «لَوْ وُضِعَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي كِفَّةٍ، وَوَزْنُ إِيمَانِ علي فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ إِيمَانُ علي» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا بِطَائِرٍ فِي فَمِهِ لَوْزَةٌ خَضْرَاءُ فَأَلْقَاهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَوُجِدَ فِيهَا دُودَةٌ خَضْرَاءُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالْأَصْفَرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ نُصْرَتُهُ بعلي» .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لعلي: «إِنَّكَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَقَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ» . وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: «مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَلِيٌّ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ بِأَلْفَيْ عَامٍ» .
فَائِدَةٌ: رَأَيْتُ فِي الزَّهْرِ الْفَاتِحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لعلي: " «تَخَتَّمْ بِالْعَقِيقِ الْأَحْمَرِ فَإِنَّهُ جَبَلٌ أَقَرَّ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِي بِالنُّبُوَّةِ، وَلَكَ بِالْوَصِيَّةِ وَلِأَوْلَادِي بِالْإِمَامَةِ، وَلِمُحِبِّيكَ بِالْجَنَّةِ» ".
وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «عَلَيْكُمْ بِالْخِضَابِ فَإِنَّهُ أَهْيَبُ لِعَدُوِّكُمْ وَأَعْجَبُ إِلَى نِسَائِكُمْ» ". وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «عَلَيْكُمْ بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابُ الْإِسْلَامِ وَيُصَفِّي الْبَصَرَ وَيُذْهِبُ الصُّدَاعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالسَّوَادَ» ". وَعَنْهُ ﵇ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ بَيْضَاءَ، وَإِنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى اللَّهِ الْبِيضُ» ". وَقَالَ النسفي: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ إِنِّي آخَيْتُ بَيْنَكُمَا وَجَعَلْتُ عُمْرَ أَحَدِكُمَا أَطْوَلَ مِنَ الْآخَرِ فَأَيُّكُمَا يُؤْثِرُ صَاحِبَهُ، فَاخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَيَاةَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا أَفَلَا كُنْتُمَا كعلي بن أبي طالب آخَيْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 525
مُحَمَّدٍ ﷺ فَبَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ يُؤْثِرُ بِنَفْسِهِ اهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ وَاحْفَظَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ، فَكَانَ مِيكَائِيلُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَجِبْرِيلُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَنْ مِثْلُكَ يَا ابن أبي طالب يُبَاهِي اللَّهُ بِكَ الْمَلَائِكَةَ؟ وَقَالَ الحسن: حَيَّا النَّبِيَّ ﷺ بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَرَدَّا، وَقَالَ: سَيِّدُ رَيَاحِينِ الْجَنَّةِ سِوَى الْآسِ. وَقَالَ طَاوُوسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١] هُوَ أبو بكر ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] عمر ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] عثمان ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَفِي حَدِيثٍ: «أَنَا مَدِينَةُ [الْعِلْمِ] وعلي بَابُهَا» .
فَائِدَةٌ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ بِطَبَقِ تُفَّاحٍ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِ مَنْ تُحِبُّ، وَكَانَ الطَّبَقُ مَسْتُورًا فَأَدْخَلَ يَدَهُ وَأَخَذَ تُفَّاحَةً عَلَى جَانِبِهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ: مَنْ أَبْغَضَ الصِّدِّيقَ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى عَلَى جَانِبِهَا الْبَسْمَلَةُ هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى الْآخَرِ مَنْ أَبْغَضَ عمر فَهُوَ فِي سَقَرَ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى عَلَى جَانِبِهَا الْبَسْمَلَةُ هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلَى الْآخَرِ مَنْ أَبْغَضَ عثمان فَخَصْمُهُ الرَّحْمَنُ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى عَلَى جَانِبِهَا الْبَسْمَلَةُ هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ الْغَالِبِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مَنْ أَبْغَضَ عليا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ وَلِيًّا، فَحَمِدَ اللَّهَ مُحَمَّدٌ ﷺ » .
قَالَ النسفي وَغَيْرُهُ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَنَّةَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَرَأَى قَصْرَ خديجة، أَخَذَ جِبْرِيلُ تُفَّاحَةً مِنْ شَجَرَةٍ مِنَ الْقَصْرِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ كُلْ [مِنْ] هَذِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ مِنْهَا بِنْتًا تَحْمِلُ بِهَا خديجة فَفَعَلَ فَلَمَّا حَمَلَتْ خديجة بِهَا وَجَدَتْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا انْتَقَلَتِ الرَّائِحَةُ إِلَيْهَا، «فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ قَبَّلَ فاطمة، فَلَمَّا كَبِرَتْ قَالَ: يَا تُرَى هَذِهِ الْحُورِيَّةُ لِمَنْ؟ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: الْيَوْمَ كَانَ عَقْدُ فاطمة فِي مَوْطِنِهَا فِي قَصْرِ أُمِّهَا فِي الْجَنَّةِ الْخَاطِبُ إِسْرَافِيلُ وَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ الشَّهِيدُ وَالْوَلِيُّ رَبُّ الْعِزَّةِ وَالزَّوْجُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» .
وَقَالَ أَنَسٌ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَذَا جِبْرِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَوَّجَكَ فاطمة وَأَشْهَدَ عَلَى تَزْوِيجِهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَأَوْحَى إِلَى شَجَرَةِ طُوبَى أَنِ انْثُرِي عَلَيْهِمُ الدُّرَّ وَالْيَاقُوتَ فَنَثَرَتْ عَلَيْهِمْ فَابْتَدَرَ الْحُورُ الْعِينِ يَلْتَقِطْنَ فِي أَطْبَاقٍ الدُّرَّ وَالْيَاقُوتَ وَالْحَلَّ وَالْحُلَلَ فَهُمْ يَتَهَادُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «أَبْشِرْ يَا أبا الحسن فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَوَّجَكَ فِي السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ
стр. 526
أُزَوِّجَكَ فِي الْأَرْضِ، وَلَقَدْ هَبَطَ عَلَيَّ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي لَمْ أَرَ قَبْلَهُ فِي الْمَلَائِكَةِ مِثْلَهُ بِوُجُوهٍ شَتَّى وَأَجْنِحَةٍ شَتَّى فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ أَبْشِرْ بِاجْتِمَاعِ الشَّمْلِ وَطَهَارَةِ النَّسْلِ، فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنَا الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِإِحْدَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَأْذَنَ لِي بِبِشَارَتِكَ، وَهَذَا جِبْرِيلُ عَلَى أَثَرِي يُخْبِرُكَ عَنْ كَرَامَةِ رَبِّكَ لَكَ، فَمَا تَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ وَضَعَ فِي يَدِهِ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فِيهَا سَطْرَانِ مَكْتُوبَانِ بِالنُّورِ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الْخُطُوطُ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ فَاخْتَارَكَ مِنْ خَلْقِهِ وَبَعَثَكَ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهَا ثَانِيًا فَاخْتَارَ لَكَ مِنْهَا أَخًا وَوَزِيرًا وَصَاحِبًا فَزَوَّجَهُ ابْنَتَكَ فاطمة، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَالَ: أَخُوكَ فِي الدِّينِ وَابْنُ عَمِّكَ فِي النَّسَبِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى الْجِنَانِ أَنْ تَزَخْرَفِي، وَإِلَى الْحُورِ أَنْ تَزَيَّنِي» ، وَإِلَى شَجَرَةِ طُوبَى كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «دَخَلَتْ أم أيمن عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي - فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ زَوَّجَ بِنْتَهُ وَنَثَرَ عَلَيْهَا اللَّوْزَ وَالسُّكَّرَ، فَتَذَكَّرْتُ تَزْوِيجَكَ فاطمة وَلَمْ تَنْثُرْ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْكَرَامَةِ وَاسْتَخَصَّنِي بِالرِّسَالَةِ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا زَوَّجَ عليا فاطمة أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ أَنْ يُحْدِقُوا بِالْعَرْشِ فِيهِمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَأَمَرَ الْجِنَانَ أَنْ تُزَخْرَفَ وَالْحُورَ الْعِينِ أَنْ تُزَيَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَرْقُصَ فَرَقَصَتْ، ثُمَّ أَمَرَ الطُّيُورَ أَنْ تُغَنِّيَ فَغَنَّتْ، ثُمَّ أَمَرَ شَجَرَةَ طُوبَى أَنْ تَنْثُرَ عَلَيْهِمُ اللُّؤْلُؤَ الرَّطْبَ مَعَ الدُّرِّ الْأَبْيَضِ مَعَ الزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ مَعَ الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ» .
وَفِي الرِّوَايَةِ: كَانَ الزَّوَاجُ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا أَنِ انْثُرِي مَا عَلَيْكِ فَنَثَرَتِ الدُّرَّ وَالْجَوْهَرَ وَالْمَرْجَانَ، هَذَا كَذِبٌ مُفْتَرًى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ، قَاتَلَ اللَّهُ وَاضِعَهُ، مَا أَشَدَّ عَذَابَهُ فِي النِّيرَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ حُمَاةِ السُّنَّةِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
وَالْمَسْؤُولُ - مِنْ مَوَالِينَا وَسَادَاتِنَا عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَحَسَنَاتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ جَمَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِوُجُودِهِمْ، وَأَفَاضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَرَكَاتِهِمْ وَجُودِهِمْ - إِمْعَانُ النَّظَرِ فِيمَا سُطِرَ فِي هَذِهِ الْكُرَّاسَةِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُدَوَّنَ فِي كِتَابٍ، وَيُسَمَّى نُزْهَةَ الْمَجَالِسِ وَمُنْتَخَبَ النَّفَائِسِ، وَيَتَدَاوَلَهُ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ تُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ؟ وَيَكْتُبَهُ أَوْ يَسْتَكْتِبَهُ وَيُقْرَأَ وَيُنْقَلَ مِنْهُ
стр. 527
عَلَى الْكَرَاسِيِّ وَالْمَنَابِرِ، وَمَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنِ اسْتَهْدَفَ وَجَمَعَهُ بَعْدَ أَنْ طَلَبَهُ خَادِمُ السُّنَّةِ الْفَقِيرُ إبراهيم الناجي وَنَصَحَهُ وَنَهَاهُ وَفَارَقَهُ قَائِلًا: رَجَعْتُ عَنْهُ كَمَا رَجَعَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ؟ وَهَلْ يُؤْمَرُ بِإِعْدَامِهِ وَمَا وُجِدَ مِنْ نُسَخِهِ مَعَ أَنَّ مَا اخْتُصِرَ مِنَ الْكِتَابَةِ مِنْهُ خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقُولَةِ أَكْثَرُ مِمَّا كُتِبَ، أَمْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ؟ أَمْعِنُوا فِي الْجَوَابِ بَوَّأَكُمُ اللَّهُ زُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ.
[الدُّرَّةُ التَّاجِيَّةُ عَلَى الْأَسْئِلَةِ النَّاجِيَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَبَعْدُ، فَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ دِمَشْقَ مِنْ مُحَدِّثِهَا الشَّيْخِ برهان الدين الناجي، وَصَحِبَتْهَا كِتَابٌ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى رَجُلٍ أَوْدَعَهَا تَصْنِيفًا لَهُ، وَأَنَّهَا بَاطِلَةٌ وَسَأَلَ فِي الْكِتَابَةِ بِذَلِكَ فَرَأَيْتُ كَثِيرًا مِنْهَا كَمَا قَالَ: وَفِيهَا أَحَادِيثُ وَارِدَةٌ بَعْضُهَا مَقْبُولٌ، وَبَعْضُهَا فِيهِ مَقَالٌ، وَهَا أَنَا أَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا حَدِيثًا حَدِيثًا.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ " «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَلْعَنِ الْيَهُودَ» " - أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ حَدِيثِ عائشة، والخطيب فِي تَارِيخِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةُ " وَالنَّصَارَى ".
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ الْغَرِيبِ أَخْرَجَهُ الديلي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ مَنْدَوَيْهِ، ثَنَا أبو نعيم ثَنَا الغطريفي، ثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، ثَنَا رافع بن أشرس، ثَنَا النضر بن كثير، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فَذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ - وَلَهُ شَوَاهِدُ - قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ: ثَنَا حجاج بن عمران السدوسي، ثَنَا عمرو بن الحصين العقيلي، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ عَنِ الحكم بن أبان عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ إِذَا احْتُضِرَ فَرَمَى بِبَصَرِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ فَلَمْ يَرَ إِلَّا غَرِيبًا، وَذَكَرَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، وَتَنَفَّسَ فَلَهُ بِكُلِّ نَفَسٍ تَنَفَّسَهُ يَمْحُو اللَّهُ عَنْهُ أَلْفَيْ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَيَكْتُبُ لَهُ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ» - عمرو بن الحصين مَتْرُوكٌ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ الْغَرِيبِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: ثَنَا يحيى بن طلحة، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو السَّكْسَكِيِّ، عَنْ شريح بن عبيد الحضرمي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، أَلَا لَا غُرْبَةَ عَلَى مُؤْمِنٍ مَا
стр. 528
مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] ثُمَّ قَالَ: " إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى كَافِرٍ» " أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ - ثَنَا محمد بن عبد الله المديني، ثَنَا إسماعيل بن عباس، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو بِهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ " «مَنْ آذَى جَارَهُ فَقَدْ آذَنِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ» . قَالَ سمويه - فِي فَوَائِدِهِ - ثَنَا سعيد بن سليمان، ثَنَا موسى بن خالد عَنِ القاسم العجلي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ آذَى مُسْلِمًا فَقَدْ آذَنِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ » ".
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، ثَنَا سعيد بن محمد بن المغيرة الواسطي، ثَنَا سعيد بن سليمان، ثَنَا موسى بن خلف العمي، ثَنَا القاسم العجلي بِهِ، وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِ القاسم إِلَّا موسى تَفَرَّدَ بِهِ سعيد.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " «التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا» " - أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ هَكَذَا - وَقَالَ الديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ: أَنَا عبدوس إِجَازَةً عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشِّيرَازِيِّ ثَنَا محمد بن عمران الجرجاني، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ نَصْرٍ بِبَلْخَ، ثَنَا علي بن إسماعيل بن الفضل، وَكَانَ مُعَدَّلًا، ثَنَا عبد الله بن عاصم المروزي، ثَنَا يَحْيَى بْنُ هَاشِمٍ الْغَسَّانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَمْلُ الْعَصَا عَلَامَةُ الْمُؤْمِنِ وَسُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ» ".
وَأَخْرَجَ الديلمي مِنْ طَرِيقِ وثيمة بن موسى عَنْ سلمة بن الفضل عَنْ محمد بن إسحاق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: " «كَانَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ مَخْصَرَةٌ يَتَخَصَّرُونَ بِهَا تَوَاضُعًا لِلَّهِ » "
[قَوْلُهُ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا] أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنْ أَتَّخِذَ الْعَصَا فَقَدِ اتَّخَذَهَا أَبِي إِبْرَاهِيمُ» ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أبي أمامة، قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عَصًا» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عبد الله بن أنيس أَنَّهُ «أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَصًا يَتَخَصَّرُ بِهَا فَنَاوَلَهَا إِيَّاهُ» .
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: «لَيْسَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ، وَلَا الْآخِرَةَ لِلدُّنْيَا وَلَكِنْ
стр. 529
خَيْرُكُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْ هَذِهِ لِهَذِهِ» ، وَأَخْرَجَهُ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ، والديلمي قَالَ: أَنَا أَبِي أَنَا عبد الله بن علي بن إسحاق الطوسي، أَنَا أبو حسان محمد بن أحمد بن محمد المزني، أَنَا إبراهيم بن محمد الوراق، أَنَا سعيد بن هاشم بن مزيد، ثَنَا محمد بن هاشم البعلبكي، أَنَا أَبِي، ثَنَا يزيد بن زياد الدمشقي، ثَنَا حميد عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ بِخَيْرِكُمْ مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَلَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ، حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ الدُّنْيَا بَلَاغٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا كَلًّا عَلَى النَّاسِ» .
وَقَالَ الخطيب فِي تَارِيخِهِ: أَخْبَرَنِي محمود بن عمر العكبري، أَنَا أبو طالب عبد الله بن محمد بن عبد الله، أَنَا عَمِّي أبو العباس أحمد بن عبد الله، فِيمَا أَجَازَهُ لَنَا، أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى الْمِصْرِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: ثَنَا يغنم بن سالم بن قنبر، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «خَيْرُكُمْ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ وَلَا دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ كَلًّا عَلَى النَّاسِ» ".
وَأَخْرَجَهُ الديلمي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أحمد بن عيسى بِهِ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: «لَيْسَ خَيْرُكُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ وَلَا الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الْآخِرَةَ لِلدُّنْيَا، وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُونَ مِنْ كُلٍّ» .
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَانَتْ زَوْجَهَا فِي الْفِرَاشِ، فَعَلَيْهَا نِصْفُ عَذَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» - الْحَدِيثَ، قَالَ الخطيب فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ حَتَّى يُحْشَرَ مَعَهُمْ» "، عيسى بن مسلم الصفار مُنْكَرُ الْحَدِيثِ - وَلَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ ابن عساكر عَنْ وكيع قَالَ: سَمِعْنَا فِي حَدِيثِ " «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ سَارَ بِهِ قَبْرُهُ حَتَّى يَصِيرَ مَعَهُمْ، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَهُمْ» .
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ " «يَمْسَخُ اللَّهُ اللُّوطِيَّ فِي قَبْرِهِ خِنْزِيرًا» - أَخْرَجَهُ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ، وابن الجوزي مِنْ طَرِيقِ مروان بن محمد السنجاري عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، عَنْ إسماعيل بن أم درهم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «اللُّوطِيُّ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ مُسِخَ فِي قَبْرِهِ خِنْزِيرًا» ، وَسَنَدُهُ وَاهٍ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «الْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَأَرْبَعُونَ امْرَأَةً كُلَّمَا
стр. 530
مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، وَكُلَّمَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهَا امْرَأَةً» - أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ أبو محمد الخلال فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، والديلمي فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ إبراهيم بن الوليد الجشاش - ثَنَا أبو عمر الغدائي، ثَنَا أبو سلمة الخرساني عَنْ عطاء عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِهِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ حذيفة مَرْفُوعًا: «أَطْعَمَنِي جِبْرِيلُ الْهَرِيسَةَ أَشُدُّ بِهَا ظَهْرِي لِقِيَامِ اللَّيْلِ» . أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وأبو نعيم كِلَاهُمَا فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، والخطيب فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ محمد بن الحجاج الواسطي، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وربعي عَنْ حذيفة بِهِ، ومحمد بن الحجاج كَذَّابٌ، وَأَوْرَدَهُ ابن الجوزي فِي الْمَوْضُوعَاتِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ " «نِعْمَ الطَّعَامُ الزَّبِيبُ يَشُدُّ الْعَصَبَ، وَيُذْهِبُ الْوَصَبَ، وَيُطْفِئُ الْغَضَبَ، وَيَذْهَبُ بِالْبَلْغَمِ، وَيُصَفِّي اللَّوْنَ، وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ» - أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ وأبو نعيم مَعًا فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ، والخطيب فِي تَلْخِيصِ الْمُتَشَابِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ قُتَيْبَةَ، ثَنَا سعيد بن زياد بن فايد بن زياد بن أبي هند الداري عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هند مَرْفُوعًا بِهِ، قَالَ الأزدي: سعيد بن زياد مَتْرُوكٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا أَدْرِي: الْبَلِيَّةُ مِمَّنْ هِيَ أَمِنْهُ أَوْ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ جَدِّهِ؟ .
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا لِلنُّفَسَاءِ عِنْدِي شِفَاءٌ مِثْلُ الرُّطَبِ، وَلَا لِلْمَرِيضِ مِثْلُ الْعَسَلِ» - أَخْرَجَهُ أبو نعيم فِي الطِّبِّ، ثَنَا عبد الله بن محمد بن جعفر ثَنَا محمد بن العباس بن أيوب، ثَنَا العباس بن الحسن البلخي، ثَنَا الجوسي، أَنَا علي بن عروة، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِهِ، وعلي بن عروة مَتْرُوكٌ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ: «أَطْعِمُوا نِسَاءَكُمْ فِي نِفَاسِهِنَّ التَّمْرَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ طَعَامُهَا فِي نِفَاسِهَا التَّمْرَ خَرَجَ وَلَدُهَا حَلِيمًا» ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَةَ فِي أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ، والخطيب وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِمَا مِنْ طَرِيقِ سليمان بن عمرو، عَنْ سعد بن طارق الأشجعي، عَنْ سلمة بن قيس مَرْفُوعًا بِهِ - وسليمان كَذَّابٌ - وَأَوْرَدَهُ ابن الجوزي فِي الْمَوْضُوعَاتِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ: «أَطْعِمُوا حَبَالَاكُمُ اللِّبَانَ» - الْحَدِيثَ - أَخْرَجَهُ أبو
следующие страницы →