← Джавами‘

Джавами‘ · id 21723

الحاوي للفتاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (886 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ ثَلَاثِينَ مِثْلِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ بِهِمْ تُغَاثُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ وَبِهِمْ تُمْطَرُونَ» ) . طَرِيقٌ ثَانٍ عَنْهُ: قَالَ الخلال: كَتَبَ إِلَيَّ أحمد بن هشام بِالْكُوفَةِ يَذْكُرُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدَانَ حَدَّثَهُمْ ثَنَا أحمد بن حازم ثَنَا الحكم بن سليمان الحبلي ثَنَا سيف بن عمر عَنْ موسى بن أبي عقيل البصري عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ( «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ السَّاعَةَ رَجُلٌ مِنْ أَحَدِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِهِمْ، فَإِذَا حَبَشِيٌّ قَدْ طَلَعَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ أَقْرَعُ أَجْدَعُ عَلَى رَأْسِهِ جَرَّةٌ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ هَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: مَرْحَبًا بيسار، وَكَانَ يَرُشُّ الْمَسْجِدَ وَيَكْنُسُهُ وَكَانَ غُلَامًا لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ» ) . حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيَّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ: ثَنَا عبد الرحيم بن حبيب ثَنَا داود بن محبر عَنْ ميسرة عَنْ أبي عبد الله الشامي عَنْ مكحول عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: إِنِ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا أَوْتَادَ الْأَرْضِ فَلَمَّا انْقَطَعَتِ النُّبُوَّةُ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُمْ قَوْمًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَالُ لَهُمُ الْأَبْدَالُ، لَمْ يَفْضُلُوا النَّاسَ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ، وَلَكِنْ بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَبِصِدْقِ الْوَرَعِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ وَسَلَامَةِ قُلُوبِهِمْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصِيحَةِ لِلَّهِ. حَدِيثُ أم سلمة: قَالَ أبو داود فِي سُنَنِهِ: ثَنَا محمد بن المثنى ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صالح أبي الخليل عَنْ صَاحِبٍ لَهُ عَنْ أم سلمة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَوْا أَبِدَالَ أَهْلِ الشَّامِ وَعَصَائِبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَيُبَايِعُونَهُ» ) الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أحمد فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، وأبو يعلى، والحاكم، وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَهُ طُرُقٌ سُمِّيَ فِي بَعْضِهَا الْمُبْهَمُ: مُجَاهِدًا، وَفِي بَعْضِهَا: عبد الله بن الحارث. مُرْسَلُ الحسن: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ السَّخَاءِ: ثَنَا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام ثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ عَنِ الحسن أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ بُدَلَاءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ وَلَا صِيَامِهِمْ وَلَكِنْ دَخَلُوهَا بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ وَسَخَاوَةِ أَنْفُسِهِمْ» ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أبي عبد الله الحافظ عَنْ أبي حامد أحمد بن محمد بن الحسين عَنْ داود بن الحسين عَنْ يحيى بن يحيى عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِهِ،

стр. 772

وَأَخْرَجَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ ثَنَا أَبِي ثَنَا عبد العزيز بن المغيرة البصري ثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ عَنِ الحسن قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ بُدَلَاءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَكِنْ دَخَلُوهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ وَسَخَاوَةِ الْأَنْفُسِ وَالرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ» ) . مُرْسَلُ عطاء: قَالَ أبو داود: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ ثَنَا ابن فضيل عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرجال بن سالم عَنْ عطاء قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْأَبْدَالُ مِنَ الْمَوَالِي» ) أَخْرَجَهُ الحاكم فِي الْكُنَى. مُرْسَلُ بكر بن خنيس: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْأَوْلِيَاءِ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن صالح الأزدي ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ بكر بن خنيس يَرْفَعُهُ: ( «عَلَامَةُ أَبِدَالِ أُمَّتِي أَنَّهُمْ لَا يَلْعَنُونَ شَيْئًا أَبَدًا» ) . الْآثَارُ: أَثَرٌ عَنِ الحسن: أَخْرَجَ ابن عساكر عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ سَبْعِينَ صِدِّيقًا وَهُمُ الْأَبْدَالُ، لَا يَهْلَكُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِثْلَهُ، أَرْبَعُونَ بِالشَّامِ وَثَلَاثُونَ مِنْ سَائِرِ الْأَرَضِينَ. أَثَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ أَرْبَعِينَ بِهِمْ يُغَاثُ النَّاسُ وَبِهِمْ يُنْصَرُونَ وَبِهِمْ يُرْزَقُونَ، كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، قَالَ قَتَادَةُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الحسن مِنْهُمْ. أَثَرٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَخْرَجَ الخلال، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: قَالَتِ الْأَرْضُ: رَبِّ كَيْفَ تَدَعُنِي وَلَيْسَ عَلَيَّ نَبِيٌّ؟ قَالَ: سَوْفَ أَدَعُ عَلَيْكِ أَرْبَعِينَ صِدِّيقًا بِالشَّامِ. أَثَرٌ عَنْ شهر: أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: لَنْ تَبْقَى الْأَرْضُ إِلَّا وَفِيهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَيُخْرِجُ بَرَكَتَهَا، إِلَّا زَمَنَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ. أَثَرٌ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ وَمَنْ بَعْدَهُ: أَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: الْأَبْدَالُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا بِالشَّامِ، بِهِمْ يُجَارُونَ وَبِهِمْ يُرْزَقُونَ، إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ، وَأَخْرَجَ

стр. 773

عَنِ الفضل بن فضالة قَالَ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ فِي حِمْصَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَفِي دِمَشْقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَبِبَيْسَانَ اثْنَانِ، وَأَخْرَجَ عَنِ الحسن بن يحيى الخشني قَالَ: بِدِمَشْقَ مِنَ الْأَبْدَالِ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا وَبِبَيْسَانَ أَرْبَعَةٌ، وَأَخْرَجَ ابن أبي خيثمة، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابن شوذب قَالَ: الْأَبْدَالُ سَبْعُونَ فَسِتُّونَ بِالشَّامِ وَعِشْرُونَ بِسَائِرِ الْأَرَضِينَ، وَأَخْرَجَا مِنْ طَرِيقِ عثمان بن عطاء عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ إِنْسَانًا، قُلْتُ لَهُ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا؟ قَالَ: لَا تَقُلْ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَلَكِنْ قُلْ: أَرْبَعُونَ إِنْسَانًا؛ لَعَلَّ فِيهِمْ نِسَاءً، وَأَخْرَجَ ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أبا سليمان يَقُولُ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَالنُّجَبَاءُ بِمِصْرَ وَالْعَصَبُ بِالْيَمَنِ وَالْأَخْيَارُ بِالْعِرَاقِ، وَأَخْرَجَ هُوَ والخطيب مِنْ طَرِيقِ عبيد الله بن محمد العبسي قَالَ: سَمِعْتُ الكناني يَقُولُ: النُّقَبَاءُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَالنُّجَبَاءُ سَبْعُونَ وَالْبُدَلَاءُ أَرْبَعُونَ وَالْأَخْيَارُ سَبْعَةٌ وَالْعُمُدُ أَرْبَعَةٌ وَالْغَوْثُ وَاحِدٌ، فَمَسْكَنُ النُّقَبَاءِ الْمَغْرِبُ، وَمَسْكَنُ النُّجَبَاءِ مِصْرُ، وَمَسْكَنُ الْأَبْدَالِ الشَّامُ، وَالْأَخْيَارُ سَيَّاحُونَ فِي الْأَرْضِ، وَالْعُمُدُ فِي زَوَايَا الْأَرْضِ، وَمَسْكَنُ الْغَوْثِ مَكَّةُ، فَإِذَا عَرَضَتِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ الْعَامَّةِ ابْتَهَلَ فِيهَا النُّقَبَاءُ، ثُمَّ النُّجَبَاءُ، ثُمَّ الْأَبْدَالُ، ثُمَّ الْأَخْيَارُ، ثُمَّ الْعُمُدُ، فَإِنْ أُجِيبُوا وَإِلَّا ابْتَهَلَ الْغَوْثُ فَلَا تَتِمُّ مَسْأَلَتُهُ حَتَّى تُجَابَ دَعْوَتُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ثَنَا عثمان بن مطيع ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: لَمَّا ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ - وَكَانُوا أَوْتَادَ الْأَرْضِ - أَخْلَفَ اللَّهُ مَكَانَهُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَالُ لَهُمُ الْأَبْدَالُ، لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ يَخْلُفُهُ، وَهُمْ أَوْتَادُ الْأَرْضِ، قُلُوبُ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ عَلَى مِثْلِ يَقِينِ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَفْضُلُوا النَّاسَ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَلَا بِكَثْرَةِ الصِّيَامِ وَلَا بِحُسْنِ التَّخَشُّعِ وَلَا بِحُسْنِ الْحِلْيَةِ وَلَكِنْ بِصِدْقِ الْوَرَعِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ وَسَلَامَةِ الْقُلُوبِ وَالنَّصِيحَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ بَصَبْرٍ حَلِيمٍ وَلُبٍّ رَحِيمٍ، وَتَوَاضُعٍ فِي غَيْرِ مَذَلَّةٍ، لَا يَلْعَنُونَ أَحَدًا وَلَا يُؤْذُونَ أَحَدًا وَلَا يَتَطَاوَلُونَ عَلَى أَحَدٍ تَحْتَهُمْ وَلَا يُحَقِّرُونَهُ، وَلَا يَحْسُدُونَ أَحَدًا فَوْقَهُمْ، لَيْسُوا بِمُتَخَشِّعِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ وَلَا مُعْجَبِينَ، لَا يُحِبُّونَ لِدُنْيَا وَلَا يُحِبُّونَ الدُّنْيَا، لَيْسُوا الْيَوْمَ فِي وَحْشَةٍ وَلَا غَدًا فِي غَفْلَةٍ، وَأَخْرَجَ الخلال عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَا مِنْ قَرْيَةٍ وَلَا بَلْدَةٍ إِلَّا يَكُونُ فِيهَا مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُمْ، وَأَخْرَجَ عَنْ زَاذَانَ قَالَ: مَا خَلَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ نُوحٍ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ فَصَاعِدًا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ.

стр. 774

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أحمد فِي الزُّهْدِ عَنْ كعب قَالَ: لَمْ يَزَلْ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمُ الْعَذَابَ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي فِي جُزْءٍ جَمَعَهُ فِي أَخْبَارِ الخضر قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ ثَنَا يحيى بن سعيد السعدي أَخْبَرَنِي أبو جعفر الكوفي عَنْ أبي عمر النصيبي قَالَ: خَرَجْتُ أَطْلُبُ مَسْأَلَةً مِنْ مِصْقَلَةَ بِالشَّامِ وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ مَنَ الْأَبْدَالِ، فَلَقِيتُهُ بِوَادِي الْأُرْدُنِّ فَقَالَ لِي: أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْوَادِي؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: دَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهُ إِلْيَاسُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا إِلْيَاسُ النَّبِيُّ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَلْ فِي الْأَرْضِ الْيَوْمَ مَنِ الْأَبْدَالِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُمْ سِتُّونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ خَمْسُونَ بِالشَّامِ فِيمَا بَيْنَ الْعَرِيشِ إِلَى الْفُرَاتِ، وَمِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ بِالْمِصِّيصَةِ، وَوَاحِدٌ بِأَنْطَاكِيَةَ، وَسَائِرُ الْعَشْرَةِ فِي سَائِرِ أَمْصَارِ الْعَرَبِ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَتْلِيُّ فِي كِتَابِ الدِّيبَاجِ لَهُ بِسَنَدِهِ عَنْ داود بن يحيى مولى عون الطفاوي عَنْ رَجُلٍ كَانَ مُرَابِطًا بِعَسْقَلَانَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِالْأُرْدُنِّ إِذْ أَنَا بِرَجُلٍ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي قَائِمٌ يُصَلِّي فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّهُ إِلْيَاسُ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ، قُلْتُ: فَكَمِ الْإِبْدَالُ؟ قَالَ: هُمْ سِتُّونَ رَجُلًا - خَمْسُونَ مَا بَيْنَ عَرِيشِ مِصْرَ إِلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَرَجُلَانِ بِالْمِصِّيصَةِ، وَرَجُلٌ بِأَنْطَاكِيَةَ، وَسَبْعَةٌ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ - بِهِمْ تُسْقَوْنَ الْغَيْثَ وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ وَبِهِمْ يُقِيمُ اللَّهُ أَمْرَ الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الدُّنْيَا أَمَاتَهُمْ جَمِيعًا. وَفِي كِفَايَةِ الْمُعْتَقَدِ لليافعي - نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَتِهِ - قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الصَّالِحُونَ كَثِيرٌ مُخَالِطُونَ لِلْعَوَامِّ لِصَلَاحِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالنُّجَبَاءُ فِي الْعَدَدِ أَقَلُّ مِنْهُمْ، وَالنُّقَبَاءُ فِي الْعَدَدِ أَقَلُّ مِنْهُمْ، وَهُمْ مُخَالِطُونَ الْخَوَاصَّ، وَالْأَبْدَالُ فِي الْعَدَدِ أَقَلُّ مِنْهُمْ نَازِلُونَ فِي الْأَمْصَارِ الْعِظَامِ لَا يَكُونُ فِي الْمِصْرِ مِنْهُمْ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ، فَطُوبَى لِأَهْلِ بَلْدَةٍ كَانَ فِيهَا اثْنَانِ مِنْهُمْ، وَالْأَوْتَادُ وَاحِدٌ بِالْيَمَنِ وَوَاحِدٌ بِالشَّامِ وَوَاحِدٌ فِي الْمَشْرِقِ وَوَاحِدٌ فِي الْمَغْرِبِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُدِيرُ الْقُطْبَ فِي الْآفَاقِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَرْكَانِ الدُّنْيَا كَدَوَرَانِ الْفَلَكِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَقَدْ سُتِرَتْ أَحْوَالُ الْقُطْبِ - وَهُوَ الْغَوْثُ - عَنِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ غَيْرَةً مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُرَى عَالِمًا كَجَاهِلٍ، أَبْلَهَ كَفَطِنٍ، تَارِكًا آخِذًا، قَرِيبًا بَعِيدًا، سَهْلًا عَسِرًا، آمِنًا حَذِرًا، وَكَشْفُ أَحْوَالِ الْأَوْتَادِ لِلْخَاصَّةِ وَكَشْفُ أَحْوَالِ الْبُدَلَاءِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَارِفِينَ، وَسَتَرُ أَحْوَالَ النُّجَبَاءِ وَالنُّقَبَاءِ عَنِ الْعَامَّةِ خَاصَّةً وَكَشْفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَكَشْفُ حَالِ الصَّالِحِينَ لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، وَعِدَّةُ النُّجَبَاءِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَالنُّقَبَاءُ أَرْبَعُونَ وَالْبُدَلَاءُ

стр. 775

قِيلَ ثَلَاثُونَ، وَقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ سَبْعَةٌ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - وَالْأَوْتَادُ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا مَاتَ الْقُطْبُ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الْأَرْبَعَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ السَّبْعَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ السَّبْعَةِ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الْأَرْبَعِينَ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعِينَ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الثَّلَاثِمِائَةِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثِمِائَةِ جُعِلَ مَكَانَهُ خِيَارُ الصَّالِحِينَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ السَّاعَةَ أَمَاتَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَبِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ عِبَادِهِ الْبَلَاءَ وَيُنْزِلُ قَطْرَ السَّمَاءِ. انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: وَالْقُطْبُ هُوَ الْوَاحِدُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ، وَمَكَانُهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ كَالنُّقْطَةِ فِي الدَّائِرَةِ الَّتِي هِيَ مَرْكَزُهَا، بِهِ يَقَعُ صَلَاحُ الْعَالَمِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَذْكُرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَحَدًا عَلَى قَلْبِهِ؛ إِذْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ أَعَزَّ وَأَلْطَفَ وَأَشْرَفَ مِنْ قَلْبِهِ ﷺ فَقُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى قَلْبِهِ كَإِضَافَةِ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِلَى كَمَالِ الشَّمْسِ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ القشيري فِي الرِّسَالَةِ بِسَنَدِهِ عَنْ بلال الخواص قَالَ: كُنْتُ فِي تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِذَا رَجُلٌ يُمَاشِينِي فَعَجِبْتُ، فَأُلْهِمْتُ أَنَّهُ الخضر ﵇ فَقُلْتُ لَهُ: بِحَقِّ الْحَقِّ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَخُوكَ الخضر، قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ، قَالَ: سَلْ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي الشَّافِعِيِّ؟ قَالَ: هُوَ مِنَ الْأَوْتَادِ، قُلْتُ: وَمَا تَقُولُ فِي أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؟ قَالَ: رَجُلٌ صِدِّيقٌ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي بشر الحافي؟ قَالَ: لَمْ يُخْلَقْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ، قُلْتُ: بِأَيِّ وَسِيلَةٍ رَأَيْتُكَ؟ قَالَ: بِبَرَكَةِ أُمِّكَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أحمد فِي الزُّهْدِ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وأبو نعيم، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ جَلِيسِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ بُدَلَاءُ أُمَّتِكَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا بِالْعِرَاقِ مِنْهُمْ أَحَدٌ؟ قَالَ: بَلَى، مُحَمَّدُ بْنُ وَاسْعٍ وحسان بن أبي سنان وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الَّذِي يَمْشِي فِي النَّاسِ بِمِثْلِ زُهْدِ أبي ذر فِي زَمَانِهِ. وَأَخْرَجَ أبو نعيم عَنْ داود بن يحيى بن يمان قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنِ الْأَبْدَالُ؟ قَالَ: الَّذِينَ لَا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ، وَإِنَّ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ مِنْهُمْ. وَأَخْرَجَ ابن عساكر عَنْ أبي مطيع معاوية بن يحيى أَنَّ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ خَرَجَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ فَإِذَا عَلَيْهِ لَيْلٌ، فَلَمَّا صَارَ تَحْتَ الْقُبَّةِ سَمِعَ صَوْتَ جَرَسِ الْخَيْلِ عَلَى الْبَلَاطِ، فَإِذَا فَوَارِسُ قَدْ لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مِنْ أَيْنَ قَدِمْتُمْ؟ قَالُوا: أَوَلَمْ تَكُونُوا مَعَنَا؟ قَالُوا: لَا، قَالُوا: قَدِمْنَا مِنْ جِنَازَةِ الْبَدِيلِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالُوا: وَقَدْ مَاتَ،

стр. 776

مَا عَلِمْنَا بِمَوْتِهِ، فَمَنِ اسْتَخْلَفْتُمْ بَعْدَهُ؟ قَالُوا: أرطاة بن المنذر، فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا بِمَوْتِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ النَّهَارِ قَدِمَ الْبَرِيدُ بِخَبَرِ مَوْتِهِ. وَفِي كِفَايَةِ الْمُعْتَقَدِ لليافعي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّيْخِ عبد القادر الكيلاني قَالَ: خَرَجَ الشَّيْخُ عبد القادر مِنْ دَارِهِ لَيْلَةً فَنَاوَلْتُهُ إِبْرِيقًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، وَقَصَدَ بَابَ الْمَدْرَسَةِ فَانْفَتَحَ لَهُ الْبَابُ، فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ خَلْفَهُ ثُمَّ عَادَ الْبَابُ مُغْلَقًا، وَمَشَى إِلَى قُرْبٍ مِنْ بَابِ بَغْدَادَ فَانْفَتَحَ لَهُ فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ثُمَّ عَادَ الْبَابُ مُغْلَقًا، وَمَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ فَإِذَا نَحْنُ فِي بَلَدٍ لَا أَعْرِفُهُ فَدَخَلَ فِيهِ مَكَانًا شَبِيهًا بِالرِّبَاطِ، وَإِذَا فِيهِ سِتَّةُ نَفَرٍ فَبَادَرُوا إِلَى السَّلَامِ عَلَيْهِ، وَالْتَجَأْتُ إِلَى سَارِيَةٍ هُنَاكَ وَسَمِعْتُ مِنْ جَانِبِ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَنِينًا فَلَمْ نَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى سَكَنَ الْأَنِينُ، وَدَخَلَ رَجُلٌ وَذَهَبَ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي سَمِعْتُ فِيهَا الْأَنِينَ ثُمَّ خَرَجَ يَحْمِلُ شَخْصًا عَلَى عَاتِقِهِ وَدَخَلَ آخَرُ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ طَوِيلَ الشَّارِبِ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيِ الشَّيْخِ فَأَخَذَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الشَّهَادَتَيْنِ وَقَصَّ شَعْرَ رَأْسِهِ وَشَارِبَهُ وَأَلْبَسَهُ طَاقِيَّةً وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، وَقَالَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: قَدْ أَمَرْتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا بَدَلًا عَنِ الْمَيِّتِ، قَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ خَرَجَ الشَّيْخُ وَتَرَكَهُمْ وَخَرَجْتُ خَلْفَهُ وَمَشَيْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ وَإِذَا نَحْنُ عِنْدَ بَابِ بَغْدَادَ فَانْفَتَحَ كَأَوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ أَتَى الْمَدْرَسَةَ فَانْفَتَحَ لَهُ بَابُهَا وَدَخَلَ دَارَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَقْسَمْتُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِي مَا رَأَيْتُ، قَالَ: أَمَّا الْبَلَدُ فَنَهَاوَنْدُ، وَأَمَّا السِّتَّةُ فَهُمُ الْأَبْدَالُ، وَصَاحِبُ الْأَنِينِ سَابِعُهُمْ كَانَ مَرِيضًا فَلَمَّا حَضَرَتْ وَفَاتُهُ جِئْتُ أَحْضُرُهُ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَ يَحْمِلُ شَخْصًا فأبو العباس الخضر ﵇ ذَهَبَ بِهِ لِيَتَوَلَّى أَمْرَهُ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَخَذْتُ عَلَيْهِ الشَّهَادَتَيْنِ فَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَأَمَرْتُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الْمُتَوَفَّى، فَأُتِيَ بِهِ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيَّ وَهُوَ الْآنَ مِنْهُمْ. فَائِدَةٌ: أَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ مِنَ الْأَبْدَالِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوْتَادُ الْأَرْضِ، فَقَالَ: أَنَا كُلُّ السَّبْعَةِ. فَائِدَةٌ: أَخْرَجَ الشَّيْخُ نصر المقدسي فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ عَلَى تَارِكِ الْمَحَجَّةِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ أَبِدَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ هُمُ الْأَبْدَالُ فَمَا أَعْرِفُ لِلَّهِ أَبْدَالًا، وَقَالَ الْحَافِظُ محب الدين بن النجار فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ: أَنْشَدَنَا محمد بن ناصر السلامي أَنْشَدَنَا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي أَنْشَدَنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ لِنَفْسِهِ: عَابَ قَوْمٌ عِلْمَ الْحَدِيثِ وَقَالُوا ... هُوَ عِلْمٌ طُلَّابُهُ جُهَّالُ

стр. 777

عَدَلُوا عَنْ مَحَجَّةِ الْعِلْمِ لَمَّا ... دَقَّ عَنْهُمْ فَهْمُ الْعُلُومِ وَقَالُوا إِنَّمَا الشَّرْعُ يَا أَخِي كِتَابُ اللَّهِ ... لَا هُوَّةَ بِهِ وَلَا إِشْكَالُ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ... فَاضَ يَقْضِي إِلَيْهِ الْمَآلُ وَطَرِيقُ الْآثَارِ تُعْرَفُ بِالنَّقْلِ ... وَلِلنَّقْلِ فَاعْلَمَنْهُ رِجَالُ هَمُّهُمْ نَقْلُهُ وَنَفْيُ الَّذِي قَدْ ... وَضَعَتْهُ عِصَابَةٌ ضُلَّالُ لَمْ يَنْوُوا فِيهِ جَاهِدِينَ وَلَمْ تَقْطَعْهُمْ ... عَنْ طِلَابِهِ الْأَشْغَالُ وَقَضَوْا لَذَّةَ الْحَيَاةِ اغْتِبَاطًا ... بِالَّذِي حَرَّرُوهُ مِنْهُ وَقَالُوا وَرَضَوْهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بَدِيلًا ... فَلَعَمْرِي لَنِعْمَ ذَاكَ الْبِدَالُ وَلَقَدْ جَاءَنَا عَنِ السَّيِّدِ الْمَا ... جِدِ حِلْفِ الْعَلْيَاءِ فِيهِمْ مَقَالُ أحمد الْمُنْتَمِي إِلَى حَنْبَلٍ أَكْ ... رِمْ بِهِ فِيهِ مَفْخَرٌ وَجَمَالُ إِنَّ أَبِدَالَ أُمَّةِ الْمُصْطَفَى أَحْمَدَ ... هُمْ حِينَ تُذْكَرُ الْأَبْدَالُ فَائِدَةٌ: قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: صَارَتِ الْأَبْدَالُ أَبْدَالًا بِأَرْبَعَةٍ: قِلَّةِ الْكَلَامِ، وَقِلَّةِ الطَّعَامِ، وَقِلَّةِ الْمَنَامِ، وَاعْتِزَالِ الْأَنَامِ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّوَكُّلِ فَقَالَ: اضْطِرَابٌ بِلَا سُكُونٍ، رَجُلٌ يَضْطَرِبُ بِجَوَارِحِهِ وَقَلْبُهُ سَاكِنٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى عَمَلِهِ، وَسُكُونٌ بِلَا اضْطِرَابٍ، رَجُلٌ سَاكِنٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلَا حَرَكَةٍ، وَهَذَا عَزِيزٌ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَبْدَالِ. وَأَخْرَجَ عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ قَالَ: مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، كُتِبَ مِنَ الْأَبْدَالِ، وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النِّبَاجِيِّ قَالَ: إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَكُونُوا أَبْدَالًا فَأَحِبُّوا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَمَنْ أَحَبَّ مَا شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ مِنْ مَقَادِيرِ اللَّهِ شَيْءٌ إِلَّا أَحَبَّهُ. فَائِدَةٌ: فِي كِتَابِ كِفَايَةِ الْمُعْتَقِدِ لليافعي - نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْأَبْدَالُ أَبْدَالًا لِأَنَّهُمْ إِذَا غَابُوا تُبَدَّلُ فِي مَكَانِهِمْ صُوَرٌ رُوحَانِيَّةٌ تَخْلُفُهُمْ، وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ مفرج الدماميلي أَنَّهُ رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ [بِعَرَفَةَ] وَرَآهُ آخَرُ فِي مَكَانِهِ مِنْ زَاوِيَتِهِ بِدَمَامِيلَ لَمْ يُفَارِقْهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَمَّا رَجَعَ الْحَاجُّ ذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ وَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ وَحَلَفَ كُلٌّ بِالطَّلَاقِ فَاخْتَصَمَا إِلَيْهِ، فَأَقَرَّهُمَا وَأَبْقَى كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى

стр. 778

الزَّوْجِيَّةِ، فَسُئِلَ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ حِنْثِ الِاثْنَيْنِ مَعَ كَوْنِ صِدْقِ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ حِنْثَ الْآخَرِ، فَقَالَ: الْوَلِيُّ إِذَا تَحَقَّقَ فِي وِلَايَتِهِ مُكِّنَ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي صُوَرٍ عَدِيدَةٍ وَتَظْهَرُ رُوحَانِيَّتُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَالصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِمَنْ رَآهَا بِعَرَفَةَ، وَالصُّورَةُ الَّتِي رَآهَا الْآخَرُ فِي مَكَانِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَقٌّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ شَخْصٍ فِي مَكَانَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ إِثْبَاتُ تَعَدُّدِ الصُّوَرِ الرُّوحَانِيَّةِ لَا الْجُسْمَانِيَّةِ. انْتَهَى. وَقَدْ قَرَّرْتُ نَظِيرَ ذَلِكَ فِي الرُّوحِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي بَابِ مَقَرِّ الْأَرْوَاحِ فِي كِتَابِ الْبَرْزَخِ، قَالَ الشمس الداودي: قَالَ مُؤَلِّفُهُ شَيْخُنَا ﵁ وَأَرْضَاهُ -: أَلَّفُتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ ثَامِنَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، أَحْسَنَ اللَّهُ خِتَامَهَا بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ. [تَنْوِيرُ الْحَلَكِ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَالْمَلَكِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ: فَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ رُؤْيَةِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ، وَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ مِمَّنْ لَا قَدَمَ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ بَالَغُوا فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ وَادَّعَوْا أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ، فَأَلَّفْتُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةَ فِي ذَلِكَ وَسَمَّيْتُهَا: تَنْوِيرُ الْحَلَكِ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَالْمَلَكِ، وَنَبْدَأُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» ) وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيِّ، وَمِنْ حَدِيثِ أبي بكرة، وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ [الْأَنْصَارِيِّ] قَالَ الْعُلَمَاءُ: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ (فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ) فَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْقِيَامَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بِلَا فَائِدَةٍ فِي هَذَا التَّخْصِيصِ لِأَنَّ كُلَّ أُمَّتِهِ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ رَآهُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ آمَنَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يَرَهُ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ غَائِبًا عَنْهُ فَيَكُونُ مُبَشِّرًا لَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَمَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ - يَعْنِي بِعَيْنَيْ

стр. 779

رَأْسِهِ - وَقِيلَ: بِعَيْنٍ فِي قَلْبِهِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ الْإِمَامُ أبو محمد بن أبي جمرة فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَاهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ رَآهُ ﷺ فِي النَّوْمِ فَسَيَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَهَلْ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، أَوْ هَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ؟ وَهَلْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ رَآهُ مُطْلَقًا أَوْ خَاصٌّ بِمَنْ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ وَالِاتِّبَاعُ لِسُنَّتِهِ ﵇؟ اللَّفْظُ يُعْطِي الْعُمُومَ، وَمَنْ يَدَّعِي الْخُصُوصَ فِيهِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ مِنْهُ ﷺ فَمُتَعَسِّفٌ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِعُمُومِهِ، وَقَالَ عَلَى مَا أَعْطَاهُ عَقْلُهُ: وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ قَدْ مَاتَ يَرَاهُ الْحَيُّ فِي عَالَمِ الشَّاهِدِ؟ قَالَ: وَفِي قَوْلِ هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْمَحْذُورِ وَجْهَانِ خَطِرَانِ، أَحَدُهُمَا: عَدَمُ التَّصْدِيقِ لِقَوْلِ الصَّادِقِ ﵇ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَالثَّانِي: الْجَهْلُ بِقُدْرَةِ الْقَادِرِ وَتَعْجِيزِهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] وَقِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي الْأَرْبَعِ مِنَ الطَّيْرِ، وَقِصَّةَ عُزَيْرٍ، فَالَّذِي جَعَلَ ضَرْبَ الْمَيِّتِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ سَبَبًا لِحَيَاتِهِ، وَجَعَلَ دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ سَبَبًا لِإِحْيَاءِ الطُّيُورِ، وَجَعَلَ تَعَجُّبَ عُزَيْرٍ سَبَبًا لِمَوْتِهِ وَمَوْتِ حِمَارِهِ ثُمَّ لِإِحْيَائِهِمَا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ - قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ رُؤْيَتَهُ ﷺ فِي النَّوْمِ سَبَبًا لِرُؤْيَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - أَظُنُّهُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَتَذَكَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَبَقِيَ يُفَكِّرُ فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - أَظُنُّهَا ميمونة - فَقَصَّ عَلَيْهَا قِصَّتَهُ، فَقَامَتْ وَأَخْرَجَتْ لَهُ مِرْآتَهُ ﷺ قَالَ ﵁: فَنَظَرْتُ فِي الْمِرْآةِ فَرَأَيْتُ صُورَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ أَرَ لِنَفْسِي صُورَةً، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهَلُمَّ جَرَّا [عَنْ جَمَاعَةٍ] مِمَّنْ كَانُوا رَأَوْهُ ﷺ فِي النَّوْمِ وَكَانُوا مِمَّنْ يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَرَأَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَانُوا مِنْهَا مُتَشَوِّشِينَ فَأَخْبَرَهُمْ بِتَفْرِيجِهَا وَنَصَّ لَهُمْ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ فَرْجُهَا، فَجَاءَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، قَالَ: وَالْمُنْكِرُ لِهَذَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ يُكَذِّبَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِهَا فَقَدْ سَقَطَ الْبَحْثُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يُكَذِّبُ مَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِهَا فَهَذِهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُكْشَفُ لَهُمْ بِخَرْقِ الْعَادَةِ عَنْ أَشْيَاءَ فِي الْعَالَمَيْنِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ عَدِيدَةٍ، فَلَا يُنْكَرُ هَذَا مَعَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ وَلَيْسَ بِخَاصٍّ بِمَنْ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ وَالِاتِّبَاعُ

стр. 780

لِسُنَّتِهِ ﵇ مُرَادُهُ وُقُوعُ الرُّؤْيَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا فِي الْيَقَظَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ فِي الْمَنَامِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً تَحْقِيقًا لِوَعْدِهِ الشَّرِيفِ الَّذِي لَا يُخْلَفُ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ لِلْعَامَّةِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، فَلَا يَخْرُجُ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى يَرَاهُ وَفَاءً بِوَعْدِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَتَحْصُلُ لَهُمُ الرُّؤْيَةُ فِي طُولِ حَيَاتِهِمْ إِمَّا كَثِيرًا وَإِمَّا قَلِيلًا بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِمْ وَمُحَافَظَتِهِمْ عَلَى السُّنَّةِ، وَالْإِخْلَالُ بِالسُّنَّةِ مَانِعٌ كَبِيرٌ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مطرف قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: قَدْ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتَرَكَ ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مطرف قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ [فِيهِ] فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي وَإِنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِهَا إِنْ شِئْتَ، إِنَّهُ قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ كَانَتْ بِهِ بَوَاسِيرُ فَكَانَ يَصْبِرُ عَلَى أَلَمِهَا، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَاكْتَوَى وَانْقَطَعَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَكَ الْكَيَّ فَعَادَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي، أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُشَاعَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَالَ القرطبي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِكْرَامًا لَهُ وَاحْتِرَامًا إِلَى أَنِ اكْتَوَى فَتَرَكَتِ السَّلَامَ عَلَيْهِ، فَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: اعْلَمْ يَا مطرف أَنَّهُ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيَّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَأْسِي وَعِنْدَ الْبَيْتِ وَعِنْدَ بَابِ الْحُجْرَةِ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ ذَهَبَ ذَاكَ، قَالَ: فَلَمَّا بَرَأَ كَلَّمَهُ، قَالَ: اعْلَمْ يَا مطرف أَنَّهُ عَادَ إِلَيَّ الَّذِي كُنْتُ أَفْقِدُ، اكْتُمْ عَلَيَّ حَتَّى أَمُوتَ. فَانْظُرْ كَيْفَ حُجِبَ عمران عَنْ سَمَاعِ تَسْلِيمِ الْمَلَائِكَةِ لِكَوْنِهِ اكْتَوَى مَعَ شِدَّةِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَيَّ خِلَافُ السُّنَّةِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ عَلَى طَرِيقِ التَّحْرِيمِ لَمْ يَكْتَوِ عمران مَعَ عِلْمِهِ بِالنَّهْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ رَكِبَ الْمَكْرُوهَ فَفَارَقَهُ مَلَكٌ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَحَزِنَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلَمَّا اكْتَوَى بِسَبَبِ مَرَضِهِ تَرَكُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَيَّ يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ وَالتَّسْلِيمِ إِلَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا يُبْتَلَى بِهِ الْعَبْدُ، وَطَلَبُ الشِّفَاءِ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي جَوَازِ الْكَيِّ، وَلَكِنَّهُ قَادِحٌ فِي التَّوَكُّلِ وَهِيَ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ وَرَاءَ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ، وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ

стр. 781

قَتَادَةَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُصَافِحُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ حَتَّى اكْتَوَى فَتَنَحَّتْ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ: مَا قَدِمَ عَلَيْنَا الْبَصْرَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ جَوَانِبِ بَيْتِهِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وأبو نعيم، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ غزالة قَالَتْ: كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يَأْمُرُنَا أَنْ نَكْنُسَ الدَّارَ، وَنَسْمَعُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَلَا نَرَى أَحَدًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْمُنْقِذِ مِنَ الضَّلَالِ: ثُمَّ إِنَّنِي لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْعُلُومِ أَقْبَلْتُ بِهِمَّتِي عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ وَالْقَدْرُ الَّذِي أَذْكُرُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ ابْنِي، عَلِمْتُ يَقِينًا أَنَّ الصُّوفِيَّةَ هُمُ السَّالِكُونَ لِطُرُقِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَأَنَّ سَيْرَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ أَحْسَنُ السِّيَرِ، وَطَرِيقَهُمْ أَحْسَنُ الطُّرُقِ، وَأَخْلَاقَهُمْ أَزْكَى الْأَخْلَاقِ، بَلْ لَوْ جُمِعَ عَقْلُ الْعُقَلَاءِ وَحِكْمَةُ الْحُكَمَاءِ وَعِلْمُ الْوَاقِفِينَ عَلَى أَسْرَارِ الشَّرْعِ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِيُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ سِيَرِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَيُبَدِّلُوهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ جَمِيعَ حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ فِي ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ مُقْتَبَسَةٌ [مِنْ نُورِ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ] وَلَيْسَ وَرَاءَ نُورِ النُّبُوَّةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ - إِلَى أَنْ قَالَ: حَتَّى إِنَّهُمْ وَهُمْ فِي يَقَظَتِهِمْ يُشَاهِدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُمْ أَصْوَاتًا وَيَقْتَبِسُونَ مِنْهُمْ فَوَائِدَ ثُمَّ يَتَرَقَّى الْحَالُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الصُّوَرِ وَالْأَمْثَالِ إِلَى دَرَجَاتٍ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ النُّطْقِ، هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ. وَقَالَ تِلْمِيذُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي كِتَابِ قَانُونِ التَّأْوِيلِ: ذَهَبَتِ الصُّوفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ طَهَارَةُ النَّفْسِ فِي تَزْكِيَةِ الْقَلْبِ وَقَطْعُ الْعَلَائِقِ وَحَسْمُ مَوَادِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْخُلْطَةِ بِالْجِنْسِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ عِلْمًا دَائِمًا وَعَمَلًا مُسْتَمِرًّا كُشِفَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَرَأَى الْمَلَائِكَةَ وَسَمِعَ أَقَوَالَهُمْ وَاطَّلَعَ عَلَى أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَمِعَ كَلَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ عِنْدِهِ: وَرُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَسَمَاعُ كَلَامِهِمْ مُمْكِنٌ لِلْمُؤْمِنِ كَرَامَةً وَلِلْكَافِرِ عُقُوبَةً. انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام فِي الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى: وَقَالَ ابن الحاج فِي الْمَدْخَلِ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ بَابٌ ضَيِّقٌ وَقَلَّ مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى صِفَةٍ عَزِيزٌ وُجُودُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ عُدِمَتْ غَالِبًا، مَعَ أَنَّنَا لَا نُنْكِرُ مَنْ يَقَعُ لَهُ هَذَا مِنَ الْأَكَابِرِ الَّذِينَ حَفِظَهُمُ

стр. 782

اللَّهُ فِي ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ، قَالَ: وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: الْعَيْنُ الْفَانِيَةُ لَا تَرَى الْعَيْنَ الْبَاقِيَةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي دَارِ الْبَقَاءِ وَالرَّائِي فِي دَارِ الْفَنَاءِ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أبو محمد بن أبي جمرة يَحِلُّ هَذَا الْإِشْكَالَ وَيَرُدُّهُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ يَرَى اللَّهَ وَهُوَ لَا يَمُوتُ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَمُوتُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي فِي كِتَابِ تَوْثِيقِ عُرَى الْإِيمَانِ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ: الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ مَا قُبِضُوا رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ، وَقَدْ رَأَى نَبِيُّنَا ﷺ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَأَخْبَرَ - وَخَبَرُهُ صِدْقٌ - أَنَّ صَلَاتَنَا مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ وَأَنَّ سَلَامَنَا يَبْلُغُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ الْبَارِزِيُّ: وَقَدْ سُمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلِهِ أَنَّهُمْ رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ حَيًّا بَعْدَ وَفَاتِهِ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْبَيَانِ نَبَأَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْفُوظٍ الدِّمَشْقِيِّ فِي نَظِيمَتِهِ. انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أكمل الدين البابرتي الحنفي فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي حَدِيثِ (مَنْ رَآنِي) : الِاجْتِمَاعُ بِالشَّخْصَيْنِ يَقَظَةً وَمَنَامًا لِحُصُولِ مَا بِهِ الِاتِّحَادُ، وَلَهُ خَمْسَةُ أُصُولٍ: كُلِّيَّةُ الِاشْتِرَاكِ فِي الذَّاتِ، أَوْ فِي صِفَةٍ فَصَاعِدًا، أَوْ فِي حَالٍ فَصَاعِدًا، أَوْ فِي الْأَفْعَالِ، أَوْ فِي الْمَرَاتِبِ، وَكُلُّ مَا يُتَعَقَّلُ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، وَبِحَسْبِ قُوَّتِهِ عَلَى مَا بِهِ الِاخْتِلَافُ وَضَعْفِهِ يَكْثُرُ الِاجْتِمَاعُ وَيَقِلُّ، وَقَدْ يَقْوَى عَلَى ضِدِّهِ فَتَقْوَى الْمَحَبَّةُ بِحَيْثُ يَكَادُ الشَّخْصَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ، وَمَنْ حَصَّلَ الْأُصُولَ الْخَمْسَةَ وَثَبَتَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْوَاحِ الْكُمَّلِ الْمَاضِينَ اجْتَمَعَ بِهِمْ مَتَى شَاءَ، وَقَالَ الشَّيْخُ صفي الدين بن أبي المنصور فِي رِسَالَتِهِ، وَالشَّيْخُ عفيف الدين اليافعي فِي رَوْضِ الرَّيَاحِينِ: قَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ قُدْوَةُ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ وَبَرَكَةُ أَهْلِ زَمَانِهِ أبو عبد الله القرشي: لَمَّا جَاءَ الْغَلَاءُ الْكَبِيرُ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، تَوَجَّهْتُ لِأَنْ أَدْعُوَ، فَقِيلَ لِي: لَا تَدْعُ، فَمَا يُسْمَعُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ دُعَاءٌ، فَسَافَرْتُ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَى قَرِيبِ ضَرِيحِ الْخَلِيلِ ﵇ تَلَقَّانِي الْخَلِيلُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ ضِيَافَتِي عِنْدَكَ الدُّعَاءَ لِأَهْلِ مِصْرَ، فَدَعَا لَهُمْ فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ اليافعي: وَقَوْلُهُ: تَلَقَّانِي الْخَلِيلُ، قَوْلُ حَقٍّ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا جَاهِلٌ بِمَعْرِفَةِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي يُشَاهِدُونَ فِيهَا مَلَكُوتَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيَنْظُرُونَ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءً غَيْرَ أَمْوَاتٍ كَمَا نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مُوسَى ﵇ فِي الْأَرْضِ، وَنَظَرَهُ أَيْضًا هُوَ

стр. 783

وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ وَسَمِعَ مِنْهُمْ مُخَاطَبَاتٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا جَازَ لِلْأَنْبِيَاءِ مُعْجِزَةً جَازَ لِلْأَوْلِيَاءِ كَرَامَةً بِشَرْطِ عَدَمِ التَّحَدِّي. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ سراج الدين بن الملقن فِي طَبَقَاتِ الْأَوْلِيَاءِ: قَالَ الشَّيْخُ عبد القادر الكيلاني: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الظُّهْرِ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ لِمَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَنَا رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ كَيْفَ أَتَكَلَّمُ عَلَى فُصَحَاءِ بَغْدَادَ؟ فَقَالَ: افْتَحْ فَاكَ، فَفَتَحْتُهُ، فَتَفَلَ فِيهِ سَبْعًا وَقَالَ: تَكَلَّمْ عَلَى النَّاسِ وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، فَصَلَّيْتُ الظُّهْرَ وَجَلَسْتُ وَحَضَرَنِي خَلْقٌ كَثِيرٌ فَارْتُجَّ عَلَيَّ، فَرَأَيْتُ عَلِيًّا قَائِمًا بِإِزَائِي فِي الْمَجْلِسِ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ لِمَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ قَدِ ارْتُجَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: افْتَحْ فَاكَ، فَفَتَحْتُهُ فَتَفَلَ فِيهِ سِتًّا، فَقُلْتُ: لِمَ لَا تُكْمِلُهَا سَبْعًا؟ قَالَ: أَدَبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَوَارَى عَنِّي فَقُلْتُ: غَوَّاصُ الْفِكْرِ يَغُوصُ فِي بَحْرِ الْقَلْبِ عَلَى دُرَرِ الْمَعَارِفِ فَيَسْتَخْرِجُهَا إِلَى سَاحِلِ الصَّدْرِ فَيُنَادِي عَلَيْهَا تُرْجُمَانُ اللِّسَانِ فَتَشْتَرِي بِنَفَائِسِ أَثْمَانٍ حُسْنَ الطَّاعَةِ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، وَقَالَ أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ خليفة بن موسى النهرملكي: كَانَ كَثِيرَ الرُّؤْيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقَظَةً وَمَنَامًا فَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ أَكْثَرَ أَفْعَالِهِ مُتَلَقَّاةٌ مِنْهُ بِأَمْرٍ مِنْهُ إِمَّا يَقَظَةً وَإِمَّا مَنَامًا، وَرَآهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، قَالَ لَهُ فِي إِحْدَاهُنَّ: يَا خليفة لَا تَضْجَرْ مِنِّي، كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مَاتَ بِحَسْرَةِ رُؤْيَتِي، وَقَالَ الكمال الأدفوي فِي الطَّالِعِ السَّعِيدِ فِي تَرْجَمَةِ الصفي أبي عبد الله محمد بن يحيى الأسواني نَزِيلِ أَخْمِيمَ مِنْ أَصْحَابِ أبي يحيى بن شافع: كَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَلَهُ مُكَاشَفَاتٌ وَكَرَامَاتٌ كَتَبَ عَنْهُ ابن دقيق العيد، وابن النعمان، والقطب العسقلاني، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ يَرَى النَّبِيَّ ﷺ وَيَجْتَمِعُ بِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ عبد الغفار بن نوح القوصي فِي كِتَابِهِ الْوَحِيدِ: مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ أبي يحيى أبو عبد الله الأسواني الْمُقِيمُ بِأَخْمِيمَ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّهُ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ سَاعَةٍ حَتَّى لَا تَكَادُ سَاعَةٌ إِلَّا وَيُخْبِرُ عَنْهُ، وَقَالَ فِي الْوَحِيدِ أَيْضًا: كَانَ لِلشَّيْخِ أبي العباس المرسي وُصْلَةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَدَّ ﵇ وَيُجَاوِبُهُ إِذَا تَحَدَّثَ مَعَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تاج الدين بن عطاء الله فِي لَطَائِفِ الْمِنَنِ، قَالَ رَجُلٌ لِلشَّيْخِ أبي العباس المرسي: يَا سَيِّدِي صَافِحْنِي بِكَفِّكَ هَذِهِ فَإِنَّكَ لَقِيتَ رِجَالًا وَبِلَادًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا صَافَحْتُ بِكَفِّي هَذِهِ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَقَالَ الشَّيْخُ: لَوْ حُجِبَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -

стр. 784

طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا عَدَدْتُ نَفْسِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الشَّيْخُ صفي الدين بن أبي المنصور فِي رِسَالَتِهِ، وَالشَّيْخُ عبد الغفار فِي الْوَحِيدِ: حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أبي الحسن الوناني قَالَ: أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أبو العباس الطنجي قَالَ: وَرَدْتُ عَلَى سَيِّدِي أحمد بن الرفاعي فَقَالَ لِي: مَا أَنَا شَيْخُكَ، شَيْخُكَ عبد الرحيم بِقِنَا، فَسَافَرْتُ إِلَى قِنَا، فَدَخَلْتُ عَلَى الشَّيْخِ عبد الرحيم فَقَالَ لِي: عَرَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: رُحْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى تَعْرِفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَحِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي وَإِذَا بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ مَمْلُوءَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعْتُ إِلَى الشَّيْخِ فَقَالَ لِي: عَرَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: الْآنَ كَمُلَتْ طَرِيقَتُكَ، لَمْ تَكُنِ الْأَقْطَابُ أَقْطَابًا وَالْأَوْتَادُ أَوْتَادًا وَالْأَوْلِيَاءُ أَوْلِيَاءً إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ ﷺ ، وَقَالَ فِي الْوَحِيدِ: وَمِمَّنْ رَأَيْتُهُ بِمَكَّةَ الشَّيْخُ عبد الله الدلاصي، أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ لَهُ صَلَاةٌ فِي عُمْرِهِ إِلَّا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَأَحْرَمْتُ أَخَذَتْنِي أَخْذَةٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِمَامًا وَخَلْفَهُ الْعَشَرَةُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَقَرَأَ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ وَفِي الثَّانِيَةِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ لَا طَمَعًا فِي بِرِّكَ وَلَا رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَكَ لِأَنَّ لَكَ الْمِنَّةَ عَلَيْنَا بِإِيجَادِنَا قَبْلَ أَنْ لَمْ نَكُنْ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَ الْإِمَامُ فَعَقَلْتُ تَسْلِيمَهُ فَسَلَّمْتُ. وَقَالَ الشَّيْخُ صفي الدين فِي رِسَالَتِهِ: قَالَ لِي الشَّيْخُ أبو العباس الحرار: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً فَوَجَدْتُهُ يَكْتُبُ مَنَاشِيرَ لِلْأَوْلِيَاءِ بِالْوِلَايَةِ، وَكَتَبَ لِأَخِي محمد مِنْهُمْ مَنْشُورًا قَالَ: وَكَانَ أَخُو الشَّيْخِ كَبِيرًا فِي الْوِلَايَةِ كَانَ عَلَى وَجْهِهِ نُورٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ وَلِيٌّ، فَسَأَلْنَا الشَّيْخَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَفَخَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ فَأَثَّرَتِ النَّفْخَةُ هَذَا النُّورَ. قَالَ الشَّيْخُ صفي الدين: وَرَأَيْتُ الشَّيْخَ الْجَلِيلَ الْكَبِيرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيَّ أَجَلَّ أَصْحَابِ الشيخ القرشي، وَكَانَ أَكْثَرَ إِقَامَتِهِ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ لَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَصْلَةٌ وَأَجْوِبَةٌ وَرَدٌّ لِلسَّلَامِ، حَمَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِسَالَةً لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ، وَتَوَجَّهَ بِهَا إِلَى مِصْرَ وَأَدَّاهَا وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَمِمَّنْ رَأَيْتُ بِمِصْرَ الشَّيْخَ أبا العباس العسقلاني أَخَصَّ أَصْحَابِ الشيخ القرشي، زَاهِدَ مِصْرَ فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَوْقَاتِهِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ بِمَكَّةَ يُقَالُ أَنَّهُ

стр. 785

دَخَلَ مَرَّةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ اللَّهُ بِيَدِكَ يَا أحمد. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ فَقِيهٍ فَرَوَى ذَلِكَ الْفَقِيهُ حَدِيثًا، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ بَاطِلٌ، فَقَالَ الْفَقِيهُ: وَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِكَ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَقُلْ هَذَا الْحَدِيثَ، وَكُشِفَ لِلْفَقِيهِ فَرَآهُ، وَفِي كِتَابِ الْمِنَحِ الْإِلَهِيَّةِ فِي مَنَاقِبِ السَّادَةِ الْوَفَائِيَّةِ لابن فارس قَالَ: سَمِعْتُ سَيِّدِي عليا ﵁ يَقُولُ: كُنْتُ وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ الشَّيْخُ يعقوب، فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقَظَةً لَا مَنَامًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَبْيَضُ قُطْنٌ ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَمِيصَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ وَالضُّحَى وَأَلَمْ نَشْرَحْ ثُمَّ غَابَ عَنِّي، فَلَمَّا أَنْ بَلَغْتُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً أَحْرَمْتُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِالْقَرَافَةِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُبَالَةَ وَجْهِي فَعَانَقَنِي، وَقَالَ لِي: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، فَأُوتِيتُ لِسَانَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ. انْتَهَى. وَفِي بَعْضِ الْمَجَامِيعِ: حَجَّ سَيِّدِي أحمد الرفاعي فَلَمَّا وَقَفَ تُجَاهَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ أَنْشَدَ: فِي حَالَةِ الْبُعْدِ رُوحِي كُنْتُ أُرْسِلُهَا ... تُقَبِّلُ الْأَرْضَ عَنِّي فَهْيَ نَائِبَتِي وَهَذِهِ نَوْبَةُ الْأَشْبَاحِ قَدْ حَضَرَتْ ... فَامْدُدْ يَمِينَكَ كَيْ تَحْظَى بِهَا شَفَتِي فَخَرَجَتِ الْيَدُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَقَبَّلَهَا، وَفِي مُعْجَمِ الشَّيْخِ برهان الدين البقاعي قَالَ: حَدَّثَنِي الْإِمَامُ أبو الفضل بن أبي الفضل النويري أَنَّ السيد نور الدين الإيجي وَالِدَ الشريف عفيف الدين لَمَّا وَرَدَ إِلَى الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَمِعَ مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ قَائِلًا مِنَ الْقَبْرِ يَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا وَلَدِي، وَقَالَ الْحَافِظُ محب الدين بن النجار فِي تَارِيخِهِ: أَخْبَرَنِي أبو أحمد داود بن علي بن هبة الله بن المسلمة أَنَا أبو الفرح المبارك بن عبد الله بن محمد بن النقور قَالَ: حَكَى شَيْخُنَا أبو نصر عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد الصوفي الكرخي قَالَ: حَجَجْتُ وَزُرْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ الْحُجْرَةِ إِذْ دَخَلَ الشَّيْخُ أبو بكر الدياربكري وَوَقَفَ بِإِزَاءِ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ دَاخِلِ الْحُجْرَةِ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أبا بكر، وَسَمِعَهُ مَنْ حَضَرَ. وَفِي كِتَابِ مِصْبَاحِ الظَّلَامِ فِي الْمُسْتَغِيثِينَ بِخَيْرِ الْأَنَامِ للإمام شمس الدين محمد بن موسى بن النعمان قَالَ: سَمِعْتُ يوسف بن علي الزناني يَحْكِي عَنِ امْرَأَةٍ هَاشِمِيَّةٍ كَانَتْ

стр. 786

مُجَاوِرَةً بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ بَعْضُ الْخُدَّامِ يُؤْذِيهَا، قَالَتْ: فَاسْتَغَثْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُ قَائِلًا مِنَ الرَّوْضَةِ يَقُولُ: أَمَا لَكِ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ فَاصْبِرِي كَمَا صَبَرْتُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، قَالَتْ: فَزَالَ عَنِّي مَا كُنْتُ فِيهِ وَمَاتَ الْخُدَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْذُونَنِي، وَقَالَ ابن السمعاني فِي الدَّلَائِلِ: أَخْبَرَنَا أبو بكر هبة الله بن الفرج أَخْبَرَنَا أبو القاسم يوسف بن محمد بن يوسف الخطيب أَخْبَرَنَا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر بن تميم المؤدب حَدَّثَنَا علي بن إبراهيم بن علان أَخْبَرَنَا علي بن محمد بن علي حَدَّثَنَا أحمد بن الهيثم الطائي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أبي صادق عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَعْرَابِيٌّ بَعْدَ مَا دَفَنَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَثَا مِنْ تُرَابِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ فَسَمِعْنَا قَوْلَكَ وَوَعَيْتَ عَنِ اللَّهِ فَأَوْعَيْنَا عَنْكَ، وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَقَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَجِئْتُكَ تَسْتَغْفِرَ لِي، فَنُودِيَ مِنَ الْقَبْرِ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَكَ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ مُزِيلِ الشُّبُهَاتِ فِي إِثْبَاتِ الْكَرَامَاتِ لِلْإِمَامِ عماد الدين إسماعيل بن هبة الله بن باطيس مَا نَصُّهُ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى إِثْبَاتِ الْكَرَامَاتِ آثَارٌ مَنْقُولَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَالَ لعائشة ﵂: إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، قَالَتْ: هَذَانِ أَخَوَايَ محمد وعبد الرحمن، فَمَنْ أُخْتَايَ وَلَيْسَ لِي إِلَّا أسماء، فَقَالَ: ذُو بَطْنِ ابْنَةِ خَارِجَةَ قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهَا جَارِيَةٌ، فَوَلَدَتْ أم كلثوم، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي قِصَّةِ سَارِيَةَ حَيْثُ نَادَى وَهُوَ فِي الْخُطْبَةِ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ الْجَبَلَ، فَأَسْمَعَ اللَّهُ سَارِيَةَ كَلَامَهُ وَهُوَ بِنَهَاوَنْدَ، وَقِصَّتُهُ مَعَ نِيلِ مِصْرَ وَمُرَاسَلَتُهُ إِيَّاهُ وَجَرَيَانُهُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ثُمَّ أَتَيْتُ عثمان لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ - وَهُوَ مَحْصُورٌ - فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأَخِي، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْخُوخَةِ فَقَالَ: يَا عثمان حَصَرُوكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: عَطَّشُوكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَدْلَى لِي دَلْوًا فِيهِ مَاءٌ فَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ حَتَّى إِنِّي لَأَجِدُ بَرْدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَبَيْنَ كَتِفَيَّ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ نُصِرْتَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَفْطَرْتَ عِنْدَنَا، فَاخْتَرْتُ أَنْ أُفْطِرَ عِنْدَهُ، فَقُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ. انْتَهَى. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ عَنْ عثمان - مُخَرَّجَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِالْإِسْنَادِ - أَخْرَجَهَا الحارث بن أبي أسامة فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ فَهِمَ الْمُنْصِفُ مِنْهَا أَنَّهَا رُؤْيَةُ يَقَظَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ عَدُّهَا فِي الْكَرَامَاتِ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَنَامِ يَسْتَوِي فِيهَا كُلُّ أَحَدٍ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْخَوَارِقِ الْمَعْدُودَةِ فِي

стр. 787

الْكَرَامَاتِ وَلَا يُنْكِرُهَا مَنْ يُنْكِرُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابن باطيس فِي هَذَا الْكِتَابِ قَالَ: وَمِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ سَمْعُونَ الْبَغْدَادِيُّ الصُّوفِيُّ، قَالَ أبو طاهر محمد بن علي العلان: حَضَرْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ سَمْعُونَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ الْوَعْظِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ يَتَكَلَّمُ فَكَانَ أَبُو الْفَتْحِ الْقَوَّاسُ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ الْكُرْسِيِّ فَغَشِيَهُ النُّعَاسُ وَنَامَ، فَأَمْسَكَ أبو الحسين سَاعَةً عَنِ الْكَلَامِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ أبو الفتح وَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ أبو الحسين: رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَوْمِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أبو الحسين: لِذَلِكَ أَمْسَكْتُ عَنِ الْكَلَامِ خَوَفَ أَنْ تَنْزَعِجَ وَيَنْقَطِعَ مَا كُنْتَ فِيهِ، فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ سَمْعُونَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَقَظَةً لَمَّا حَضَرَ وَرَآهُ أبو الفتح فِي نَوْمِهِ، وَقَالَ أبو بكر بن أبيض فِي جُزْئِهِ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بَنَانًا الْحَمَّالَ الزَّاهِدَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بابن ثابت قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتِّينَ سَنَةً لَيْسَ إِلَّا لِلسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَرْجِعُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ تَخَلَّفَ لِشُغْلٍ أَوْ سَبَبٍ فَقَالَ: بَيْنَا هُوَ قَاعِدٌ فِي الْحُجْرَةِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: يَا ابن ثابت لَمْ تَزُرْنَا فَزُرْنَاكَ. تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَكْثَرُ مَا تَقَعُ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ يَتَرَقَّى إِلَى أَنْ يُرَى بِالْبَصَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَمْرَانِ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، لَكِنْ لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ كَالرُّؤْيَةِ الْمُتَعَارَفَةِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا هِيَ جَمْعِيَّةٌ حَالِيَّةٌ وَحَالَةٌ بَرْزَخِيَّةٌ وَأَمْرٌ وُجْدَانِيٌّ لَا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا مَنْ بَاشَرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الشَّيْخِ عبد الله الدلاصي، فَلَمَّا أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَأَحْرَمْتُ أَخَذَتْنِي أَخْذَةٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَخَذَةٌ إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ. الثَّانِي: هَلِ الرُّؤْيَةُ لَذَاتِ الْمُصْطَفَى ﷺ بِجِسْمِهِ وَرُوحِهِ أَوْ لِمِثَالِهِ؟ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ يَقُولُونَ بِالثَّانِي وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُرَى جِسْمُهُ وَبَدَنُهُ بَلْ مِثَالًا لَهُ صَارَ ذَلِكَ الْمِثَالُ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِهِ، قَالَ: وَالْآلَةُ تَارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وَتَارَةً تَكُونُ خَيَالِيَّةً، وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالِ الْمُتَخَيَّلِ، فَمَا رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ لَيْسَ هُوَ رُوحَ الْمُصْطَفَى وَلَا شَخْصَهُ بَلْ هُوَ مِثَالٌ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، قَالَ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ فَإِنَّ ذَاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ، وَلَكِنْ تَنْتَهِي تَعْرِيفَاتُهُ إِلَى الْعَبْدِ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِثَالُ حَقًّا فِي كَوْنِهِ وَاسِطَةً فِي التَّعْرِيفِ فَيَقُولُ الرَّائِي: رَأَيْتُ اللَّهَ فِي الْمَنَامِ، لَا يَعْنِي أَنِّي رَأَيْتُ ذَاتَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. انْتَهَى.

стр. 788

وَفَصَّلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَرُؤْيَتُهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَلَا يَمْتَنِعُ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَحْيَاءٌ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ بَعْدَ مَا قُبِضُوا وَأُذِنَ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَلَكُوتِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَقَدْ أَلَّفَ الْبَيْهَقِيُّ جُزْءًا فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ؛ وَقَالَ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ: الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ مَا قُبَضُوا رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَنَّهُ يُبَشَّرُ بِطَاعَاتِ أُمَّتِهِ وَيَحْزَنُ بِمَعَاصِي الْعُصَاةِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ تَبْلُغُهُ صَلَاةُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَبْلُونَ وَلَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ شَيْئًا، وَقَدْ مَاتَ مُوسَى فِي زَمَانِهِ فَأَخْبَرَ نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّهُ رَآهُ فِي قَبْرِهِ مُصَلِّيًا، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ رَآهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَرَأَى آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِذَا صَحَّ لَنَا هَذَا الْأَصْلُ قُلْنَا: نَبِيُّنَا ﷺ قَدْ صَارَ حَيًّا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَهُوَ عَلَى نُبُوَّتِهِ. انْتَهَى، وَقَالَ القرطبي فِي التَّذْكِرَةِ فِي حَدِيثِ الصَّعْقَةِ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ: الْمَوْتُ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشُّهَدَاءَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ وَمَوْتِهِمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الشُّهَدَاءِ فَالْأَنْبِيَاءُ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَأَوْلَى، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ ﷺ اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي السَّمَاءِ وَرَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى كُلِّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ جُمْلَتِهِ الْقَطْعُ بِأَنَّ مَوْتَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنْ غُيِّبُوا عَنَّا بِحَيْثُ لَا نُدْرِكُهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ أَحْيَاءً، وَذَلِكَ كَالْحَالِ فِي الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ مَوْجُودِينَ أَحْيَاءً وَلَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ نَوْعِنَا إِلَّا مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» ) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ» ) وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي الْجَامِعِ قَالَ: قَالَ شَيْخٌ لَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: مَا مَكَثَ نَبِيٌّ فِي قَبْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى يُرْفَعَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَصِيرُونَ كَسَائِرِ الْأَحْيَاءِ يَكُونُونَ حَيْثُ يُنْزِلُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرَوَى عبد الرزاق فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أبي المقدام عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: مَا

стр. 789

مَكَثَ نَبِيٌّ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وأبو المقدام هُوَ ثابت بن هرمز [الكوفي] شَيْخٌ صَالِحٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وأبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ فِي قَبْرِهِ إِلَّا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» ) وَقَالَ إمام الحرمين فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ الرافعي فِي الشَّرْحِ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ» ) زَادَ إمام الحرمين: وَرُوِيَ: أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ الْحَنْبَلِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ حَدِيثًا أَنَّ اللَّهَ لَا يَتْرُكُ نَبِيًّا فِي قَبْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ بدر الدين بن الصاحب فِي تَذْكِرَتِهِ - فَصْلٌ فِي حَيَاتِهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ تَصْرِيحُ الشَّارِعِ وَإِيمَاؤُهُ، وَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فَهَذِهِ الْحَالَةُ وَهِيَ الْحَيَاةُ فِي الْبَرْزَخِ بَعْدَ الْمَوْتِ حَاصِلَةٌ لِآحَادِ الْأُمَّةِ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَحَالُهُمْ أَعْلَى وَأَفْضَلُ مِمَّنْ تَكُنْ لَهُ هَذِهِ الرُّتْبَةُ لَا سِيَّمَا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا تَكُونُ رُتْبَةُ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ أَعْلَى مِنْ رُتْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ هَذِهِ الرُّتْبَةُ بِتَزْكِيَتِهِ وَتَبَعِيَّتِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا اسْتَحَقُّوا هَذِهِ الرُّتْبَةَ بِالشَّهَادَةِ، وَالشَّهَادَةِ حَاصِلَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ، وَقَالَ ﵇: ( «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ» ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ الْحَيَاةِ لِمُوسَى فَإِنَّهُ وَصَفَهُ بِالصَّلَاةِ وَأَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوصَفُ بِهِ الرُّوحُ وَإِنَّمَا وُصِفَ بِهِ الْجَسَدُ، وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالْقَبْرِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْصَافِ الرُّوحِ لَمْ يَحْتَجْ لِتَخْصِيصِهِ بِالْقَبْرِ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ مَسْجُونَةٌ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْأَجْسَادِ، وَأَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ أَوِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى وَاضِعًا أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا» "، سُئِلَ هُنَا: كَيْفَ ذَكَرَ حَجَّهُمْ وَتَلْبِيَتَهُمْ وَهُمْ أَمْوَاتٌ وَهُمْ فِي الْأُخْرَى وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحُجُّوا وَيُصَلُّوا وَيَتَقَرَّبُوا بِمَا اسْتَطَاعُوا، وَأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي

стр. 790

الْأُخْرَى فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْعَمَلِ حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ مُدَّتُهَا وَاعْتَقَبَتْهَا الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ انْقَطَعَ الْعَمَلُ، هَذَا لَفْظُ الْقَاضِي عِيَاضٍ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَقُولُ: إِنَّهُمْ يَحُجُّونَ بِأَجْسَادِهِمْ وَيُفَارِقُونَ قُبُورَهُمْ، فَكَيْفَ يُسْتَنْكَرُ مُفَارَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِقَبْرِهِ؟ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا كَانَ حَاجًّا وَإِذَا كَانَ مُصَلِّيًا فَجَسَدُهُ فِي السَّمَاءِ وَلَيْسَ مَدْفُونًا فِي الْقَبْرِ. انْتَهَى. فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ النُّقُولِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيٌّ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ وَيَسِيرُ حَيْثُ شَاءَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَفِي الْمَلَكُوتِ وَهُوَ بِهَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مُغَيَّبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ كَمَا غُيِّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً بِأَجْسَادِهِمْ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَفْعَ الْحِجَابِ عَمَّنْ أَرَادَ إِكْرَامَهُ بِرُؤْيَتِهِ رَآهُ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا دَاعِيَ إِلَى التَّخْصِيصِ بِرُؤْيَةِ الْمِثَالِ. الثَّالِثُ: سُئِلَ بَعْضُهُمْ كَيْفَ يَرَاهُ الرَّاؤُنَ الْمُتَعَدِّدُونَ فِي أَقْطَارٍ مُتَبَاعِدَةٍ؟ فَأَنْشُدُهُمْ: كَالشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَضَوْؤُهَا ... يَغْشَى الْبِلَادَ مَشَارِقًا وَمَغَارِبَا وَفِي مَنَاقِبِ الشَّيْخِ تاج الدين بن عطاء الله عَنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ قَالَ: حَجَجْتُ، فَلَمَّا كُنْتُ فِي الطَّوَافِ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تاج الدين فِي الطَّوَافِ فَنَوَيْتُ أَنْ أُسَلِّمَ عَلَيْهِ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ جِئْتُ فَلَمْ أَرَهُ ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي عَرَفَةَ كَذَلِكَ وَفِي سَائِرِ الْمَشَاهِدِ كَذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى الْقَاهِرَةِ سَأَلْتُ عَنِ الشَّيْخِ فَقِيلَ لِي: طَيِّبٌ، فَقُلْتُ: هَلْ سَافَرَ؟ قَالُوا: لَا، فَجِئْتُ إِلَى الشَّيْخِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: مَنْ رَأَيْتَ؟ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي رَأَيْتُكَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ الرَّجُلُ الْكَبِيرُ يَمْلَأُ الْكَوْنَ لَوْ دُعِيَ الْقُطْبُ مِنْ حَجَرٍ لَأَجَابَ، فَإِذَا كَانَ الْقُطْبُ يَمْلَأُ الْكَوْنَ فَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الشَّيْخِ أبي العباس الطنجي أَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ مَمْلُوءَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الرَّابِعُ: قَالَ قَائِلٌ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ تَثْبُتَ الصُّحْبَةُ لِمَنْ رَآهُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ، أَمَّا إِنْ قُلْنَا: بِأَنَّ الْمَرْئِيَّ الْمِثَالُ فَوَاضِحٌ لِأَنَّ الصُّحْبَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ جَسَدًا وَرُوحًا، وَإِنْ قُلْنَا: الْمَرْئِيُّ الذَّاتُ فَشَرْطُ الصُّحْبَةِ أَنْ يَرَاهُ وَهُوَ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ، وَهَذِهِ رُؤْيَةٌ وَهُوَ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ لَا تُثْبِتُ صُحْبَتَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِأَنَّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ عُرِضُوا عَلَيْهِ فَرَآهُمْ وَرَأَوْهُ وَلَمْ تَثْبُتِ الصُّحْبَةُ لِلْجَمِيعِ لِأَنَّهَا رُؤْيَةٌ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ فَلَا تُفِيدُ صُحْبَتَهُ. خَاتِمَةٌ: أَخْرَجَ أحمد فِي مَسْنَدِهِ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ طَرِيقِ أبي العالية

стр. 791

عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: ( «خَرَجْتُ مِنْ أَهْلِي أُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَإِذَا بِهِ قَائِمٌ وَرَجُلٌ مَعَهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُمَا حَاجَةً، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: لَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ قَامَ بِكَ هَذَا الرَّجُلُ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَكَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ مَا زَالَ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَلَّمْتَ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ» ) . وَأَخْرَجَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ تميم بن سلمة قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذِ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهِ رَجُلٌ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ مُوَلِّيًا مُعْتَمًّا بِعِمَامَةٍ قَدْ أَرْسَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: (هَذَا جِبْرِيلُ) » . وَأَخْرَجَ أحمد وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: ( «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَمَرَرْتُ، فَلَمَّا رَجَعْنَا وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ الَّذِي كَانَ مَعِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ» ) . وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ حارثة قَالَ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، وَأَخْرَجَ أحمد وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ فَكَانَ كَالْمُعْرِضِ عَنْ أَبِي فَخَرَجْنَا فَقَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ يُنَاجِيكَ فَهَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَا عبد الله؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ هُوَ الَّذِي يَشْغَلُنِي عَنْكَ» . وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَنْزِلِهِ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّاخِلِ فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَرَ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كُنْتَ تُكَلِّمُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ بَعْدَكَ أَكْرَمَ مَجْلِسًا وَلَا أَحْسَنَ حَدِيثًا مِنْهُ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَرِجَالًا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ) وَأَخْرَجَ أبو بكر بن أبي داود فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ عَنْ أبي جعفر قَالَ: «كَانَ أبو بكر يَسْمَعُ مُنَاجَاةَ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ » -. وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: ( «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ سَمِعْتُ مُتَكَلِّمًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ عَلَانِيَتُهُ وَسِرُّهُ أَهْلٌ أَنْ تُحْمَدَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ

стр. 792

شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَمِيعَ مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي، وَاعْصِمْنِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي، وَارْزُقْنِي عَمَلًا زَاكِيًا تَرْضَى بِهِ عَنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " ذَاكَ مَلَكٌ أَتَاكَ يُعَلِّمُكَ تَحْمِيدَ رَبِّكَ» ". وَأَخْرَجَ محمد بن نصر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ سَمِعْتُ مُتَكَلِّمًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، قَالَ: فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الذِّكْرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " «قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَأَدْخُلَنَّ الْمَسْجِدَ، فَلَأُصَلِيَّنَ وَلَأَحْمِدَنَّ اللَّهَ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمِدْهُ بِهَا أَحَدٌ، فَلَمَّا صَلَّى وَجَلَسَ لِيَحْمِدَ اللَّهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ بِصَوْتٍ عَالٍ مِنْ خَلْفٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، عَلَانِيَتُهُ وَسِرُّهُ، لَكَ الْحَمْدُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، [اللَّهُمَّ] اغْفِرْ لِي مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي، وَاعْصِمْنِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي، وَارْزُقْنِي أَعْمَالًا زَاكِيَةً تَرْضَى بِهَا عَنِّي، وَتُبْ عَلَيَّ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ محمد بن مسلمة قَالَ: " «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا خَدَّهُ عَلَى خَدِّ رَجُلٍ، فَلَمْ أُسَلِّمْ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَقَالَ لِي: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُسَلِّمَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ بِهَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا مَا فَعَلْتَهُ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَ عَلَيْكَ حَدِيثَكَ، فَمَنْ كَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ» ". وَأَخْرَجَ الحاكم عَنْ عائشة قَالَتْ: " «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَاقِفًا فِي حُجْرَتِي هَذِهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: بِمَنْ شَبَّهْتِهِ؟ قُلْتُ: بِدِحْيَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتِ جِبْرِيلَ» ". وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حذيفة قَالَ: " «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ خَرَجَ، فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا عَارِضٌ قَدْ عَرَضَ لَهُ، فَقَالَ لِي: يَا حذيفة هَلْ رَأَيْتَ الْعَارِضَ الَّذِي عَرَضَ لِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَهَا، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَبَشَّرَنِي بالحسن والحسين أَنَّهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ فاطمة سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ". وَأَخْرَجَ أحمد، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وأبو نعيم، وَالْبَيْهَقِيُّ، كِلَاهُمَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، «عَنْ أسيد بن حضير، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتْ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا هِيَ بِمِثْلِ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ تَنْظُرُ النَّاسُ

стр. 793

إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» . وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «رَأَيْتُ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلَيْنِ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدُهُمَا وَعَنْ يَسَارِهِ أَحَدُهُمَا، يُقَاتِلَانِ أَشَدَّ الْقِتَالِ، ثُمَّ ثَلَّثَهُمَا ثَالِثٌ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ رَبَّعَهُمَا رَابِعٌ أَمَامَهُ» . وَأَخْرَجَ إسحاق بن راهويه فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وأبو نعيم وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ مَا عَمِيَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ بِبَدْرٍ الْآنَ وَمَعِيَ بَصَرِي لَأَخْبَرْتُكُمْ بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ قَالَ: " «جِئْتُ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثَةِ رُءُوسٍ، فَوَضَعْتُهُنَّ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا رَأْسَانِ فَقَتَلْتُهُمَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا أَبْيَضَ طَوِيلًا ضَرَبَهُ، فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَاكَ فُلَانٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» ". وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمَلَكُ يَتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنَ النَّاسِ يُثَبِّتُونَهُمْ، فَيَقُولُ: إِنِّي دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ حَمَلُوا عَلَيْنَا مَا ثَبَتْنَا، لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] . وَأَخْرَجَ أحمد، وابن سعد، وَابْنُ جَرِيرٍ، وأبو نعيم فِي الدَّلَائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «كَانَ الَّذِي أَسَرَ العباس أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ أبو اليسر رَجُلًا جَمُوعًا، وَكَانَ العباس رَجُلًا جَسِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أبا اليسر كَيْفَ أَسَرْتَ العباس؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، هَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ» ". وَأَخْرَجَ ابن سعد وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عمار بن أبي عمار: " أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِنِي جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ، قَالَ: اقْعُدْ فَقَعَدَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى خَشَبَةٍ كَانَتْ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْفَعْ طَرْفَكَ [فَانْظُرْ، فَرَفَعَ طَرْفَهُ] فَرَأَى قَدَمَيْهِ مِثْلَ الزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ، إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ حُفْرَةٍ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ فَنَادَانِي، يَا عبد الله اسْقِنِي، وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ تِلْكَ الْحُفْرَةِ فِي يَدِهِ سَوْطٌ، فَنَادَانِي يَا عبد الله لَا تَسْقِهِ ; فَإِنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ حَتَّى عَادَ إِلَى حُفْرَتِهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: أَوَقَدْ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ أبو جهل وَذَاكَ عَذَابُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ".

стр. 794

مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ رُؤْيَتُهُ الرَّجُلَ الَّذِي خَرَجَ عَقِبَهُ وَضَرْبُهُ بِالسَّوْطِ، فَإِنَّهُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِتَعْذِيبِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ الصَّحَابِيِّ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُقْبَضَ، فَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَوَهَنَ عَظْمِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَأَنَا أُصَلِّي وَأَدْعُو أَنْ أُقْبَضَ، إِذَا أَنَا بِفَتًى شَابٍّ مِنْ أَجْمَلِ الرِّجَالِ، وَعَلَيْهِ رَوَاحٌ أَخْضَرُ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُو بِهِ؟ قُلْتُ: وَكَيْفَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ حُسْنَ الْعَمَلِ، وَبَلْغَ الْأَجَلِ، قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا رَتَايِيلُ الَّذِي يَسُلُّ الْحُزْنَ مِنْ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا. وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سعيد بن سنان قَالَ: أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ سَمِعْتُ حَفِيفًا لَهُ جَنَاحَانِ قَدْ أَقْبَلَ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ الدَّائِمِ الْقَائِمِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَفِيفٌ يَتْلُوهُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَفِيفٌ بَعْدَ حَفِيفٍ يَتَجَاوَبُونَ بِهَا حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَإِذَا بَعْضُهُمْ قَرِيبٌ مِنِّي فَقَالَ: آدَمِيٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ، هَذِهِ الْمَلَائِكَةُ. تَذْنِيبٌ: وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ هُنَا مَا أَخْرَجَهُ أبو داود مِنْ طَرِيقِ أبي عمير بن أنس، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، «أَنَّ عبد الله بن زيد قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَأَرَانِي الْأَذَانَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا» . وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، أَنَّ عبد الله بن زيد قَالَ: لَوْلَا اتِّهَامِي لِنَفْسِي لَقُلْتُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ نَائِمًا، وَفِي سُنَنِ أبي داود مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَأَذَّنَ ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ لَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ يَقْظَانًا غَيْرَ نَائِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا» . فَقَالَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي فِي شَرْحِ سُنَنِ أبي داود: قَوْلُهُ: " إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ " مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ، فَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّ نَوْمَهُ كَانَ خَفِيفًا قَرِيبًا مِنَ الْيَقَظَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ. قُلْتُ: أَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي تَعْتَرِي أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ وَيُشَاهِدُونَ فِيهَا مَا يُشَاهِدُونَ، وَيَسْمَعُونَ مَا يَسْمَعُونَ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ

стр. 795

اللَّهُ عَنْهُمْ هُمْ رُءُوسُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّ أبا بكر وعمر وبلالا رَأَوْا مِثْلَ مَا رَأَى عبد الله بن زيد. وَذَكَرَ إمام الحرمين فِي النِّهَايَةِ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ، أَنَّ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلُّهُمْ قَدْ رَأَى مِثْلَ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ [أَنَّ] الَّذِي نَادَى بِالْأَذَانِ فَسَمِعَهُ عمر وبلال جِبْرِيلُ أَخْرَجَهُ الحارث بن أبي أسامة فِي مُسْنَدِهِ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أبي بكر فَرَآهُ ثَقِيلًا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَدَخَلَ عَلَى عائشة لِيُخْبِرَهَا بِوَجَعِ أبي بكر، إِذْ دَخَلَ أبو بكر يَسْتَأْذِنُ، فَدَخَلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَجَّبُ لِمَا عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعَافِيَةِ، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي فَغَفَوْتُ، فَأَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَسَطَعَنِي سَطْعَةً، فَقُمْتُ وَقَدْ بَرِأْتُ. فَلَعَلَّ هَذِهِ غَفْوَةُ حَالٍ لَا غَفْوَةُ نَوْمٍ» . [الْفَتَاوَى النَّحْوِيَّةُ وَمَا ضُمَّ إِلَيْهَا] [مسائل متفرقة في النحو] الْفَتَاوَى النَّحْوِيَّةُ وَمَا ضُمَّ إِلَيْهَا مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ ابْنِ الْمُصَنِّفِ: حَدُّ النَّحْوِ فِي الِاصْطِلَاحِ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ بِأَحْكَامٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنَ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْعَرَبِ، أَعْنِي أَحْكَامَ الْكَلِمِ فِي ذَوَاتِهَا وَمَا يَعْرِضُ لَهَا بِالتَّرْكِيبِ، هَلْ قَوْلُهُ وَمَا يَعْرِضُ لَهَا بِأَوْ أَوْ بِالْوَاوِ، وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ الْجَوَابُ: هُوَ بِالْوَاوِ قَصَدَ بِذَلِكَ حَدَّ النَّحْوِ عَلَى مُصْطَلَحِ أَبِيهِ الشَّامِلِ لِلْإِعْرَابِ وَالتَّصْرِيفِ مَعًا، فَأَحْكَامُ الْكَلِمِ فِي ذَوَاتِهَا هُوَ الْمَبْحُوثُ عَنْهُ فِي التَّصْرِيفِ، وَمَا يَعْرِضُ لَهَا بِالتَّرْكِيبِ هُوَ الْمَبْحُوثُ عَنْهُ فِي الْإِعْرَابِ، وَيُطْلَقُ النَّحْوُ إِطْلَاقًا آخَرَ عَلَى مَا يُرَادِفُ الْإِعْرَابَ وَيُقَابِلُ التَّصْرِيفَ، وَلَهُ حَدٌّ غَيْرُ مَا ذَكَرَ. مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ» . هَلِ " الْجَنَّةُ " بِالرَّفْعِ أَوْ بِالنَّصْبِ؟ . الْجَوَابُ: هُوَ بِالنَّصْبِ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ الْمَعْنَى، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ النُّحَاةِ: يَجُوزُ الرَّفْعُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ حَيْثُ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَالِاسْتِئْنَافُ هُنَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى، إِذْ يَصِيرُ الْمُرَادُ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَلَيْسَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إِدْخَالُهُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، فَتَعَيَّنَ النَّصْبُ. مَسْأَلَةٌ: مَا إِعْرَابُ قَوْلِهِ ﷺ : «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ؟

стр. 796

الْجَوَابُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ لَفْظُ " ثَلَاثٌ "، وَأَمَّا إِعْرَابُهُ فَ " حُبِّبَ " فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، وَالظَّرْفَانِ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقَانِ بِهِ. وَ " الطِّيبُ " مَرْفُوعٌ بِهِ نَائِبًا عَنِ الْفَاعِلِ. وَ " النِّسَاءُ " مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ فَلَفْظُ: «وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ، فَ " قُرَّةُ " مَفْعُولُ جُعِلَ الْأَوَّلُ، أُقِيمَ مَقَامَ فَاعِلِهِ لَمَّا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مَفْعُولُهُ الثَّانِي. وَمَنْ زَادَ فِي الْحَدِيثِ لَفْظَةَ " ثَلَاثٌ " فَقَدَ وَهِمُوهُ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، فَالْمَخْصُوصُ بِحُبِّهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا اثْنَانِ، النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ دِينٌ لَا دُنْيَا ; وَلِهَذَا قَالَ: مِنْ دُنْيَاكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دُنْيَايَ وَلَا مِنَ الدُّنْيَا، فَأَشَارَ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّهُمَا مِنْ دُنْيَا النَّاسِ ; لِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَهُمَا لِلِاسْتِلْذَاذِ وَحُظُوظِ النَّفْسِ، وَهُوَ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ لِيَنْقُلْنَ عَنْهُ مَحَاسِنَهُ، وَمُعْجِزَاتِهِ الْبَاطِنَةَ، وَأَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا، وَلِلْقِيَامِ بِأَوْدِهِنَّ، وَلِيَتَشَرَّفَ أَصْحَابُهُ بِمُصَاهَرَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ، وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الطِّيبُ لِمُلَاقَاتِهِ الْمَلَائِكَةَ، وَهُمْ يُحِبُّونَهُ وَيَكْرَهُونَ الرِّيحَ الْخَبِيثَةَ ; وَلِهَذَا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الثَّوْمِ وَنَحْوِهِ لِأَجْلِ أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَلَكِنْ يَجِدُونَ الرِّيحَ. مَسْأَلَةٌ: «قَوْلُهُ ﷺ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي دَعَتْهُ لِحَاجَتِهَا: اجْلِسِي فِي أَيِّ سِكَكِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ إِلَيْكِ» . هَلْ " أَجْلِسْ " بِالْجَزْمِ أَمْ بِالرَّفْعِ أَمْ بِالْوَجْهَيْنِ؟ الْجَوَابُ: الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ الْجَزْمُ، وَبِهِ وَرَدَ الْقُرْآنُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وَالْأَشْهَرُ فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّهُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ. مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ الْخَزْرَجِيَّةِ: إِذَا اسْتَكْمَلَ الْإِجْزَاءَ بَيْتٌ كَحَشْوِهِ ... عَرُوضٌ وَضَرْبٌ ثَمَّ أَوْ خُولِفَتْ وَفَا عَلَامَ رُفِعَ قَوْلُهُ: عَرُوضٌ وَضَرْبٌ؟ الْجَوَابُ: " عَرُوضٌ " مُبْتَدَأٌ، وَ " ضَرْبٌ " عُطِفَ عَلَيْهِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ " وَهُوَ كَحَشْوِهِ " الْخَبَرُ، وَتَقْدِيمُهُ هُوَ الَّذِي سَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِالنَّكِرَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَالْحَشْوِ فِي الِاسْتِكْمَالِ الْعُرُوضُ وَالضَّرْبُ.

стр. 797

مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: «لَوْ كَانَ ذَاكَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكَ» . هَلْ لَفْظُ " فَأَسْتَغْفِرَ " بِالنَّصْبِ أَوْ بِالرَّفْعِ؟ الْجَوَابُ: هُوَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَنْ بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ " لَوْ "، وَهِيَ لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ " لَوْ " فِي الْحَدِيثِ لِلشَّرْطِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، " لَوْ " إِنَّمَا تَقَعُ شَرْطًا فِي الْمُضِيِّ، وَإِذَا وَقَعَ الْمُضَارِعُ بَعْدَهَا أُوِّلَ بِالْمُضِيِّ. الثَّانِي: أَنَّ " لَوْ " الشَّرْطِيَّةَ لَا يَقَعُ جَوَابُهَا مُضَارِعًا بَلْ مَاضِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. الثَّالِثُ: أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ مُضَارِعًا لَا يَجُوزُ اقْتِرَانُهُ بِالْفَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ " لَوْ " هُنَا لِلتَّمَنِّي لَا لِلشَّرْطِ. مَسْأَلَةٌ: فِي إِعْرَابِ تَرْكِيبٍ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ نَصُّهُ: وَلَا يُمْكِنُ الْوَارِثَ أَخْذُهَا. هَلِ " الْوَارِثَ " مَرْفُوعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ " وَأَخْذُهَا " بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ؟ الْجَوَابُ: الْوَارِثَ هُوَ الْمَفْعُولُ الْمَنْصُوبُ، وَأَخْذُهَا هُوَ الْفَاعِلُ الْمَرْفُوعُ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَمَنْ عَكَسَ فَهُوَ عَارَضَ مَنْ عَلِمَ الْعَرَبِيَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَاعِدَةٍ قَرَّرَهَا أَهْلُ النَّحْوِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا، مِنْهُمُ L-١ الزجاجي فِي الْجُمَلِ، وابن هشام فِي الْمُغْنِي، فَقَالَا: إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْفَاعِلُ مِنَ الْمَفْعُولِ فَرُدَّ الِاسْمَ إِلَى الضَّمِيرِ، وَمَا رَجَعَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَرْفُوعِ فَهُوَ الْفَاعِلُ، وَمَا رَجَعَ إِلَى ضَمِيرِهِ الْمَنْصُوبِ فَهُوَ الْمَفْعُولُ. وَقَالَ ابن هشام: تَقُولُ: أَمْكَنَ الْمُسَافِرَ السَّفَرُ، بِنَصْبِ " الْمُسَافِرَ " ; لِأَنَّكَ تَقُولُ: أَمْكَنَنِي السَّفَرُ، وَلَا تَقُولُ: أَمْكَنْتُ السَّفَرَ، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ التَّرْكِيبُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ، لَوْ رَجَّعْتَ الْوَارِثَ إِلَى الضَّمِيرِ لَقُلْتَ فِي التَّكَلُّمِ: وَلَا يُمْكِنُنِي أَخْذُهَا، وَفِي الْخِطَابِ: وَلَا يُمْكِنُكَ أَخْذُهَا، وَفِي الْغَيْبَةِ: وَلَا يُمْكِنُهُ أَخْذُهَا، فَالضَّمَائِرُ كُلُّهَا مَنْصُوبَةٌ، وَ " أَخْذُهَا " هُوَ الْفَاعِلُ، وَكَذَا " الْوَارِثَ " الْوَاقِعُ مَوْقِعَهُ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْوَارِثَ هُوَ الْفَاعِلُ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْعَقْلِ دُونَ الْأَخْذِ، فَهُوَ فِي غَايَةِ الْوَهْمِ، كَيْفَ وَالْإِمْكَانُ وَعَدَمُهُ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخْذِ لَا بِالْوَارِثِ، وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فِي آيَاتٍ أُخْرَى تَرَى الْفَاعِلَ فِيهَا غَيْرَ أُولِي الْعَقْلِ. مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ سَمِعَ إِنْسَانًا يُنْشِدُ قَوْلَ الْعَلَّامَةِ نَاصِحِ الدِّينِ الْأَرْجَانِيِّ: هَذَا الزَّمَانُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ كَدَرٍ ... حَكَى انْقِلَابَ لَيَالِيهِ بِأَهْلِيهِ

стр. 798

غَدِيرُ مَاءٍ تَرَاءَى فِي أَسَافِلِهِ خَيَالُ قَوْمٍ تَمَشَّوْا فِي نَوَاحِيهِ ... فَالرَّأْسُ يُنْظَرُ مَنْكُوسًا أَسَافِلُهُ وَالرِّجْلُ يُنْظَرُ مَرْفُوعًا أَعَالِيهِ فَأَعْرَبَ " الرَّأْسُ " مُبْتَدَأً، وَ " يُنْظَرُ " الْمَبْنِيُّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ خَبَرٌ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ الْعَائِدُ إِلَى الرَّأْسِ مَعْمُولٌ لِ " يُنْظَرُ "، وَ " مَنْكُوسًا " حَالٌ مِنْهُ، وَأَسَافِلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ بِهِ عَائِدٌ إِلَى الْغَدِيرِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: يُنْظَرُ الرَّأْسُ حَالَ كَوْنِهِ مَنْكُوسًا أَسَافِلَ الْغَدِيرِ. وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ " يُنْظَرُ "، وَكَذَا النِّصْفُ الثَّانِي، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: يُنْظَرُ الرِّجْلُ حَالَ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا فِي أَعَالِي الْغَدِيرِ، فَيَكُونُ الشَّاعِرُ قَدْ شَبَّهَ رَأْسَ الْإِنْسَانِ بِرَأْسِ الْإِنْسَانِ، وَالرِّجْلَ بِالْأَسَافِلِ، وَالْغَدِيرَ فِي حَالِ تَمَثُّلِ الْأَشْكَالِ فِيهِ مُنْقَلِبَةً بِالزَّمَانِ فِي انْقِلَابِهِ بِأَهْلِهِ، وَمَرَاتِبَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ الْوَاقِعِ فِي الْحُسْنِ بِمُشَاهَدَةِ الْأَشْكَالِ الْمُنْتَكِسَةِ فِي الْغَدِيرِ الْمَوْهُومَةِ أَنَّهَا سُطُوحٌ، وَقِيعَانُ الْغَدِيرِ مَرَاتِبُ الدُّنْيَا وَمَنَاصِبُهَا، وَيَكُونُ سَكَّنَ يَاءَ " أَعَالِيهِ " لِلضَّرُورَةِ، فَهَلْ هَذَا الْإِعْرَابُ صَحِيحٌ مُسْتَقِيمٌ أَوْ فَاسِدٌ بَاطِلٌ؟ أَوْ لَهُ وَجْهٌ مَا فِي الْجُمْلَةِ، أَوْ مَا قَالَهُ مَنْ رَدَّ عَلَى هَذَا الْمُعْرِبِ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَنَّ " أَسَافِلُ " مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مَعْمُولٌ لِيُنْظَرُ، أَعْنِي: أَنَّهُ النَّائِبُ عَنِ الْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ - أَعْنِي " الْأَسَافِلَ " - الْأَرْجُلُ، وَالضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ بِهِ عَائِدٌ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّأْسِ هُنَا الْإِنْسَانُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، وَأَنَّ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ رَأْسُ بَنِي فُلَانٍ، وَعِنْدِي خَمْسُونَ رَأْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَ " مَنْكُوسًا " حَالٌ مِنَ الرَّأْسِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: يُنْظَرُ أَسَافِلُ الْإِنْسَانِ حَالَ كَوْنِ الْإِنْسَانِ مَنْكُوسًا، فَهَلْ هَذَا الْإِعْرَابُ صَحِيحٌ؟ وَمَا اعْتَبَرَهُ مِنْ مَجَازِ الرَّأْسِ مُعْتَبَرٌ عَلَاقَتُهُ بَيِّنَةٌ، وَقَرِينَتُهُ الصَّارِفَةُ عَنِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ فِي التَّخَاطُبِ صَالِحَةٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِكَوْنِ الْإِنْسَانِ شَرِيفًا أَوْ وَضِيعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمَثُّلِ خَيَالِهِ فِي الْغَدِيرِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِي إِنْكَاسِ الرَّأْسِ الْمُشَبَّهَةِ بِصَاحِبِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ وَالشَّرَفِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْعَقْلِ وَارْتِفَاعِ الرِّجْلِ الْمُشَبَّهِ بِأَرْذَالِ النَّاسِ وَسُقَّاطِهِمْ، عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ كُلِّ ذَلِكَ هَلْ يَتَمَشَّى ذَلِكَ لَهُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الْبَيْتِ؟ وَهَلْ قَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ إِطْلَاقَ الرَّأْسِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ - أَعْنِي حَيْثُ لَا عَلَاقَةَ وَلَا قَرِينَةَ - لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُوَّلَّدِينَ وَأَرْبَابِ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْتُ رَأْسًا - وَيُرِيدُ شَخْصًا مِنَ الْإِنْسَانِ - مِنْ غَيْرِ حُصُولِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ فَصِيحٍ، بَلْ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ فَهُوَ مُسْتَهْجَنٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ صَحِيحٌ؟ وَهَلْ يَكُونُ قَوْلُ الْقَائِلِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ: صَرَّحَ الْأُصُولِيُّونَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوَضْعِ فِي الْمَجَازِ، سَفْسَطَةً وَهَذَيَانًا؟ . الْجَوَابُ: الْإِعْرَابُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، الثَّانِي الَّذِي قَالَهُ الرَّادُّ خَطَأٌ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا وَجْهَ

стр. 799

لَهُ، وَلَوْ أَعْرَبَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: إِنَّ النَّائِبَ عَنِ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ " يُنْظَرُ "، " وَأَسَافِلُهُ " مَرْفُوعٌ بِالْوَصْفِ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلِ اسْمِ الْمَفْعُولِ عَلَى حَدِّ: زَيْدٌ يُصْبِحُ مَضْرُوبًا غُلَامُهُ، وَكَذَا الْمِصْرَاعُ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَعَ إِمْكَانِ هَذَا الْوَجْهِ فَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ. وَلِهَذَا الْوَجْهِ قَادِحٌ خَفِيٌّ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي قَالَهُ الرَّادُّ فَلَا وَجْهَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ خَطَأٌ صُرَاحٌ، وَالْقَدْحُ فِيهِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيرَ: يُنْظَرُ أَسَافِلُ الْإِنْسَانِ حَالَ كَوْنِ الْإِنْسَانِ مَنْكُوسًا، وَهُوَ يُنْظَرُ بِجُمْلَةِ أَسَافِلِهِ وَأَعَالِيهِ مَعًا؟ وَأَيْضًا فَلَا يَتِمُّ لَهُ التَّشْبِيهُ الَّذِي عُقِدَ الْبَيْتُ لِأَجْلِهِ، وَأَيْضًا فَالنَّكْسُ قَلْبُ الْأَعْلَى أَسْفَلَ لَا عَكْسُهُ الَّذِي قَرَّرَهُ هَذَا الرَّادُّ وَهُوَ قَلْبُ الْأَسْفَلِ أَعْلَى، فَذَاكَ يُسَمَّى رَفْعًا لَا نَكْسًا ; فَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّاعِرُ فِي الرَّأْسِ بِمَنْكُوسٍ وَفِي الرِّجْلِ بِمَرْفُوعٍ، وَلَوْ كَانَ مَا قَرَّرَهُ هَذَا الرَّادُّ كَانَتِ الْعِبَارَةُ: فَالْإِنْسَانُ، أَوْ فَالرَّأْسُ، أَيِ الْإِنْسَانُ يُنْظَرُ مَرْفُوعَةً أَسَافِلُهُ، وَأَيْضًا فَجَعْلُ " مَنْكُوسًا " حَالًا مِنَ الرَّأْسِ يُقْدَحُ فِيهِ بِأَمْرَيْنِ: كَوْنُهُ مِنَ الْمُبْتَدَأِ، وَأَكْثَرُ النُّحَاةِ عَلَى مَنْعِهِ، وَكَوْنُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَامَ عَلَى الْغَدِيرِ يَكُونُ لَهُ حَالَتَانِ: حَالَةٌ يَكُونُ فِيهَا مَنْكُوسًا وَحَالَةٌ لَا يَكُونُ فِيهَا كَذَلِكَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَكُونُ إِلَّا مَنْكُوسًا، وَالْأَصْلُ فِي الْحَالِ الِانْتِقَالُ، فَإِذَا جُعِلَ حَالًا مِنْ ضَمِيرٍ يُنْظَرُ خَلَا مِنْ هَذَا الْقَادِحِ، وَاسْتِعْمَالُ الرَّأْسِ هُنَا بِمَعْنَى الْإِنْسَانِ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِفَسَادِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي سَاقَ الشَّاعِرُ الْكَلَامَ لِأَجْلِهِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مُقَابَلَتَهُ بِالرِّجْلِ تَأْبَى ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُنَا فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ. وَأَمَّا عَدَمُ الْقَرِينَةِ وَالتَّنْظِيرُ بِ " رَأَيْتُ رَأْسًا " فَلَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ فِي جَوَابِ ذَلِكَ: صَرَّحَ الْأُصُولِيُّونَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوَضْعِ فِي الْمَجَازِ فَكَلَامٌ غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ، وَلَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَقْصُودِ، وَهَذَا الْبَيْتُ لَا تُؤْخَذُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ، بَلْ مِنْ عِلْمِ الْبَلَاغَةِ وَتَوَابِعِهِ، وَكَذَلِكَ الْبَيَانُ وَالْبَدِيعُ وَالْإِنْشَاءُ وَالتَّرَسُّلُ وَنَقْدُ الشِّعْرِ: وَلِلْعُلُومِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهَا ... وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابُ مَسْأَلَةٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَثِيلِ وَالشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ؟ الْجَوَابُ: الْمَثِيلُ أَخَصُّ الثَّلَاثَةِ، وَالشَّبِيهُ أَعَمُّ مِنَ الْمَثِيلِ وَأَخَصُّ مِنَ النَّظِيرِ، وَالنَّظِيرُ أَعَمُّ مِنَ الشَّبِيهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَسْتَلْزِمُ الْمُشَابَهَةَ وَزِيَادَةً، وَالْمُشَابَهَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُمَاثَلَةَ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شِبْهُ الشَّيْءِ مُمَاثِلًا لَهُ، وَالنَّظِيرَ قَدْ لَا يَكُونُ مُشَابِهًا، وَحَاصِلُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْمُشَابَهَةَ تَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي أَكْثَرِ

стр. 800

الْوُجُوهِ لَا كُلِّهَا، وَالْمُنَاظَرَةَ تَكْفِي فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ وَلَوْ وَجْهًا وَاحِدًا، يُقَالُ: هَذَا نَظِيرُ هَذَا فِي كَذَا، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي سَائِرِ جِهَاتِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الَّذِي قُلْتُهُ مِنَ الْمَنْقُولِ مَا نَقَلَهُ الشيخ سعد الدين فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ عَنِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَا فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ انْتَفَتِ الْمُمَاثَلَةُ، وَأَمَّا اللُّغَوِيُّونَ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَثِيلَ وَالشَّبِيهَ وَالنَّظِيرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ الدَّاعِي: اللَّهُمَّ أَرِنَا وَجْهَ نَبِيِّنَا وَأَوْرِدْنَا حَوْضَهُ، هَلْ صَوَابُهُ " وَأَوْرِدْنَا " أَوْ " أَرِدْنَا "، وَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَادَّةِ وَالنَّقْلِ وَالْمَعْنَى؟ . الْجَوَابُ: الصَّوَابُ: " أَوْرِدْنَا " مِنَ الْوُرُودِ، وَالْمَاضِي " أَوْرَدَ "، وَمُضَارِعُهُ " يُورِدُ "، وَأَمَّا " أَرِدْنَا " فَهُوَ مِنَ الْإِرَادَةِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ» كَيْفَ عُطِفَ، وَهُوَ إِنْشَاءٌ عَلَى قَوْلِ ورقة: إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، وَهُوَ خَبَرٌ، وَعَطْفُ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ لَا يَجُوزُ، وَأَيْضًا فَهُوَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، وَالْمُتَكَلِّمُ مُخْتَلِفٌ؟ الْجَوَابُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ عَطْفَ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ لَا يَجُوزُ هُوَ رَأْيُ أَهْلِ الْبَيَانِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ جَوَازُهُ، وَأَهْلُ الْبَيَانِ يُقَدِّرُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ جُمْلَةً بَيْنِ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ، وَهِيَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهَا، فَالتَّرْكِيبُ سَائِغٌ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْفَنَّيْنِ، أَمَّا الْمُجَوِّزُونَ لِعَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ فَوَاضِحٌ. وَأَمَّا الْمَانِعُونَ فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ أَقُولُ: وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ التَّمَنِّي فِي قَوْلِهِ: لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَيَكُونُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ أَوَّلَ الْجُمْلَةِ لَا ذَيْلَهَا الَّذِي هُوَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِهَا، وَالتَّمَنِّي إِنْشَاءٌ، فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْإِنْشَاءِ، وَأَمَّا الْعَطْفُ عَلَى جُمْلَةٍ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ فَسَائِغٌ مَعْرُوفٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْكَلَامِ الْفَصِيحِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَمُسْتَوْدِعٌ عِنْدِي حَدِيثًا يَخَافُ مِنْ ... إِذَاعَتِهِ فِي النَّاسِ أَنْ يَنْفَدَ الْعُمْرُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ " إِلَى " ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْحَلُّ إِلَى أَنَّ الْمُودِعَ يَخَافُ إِذَاعَةَ سِرِّهِ فِي النَّاسِ مَا دَامَ حَيًّا إِلَى حِينِ نَفَادِ عُمْرِهِ، أَوْ يَمْتَنِعُ تَقْدِيرُ " إِلَى "؟ وَقَوْلُ الْآخَرِ:

стр. 801

وَمُودِعٌ سِرَّهُ عِنْدِي وَيَحْذَرُ أَنْ ... أُبْدِيهِ مِنِّي إِلَى أَنْ يَنْفَدَ الْعُمْرُ هَلْ دُخُولُ " إِلَى " فِي هَذَا الْبَيْتِ مُمْتَنِعٌ؟ وَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَيْتُ شَاهِدًا عَلَى تَقْدِيرِ " إِلَى " فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ؟ الْجَوَابُ: الْبَيْتُ الْأَوَّلُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ " إِلَى " عَلَى بُعْدٍ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنْ لَا تُقَدَّرَ فِيهِ ; لِأَنَّ " أَنْ يَنْفَدَ " فِي مَحَلِّ مَفْعُولِ " يَخَافُ "، فَمَتَى قُدِّرَ فِيهِ " إِلَى " لَزِمَ كَوْنُهُ " يَخَافُ " بِلَا مَفْعُولٍ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى رَكِيكًا ; وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ إِلَى الَّتِي هِيَ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ " مِنْ " الَّتِي هِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالْبَيْتُ خَالٍ مِنْهَا، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ رَكِيكًا، فَلَمَّا اجْتَمَعَ فِي تَقْدِيرِهَا رَكَاكَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ. وَأَمَّا الْبَيْتُ الثَّانِي فَمَفْعُولُ " يَحْذَرُ " مَوْجُودٌ، وَهُوَ أَنَّ وَصِلَتُهَا، وَابْتِدَاءُ الْغَايَةِ مَوْجُودٌ، وَهُوَ " مَتَى "، فَجَازَ أَنْ يُقَابَلَ بِ " إِلَى "، وَكُلُّ بَيْتٍ لَهُ مَعْنًى يَخُصُّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ قَاعِدَةً فِي الْعَرَبِيَّةِ تَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ " إِلَى " فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; وَذَلِكَ أَنَّ النُّحَاةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ إِنَّ وَأَنَّ الْمَصْدَرِيَّتَيْنِ لَا يُحْذَفُ مَعَهُمَا مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ السَّابِقُ ; لِكَوْنِهِ يُعَدَّى بِذَلِكَ الْحَرْفِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: عَجِبْتُ أَنْ تَقُومَ، فَيُقَدَّرُ " مِنْ " لِأَنَّ عَجِبْتُ يَتَعَدَّى بِمِنْ. وَفَرِحْتُ أَنْ تَقُومَ، فَتُقَدَّرُ الْبَاءُ ; لِأَنَّ " فَرِحَ " يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ. وَرَغِبْتُ أَنْ تَجِيءَ، فَيُقَدَّرُ " فِي " ; لِأَنَّ " رَغِبْتُ " يَتَعَدَّى بِفِي. وَهَذَا الْبَيْتُ فِيهِ مِنَ الْأَفْعَالِ " يَخَافُ " وَهُوَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِمِنْ لَا بِإِلَى، " وَمِنِ " الْمُعَدِّيَةُ لَهُ مَوْجُودَةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ " إِلَى " فِيمَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ نَفِيسَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تُحْفَظَ. مَسْأَلَةٌ: يَا عَالِمًا فَاقَ أَهْلَ الْعَصْرِ وَالْأَثَرِ ... وَزَانَ أَهْلَ النُّهَى فِي الْخِبْرِ وَالْخَبَرِ هَلْ لَامُ يَطْلُعُ مَضْمُومٌ وَيَضْبِطُهَا ... بِذَاكَ ذَاكِرُهَا فِي الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ أَوْ يَنْصِبُوهَا وَضَمُّ اللَّامِ ذَا خَطَأٌ ... كَمَا تَفَوَّهَ شَخْصٌ مِنْ أُولِي الْفِكَرِ وَمَا تَحَقَّقَ مِنْ قَوْلِ الَّذِينَ مَضَوْا ... وَصَنَّفُوا كُتُبًا فِي الصَّرْفِ لِلْبَشَرِ لَا زَالَ مَجْدُكَ مَحْرُوسًا بِأَرْبَعَةٍ ... الْعِزِّ وَالنَّصْرِ وَالْإِقْبَالِ وَالظَّفَرِ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مُزْجِي السُّحْبَ بِالْمَطَرِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ بِالضَّمِّ يَطْلُعُ مَنْقُولٌ وَشَاهِدُهُ ... تَطْلُعْ عَلَى قَوْمٍ الْمَقْرُوءُ فِي الزُّبُرِ

стр. 802

مَسْأَلَةٌ: يَا عَالِمًا زَادَهُ رَبُّ الْعُلَا شَرَفًا ... عَلَى رِجَالٍ سَمَوْا بِالْفَضْلِ وَالْأَدَبِ هَلْ رَسْمُ " أَرْجُو " وَأَشْبَاهٌ لَهَا كَتَبُوا ... بِالْوَاوِ مَعْ أَلِفٍ أَمْضَوْهُ فِي الْحِقَبِ أَوْ وَاوُهَا آخِرًا فَاكْشِفْ لَنَا كُرُبًا ... لَا زِلْتَ تُنْجِدُنَا فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا دَائِمًا أَبَدًا ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى خَيْرِ الْهُدَى الْعَرَبِيِّ مَا كَانَ فِعْلًا لِفَرْدٍ مَا بِهِ أَلِفٌ ... وَفِعْلُ جَمْعٍ بِهِ زِدْ هَذِهِ تُصِبِ مَسْأَلَةٌ: خَطِيبٌ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: وَاللَّهِ لَتَشْرَبُنَّ كَأْسًا أَمَالَتِ الرُّءُوسَ، وَدُقَّتْ عُنُقًا. قَالَهَا بِضَمِّ الدَّالِ فَاعْتَرَضَهُ مُعْتَرِضٌ وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَ " عُنُقًا " مَفْعُولٌ. الْجَوَابُ: الْخَطِيبُ مُصِيبٌ وَالْمُعْتَرِضُ مُخْطِئٌ، وَ " دُقَّتْ " بِضَمِّ الدَّالِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، وَ " عُنُقًا " تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ النَّائِبِ عَنِ الْفَاعِلِ، وَكَانَ الْأَصْلُ: أَمَالَتِ الرُّءُوسَ وَدَقَّتْ أَعْنَاقَهَا. فَلَمَّا حُوِّلَ أُسْنِدَ دُقَّتْ إِلَى ضَمِيرِ الرُّءُوسِ، وَانْتَصَبَ مَا بَعْدَهُ تَمْيِيزًا، فَأُفْرِدَ كَمَا هُوَ مِنْ قَوَاعِدِ التَّمْيِيزِ، وَيُوهِي كَوْنَهُ بِالْفَتْحِ، وَنَصْبَ " عُنُقًا " مَفْعُولًا الَّذِي جَنَحَ إِلَيْهِ الْمُعْتَرِضُ كَوْنُ الْعُنُقِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَالْكَأْسُ لَمْ تَدُقَّ عُنُقًا وَاحِدَةً، بَلْ دَقَّتْ أَعْنَاقًا كَثِيرَةً كَمَا أَمَالَتْ رُءُوسًا كَثِيرَةً، فَذِكْرُ الْعُنُقِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ فِي مُقَابَلَةِ الرُّءُوسِ الَّتِي هِيَ جَمْعٌ رَكِيكٌ. مَسْأَلَةٌ: حَدِيثُ " «كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» " لِمَ حُذِفَتِ النُّونُ مِنْ " تَكُونُوا " دُونَ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ؟ الْجَوَابُ: هَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ هَكَذَا بِلَا نُونٍ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ، قَدْ خُرِّجَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحُدُهَا: أَنَّهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَحْذِفُ النُّونَ دُونَ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَبِيتُ أُسَرِّي وَتَبِيتِي تُدَلِّكِي ... [وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الزَّكِيِّ] وَخُرِّجَ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا.» الثَّانِي: وَهُوَ رَأَيُ الْكُوفِيِّينَ، والمبرد أَنَّهُ مَنْصُوبٌ، أَوْرَدَهُ شَاهِدًا عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنَّ " كَمَا " تَنْصِبُ، وَعَدُّوهَا مِنْ نَوَاصِبِ الْمُضَارِعِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرَاتِ الرُّوَاةِ.

стр. 803

مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ الْمُوَثِّقِينَ زَوْجَا بَابٍ مَا مَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ؟ الْجَوَابُ: مَدْلُولُهُ كَمَدْلُولِ مِصْرَاعَيِ الْبَابِ، وَهُمَا الْفَرْدَتَانِ الْمُرَكَّبَتَانِ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الصِّحَاحِ ": الزَّوْجُ خِلَافُ الْفَرْدِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى زَوْجًا، يُقَالُ: هُمَا زَوْجَانِ لِلِاثْنَيْنِ، وَهُمَا زَوْجٌ، كَمَا يُقَالُ هُمَا سِيَّانِ وَهُمَا سَوَاءٌ، وَتَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ زَوْجَيْ حَمَامٍ -وَأَنْتَ تَعْنِي ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَعِنْدِي زَوْجَا نَعْلٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] . مَسْأَلَةٌ: فِي إِعْرَابِ تَرْكِيبٍ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ نَصُّهُ: يَقْضِي بِالشُّفْعَةِ دَافِعًا عُهْدَتَهَا الدَّفْعُ إِلَى ذِي الْيَدِ. هَلْ " دَافِعًا " حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ وَهُوَ " الدَّفْعُ "، أَوْ مِنَ النَّائِبِ عَنْهُ وَهُوَ " بِالشُّفْعَةِ "؟ الْجَوَابُ: الْوَجْهُ إِعْرَابُهُ حَالًا مِنَ النَّائِبِ عَنِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ بِالشُّفْعَةِ لَا مِنَ الدَّفْعِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ دَافِعٌ، وَالَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ حَالٌ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لَا تَفْسِيرُ إِعْرَابٍ، وَتَفْسِيرُ الْمَعْنَى يُتَسَمَّحُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ مَا تَقْتَضِيهِ الصِّنَاعَةُ الْإِعْرَابِيَّةُ، وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الصِّنَاعَةُ قَطْعًا هُوَ كَوْنُهُ حَالًا مِنْ " بِالشُّفْعَةِ "، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِلدَّفْعِ، فَهُوَ حَالٌ سَبَبِيَّةٌ جَارِيَةٌ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ، كَالصِّفَةِ السَّبَبِيَّةِ وَالْخَبَرِ السَّبَبِيِّ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: جِيءَ بِهِنْدٍ ضَارِبًا أَبُوهَا عَمْرًا، فَ " ضَارِبًا " حَالٌ مِنْ " بِهِنْدٍ " لَا مِنْ أَبُوهَا الْفَاعِلِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى لَهُ، وَنَظِيرُهُ فِي الصِّفَةِ: مَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ ضَارِبٌ أَبُوهَا عَمْرًا، وَفِي الْخَبَرِ هِنْدٌ ضَارِبٌ أَبُوهَا عَمْرًا، فَضَارِبٌ صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ لَا لِأَبِيهَا، وَخَبَرٌ عَنْ هِنْدٍ لَا عَنْ أَبِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ لِلْأَبِ، وَتَفْكِيكُ الْعِبَارَةِ يَقْضِي بِالشُّفْعَةِ حَالَ كَوْنِهَا دَافِعًا عُهْدَتَهَا الدَّفْعُ إِلَى آخِرِهِ، وَلَوْ أُعْرِبَ حَالًا مِنَ الدَّفْعِ لَكَانَ حَقُّهُ التَّأْخِيرَ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّرْكِيبُ: يَقْضِي بِالشُّفْعَةِ الدَّفْعُ إِلَى ذِي الْيَدِ دَافِعًا عُهْدَتَهَا. وَهَذَا تَرْكِيبٌ مُفَلَّتٌ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ " دَافِعًا " حَالٌ مِنَ " الدَّفْعِ "، وَهُوَ فَاعِلٌ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ مَحْذُورَانِ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ حَالًا مِنْهُ حَقُّهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ، وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ عَامِلًا فِي الدَّفْعِ الْفَاعِلِيَّةِ حَقُّهُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ، وَهَذَانَ أَمْرَانِ مُتَنَاقِضَانِ. الثَّانِي: أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ هُنَا وَهُوَ دَافِعٌ إِنَّمَا سَوَّغَ عَمَلُهُ الْفَاعِلِيَّةَ وَالْمَفْعُولِيَّةَ كَوْنُهُ حَالًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْمَلُ فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ مِنْهَا كَوْنُهُ حَالًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَالًا قَبْلَ الْعَمَلِ حَتَّى يَصِحَّ عَمَلُهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ الْفَاعِلِيَّةَ ثُمَّ يَصِيرُ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ ; لِأَنَّهُ عَمِلَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.

стр. 804

مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ عَقِبَ الْكَلَامِ عَلَى آيَاتِ النَّجْمِ: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ جُمْلَتِهِ ﷺ ، وَعِصْمَتِهَا مِنَ الْآفَاتِ فِي هَذَا الْمَسْرَى، فَزَكَّى فُؤَادَهُ وَلِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ. وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَزَكَّى قَلْبَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ [النجم: ١١] الْآيَةَ - بِالْفَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْوَاوِ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الْإِتْيَانُ بِالْفَاءِ أَوِ الْوَاوِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَمَا وَجْهُهُ، أَوْ بِالثَّانِي فَمَا وَجْهُهُ؟ الْجَوَابُ: يَتَعَيَّنُ فِي مِثْلِ التَّعْبِيرِ بِالْفَاءِ وَهِيَ تَفْسِيرِيَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ، وَمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثِ، وَكَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالْبُلَغَاءِ، لَمْ يَمْتَرْ فِي ذَلِكَ، فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] تَفْسِيرٌ لِأَهْلَكْنَا وَالْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُمْ شَكَوْا سَعْدًا فَشَكَوْا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ، قَالَ شُرَّاحُهُ: الْفَاءُ هُنَا تَفْسِيرِيَّةٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إِنَّ الْفَاءَ فِي " فَاقْتُلُوا " تَفْسِيرِيَّةٌ ; لِأَنَّ تَوْبَتَهُمْ كَانَتْ نَفْسَ الْقَتْلِ، وَكَذَا قَوْلُ صَاحِبِ " الشِّفَاءِ ": فَزَكَّى قَلْبَهُ بِقَوْلِهِ. . . إِلَى آخِرِهِ -تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: فَزَكَّى فُؤَادَهُ، وَقَوْلُهُ: فَزَكَّى فُؤَادَهُ وَلِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ - تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى إِعْلَامِ اللَّهِ بِتَزْكِيَةِ جُمْلَتِهِ. وَالتَّعْبِيرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِالْوَاوِ مُخِلٌّ بِالْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: فِي تَعْرِيفِ اللَّفْظِ بِالصَّوْتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى بَعْضِ الْحُرُوفِ، هَلْ هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُوَضِّحُ وَغَيْرُهُ مِنَ النُّحَاةِ مَعَ أَنَّهُ زَادَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ: هُوَ الصَّوْتُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ الْحُرُوفِ أَوْ مَا هُوَ فِي قُوَّةِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ هُوَ جَامِعٌ ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ الْحَرْفُ الْوَاحِدُ كَوَاوِ الْعَطْفِ وَفَائِهِ وَبَاءِ الْجَرِّ وَلَامِهِ، إِذْ لَا يُقَالُ فِي الْجَرِّ: إِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدِ اعْتَرَضَ الْمُحَقِّقُونَ بِذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْمُصَنِّفِ فِي حَيَاتِهِ وَسِلْمِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ فَالْأَحْسَنُ تَعْرِيفُ اللَّفْظِ بِالصَّوْتِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى مَقْطَعٍ، فَإِنَّهُ تَعْرِيفٌ سَالِمٌ مِنْ كُلِّ إِيرَادٍ، وَلِهَذَا عَبَّرْتُ بِهِ فِي شَرْحِي. مَسْأَلَةٌ: يَا حَبَّذَا أَنْتَ الْوَسِيلَةَ وَالْقَصْدَا- هَلْ هُوَ تَرْكِيبٌ صَحِيحٌ أَوْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فَمَا وَجْهُ نَصْبِ الْوَسِيلَةِ وَالْقَصْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ رَفْعُهُمَا؟ .

стр. 805

الْجَوَابُ: النَّصْبُ فِي مِثْلِ هَذَا وَاجِبٌ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَقَعَ نَكِرَةً، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ حَالٌ أَوْ تَمْيِيزٌ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَلَا حَبَّذَا قَوْمًا سُلَيْمٌ فَإِنَّهُ وَقَوْلِ الْآخَرِ: حَبَّذَا الصَّبْرَ شِيمَةٌ لِامْرِئٍ رَامَ ... مُبَارَاةً مُولَعٍ بِالْمَعَالِي فَتَعْرِيفُهُ إِمَّا عَلَى حَدِّ تَعْرِيفِ الْحَالِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلُّ) أَوِ التَّمْيِيزِ فِي قَوْلِهِ: وَطِبْتَ النَّفْسَ يَا قَيْسَ عَنْ عَمْرٍو. لَكِنْ يُحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ أَنَّ النُّحَاةَ يُجِيزُونَ وُقُوعَ الْمَعْرُوفِ بَعْدَ حَبَّذَا قَبْلَ مَخْصُوصِهَا أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ. مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: خُذُوا قَوْدِيَ مِنْ أَسِيرِ الْكِلَلِ ... فَوَاعَجَبًا مَنْ أَسِيرٍ قَتَلَ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْجُفُونُ؟ الْجَوَابُ: الْكِلَلُ هُنَا جَمْعُ كِلَّةٍ، وَهِيَ سِتْرٌ مُرَبَّعٌ، وَقَالَ الهروي: هُوَ سِتْرٌ رَقِيقٌ يُخَاطُ كَالْبَيْتِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْهَوْدَجِ وَالصَّوَامِعِ وَالْقِبَابِ، وَلَا يَصِحُّ إِرَادَةُ الْجُفُونِ هُنَا ; لِأَنَّ الشَّاعِرَ أَرَادَ بِالْأَسِيرِ هُنَا الْمَرْأَةَ الْمُخَدَّرَةَ الْمَحْجُوبَةَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ أَسِيرَةً لِجُفُونِهَا، وَإِنَّمَا أَسِيرُ جُفُونِهَا هُوَ الشَّاعِرُ نَفْسُهُ: مَسْأَلَةٌ: يَا مَنْ غَدَا بِمَرَاحِ الصَّرْفِ مَشْغُولًا ... وَحَازَ مَا فِيهِ مَنْقُولًا وَمَعْقُولًا مَا الرَّاحُ سَابِقُ رَحْرَاحٍ بِخُطْبَتِهِ ... أَفِدْهُ مِنْ لُغَةٍ بَقِيتَ مَنْقُولًا مُوَافِقًا قَالَ الشُّرُوحَ فَكَمْ ... مِنْ فَاضِلٍ صَارَ بِالْإِفْضَالِ مَشْمُولًا وَقَوْلُهُ قِيلَ مَرْدُوفًا بِآخِرِهِ ... بِأَجْوَفَ فِي بِنَاءِ الْفِعْلِ مَجْهُولًا فَإِنَّ مَعْلُومَهُ قَدْ صَرَّفُوهُ إِلَى ... حَدٍّ وَيَقْصُرُ ذَا عَنْ حَدِّهِ طُولًا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ يَا مَنْ لَا نَظِيرَ لَهُ ... وَمَنْ يُرَى عَنْ خَفَايَا الْعِلْمِ مَسْئُولًا لَا زِلْتَ فِي نِعْمَةٍ تُبْدِي الْعُلُومَ لِمَنْ ... بِالْحَقِّ يَعْلَمُ مَا تُبْدِيهِ مَنْقُولًا الْجَوَابُ: لِلَّهِ حَمْدًا أَتَى بِالذِّكْرِ مَشْمُولًا ... مِنْ مُخْلِصٍ لَا يُرَى بِالْغِشِّ مَعْلُولًا ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْهَادِي وَعِتْرَتِهِ ... وَصَحْبِهِ الْغُرِّ وَالتَّسْلِيمُ مَنْحُولًا

стр. 806

الرَّاحُ لَفْظٌ أَتَى فِي النَّقْلِ مُشْتَرَكًا ... لَهُ مَعَانٍ حَكَاهَا ذُو يَدٍ طُولَى مِنْهَا الْأَرَاضِي ذَوَاتُ الِاسْتِوَاءِ بِهَا ... نَبْتٌ رَأَيْنَاهَا فِي الْقَامُوسِ مَنْقُولًا وَقِيلَ صَرِّفْهُ كَالْمَعْلُومِ لَا حَذَرٌ ... كَالْكَلْمَتَانِ أَيَا أَهْلَ النُّهَى قِيلًا لَا زَالَ فَضْلُكَ مَنْشُورًا بِلَا كَدَرٍ ... مُؤَيَّدًا بِرِدَاءِ الْعِزِّ مَشْمُولًا مَسْأَلَةٌ: مَا قَوْلُكُمْ فِي جَوَابِ قَوْلِ الْقَائِلِ: يَا بَحْرَ عِلْمٍ طَافِحٍ رَأَيْنَا ... مَقْرُونَةً بِالْغُسْلِ فِي الْمِنْهَاجِ بِالرَّفْعِ مَضْبُوطًا لِمُنْشِيهِ وَقَدْ ... جَوَّزَ فِيهِ النَّصْبَ لَلَمُحْتَاجِ وَالْقَصْدُ تَوْجِيهٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ... لِيَرْتَوِي مِنْ بَحْرِكَ الْعَجَّاجِ الْجَوَابُ: لِلَّهِ حَمْدٌ وَالصَّلَاةُ لِلَّذِي ... قَدْ خَصَّهُ الْوَهَّابُ بِالْمِعْرَاجِ الرَّفْعُ وَصْفُ نِيَّةٍ لِأَنَّهَا ... نَكِرَةٌ تَجْرِي عَلَى الْمِنْهَاجِ وَالنِّصْفُ وَصْفُ نِيَّةٍ مَحْذُوفَةٍ ... مَعْمُولَةُ الْمَذْكُورِ فِي الْمِنْهَاجِ مَسْأَلَةٌ: يَا أَيَا عُلَمَاءَ النَّحْوِ هَلْ مِثْلُ كَافِرٍ ... مُحَلَّى بِلَامٍ مِثْلُ جَمْعٍ مُنَكَّرِ لِتَحْكُمَ فِيمَا بَعْدَ إِلَّا لَهُ تَلَتْ ... بِجَرٍّ لِوَصْفٍ يَا أَخَا الْمُتَفَكِّرِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْمِنْهَاجِ مَا هُوَ مُوهِمٌ ... وَإِنْ جَازَ غَيْرُ النَّصْبِ فَامْنُنْ وَذَكِّرِ فَأَنْتَ لَهَا كَهْفٌ وَأَنْتَ مَلَاذُنَا ... فَحَمْدًا وَشُكْرًا لِلْمَلِيكِ الْمُيَسِّرِ وَنُولِي صَلَاةً تُسْتَدَامُ عَلَى الرِّضَا ... وَآلٍ وَصَحْبٍ لِلنَّبِيِّ الْمُبَشِّرِ الْجَوَابُ: أَلَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْمُقَدِّرِ ... وَأُثْنِي عَلَى الْهَادِي النَّبِيِّ الْمُبَشِّرِ مُحَلَّى بِلَامِ الْجِنْسِ تَجْرِي كَجَمْعِهِمْ ... وَتُتْلَى بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنَكُّرِ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْيٍ فَأَبْدِلْهُ مُتْبِعًا ... وَإِنْ شِئْتَ فَانْصِبْهُ بِغَيْرِ الْمُشَهَّرِ وَخَرِّجْ عَلَى هَذَا الَّذِي فِي عِبَارَةِ النَّوَا ... وِيِّ فِي الْمُرْتَدِّ وَالْجَرِّ وَاذَّكِرِ وَمَا صَحَّ فِي إِلَّا هُنَا الْوَصْفُ ظَاهِرًا ... فَإِنَّ شُرُوطَ الْوَصْفِ مِنْهَا هُنَا عُرِّي

стр. 807

[فَجْرُ الثَّمْدِ فِي إِعْرَابِ أَكْمَلِ الْحَمْدِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ محيي الدين الكافيجي فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَكْمَلَ الْحَمْدِ. هَلْ أَكْمَلَ مُتَعَيِّنُ النَّصْبِ أَوْ يَجُوزُ الْجَرُّ؟ فَإِنَّ ثَمَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ فَوَافَقَهُ الشَّيْخُ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ وَزَادَ تَرْجِيحَهُ، وَأَلَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُؤَلَّفًا قَالَ فِيهِ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّهُ وَصْفٌ سَبَبِيٌّ لِلَّهِ مُحَوَّلٌ، أَصْلُهُ " أَكْمَلَ حَمْدِهِ "، فَحُوِّلَ بِالْإِضَافَةِ وَإِنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ قَائِمِ الْأَبِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ قَبْلَ التَّحْوِيلِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ أَبُوهُ، فَحُوِّلَ إِلَى مَا تَرَى، فَاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ، وَأُضِيفَ إِلَى الْأَبِ، وَقَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٌ وَجْهُهُ، وَعَلَّلَ تَرْجِيحَهُ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ، وَالنَّصْبُ يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ. وَأَقُولُ: الْمُتَعَيِّنُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ النَّصْبُ، وَلَا يَجُوزُ الْجَرُّ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نَائِبٌ مَنَابَ الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ لَهُ، تَقْدِيرُهُ: حَمْدًا أَكْمَلَ الْحَمْدِ. قَالَ النُّحَاةُ فِي بَابِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، وَمِنْهُمُ ابن مالك فِي " شَرْحِ الْكَافِيَةِ " وابن هشام فِي التَّوْضِيحِ: يَقُومُ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَصْفُهُ مُضَافًا إِلَيْهِ، كَسِرْتُ أَحْسَنَ السَّيْرِ، وَمِثْلُ غَيْرِهِمَا بِقَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ أَشَدَّ الضَّرْبِ، وَمِثْلُهُ فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ " بِقَوْلِ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ: نَظَرْتُ وَدُونِي مِنْ عِمَايَةَ مَنْكِبٌ ... وَبَطْنُ رِدَاءٍ أَيُّ نَظْرَةِ نَاظِرِ وَبِقَوْلِ الْآخَرِ: وَضَائِعٌ أَيْ جَرَى مَا أَرَدْتُ بِهِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ كُلُّهَا مَنْصُوبَةٌ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَصْدَرِ وَالْمِثَالُ مِثْلُهَا. وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ دَفْعُ مَحْذُورَيْنِ وَارِدَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْإِضْمَارُ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ الشَّيْخُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ لَا إِضْمَارَ بَلْ يَكُونُ الْمَصْدَرُ مَحْذُوفًا، وَهَذَا قَائِمٌ مَقَامَهُ نِيَابَةً عَنْهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْمَصْدَرَ الْمُقَدَّرَ نَكِرَةٌ، فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْمُعَرَّفِ بِالْإِضَافَةِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ وَلَا إِضْمَارَ، وَإِنَّمَا حُذِفَ أَصْلًا، وَأُقِيمَ مَقَامَهُ وَصْفُهُ مُضَافًا إِلَيْهِ لِلْبَيَانِ، وَكَانَ أَصْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كُمِّلَ - بِلَا إِضَافَةٍ هَذَا تَوْجِيهُ النَّصْبِ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْجَرِّ فَيَكَادُ يَكُونُ بَدِيهِيًّا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَإِنَّ أَكْمَلَ صِفَةٍ لِلْحَمْدِ قَطْعًا لَا لِلَّهِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ أَوْصَافَهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَمْ

стр. 808

يَرِدْ هَذَا الْوَصْفُ فِيهَا. وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إِطْلَاقِ " أَفْعَلِ " التَّفْضِيلِ فِي حَقِّ اللَّهِ إِلَّا مَا وَرَدَ مِثْلُ أَكْبَرُ وَأَحْسَنُ الْخَالِقِينَ لِمَا يُشْعِرُ بِالْمُشَارَكَةِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَصْفُ الْحَمْدِ الْمُثْبَتِ لِلَّهِ بِالْأَكْمَلِيَّةِ وَالْبُلُوغِ نِهَايَةَ التَّمَامِ لَا وَصْفُ اللَّهِ بِذَلِكَ. وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ عَبَّرُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْحَمْدِ لَا لِلَّهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ النووي فِي " الْمِنْهَاجِ ": أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ -فَأَتَى بِالْجَمِيعِ صِفَاتٍ لِلْحَمْدِ وَمَصَادِرَ لَهُ. وَقَوْلُ الشَّيْخِ: أَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ قَائِمِ الْأَبِ -مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ; الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ فَاسِدٌ لَا يَقُولُ أَحَدٌ بِصِحَّتِهِ ; لِأَنَّ " الرَّجُلَ " مُعَرَّفَةٌ، " وَقَائِمِ الْأَبِ " نَكِرَةٌ، فَإِنَّ إِضَافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لَا تُفِيدُ التَّعْرِيفَ، فَلَا يَصِحُّ وَصْفُ الرَّجُلِ بِهِ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ مَثَلًا بِرَجُلٍ قَائِمِ الْأَبِ، وَحِينَئِذٍ تَسْتَحِيلُ الْمَسْأَلَةُ، وَكَذَا مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَسَنِ الْوَجْهِ. الثَّانِي: مَا قَالَهُ مِنَ التَّحْوِيلِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَرْفُوعِ لَا يَجُوزُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ إِجْمَاعًا بَلْ هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، وَأُلْحِقَ بِهَا فِي ذَلِكَ اسْمُ الْمَفْعُولِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابن مالك فِي كُتُبِهِ، وَقَالَ فِي " الْأَلْفِيَّةِ ": وَقَدْ يُضَافُ ذَا - أَيِ اسْمُ الْمَفْعُولِ- إِلَى اسْمٍ مُرْتَفِعٍ مَعْنًى كَمَحْمُودِ الْمَقَاصِدِ الْوَرِعِ. وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْكَافِيَةِ ": تَفَرَّدَ اسْمُ الْمَفْعُولِ بِجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى مَا هُوَ مَرْفُوعٌ مَعْنًى، نَحْوُ: زَيْدٌ يَكْسُو الْعَبْدَ وَمَحْمُودُ الْمَقَاصِدِ. وَقَالَ أبو حيان فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ ": انْفَرَدَ اسْمُ الْمَفْعُولِ بِجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى مَرْفُوعٍ بِخِلَافِ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى فَاعِلِهِ، لَا تَقُولُ فِي: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ضَارِبٍ أَبُوهُ زَيْدًا بِرَجُلٍ ضَارِبٍ أَبِيهِ زَيْدًا. قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا أَيْضًا فِي اسْمِ الْمَفْعُولِ إِضَافَةٌ مِنْ مَنْصُوبٍ لَا مِنْ مَرْفُوعٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: أَصْلُهُ أَكْمَلَ حَمْدَهُ- يُؤَدِّي إِلَى اسْتِعْمَالِ " أَكْمَلَ " مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ، وَمِنْ وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ فِي أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ. الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّ الْأَصْلَ: أَكْمَلَ حَمْدُهُ، وَأَنَّ الْحَمْدَ فَاعِلٌ، وَأَنَّهُ حُوِّلَ عَنِ الْفَاعِلِيَّةِ ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ، فَاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ -غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ عَنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يَرْفَعُ الظَّاهِرَ أَصْلًا إِلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْكُحْلِ، وَهَذَا الْمِثَالُ لَيْسَ مِنْ ضَابِطِهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا نِزَاعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 809

[أَلْوِيَةُ النَّصْرِ فِي خِصِّيصَى بِالْقَصْرِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: قَرَأَ قَارِئٌ عَلَيَّ فِي خَتْمِ " كِتَابِ الشِّفَا " بِالْخَانْقَاهِ الشَّيْخُونِيَّةِ قَوْلَهُ: وَيَخُصُّنَا بِخِصِّيصَيْ زُمْرَةِ نَبِيِّنَا وَجَمَاعَتِهِ. فَقَرَأَهَا " بِخِصِّيصَيْ " بِالْيَاءِ السَّاكِنَةِ آخِرَهَا عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ مُثَنَّاةٌ مُضَافَةٌ لِمَا بَعْدَهَا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: قُلْ: بِخِصِّيصَى -أَعْنِي بِأَلِفِ الْقَصْرِ- وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ محيي الدين الكافيجي، فَقَالَ الشَّيْخُ: نَعَمْ بِخِصِّيصَى -يَعْنِي بِالْأَلِفِ- فَقَالَ الْقَارِئُ الْمَذْكُورُ: فِيهَا الْوَجْهَانِ، فَقُلْتُ: لَيْسَ فِيهَا إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ، فَذَهَبَ فَكَتَبَ صُورَةَ سُؤَالٍ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ خُطُوطَ جَمَاعَةٍ بِتَصْوِيبِ مَا قَالَهُ، وَهُمُ الشَّيْخُ أمين الدين الأقصرائي، وَالشَّيْخُ زين الدين قاسم الحنفي، وَالشَّيْخُ سراج الدين العبادي، وَالْحَافِظُ فخر الدين الديمي، وَالْمُحَدِّثُ الْمُؤَرِّخُ شمس الدين السخاوي، فَجَمَعْتُ نُقُولَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ، وَأَرْسَلْتُهَا إِلَى الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ مَا عَدَا السَّخَاوِيَّ، فَعَرَفُوا الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ وَرَجَعُوا عَمَّا كَتَبُوهُ أَوَّلًا، وَكَتَبُوا ثَانِيًا بِتَصْوِيبِ مَا قُلْتُهُ أَنَّهَا بِالْأَلِفِ الْمَقْصُورَةِ، فَذَهَبَ الْقَارِئُ إِلَى السَّخَاوِيِّ يَسْتَنْجِدُ بِهِ، فَكَتَبَ لَهُ عَلَى سُؤَالٍ آخَرَ كِتَابَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً مَضْمُونُهَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ كَمَا رَجَعَ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عِنْدَهُ نُسْخَةً مِنَ " الشِّفَا " صَحِيحَةً قُرِأَتْ عَلَى شُيُوخٍ عِدَّةٍ، وَفِيهَا صُورَةُ السُّكُونِ مَرْقُومَةٌ بِالْقَلَمِ عَلَى الْيَاءِ، فَقُلْتُ: كَفَى بِهَذَا الْكَلَامِ جَهْلًا، وَمَنْ هَذَا مَبْلَغُ عِلْمِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِ. أَطْبَقَتْ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ خِصِّيصَى بِأَلِفِ الْقَصْرِ، وَقَدْ تُمَدُّ شُذُوذًا فَيُقَالُ: خِصِّيصَاءُ، مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْخُصُوصِيَّةِ، وَيُقَالُ: خَصَّهُ بِالشَّيْءِ خُصُوصًا وَخُصُوصِيَّةً وَخِصِّيصَى وَخِصِّيصَاءَ فِي لُغَةٍ، وَخَاصَّةً نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَالسِّيرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ، والقالي فِي كِتَابِهِ " الْمَقْصُورُ وَالْمَمْدُودُ "، والفارابي فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ، وابن فارس فِي " الْمُجْمَلِ "، ونشوان الحميري فِي شَمْسِ الْعُلُومِ، وابن دريد فِي " الْجَمْهَرَةِ "، والجوهري فِي " الصِّحَاحِ "، وَابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُحْكَمِ "، وَالْخَفَّافُ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ "، وَأَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ فِي " اللُّبَابِ "، وَالزَّمَخْشَرِيُّ فِي كِتَابِ " الْمَصَادِرِ "، والعبسي فِي " الْخُلَاصَةِ "، والصغاني فِي " الْعُبَابِ "، وابن عصفور فِي " الْمُمْتِعِ "، والأزدي فِي " الدُّرَرِ "، وابن مالك فِي مَنْظُومَتِهِ وَشَرْحِهَا، وَابْنُهُ فِي " شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ " وَفِي " شَرْحِ لَامِيَّةِ الْأَفْعَالِ "، وأبو حيان فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ "، وابن هشام فِي " التَّوْضِيحِ "، وابن جابر فِي مَنْظُومَتِهِ، والفيروزابادي فِي " الْقَامُوسِ "، وَخَلَائِقُ، وَمِنْ نَظَائِرِهَا الْحِثِّيثَى،

стр. 810

والخطيبى، والدليلى، والزليلى، وَالْمِكِّيثَى فِي أَلْفَاظٍ عِدَّةٍ، وَلَمْ يَرِدْ خِصِّيصٌ الْبَتَّةَ حَتَّى يُقَالَ فِي تَثْنِيَتِهِ خِصِّيصَانِ. وَقَدْ عَقَدَ ابن دريد فِي " الْجَمْهَرَةِ " بَابًا لِفِعِّيلٍ وَفِعِّيلَى، فَذَكَرَ مَا جَاءَ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَيْسَ لِمُوَّلَّدٍ أَنْ يَبْنِي فِعِّيلَا إِلَّا مَا بَيَّنَتِ الْعَرَبُ وَتَكَلَّمَتْ بِهِ، وَلَوْ أُجِيزَ ذَلِكَ لَقُلِبَ أَكْثَرُ الْكَلَامِ، فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَا جَاءَ عَلَى فِعِّيلٍ مِمَّا لَا تَسْمَعُهُ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ بِهِ شِعْرٌ فَصِيحٌ. [الزَّنْدُ الْوَرِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ السَّكَنْدَرِيِّ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. مَسْأَلَةٌ: وَرَدَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سُؤَالٌ صُورَتُهُ: رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» " قَالَ الشَّيْخُ محيي الدين النووي فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ ﷺ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ - أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - فَكُلُّهُمْ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى. قُلْتُ: وَقَدْ أُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِنْ جِهَةِ تَنْزِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَلَى الْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَنْ سَمِعَ بِنَبِيِّنَا ﵊ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ بِعْثَتُهُ الْعَامَّةُ ثُمَّ مَاتَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِمَا أُرْسِلَ بِهِ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. وَفِي تَنْزِيلِ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَقْصُودِ قَلَقٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا الْإِشْكَالُ يَعْرِضُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ أَيْضًا، كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ، وَمَا أَحْسَنْتُ إِلَى لَئِيمٍ إِلَّا أَسَاءَ إِلَيَّ، وَمَا أَنْعَمْتُ عَلَى عَمْرٍو إِلَّا شَكَرَ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْغَرَضُ فِي الْجَمِيعِ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ بَعْدَ " إِلَّا " مُرَتَّبًا مَضْمُونُهُ عَلَى مَضْمُونِ مَا بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ، أَيْ: مَهْمَا جَاءَنِي زَيْدٌ أَكْرَمْتُهُ، وَمَهْمَا أَحْسَنْتُ إِلَى لَئِيمٍ أَسَاءَ إِلَيَّ، وَمَهْمَا أَنْعَمْتُ عَلَى عَمْرٍو شَكَرَ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَتَطْبِيقُ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْغَرَضِ غَيْرُ مُتَأَتٍّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ غَايَةَ مَا يُتَخَيَّلُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ
следующие страницы →