← Джавами‘

Джавами‘ · id 21723

الحاوي للفتاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (886 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الرَّاحُ لَفْظٌ أَتَى فِي النَّقْلِ مُشْتَرَكًا ... لَهُ مَعَانٍ حَكَاهَا ذُو يَدٍ طُولَى مِنْهَا الْأَرَاضِي ذَوَاتُ الِاسْتِوَاءِ بِهَا ... نَبْتٌ رَأَيْنَاهَا فِي الْقَامُوسِ مَنْقُولًا وَقِيلَ صَرِّفْهُ كَالْمَعْلُومِ لَا حَذَرٌ ... كَالْكَلْمَتَانِ أَيَا أَهْلَ النُّهَى قِيلًا لَا زَالَ فَضْلُكَ مَنْشُورًا بِلَا كَدَرٍ ... مُؤَيَّدًا بِرِدَاءِ الْعِزِّ مَشْمُولًا مَسْأَلَةٌ: مَا قَوْلُكُمْ فِي جَوَابِ قَوْلِ الْقَائِلِ: يَا بَحْرَ عِلْمٍ طَافِحٍ رَأَيْنَا ... مَقْرُونَةً بِالْغُسْلِ فِي الْمِنْهَاجِ بِالرَّفْعِ مَضْبُوطًا لِمُنْشِيهِ وَقَدْ ... جَوَّزَ فِيهِ النَّصْبَ لَلَمُحْتَاجِ وَالْقَصْدُ تَوْجِيهٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ... لِيَرْتَوِي مِنْ بَحْرِكَ الْعَجَّاجِ الْجَوَابُ: لِلَّهِ حَمْدٌ وَالصَّلَاةُ لِلَّذِي ... قَدْ خَصَّهُ الْوَهَّابُ بِالْمِعْرَاجِ الرَّفْعُ وَصْفُ نِيَّةٍ لِأَنَّهَا ... نَكِرَةٌ تَجْرِي عَلَى الْمِنْهَاجِ وَالنِّصْفُ وَصْفُ نِيَّةٍ مَحْذُوفَةٍ ... مَعْمُولَةُ الْمَذْكُورِ فِي الْمِنْهَاجِ مَسْأَلَةٌ: يَا أَيَا عُلَمَاءَ النَّحْوِ هَلْ مِثْلُ كَافِرٍ ... مُحَلَّى بِلَامٍ مِثْلُ جَمْعٍ مُنَكَّرِ لِتَحْكُمَ فِيمَا بَعْدَ إِلَّا لَهُ تَلَتْ ... بِجَرٍّ لِوَصْفٍ يَا أَخَا الْمُتَفَكِّرِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْمِنْهَاجِ مَا هُوَ مُوهِمٌ ... وَإِنْ جَازَ غَيْرُ النَّصْبِ فَامْنُنْ وَذَكِّرِ فَأَنْتَ لَهَا كَهْفٌ وَأَنْتَ مَلَاذُنَا ... فَحَمْدًا وَشُكْرًا لِلْمَلِيكِ الْمُيَسِّرِ وَنُولِي صَلَاةً تُسْتَدَامُ عَلَى الرِّضَا ... وَآلٍ وَصَحْبٍ لِلنَّبِيِّ الْمُبَشِّرِ الْجَوَابُ: أَلَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْمُقَدِّرِ ... وَأُثْنِي عَلَى الْهَادِي النَّبِيِّ الْمُبَشِّرِ مُحَلَّى بِلَامِ الْجِنْسِ تَجْرِي كَجَمْعِهِمْ ... وَتُتْلَى بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنَكُّرِ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْيٍ فَأَبْدِلْهُ مُتْبِعًا ... وَإِنْ شِئْتَ فَانْصِبْهُ بِغَيْرِ الْمُشَهَّرِ وَخَرِّجْ عَلَى هَذَا الَّذِي فِي عِبَارَةِ النَّوَا ... وِيِّ فِي الْمُرْتَدِّ وَالْجَرِّ وَاذَّكِرِ وَمَا صَحَّ فِي إِلَّا هُنَا الْوَصْفُ ظَاهِرًا ... فَإِنَّ شُرُوطَ الْوَصْفِ مِنْهَا هُنَا عُرِّي

стр. 807

[فَجْرُ الثَّمْدِ فِي إِعْرَابِ أَكْمَلِ الْحَمْدِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ محيي الدين الكافيجي فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَكْمَلَ الْحَمْدِ. هَلْ أَكْمَلَ مُتَعَيِّنُ النَّصْبِ أَوْ يَجُوزُ الْجَرُّ؟ فَإِنَّ ثَمَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ فَوَافَقَهُ الشَّيْخُ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ وَزَادَ تَرْجِيحَهُ، وَأَلَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُؤَلَّفًا قَالَ فِيهِ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّهُ وَصْفٌ سَبَبِيٌّ لِلَّهِ مُحَوَّلٌ، أَصْلُهُ " أَكْمَلَ حَمْدِهِ "، فَحُوِّلَ بِالْإِضَافَةِ وَإِنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ قَائِمِ الْأَبِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ قَبْلَ التَّحْوِيلِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ أَبُوهُ، فَحُوِّلَ إِلَى مَا تَرَى، فَاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ، وَأُضِيفَ إِلَى الْأَبِ، وَقَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٌ وَجْهُهُ، وَعَلَّلَ تَرْجِيحَهُ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ، وَالنَّصْبُ يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ. وَأَقُولُ: الْمُتَعَيِّنُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ النَّصْبُ، وَلَا يَجُوزُ الْجَرُّ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نَائِبٌ مَنَابَ الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ لَهُ، تَقْدِيرُهُ: حَمْدًا أَكْمَلَ الْحَمْدِ. قَالَ النُّحَاةُ فِي بَابِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، وَمِنْهُمُ ابن مالك فِي " شَرْحِ الْكَافِيَةِ " وابن هشام فِي التَّوْضِيحِ: يَقُومُ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَصْفُهُ مُضَافًا إِلَيْهِ، كَسِرْتُ أَحْسَنَ السَّيْرِ، وَمِثْلُ غَيْرِهِمَا بِقَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ أَشَدَّ الضَّرْبِ، وَمِثْلُهُ فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ " بِقَوْلِ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ: نَظَرْتُ وَدُونِي مِنْ عِمَايَةَ مَنْكِبٌ ... وَبَطْنُ رِدَاءٍ أَيُّ نَظْرَةِ نَاظِرِ وَبِقَوْلِ الْآخَرِ: وَضَائِعٌ أَيْ جَرَى مَا أَرَدْتُ بِهِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ كُلُّهَا مَنْصُوبَةٌ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَصْدَرِ وَالْمِثَالُ مِثْلُهَا. وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ دَفْعُ مَحْذُورَيْنِ وَارِدَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْإِضْمَارُ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ الشَّيْخُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ لَا إِضْمَارَ بَلْ يَكُونُ الْمَصْدَرُ مَحْذُوفًا، وَهَذَا قَائِمٌ مَقَامَهُ نِيَابَةً عَنْهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْمَصْدَرَ الْمُقَدَّرَ نَكِرَةٌ، فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْمُعَرَّفِ بِالْإِضَافَةِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ وَلَا إِضْمَارَ، وَإِنَّمَا حُذِفَ أَصْلًا، وَأُقِيمَ مَقَامَهُ وَصْفُهُ مُضَافًا إِلَيْهِ لِلْبَيَانِ، وَكَانَ أَصْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كُمِّلَ - بِلَا إِضَافَةٍ هَذَا تَوْجِيهُ النَّصْبِ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْجَرِّ فَيَكَادُ يَكُونُ بَدِيهِيًّا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَإِنَّ أَكْمَلَ صِفَةٍ لِلْحَمْدِ قَطْعًا لَا لِلَّهِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ أَوْصَافَهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَمْ

стр. 808

يَرِدْ هَذَا الْوَصْفُ فِيهَا. وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إِطْلَاقِ " أَفْعَلِ " التَّفْضِيلِ فِي حَقِّ اللَّهِ إِلَّا مَا وَرَدَ مِثْلُ أَكْبَرُ وَأَحْسَنُ الْخَالِقِينَ لِمَا يُشْعِرُ بِالْمُشَارَكَةِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَصْفُ الْحَمْدِ الْمُثْبَتِ لِلَّهِ بِالْأَكْمَلِيَّةِ وَالْبُلُوغِ نِهَايَةَ التَّمَامِ لَا وَصْفُ اللَّهِ بِذَلِكَ. وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ عَبَّرُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْحَمْدِ لَا لِلَّهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ النووي فِي " الْمِنْهَاجِ ": أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ -فَأَتَى بِالْجَمِيعِ صِفَاتٍ لِلْحَمْدِ وَمَصَادِرَ لَهُ. وَقَوْلُ الشَّيْخِ: أَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ قَائِمِ الْأَبِ -مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ; الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ فَاسِدٌ لَا يَقُولُ أَحَدٌ بِصِحَّتِهِ ; لِأَنَّ " الرَّجُلَ " مُعَرَّفَةٌ، " وَقَائِمِ الْأَبِ " نَكِرَةٌ، فَإِنَّ إِضَافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لَا تُفِيدُ التَّعْرِيفَ، فَلَا يَصِحُّ وَصْفُ الرَّجُلِ بِهِ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ مَثَلًا بِرَجُلٍ قَائِمِ الْأَبِ، وَحِينَئِذٍ تَسْتَحِيلُ الْمَسْأَلَةُ، وَكَذَا مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَسَنِ الْوَجْهِ. الثَّانِي: مَا قَالَهُ مِنَ التَّحْوِيلِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَرْفُوعِ لَا يَجُوزُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ إِجْمَاعًا بَلْ هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، وَأُلْحِقَ بِهَا فِي ذَلِكَ اسْمُ الْمَفْعُولِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابن مالك فِي كُتُبِهِ، وَقَالَ فِي " الْأَلْفِيَّةِ ": وَقَدْ يُضَافُ ذَا - أَيِ اسْمُ الْمَفْعُولِ- إِلَى اسْمٍ مُرْتَفِعٍ مَعْنًى كَمَحْمُودِ الْمَقَاصِدِ الْوَرِعِ. وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْكَافِيَةِ ": تَفَرَّدَ اسْمُ الْمَفْعُولِ بِجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى مَا هُوَ مَرْفُوعٌ مَعْنًى، نَحْوُ: زَيْدٌ يَكْسُو الْعَبْدَ وَمَحْمُودُ الْمَقَاصِدِ. وَقَالَ أبو حيان فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ ": انْفَرَدَ اسْمُ الْمَفْعُولِ بِجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى مَرْفُوعٍ بِخِلَافِ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى فَاعِلِهِ، لَا تَقُولُ فِي: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ضَارِبٍ أَبُوهُ زَيْدًا بِرَجُلٍ ضَارِبٍ أَبِيهِ زَيْدًا. قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا أَيْضًا فِي اسْمِ الْمَفْعُولِ إِضَافَةٌ مِنْ مَنْصُوبٍ لَا مِنْ مَرْفُوعٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: أَصْلُهُ أَكْمَلَ حَمْدَهُ- يُؤَدِّي إِلَى اسْتِعْمَالِ " أَكْمَلَ " مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ، وَمِنْ وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ فِي أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ. الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّ الْأَصْلَ: أَكْمَلَ حَمْدُهُ، وَأَنَّ الْحَمْدَ فَاعِلٌ، وَأَنَّهُ حُوِّلَ عَنِ الْفَاعِلِيَّةِ ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ، فَاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ -غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ عَنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يَرْفَعُ الظَّاهِرَ أَصْلًا إِلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْكُحْلِ، وَهَذَا الْمِثَالُ لَيْسَ مِنْ ضَابِطِهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا نِزَاعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 809

[أَلْوِيَةُ النَّصْرِ فِي خِصِّيصَى بِالْقَصْرِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَسْأَلَةٌ: قَرَأَ قَارِئٌ عَلَيَّ فِي خَتْمِ " كِتَابِ الشِّفَا " بِالْخَانْقَاهِ الشَّيْخُونِيَّةِ قَوْلَهُ: وَيَخُصُّنَا بِخِصِّيصَيْ زُمْرَةِ نَبِيِّنَا وَجَمَاعَتِهِ. فَقَرَأَهَا " بِخِصِّيصَيْ " بِالْيَاءِ السَّاكِنَةِ آخِرَهَا عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ مُثَنَّاةٌ مُضَافَةٌ لِمَا بَعْدَهَا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: قُلْ: بِخِصِّيصَى -أَعْنِي بِأَلِفِ الْقَصْرِ- وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ محيي الدين الكافيجي، فَقَالَ الشَّيْخُ: نَعَمْ بِخِصِّيصَى -يَعْنِي بِالْأَلِفِ- فَقَالَ الْقَارِئُ الْمَذْكُورُ: فِيهَا الْوَجْهَانِ، فَقُلْتُ: لَيْسَ فِيهَا إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ، فَذَهَبَ فَكَتَبَ صُورَةَ سُؤَالٍ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ خُطُوطَ جَمَاعَةٍ بِتَصْوِيبِ مَا قَالَهُ، وَهُمُ الشَّيْخُ أمين الدين الأقصرائي، وَالشَّيْخُ زين الدين قاسم الحنفي، وَالشَّيْخُ سراج الدين العبادي، وَالْحَافِظُ فخر الدين الديمي، وَالْمُحَدِّثُ الْمُؤَرِّخُ شمس الدين السخاوي، فَجَمَعْتُ نُقُولَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ، وَأَرْسَلْتُهَا إِلَى الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ مَا عَدَا السَّخَاوِيَّ، فَعَرَفُوا الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ وَرَجَعُوا عَمَّا كَتَبُوهُ أَوَّلًا، وَكَتَبُوا ثَانِيًا بِتَصْوِيبِ مَا قُلْتُهُ أَنَّهَا بِالْأَلِفِ الْمَقْصُورَةِ، فَذَهَبَ الْقَارِئُ إِلَى السَّخَاوِيِّ يَسْتَنْجِدُ بِهِ، فَكَتَبَ لَهُ عَلَى سُؤَالٍ آخَرَ كِتَابَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً مَضْمُونُهَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ كَمَا رَجَعَ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عِنْدَهُ نُسْخَةً مِنَ " الشِّفَا " صَحِيحَةً قُرِأَتْ عَلَى شُيُوخٍ عِدَّةٍ، وَفِيهَا صُورَةُ السُّكُونِ مَرْقُومَةٌ بِالْقَلَمِ عَلَى الْيَاءِ، فَقُلْتُ: كَفَى بِهَذَا الْكَلَامِ جَهْلًا، وَمَنْ هَذَا مَبْلَغُ عِلْمِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِ. أَطْبَقَتْ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ خِصِّيصَى بِأَلِفِ الْقَصْرِ، وَقَدْ تُمَدُّ شُذُوذًا فَيُقَالُ: خِصِّيصَاءُ، مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْخُصُوصِيَّةِ، وَيُقَالُ: خَصَّهُ بِالشَّيْءِ خُصُوصًا وَخُصُوصِيَّةً وَخِصِّيصَى وَخِصِّيصَاءَ فِي لُغَةٍ، وَخَاصَّةً نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَالسِّيرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ، والقالي فِي كِتَابِهِ " الْمَقْصُورُ وَالْمَمْدُودُ "، والفارابي فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ، وابن فارس فِي " الْمُجْمَلِ "، ونشوان الحميري فِي شَمْسِ الْعُلُومِ، وابن دريد فِي " الْجَمْهَرَةِ "، والجوهري فِي " الصِّحَاحِ "، وَابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُحْكَمِ "، وَالْخَفَّافُ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ "، وَأَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ فِي " اللُّبَابِ "، وَالزَّمَخْشَرِيُّ فِي كِتَابِ " الْمَصَادِرِ "، والعبسي فِي " الْخُلَاصَةِ "، والصغاني فِي " الْعُبَابِ "، وابن عصفور فِي " الْمُمْتِعِ "، والأزدي فِي " الدُّرَرِ "، وابن مالك فِي مَنْظُومَتِهِ وَشَرْحِهَا، وَابْنُهُ فِي " شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ " وَفِي " شَرْحِ لَامِيَّةِ الْأَفْعَالِ "، وأبو حيان فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ "، وابن هشام فِي " التَّوْضِيحِ "، وابن جابر فِي مَنْظُومَتِهِ، والفيروزابادي فِي " الْقَامُوسِ "، وَخَلَائِقُ، وَمِنْ نَظَائِرِهَا الْحِثِّيثَى،

стр. 810

والخطيبى، والدليلى، والزليلى، وَالْمِكِّيثَى فِي أَلْفَاظٍ عِدَّةٍ، وَلَمْ يَرِدْ خِصِّيصٌ الْبَتَّةَ حَتَّى يُقَالَ فِي تَثْنِيَتِهِ خِصِّيصَانِ. وَقَدْ عَقَدَ ابن دريد فِي " الْجَمْهَرَةِ " بَابًا لِفِعِّيلٍ وَفِعِّيلَى، فَذَكَرَ مَا جَاءَ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَيْسَ لِمُوَّلَّدٍ أَنْ يَبْنِي فِعِّيلَا إِلَّا مَا بَيَّنَتِ الْعَرَبُ وَتَكَلَّمَتْ بِهِ، وَلَوْ أُجِيزَ ذَلِكَ لَقُلِبَ أَكْثَرُ الْكَلَامِ، فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَا جَاءَ عَلَى فِعِّيلٍ مِمَّا لَا تَسْمَعُهُ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ بِهِ شِعْرٌ فَصِيحٌ. [الزَّنْدُ الْوَرِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ السَّكَنْدَرِيِّ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. مَسْأَلَةٌ: وَرَدَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سُؤَالٌ صُورَتُهُ: رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» " قَالَ الشَّيْخُ محيي الدين النووي فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ ﷺ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ - أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - فَكُلُّهُمْ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى. قُلْتُ: وَقَدْ أُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِنْ جِهَةِ تَنْزِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَلَى الْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَنْ سَمِعَ بِنَبِيِّنَا ﵊ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ بِعْثَتُهُ الْعَامَّةُ ثُمَّ مَاتَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِمَا أُرْسِلَ بِهِ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. وَفِي تَنْزِيلِ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَقْصُودِ قَلَقٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا الْإِشْكَالُ يَعْرِضُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ أَيْضًا، كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ، وَمَا أَحْسَنْتُ إِلَى لَئِيمٍ إِلَّا أَسَاءَ إِلَيَّ، وَمَا أَنْعَمْتُ عَلَى عَمْرٍو إِلَّا شَكَرَ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْغَرَضُ فِي الْجَمِيعِ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ بَعْدَ " إِلَّا " مُرَتَّبًا مَضْمُونُهُ عَلَى مَضْمُونِ مَا بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ، أَيْ: مَهْمَا جَاءَنِي زَيْدٌ أَكْرَمْتُهُ، وَمَهْمَا أَحْسَنْتُ إِلَى لَئِيمٍ أَسَاءَ إِلَيَّ، وَمَهْمَا أَنْعَمْتُ عَلَى عَمْرٍو شَكَرَ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَتَطْبِيقُ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْغَرَضِ غَيْرُ مُتَأَتٍّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ غَايَةَ مَا يُتَخَيَّلُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ

стр. 811

مُفَرَّغًا بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ " إِلَّا " فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهَا حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ مِنَ الْمَفْعُولِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، أَيْ مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِي مُكْرِمًا لَهُ، وَمَا أَحْسَنْتُ إِلَى لَئِيمٍ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ مُسِيئًا إِلَيَّ، وَمَا أَنْعَمْتُ عَلَى عَمْرٍو إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ شَاكِرًا لِلنِّعْمَةِ. وَهَذَا مُشْكِلٌ ; فَإِنَّ الْحَالَ مُقَيِّدَةٌ لِعَامِلِهَا وَمُقَارِنَةٌ لَهُ، وَلَيْسَ الْإِكْرَامُ مُقَيَّدًا بِمَجِيءِ زَيْدٍ بِحَسْبِ الْمَقْصُودِ وَلَا مُقَارِنًا لَهُ فِي الزَّمَنِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَمْثِلَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: اجْعَلِ الْحَالَ مُقَدَّرَةً كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صَائِدًا بِهِ غَدًا، أَيْ مُرِيدًا الصَّيْدَ بِهِ، فَكَذَا فِي الْأَمْثِلَةِ، أَيْ: مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِي مُرِيدًا لِإِكْرَامِهِ، وَمَا أَحْسَنْتُ إِلَى لَئِيمٍ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ مُرِيدًا الْإِسَاءَةَ إِلَيَّ، وَمَا أَنْعَمْتُ عَلَى عَمْرٍو إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ مُرِيدًا الشُّكْرَ، وَعَلَى هَذَا تَتَأَتَّى الْمُقَارَنَةُ وَالتَّقْيِيدُ، وَلَا إِشْكَالَ. قُلْتُ: هَذَا وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مَعْنًى مُمْكِنُ الِاسْتِقَامَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْغَرَضِ الْمَصُوغِ لِهَذَا الْكَلَامِ ; إِذِ الْمَقْصُودُ كَمَا سَبَقَ وُقُوعُ مَضْمُونِ مَا بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ مُرَتَّبًا عَلَى مَضْمُونِ مَا بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِنْعَامِكَ عَلَى عَمْرٍو فِي حَالِ إِرَادَتِهِ لِلشُّكْرِ أَنْ يَكُونَ الشُّكْرُ وَقَعَ بِالْفِعْلِ مُرَتَّبًا عَلَى الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ ; لِجَوَازِ تَخَلُّفِ مُتَعَلِّقِ الْإِرَادَةِ الْحَادِثَةِ عَنْهَا، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي بَقِيَّةِ الْأَمْثِلَةِ، فَقَدْ ظَهَرَ امْتِنَاعٌ جَعْلِ مَا بَعْدَ إِلَّا حَالًا، لَا مِنْ قَبِيلِ الْحَالِ الْمُحَقَّقَةِ، وَلَا مِنْ قَبِيلِ الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، وَلَا مَسَاغَ لِغَيْرِ الْحَالِ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ، فَتَقَرَّرَ الْإِشْكَالُ. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ لَا تَجْعَلُ التَّفْرِيعَ بِاعْتِبَارِ ظَرْفِ الزَّمَانِ، أَيْ: مَا جَاءَنِي زَيْدٌ فِي حِينٍ مِنَ الْأَحْيَانِ إِلَّا فِي حِينٍ أَكْرَمْتُهُ، فَحَذَفَ الْحِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: جِئْتُكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَيْ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. قُلْتُ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا لَفْظًا فَلِأَنَّ الظَّرْفَ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى زَعْمِكَ مُضَافٌ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَلَا يُحْذَفُ مُضَافٌ إِلَى الْجُمْلَةِ وَتَقُومُ الْجُمْلَةُ مَقَامَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُفْرَدًا كَمَا فِي جِئْتُكَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَمَا أَجَازَهُ أبو حيان فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ " يَوْمًا يَوْمَ لَا تَجْزِي نَفْسٌ "، فَأَبْدَلَ يَوْمَ الثَّانِي مِنَ الْأَوَّلِ ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ مَرْدُودٌ ; قَالَ ابن هشام: لَا نَعْلَمُ هَذَا وَاقِعًا فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ إِنِ ادَّعَى عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى مَحَلِّهَا مِنَ الْجَرِّ فَشَاذٌّ، أَوْ أَنَّهَا أُنِيبَتْ عَنِ الْمُضَافِ فَلَا تَكُونُ الْجُمْلَةُ مَفْعُولًا فِي مِثْلِ هَذَا

стр. 812

الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا مَعْنًى ; فَيَظْهَرُ مِمَّا أَبْطَلْنَا بِهِ وَجْهَيِ الْحَالِ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُقَدَّرَةِ، إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجِئْ إِلَّا فِي حَالِ إِكْرَامِكَ لَهُ أَوْ حَالِ إِرَادَتِكَ لِإِكْرَامِهِ، وَإِنَّمَا حِينَئِذٍ الْمَقْصُودُ مَا أَسْلَفْنَاهُ، وَالْكَلَامُ فِي تَنْزِيلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَالْإِشْكَالُ بِحَالِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِثْنَاءَ الْوَاقِعُ فِيهِ جُمَلٌ، فَإِنْ أَعَدْتَهُ إِلَى الْجَمِيعِ وَبَنَيْنَا عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُسْتَثْنَى هُوَ مِنْ قِبَلِ " إِلَّا " مِنْ فِعْلٍ أَوْ مَعْنَاهُ بِوَاسِطَةِ " إِلَّا " كَمَا يَرَاهُ الْبَصْرِيُّونَ لَزِمَ اجْتِمَاعُ عَوَامِلَ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَإِنْ أَعَدْتَهُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَقَطْ لَزِمَ الْخُلْفُ فِي الْخَبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ: لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. وَكَمْ مِنْ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ يَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَلَا يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، بِأَنْ يُسْلِمَ وَيَمُوتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ رَاجِعًا إِلَى مَا بَعْدَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَقَطْ عَلَى مَا فِيهِ صَارَتِ الْجُمْلَةُ الْأَوْلَى لَا تُعْرَضُ فِيهَا إِلَّا الِاسْتِثْنَاءُ، فَيَلْزَمُ الْخُلْفُ أَيْضًا، إِذْ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ - هَذَا آخِرُ السُّؤَالِ. الْجَوَابُ: قَالَ ابن مالك فِي " التَّسْهِيلِ " فِي تَقْرِيرِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي مِنْ أَفْرَادِهَا هَذَا الْحَدِيثُ وَيَلِيهَا أَيْ إِلَّا فِي النَّفْيِ فِعْلٌ مُضَارِعٌ بِلَا شَرْطٍ وَمَاضٍ مَسْبُوقٌ بِفِعْلٍ أَوْ مَقْرُونٌ بِقَدْ. وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: مِثَالُ الْمُضَارِعِ مَا كَانَ زَيْدٌ إِلَّا يَفْعَلُ كَذَا، وَمَا خَرَجَ زَيْدٌ إِلَّا يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَمَا زَيْدٌ إِلَّا يَفْعَلُ كَذَا، وَمِثَالُ الْمَاضِي مَسْبُوقًا بِفِعْلٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا﴾ [يس: ٣٠] وَمَقْرُونًا بِقَدْ قَوْلُ الشَّاعِرِ: مَا الْمَجْدُ إِلَّا قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ... تَنْدَى وَحُلْمٌ لَا يَزَالُ مُؤَثَّلًا قَالَ: وَإِنَّمَا أَغْنَى اقْتِرَانُ الْمَاضِي بِقَدْ عَنْ تَقَدُّمِ فِعْلٍ ; لِأَنَّ " قَدْ " تُقَرِّبُهُ مِنَ الْحَالِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ شَبِيهًا بِالْمُضَارِعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُضَارِعُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ شَرْطٍ ; لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالِاسْمِ، وَإِنَّمَا سَاغَ بِتَقْدِيمِ الْفِعْلِ مَقْرُونًا بِالنَّفْيِ لِجَعْلِ الْكَلَامِ بِمَعْنَى: كُلَّمَا كَانَ كَذَا. فَكَانَ فِيهِ فِعْلَانِ كَمَا كَانَ مَعَ كُلَّمَا، فَلَوْ قُلْتَ: مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ -لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا ذُكِرَ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَا يَكُونُ إِلَّا اسْمًا أَوْ مُؤَوَّلًا بِاسْمٍ، وَالْمَاضِي الْمُجَرَّدُ مِنْ " قَدْ " بَعِيدٌ مِنْ شِبْهِ الِاسْمِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَلَّا فَعَلْتَ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، كَقَوْلِهِمْ: شَرًّا أَهَرَّ ذَا نَابٍ، أَيْ مَا أَسْأَلُكَ إِلَّا فِعْلَكَ انْتَهَى. وَقَالَ أبو البقاء فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا﴾ [يس: ٣٠]

стр. 813

إِنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي " يَأْتِهِمْ " وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِرَسُولٍ عَلَى اللَّفْظِ أَوِ الْمَوْضِعِ، انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَرْجَحُ الْحَالِيَّةُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ وُقُوعَ مَا بَعْدَ " إِلَّا " وَصْفًا لِمَا قَبْلَهَا رَأْيٌ ضَعِيفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، بَلْ قَالَ ابن مالك: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِبَصْرِيٍّ وَلَا لِكُوفِيٍّ، وَإِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، وَإِنَّ مَا أَوْهَمَ خِلَافَ ذَلِكَ فَمُؤَوَّلٌ عَلَى الْحَالِ. وَكَأَنَّ أَبَا الْبَقَاءِ تَابَعَ فِي ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيَّ. الثَّانِي: أَنَّ الْحَالِيَّةَ تَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْأَمْثِلَةِ، وَالْوَصْفِيَّةَ لَا تَطَّرِدُ بَلْ تَخْتَصُّ بِمَا إِذَا كَانَ الِاسْمُ السَّابِقُ نَكِرَةً كَالْحَدِيثِ، أَمَّا نَحْوُ: مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ فَلَا يُمْكِنُ فِيهِ الْوَصْفِيَّةُ كَمَا لَا يَخْفَى، فَعُلِمَ بِذَلِكَ تَرْجِيحُ الْحَالِيَّةِ، وَكَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أبو البقاء، وَمَا أَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الْمُلَازَمَةِ وَجَوَازِ تَخَلُّفِ مُتَعَلِّقِ الْإِرَادَةِ الْحَادِثَةِ عَنْهَا، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي التَّخْرِيجِ، وَلَوْ رُوعِيَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ لَنَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَكَمْ مِنْ قَاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ قُدِّرَتْ وَلَمْ يُبَالِ بِمُخَالَفَتِهَا لِلْقَوَاعِدِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّ مِنَ النَّحْوِ وَالْفِقْهِ مَعْقُولٌ مِنْ مَنْقُولٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ، فَتَارَةً يُلَاحَظُ فِيهَا الْأَمْرُ الْعَقْلِيُّ، وَتَارَةً يُلَاحَظُ الْأَمْرُ النَّقْلِيُّ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنَ التَّرْتِيبِ وَمَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْمُلَازَمَةِ، إِنَّمَا يَتَّجِهُ لَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ عَقْلِيًّا لَا يَتَخَلَّفُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ شَرْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ، وَالَّذِي فِي الْأَمْثِلَةِ أَيْضًا لَيْسَ بِعَقْلِيٍّ، بَلْ عَادِيٌّ خَاصٌّ، أَيْ بِحَسَبِ عَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ فِعْلُهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُكْتَفَى بِهِ فِي الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ. وَأَمْرٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي وَجْهِ التَّرْتِيبِ تَفْسِيرُ مَعْنًى، وَمَا ذُكِرَ فِي تَقْرِيرِ الْحَالِ تَفْسِيرُ إِعْرَابٍ، وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ تَفْسِيرِ الْمَعْنَى وَتَفْسِيرِ الْإِعْرَابِ، وَلَا يَلْتَزِمُونَ تَوَافُقَهُمَا كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا لِسِيبَوَيْهِ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الثَّانِي فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ ; لِأَنَّ الْجُمَلَ السَّابِقَةَ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً، بَلْ جُمْلَةُ: " ثُمَّ يَمُوتُ وَلَا يُؤْمِنُ " مُرْتَبِطَةٌ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى عَلَى أَنَّهَا قَيْدٌ فِيهَا، وَ " ثُمَّ " هُنَا وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْفَاءِ، فَإِنَّهَا لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ لَا لِلتَّرَاخِي كَمَا فِي قَوْلِهِ: جَرَى فِي الْأَنَابِيبِ ثُمَّ اضْطَرَبَ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ يَهُودِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٍّ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِي إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. فَعُلِمَ أَنَّ جُمْلَةَ " يُؤْمِنُ " مُرْتَبِطَةٌ بِالْأُولَى، وَفَاءُ الرَّبْطِ تُصَيِّرُ الْجُمْلَتَيْنِ فِي حُكْمِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا قَرَّرَهُ النُّحَاةُ فِي بَابِ الْعَطْفِ فِي مَسْأَلَةِ: الَّذِي يَطِيرُ فَيَغْضَبُ زَيْدٌ الذُّبَابُ، فَقَوْلُهُ: إِنْ أَعَدْتَهُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى

стр. 814

لَزِمَ الْخُلْفُ إِلَى آخِرِهِ، مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ إِذَا أُعِيدَ إِلَيْهَا مُقَيَّدَةً بِمَضْمُونِ مَا بَعْدَهَا لَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [رَفْعُ السِّنَةِ فِي نَصْبِ الزِّنَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ، وَلَا يُقَدَّرُ لِعَرْشِهِ زِنَةٌ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ أَفْصَحُ الْحَدِيثِ وَأَحْسَنُهُ. وَبَعْدُ سُئِلْتُ عَنْ وَجْهِ النَّصْبِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، زِنَةَ عَرْشِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَعَدَدَ خَلْقِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . وَالْجَوَابُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعَ مَنْصُوبَاتٍ عَلَى تَقْدِيرِ الظَّرْفِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَدْرَ زِنَةِ عَرْشِهِ، وَكَذَا البواقي، فَلَمَّا حُذِفَ الظَّرْفُ قَامَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ فِي إِعْرَابِهِ، فَهَذَا الْإِعْرَابُ هُوَ الْمُتَّجِهُ الْمُطَّرِدُ السَّالِمُ مِنَ الِانْتِقَاضِ، وَقَدْ ذَكَرَ السَّائِلُ أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ عَلَى الْحَالِ أَوْ عَلَى حَذْفِ الْخَافِضِ؟ وَأَقُولُ: أَمَّا النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ فَقَدْ ذَكَرَهُ المظهري فِي " شَرْحِ الْمَصَابِيحِ " قَالَ: " عَدَدَ خَلْقِهِ " مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ أَعُدُّ تَسْبِيحَهُ وَتَحْمِيدَهُ بِعَدَدِ خَلْقِهِ وَبِمِقْدَارِ مَا تَرْضَاهُ خَالِصًا، وَبِثِقَلِ عَرْشِهِ وَمِقْدَارِهِ وَبِمِقْدَارِ كَلِمَاتِهِ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الأشرقي فِي شَرْحِهِ قَالَ: " عَدَدَ خَلْقِهِ " وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ سَبَّحْتُهُ تَسْبِيحًا يُسَاوِي خَلْقَهُ عِنْدَ التَّعْدَادِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ فِي الْمِقْدَارِ يُوجِبُ رِضَا نَفْسِهِ انْتَهَى. فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ " نَفْسِهِ " مَصْدَرٌ وَأَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَصْدَرًا لِلتَّسْبِيحِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، بَلْ يَكُونُ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مِنَ الزِّنَةِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَزِنُهُ زِنَةَ عَرْشِهِ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا التَّقْدِيرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إِنْشَاءُ وَزْنِ التَّسْبِيحِ، بَلِ الْمُرَادُ إِنْشَاءُ قَوْلِ التَّسْبِيحِ، وَالْمَعْنَى: أَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ قَوْلًا كَثِيرًا مِقْدَارَ زِنَةِ عَرْشِهِ فِي الْكَثْرَةِ وَالْعِظَمِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ فِعْلِ الزِّنَةِ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَزِنُ التَّسْبِيحَ زِنَةَ عَرْشِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، ثُمَّ إِذَا قُدِّرَ فِي الْأُخْرَى أَعُدُّهُ عَدَدَ خَلْقِهِ- كَمَا أَفْصَحَ بِهِ المظهري - أَدَّى إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى إِنْشَاءُ عَدِّ التَّسْبِيحِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلِ الْمُرَادُ: أَقُولُهُ قَوْلًا عَدَدَ خَلْقِهِ، ثُمَّ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي رِضَا نَفْسِهِ. فَإِنْ قِيلَ: يُقَدَّرُ: أُرْضِيهِ رِضَا نَفْسِهِ قُلْنَا: حِينَئِذٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ التَّسْبِيحِ، وَهِيَ فِي " أَزِنُهُ " " وَأَعُدُّهُ " عَائِدٌ عَلَى التَّسْبِيحِ، فَيَخْتَلُّ التَّنَاسُقُ فِي الْكَلِمَاتِ، ثُمَّ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي

стр. 815

" مِدَادَ كَلِمَاتِهِ " بِلَا مِرْيَةٍ، وَيَبْقَى عَلَى [كَلَامِ] المظهري تَعَقُّبَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَدَدًا لَوْ كَانَ مَصْدَرًا لَمْ يَجِئْ بِالْفَكِّ ; لِأَنَّ مَصْدَرَ عَدَّ عَلَى فَعْلٍ بِسُكُونِ الْعَيْنِ، فَيَجِبُ أَنْ يُدْغَمَ فَيُقَالُ: عَدَّ، بِالتَّشْدِيدِ، كَرَدَّ وَمَدَّ وَشَدَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ أَعُدُّ تَسْبِيحَهُ بِعَدَدِ خَلْقِهِ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءَ، وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، لَا يُقَالُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، يَضْرِبُ فِي مَوْضِعِ ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا، ثُمَّ قَالَ: وَبِمِقْدَارِ مَا يَرْضَاهُ، وَبِثِقَلِ عَرْشِهِ، وَمِقْدَارِهِ وَبِمِقْدَارِ كَلِمَاتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَيُؤَوَّلُ إِلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَوِ الظَّرْفِيَّةِ، فَإِنَّ النَّصْبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَنَزْعِ الْخَافِضِ مُتَقَارِبَانِ، فَإِنَّ الظَّرْفَ مَنْصُوبٌ عَلَى إِسْقَاطِ الْخَافِضِ الَّذِي هُوَ " فِي " غَيْرَ أَنَّهُ بَابٌ مُطَّرِدٌ، وَالنَّصْبُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ فِي غَيْرِ الظَّرْفِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، فَاتَّجَهَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ بِتَقْدِيرِ " قَدْرَ "، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الخطابي فِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ ". [فَقَالَ] قَوْلُهُ: " وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ "، أَيْ قَدْرَ مَا يُوَازِنُهَا فِي الْعَدَدِ وَالْكَثْرَةِ. وَقَالَ ابن الأثير فِي " النِّهَايَةِ ": " وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ " أَيْ مِثْلَ عَدَدِهَا، وَقِيلَ: قَدْرَ مَا يُوَازِنُهَا فِي الْكَثْرَةِ عِيَارَ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ يُرَادُ بِهِ التَّقْرِيبُ، انْتَهَى. فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: " مِثْلَ " إِلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْوَصْفِ، وَبِقَوْلِهِ: " وَقِيلَ: قَدْرَ " إِلَى الظَّرْفِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أكمل الدين فِي " شَرْحِ الْمَشَارِقِ ": قَوْلُهُ: " عَدَدَ خَلْقِهِ " أَيْ عَدَدًا كَعَدَدِ خَلْقِهِ، " وَزِنَةَ عَرْشِهِ "، أَيْ بِمِقْدَارِ وَزْنِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ أَيْ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِعْرَابًا عَلَى حِدَةٍ: الْأُولَى مَصْدَرٌ، وَالثَّانِيَةُ ظَرْفٌ، وَالثَّالِثَةُ حَالٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَسَاوِيَ الْكُلِّ فِي الْإِعْرَابِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَوْلَى، وَتَقْدِيرُ " قَدْرَ " فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ، فَاتَّجَهَ نَصْبُ الْكُلِّ عَلَى الظَّرْفِ بِتَقْدِيرِ " قَدْرَ ". فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِأَنَّ " قَدْرَ " انْتَصَبَ عَلَى الظَّرْفِ، قُلْتُ: ذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِكَ فِي أُمَّهَاتِ الْكُتُبِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْخَطِيبُ التِّبْرِيزِيُّ والمرزوقي كِلَاهُمَا فِي " شَرْحِ الْحَمَاسَةِ " فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: فَسَايَرْتُهُ مِقْدَارَ مِيلٍ وَلَيْتَنِي . وَفِي قَوْلِهِ: هَلِ الْوَجْدُ إِلَّا أَنَّ قَلْبِيَ لَوْ دَنَا ... مِنَ الْجَمْرِ قَيْدَ الرُّمْحِ لَاحْتَرَقَ الْجَمْرُ بِأَنَّ نَصْبَ " مِقْدَارَ " وَ " قَيْدَ " كِلَاهُمَا عَلَى الظَّرْفِ، وَقَيْدَ بِمَعْنَى قَدْرَ. قَالَ ابن شمعون فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ ... فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الْأَشْبَارِ

стр. 816

يَجُوزُ نَصْبُ خَمْسَةَ الْأَشْبَارِ نَصْبَ الظَّرْفِ بِسَمَا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ: سَمَا مِقْدَارَ خَمْسَةِ الْأَشْبَارِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ فِي حَدِيثِ " «أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ» " -: إِنَّ " رَمْيَةً " نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ بِتَقْدِيرِ " قَدْرَ " أَيْ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ. وَقَالَ الطيبي فِي " شَرْحِ الْمِشْكَاةِ " فِي حَدِيثِ " «فَضْلِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفًا» ": قَوْلُهُ: " سَبْعِينَ " مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ ظَرْفٌ، أَيْ تَفْضُلُ مِقْدَارَ سَبْعِينَ. وَقَالَ أبو البقاء فِي حَدِيثِ: " «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا» ": هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَدْرَ شِبْرٍ. وَقَالَ الطيبي فِي حَدِيثِ: " «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا» ": شِبْرًا وَذِرَاعًا وَبَاعًا فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ مِقْدَارَ شِبْرٍ، وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ: " «مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ» ": الْمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وَشِبْرًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا [مُطْلَقًا] أَيْ: ظَلَمَ شِبْرًا وَمَفْعُولًا فِيهِ، أَيْ مِقْدَارَ شِبْرٍ. وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ: " «أَنَّهُ ﷺ أَقْطَعَ الزبير حُضْرَ فَرَسِهِ» ": نُصِبَ " حُضْرَ " عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ قَدْرَ مَا يَعْدُو عَدْوَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْصُوصَةٌ فِي كُتُبِ النَّحْوِ ; قَالَ ابن مالك فِي " التَّسْهِيلِ ": الصَّالِحُ لِلظَّرْفِيَّةِ الْقِيَاسِيَّةِ مَا دَلَّ عَلَى مِقْدَارٍ، وَقَالَ فِي " الْأَلْفِيَّةِ ": وَقَدْ يَنُوبُ عَنْ مَكَانِ مَصْدَرٍ ... وَذَاكَ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ يَكْثُرُ وَقَالَ ابن هشام فِي " التَّوْضِيحِ ": يَنُوبُ الْمَصْدَرُ عَنِ الظَّرْفِ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا لِمِقْدَارٍ، نَحْوَ: انْتَظَرْتُكَ حَلْبَ نَاقَةٍ. وَقَالَ أبو حيان فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ ": قَالَ الصفار فِي " شَرْحِ الْكِتَابِ ": اعْلَمْ أَنَّ الْمَصْدَرَ إِذَا اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى الظَّرْفِ جَازَ أَنْ يُضَافَ إِلَى الْفِعْلِ، تَقُولُ أَتَيْتُكَ رَيْثَ قَامَ زَيْدٌ، أَيْ قَدْرَ بُطْءِ قِيَامِهِ، فَلَمَّا خَرَجَتْ إِلَى الظَّرْفِ جَازَ فِيهَا مَا جَازَ فِي الظَّرْفِ، ثُمَّ إِنَّ نَصْبَ " زِنَةَ " بِخُصُوصِهَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ سِيبَوَيْهِ وَأَئِمَّةِ النَّحْوِ، قَالَ ابن مالك فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ ": مِنَ الْجَارِي مَجْرَى ظَرْفِ الزَّمَانِ بِاطِّرَادٍ مَصَادِرُ قَامَتْ مَقَامَ مُضَافٍ إِلَيْهَا تَقْدِيرًا، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هُوَ قُرْبَ الدَّارِ، وَوَزْنَ الْجَبَلِ وَزِنَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِالِاطِّرَادِ أَنْ لَا تَخْتَصَّ ظَرْفِيَّتُهُ بِعَامِلٍ مَا كَاخْتِصَاصِ ظَرْفِيَّةِ الْمُشْتَقِّ مِنَ اسْمِ الْوَاقِعِ فِيهِ انْتَهَى. وَقَالَ أبو حيان فِي " شَرْحِ التَّسْهِيلِ ": وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الْمُنْتَصِبِ ظَرْفًا صَدَدَكَ، وَصَفِيَّكَ، وَوَزْنَ الْجَبَلِ، وَزِنَةَ الْجَبَلِ، وَأَقْطَارَ الْبِلَادِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا يَنْصِبُهَا الْفِعْلُ اللَّازِمُ لِإِبْهَامِهَا انْتَهَى. وَقَالَ فِي " الِارْتِشَافِ ": فَرَّقَ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ " وَزْنَ الْجَبَلِ " " وَزِنَةَ الْجَبَلِ "، فَمَعْنَى " وَزْنَ الْجَبَلِ " نَاحِيَةُ تَوَازُنِهِ، أَيْ تَقَابُلِهِ قَرِيبَةً كَانَتْ مِنْهُ أَوْ بَعِيدَةً، وَزِنَةَ الْجَبَلِ حِذَاؤُهُ، أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِهِ، وَكِلَاهُمَا مُبْهَمٌ يَصِلُ إِلَيْهِمَا الْفِعْلُ وَيَنْتَصِبُ ظَرْفًا انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ التوربشتي شَارِحُ

стр. 817

الْمَصَابِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: زِنَةَ عَرْشِهِ مَا يُوَازِنُهُ فِي الْقَدْرِ، يُقَالُ: هُوَ زِنَةَ الْجَبَلِ أَيْ حِذَاؤُهُ فِي الثِّقَلِ وَالْوِزَانَةِ انْتَهَى. وَهَذَا مِنْهُ إِيمَاءٌ إِلَى تَخْرِيجِ الْحَدِيثِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَقَدْ خَرَّجُوا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ ; رُوِيَ أَنَّ معاوية اسْتَعْمَلَ ابْنَ أَخِيهِ عمرو بن عتبة بن أبي سفيان عَلَى صَدَقَاتِ كَلْبٍ، فَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ، فَقَالَ ابن العداء الكلبي: سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَنَدًا ... فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ قَالَ ابن الأثير فِي " النِّهَايَةِ ": نَصَبَ عِقَالًا عَلَى الظَّرْفِ أَرَادَ مُدَّةَ عِقَالٍ وَالْعِقَالُ صَدَقَةُ عَامٍ. وَقَالَ ابن يعيش فِي " شَرْحِ الْمُفَصَّلِ ": مِنَ الْمَنْصُوبِ عَلَى الظَّرْفِ قَوْلُهُمْ سِيرَ عَلَيْهِ تَرْوِيحَتَيْنِ، وَانْتُظِرَ بِهِ نَحْوَ جَزُورَيْنِ، وَالْمُرَادُ مُدَّةَ ذَلِكَ، وَالتَّرْوِيحَتَيْنِ تَثْنِيَةُ التَّرْوِيحَةِ، وَاحِدَةُ التَّرَاوِيحِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ أبو البقاء فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ» " أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ الظَّرْفِ، أَيْ مُدَّةَ نَشَاطِهِ، فَحَذَفَهُ وَأَقَامَ الْمَصْدَرَ مَقَامَهُ. وَقَالَ الأشرقي فِي " شَرْحِ الْمَصَابِيحِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَشَاطَهُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي نَشِطَ لَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا تَقُولُ فِي نَصْبِهِ عَلَى الصِّفَةِ لِلْمَصْدَرِ؟ قُلْتُ: هَذَا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ، وَأَقُولُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ " سُبْحَانَ " أَوْ لِمُقَدَّرٍ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ الْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْصُوفِهِ بِقَوْلِهِ وَبِحَمْدِهِ، وَذَلِكَ ضَعِيفٌ أَوْ مَمْنُوعٌ، مَعَ أَنَّ عِنْدِي فِي جَوَازِ وَصْفِ سُبْحَانَ وَقْفَةً، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ إِلَّا عَلَمًا لِلتَّسْبِيحِ مَنْصُوبًا وَلَمْ يُتَصَرَّفْ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ التَّقْدِيرَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَسْبِيحًا زِنَةَ عَرْشِهِ فَفِيهِ وَقْفَةٌ مِنْ وُجُوهٍ ; الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَقْدِيرُ مَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يُصَرَّحُ بِهِ فِي اللَّفْظِ، فَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ آخَرَ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَصْدَرَ الْمَذْكُورَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، فَإِذَا قُدِّرَ مَصْدَرٌ آخَرُ لَزِمَ مِنْهُ تَقْدِيرٌ لِثَلَاثَةٍ: فِعْلِ الْمَصْدَرِ الظَّاهِرِ، وَالْمَصْدَرِ الْمُقَدَّرِ، وَفِعْلٍ آخَرَ لَهُ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا يَنْصِبُ مَصْدَرَيْنِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَقْدِيرِ شَيْءٍ آخَرَ ; لِأَنَّ التَّسْبِيحَ لَيْسَ نَفْسَ الزِّنَةِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مِثْلَ زِنَةِ عَرْشِهِ، وَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إِلَى تَقْدِيرِ مِثْلَ، فَالْمُرَادُ الْمِثْلِيَّةُ فِي الْمِقْدَارِ، فَرَجَعَ إِلَى مَا قُلْنَاهُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ خُصُوصًا أَنَّ قَوْلَهُ: " رِضَا نَفْسِهِ " لَا يَصِحُّ فِيهِ تَقْدِيرُ الْمِثْلِيَّةِ ; وَلِهَذَا قَالَ الأشرقي: يُسَاوِي خَلْقَهُ عِنْدَ التَّعْدَادِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ فِي الْمِقْدَارِ، وَيُوجِبُ رِضَا نَفْسِهِ، فَأَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الْمُسَاوَاةِ، وَتَقْدِيرُ " قَدْرَ " صَحِيحٌ فِيهِ، أَيْ قَدْرًا يَبْلُغُ رِضَا نَفْسِهِ.

стр. 818

فَإِنْ قُلْتَ: بَقِيَ وَجْهُ إِبْطَالِ الْحَالِ. قُلْتُ: إِذَا قُدِّرَ " أُسَبِّحُ " أَوْ " أَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ مُوَازِنًا لِعَرْشِهِ " فَإِنْ جُعِلَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ نَافَرَهُ كَوْنُ " زِنَةَ عَرْشِهِ " وَمَا بَعْدَهُ جَارِيًا عَلَى سُبْحَانَ لَا عَلَى قَائِلِهِ، أَوْ مِنَ الْمَفْعُولِ نَافَرَهُ أَنَّ الْمَفْعُولَ هُنَا مُطْلَقٌ، وَالْمَعْهُودُ مَجِيءُ الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا يَطَّرِدُ التَّقْدِيرُ بِالْمُشْتَقِّ فِي " مِدَادَ كَلِمَاتِهِ " كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَبَطَلَ الْحَالُ. وَبَقِيَ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُمْكِنَةِ فِي إِعْرَابِهِ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا أَنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ يَبْلُغُ زِنَةَ عَرْشِهِ أَوْ بَالِغًا زِنَةَ عَرْشِهِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مِقْدَارًا، وَ " سُبْحَانَ اللَّهِ " مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَ " زِنَةَ عَرْشِهِ " مَفْعُولٌ ثَانٍ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُجْرِي الْقَوْلَ مَجْرَى ظَنَّ بِلَا شَرْطٍ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِكَانَ مُقَدَّرَةً هِيَ وَاسْمَهَا ضَمِيرًا رَاجِعًا إِلَى التَّسْبِيحِ، وَتُقَدَّرُ إِمَّا بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ أَوِ اسْمِ الْفَاعِلِ. الرَّابِعُ: وَهُوَ خَاصٌّ بِرِضَا نَفْسِهِ أَنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا لَهُ عَلَى جَعْلِ الرِّضَا بِمَعْنَى الْإِرْضَاءِ، كَقَوْلِكَ: سَبَّحْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَكُلُّهَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا، وَالْعُمْدَةُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ آخِرُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. مَسْأَلَةٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ حَدِيثِ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، إِلَّا مَرِيضٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ مُسَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ كَلَامٍ تَامٍّ مُوجَبٍ، فَيَكُونُ مَا بَعْدَ " إِلَّا " وَاجِبَ النَّصْبِ، فَمَا وَجْهُ رَفْعِهِ؟ وَخَاضَ النَّاسُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ، وَالَّذِي عِنْدِي فِي الْجَوَابِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْوَاقِعَةَ بَعْدَ " إِلَّا " مَنْصُوبَةٌ، وَلَكِنْ كُتِبَتْ بِلَا أَلِفٍ، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ. قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِسْرَاءِ " «وَأَرَى مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ» " -: وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ " مَالِكٌ " بِالرَّفْعِ، وَهَذَا قَدْ يُنْكَرُ وَيُقَالُ: هَذَا لَحْنٌ لَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَلَكِنْ عِنْدِي جَوَابٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ " مَالِكٌ " مَنْصُوبَةٌ، وَلَكِنْ أُسْقِطَتِ الْأَلِفُ فِي الْكِتَابَةِ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ الْمُحَدِّثُونَ كَثِيرًا، فَيَكْتُبُونَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بِغَيْرِ أَلْفٍ وَيَقْرَءُونَهُ بِالنَّصْبِ، فَكَذَلِكَ " مَالِكٌ " كَتَبُوهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَيَقْرَءُونَهُ بِالنَّصْبِ، فَهَذَا -إِنْ شَاءَ اللَّهُ -مِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَالُ فِيهِ، هَذَا كَلَامُ النووي. وَقَالَ أَيْضًا فِي بَابِ الْحَجِّ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنً» " - هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ " قَرْنً " بِغَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ النُّونِ، وَهُوَ مَصْرُوفٌ ; لِأَنَّهُ اسْمٌ لِجَبَلٍ، وَيُقْرَأُ مُنَوَّنًا، وَإِنَّمَا حَذَفُوا الْأَلِفَ مِنْهُ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ

стр. 819

الْمُحَدِّثِينَ يَكْتُبُونَ سَمِعْتُ أَنَسً بِغَيْرِ أَلِفٍ وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ، وَقَالَ القرطبي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي قَوْلِ عائشة: «كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشَرَ أُوقِيَّةً وَنَشّ» : قَوْلُهُ: " وَنَشّ " هُوَ مُعْرَبٌ مُنَوَّنٌ غَيْرَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا نَشّ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقِفُ عَلَى الْمُنَوَّنِ بِالسُّكُونِ بِغَيْرِ أَلِفٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي فِي شَرْحِ سُنَنِ أبي داود قَوْلُهُ: سَمِعْتُ خِلَاسَ الْهَجَرِيَّ - كَذَا فِي أَصْلِنَا بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ لَا مَانِعَ لَهُ مِنَ الصَّرْفِ، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ كِتَابَةِ الْأَلِفِ بِجَعْلِ فَتْحَتَيْنِ فَوْقَ آخِرِ الْكَلِمَةِ، لَكِنْ قَدْ يُغْفِلُ الْكَاتِبُ تِلْكَ الْفَتْحَتَيْنِ فَيَقَعُ فِي الْإِبْهَامِ. وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عمرو بن ميمون: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْيَمَنَ، فَسَمِعْتُ تَكْبِيرَهُ مَعَ الْفَجْرِ رَجُلٌ أَجَشُّ الصَّوْتِ -يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ: " أَجَشُّ الصَّوْتِ " النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَقَدْ ضَبَطْنَاهُ فِي أَصْلِنَا بِالْوَجْهَيْنِ، قَوْلُهُ: أَجَشُّ الصَّوْتِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: رَجُلٌ، فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي أَصْلِنَا بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، أَوْ مَنْصُوبًا وَكَتَبَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَكَثِيرٌ مِنَ النُّسَّاخِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الْأَجْوِبَةُ الزَّكِيَّةُ عَنِ الْأَلْغَازِ السُّبْكِيَّةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَرَدَ عَلَى شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ عبد الرحمن نَجْلِ الْإِمَامِ كمال الدين أبي بكر السيوطي الشافعي، عَامَلَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ، وَرَحِمَ سَلَفَهُ الْكَرِيمَ فِي سَادِسِ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ -أَوْرَاقٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا مَا صُورَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَبَعْدُ، فَقَدْ وَقَفَ الْعَبْدُ كَاتِبُ هَذِهِ الْأَحْرُفِ فَقِيرُ رَحْمَةِ رَبِّهِ ذِي اللُّطْفِ الْخَفِيِّ، محمد بن علي بن سودون الحنفي عَلَى سُؤَالٍ، كَتَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تاج الدين أبو نصر السبكي فِي ثَانِي عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ إِلَى الشَّيْخِ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي الشَّاعِرِ الْمَشْهُورِ: لِلْمُشْكِلَاتِ إِذَا مَا احْتَطْنَ بِالْفِكَرِ ... وَالْمُعْضِلَاتِ إِذَا أَظْلَمْنَ فِي النَّظَرِ وَكَدَّرَتْ صَافِيَ الْأَكْدَارِ عِنْدَكَ يَا ... أبا الصفاء جَلَاءَ الْقَلْبِ وَالْبَصَرِ فَمَا سُؤَالَاتُ مَنْ وَافَاكَ يَسْأَلُ مَا ... حَرْفٌ هُوَ الِاسْمُ فِعْلًا غَيْرَ مُعْتَبَرِ وَأَيُّ شَكْلٍ بِهِ الْبُرْهَانُ مُنْتَهِضٌ ... وَلَا يُعَدُّ مِنَ الْأَشْكَالِ وَالصُّوَرِ

стр. 820

وَأَيُّ بَيْتٍ عَلَى بَحْرَيْنِ مُنْتَظِمٍ بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ لَا بَيْتٌ مِنَ الشَّعَرِ ... وَأَيُّ مَيْتٍ مِنَ الْأَمْوَاتِ مَا طَلَعَتْ بِمَوْتِهِ رُوحُهُ فِي ثَابِتِ الْخَبَرِ ... مَنْ عُدَّ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَى النَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَمِنْ حَضَرِ ... وَلَمْ يَكُنْ قُرَشِيًّا حِينَ عُدَّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى إِمْرَةَ الْبَشَرِ ... مَنْ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ شَيْخِ الصِّحَابِ أبي بكر وَمِنْ عمر ... وَمِنْ علي وَمِنْ عثمان وَهْوَ فَتًى مِنْ أُمَّةِ الْمُصْطَفَى الْمَبْعُوثِ مَنْ مُضَرِ ... مَنْ أَبْصَرَتْ فِي دِمَشْقَ عَيْنُهُ صَنَمًا مُصَوَّرًا وَهْوَ مَنْحُوتٌ مِنَ الْحَجَرِ ... إِنْ جَاعَ يَأْكُلْ وَإِنْ يَعْطَشْ تَضَلَّعَ مِنْ مِيَاهِ غَيْرِ زُلَالٍ ثُمَّ مُنْهَمِرِ ... مَنْ قَالَ إِنَّ الزِّنَا وَالشُّرْبَ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَقُلْ هُوَ ذَنْبٌ غَيْرُ مُغْتَفَرِ ... مَنْ قَالَ إِنَّ نِكَاحَ الْأُمِّ يَقْرُبُ مِنْ تَقْوَى الْإِلَهِ مَقَالًا غَيْرَ مُبْتَكَرِ ... مَنْ قَالَ سَفْكُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ال صَلَاةِ أَوْجَبَهُ الرَّحْمَنُ فِي الزُّبُرِ ... وَمَا اللَّفِيفَةُ جَاءَتْ وَالسَّخِينَةُ فِي غَرِيبِ مَا صَحَّ مِمَّا جَاءَ فِي الْأَثَرِ ... وَهَاتِ قُلْ لِي إِبْرَاهِيمَ أَرْبَعَةً بَعْضٌ عَنِ الْبَعْضِ مَنْ هُمْ تَحْظَ بِالظَّفَرِ ... وَهَكَذَا خَلَفٌ مِنَ الرُّوَاةِ كَذَا مُحَمَّدٌ فِي الْمُغَازِي جَاءَ وَالسِّيَرِ ... وَعَنْ فَتَاةٍ لَهَا زَوْجَانِ مَا بَرِحَا تَزَوَّجَتْ ثَالِثًا حِلًّا بِلَا نُكُرِ ... وَآخَرٍ رَاحَ يَشْرِي طُعْمَ زَوْجَتِهِ فَعَادَ وَهْوَ عَلَى حَالٍ مِنَ الْغِيَرِ ... قَالَتْ لَهُ أَنْتَ عَبْدِي قَدْ وَهَبْتُكَ مِنْ زَوْجٍ تَزَوَّجْتُهُ فَاخْدِمْهُ وَاعْتَبِرِ ... وَخَمْسَةٌ مِنْ زُنَاةِ النَّاسِ خَامِسُهُمْ مَا نَالَهُ بِالزِّنَا شَيْءٌ مِنَ الضُّرِّ ... وَالْقَتْلُ وَالرَّجْمُ وَالْجَلْدُ الْأَلِيمُ كَذَا التْ تَغْرِيبُ وُزِّعَ فِي الْبَاقِينَ فَاعْتَبِرِ ... أَجِبْ فَأَنْتَ جَزَاكَ اللَّهُ صَالِحَةٌ مَنْ لَمْ يُرَعْ عِنْدَ إِشْكَالٍ وَلَمْ يَحِرِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبْيَاتًا يَمْدَحُهُ فِيهَا، وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا أَنَّهُ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ نَثْرًا، وَلَمْ يَرَ الْعَبْدُ لَهُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ لَا نَظْمًا وَلَا نَثْرًا. وَالْمَسْئُولُ مِنْ صَدَقَاتِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا أَبْقَاهُ اللَّهُ فِي خَيْرٍ وَرَحْمَةٍ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ نَظْمًا وَنَثْرًا. فَكَتَبَ شَيْخُنَا مَا صُورَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. الْجَوَابُ نَثْرًا: أَمَّا الْحَرْفُ الَّذِي يَكُونُ أَيْضًا اسْمًا وَفِعْلًا فَهُوَ " عَلَى " ; فَإِنَّهُ يَكُونُ حَرْفَ جَرٍّ وَاسْمًا بِمَعْنَى فَوْقَ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرِّ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ . وَفِعْلًا مِنَ

стр. 821

الْعُلُوِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] هَكَذَا ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ " عَلَى " اسْتَكْمَلَتْ أَقْسَامَ الْكَلِمَةِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهَا، وَقَدِ اسْتَدْرَكْتُ عَلَيْهِمْ قَدِيمًا لَفْظَتَيْنِ أَيْضًا: الْأُولَى: " مِنْ " فَإِنَّهَا تَكُونُ حَرْفَ جَرٍّ وَفِعْلَ أَمْرٍ مِنْ مَانَ يَمِينُ وَاسْمًا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي " الْكَشَّافِ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] إِذَا كَانَتْ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَرِزْقًا مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَكُمْ مَفْعُولٌ بِهِ لِرِزْقًا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَصْدَرٌ. قَالَ الطيبي: وَإِذَا قَدَّرْتَ " مِنْ " مَفْعُولًا كَانَتِ اسْمًا كَ " عَنْ " فِي قَوْلِهِ: مِنْ عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وَأَمَامِي. الثَّانِيَةُ: " فِي " فَإِنَّهَا تَقَعُ حَرْفَ جَرٍّ، وَاسْمًا بِمَعْنَى الْفَمِ فِي حَالَةِ الْجَرِّ، كَقَوْلِهِ ﷺ : " «حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» ". وَفِعْلَ أَمْرٍ مِنَ الْوَفَاءِ بِإِشْبَاعٍ، وَقَوْلُهُ: وَأَيُّ شَكْلٍ إِلَى آخِرِهِ هَذَا أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْمَنْطِقِ، وَهُوَ عِلْمٌ حَرَامٌ خَبِيثٌ لَا أَخُوضُ فِيهِ، وَقَدْ سُئِلَ الشرف بن المقري بِأَسْئِلَةٍ نَظَمَ فِيهَا: وَمَا عَكْسُ السَّوَالِبِ يَا مُرَجِّي ... أَيِ الْجُزْئِيُّ مِنْهَا فِي النِّظَامِ فَأَجَابَ عَنِ الْأَسْئِلَةِ بَيْتًا بَيْتًا، وَقَالَ فِي هَذَا الْبَيْتِ: وَعَنْ عَكْسِ السَّوَالِبِ لَا تَسَلْنِي ... فَذَاكَ مُقَدَّمُ الْعِلْمِ الْحَرَامِ قَوْلُهُ: وَأَيُّ بَيْتٍ عَلَى بَحْرَيْنِ مُنْتَظِمٍ هَذَا نَوْعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى التَّشْرِيعَ، أَوَّلُ مَنِ اخْتَرَعَهُ الحريري، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ مَبْنِيًّا عَلَى بَحْرَيْنِ وَقَافِيَتَيْنِ يَصِحُّ الْوُقُوفُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ: يَا طَالِبَ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ إِنَّهَا ... شَرَكُ الرَّدَى وَقَرَارَةُ الْأَكْدَارِ دَارٌ مَتَى مَا أَضْحَكَتْ فِي يَوْمِهَا ... أَبْكَتْ غَدًا بُعْدًا لَهَا مِنْ دَارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: يَا طَالِبَ الدُّنْيَا إِنَّهَا شَرَكُ الرَّدَى ... دَارٌ مَتَى مَا أَضْحَكَتْ فِي يَوْمِهَا أَبْكَتْ غَدًا قَوْلُهُ: " وَأَيُّ مَيْتٍ " إِلَى آخِرِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]

стр. 822

﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أَيْ نُطَفًا فِي الْأَصْلَابِ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الْمَوْتَ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ رُوحٍ فِيهَا خَرَجَتْ مِنْهَا. قَوْلُهُ: مَنْ عُدَّ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى آخِرِهِ، هُوَ أسامة بن زيد مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَمَّرَهُ عَلَى جَيْشٍ فِيهِ أبو بكر وعمر، فَلَمْ يَنْفُذْ حَتَّى تُوُفِّيَ ﷺ ، فَبَعَثَهُ أبو بكر إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ يَدْعُونَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى أسامة بن زيد قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، فَيَقُولُ أسامة: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَقُولُ لِي هَذَا؟! فَيَقُولُ: لَا أَزَالُ أَدْعُوكَ مَا عِشْتُ الْأَمِيرَ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتَ عَلَيَّ أَمِيرٌ وَلَمْ يَكُنْ أسامة مِنْ قُرَيْشٍ بَلْ مِنَ الْمَوَالِي. قَوْلُهُ: مَنْ بِاتِّفَاقِ إِلَى آخِرِهِ، " مَنْ " فِيهِ اسْتِفْهَامُ نَفْيٍ أَوْ إِنْكَارٍ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّ الزِّنَا وَالْبَيْتَانِ بَعْدَهُ، أَيْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ، كَذَا رَأَيْتُ صَاحِبَ النَّظْمِ الشَّيْخَ تاج الدين السبكي فَسَّرَهُ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ، وَجَوَّزَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ قَالَ إِنَّ الزِّنَا: مَنْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ غَيْرُ مُغْتَفَرِ، أَيْ لَا يُغْتَفَرُ لَهُ هَذَا الْقَوْلُ، بَلْ يُؤَاخَذُ بِهِ. قَوْلُهُ: مَنْ أَبْصَرَتْ إِلَى آخِرِهِ، أَرَادَ بِهَذَا مَا رَوَاهُ الحاكم فِي " تَارِيخِ نَيْسَابُورَ " بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله البوشنجي، عَنْ أبي عبد الله بن يزيد الدمشقي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ بِبَغْدَادَ صَنَمًا مِنْ نُحَاسٍ، إِذَا عَطِشَ نَزَلَ فَشَرِبَ، قَالَ البوشنجي: رُبَّمَا تَكَلَّمَتِ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِ الْحَاضِرِينَ تَأْدِيبًا وَامْتِحَانًا، فَهَذَا الرَّجُلُ ابن جابر أَحَدُ عُلَمَاءِ الشَّامِ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الصَّنَمَ لَا يَعْطَشُ، وَلَوْ عَطِشَ نَزَلَ فَشَرِبَ، فَنَفَى عَنْهُ النُّزُولَ وَالْعَطَشَ. قَوْلُهُ: وَمَا اللَّفِيفُ إِلَى آخِرِهِ، قَالَ ابن الأثير فِي " النِّهَايَةِ ": قَالَ معاوية لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ يُمَازِحُهُ: مَا الشَّيْءُ الْمُلَفَّفُ فِي الْبِجَادِ؟ قَالَ: هُوَ السَّخِينَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابن الأثير: الْمُلَفَّفُ فِي الْبِجَادِ: وَطَبُ اللَّبَنِ، يُلَفُّ فِيهِ لِيُحْمَى وَيُدْرَكَ، وَكَانَتْ تَمِيمٌ تُعَيَّرُ بِهِ، وَالسَّخِينَةُ حِسَاءٌ يُعْمَلُ مِنْ دَقِيقٍ وَسَمْنٍ يُؤْكَلُ فِي الْجَدْبِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَيَّرُ بِهَا، فَلَمَّا مَازَحَهُ معاوية بِمَا يُعَابُ بِهِ قَوْمُهُ مَازَحَهُ الأحنف بِمِثْلِهِ. قَوْلُهُ: وَهَاتِ قُلْ لِي إِلَى آخِرِهِ، هَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَنِ اتَّفَقَ اسْمُهُ وَاسْمُ شَيْخِهِ فَصَاعِدًا وَالْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ رَوَوْا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُسَمَّى إبراهيم كَثِيرٌ، مِنْهُمْ إبراهيم بن شماس السمرقندي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ الزَّاهِدِ، عَنْ إبراهيم بن ميمون الصائغ، وَالْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ كُلٌّ مِنْهُمُ اسْمُهُ خلف وَقَعَ ذَلِكَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ فِي إِسْنَادٍ وَاحِدٍ، بَلْ خَمْسَةٌ، فَقَالَ: ثَنَا خلف، ثَنَا خلف، ثَنَا خلف، ثَنَا خلف، ثَنَا خلف، الْأَوَّلُ الْأَمِيرُ خلف بن أحمد السجزي، وَالثَّانِي أبو صالح خلف

стр. 823

بن محمد البخاري، وَالثَّالِثُ خلف بن سليمان النسفي، وَالرَّابِعُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، وَالْخَامِسُ خلف بن موسى بن خلف. وَأَمَّا الْمُحَمَّدُونَ فِي إِسْنَادٍ وَاحِدٍ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ وَقَعَ لِي حَدِيثٌ كُلُّ رُوَاتِهِ يُسَمَّى محمدا مِنْ شَيْخِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَوْلُهُ: وَعَنْ قَتَادَةَ إِلَى آخِرِهِ رَأَيْتُ بِخَطِّ صَاحِبِ النَّظْمِ الشَّيْخِ تاج الدين فِي تَذْكِرَتِهِ مَا صُورَتُهُ: امْرَأَةٌ لَهَا زَوْجَانِ، وَيَجُوزُ أَنَّ يَتَزَوَّجَهَا ثَالِثٌ، هَذِهِ امْرَأَةٌ لَهَا عَبْدٌ وَأَمَةٌ زَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، فَصَدَقَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ لَهَا زَوْجَانِ، وَإِذَا جَاءَ ثَالِثٌ حُرٌّ فَلَهُ نِكَاحُهَا. قَوْلُهُ: وَآخَرُ رَاحَ إِلَى آخِرِهِ رَأَيْتُ بِخَطِّهِ أَيْضًا أَنَّ صُورَتَهَا عَبْدٌ زَوَّجَهُ مَوْلَاهُ بِابْنَتِهِ، وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ مَاتَ مَوْلَاهُ وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ; لِأَنَّهَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا بِالْإِرْثِ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ، فَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَتَزَوَّجَتْ وَوَهَبَتْ ذَلِكَ الْعَبْدَ لِزَوْجِهَا. وَقَوْلُهُ: وَخَمْسَةٌ إِلَى آخِرِهِ، رَأَيْتُ بِخَطِّهِ أَيْضًا قِيلَ: إِنَّ محمد بن الحسن سَأَلَ الشَّافِعِيَّ عَنْ خَمْسَةٍ زَنَوْا بِامْرَأَةٍ، فَوَجَبَ عَلَى وَاحِدٍ الْقَتْلُ، وَآخَرَ الرَّجْمُ، وَالثَّالِثِ الْجَلْدُ، وَالرَّابِعِ نِصْفُهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْخَامِسِ شَيْءٌ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَوَّلُ ذِمِّيٌّ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ، فَانْتَقَضَ عَهْدَهُ، فَيُقْتَلُ. وَالثَّانِي مُحْصَنٌ، وَالثَّالِثُ بِكْرٌ، وَالرَّابِعُ عَبْدٌ، وَالْخَامِسُ مَجْنُونٌ، انْتَهَى. الْجَوَابُ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَجْوِبَةِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِغَيْرِي إِلَّا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي نَقَلْتُهَا عَنِ الشَّيْخِ تاج الدين، وَالْمَوْضِعُ السَّابِقُ فِي " مِنْ " وَبَاقِي الْمَسَائِلِ مِمَّا أَخَذْتُهُ بِالْفَهْمِ. وَقُلْتُ فِي الْجَوَابِ نَظْمًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّي بَارِئِ الْبَشَرِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ هَذَا جَوَابُ سُؤَالَاتِ الْإِمَامِ أَبِي ... نَصْرٍ عَلَيْهِ هَمَتْ هُطَالَةُ الدُّرُرِ أَمَّا الَّذِي هُوَ حَرْفٌ ثُمَّ جَاءَ سَمِيٌّ ... أَيْضًا وَفِعْلًا مَقَالًا غَيْرَ ذِي نُكُرِ عَلَى أَتَتْ حَرْفَ جَرٍّ ثُمَّ فِعْلَ عَلَا ... وَاسْمًا كَفَوْقَ وَزِدْ مِنْ غَيْرِ مُقْتَصِرِ ثُمَّ الَّذِي هُوَ شَكْلٌ مِنْ عُلُومِ رَدِي ... وَلَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الشَّرْعِ وَالْأَثَرِ وَالْبَيْتُ يُنْظَمُ مِنْ بَحْرَيْنِ نَاظِمُهُ ... فَذَاكَ تَشْرِيعُهُمْ مَا فِيهِ مِنْ حَصَرِ وَالْمَيْتُ مِنْ غَيْرِ رُوحٍ مِنْهُ قَدْ خَرَجَتْ ... مَا كَانَ فِي صُلْبِهِ مِنْ نُطْفَةِ الْبَشَرِ ثُمَّ الْمُسَمَّى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ ... يَحْكُمْ عَلَى النَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَلَا حَضَرِ أسامة حِينَ وَلَّاهُ النَّبِيُّ عَلَى ... سَرِيَّةٍ لَقَّبُوهُ ذَاكَ فِي السَّفَرِ وَ " مَنْ " فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَبْيَاتِ نَافِيَةٌ ... أَيْ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ شَخَصٌ أَيُّ مُعْتَبَرِ فَصَاحِبُ النَّظْمِ هَذَا الْقَصْدَ بَيَّنَ فِي ... تَعْلِيقِ تَذْكِرَةٍ يَا طِيبَ مُدَّكِرِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ فِي الْأَصْنَامِ إِنَّ عَطِشَتْ ... تَنْزِلُ كَلَّا ذَاكَ لَا يُلْقَى لِمُخْتَبِرِ

стр. 824

ثُمَّ اللَّفِيفَةُ أَكْلٌ وَالسَّخِينَةُ فِي جَدْبٍ بِهَا عِيبَ أَهْلُ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ ... ثُمَّ الْمُسَمَّوْنَ إِبْرَاهِيمَ أَرْبَعَةٌ عَنْ بَعْضِهِمْ قَدْ رَوَوْا فِي صَادِقِ الْخَبَرِ ... السمرقندي عَنِ الكوفي عَنِ العجلي عَنِ ابن ميمون فَاحْفَظْهُ وَلَا تَحِرِ ... وَهَكَذَا خَلَفٌ خَمْسٌ أَتَتْ نَسَقًا فِي مُسْنَدٍ قَدْ رَوَاهُ الحاكم الأثري ... وَمِنْ محمد يُدْعَى عِدَّةٌ نَسَقًا فِي جُمْلَةٍ أَسَانِيدَ مِنَ الْأَثَرِ ... وَمَرْأَةٌ مَلَكَتْ زَوْجَيْنِ لَا رَيْبَ فَإِنْ أَرَادَتْ نِكَاحًا غَيْرَ مُحْتَظِرِ ... وَالْعَبْدُ زَوَّجَهُ مَوْلَاهُ بِابْنَتِهِ فَمَاتَ تَمْلِكُهُ بَانَتْ بِلَا ضَرَرِ ... أَلْقَتْ جَنِينًا فَوَفَّتْ عِدَّةً نَكَحَتْ فَمَلَّكَتْهُ لَهُ ضَرْبٌ مِنَ الْقَدَرِ ... ثُمَّ الَّذِينَ زَنَوْا ذِمِّيٌّ بِمُسَلِمَةٍ فَاقْتُلْ وَمُحْصَنُهُمْ فَارْجُمْهُ بِالْمَدَرِ ... وَالْبِكْرُ فَاحْدُدْ وَعَبْدًا نَصِفُهُ أَبَدًا وَمَنْ خَلَا مِنْ صِفَاتِ الْعَاقِلِينَ ذَرِ ... ثُمَّ الْجَوَابُ وَلَا لَبْسٌ يُخَالِطُهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا غَيْرَ مُنْحَصِرِ ... وَقَالَهُ عَابِدُ الرَّحْمَنِ نَجْلُ أَبِي بَكْرِ السُّيُوطِيِّ يَرْجُو عَفْوَ مُقْتَدِرِ ثُمَّ بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَقَفْتُ عَلَى كُرَّاسَةٍ بِخَطِّ الْإِمَامِ علم الدين العراقي قَالَ فِيهَا مَا مُلَخَّصُهُ: قَالَ مَوْلَانَا الْقَاضِي الْفَاضِلُ كريم الدين عبد الله الشافعي: وَبَعْدُ فَإِنَّ بَعْضَ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ السَّادَةِ الْمَعْرُوفِينَ بِزِيَادَةِ التَّحْقِيقِ وَكَثْرَةِ الْإِفَادَةِ وَضَعَ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً مِنَ الْمَعَانِي الْمُحْكَمَةِ بِالسُّؤَالَاتِ الْمُشْكِلَةِ، وَجَعَلَهَا نَظْمًا لِتَكُونَ أَعْسَرَ فَهْمًا تَحَارُ فِيهَا عُقُولُ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَيَعْجَزُونَ عَنْ أَنْ يَأْتُوا لَهَا بِجَوَابٍ، فَلَمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهَا أَرَدْتُ أَنْ أُجَرِّبَ ذِهْنِيَ الْكَلِيلَ، فَأَجَبْتُ عَنْهَا غَيْرَ مَسْأَلَةٍ تَعَذَّرَ لِإِشْكَالِ مَعْنَاهَا، وَهِيَ هَذِهِ: الْأُولَى: مَنْ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ ... شَيْخِ الصِّحَابِ أبي بكر وَمِنْ عمر وَمِنْ علي وَمِنْ عثمان وَهْوَ فَتًى ... مِنْ أُمَّةِ الْمُصْطَفَى الْمَبْعُوثِ مَنْ مُضَرِ الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ عَنَى بِالْفَتَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الْفَتَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ الصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ وَالْخَدَمُ وَالْإِمَاءُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ إِبْرَاهِيمَ وَلَدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فَتًى، فَقَدْ نَصَّ الأزهري عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُسَمَّى فَتًى حَتَّى يُرَاهِقَ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْحَسَنَ فأبو بكر أَفْضَلُ مِنْهُ، فَلَوْ قَالَ بَدَلَ فَتًى شَخْصٌ صَحَّ عَلَى عِيسَى ﵇ وَعَلَى

стр. 825

إبراهيم وَلَدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَى فاطمة ﵂ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «فاطمة بُضْعَةٌ مِنِّي» "، قَالَ مالك ﵁: لَا أُفَضِّلُ عَلَى بُضْعَةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدًا. الثَّانِيَةُ: مَنْ كَانَ وَالِدُهَا ابْنًا فِي الْبَنِينِ لَهَا ... وَذَاكَ غَيْرُ عَجِيبٍ عِنْدَ ذِي نَظَرِ الْجَوَابُ: تِلْكَ عائشة زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَابْنَةُ أبي بكر، فَهِيَ أُمُّهُ وَابْنَتُهُ. الثَّالِثَةُ: مَنِ الْفَتَاةُ لَهَا زَوْجَانِ مَا بَرِحَا ... تَزَوَّجَتْ ثَالِثًا حَلَّ بِلَا نُكُرِ الْجَوَابُ: لَهَا زَوْجَانِ مِنْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] . الرَّابِعَةُ: مَنْ طُلِّقَتْ فَتَلَقَّتْ أَرْبَعًا عَدَدًا ... عَنِ الْوُجُوبِ بِدَارٍ أَيَّ مُبْتَدِرِ الْجَوَابُ: هَذِهِ كَانَتْ حَامِلًا، فَوَلَدَتْ أَرْبَعَةً مِنَ الْأَوْلَادِ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي إِلَّا بِانْفِصَالِ الْأَرْبَعَةِ، هَذَا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ: " عَدَدًا " بِفَتْحِ الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بِكَسْرِهَا فَهَذِهِ أَمَةٌ دُونَ الْبُلُوغِ، طُلِّقَتْ، فَاعْتَدَّتْ بِالْأَشْهُرِ، ثُمَّ حَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، فَانْتَقَلَتْ إِلَى الْأَقْرَاءِ، ثُمَّ عَتَقَتْ فَانْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ، ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فَانْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ. الْخَامِسَةُ: مَنْ إِنْ يَزِدْ جُرْمُهُ تَنْقُصْ مُؤَاخَذَةٌ ... وَيَفْتَدِي بَعْضَ مَا يَجْنِيهِ كَالْهَدَرِ الْجَوَابُ: إِنْ كَانَ جُرْمُهُ -بِضَمِّ الْجِيمِ- فَهَذَا رَجُلٌ ارْتَكَبَ صَغِيرَةً، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ تَرَكَهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، فَكَانَ تَرْكُهُ لِلْكَبِيرَةِ بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَيْهَا مُكَفِّرًا لِتِلْكَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا، وَإِنْ كَانَ جِرْمُهُ -بِكَسْرِ الْجِيمِ -فَهُوَ الْمِيزَابُ الْخَارِجُ عَنِ الْحَائِطِ وَالرَّوْشَنِ، إِذَا وَقَعَ نِصْفُهُ عَلَى إِنْسَانٍ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى الْمَالِكِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ وَقَعَ بِجُمْلَتِهِ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

стр. 826

السَّادِسَةُ: مَنْ إِنْ تَلَا فِي صَلَاةٍ آيَةً فَيَبُوءَ بِالْإِثْمِ ... وَالصَّمْتُ مِنْهُ لَيْسَ مِنْ حَصَرِ الْجَوَابُ: تَلَا آيَةً فِي الصَّلَاةِ، فَغَلِطَ فِيهَا أَوْ لَحَنَ، وَكَانَ مَعَهُ مَنْ يُصَلِّي، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَأَصَرَّ عَلَى غَلَطِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَظُنُّ مَا يَقْرَؤُهُ صَحِيحًا، فَأَعَادَ ذَاكَ الرَّادُّ عَلَيْهِ، فَتَوَقَّفَ وَسَكَتَ، وَبَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَكَانَ سُكُوتُهُ لَا عَنْ حَصَرٍ وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا سَكَتَ لِلْعَجْزِ عَنِ الْحِفْظِ، وَالْمُعَانَدَةِ، وَأَنْ لَا يَرْجِعَ لِلْغَيْرِ، فَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ، فَأَثِمَ لِأَجْلِ ذَلِكَ. قُلْتُ: هَذَا جَوَابٌ مُخَبَّطٌ وَكَلَامٌ طَوِيلٌ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ أَنَّهُ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ وَهُوَ جُنُبٌ يُصَلِّي وَلَا يَقْرَأُ آيَةً زِيَادَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ. وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ مِنْ عِنْدِي لَا مِنَ الْمُجِيبِ وَلَا الْعَلَمِ العراقي. ثُمَّ قَالَ: السَّابِعَةُ: مَنْ قَالَ وَسْطَ جُمَادَى الصَّوْمُ مُفْتَرَضٌ ... وَقَدْ يُصَلِّي لَنَا الْعِيدَانِ فِي صَفَرِ الْجَوَابُ: جُمَادَى عِنْدَ الْعَرَبِ الشِّتَاءُ كُلُّهُ، قَالَ الشَّاعِرُ: فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ ... لَا يُبْصِرُ الْكَلْبُ فِي أَرْجَائِهَا الطُّنُبَا قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَقَدْ يُصَلِّي لَنَا الْعِيدَانِ فِي صَفَرٍ، الصَّلَاةُ هُنَا مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ، وَالْعِيدَانِ مُثَنَّى عِيدٍ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ الْفَرَحُ، أَوْ ذِكْرُ الشَّوْقِ وَالْمَحَبَّةِ، فَالْمَعْنَى يُدْعَى لَنَا بِحُصُولِ عَوْدِ الْفَرَحِ وَتَجْدِيدِ الشَّوْقِ إِلَى الْحَبِيبِ. قُلْتُ: مَا أَدْرَكَ هَذَا الْجَوَابَ وَقَدِ اعْتَرَفَ صَاحِبُهُ بِأَنَّهُ مَا قَدَرَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ " يُصَلِّي " بِمَعْنَى الِانْحِنَاءِ وَالتَّقْوِيمِ وَالتَّلْيِينِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: صَلَيْتُ الْعَوْدَ عَلَى النَّارِ، " وَالْعِيدَانِ " جَمْعُ عُودٍ، وَهُوَ آلَةُ اللَّهْوِ الْمَشْهُورَةُ، وَالصَّفَرُ صَفِيرُ الْقَصَبِ، وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ مِنْ عِنْدِي أَيْضًا. ثُمَّ قَالَ: الثَّامِنَةُ: وَآكِلٌ وَسْطَ شَهْرِ الصَّوْمِ مُنْفَرِدًا ... عَمْدًا نَهَارًا وَلَمْ يُفْطِرْ وَلَمْ يَزِرِ الْجَوَابُ: النَّهَارُ فَرْخُ الْقَطَاةِ وَوَلَدُ الْحُبَارَى، كَمَا أَنَّ اللَّيْلَ وَلَدُ الْكَرَوَانِ. التَّاسِعَةُ: وَآكِلٌ فِيهِ لَيْلًا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ... بِصَوْمِهِ مِنْ سَرَاةِ الرَّأْيِ وَالْأَثَرِ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ أَنَّ اللَّيْلَ وَلَدُ الْكَرَوَانِ.

стр. 827

الْعَاشِرَةُ: وَوَاحِدٌ قَدْ يُصَلِّي وَهْوَ مُنْفَرِدٌ ... وَقَدْ يُؤَمُّ وَلَا يَأْتَمُّ لِلْقَدَرِ الْجَوَابُ: هَذَا أَعْمَى أَصَمُّ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِأَحَدٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَرَى أَفْعَالَ الْإِمَامِ وَلَا يَسْمَعُ الْمُبَلِّغَ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وَقَائِلٌ لَا قِصَاصَ فِي السُّيُوفِ بَلَى ... إِنَّ الْقِصَاصَ لَفِي شَعَرٍ وَفِي ظُفُرِ الْجَوَابُ: لَا قِصَاصَ فِي السُّيُوفِ هُوَ فِي بَعْضِ الْجُرُوحِ، كَالْجَائِفَةِ وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْقِصَاصَ فِي شَعْرٍ، وَشَعْرُ الْقِصَاصِ هُنَا مِنْ: قَصَّ الشَّعَرَ يَقُصُّهُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ جابر " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى قُصَاصِ الشَّعَرِ» "، قَالَ الأزهري: هُوَ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ مُنْتَهَى شَعْرِ الرَّأْسِ حَيْثُ يُؤْخَذُ بِالْمِقَصِّ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ثَلَاثَةٌ فَرْجُ أُنْثَى مِنْهُ مَا خَرَجُوا ... وَأَوْجَدَ الرُّوحَ فِيهِمْ خَالِقُ الصُّوَرِ الْجَوَابُ: هُمْ آدَمُ وَحَوَّاءُ وَنَاقَةُ صَالِحٍ. الثَّالِثَةَ عَشَرَ: وَسَارِقٌ هَتَكَ الْحِرْزَ الْحَرِيزَ وَلَمْ ... يُقْطَعْ بِلَا شُبْهَةٍ وَالْمَالُ ذُو خَطَرِ الْجَوَابُ: هُوَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْحَرْبِيُّ، قُلْتُ: هَذَا ظَاهِرٌ لَا يُلْغَزُ بِهِ. الرَّابِعَةَ عَشَرَ: وَسَارِقٌ مَا حَوَى الْمَسْرُوقَ يَقْطَعُهُ ... وَسَارِقٌ مَا حَوَى الْمَسْرُوقَ لَمْ يُضَرِ الْجَوَابُ: " مَا " الْأُولَى مَوْصُولَةٌ، وَالثَّانِيَةُ نَافِيَةٌ، قُلْتُ: فِي كِلَيْهِمَا نَظَرٌ. الْخَامِسَةَ عَشَرَ: وَسَارَ قَبْرٌ بِمَنْ فِيهِ إِلَى أَمَدٍ ... مِنَ الزَّمَانِ فَلَا يُنْكَرْ لِذِي خَبَرِ الْجَوَابُ: هُوَ يُونُسُ ﵇ لَمَّا كَانَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ كَالْقَبْرِ لَهُ وَهُوَ سَائِرٌ فِي الْبَحْرِ:

стр. 828

السَّادِسَةَ عَشَرَ وَالسَّابِعَةَ عَشَرَ: وَآخَرُ رَاحَ يَشْرِي طُعْمَ زَوْجَتِهِ ... فَعَادَ وَهْوَ عَلَى حَالٍ مِنَ الْغِيَرِ قَالَتْ لَهُ أَنْتَ عَبْدِي قَدْ وَهَبْتُكَ مِنْ ... زَوْجٍ تَزَوَّجْتُهُ فَاخْدِمْهُ وَاعْتَبِرِ وَخَمْسَةٌ مِنْ زُنَاةِ النَّاسِ خَامِسُهُمْ ... مَا نَالَهُ بِالزِّنَا شَيْءٌ مِنَ الضَّرَرِ وَالرَّجْمُ وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ الْأَلِيمُ مَعَ التْ ... تَغْرِيبِ وُزِّعَ فِي الْبَاقِينَ فَافْتَكِرِ وَالْجَوَابُ عَنْهَا كَالَّذِي قَدَّمْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. [الْأَسْئِلَةُ الْمِائَةُ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ صَلَّى ذُو الْجَلَالِ عَلَى ... خُلَاصَةِ الْأَنْبِيَا كَنْزِ الْمَسَاكِينِ مَنْ أَثْبَتَ اللَّهُ مَوْلَانَا رِسَالَتَهُ ... قِدْمًا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ مُحَمَّدٌ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ قَاطِبَةً ... وَالْآلِ مَعْ صَحْبِهِ الشُّمِّ الْعَرَانِينِ وَيَرْحَمُ اللَّهُ مَوْلَانَا وَسَيِّدَنَا ... مُنْشِي الْعُلُومِ بِتَحْرِيرٍ وَتَدْوِينِ أَبَا حَنِيفَةَ نُعْمَانَ بْنَ ثَابِتِ مَنِ ... اسْتَنْبَطَ الْفِقْهَ إِيضَاحًا بِتَبْيِينِ وَمَالِكًا وابن إدريس وأحمد مَنْ ... هُمْ نُجُومُ الْهُدَى لِلنَّاسِ فِي الدِّينِ الْكَاشِفِينَ بِمَا قَدْ حَرَّرُوهُ لَنَا ... عَنِ الْفُؤَادِ حِجَابَ الْجَهْلِ وَالرِّينِ مَا ضَاءَ بَرْقٌ وَمَا ضَاعَ الشَّذَا وَشَدَا ... حَادَ وَغَرَّدَ طَيْرٌ بِالْأَفَانِينِ أَئِمَّةَ الْعِلْمِ لَا زِلْتُمْ نُجُومَ هُدَى ... لِلْعَالَمِينَ بِإِظْهَارِ الْبَرَاهِينِ مَا حُكْمُ قَوْلِ إِلَهُ الْعَرْشِ خَالِقُنَا ... سُبْحَانَهُ جَلَّ عَنْ كَيْفٍ وَعَنْ أَيْنِ فِي آيَةٍ هِيَ فِي الْأَحْزَابِ تَذْكُرُ أَنَّ ... الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَعْدِ الْعَظِيمَيْنِ غُفْرَانِ ذَنْبِهِمِ مَعْ عِظَمِ أَجْرِهِمِ ... يَوْمَ الْجَزَاءِ الَّذِي نَشْرُ الدَّوَاوِينِ هَلْ مَا أُعِدَّ لِمَجْمُوعِ الْفَضَائِلِ أَمْ ... لِكُلِّ فَرْدٍ أَمِ الْأَفْرَادُ بِالدُّونِ وَرُؤْيَةُ اللَّهِ هَلْ إِنْسٌ تُخَصُّ بِهَا ... أَمْ مُؤْمِنُو الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الْفَرِيقَيْنِ وَمُؤْمِنَاتُ الْوَرَى يَشْهَدْنَ رُؤْيَتَهُ ... كَالْمُؤْمِنِينَ الْحَنِيفِينَ التَّقِيِّينَ أَمْ لَا تَرَاهُ إِنَاثُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا ... جَوَابُكُمْ نِلْتُمْ عِزًّا بِدَارَيْنِ أَمْ بَعْضُهُنَّ يَرَى الْمَوْلَى كفاطمة ... ومريم وَحَلِيلَاتِ النَّبِيِّينَ

стр. 829

مَا آيَةٌ هِيَ أَرْجَى فِي الْقُرْآنِ وَمَا أَشَدُّ خَوْفًا بِهِ عِنْدَ الْمَوَازِينِ ... مَتَى اشْتَرَى اللَّهُ نَفْسَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَعْ مَنْ كَانَ هَذَا الشِّرَا هَلْ قَبْلَ تَكْوِينِ ... وَلَمْ يَخُصَّ بِأَمْوَالٍ وَأَنْفُسِهِمْ دُونَ الْقُلُوبِ وَفِيهَا مَعْدِنُ الدِّينِ ... أَمَشْرِقًا فَضَّلُوا أَمْ مَغْرِبًا وَسَمَا أَمْ أَرْضَنَا ثُمَّ مَا خَيْرُ الْأَرَاضِينِ ... أَيْنَ السَّمَاوَاتُ وَالْجَنَّاتُ أَفْضَلُ مِنْ بَاقٍ وَآيَةُ أَرْضٍ أَنْجُمُ الدِّينِ ... فِي الذِّكْرِ بُورِكَ لِلْأَنَامِ بِهَا فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَا أَفِيدُونِي ... مَا السِّرُّ فِي طَمْسِ نُورِ النَّيِّرَيْنِ غَدًا وَمَا السَّوَادُ يُرَى فِي الْبَدْرِ بِالْعَيْنِ ... أَيْنَ الذَّهَابُ لِشَمْسٍ بَعْدَ مَغْرِبِهَا هَلْ تَقْطَعُ اللَّيْلَ سَيْرًا تَحْتَ أَرْضِينِ ... وَهَلْ إِذَا غَرَبَتْ تَرْقَى فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ أَمْ لَا وَمَا مِقْدَارُهَا أَفْتُونِي ... أَيُّ الْبِلَادِ بِهَا الْمَهْدِيُّ يَظْهَرُ وَالْ مَسِيحُ يَنْزِلُ بِالرُّحْمَى أَجِيبُونِي ... وَأَيُّ شَهْرٍ وَيَوْمٍ أَيُّمَا جَبَلٍ وَأَيُّ بَحْرٍ لَهُمْ فَضْلًا بِتَعْيِينِ ... أَيٌّ بِأَفْضَلَ ذُو الْفَقْرِ الصَّبُورُ أَمِ الشْ شَكُورُ ذُو النِّعَمِ الْمُوسِي الْمَسَاكِينِ ... مَا أَوَّلُ خَلْقِهِ بَدْءٌ وَأَوَّلُ مَا بِاللَّوْحِ سُطِّرَ يَا أَهْلَ الْبَرَاهِينِ ... مَا حِكْمَةٌ فِي دُخُولِ الْمُؤْمِنِينَ لِنَّا رٍ ثُمَّ فِي قَسْمِ الْمَوْلَى بِطَاسِينِ ... وَالْمِيمُ تَالِيَةٌ مَا قَدْرُ ذَرَّةِ مَنْ يَعْمَلْ بِمِثْقَالِهَا خَيْرًا أَفِيدُونِي ... مَا حَدُّ عِلْمِ يَقِينٍ ثُمَّ عَيْنِ يَقِينِ ثُمَّ حَقِّ يَقِينٍ يَا أُولِي الدِّينِ ... هَلْ أَفْضَلُ الذِّكْرِ سِرٌّ أَمْ عَلَانِيَةٌ وَهَلْ يَجُوزُ بِأَنْوَاعِ التَّلَاحِينِ ... بِحَيْثُ تَزْدَادُ بِالتَّلْحِينِ أَحْرُفُهُ وَيَنْتِجُ الْحَرْفُ بِالْإِشْبَاعِ حَرْفَيْنِ ... مَا الْأَفْضَلُ اللَّبَنُ الْمُنْسَاغُ أَمْ عَسَلٌ وَمَاءُ زَمْزَمَ أَمْ مَا كَوْثَرَ افْتُونِي ... وَالْخَوْفُ أَمْ ضِدُّهُ وَاللَّيْلُ سَادَتُنَا أَمِ النَّهَارُ وَمَا سِرٌّ لِذِي الْكُونِ ... فِي خَلْقِ آدَمَ مِنْ طِينٍ وَلِمَ خُلِقَتْ حواء مِنْ ضِلْعٍ يَا أَهْلَ الْبَرَاهِينِ ... وَرَفْعُ عِيسَى وَلِمَ سُمِّيَ الْمَسِيحَ وَكَمْ يُقِيمُ إِذْ عَادَ مَنْ عَامٍ أَجِيبُونِي ... كَمْ قَدْ أَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ يُوسُفُ فِي سِجْنٍ وَفِي بَطْنِ حُوتٍ قَامَ ذُو النُّونِ ... هَلْ جَازَ إِنْشَادُ مَدْحِ الْهَاشِمِيِّ عَلَى آلَاتِ لَهْوٍ كَمَوْصُولٍ وَقَانُونِ ... وَهَلْ لِإِلْيَاسَ والخضر الْوَفِيِّ وَإِدْ رَيِسَ الْحَيَاةُ إِلَى ذَا الْوَقْتِ وَالْحِينِ ... وَالسَّيِّدُ الخضر الْمَرْضِيُّ هَلْ ثَبَتَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ سَادَاتِي أَفِيدُونِي ... وَوَالِدَيْ خَيْرِ خَلْقِ مُنْقِذِنَا مِنَ الضَّلَالِ الرَّسُولِ ابْنِ الذَّبِيحَيْنِ

стр. 830

فِي جَنَّةٍ إِذْ هُمَا لَمْ يَعْبُدَانِ سِوَى ... ذِي الْعَرْشِ مَنْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ طِينِ مَاتَا عَلَى مِلَّةِ ابْرَاهِيمَ سَيِّدِنَا ... خَلِيلُهُ أَمَرَهُ ذَبْحَ الْقَرَابِينِ عَلَيْهِ وَالْمُصْطَفَى خَيْرُ الْأَنَامِ سَلَا ... مُ اللَّهِ ثُمَّ عَلَى كُلِّ النَّبِيِّينَ هَلْ قَائِلٌ غَيْرَ هَذَا تَعْلَمُونَ وَمَا ... عَلَيْهِ إِنْ قَالَ فِي حَقِّ الْحَنِيفِينِ مَا شَرْطُكُمْ لِوُجُوبَاتِ الْوُضُوءِ وَمَا ... شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ جُودُوا بِتَبْيِينِ مَا قَوْلُكُمْ فِي إِمَامٍ ثَوْبُهُ نَجِسٌ ... صَلَّى وَلَمْ يَدْرِ إِلَّا بَعْدَ يَوْمِينِ فَهَلْ عَلَيْهِمْ يُعِيدُوا أَمْ إِمَامُهُمُ ... أَمْ كُلُّهُمْ لَمْ يُعِيدُوهَا أَجِيبُونِي وَفِي خَطِيبٍ مُطِيلٍ سَجْعَ خُطْبَتِهِ ... وَعْظًا وَحَشْوًا بِأَنْوَاعِ التَّفَانِينِ وَفِيهِ إِيذَاءُ مَعْذُورٍ وَذِي سَقَمٍ ... وَصَاحِبِ الْحَاجَةِ اللُّهُفِ الْمَسَاكِينِ فَهَلْ تِلَاوَتُهُ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ أَمْ ... صَلَاةُ نَفْلٍ وَمَاذَا يَفُتُّ فِي ذِينِ مَا قَدْرُ قِيرَاطِ أَجْرٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ... مَيْتٍ وَحِكْمَتُهَا صَفًّا وَصَفِّينِ مَنْ عِنْدَهُمْ لَمْ تَغِبْ شَمْسُ النَّهَارِ سِوَى ... قَدْرَ الصَّلَاةِ وَيَبْدُو الْفَجْرُ فِي الْحِينِ وَالصَّوْمُ وَافَى فَإِنْ صَلَّوْا يَفُوتُهُمُ ... مِنَ الْعَشَا مَا بِهِ يَقْوَوْا لِفَرْضِينِ أَيَأْكُلُونَ وَيَقْضُوا فَرْضَ مَغْرِبِهِمْ ... وَحُكْمُهُمْ فِي الْعَشَا مَاذَا أَجِيبُونِي مَنْ فِي السَّفِينَةِ صَلَّى وَهْيَ رَاسِيَةٌ ... بِالْبَرِّ هَلْ صَحَّ أَوْ مَوْحُولَةُ الطِّينِ هَلْ يَفْسَدُ الصَّوْمُ مَا تُبْقِيهِ مَضْمَضَةٌ ... مِنْ بَلَّةٍ بِفَمٍ أَمْ لَا أَفِيدُونِي مَا حُكْمُ بَيْعٍ عَلَى شَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ ... كُلِّ الْعُيُوبِ بِمَا قَدْ بِيعَ مِنْ عِينِ وَطَالِبٌ رَدَّ ذَا عَيْبٍ فَأَقْبَضَهُ ... عَنْ أَرْشِهِ خَصْمُهُ نَقْدًا مِنَ الْعِينِ هَلْ طَابَ هَذَا لَهُ أَمْ لَا وَيَمْنَعُهُ ... رَدًّا وَمَا الْحُكْمُ فِي ذَا بَيْنِ الِاثْنِينِ وَمُشْتَرِي أَمَةً فِي الْفَوْرِ أَنْكَحَهَا ... زَوْجًا وَطَلَّقَهَا مِنْ قَبْلِ تَمْكِينِ هَلْ ذَاكَ مُسْقِطُ اسْتِبْرَاءَهَا وَلِمَوْ ... لَاهَا الْوِقَاعُ وَالِاسْتِمْتَاعُ فِي الْحِينِ وَهَلْ يَصِحُّ لَنَا يَا سَادَتِي سَلَمٌ ... عَلَى الْفُلُوسِ إِذَا رَاجَتْ بِنَقْدِينِ أَمْ حُكْمُهَا فِي رَوَاجٍ وَالْكَسَادِ سَوَا ... وَبَيْعُهَا أَجَلًا هَلْ حُكْمُ هَذِينِ وَمَنْ أَقَرَّ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَنَأَى ... عَنِ الْبَيَانِ فَمَاذَا يُقْضَ بِالدِّينِ مَنْ ذَا يُزَوِّجُ مَنْ بِعِضَالِهَا عَتَقُوا ... مُحَرَّرُ الْبَعْضِ أَمْ غَيْرٌ أَفِيدُونِي مَا حُكْمُ عَقْدِ نِكَاحِ الْغَائِبِينَ إِذَا ... لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ أَبٍ وَالْجَدِّ الِاثْنِينِ وَزَوْجَةُ أَنْكَرَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا ... قَبْضَ الْمُعَجَّلِ مِنْ مَهْرٍ بِتَلْوِينِ

стр. 831

هَلْ قَوْلُهَا أَمْ مَقَالُ الزَّوْجِ مُعْتَبَرٌ جُودُوا وُقِيتُمْ بِتَوْضِيحٍ وَتَبْيِينِ ... وَذِي الْإِمَا هَلْ لَهُ وَطْءٌ لِوَاحِدَةٍ وَهُنَّ يَسْمَعْنَ أَوْ يَنْظُرْنَ بِالْعِينِ ... وَهَلْ لَهُ وَطْءُ إِحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ وَرَا سِتَارِهِ وَلَهُمْ تَصْغَى بِأُذْنِينِ ... وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَطْءٌ بِحَضْرَةِ مَنْ قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مِنْهَا نُورَ عَيْنِينِ ... بِحَيْثُ لَا تُدْرِكُ الْعَمْيَاءُ مَا فَعَلَا وَمَا جَرَى بَيْنَ الِاثْنَيْنِ الْحَبِيبِينِ ... وَقَائِلٌ كُلَّمَا عَادَتْ إِلَيَّ سُعَادٌ بَانَتْ وَدَعْهَا بِنَارِ الْهَجْرِ تَكْوِينِي ... وَقَائِلٌ إِنْ تَبِنْ مِنِّي فَقَبْلُ تَكُنْ مِنْ عِصْمَتِي بَائِنًا أُولَى وَثِنْتِينِ ... وَبَعْدَ مَا أَصْدَرَ التَّعْلِيقَ طَلَّقَهَا مَا الْحُكْمُ فِيهِ وَسِرٌّ فِيهِ مَكْنُونِ ... وَمَنْ يُطَلِّقُ إِكْرَاهًا وَفِي سُكْرٍ مَا حُكْمُهُ ثُمَّ مَاذَا حُكْمُ مَدْيُونِ ... عَلَيْهِ عَشْرُ مَثَاقِيلَ مَيْءٍ كُلٌّ مِنَ الْعَشْرِ الْمِصْرِيَّةِ الْعِينِ ... قَرْضًا وَنُودِي عَلَى الْمِثْقَالِ خَمْسُ مَيْ ءٍ كَذَا عَلَى الْعَكْسِ مَا حُكْمٌ فِي الِاثْنِينِ ... وَقَائِلٌ لِفَتَاةٍ كَانَ يَأْلَفُهَا مِنْ فَاتِكَاتِ اللِّحَاظِ الْخُرَّدِ الْعِينِ ... لَئِنْ وَطِئْتُكِ فِي مِلْكِي فَأَنْتِ إِذَنْ عَتِيقَةٌ فَأُبِيعَتْ بَيْعَ تَمْكِينِ ... وَبَعْدُ عَادَتْ لَهُ مِلْكًا وَوَاقَعَهَا أَحُكْمُهَا عِتْقُهَا أَمْ لَا أَجِيبُونِي ... وَمَرْأَةٌ عَتَقَتْ مَنْ مَلَكَتْ وَلَدًا لَهَا صَغِيرًا بِذَاكَ الْوَقْتِ وَالْحِينِ ... وَالْحَالُ لَا قَائِلٌ شَرْعِيُّ مُعْتَبَرٌ لَهُ فَمَا صَحَّ مِنْ هَذَيْنِ الَامْرِينِ ... مَنْ أَكْرَهُوهُ عَلَى عِتْقٍ أَيَنْفُذُ ذَا أَمْ لَا وَإِكْرَاهُهُ مَا حَدُّهُ أَفْتُونِي ... أَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى خَمْرٍ أَيَشْرَبُهَا أَمْ لَا وَيَقْضِي اصْطِبَارًا غَيْرَ مَفْتُونِ ... هَلْ مِنْ مُجَوِّزِ قَتْلٍ لِلْكِلَابِ لِإِفْ سَادِ الطَّرِيقِ بِتَنْجِيسِ الْخَبِيثِينِ ... هَلْ فَاسِقٌ مُدَّعٍ بِضَرْبِ مَنْدَلِهِ جَمْعًا لِجِنٍّ لِمَلْمُوسٍ وَمَجْنُونِ ... وَهَلْ مِنَ السِّحْرِ تَأْلِيبٌ وَتَفْرِقَةٌ وَكَتْبُ حِرْزٍ وَحُجْبٍ لِلْمَجَانِينِ ... مَا لَيْسَ بِالْعَرَبِيِّ مَعْنَاهُ يُفْهَمُ هَلْ تَحِلُّ رُقْيَا بِهِ أَمْ لَا أَجِيبُونِي ... مَا الْحُكْمُ فِي ذَاكِرِ الْأَشْهَادِ مُمْتَنِعٍ عَنِ الْأَدَا طَالِبًا أَجْرًا أَفِيدُونِي وَشَاهِدٌ قَالَ لَمْ أَشْهَدْ بِذَا أَبَدًا ... وَبَعْدَهُ ذَاكَرَ الْإِشْهَادَ فِي حِينِ أَمِنْهُ تُقْبَلُ أَمْ تُلْغَى شَهَادَتُهُ ... فِيهِ بِذَلِكَ يَا أَهْلَ الْبَرَاهِينِ وَحَاكِمٌ مُنْكِرٌ حُكْمًا بِهِ شَهِدَا ... عَلَيْهِ يُقْبَلُ أَمْ قَوْلُ الشَّهِيدِينِ فَهَلْ لِذِي الْجَهْلِ تَصْحِيحُ الْوِلَايَةِ أَمْ ... شَرْطُ الْقَضَا عِلْمُهُ الْأَحْكَامَ فِي الدِّينِ

стр. 832

مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِلْمٍ لَهُ نَقَلُوا عَنِ الْإِمَامِ أبي الفضل بن سيرين ... أَعْنِي بِذَا الْعِلْمِ تَعْبِيرَ الْمَنَامِ وَإِخْبَارَ الْمُعَبِّرِ عَنْ غَيْبٍ وَمَكْنُونِ ... يَقُولُ قَدْ دَلَّتِ الرُّؤْيَا بِأَنْ سَيَكُنْ كَذَا مِنَ الْأَمْرِ فِي عِلْمِي وَتَيْقِينِي ... هَلْ آثِمٌ بِالَّذِي يُنْبِي الْمُعَبِّرُ أَمْ لَا إِثْمَ فِيهِ أَجِيبُونِي بِتَبْيِينِ ... مَا حِكْمَةُ اللَّهِ فِي عَوْدِ النَّبِيِّ رُسُو لِ اللَّهِ عِيسَى إِلَى أَرْضٍ أَجِيبُونِي ... مَاذَا جَوَابُكُمُ فِيمَنْ يَمُدُّ عَلَى هَمْزِ الْجَلَالَةِ فِي تَكْبِيرِهِ أَفْتُونِي ... وَمَنْ يَمُدُّ عَلَى لَامِ الْجَلَالَةِ أَوْ هَاءِ الْجَلَالَةِ يَا أَهْلَ الْبَرَاهِينِ ... هَلْ بَيْنَ هَذِي السَّمَا وَالْأَرْضِ سَادَتَنَا بَحْرٌ مِنَ الْمَا يَقِينًا أَوْ بِمَظْنُونِ ... وَهَلْ بِهِ فَلَكٌ تَجْرِي كَوَاكِبُهُ بِهِ كَشَمْسٍ وَبَدْرٍ ثُمَّ بَاقِينِ ... أَمْ سَيْرُ بَدْرٍ كَمَا قَالُوا بِأَوَّلَةٍ كَذَا بِرَابِعَةٍ شَمْسٌ أَفِيدُونِي ... نِلْتُمْ ثَوَابًا مِنَ الْمَوْلَى وَمَغْفِرَةً عَلَى الدَّوَامِ وَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونِ ... ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى أَعْلَى الْوَرَى شَرَفًا مُحَمَّدِ الْمُصْطَفَى خَيْرِ النَّبِيِّينِ ... وَالْآلِ وَالصَّحْبِ مَا هَبَّ الصَّبَا وَصَبَا صَبٌّ لِذِكْرِ أَحَادِيثِ الْمُحِبِّينِ [تَعْرِيفُ الْفِئَةِ بِأَجْوِبَةِ الْأَسْئِلَةِ الْمِائَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَبَعْدُ فَإِنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ إِلَيَّ الْعِلْمُ وَالنَّظَرُ فِيهِ دَقِيقُهُ وَجَلِيلُهُ، وَالْغَوْصُ عَلَى حَقَائِقِهِ، وَالتَّطَلُّعُ إِلَى إِدْرَاكِ دَقَائِقِهِ، وَالْفَحْصُ عَنْ أُصُولِهِ، وَجُبِلْتُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِيَّ مَنْبَتُ شَعْرَةٍ إِلَّا وَهِيَ مَمْحُونَةٌ بِذَلِكَ، وَقَدْ أُوذِيتُ عَلَى ذَلِكَ أَذًى كَثِيرًا مِنَ الْجَاهِلِينَ وَالْقَاصِرِينَ، وَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْعُلَمَاءِ السَّالِفِينَ، فَلَمْ يَزَالُوا مُبْتَلِينَ بِأَسْقَاطِ الْخَلْقِ وَأَرَاذِلِهِمْ، وَبِمَنْ هُوَ مِنْ طَائِفَتِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَقِ إِلَى مَحَلِّهِمْ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّارِيخِ مَا قَاسَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ نافع بن الأزرق، وَمَا أَسْمَعَهُ مِنَ الْأَذَى وَمَا تَعَنَّتَهُ بِهِ مِنَ الْأَسْئِلَةِ، وَأَسْئِلَةُ نافع بن الأزرق لِابْنِ عَبَّاسٍ مَشْهُورَةٌ مَرْوِيَّةٌ لَنَا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ، مُدَوَّنَةٌ فِي ثَلَاثِ كَرَارِيسَ، وَقَدْ سُقْتُ غَالِبَهَا فِي الْإِتْقَانِ، وَقَوْلُ نافع لِرَفِيقِهِ لَمَّا أَرَادَ تَعَنُّتَ ابْنِ عَبَّاسٍ: قُمْ بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي نَصَبَ نَفْسَهُ لِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَتَّى نَسْأَلَهُ. وَرَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ رَدٍّ.

стр. 833

وَمِنَ الْمَعْرُوفِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مَا قَاسَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ مِنْ جُهَّالِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَشَكْوَاهُمْ إِيَّاهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى قَالَ لَهُ عمر: شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى قَالُوا: إِنَّكَ لَا تُحْسِنُ أَنْ تُصَلِّيَ! فَانْظُرُوا بِاللَّهِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا الْبَارِحَةَ يَزْعُمُونَ فِي صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ يُسَمَّى ثُلُثَ الْإِسْلَامِ أَوْ رُبُعَهُ - أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَعْلُومِ مَا قَاسَاهُ الْإِمَامُ مالك مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ لَمَّا بَرَزَ عَلَيْهِمْ، وَمَا قَاسَاهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لَمَّا أَلَّفَ الرَّدَّ عَلَى مالك وَاضْطِرَابُ الْبَلَدِ حَتَّى كَادَ الْبَلَدُ يَفْتَتِنُ، وَمَا قَاسَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَنْدَادِهِ، وَالْغَزَالِيُّ مِنْ أَعْدَائِهِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَظَهَرَ لَهُمُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَالْأَرْفَعُ رُتْبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَظَهَرَ لَنَا مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الدَّارِ بِبَقَاءِ كَلَامِ هَذِهِ الْأَئِمَّةِ وَانْتِشَارِهِ، وَظُهُورِهِ وَاضْمِحْلَالِ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ وَطَمْسِ ذَلِكَ وَدُثُورِهِ. وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ قَدْ رُفِعَتْ إِلَيَّ، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى فَضْلِ نَظَرٍ وَسِعَةِ اطِّلَاعٍ، فَأَجَبْتُ عَنْهَا أَوَّلًا نَثْرًا، ثُمَّ أَعْقِدُهُ نَظْمًا، فَأَقُولُ: أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ، فَقَدْ وَرَدَ عَلَيَّ مِنْ مُدَّةٍ وَأَجَبْتُ عَنْهُ بِمَا نَصُّهُ: الْإِعْدَادُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمَوْصُوفِينَ بِكُلِّ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ مِنَ الصِّفَاتِ، لَا عَلَى فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الصِّفَاتِ، وَالْمَعْطُوفَاتُ مِنْ عَطْفِ الصِّفَةِ لَا مِنْ عَطْفِ الذَّوَاتِ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ الْبَالِغُونَ دَرَجَةَ الْكَمَالِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُعَدِّ أَكْمَلُ مَا أُعِدَّ ; بِدَلِيلِ تَنْكِيرِ مَغْفِرَةٍ الدَّالِّ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَتَنْكِيرِ أَجْرٍ الدَّالِّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَوَصْفِهِ تَعْظِيمًا، وَإِذَا قَالَ اللَّهُ لِشَيْءٍ عَظِيمٌ فَهُوَ عَظِيمٌ جِدًّا لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِمَّا أُعِدَّ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِكُلِّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَوْ بِبَعْضِهَا، فَإِنَّ أَجْرَهُمْ دُونَ ذَلِكَ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنْبَاطِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ عَنِ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ: إِنَّ الْمَوْعُودَ فِي الْقُرْآنِ بِالْجَنَّةِ لَمْ يَقَعْ مُرَتَّبًا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْإِيمَانِ، بَلْ لَمْ يَقَعْ إِلَّا مَقْرُونًا بِاشْتِرَاطِ انْضِمَامِ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ، ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْحَثِّ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْأَعْمَالِ الْوَاقِعَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كُلٌّ مِنْهَا جُزْءُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كُلٌّ مِنْهَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ اسْتِقْلَالًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنْبَاطِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ فَرْدٍ مَحْكُومًا عَلَيْهِ اسْتِقْلَالًا لَزِمَ الْحُكْمُ عَلَى فَرْدٍ مِنَ الْأَعْمَالِ كَالصَّوْمِ أَوِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ مُجَرَّدًا عَنِ الْوَصْفِ الْمُصَدَّرِ بِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِذَا بَطَلَ اللَّازِمُ بَطَلَ الْمَلْزُومُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا مُسْتَثْنًى لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ، قُلْتُ: وَالْبَاقِي

стр. 834

وَأَسَالِيبِ الْبَيَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الِاجْتِهَادِ أَنْتَجَتْ لِلْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْإِعْدَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمَجْمُوعِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: فَذَكَرَ صَاحِبُ " آكَامِ الْمَرْجَانِ فِي أَحْكَامِ الْجَانِّ " أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ الشَّيْخِ عز الدين بن عبد السلام فِي الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ - أَنَّ الْجِنَّ أَيْضًا لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ. وَمُسْتَنَدُ الشَّيْخِ عز الدين فِي الْمَلَائِكَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] خُصَّ مِنْ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ، فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْمَلَائِكَةِ، لَكِنْ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ عز الدين فِي الْمَلَائِكَةِ مَمْنُوعٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَلَّفْتُهُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْآكَامِ " فِي الْجِنِّ خَالَفَهُ فِيهِ الْبَلْقِينِيُّ وَمَالَ إِلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ، وَالَّذِي أَقُولُهُ: إِنَّ الْجِنَّ تَحْصُلُ لَهُمُ الرُّؤْيَةُ فِي الْمَوْقِفِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ قَطْعًا، وَيَحْصُلُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ فِي وَقْتٍ مَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِذَلِكَ، لَكِنْ بِاحْتِمَالٍ رَاجِحٍ، أَمَّا أَنَّهُمْ يُسَاوُونَ الْإِنْسَ فِي الرُّؤْيَةِ كُلَّ جُمُعَةٍ فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ: فَقَدْ حَكَى ابن كثير فِي كِتَابِ " الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " فِي رُؤْيَةِ النِّسَاءِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ ; أَحَدُهَا: أَنَّهُنَّ يَرَيْنَ ; إِدْرَاجًا لَهُنَّ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الرُّؤْيَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ لَا يَرَيْنَ أَصْلًا لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِرُؤْيَتِهِنَّ فِي الْحَدِيثِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُنَّ يَرَيْنَ فِي الْأَعْيَادِ خَاصَّةً، وَلَا يَرَيْنَ مَعَ الرِّجَالِ فِي أَيَّامِ الْجُمَعِ ; لِوُرُودِ حَدِيثٍ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَبِهِ جَزَمَ ابن رجب، وَأَنَا أَسْتَثْنِي أَزْوَاجَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَنَاتِهِمْ وَسَائِرَ الصِّدِّيقَاتِ فَأَقُولُ: إِنَّهُنَّ يَرَيْنَ فِي غَيْرِ الْأَعْيَادِ أَيْضًا ; خُصُوصِيَّةً لَهُنَّ، كَمَا اخْتُصَّ الصِّدِّيقُونَ مِنَ الرِّجَالِ بِمَزِيَّةٍ فِي الرُّؤْيَةِ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ سَمَّيْنَاهُ " إِسْبَالَ الْكِسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ " وَلَخَّصْنَاهُ فِي مُخْتَصَرٍ سَمَّيْنَاهُ " رَفْعَ الْأَسَى عَنِ النِّسَا ". وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ، وَالْخَامِسُ: فَذَكَرَ صَاحِبُ كَشْفِ الْأَسْرَارِ عَمَّا خَفِيَ عَنِ الْأَفْكَارِ أَنَّهُ قِيلَ فِي أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ، وَقِيلَ: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] وَقِيلَ: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وَقِيلَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وَقِيلَ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] وَقِيلَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَقِيلَ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَقِيلَ:

стр. 835

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وَقِيلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وَقِيلَ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] . وَقَالَ فِي أَخْوَفِ آيَةٍ قِيلَ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وَقِيلَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وَقِيلَ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وَقِيلَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وَقِيلَ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وَقِيلَ: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] وَقِيلَ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الْآيَةَ. وَأَقُولُ: بَقِيَ فِي أَرْجَى آيَةٍ أَقْوَالٌ، فَقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] . وَقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وَقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وَقِيلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] وَقِيلَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]- إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وَقِيلَ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] وَقِيلَ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وَقِيلَ: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] وَقِيلَ: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] وَقِيلَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وَقِيلَ: آيَةُ الدَّيْنِ. وَبَقِيَ فِي أَخْوَفِ آيَةٍ أَقْوَالٌ ; فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٢ - ٣] وَعَنِ الشبلي قَالَ: أَخْوَفُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ عَلَى طَالِبِي أَهْلِ الدُّنْيَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وَأَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ أَخْوَفَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] .

стр. 836

وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ: فَأَقُولُ: إِنَّ الشِّرَاءَ قَدْ وَقَعَ فِي الْأَزَلِ بِالْعِلْمِ وَعِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ بِالْفِعْلِ، وَهَذَا شَأْنُ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: اشْتَرَى صِفَةُ فِعْلٍ مُسْنَدَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ السَّابِعِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَزَلِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ فِي عَالَمِ الذَّرِّ، لَكِنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى وُرُودِ حَدِيثٍ بِهِ أَوْ أَثَرٍ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ: فَإِنَّمَا خَصَّ الْأَمْوَالَ، وَالْأَنْفُسَ وَهِيَ الْأَرْوَاحُ ; لِأَنَّهُمَا أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ الْخَلْقِ، فَأَعَزُّ شَيْءٍ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفْسُهُ الَّتِي هِيَ رُوحُهُ، وَالْمَالُ عَدِيلُ الرُّوحِ، فَاشْتَرَى مِنْهُمُ الْأَنْفُسَ لِيَبْذُلُوهَا لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْأَمْوَالَ لِيُنْفِقُوهَا فِي الْجِهَادِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُلُوبَ ; لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْقَلْبِ مَا هُوَ حَالٌّ فِيهِ وَهُوَ الرُّوحُ فَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ الْحَالُّ وَهُوَ الْأَنْفُسُ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْمَحِلِّ الَّذِي هُوَ وِعَاءٌ مَحْضٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْقَلْبِ الْمَحِلُّ الَّذِي هُوَ الشَّكْلُ الصُّنُوبَرِيُّ وَهُوَ الْوِعَاءُ فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُذْكَرَ ; لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ قِطْعَةِ لَحْمٍ وَجُزْءٍ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَقَدْ ذَكَرَ مَا هُوَ أَشْرَفُ مِنْهُ وَأَعَزُّ مِنْ كُلِّ الْبَدَنِ، وَهِيَ الْأَنْفُسُ، فَلَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْقُلُوبِ مَعْنًى. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ: فَقَالَ صَاحِبُ " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " قَالَ الطوخي فِي " أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ ": اخْتُلِفَ فِي أَيِّ الْجِهَتَيْنِ أَفْضَلُ ; الْمَشَارِقَةُ: الْمَشْرِقُ أَفْضَلُ، وَاحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرِ الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الْمَشْرِقِ. الثَّانِي: الْفَضَاءُ يَكُونُ مُظْلِمًا فَلَا يُضِيءُ إِلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ فِي الْفِقْهِ مِنَ الشَّرْقِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي بُورِكَ فِيهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَهِيَ أَرْضُ مِصْرَ وَالشَّامِ وَأَرْضُ الْجَزِيرَةِ مِنَ الْمَشْرِقِ ; لِأَنَّ النَّاسَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَرْضَ مِصْرَ حَدُّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَمَا كَانَ مِنْ مِصْرَ إِلَى جِهَةِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَهُوَ مَشْرِقٌ، فَيَتَنَاوَلُ الْحِجَازَ، وَالشَّامَ، وَالْيَمَنَ، وَالْعِرَاقَ وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمِصْرُ فِي اللُّغَةِ: الْحَدُّ ; وَلِذَا سُمِّيَتْ مِصْرُ بِمِصْرَ. وَاحْتَجَّ الْمَغَارِبَةُ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِذِكْرِ الْمَغْرِبِ فِي قِصَّةِ ذي القرنين، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ» ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الثَّابِتَ: وَهُمْ بِالشَّامِ غَرْبِيَّ الْمَدِينَةِ. وَأَمَّا لَفْظُ الْغَرْبِ فَلَا يَثْبُتُ، وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَرْبِ وَهُوَ الدَّلْوُ الَّتِي يُسْتَقَى بِهَا، وَأَكْثَرُهُمْ بِالْيَمَنِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَغْرِبَ اخْتُصَّ بِظُهُورِ الْأَهِلَّةِ الَّتِي هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ

стр. 837

وَالْحَجِّ يَرْمُقُهَا أَبْصَارُ النَّاسِ دُونَ الْمَشْرِقِ، وَعُورِضَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَبِأَنَّ الْقَمَرَ يَطْلُعُ أَوَّلًا مِنَ الْمَشْرِقِ مَمْحُوقًا ثُمَّ يَظْهَرُ بِالْمَغْرِبِ، وَبِأَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ سِعَتُهُ أَرْبَعِينَ عَامًا ثُمَّ أَنَّهُ يُغْلَقُ بِالْمَغْرِبِ. الرَّابِعُ: أَنَّ المهدي يَظْهَرُ بِالْمَغْرِبِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ ظُهُورُهُ بِمَكَّةَ أَوِ الْيَمَنِ أَوِ الْعِرَاقِ، قَالَتِ الْمَغَارِبَةُ: نَحْنُ لَا يَظْهَرُ الدجال مِنْ عِنْدِنَا، وَلَا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَلَا سَائِرُ الْفِتَنِ، وَلَا أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَلَدِنَا فَقَالَ: الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا. قَالَتِ الْمَشَارِقَةُ: هَذَا عُدُولٌ عَنْ تَقْرِيرِ الْمَنَاقِبِ إِلَى التَّعْرِيضِ بِالْمَثَالِبِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَكْفِيكُمْ أَنَّ الشَّمْسَ آيَةُ النَّهَارِ، وَأَنَّهَا تَغْرُبُ عِنْدَكُمْ وَتُظْلِمُ الْأَقْطَارُ، وَيُغْلَقُ بَابُ التَّوْبَةِ مِنْ جِهَتِكُمْ فَلَا تَنْفَعُ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ. وَأَقُولُ: لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي تَفْضِيلُ الْمَشْرِقِ عَلَى الْمَغْرِبِ وَلَا عَكْسُهُ ; لِتَعَارُضِ دَلِيلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنَّ أُفَضِّلَ الْمَشْرِقَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بُعِثُوا مِنْهُ، وَلَمْ نَقِفْ أَنَّهُ بُعِثَ مِنَ الْمَغْرِبِ نَبِيٌّ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَنْ ذَلِكَ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بُعِثَ مِنْهُ نَبِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِائَةُ أَلْفِ نَبِيٍّ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ، فَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مِنَ الْمَغْرِبِ؟ وَلَمْ تَرِدِ الْأَخْبَارُ بِتَفْضِيلِ حَالِ خَمْسِينَ نَبِيًّا فَضْلًا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهَا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْعَاشِرُ: فَقَالَ صَاحِبُ " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَاءِ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ خُلِقُوا مِنْهَا، وَعَبَدُوا اللَّهَ فِيهَا، وَدُفِنُوا فِيهَا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي عَشَرَ: فَذَكَرَ صَاحِبُ " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " مَا نَصُّهُ- فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ -الْأَرْضُ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِمَّا تَحْتَهَا ; لِاسْتِقْرَارِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فِيهَا، وَلِانْتِفَاعِنَا بِهَا، وَدَفْنِ الْأَنْبِيَاءِ بِهَا، وَهِيَ مَهْبِطُ الْوَحْيِ، وَغَيْرِهِ. قُلْتُ: وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي عَشَرَ: فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ: السَّمَاءُ الْأُولَى أَفْضَلُ مِمَّا سِوَاهَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] قُلْتُ: وَرَدَ الْأَثَرُ بِخِلَافِهِ. أَخْرَجَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَيِّدُ السَّمَاوَاتِ، السَّمَاءُ الَّتِي فِيهَا الْعَرْشُ، وَسَيِّدُ الْأَرَاضِينَ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ عَشَرَ: فَأَخْرَجَ الشَّيْخَانُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ; فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ

стр. 838

تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْفِرْدَوْسُ مَقْصُورَةُ الرَّحْمَنِ، فِيهَا خِيَارُ الْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ» . وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ عَشَرَ: فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] قَالَ: الشَّامُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أبي العالية قَالَ: هِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ عَذْبٍ هُوَ مِنْهَا، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الصَّخْرَةِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُ فِي الْأَرْضِ، وَأَخْرَجَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ أَرْضُ الشَّامِ، وَهِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ، وَالْمَنْشَرِ، وَبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَبِهَا يَهْلِكُ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ الدجال. وَأَخْرَجَ عَنْ كعب قَالَ: هِيَ حَرَّانُ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ العوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] قَالَ: يَعْنِي مَكَّةَ وَنُزُولَ إِسْمَاعِيلَ الْبَيْتَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] . وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ عَشَرَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُطْمَسُ نُورُهُمَا، وَيُلْقَيَانِ فِي جَهَنَّمَ ; لِيَظْهَرَ لِعَبَدَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَنَّهُمَا لَيْسَا آلِهَةً ; لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا آلِهَةً لَدَفَعَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَلَمَا ذَهَبَ ضَوْؤُهُمَا، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي ذَهَابِ ضَوْئِهِمَا فِي الدُّنْيَا بِالْخُسُوفِ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيُقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُونَهُمْ فِي جَهَنَّمَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ عَشَرَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": إِنْ قِيلَ: مَا هَذَا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ؟ قِيلَ: سَأَلَ ابن اللواء عليا ﵁ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَثَرُ مَسْحِ جَنَاحِ جِبْرِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ نُورَ الْقَمَرِ سَبْعِينَ جُزْءًا، وَكَذَلِكَ نُورَ الشَّمْسِ، ثُمَّ أَتَى جِبْرِيلُ فَمَسَحَهُ بِجَنَاحِهِ، فَمَحَا مِنَ الْقَمَرِ تِسْعَةً وَسِتِّينَ جُزْءًا فَحَوَّلَهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَأَذْهَبَ عَنْهُ الضَّوْءَ وَأَبْقَى فِيهِ النُّورَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ وَجَدْتَهَا حُرُوفًا أَوَّلُهَا الْجِيمُ وَثَانِيهَا الْمِيمُ وَثَالِثُهَا الْيَاءُ وَاللَّامُ أَلِفٍ آخِرُ الْكُلِّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ جَمِيلًا، وَقَدْ شَاهَدْتُ ذَلِكَ وَقَرَأْتُهُ مَرَّاتٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ خَلَقَهُ جَمِيلًا. قُلْتُ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ السواد الَّذِي فِي الْقَمَرِ فَقَالَ: كَانَا شَمْسَيْنِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 839

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢] قَالَ: وَالَّذِي رَأَيْتَ هُوَ الْمَحْوُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وابن مردويه بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ شَمْسَيْنِ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَدَعُهَا شَمْسًا فَإِنَّهُ خَلَقَهَا مِثْلَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِهَا مَا بَيْنَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَطْمِسُهَا وَيَجْعَلُهَا قَمَرًا، فَإِنَّهُ خَلَقَهَا دُونَ الشَّمْسِ فِي الْعِظَمِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يُرَى صِغَرُهَا لِشِدَّةِ ارْتِفَاعِ السَّمَاءِ وَبُعْدِهَا مِنَ الْأَرْضِ، فَلَوْ تَرَكَ الشَّمْسَ كَمَا كَانَ خَلَقَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يُعْرَفِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَلَا النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَدْرِ الصَّائِمُ مَتَى يَصُومُ وَمَتَى يُفْطِرُ، وَلَمْ يَدْرِ الْمُسْلِمُونَ مَتَى وَقْتُ حَجِّهِمْ وَكَيْفَ عَدَدُ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ وَالْحِسَابِ، فَأَرْسَلَ جِبْرِيلَ فَأَمَرَّ جَنَاحَهُ عَلَى وَجْهِ الْقَمَرِ -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ شَمْسٌ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ وَبَقِيَ فِيهِ النُّورُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] » وَأَخْرَجَ عبد الرزاق فِي " الْمُصَنَّفِ " عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَتَبَ هرقل إِلَى معاوية يَسْأَلُهُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَيُّ مَكَانٍ إِذَا صَلَّيْتَ فِيهِ ظَنَنْتَ أَنَّكَ لَمْ تُصَلِّ إِلَى قِبْلَةٍ، وَأَيُّ مَكَانٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ مَرَّةً لَمْ تَطْلُعْ فِيهِ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَعَنِ السَّوَادِ الَّذِي فِي الْقَمَرِ، فَأَرْسَلَ معاوية إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا الْمَكَانُ الْأَوَّلُ فَهُوَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالْبَحْرُ حِينَ فَرَقَهُ اللَّهُ لِمُوسَى، وَأَمَّا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ فَهُوَ الْمَحْوُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ عَشَرَ، وَالثَّامِنُ عَشَرَ: فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ فِي " شَرْحِ الرِّسَالَةِ ": اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ يَبْتَلِعُهَا حُوتٌ، وَقِيلَ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْحَمْأَةُ -بِالْهَمْزِ- ذَاتُ حَمْأَةٍ وَطِينٍ، وَقُرِئَتْ " حَامِيَةٍ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، أَيْ حَارَّةٍ سَاخِنَةٍ. قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ: وَقِيلَ: إِنَّهَا تَطْلُعُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَقُولَ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمًا يَعْصُونَكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَطْلُعَ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِذَا نَزَلَتْ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا طَلَعَ الْفَجْرُ حِينَئِذٍ. وَقَالَ إمام الحرمين وَغَيْرُهُ: لَا خِلَافَ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ عِنْدَ قَوْمٍ وَتَطْلُعُ عَلَى آخَرِينَ، وَاللَّيْلَ يَطُولُ عِنْدَ قَوْمٍ وَيَقْصُرُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَعِنْدَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ يَكُونُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مُسْتَوِيَيْنِ أَبَدًا. وَسُئِلَ الشَّيْخُ أبو حامد عَنْ بِلَادِ بُلْغَارَ كَيْفَ يُصَلُّونَ؟ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَغْرُبُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ ثُمَّ تَطْلُعُ، فَقَالَ: يُعْتَبَرُ صَوْمُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ، وَالْأَحْسَنُ -وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ -أَنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ ذَلِكَ وَيَعْتَبِرُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، كَمَا قَالَ ﷺ فِي يَوْمِ الدجال الَّذِي كَسَنَةٍ وَكَشَهْرٍ: (قَدِّرُوا لَهُ) حِينَ سَأَلَهُ الصَّحَابَةُ عَنِ الصَّوْمِ

стр. 840

وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَبُلْغَارُ -بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي آخِرِهِ -أَقْصَى بِلَادِ التُّرْكِ. وَذَكَرَ لِي بَعْضُهُمْ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ هَاهُنَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَارَ يَمْشِي قَلِيلًا ثُمَّ تَطْلُعُ الشَّمْسُ. وَبِهَذَا الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ تَرَدُّدٍ أَبْدَاهُ القرافي فِي قَوْمٍ لَا تَغِيبُ الشَّمْسُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مِقْدَارَ الصَّلَاةِ، فَهَلْ يَشْتَغِلُونَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَوْ بِالْأَكْلِ حَتَّى يَقْوَوْا عَلَى صَوْمِ الْغَدِ إِذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ؟ وَإِذَا عَلِمْتَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ اللَّيْلَ يَقْصُرُ عِنْدَ قَوْمٍ وَيَطُولُ عِنْدَ آخَرِينَ ظَهَرَ لَكَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ ﵇ فِي قَوْلِهِ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَذْهَبُ ثُلُثُ اللَّيْلِ» " - وَفِي رِوَايَةٍ: " «حِينَ يَذْهَبُ نِصْفَ اللَّيْلِ» " وَيَقُولُ: " «هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ؟» " الْحَدِيثَ. وَكَذَا أَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْجَوَابِ، وَهُوَ أَنَّ نُزُولَ الْمَلِكِ يَكُونُ دَائِمًا نِصْفَ اللَّيْلِ، قَالَ: وَنِصْفُ اللَّيْلِ يَكُونُ نِصْفًا عِنْدَ قَوْمٍ وَثُلُثًا عِنْدَ آخَرِينَ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَحْدَثَتْ فِي الْعَالَمِ حَرَكَةً بِطَبْعِهَا وَحَرَارَتِهَا، فَلَا يَبْقَى حَيَوَانٌ نَائِمٌ إِلَّا وَتَحَرَّكَ ; لِأَنَّهَا تَقْرُبُ مِنَ الْأَرْضِ، فَإِذَا تَحَرَّكَ اسْتَيْقَظَ فِي الْغَالِبِ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ تَلَقَّاهُ الْمُنَادِي وَنَشَّطَهُ إِلَى الْقِيَامِ إِلَى الطَّاعَةِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ طَالِبِ حَاجَةٍ؟ . فَهَذِهِ أَسْرَارٌ غَرِيبَةٌ وَمَعَانٍ لَطِيفَةٌ، فَسُبْحَانَ مَنْ هَذَا عَطَاؤُهُ، وَجَلَّ مَنْ هَذَا قَضَاؤُهُ. قُلْتُ: الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَهَابِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِهَا ; فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ «عَنْ أبي ذر قَالَ: " كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: يَا أبا ذر، تَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] » . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: " «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَنْتَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ عِنْدَ رَبِّهَا، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا وَتُطْلَبَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا: اطْلُعِي مِنْ مَكَانِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] » " وَأَخْرَجَ عبد الرزاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا أَنْ تَطْلُعَ، فَتَرُدَّهَا ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ، فَإِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ، فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، فَتَقُولُ: إِنِ السَّيْرَ بَعِيدٌ، وَإِنِّي إِنْ لَا يُؤْذَنْ لِي لَا أَبْلُغُ، فَتُحْبَسُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ: اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ.

стр. 841

قَالَ الحافظ ابن حجر فِي " شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ": لَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نِهَايَةُ مَدْرَكِ الْبَصَرِ إِلَيْهَا حَالَ الْغُرُوبِ، وَسُجُودُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَقَالَ الخطابي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاسْتِقْرَارِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ أَنَّهَا تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرَارًا لَا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ، وَلَيْسَ فِي سُجُودِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ مَا يُعِيقُ عَنْ دَوَرَانِهَا فِي سَيْرِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وأبو الشيخ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الشَّمْسُ بِمَنْزِلَةِ السَّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهَارِ فِي السَّمَاءِ فِي فَلَكِهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلَ فِي فَلَكِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَارَتْ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ مِمَّا يَلِي دُبُرَ الْقِبْلَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْمَشْرِقِ الَّذِي تَطْلُعُ مِنْهُ، وَتَجْرِي فِي السَّمَاءِ مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الْأُفُقِ مِمَّا يَلِي دُبُرَ الْقِبْلَةِ إِلَى شَرْقِهَا، كَذَلِكَ هِيَ مُسَخَّرَةٌ فِي فَلَكِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عكرمة قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ دَخَلَتْ بَحْرًا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتُسَبِّحُ اللَّهَ، حَتَّى إِذَا هِيَ أَصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّهَا مِنَ الْخُرُوجِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: إِنِّي إِذَا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِنْ دُونِكَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ رُفِعَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فِي سُرْعَةِ طَيَرَانِ الْمَلَائِكَةِ، وَتُحْبَسُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ مِنْ أَيْنَ تُؤْمَرُ بِالطُّلُوعِ، ثُمَّ يُنْطَلَقُ بِهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَبَيْنَ أَسْفَلِ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ فِي سُرْعَةِ طَيَرَانِ الْمَلَائِكَةِ، فَتَنْحَدِرُ حِيَالَ الْمَشْرِقِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ فَذَلِكَ حِينَ يَنْفَجِرُ الصُّبْحُ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ السَّمَاءِ فَذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ. وَأَخْرَجَ ابن عساكر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، «أَنَّ خزيمة بن حكيم السلمي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَرِّ الْمَاءِ فِي الشِّتَاءِ وَبَرْدِهِ فِي الصَّيْفِ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا سَقَطَتْ تَحْتَ الْأَرْضِ سَارَتْ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَكَانِهَا، فَإِذَا طَالَ اللَّيْلُ فِي الشِّتَاءِ كَثُرَ لُبْثُهَا فِي الْأَرْضِ، فَيَسْخَنُ الْمَاءُ لِذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ مَرَّتْ مُسْرِعَةً لَا تَلْبَثُ تَحْتَ الْأَرْضِ ; لِقِصَرِ اللَّيْلِ، فَثَبَتَ الْمَاءُ عَلَى حَالِهِ بَارِدًا» . هَذَا مَجْمُوعُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ عَشَرَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ «أَنَّ الشَّمْسَ عَلَى قَدْرِ الدُّنْيَا

стр. 842

مَا بَيْنَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وأبو الشيخ، عَنْ عكرمة قَالَ: الشَّمْسُ سِعَةُ الْأَرْضِ وَزِيَادَةُ ثُلُثٍ وَالْقَمَرُ عَلَى قَدْرِ سِعَةِ الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الشَّمْسُ طُولُهَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا فِي عَرْضِ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، مِنْ طَرِيقِ الكلبي، عَنْ أبي صالح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: كَمْ طُولُ الشَّمْسِ وَكَمْ عَرَضُهَا؟ قَالَ: تِسْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي تِسْعِمِائَةٍ، وَطُولُ الْكَوَاكِبِ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْعِشْرُونَ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَأَنَّهُ يُبَايَعُ لَهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَأَنَّهُ يَسْكُنُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: فَقَدْ صَحَّ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النواس بن سمعان أَنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ. قَالَ ابن كثير: هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي مَوْضِعِ نُزُولِهِ، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ هُوَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَنْزِلُ بِالْأُرْدُنِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ، وَالثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَأَفْضَلُ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ» ". فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ ": أَنْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ -عَلَى خِلَافٍ فِيهِمَا- أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ ; لِمَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ تَجَلِّي الْحَقِّ ، وَمُبَاهَاتِهِ الْمَلَائِكَةَ بِالْحَاجِّ، وَفَيْضُ عَظِيمِ عَفْوِهِ، وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ وَالْمَغْفِرَةِ ; وَلِمَا حَصَلَ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ مِنْ خَلْقِ آدَمَ، وَقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ فِيهِ فِي سَاعَةٍ مِنْهُ، وَالْإِذْنِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي زِيَارَةِ الرَّبِّ انْتَهَى. وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فَالَّذِي أَقُولُهُ اسْتِنْبَاطًا أَنَّ جَبَلَ أُحُدٍ أَفْضَلُ الْجِبَالِ ; لِقَوْلِهِ ﷺ : «أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . وَوَرَدَ أَنَّهُ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ; وَلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَرْضِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ ; وَلِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِهِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أُحُدٍ) . وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 843

عَمْرٍو ﵄ قَالَ: نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي ذَلِكَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّطَ فَفَضَّلَ الْكَفَافَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. قَالَ صَاحِبُ الْوَحِيدِ: ذَهَبَ الجنيد إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَاهُ، وَعَلَّلَهُ بِأَنْ قَالَ: مَا مَنْ أَلَّمَ نَفْسَهُ كَمَنْ أَرَاحَ نَفْسَهُ. وَذَهَبَ ابن عطاء إِلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْغَنِيَّ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَهَذَا مُشْتَقٌّ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الجنيد: إِنَّ غِنَى اللَّهِ بِذَاتِهِ، وَهَذَا الْغِنَى تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ فَلَا يُشْتَقُّ هَذَا مِنْهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام فِي الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى: فَإِنْ قِيلَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ حَالُ الْأَغْنِيَاءِ أَمْ حَالُ الْفُقَرَاءِ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ النَّاسَ أَقْسَامٌ ; أَحَدُهُمْ مَنْ يَسْتَقِيمُ عَلَى الْغِنَى وَيَفْسُدُ حَالُهُ بِالْفَقْرِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غِنَى هَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ فَقْرِهِ. وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى الْفَقْرِ، وَيُفْسِدُهُ الْغِنَى وَيَحْمِلُهُ عَلَى الطُّغْيَانِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ فَقْرَ هَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ غِنَاهُ. الثَّالِثُ: مَنْ إِذَا افْتَقَرَ قَامَ بِجَمِيعِ وَظَائِفِ الْفَقْرِ كَالرِّضَا وَالصَّبْرِ، وَإِنِ اسْتَغْنَى قَامَ بِجَمِيعِ وَظَائِفِ الْغِنَى مِنَ الْبَذْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَشُكْرِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَيِّ حَالٍ هَذَا أَفْضَلُ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ. وَقَالَ آخَرُونَ: غِنَاهُ أَفْضَلُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِاسْتِعَاذَتِهِ ﷺ مِنَ الْفَقْرِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى فَقْرِ النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِهَؤُلَاءِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَغْلَبَ أَحْوَالِهِ الْفَقْرُ إِلَى أَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ بِحُصُولِ خَيْبَرَ وَفْدَكٍ وَالْعَوَالِي وَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِمْ يَوْمٌ إِلَّا كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ خُتِمَ آخِرُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْغِنَى، وَلَمْ يُخْرِجْهُ غِنَاهُ عَمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ فِي أَيَّامِ فَقْرِهِ مِنَ الْبَذْلِ وَالْإِيثَارِ وَالتَّقْلِيلِ، حَتَّى أَنَّهُ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى آصُعٍ مِنَ الشَّعِيرِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ وَهُوَ ﷺ يَقُولُ: " «ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْ شَرٌّ لَكَ» ". أَرَادَ بِالْفَضْلِ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ، كَمَا فَعَلَ ﷺ ، فَمَنْ سَلَكَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ هَذَا الطَّرِيقَ فَبَذَلَ الْفَضْلَ كُلَّهُ مُقْتَصِرًا عَلَى عَيْشٍ مِثْلِ عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا امْتِرَاءَ أَنَّ غِنَى هَذَا خَيْرٌ مِنْ فَقْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: " «ذَهَبَ ذَوُو الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ» " - الْحَدِيثَ، وَفِيهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ» " وَقَوْلُهُ ﷺ : " «اطَّلَعْتُ عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ» " فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، إِذْ لَا يَتَّصِفُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ

стр. 844

يَعِيشَ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ أَوْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِمَا فَضَلَ مِنْ عَيْشِهِ مُقَدِّمًا لِأَفْضَلِ الْبَذْلِ، فَأَفْضَلُهُ إِلَّا الشُّذُوذُ النَّادِرُونَ الَّذِينَ لَا يَكَادُونَ يُوجَدُونَ، وَالصَّابِرُونَ عَلَى الْفَقْرِ قَلِيلٌ مَا هُمْ، وَالرَّاضُونَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلِ. هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ عز الدين، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي حَدِيثِ: " «ذَهَبَ ذَوُو الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى» " -: فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضَّلَ الْغِنَى نَصًّا لَا تَأْوِيلًا إِذَا اسْتَوَتْ أَعْمَالُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، فَلِلْغَنِيِّ حِينَئِذٍ فَضْلُ عَمَلِ الْبِرِّ مِنَ الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا سَبِيلَ لِلْفَقِيرِ إِلَيْهِ. وَقَالَ ابن دقيق العيد: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْقَرِيبُ مِنَ النَّصِّ أَنَّهُ فَضَّلَ الْغَنِيَّ، وَبَعْضُ النَّاسِ تَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَهٍ، قَالَ: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّهُمَا إِنْ تُسَاوَيَا وَفُضِّلَتِ الْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ أَفْضَلَ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إِذَا تَسَاوَيَا وَانْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَصْلَحَةِ مَا هُوَ فِيهِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ إِنْ فُسِّرَ الْأَفْضَلُ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُتَعَدِّيَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَاصِرَةِ، فَيَتَرَجَّحُ الْغِنَى، وَإِنْ فُسِّرَ بِالْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاتِ النَّفْسِ فَالَّذِي يَحْصُلُ لَهَا مِنَ التَّطْهِيرِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ أَشْرَفُ، فَيَتَرَجَّحُ الْفَقْرُ، وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ جُمْهُورُ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، وَقَالَ القرطبي: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعُلَمَاءِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، ثَالِثُهَا: الْأَفْضَلُ الْكَفَافُ. رَابِعُهَا: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. خَامِسُهَا: التَّوَقُّفُ. وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قَالَ النيسابوري: قَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَ اللَّهُ أَوَّلًا زُمُرُّدَةً خَضْرَاءَ، وَيُقَالُ: اللَّوْحَ وَالْقَلَمَ، وَيُقَالُ: الْوَقْتَ وَالزَّمَانَ، وَيُقَالُ: الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ، وَيُقَالُ: خَلَقَ أَوَّلًا عَاقِلًا أَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِعَقْلِهِ غَيْرُهُ، وَيُقَالَ: خَلَقَ جَوْهَرًا مُتَفَرِّقًا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْأَطْبَاعِ وَالْهَيْئَاتِ، ثُمَّ خَلَقَ الْهَيْئَاتِ فَرَكَّبَهَا بَيْنَ الْأَطْبَاعِ وَالْأَلْوَانِ، وَصَارَتْ بَسِيطَةً مُؤَلَّفَةً مَطْبُوعَةً، وَيُقَالُ خَلَقَ أَوَّلًا نُقْطَةً ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ، فَتَضَعْضَعَتْ وَتَمَايَلَتْ، فَصَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَلْفًا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ كَتَبَ: أَنَا التَّوَّابُ، أَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي إِدْخَالِ الْمُؤْمِنِينَ النَّارَ لِيَعْرِفُوا قَدْرَ الْجَنَّةِ وَمِقْدَارَ مَا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ عَظِيمِ النِّقْمَةِ ; لِأَنَّ تَعْظِيمَ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ فِي الْحِكْمَةِ. وَقِيلَ: لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ دَلِيلًا لِلْكَافِرِينَ كَمَا أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ دَلِيلًا لِفِرْعَوْنَ فِي الْبَحْرِ ; لِأَنَّ عُبَّادَ الصَّنَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُؤْمَرُونَ بِدُخُولِ النَّارِ مَعَ أَصْنَامِهِمْ، فَيَأْبَوْنَ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ:

стр. 845

ادْخُلُوا، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ إِنْ أَمَرْتَنَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِلْخَلْقِ أَنَّ بِرَّهُ فِي النَّارِ لِلْعَارِفِينَ أَكْثَرُ مِنْ بِرِّهِ فِي الْجَنَّةِ لِلْمُطِيعِينَ. وَقِيلَ: أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَيِّبَ النَّارَ كَمَا طَيَّبَ بَطْنَ الْحُوتِ بِإِلْقَاءِ يُونُسَ ﵇ ; لِأَنَّ النَّارَ شَكَتْ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ مَا عَصَيْتُكَ قَطُّ، فَلِمَ جَعَلْتَنِي مَأْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْجَبَّارِينَ؟ فَقَالَ: أُرِيكِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُطِيعِينَ. وَقِيلَ: لِيَرَى الْمُؤْمِنُونَ عِيَانًا مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ نَجَاةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ نَارِ نمروذ فَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ. وَقِيلَ: لِيَرَى الْكَفَرَةُ جَوْدَةَ عُنْصُرِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْجَوْهَرَ الْأَصْلِيَّ لَا تَعْمَلُ فِيهِ النَّارُ وَلَا تُفْسِدُهُ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ. وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أَنَّهُ جَامِعُ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنَجِّي مِنَ الظُّلْمَةِ وَالْمَوْقِعُ فِيهَا. وَقِيلَ: لِيَرَى الْخَلْقُ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، فِرْقَةٌ يَسْتَغِيثُونَ مِنَ النَّارِ، وَفِرْقَةٌ تَسْتَغِيثُ النَّارُ مِنْهُمْ، وَهَذَا كَمَا جُعِلَ الْمَاءُ رَحْمَةً عَلَى مُوسَى وَعُقُوبَةً عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، كَذَلِكَ النَّارُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، نِقْمَةٌ لِلْكَافِرِينَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ النَّارَ أَنْ يَمْلَأَهَا، وَهِيَ لَا تُمْلَأُ بِالْكَفَرَةِ، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيُورِدُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا فَتُمْلَأُ وَتَقُولُ قَطْ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّلَاثُونَ) . فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " أَنَّ طَاءَ شَجَرَةُ طُوبَى، وَسِينَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَمِيمَ مُحَمَّدٌ ﷺ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] فَإِنَّ الطَّاءَ مِنْ ذِي الطَّوْلِ، وَالسِّينَ مِنَ الْقُدُّوسِ، وَالْمِيمَ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَالْأَقْوَالُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. أَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ فَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ سِرًّا وَإِنَّ سِرَّ هَذَا الْقُرْآنِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قَالَ النيسابوري: سَبْعُونَ ذَرَّةً تَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَسَبْعُونَ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ تَزِنُ حَبَّةً. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فَقَالَ السهروردي فِي " عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ ": عِلْمُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ الْكُشُوفِ وَالنَّوَالِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِتَحْقِيقِ الِانْفِصَالِ عَنْ لَوْثِ الصَّلْصَالِ بِوُرُودِ رَائِدِ الْوِصَالِ. وَقَالَ فارس: عَلِمُ الْيَقِينِ لَا اضْطِرَابَ فِيهِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَوْدَعَهُ اللَّهُ لِلْأَسْرَارِ، وَالْعِلْمُ إِذَا تَفَرَّدَ مِنْ نَعْتِ الْيَقِينِ كَانَ عِلْمًا بِشُبْهَةٍ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ عَيْنُ الْيَقِينِ كَانَ عِلْمًا بِلَا شُبْهَةٍ، وَحَقُّ الْيَقِينِ هُوَ
следующие страницы →