Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد، وبالله أستعين وعليه أتوكل
كتاب الوصايا
أذن الله ﵎ لعباده في الوصية وذكرها في غير ما آية من كتابه فقال:
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. وقال عز من قائل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠]. وحض عليها النبي ﷺ فقال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة»، مخافة أن يفجأه الموت وتخترمه المنية فتفوته الوصية. وكذلك قال بعض الرواة في هذا الحديث: «لا ينبغي لأحد عنده مال يوصى فيه تأتي عليه ليلتان إلا ووصيته عنده مكتوبة». قال بعض شيوخ صقلية: معناه وهو موعوك. وأما الصحيح فليس بمفرط في ترك كتاب وصيته. والصواب حمل الحديث على ظاهره من العموم في الموعوك والصحيح. لأن الصحيح لا يأمن أن تفجأه المنية فلا يمكنه ما يريد من الوصية،
стр. 1262
فليس من الحزم ولا صواب الرأي ترك كتاب الوصية في الصحة ولا في المرض، وإن كان الأمر في المرض آكد عليه منه في الصحيحة، لأن المرض سبب من أسباب الموت، وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي.
فصل
ومعنى قول رسول الله ﷺ : «ووصيته عنده مكتوبة» " يريد مكتوبة قد أشهد عليها، وأما إن كتبها ولم يشهد عليها ووجدت عنده بعد موته فلا ينفذ ما فيها وإن كانت بخط يده لاحتمال أن يكون إنما كتبها ليؤامر نفسه ولم يعزم بعد على تنفيذها، والروايات بذلك منصوصة عن مالك وغيره.
فصل
وإن كتب وصيته وأشهد عليها فلا يخلو من أن تكون مطلقة غير مقيدة أو مقيدة بمرض بعينه أو سفر بعينه أو بلد يعين، أو وقت يعين، أو ما أشبه ذلك. فإن كانت مطلقة لم يقيدها بشيء وإنما قال إن مت أو إذا مت أو متى ما مت أو ما أشبه ذلك من الألفاظ المطلقة العامة فإنه ينفد ما فيها باتفاق، سواء أقرها على يده أو وضعها عند غيره. وكذلك إن أشهد على وصيته ولم يكتب بذلك كتابا، فإن كان وضعها عند غيره ثم أخذها منه فوجدت عنده بطلت باتفاق، سواء أخذها منه في صحته أو في مرضه. وأما إن كانت مقيدة بسفر بعينه، أو بمرض بعينه أو ما أشبه ذلك، فمات من غير ذلك المرض أو في غير ذلك السفر فلا يخلو من أن يكون كتب بذلك كتابا أو لم يكتبه فأما إن لم يكتب بذلك كتابا وإنما أشهد به خاصة فلم يختلف قول مالك أن الوصية لا تنفذ. وأما إن كتب بذلك كتابا فلا يخلو أيضا من أن يكون أقره عنده أو وضعه عند غيره.
فأما إن كان أقره عنده ولم يجعله على يدي غيره فاختلف قول مالك في ذلك، فمرة أجازها ومرة أبطلها، والقولان قائمان في المدونة. وأما إن كان وضعها
стр. 1263
على يدي غيره، فلم يختلف قول مالك أنها تنفد. ولأشهب في هذه المسألة تفصيل هو مذكور في موضعه.
فصل
وتجوز وصية السفيه والمولى عليه لأنه إنما حجر عليه في ماله مخافة الفقر، والوصية إنما تنفد بعد الموت في حال يؤمن عليه فيه الفقر. وتجوز وصية المجنون في حال إفاقته، ووصية الصغير الذي يعرف وجوه القرب عند مالك وأصحابه، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه.
فصل
وقد تعلق من أوجب الوصية بظاهر هذا الحديث وقال إن لفظة الحق تقتضي الوجوب، وهذا غير صحيح، لأن لفظ الحق إذا قيل فيه عليه فهو محتمل للوجوب والندب. وأما إذا أضيف إليه وجعل له فقيل فيه من حقه أن يفعل كذلك أو كذا وكذا، فالأظهر فيه الندب لا الوجوب.
فصل
ومما يدل أيضا على أن المراد بالحديث الحض والندب لا الوجوب أن بعض رواته يقول فيه: له مال يريد أن يوصي فيه، وتعليق الوصية بإرادة الموصي نص في سقوط وجوبها.
فصل
ولو حمل الحديث على الوجوب لكان معناه في الأمور الواجبة عليه من قضاء الدين ورد الأمانات وأداء ما فرط فيه من الزكوات وما أشبه ذلك من الأمور المعينات، فإن ما يلزم الرجل في حياته يجب عليه أن يوصي به عند وفاته، بخلاف الوصية بشيء من ماله في وجه من وجوه البر.
стр. 1264
فصل
فالوصية بما يتقرب به إلى الله تعالى مما لا يجب عليه في حياته على مذهب مالك وجمهور أهل العلم، مرغب فيها ومندوب إليها وليست بواجبة، وهي تجوز للقرابة والأجنبيين إلا أن الوصية للقرابة أفضل منها للأجنبيين، فينبغي للموصي أن يبدأ به لأن الله بدأ بهم في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] وَقَالَ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَقَالَ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] أي الأرحام أن تصلوها ولا تقطعوها. «وقال ﷺ لميمونة زوجته وقد أعتقت وليدة لها: " لو وصلت بها بعض أخوالك كان أعظم لأجرك». «وقال ﵇ لأبي طلحة في الحائط الذي تصدق به: " إني أرى أن تجعله في الأقربين» فقسمه أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
فصل
وأما الوصية للوارث فلا تجوز إلا أن يجيزها الورثة. وقد حمل جماعة من أهل العلم قول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» على عمومه فلم يجيزوا له الوصية وإن أجازها له الورثة، معناه إلا على سبيل الهبة منهم له التي تفتقر إلى الحيازة. والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ لأن المنع إنما تعلق بحق الورثة كالزائد على ثلث المال، فإذا أجازوه جاز، كالرضى بالعيب، وتسليم الشفعة وما أشبه ذلك. وقد روي أيضا في بعض الآثار «لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة».
стр. 1265
[فصل فيما تنقسم إليه الوصايا]
فصل
والوصايا تنقسم على خمسة أقسام: فمنها ما يجب تنفيذه، ومنها ما لا يلزم تنفيذه، ومنها ما يختلف في وجوب تنفذه، ومنها ما لا ينبغي تنفيده. فأما ما يجب تنفيذه فثلاثة أنواع:
أحدها: أن يوصي بما في فعله قربة وفي تركه حرج من الأمور الواجبة كالزكاة وعتق الظهار وما أشبه ذلك.
والثائي: أن يوصي بما في فعله قربة ولا حرج في تركه كالوصية للمساكين وما أشبه ذلك.
والثالث: أن يوصي بما يختلف فيه هل فيه قربة أو لا قربة فيه على مذهب من يرى فيه قربة.
وأما ما لا يجب تنفيذه فنوع واحد وهو ما في فعله حرج من الأمور المحظورات، كالوصية بإقامة مناحة ميت وما أشبه ذلك.
وأما ما يختلف في وجوب تنفيذه فنوعان:
أحدهما: أن يوصي بما يختلف هل فيه قربة أو لا قربة فيه على مذهب من يرى أنه لا قربة فيه، كالوصية بالحج على مذهب مالك ﵀. أوجب مالك وأكثر أصحابه تنفيذ الوصية بذلك، ولم يوجب ذلك ابن كنانة. والاختلاف في هذا جار على الاختلاف في تصويب المجتهدين.
والثاني: أن يوصي بما لا قربة في فعله ولا في تركه من الأمور الجائزة، كالوصية ببيع ملك من أملاكه أو ببيع عبد من عبيده وهو لا يرغب في ذلك، أو شراء عبد آخر من الثلث للورثة وما أشبه ذلك. وانظر هل يأتي على هذا المعنى اختلافهم فيمن أوصى بسرف في أكفانه وحنوطه، إذ قد قيل إن الزائد على قدر ما يجب أن يكفن فيه يكون من الثلث وهو قول سحنون. وقيل إنه يبطل، حكاه ابن شعبان عن مالك وابن القاسم.
стр. 1266
وأما ما لا يلزم تنفيذه فنوعان:
أحدهما: الوصية للوارث.
والثاني: الوصية بما زاد على الثلث.
وأما ما لا ينبغي تنفيذه فنوع واحد وهو المكروه الذي القربة في تركه دون فعله، كالوصية بإقامة لهو عرس مما استخف وجوز وما أشبه ذلك، فهذا يندب الورثة إلى ألا ينفذوه، فإن أبوا إلا تنفيذه لم يمنعوا من ذلك.
فصل
والوصية بثلث المال فما دونه تجوز في القليل والكثير من المال إلا أن الموصي يؤمر بحسن النظر للورثة إذا كان المال يسيرا. فقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا كان المال يسيرا فليدعه لوارثه فهو أفضل. وهذا والله أعلم أخذه من قول النبي ﵇ «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».
فصل
وقد اختلف أهل العلم في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب عند من أوجبها. فروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ستمائة درهم أو سبعمائة درهم ليس بمال فيه وصية. وقال في ألف درهم فما دونه، إنه مال فيه وصية. وروي عن ابن عباس أنه قال: لا وصية في ثمانمائة درهم. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال ألف درهم فما دونها نفقة. وعن عائشة أنها قالت في امرأة لها ثلاثة آلاف درهم وأربعة من الأولاد لا وصية في مالها.
فصل
ولا يجوز لأحد وصية بأكثر من ثلث ماله وإن لم يكن له وارث خلافا لأبي
стр. 1267
حنيفة في قوله إنه يجوز له أن يوصي بجميع ماله إن لم يكن له وارث. فإذا أوصى الرجل بأكثر من ثلث ماله لم يجز إلا أن يجيز ذلك الورثة، وإجازتهم لا يخلو من أن تكون في صحته أو في مرضه الذي مات منه. أو بعد موته.
فأما إذا كان إذنهم له في صحته فلا يلزمهم ذلك باتفاق.
وأما إن أذنوا له في مرضه الذي مات منه فيلزمهم عند مالك إن كانوا مالكين لأمرهم بائنين عنه بأنفسهم، خلافا لأبي حنيفة والشافعي ولما يدل عليه بعض أقاويل مالك. قيل إذا استأذنهم بدليل ما في المدونة.
وأما إذا لم يستأذنهم فيلزمهم وإن لم يكونوا بائنين عنه إذا كانوا مالكين لأمر أنفسهم. وقيل سواء استأذنهم أو لم يستأذنهم لأنهم يقولون بادرنا إلى الإجازة لتطيب نفسه، لأنا خشينا إن لم نبادر بها أن يحقد بذلك علينا فيمنعنا رفده.
وأما إن أجازوا بعد موته فذلك لازم لهم باتفاق. واختلف هل يكون ذلك كالهبة التي تفتقر إلى حيازة أم لا على قولين في المذهب.
وإنما قلنا إن الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز لقول رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: «الثلث، والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وقد استحب جماعة من العلماء أن لا يوصي الرجل إلا بأقل من الثلث لقول رسول الله ﷺ : «والثلث كثير». وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لو غض الناس من الثلث إلى الربع لأن رسول الله ﷺ قال: «والثلث كثير» وأوصى عمر بن الخطاب ﵁ بربع ماله، وأبو بكر الصديق بخمس ماله وقال: رضيت لنفسي في وصيتي بما رضي الله لنفسه من الغنيمة، وتلا:
стр. 1268
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقال إبراهيم النخعي: كان الخمس أحب إليهم من الربع، والربع أحب إليهم من الثلث. وقد استحب جماعة من العلماء الثلث في الوصية لقول رسول الله- ﷺ : «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أعمالكم». وهذا إنما ينبغي أن يفعل فيه بالاجتهاد في قلة المال وكثرته. فإذا كان قليلا فإبقاؤه على الورثة أفضل والله أعلم، لأن الله تعالى أعطاه ثلث ماله عند وفاته يجعله حيث يراه من وجوه البر، فإذا أبقاه على الوارث نظرا له لقول رسول الله- ﷺ «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، فهو أفضل له من صدقته على الأجنبيين والله أعلم.
فصل
إنما أوجب الوصية من أوجبها لقول الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية (٢١) وقد اختلف أهل العلم في تأويلها اختلافا كثيرا، فالمشهور أنها منسوخة، واختلف الذين رأوا أنها منسوخة في الناسخ لها ما هو. فقال مالك ﵀ في موطئه نسخها ما نزل من قسمة الفرائض. وهذا قول من لم ير نسخ القران بالسنة، وهو أولى ما قيل فيها، لأنه لا اختلاف أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية. وقد روي أن الناس في أول الإسلام كانوا يتوارثون الله تعالى لما ذكر فرض الوالدين قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فكان يحتمل أن يكون لهما ولا يمكن أن يعلم ذلك إلا بتوقيف من النبي- ﷺ على ذلك، أو دليل من قوله ﵇ ذلك. وقد دل على ذلك من قوله- ﷺ : «إن الله فرض لكل ذي حق حقه في آية المواريث» فبين بذلك أنها ناسخة لآية الوصية. وأما نسخها بقول رسول الله- ﷺ : «لا وصية
стр. 1269
لوارث»، على مذهب من يجيز نسخ القرآن بالسنة، فلا إشكال فيه، وهي رواية أبي الفرج عن مالك حكى عنه في كتابه أنه قال: نسخت الوصية للوالدين ما تواتر عن رسول الله- ﷺ : «لا وصية لوارث»، ونسخت الوصية للأقربين آية المواريث. وقيل نسخت الوصية للوالدين بقوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، والوصية للأقربين بقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] فحض على إعطائهم ورغب فيه من غير إيجاب. وقالت طائفة من أهل العلم: نسخ من الآية فرض الوصية للوالدين وبقي فرض الوصية للأقربين الذي لا يرثون محكما غير منسوخ. فواجب على الرجل أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون، فإن لم يفعل فقد أثم وأجرم. وإن أوصى بالثلث لغير ذوي قرابته وله قرابة محتاجون صرف ثلث الميت إليهم في قول بعضهم، وفي قول بعضهم يصرف إليهم ثلث الثلث. وقالت طائفة: الآية كلها محكمة لم ينسخ منها شيء، وظاهرها العموم فيمن يرث ومن لا يرث من الوالدين والأقربين، والمراد بها من لا يرث منهم دون من يرث بدليل آية المواريث وقول رسول الله- ﷺ : «لا وصية لوارث». فآية المواريث والسنة الواردة عن النبي ﷺ على مذهب ليست بناسخة لآية الوصية وإنما هي مخصصة لها ومبينة لمعناها. وقالت طائفة: الآية محكمة فيمن لا يرث دون من يرث من الوالدين والأقربين، إلا أن المراد بها الحض والندب لا الوجوب بدليل قوله: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] لأن الواجب لا يقال فيه إنه معروف ويستوي فيه المتقي وغير المتقي.
فصل
والوصية بالعتق وغيره عدة، للموصي أن يرجع عنها إن شاء في صحته أو
стр. 1270
مرضه، سواء كانت وصيته في الصحة أو في المرض، بخلاف التدبير ليس للمدبر أن يرجع عما دبر في صحته ولا في مرضه. وقد اختلف إذا قال: إذا مت فعبدي حر هل هو محمول على التدبير حتى يعلم أنه أراد الوصية بسبب يدل عليها، أو على الوصية حتى يعلم أن أراد التدبير بسبب يدل عليه. فحمله ابن القاسم على الوصية حتى يعلم أنه أراد التدبير، وحمله أشهب على التدبير حتى يعلم أنه أراد الوصية.
فصل
واختلف بماذا تجب الوصية للموصى له على قولين:
أحدهما: أنها تجب له بموت الموصي مع قبول الموصى له بعد الموت. واختلف على هذا القول إن مات الموصى له بعد موت الموصي قبل أن يقبل، فقيل إن ورثته ينزلون في القبول أو الرد منزلته، وهو قول مالك في المدونة، وقيل إن الورثة لا ينزلون منزلته في ذلك وتبطل الوصية وترجع ميراثا لورثة الموصي، وإلى هذا ذهب أبو بكر الأبهري حكاه عنه عبد الوهاب في المدونة.
والقول الثاني: أنها تجب له بنفس موت الموصي دون القبول، وهو أحد قولي الشافعي. فعلى قوله إن مات الموصى له بعد موت الموصي وجبت الوصية لورثته، ولم يكن لهم أن يردوها إلا على وجه الهبة لورثة الموصي إن قبلوا، والله أعلم.
فصل
والوصايا خارجة من الثلث فيما علم الموصي من المال، ولا تدخل في ما لم يعلم به، بخلاف المدبر في الصحة فإنه يدخل فيما علم وفيما لم يعلم. واختلف في التدبير في المرض والعتق البتل في المرض، فقيل إنهما لا يدخلان فيما لم يعلم به من المال، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل إنهما يدخلان فيما علم به وفيما لم يعلم، وهو الذي يأتي على ما في سماع عيسى من كتاب الديات من العتبية، لأنه نص فيه أن التدبير في المرض يدخل فيما لم يعلم. وإذا دخل فيه المدبر في المرض فأحرى أن يدخل فيه المبتل في المرض. وقد قيل إنه يدخل المدبر في
стр. 1271
المرض ولا يدخل المبتل في المرض، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في بعض روايات العتبية، ومثله لابن القاسم في المدونة، وهو بعيد، لأن المبتل في المرض آكد من المدبر فيه. ألا ترى أن ابن الماجشون يبدئه عليه عند ضيق الثلث. وإنما يقول ابن القاسم إنهما يتحاصان لقرب ما بينهما عنده في التأكيد. فلو قيل إن المبتل في المرض يدخل فيما لم يعلم ولا يدخل فيه المدبر في المرض بعكس رواية أصبغ وما لابن القاسم في المدنية لكان الأظهر، والله أعلم.
فصل
وإن ضاق الثلث عن الوصايا بدئ الآكد فالآكد لا الأقدم فالأقدم، وما كان بمنزلة واحدة في التأكيد تحاصوا في الثلث وإن كان بعضها أقدم من بعض، إلا أن ينص الموصي على تبدئة بعضها على بعض فيبدأ بالذي نص على تبدئته اتباعا لوصيته وإن كان غيرها من الوصايا آكد، ما لم يكن مما لا يجوز له الرجوع عنه كالمبتل في المرض، والمدبر فيه أو في الصحة.
فصل
وما يجب إخراجه من رأس المال يبدأ على ما يجب إخراجه من الثلث.
فصل
فالذي يجب إخراجه من التركة قبل وقوع المواريث فيها ينقسم على قسمين:
أحدهما: ما يجب إخراجه من رأس المال.
والثاني: ما يجب إخراجه من الثلث.
فأما ما يجب إخراجه من رأس المال فإنه ينقسم أيضا على وجهين:
أحدهما: الحقوق المعينات.
والثاني: الحقوق التي ليست بمعينات.
فأما الحقوق المعينات فتخرج كلها وإن أتت على جميع التركة، وذلك مثل
стр. 1272
أم الولد، وزكاة تمر الحائط الذي يموت عنه صاحبه وقد أزهت، وزكاة الماشية إذا مات عند حلولها عليه وفيها السن التي تجب فيها الزكاة، وما أقر به المتوفى من الأصول والعروض بأعيانها لرجل أو قامت على ذلك بينة.
فصل
وأما الحقوق التي ليست بمعينات فإن كان في التركة وفاء بها أخرجت كلها، وإن لم يكن فيها وفاء بها بدئ الآكد فالآكد منها، وما كان بمنزلة واحدة تحاصوا في ذلك، وبالله التوفيق.
فصل
فآكد الحقوق وأولاها بالتبدئة من رأس المال عند ضيقه عنها الكفن وتجهيز الميت إلى قبره. وقد روي عن سعيد بن المسيب في أحد قوليه إن الكفن من الثلث. والصحيح ما عليه الجماعة أنه من رأس المال. والدليل على ذلك ما ثبت أن «مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا شملة كانوا إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ : " غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإدخر». وما ثبت أيضا «أن رسول الله- ﷺ . أمر بدفن قتلى أحد بدمائهم وثيابهم» من غير أن يعتبر ما يبقي لورثتهم أو لدين إن كان عليهم، وهذا بين. ثم حقوق الآدميين من الديون الثابتة على المتوفى بالبينة العدلة أو بإقراره بها في صحته أو في مرضه لمن لا يتهم عليه، ثم حقوق الله تعالى المفترضات من الزكوات على مراتبها والكفارات والنذور إذا اشهد على نفسه في صحته بوجوب ذلك عليه في ذمته، فيبدأ من ذلك كله في رأس ماله الآكد فالآكد، كما يبدأ من ذلك الآكد فالآكد في ثلثه إذا فرط فيه في حياته فأوصى به أن يؤدي عنه بعد وفاته. وزكاة الماشية إذا مات عند حلولها عليه وليس فيها السن التي تجب
стр. 1273
فيها الزكاة، تجري في التبدئة مجرى ما لم يخرجه عند حلوله وأشهد به على نفسه في صحته.
فصل
وأما ما يجب إخراجه من الثلث فيخرج كله على وجهه إن كان فيه وفاء به، فإن لم يكن فيه وفاء به فيبدأ الآكد فالآكد. وما استوى من ذلك أو تقارب لم يبدأ بعضه على بعض ووقع في ذلك التحاص. وبالله التوفيق.
فصل
فأول ما يخرج من الثلث المدبر في الصحة. وصداق المريض إذا دخل في مرضه. وقد اختلف فيهما فقيل إنهما سواء يتحاصان. وقيل يبدأ المدبر في الصحة. وقيل يبدأ صداق المريض، والثلاثة الأقوال لابن القاسم. ثم بعد ذلك ما فرط فيه من زكاة الحرث والعين والماشية، ثم ما فرط فيه من زكاة الفطر عند ابن القاسم خلاف ما ذهب إليه ابن الماجشون وغيره. ثم العتق في الظهار وقتل النفس في الخطأ. وقد اختلف فيهما فقيل إنهما سواء يتحاصان، وقيل يقرع بينهما، وقيل ذلك إلى الورثة يعتقون على أي الكفارتين شاءوا، يريد إن اتفقوا، فإن اختلفوا رجع ذلك إلى القرعة وقيل تبدأ كفارة قتل النفس، وذلك إذا لم يكن في الثلث إلا رقبة واحدة. وأما إن كان في الثلث رقبة وإطعام ستين مسكينا فتعتق الرقبة في القتل ويطعم على الظهار باتفاق. وقد قيل إنه إذا لم يكن في الثلث إلا رقبة واحدة وفضل لا يبلغ الإطعام إنه يبدأ بالظهار ويشترك فيما بقي من كفارة قتل النفس. ثم كفارة اليمين، ثم كفارة الفطر في رمضان متعمدا، ثم كفارة التفريط في قضاء رمضان. وهذا دليل ما في كتاب الصيام من المدونة. وقد قيل إن الطعام لقضاء رمضان يبدأ على كفارة اليمين عند ابن القاسم، والأول أظهر. ثم النذر قاله ابن أبي زيد يريد إذا أوصى به. ثم العتق المبتل في المرض. والمدبر في المرض. وقد اختلف فيهما فقيل إنهما سواء يتحاصان وقيل يبدأ المبتل في المرض، وقيل يبدأ المدبر في المرض، وهذا إذا كانا في فور واحد.
стр. 1274
وأما إن كان أحدهما قبل صاحبه فيبدأ الأول منهما. والنذر الذي يوجبه على نفسه في المرض ينبغي أن يكون بمنزلتهما. ثم بعد هذا الموصى بعتقه بعينه، والموصى أن يشترى فيعتق، والموصى بعتقه على مال إذا عجل المال، والموصى بكتابته إذا عجل الكتابة، والموصى بعتقه إلى شهر وما أشبهه لا يبدأ أحد منهم على صاحبه ويتحاصون. وقد قيل إن الذي أوصى بعتقه أو بشرائه للعتق يبدأ على المعتق إلى أجل قريب، وعلى الموصى بعتقه على مال وإن عجل المال. وعلى الموصى بكتابته وإن عجل الكتابة. وقد قيل إن الموصى بعتقه بعينه يبدأ على الموصى بشرائه للعتق. ثم بعد هذه الخمسة الموصى بعتقه إلى سنة. ثم الموصى بعتقه سنتين. والموصى بكتابته لا يبدأ أحدهما على صاحبه. وقيل إن الموصى بعتقه إلى سنة كالموصى بعتقه إلى سنين. قال غير ابن أبي زيد: ثم النذر، وهو بعيد، لتبدية الموصى بعتقه عليه، لأن الوصية بالعتق يصح الرجوع فيها والنذر لازم لا رجوع فيه، فهو إذا أوصى به أوكد منه وقول ابن أبي زيد أصح. ثم الوصية بالعتق بغير عينه وبالمال وبالحج. وقد اختلف في ذلك فقيل إنها كلها سواء في التحاص، وهو أحد قولي مالك في المدونة. وقيل يبدأ الحج على العتق، وقيل يبدأ العتق على الحج ويتحاص مع المال، وهو قوله الثاني فيها. ووجه هذا القول أن العتق عنده آكدها، ثم يليه المال، ثم يليه الحج، فيتحاص العتق مع المال ولا يبدأ أحدهما على صاحبه لقرب ما بينهما في التأكيد. ويتحاص أيضا المال مع الحج ولا يبدأ أحدهما على صاحبه لقرب ما بينهما في التأكيد، ويبدأ العتق على الحج لبعد ما بينهما على ما رتبناه.
ووجه العمل فيه أن يتحاص العتق والمال والحج، فما ناب العتق والحج بدئ فيه العتق على الحج، ولم يكن للحج من ذاك إلا ما فضل عن العتق. وقد قيل يبدأ الحج ثم يتحاص في المال والعتق. وقيل يبدأ العتق ويتحاص في المال والحج. وسواء كانت الوصية بالمال جزءا أو عددا فإن اجتمعا جميعا الوصية بالعدد والجزء فقيل إنهما سواء يتحاصان، وقيل يبدأ الجزء. وقيل يبدأ العدد. وهذا الاختلاف موجود لمالك وابن القاسم، ومعناه في الصرورة. وأما في حجة التطوع فلم يختلف قولهما في أن العتق مبدأ عليهما، ولا في أن الحج لا يبدأ على المال.
стр. 1275
واختلف قول ابن القاسم هل يبدأ المال على الحج أو يتحاصان. فله في سماع عيسى أنهما يتحاصان. وفي المدنية لأن الوصية بالمال تبدأ. وقال ابن وهب: يبدأ الحج على العتق ولم يفرق بين الصرورة وغيره، والقياس على مذهب مالك أن الوصية بالعتق بغير عينه وبالمال يبدآن على الوصية بحجة الإسلام، لأنه لا يرى أن يحج أحد عن أحد. فلا قربة في ذلك عنده على أصل قوله.
فصل
وذهب ابن الماجشون إلى خلاف هذا الأصل فقال إن التدبير في الصحة يبدأ على العتق المبتل في المرض، والعتق المبتل في المرض يبدأ على العطية المبتلة في المرض، والعطية المبتلة في المرض تبدأ على التدبير في المرض، والتدبير في المرض يبدأ على الزكاة التي فرط فيها. والزكاة التي فرط فيها تبدأ على كفارة قتل الخطأ، وعتق كفارة قتل الخطأ يبدأ على عتق كفارة الظهار. قال: وكل ما نوعت لك من هذا فسواء كان في فور واحد أو فور بعد فور، إنما يبدأ الأوجب فالأوجب والأثبت فالأثبت على ما فسرت لك. والذي ذهب إليه ابن الماجشون أقوى في الحجة مما ذهب إليه ابن القاسم. وذلك أن للموصي أن يرجع فيما أوصى به من الزكاة ولا يجوز له أن يرجع عما بتله أو دبره في المرض. وما لا يجوز له الرجوع فيه. وأيضا فإنه يتهم على أنه أراد أن يرجع فيما بتله أو دبره فأوصى بزكاة ليست عليه. وحكى عبد الوهاب في المعونة أن الوصية بالعتق المعين تبدأ على الزكاة، وهو بعيد في القياس، ووجهه اتباع ظاهر الحديث. روي أن رسول الله- ﷺ «أمر أن تبدأ العتاقة على الوصايا، فعم ولم يخص». وحكى ابن زرب أن الشيوخ أجمعوا على أن الوصية بالحج تبدأ على كل شيء المدبر وغيره. وكان أبو عمر الإشبيلي ﵀ يرى تبدئة ما أوصى به في فك أسير على جميع الوصايا المدبر في الصحة وغيره. ويحتج لذلك برواية أشهب عن مالك في كتاب الجهاد، حكى ذلك عنه ابن عتاب وقال إن الشيوخ أجمعوا على ذلك، وهو صحيح.
стр. 1276
فصل
وهبات المريض وصدقاته وأعطياته موقوفة، فإن مات في مرضه ذلك كانت من الثلث، وإن صح فمن رأس المال. وكذلك العتق إلا أن تكون له أموال مأمونة فينفذ عتقه معجلا، ويكون للموهوب له أو المتصدق عليه قبض ما وهب له أو تصدق به عليه في مرض الواهب أو المتصدق قبل موته على أحد قولي مالك في مراعاة المال المأمون في ذلك. وهذا مذهب فقهاء الأمصار أن هبات المريض وصدقاته من الثلث. وقال داود: هي من رأس المال، وتصرفه كله كتصرف الصحيح. والدليل على صحة قول مالك ومن تابعه ما ثبت أن «رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته فأسهم رسول الله ﷺ فأعتق ثلثهم». ولا فرق بين العتق وغيره من الهبة والصدقة في هذا. وما روي أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم» فأخبر أن الرجل ليس له عند الموت إلا الثلث فدل على منع ما زاد عليه، ولأن الأصول دالة على أن حضور سبب الموت بمنزلة حضور الموت بعينه، بدليل أنه لو أعتق لكان من الثلث، ولو وهب لوارثه شيئا لم يجز ذلك، إذ لا يجوز أن يوصي له. وإذا كان كذلك ثم لم يجز أن يوصي بعد الموت بأكثر من الثلث، كذلك لا يجوز له أن يهب في المرض أكثر من الثلث. .
стр. 1277
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب الولاء والمواريث
فصل في ترتيب الولايات وتقسيمها ووجه الحكم فيها
الولاية تنقسم على خمسة أقسام:
أحدها: ولاية الإسلام والإيمان.
والثاني: ولاية الحلف والأيمان.
والثالث: ولاية الهجرة.
والرابع: ولاية النسب.
والخامس: ولاية العتق.
فأما ولاية الإسلام والإيمان فإن الله قد نص عليها في محكم القرآن فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] إلا أن هذه الولاية ولاية عامة فلا يتوارث بها إلا عند عدم النسب والولاء، لكنها شرط في صحة الميراث بهما، أعني بالنسب والولاء، لقول رسول الله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا
стр. 1278
الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شيئا» ويوجب في الموضع الذي لا يوجب الموارثة بها المناصحة والتناصر في دين الله والتعاون في ذاته. قال الله ﵎: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] وقال النبي ﵇: «من حق المسلم على أخيه المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات». وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا».
وأما ولاية الحلف والأيمان فقيل إن الناس كانوا يتوارثون بها في أول الإسلام بدليل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وقيل إن ذلك كان في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة والمعونة والمشورة ولا ميراث. واحتج من ذهب إلى هذا بقول رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة». وبقوله ﷺ «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في
стр. 1279
الإسلام». فالآية على هذا التأويل محكمة فيما عدا الميراث من النصر والمعونة. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية محكمة على ظاهرها في الميراث وغيره، وأن الرجلين إذا لم يكن بينهما نسب معروف فوالى أحدهما الآخر على أن يتوارثا ويتعاقلا فإن ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقلان. قالوا ولكل واحد منهما أن يرجع على الموالاة ويفسخها ويوالي غيره ما لم يعقل أحدهما عن صاحبه، فإن عقل عنه لزمته الموالاة. وهذا يرده قول رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام» معناه لا حكم له في الموارثة على ما كان يفعل في الجاهلية. وأيضا فإن الآية التي احتجوا بها يخالفونها ولا يقولون بها، وذلك أن الله تعالى علق فيها استحقاق النصيب بعقد اليمين فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] وهم لا يرون أن اليمين تؤثر في استحقاق الميراث شيئا. وقد رويت عن النبي ﵇ في هذا المعنى آثار تدل على ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن للمولى بالموالاة أن يرجع بولايته إلى من شاء بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقوله ﷺ : «من تولى مولى بغير إذنه فعليه لعنة الله». وقوله: «لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم». وذهب الطحاوي إلى استعمال هذه الآثار على ظواهرها وما تدل عليه من معانيها فقال: إن للمولى
стр. 1280
بالموالاة أن ينتقل بولايته إلى من شاء بإذن من ينتقل إليه. فالانتقال الولاء عنده أربع شرائط، وهي أن يكون ذلك بإذن المولى، وبإذن من ينتقل عنه، وبإذن من ينتقل إليه، والرابع أن يكون الولاء المنتقل عنه بالموالاة لا بالعتق، لأن الولاء بالعتق لا يصح الانتقال عنه «لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته». قال وليس في قوله- ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق» ما ينبغي أن يكون ثم ولاء سوى ولاية العتاقة، لأن الحديث إنما قصد به إلى الولاء بالعتاقة لا إلى الولاء بما سواه، فإنما ينفي أن يكون ولاء المعتق بالعتاقة لغير الذي أعتقه. وقد تكلمنا على لفظه إنما وما يوجب في كتاب كراء الأرضين. وبالله التوفيق.
وأما ولاية الهجرة فإن الناس كانوا يتوارثون بها في أول الإسلام، لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]. فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة وبالمؤاخاة التي آخى رسول الله- ﷺ بها بينهم دون ذوي الأرحام حتى أنزل الله: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] يريد بقوله في كتاب الله على ما قال أهل التأويل أي في آية المواريث. فالمراد بأولي الأرحام في هذه الآية من سمى الله في آية المواريث أو دخل فيها بالمعنى وإن لم يسم.
стр. 1281
فصل
وورث أهل العراق بهذه الآية العمة والخالة وسائر ذوي الأرحام وجعلوهم أحق بالميراث من الموالي. وهذا ليس بصحيح لأن رسول الله ﷺ قد بين مراد الله في كتابه في هذه الآية. فقال: «فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر».
وأما ولاية النسب فموجودة أيضا في القرآن. قال الله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] وقال تعالى حاكيا عن زكرياء ﵇: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥]- يقول وإني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني- ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] أي ولدا وارثا معينا يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة. وذلك أن زكرياء كان من ولد يعقوب فوهب الله له يحيى. روي «أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: يرحم الله أخي زكرياء وما كان عليه من ورث ماله، ويرحم الله أخي لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد».
وأما ولاية العتق فإنها توجب الميراث عند انقطاع النسب بحق الإفعام بالعتق والمن به عند جماعة العلماء. قال الله : ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] والمن العتاقة. وقال ﵎: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يريد أنعم الله عليه بالإسلام
стр. 1282
وأنعمت عليه بالعتق. فولاية العتاقة كالنسب سواء في وجوب الميراث بها عند عدم الأقربين والعصبة. قال رسول الله ﷺ : «الولاء نسب». وقال: «الولاء لحمة كلحمة النسب».
فصل
«ونهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته» وقال ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق». فقوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» فعل الإعتاق وإن لم يكن ذلك حقيقة اللفظ، لأن الثواب حاصل عن العتق والولاء حاصل عنه فوجب ألا يفترقا. وقد أجمعوا أن من وكل رجلا على عتق عبده فالولاء للموكل لا للوكيل الذي تولى فعل الإعتاق. ولهذا قلنا: إن من أعتق عبده عن غيره بإذنه أو بغير إذنه إن الولاء للمعتق عنه؛ لأن ثواب العتق له، وكأنه إذا أعتقه عنه فقد ملكه إياه بشرط إعتاقه عنه. وليس ذلك من هبة الولاء المنهي عنه في الحديث، لأن النهي إنما يقتضي نقل الولاء بعد ثبوته وتقرره لمن حصل له ثواب العتق على ما بيناه.
فصل
ومن هذا المعنى اختلفوا في عتق السايبة فكرهه ابن القاسم ابتداء من ناحية هبة الولاء المنهي عنه، فإذا وقع كان الولاء للمسلمين، وأجاز ذلك أصبغ ابتداء ومنع منه ابن الماجشون ورأى أن ذلك هبة الولاء حقيقة، فقال: إن وقع كان
стр. 1283
الولاء لملأ المسلمين. ففهم أصبغ ومن أجاز عتق السايبة من قول الرجل لعبده: أنت سايبة؛ أن مراده بذلك إعتاقه عن المسلمين وجعل ثواب العتق لهم لا لنفسه. وفهم ابن الماجشون ومن لم يجز أن مراده بذلك أن يجعل ثواب العتق لنفسه وولاءه للمسلمين. ولم يتحقق عند ابن القاسم مراده بذلك فلذلك كرهه ابتداء. فهذا توجيه الاختلاف في عتق السايبة عندي. ألا ترى أن الرجل لو قال لعبده: أنت حر عني وولاؤك للمسلمين لم يختلف أن ذلك جائز وأن الولاء يكون للمسلمين أعني في المذهب. وأما في غير المذهب فالشافعي وأبو حنيفة يقولان إن الرجل إذا قال لعبده أنت حر عن المسلمين إن الولاء له لا للمسلمين على أصلهما فيمن أعتق عبده عن غيره بغير إذنه أن الولاء له دون المعتق عنه. واستدلوا على ذلك بقول رسول الله ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق». وإذا استدلوا على ذلك بهذا الظاهر فيلزمهم عليه عتق الوكيل، والعتق عن الغير بإذنه، وهذا بين لا خروج لهما عنه.
فصل
وإذا قلنا إن المفهوم من قول النبي ﷺ : «الولاء لمن أعتق» أي لمن حصل له ثواب العتق، فمن أسلم على يديه رجل فلا ولاء له عليه. هذا قولنا وقول فقهاء الأمصار. وقال إسحاق بن راهويه: له ولاؤه، واحتج بما روي «عن تميم الداري أنه قال للنبي ﵇: يا رسول الله، ما السنة فيمن أسلم على يديه رجل فقال: هو أحق به في محياه ومماته». وهذا محمول عندنا على أنه أحق به في نصرته والقيام بأموره وتولي دفنه إذا مات. بدليل قول النبي ﵇: «إنما الولاء لمن أعتق». ولأن الولاء إنما يكون بالإنعام، ولا إنعام لمن أسلم على يديه، وبالله التوفيق.
стр. 1284
فصل
وكذلك من التقط لقيطا فهو حر ولا ولاء له عليه وقد قال قوم: إن ولاءه لمن التقطه. واحتجوا بقول عمر بن الخطاب ﵁ هو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته. وهذا محمول أيضا عندنا على أن عمر إنما أراد أن له ولايته والقيام بأموره والثواب على تربيته، وعلى بيت المال نفقته بدليل قول النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق».
فصل
ومن الناس من قال إن اللقيط عبد لمن التقطه، وهذا لا وجه له، لأنه لا يخلو من أن يكون ابن أمة مملوكة فهو لسيدها لا يحل لملتقطه أن يتملك، أو يكون ابن حرة فهو حر.
فصل
وما روي عن عائشة وابن عمر ﵄ أنهما قالا في أولاد الزنى: أعتقوهم وأحسنوا إليهم. فإن مخرج ذلك في أمر الحرية على الإعلام لهم بأنهم أحرار، وهذا جائز في الكلام، كقول النبي ﷺ : «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده عبدا مملوكا فيشتريه فيعتقه» وليس يجوز بقاء] ملك الولد على والده ولا ملك الوالد على ولده لأنه يتنافى أن يكون ابنا عبدا أو أبا عبدا، بدليل قول الله : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]
стр. 1285
فنفى الله تعالى أن يكون الولد عبدا. فإذا كان هذا في الولد فهو في الأب أولى لحرمة الأب وما أوجب الله له من الحق. ألا ترى أنه قرن شكره بشكره فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وقول عمر هو حر؛ مفهومه الإخبار بحريته لا إعتاقه، ولو كان حرا بإعتاقه لكان الولاء له؛ لأن هبة الولاء لا تجوز.
فصل
والموالي أربعة:
موالي لا يتوارثون وهم المسلمون الذين لا يتناسبون.
وموالي يتوارثون وهم المسلمون المتناسبون.
وموالي يرثون ولا يورثون وهم الموالي المسلمون المعتقون.
وموالي يورثون ولا يرثون وهم الموالي المعتقون.
فصل
الموالي الذين يرثون ولا يورثون ثلاثة: مولى الرجل الذي أعتقه، ومولى أبيه، ومولى أمه.
فإن كان الرجل حرا معتقا فولاؤه لمولاه الذي أعتقه، فإن لم يكن مولى وكان حرا لم يعتق كان ولاؤه لمولى أبيه الذي أعتقه، فإن كان الأب حرا لم يعتق كان ولاؤه لمولى جده الذي أعتقه. هكذا أبدا ما ارتفع وعلا.
فإن لم يكن في آبائه حر معتق وكانوا كلهم أحرارا غير معتقين ورثه المسلمون، ولم يكن لموالي الأم من ولائه شيء. وكذلك إن كان في آبائه حر
стр. 1286
معتق فانقرض المعتق وعصبته ورثه المسلمون دون موالي الأم. فإن كان الميت منقطع النسب ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان آباؤه كفارا أو عبيدا كان ولاؤه لموالي الأم إن كانت معتقة، فإن كانت الأم حرة لم تعتق كان الولاء لموالي الجدات للأم. وإن كانت منقطعة النسب ابنة زنى أو منفية بلعان أو كان أبوها عبدا أو كافرا كان الولاء لموالي الجدة أم الأم، وهكذا على هذا الترتيب ينزل الأمر.
فصل
والولاء في جميع ما ذكرنا من موالي الرجل وموالي ابنه وموالي أمه يورث به ولا يرث. ومعنى ذلك أن الميراث يكون لأقرب الناس بالمعتق يوم مات المولى الموروث، لا لمن ورث المولى المعتق.
فصل
وهو ينتقل إلى الأقرب فالأقرب من العصبة لقول رسول الله ﷺ : «الولاء للكبر». يريد الأقرب إلى المولى المعتق فالأقرب من العصبة، وبالله التوفيق.
فصل
فأولى الناس بميراث الرجل المعتق إذا لم يكن له ورثة ولا عصبة مولاه الذي أعتقه، فإن لم يكن حيا فولده ثم ولد ولده وإن سفلوا الأقرب فالأقرب. فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد أو كانوا فانقرضوا فأبوه ثم ولد الأب وهم الإخوة. فإن كانوا لأب وأم أو لأب فالميراث بينهم، وإن كان بعضهم لأب وأم وبعضهم لأب، فالذي لأب وأم أقعد من الذي لأب وأحق بالميراث. فإن لم يكن له إخوة فولد الإخوة، فإن كان بعضهم ابن أخيه لأب وأم وبعضهم ابن أخيه لأب فابن الأخ للأب والأم أقعد
стр. 1287
وأحق بالميراث. فإن لم يكن له ولد الإخوة فأولادهم، فإن لم يكن أولادهم فأولاد أولادهم أبدا ما سفلوا على هذا الترتيب الذي وصفنا ومتى استووا في القعدد وكان أحدهم أقرب إلى المعتق بأم كان أحق بالميراث، وإن استووا كانوا في الميراث شرعا سواء. فإن لم يكن للأب ولد ولا ولد ولد أو كانوا فانقرضوا كان أبوه وهو الجد أحق الناس بالولاء، فإن لم يكن الجد فولده وهم الأعمام، فإن كان بعضهم أقرب إلى المعتق بأم كان أقعد بالميراث. فإن استووا كانوا في الميراث شرعا سواء. فإن لم يكن الأعمام فولد الأعمام، فإن لم يكن ولد الأعمام فولد ولدهم وإن سفلوا أبدا على الترتيب الذي وصفناه في بني الإخوة، متى استووا في القعدد وكان أحدهم أقرب إلى المعتق كان أحق بالميراث، وإن استووا في ذلك كانوا في الميراث شرعا سواء. فإن لم يكن للجد ولد ولا ولد ولد، أو كانوا فانقرضوا فأبو الجد أحق بالميراث، فإن لم يكن أبو الجد فولده، فإن لم يكن ولده فولد ولده على الترتيب الذي وصفناه في الإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، فإن لم يكن له ولد فولد ولده على الترتيب الذي وصفاه. فإن لم يكن لجد الجد ولد ولا ولد ولد فوالد الجد هكذا أبدا ما تباعد نسبهم وامتد فرعهم. فإن انقطعوا ولم يبق منهم أحد كان الميراث لجماعة المسلمين بولاية الإسلام، إلا أن يكون مولاه الذي أعتقه معتقا فيكون الولاء لمولى مولاه ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه في انتقال الولاء عن المولى المعتق ثم لمولى مولى مولاه ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه. فإن لم يكن مولاه الذي أعتقه معتقا وكان حرا لم يعتق بولادته فمولى أبيه ثم لمن يجب له ذلك بسببه على ما بيناه. وإن كان مولاه الذي أعتقه منقطع النسب ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان أبوه عبدا أو كان عبدا أو كافرا فولاؤه لمولى أمه ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه. فإن كانت أمه حرة لم تعتق فولاؤه لمولى أبيها، فإن كان أبوها عبدا أو كافرا أو كانت منقطعة النسب ابنة زنى أو منفية بلعان فولاؤه
стр. 1288
لموالي أم أم مولاه، فإن لم يكن له موالي من قبل أم مولاه فميراثه لجماعة المسلمين بولاية الإسلام.
فصل
فإن كان الرجل المتوفى حرا لم يعتق كان الولاء للمولى الثاني وهو مولى أبيه الذي أعتقه، ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما أحكمته السنة في ميراث الولاء على ما وصفناه. فإن كان أبوه حرا أيضا لم يعتق كان الولاء لمولى أبي أبيه. فإن كان أبو أبيه حرا لم يعتق كان ولاؤه لموالي أبي أبي الأب فإن كان أبو أبي الأب عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنه أبا الأب بلعان أو كان ابنه من زنى كان الولاء لموالي أم أبي الأب. وإن كان أبو الأب عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنه وهو الأب بلعان أو كان ولده من زنى كان الولاء لموالي أم الأب. فإن كانت أم الأب حرة لم تعتق كان الولاء لموالي أبي أم الأب، فإن كان أبو أم الأب عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنته وهي أم الأب بلعان أو كانت ابنته من زنى كان الولاء لموالي أم أم الأب، وهكذا ترتيب الولاء أبدا في موالي الأب فمن فوقه من الآباء والأمهات.
فصل
وإن كان الرجل المتوفى حرا غير معتق منقطع النسب إما ولد زنى أو منفيا بلعان أو لم يكن في آبائه حر مسلم كان ولاؤه للمولى الثالث، وهو مولى أمه، ثم لمن يجب له ذلك بسببه على ما أحكمته السنة في ميراث الولاء. وقد بينا ذلك. فإن كانت أمه حرة لم تعتق كان الولاء لموالي أبي أمه ثم لمن يجب ذلك له بسببهم. فإن كان أبو الأم عبدا أو كافرا أو قد كان نفى ابنته بلعان أو كانت ابنته من زنى كان الولاء لموالي أم الأم ثم لمن يجب ذلك له بسببهم. فإن كانت الأم حرة لم تعتق كان الولاء لموالي أبي أم الأم ثم لمن يجب ذلك له بسببهم. فإن كان أبو
стр. 1289
أم الأم عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنته أم الأم بلعان أو كانت ابنته من زنى كان الولاء لموالي أم أم الأم ثم لمن يجب ذلك له بسببهم. وهكذا يترتب الولاء أبدا في موالي الأم فمن فوقه من الآباء والأمهات.
فصل
ومتى ما أعتق الأب أو أسلم إن كان كافرا رجع الولاء إليه وجره إلى مواليه إن كان مولى، أو إلى عصبته وجماعة المسلمين إن كان لا ولاء عليه لأحد. وكذلك إن استلحق الملاعن ابنه رجع الولاء إليه وجره عن موالي الأم إلى مواليه إن كان مولى أو إلى عصبته وجماعة المسلمين إن لم يكن عليه ولاء لأحد. وبالله التوفيق.
فصل
والأصل في هذا أن كل ولد يولد للحر من حرة فولاؤه لموالي أبيه إن كان مولى أو لجماعة المسلمين إن كان حرا لم يعتق بعتق، ولا يرجع ولاؤه إلى موالي أمه أبدا إلا أن تعتق وهي حامل به فيكون ولاء ولدها لمعتقها ولمن يجب ذلك له بسببه، لأن الرق قد مسه في بطن أمه. وكذلك إذا كوتبت وهو في بطنها أو دبرت أو أعتقت إلى أجل فولاء ما في بطنها لسيد أمهم، ولدته في الكتابة أو بعد أدائها أو ولدته المدبرة في حياة سيدها أو بعد وفاته، أو ولدته المعتقة إلى أجل قبل الأجل أو بعده. وبالله التوفيق.
فصل
والولاء ينتقل عن الرجل والمرأة إلى بنيهما وعصبتهما من الرجال دون النساء، فلا ترث المرأة من الولاء إلا ما أعتقت أو أعتق من أعتقت أو أعتق من أعتق من أعتقت، أو ولد من أعتقت من الذكور إن كان حرا لم يعتق، أو ولد من
стр. 1290
أعتقت من الإناث إن كان ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان أبوه عبدا أو كافرا على ما بيناه قبل من أن الموالي ثلاثة: مولى الرجل الذي أعتقه، ومولى أبيه، ومولى أمه.
فصل
وقول النبي ﷺ : «الولاء لمن أعتق» يهوديا أو نصرانيا لأن عتق الكافر جائز وفيه أجر. قال الله : ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] والمن العتاقة ففي هذا إجازة عتق الكافر قال رسول الله ﷺ : «أفضل الرقاب أنفسها ثمنا وأغلاها عند أهلها». فلم يخص كافرا من مسلم إلا أنه لا يرثه إلا أن يسلم لاختلاف الدينين. وكذلك إن أعتق الذمي عبده الذمي فإن الولاء يثبت له بعتقه إياه ويرثه إن أسلما جميعا. فإن قال قائل: كيف يصح له الولاء، وقد قلت فيما تقدم: إن الولاء لمن حصل له ثواب العتق، والنصراني لا يثاب على عتقه؟
فالجواب على ذلك أن هذا إجماع، والإجماع أصل في نفسه، فلا يعترض عليه بالقياس. وأيضا فإن النصراني له ثواب العتق إن أسلم على ما روي «أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﵇: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنا نتخلق بها في الجاهلية؟ فقال له رسول الله ﷺ : أسلمت على ما سلف لك من خير.
»
فصل
وأما إن أعتق النصراني مسلما فلا يثبت له ولاؤه؛ لأنه أعتق من لا يصح له
стр. 1291
حبسه ولا يستقر عليه ملكه، لقول الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١]. هذا مذهب مالك وأصحابه، ورواية ابن القاسم عنه في كتاب ابن المواز أن الولاء يثبت لهم، وهو أظهر، لأن إسلامه لا يسقط ملك سيده عنه وهو عبده وعلى ملكه حتى يباع عليه، وبالله التوفيق.
فصل
وقد مضى القول في الولاء موعبا، ويحسن أن يوصل بذلك القول في فرائض المواريث إذ لم يقع منها في المدونة إلا فريضة واحدة ناقصة، فأنا أذكر هاهنا منها جملة مختصرة ملخصة كافية على مذهب مالك وما روي عن زيد بن ثابت ﵁.
فصل
فيما يجب الميراث به
الميراث يكون بين الأحرار المسلمين بأحد ثلاثة أشياء:
إما نسب ثابت.
أو نكاح منعقد.
وإما ولاء عتاقة.
فإن لم يكن للمتوفى وارث بوجه من هذه الوجوه ورثه جميع المسلمين بولاية الإسلام. لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض. قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقد يجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها. وقد يجتمع منها شيئان لا أكثر مثل أن يكون زوجها ومولاها، أو زوجها وابن عمها، فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد، نصفه بالزوجية ونصفه بالنسب أو الولاء. ومثل أن تكون المرأة ابنة الرجل
стр. 1292
ومولاته فيكون لها أيضا جميع المال إذا انفردت، نصفه بالنسب ونصفه بالولاء وكذلك ما أشبهه، وبالله التوفيق لا شريك له.
فصل
ولا ميراث إلا بعد الدين والوصية. فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزمه في تكفينه وإقباره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا وما كان في معناها على مراتبها، ويكون الباقي ميراثا بين الورثة، وبالله التوفيق.
فصل في تسمية من يرث من الرجال
وهم خمسة عشر: الأب، والجد للأب وإن علا، والابن، وابن الابن وإن سفل، والأخ الشقيق، والأخ للأب، والأخ للأم، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ للأب، والعم الشقيق، والعم للأب، وابن العم الشقيق، وابن العم للأب، والزوج، والمولى بولاء العتاقة.
فصل في تسمية من يرث من النساء
وهن: عشرة: الأم، والجدة للأب، والجدة للأم، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والأخت للأم، والزوجة، والمولاة المعتقة.
فصل
ولا يرث من ذوي الأرحام سوى من له فرض مسمى بأرحامهم شيئا، وهم الأجداد من قبل الأم، والأعمام للأم، وبنوهم، وبنو الأخ للأم، والأخوال، والخالات، وبنوهم، وبنو البنات، وبنو الأخوات؛ ولا جميع العصبة من النساء بأنسابهن شيئا، وهن العمات، وبنات الإخوة، وبنات الأعمام، فهؤلاء وأولادهم
стр. 1293
ومن علا من أشباههم، مثل عمة الأب، وخالة الجد، لا يرثن ولا يحجبن وارثا؛ لأن كل من لا يرث بحال فلا يحجب.
فصل
في الحجب
الأب يحجب من فوقه من الآباء. ومن كان بسببه من الجدات، ويحجب الإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم.، والابن يحجب من تحته من بني البنين، ويحجب الإخوة كلهم ذكورهم وإناثهم، ويحجب الأعمام وبنيهم، ويحجب الأم عن الثلث إلى السدس، والزوجة عن الربع إلى الثمن، والزوج عن النصف إلى الربع. والأخ الشقيق يحجب الأخ للأب، والأخ للأب يحجب ابن الأخ الشقيق. وابن الأخ الشقيق يحجب ابن الأخ للأب، الأقرب يحجب الأبعد أبدا. فإذا استويا في القعدد فالشقيق أحق. وابن الأخ وإن سفل يحجب العم الشقيق. والعم الشقيق يحجب العم للأب، والعم للأب يحجب ابن العم الشقيق. وابن العم الشقيق يحجب ابن العم للأب، الأقرب يحجب الأبعد أيضا على ما تقدم في الإخوة. والأم تحجب جميع الجدات اللواتي من قبلها واللواتي من قبل الأب. وكل واحدة من الجدتين تحجب من فوقها من الجدات. والبنت وبنت الابن وإن سفلت تحجب الإخوة للأم، والزوجة من الربع إلى الثمن.
باب ميراث البنين
الابن إذا انفرد كان له جميع المال، فإن كانوا أكثر من واحد كان المال بينهم بالسواء. والبنت الواحدة إذا انفردت كان لها النصف، وللاثنين فصاعدا الثلثان. فإن اجتمع البنون والبنات فلا فريضة للبنات واحدة كانت أو أكثر معهم، والمال بين جميعهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كان مع البنين من له فرض مسمى بدئ به وكان ما فضل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إن كانوا ذكورا وإناثا، أو بينهم بالسواء
стр. 1294
إن كانوا ذكورا، وان كن إناثا فلهن مع أهل الفرائض فرائضهم كاملة إلا أن ينقصها العول. وبنو الأبناء كالأبناء في عدم الأبناء ذكرهم كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون ويحجبون كما يحجبون، ولا شيء لبني الابن ذكورا كانوا أو إناثا مع الابن الذكر، ولهم مع البنت أو البنات ما فضل عن فرائضهم على السواء إن كانوا ذكورا، وللذكر مثل حظ الأنثيين إن كانوا ذكورا وإناثا، فإن كانوا إناثا فلا شيء لهن مع البنتين فصاعدا إلا أن يكون معهن ابن ابن أو بإزائهن فيرد عليهن ويكون الفاضل بينهن وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين. ولهن مع البنت الواحدة السدس تكملة الثلثين، ولا شيء لمن تحتها من بنات الأبناء إلا أن يكون معهن ابن ابن بإزائهن أو أبعد منهن فيرد عليهن ويكون الفاضل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
باب ميراث الأبوين
الأب إذا انفرد كان له المال كله، وله مع البنين السدس فريضة، وله مع أهل الفرائض ما فضل عن فرائضهم إن فضل السدس أو أكثر منه، فإن فضل أقل منه لم ينقص منه إلا ما نقصه العول. وللأم إذا لم يكن ولد أو اثنان من الإخوة أو الأخوات فصاعدا كانوا أشقاء أو لأب أو لأم الثلث فريضة لا يزاد عليه ولا ينقص منه إلا أن ينقصها العول. فإن كان للمتوفى ولد أو ولد ابن ذكرا كان أو أنثى أو اثنان من الإخوة أو الأخوات فصاعدا ورثا أو حجبا، فلها السدس فريضة لا تزاد عليه ولا تنقص منه إلا أن ينقصها العول. فهذه حال الأم إلا في الغراوين، وهما زوجة وأبوان، أو زوج وأبوان، فلها فيهما ثلث ما بقي بعد فريضة الزوج أو الزوجة.
باب ميراث الجدات
وللجدة الواحدة من قبل أب كانت أو من قبل أم السدس إذا انفردت، فإن اجتمعتا فالسدس بينهما بنصفين. فإن كانت التي من قبل الأم أقرب فالسدس لها
стр. 1295
دون التي للأب، وإن كانت التي من قبل الأب أقرب فالسدس بينهما بنصفين. ولا يرث من الجدات إلا جدتان: أم الأم وأمهاتها، وأم الأب وأمهاتها. وأما أم أبي الأب، وأم أبي الأم فإنهما لا ترثان.
باب ميراث الزوجين
وللزوج من امرأته النصف إن لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد ذكرا أو أنثى منه أو من غيره أو ولد ولد ذكر له الربع. وللزوجة من زوجها الربع إن لم يكن له ولد ولا ولد ولد، فإن كان له ولد ذكرا كان أو أنثى منها أو من غيرها أو ولد ولد ذكر فلها منه الثمن. فإن كان للرجل زوجات فالثمن أو الربع بينهن بالسواء لا يزدن على ذلك شيئا. والمدخول بهن وغير المدخول بهن في الميراث سواء.
باب ميراث الجد
ميراث الجد للأب وإن علا كميراث الأب إذا لم يكن دونه أب ولا ترك المتوفى إخوة أشقاء أو لأب إلا في الغراوين فإن للأم معه ومع الزوجة أو الزوج الثلث بخلاف ما لها مع الأب. فيرث الجد المال كله إذا انفرد، فإن كان معه أهل فرائض فرض له السدس ولم ينقص منه إلا أن ينقصه العول.
باب ميراث الإخوة الشقائق وللأب
الأخ الشقيق إذا انفرد كان له المال كله، فإن كانوا أكثر من واحد فالمال بينهم على عددهم. وهو مع أهل الفرائض عاصب فيما بقي لهم، فإن استكملوا المال لم يكن له أولهم إن كانوا عددا شيء إلا أن يكون في الذين استكملوا المال إخوة لأم ورثوا الثلث فيشاركنهم فيه على أنهم إخوة لأم. وتسمى هذه الفريضة المشتركة، وتعرف بالحمارية. ولو فضل للإخوة الشقائق شيء لم يكن لهم إلا ما فضل وإن كان أقل مما صار للإخوة للأم.
стр. 1296
وللأخت الواحدة الشقيقة النصف، وللأختين فصاعدا الثلثان لا ينقص من ذلك إلا أن ينقصهن العول. فإن كان معهن أخ أو إخوة أشقاء فلا فريضة لهن معه ولا معهم، والمال بينهم إذا انفردوا، أو ما فضل عمن له فرض مسمى إن كان معهم من له فرض مسمى، للذكر مثل حظ الأنثيين.
والإخوة للأب كالإخوة الشقاق عند عدم الشقائق ذكرانهم كذكرانهم، وإناثهم كإناثهم إلا في المشتركة فإنهم لا يشتركون مع الإخوة للأم لخروجهم عن ولادتها. فلا شيء للإخوة للأب مع الأخ الشقيق، ولهم مع الأخت الشقيقة أو مع الأختين ما فضل من المال على السواء إن كانوا ذكورا، وللذكر مثل حظ الأنثيين إن كانوا ذكورا وإناثا. فإن كانوا إناثا فلا شيء لهن مع الأختين فصاعدا، ولهن مع الواحدة السدس تكملة الثلثين فريضة. والأخوات الشقائق أو اللواتي لأب مع الابنة أو البنات، فلا شيء للواتي لأب مع الشقائق وإن كانت شقيقة واحدة.
باب ميراث الإخوة للأم
وأما الإخوة للأم فإن كان واحدا فله السدس، وإن كانوا أكثر فهم شركاء في الثلث على السواء ذكورا كانوا أو إناثا. وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى فيه سواء إلا في ميراث الإخوة للأم. ولا يرثون إلا في الكلالة، وهي ألا يورث المتوفى بابن وإن سفل ولا بأب وإن علا.
باب ميراث الإخوة مع الجد
وينزل الجد مع الإخوة الشقائق أو الذين لأب منزلة أخ فيقاسمهم المال للذكر مثل حظ الأنثيين، إلا أن يكون الثلث أفضل له .. فلا ينقص منه شيء. فإن كان مع الإخوة الشقائق إخوة لأب عادّوا الجد بهم فمنعوه كثرة الميراث ورد ما صار لهم في المقاسمة على الإخوة الشقائق، ولم يكن للإخوة للأب معهم شيء، إلا أن يكون الشقائق أختا واحدة ويفضل من المال بعد ما صار للجد أكثر من النصف فيكون الفاضل عن الأخت للإخوة للأب للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن كان مع
стр. 1297
الجد والإخوة من له فرض مسمى بدئ به، ثم قاسم الإخوة فيما بقي إلا أن يكون ثلث ما بقي أو السدس من رأس المال أفضل له من المقاسمة فيكون له الأفضل من الثلاثة الأشياء، فما صار للإخوة الشقائق أو الذين لأب مع الجدود وفي الفرائض كان بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن اجتمعوا رجع الشقائق عن الذين لأب فيما صار لهم في المقاسمة، ولم يكن للإخوة للأب معهم شيء، إلا أن يكون الشقائق أختا واحدة ويفضل من المال بعد ما صار للجد ولأهل الفرائض أكثر من النصف فيكون الزائد على النصف للإخوة للأب. فإن استكمل أهل الفرائض المال بسدس الجد لم يكن للإخوة شيء ذكورا كانوا أو إناثا إلا في الأكذوبة، وهي امرأة توفيت عن زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب، فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، ويرتى للأخت بالنصف، ثم يجمع سدس الجد ونصف الأخت بما دخل ذلك من العول فيقسم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، فيقسم من سبعة وعشرين، للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة.
فصل
وإنما لم ينقص الجد مع الإخوة الشقائق والذين لأب من الثلث شيئا إذا لم يكن معهم من له فرض مسمى، أو من ثلث ما بقي إن كان معهم من له فرض مسمى، لأن الإخوة للأم يفرض لهم مع عدم الإخوة الشقائق أو الذين لأب الثلث فريضة لا ينقصون منه إلا أن ينقصهم العول. فلما كان الجد يحجبهم عن الثلث وجب ألا ينقص منه شيئا، إذ لو كان إخوة لأم لكان لهم ذلك الثلث. وقد روي عن مالك ﵀ في زوج وأم وجد وإخوة لأب وإخوة لأم أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللجد الثلث الذي حجب عنه الإخوة للأم، ولا شيء للإخوة للأب معه، إذ لو لم يكن الجد لم يكن لهم مع الإخوة للأم شيء، فكان أحق منهم بجميع الثلث الذي حجب عنه الإخوة للأم. وهذه الفريضة تنسب إلى مالك فتسمى المالكية لقوله بها وصحة اعتباره فيها، وبالله التوفيق.
فصل
ولا ميراث بين المسلم والكافر، فميراث الكافر لأهل دينه إلا أن يكون عبدا
стр. 1298
فيرثه سيده بالملك الذي له فيه. وميراث المسلم لورثته من المسلمين إلا أن يسلم عبد الكافر فيموت قبل أن يباع عليه فيرثه بالملك الذي لنفسه؟ ولا بين الحر والعبد ومن فيه بقية رق من مكاتب أو مدبر أو معتق إلى أجل أو أم ولد. وميراث هؤلاء لساداتهم دون قرابتهم إلا أن يعتقوا أو يموت سيد أم الولد، فإن مات سيد أم الولد عتق لها وولد أم الولد من سيدها وولد ابنتها من غير سيدها أيضا يعتقون بموت السيد، فلا ميراث بينهم وبين قراباتهم إلا أن يموت السيد أو يعجل عتقهم. وولد من فيه بقية رق من أمته بمنزلته. ولا يرث المولود حتى يستهل صارخا ولا يورث. ولا يرث قاتل العمد من المال ولا من الدية شيئا. ويرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية، ومما يرثان الولاء جميعا. ولا يرث ولد الزنى ولا المنفي بلعان من أبيه شيئا ولا يرثانه، فإن استلحق الملاعن ابنه جلد الحد ولحق به وورثه. وإن استلحق الزاني ولده من الزنى لم يلحق به إذا كان الزنى في الإسلام. ولا يتوارث من جهل موته مثل أهل البيت يموتون جميعا بغرق أو هدم أو غير ذلك فلا يعلم أيهم مات قبل صاحبه، فيرث كل واحد منهم ورثته من الأحياء ولا يورث بعضهم من بعض. ولا يتوارث من ولد في أرض الشرك مثل المسبيين والمستأمنين إلا أن يثبت نسبهم ببينة أو يكونوا جماعة كثيرة تحملوا فيشهد بعضهم لبعض. ويتوارث توءما المسبية أو المستأمنة بالأب والأم، ولا يتوارث توءما الزانية إلا بالأم. واختلف في توءمي المغتصبة والملاعنة، فالمشهور في توءمي الملاعنة أنهما يتوارثان بالأب والأم، والمشهور في توءمي المغتصبة أنهما لا يتوارثان إلا بالأم. وبالله تعالى التوفيق.
فصل
في ميراث الخنثى
والخنثى المشكل يورث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى على ما ذهب إليه أهل الفرائض، وفي ذلك اختلاف. ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ولا زوجة
стр. 1299
ولا أبا ولا أما. وقد قيل إنه وجد من ولد له من بطنه ومن ظهره، فإن صح ذلك ورث من ابنه لصلبه ميراث الأب كاملا، ومن ابنه لبطنه ميراث الأم كاملا، وهو بعيد. والله أعلم.
فصل
في فرائض المواريث
والفرائض التي فرضها الله في المواريث ست: ثلثان، ونصف، وثلث، وربع، وسدس، وثمن. فإن كان في الفريضة نصف فأصلها من اثنين. وإن كان فيها ثلث وثلثان فأصلها من ثلاثة. وإن كان فيها ربع أو ربع وثلث ما بقي فأصلها من أربعة.، وإن كان فيها ثمن أو ثمن ونصف فأصلها من ثمانية. وإن كان فيها ربع وثلث أو سدس وربع فأصلها من اثني عشر. وإن كان فيها ثمن وسدس أو ثمن وثلث فأصلها من أربعة وعشرين وإن كان فيها سدس وثلث ما بقي فأصلها من ثمانية وعشرين. وإن كان فيها سدس وربع وثلث ما بقي. فأصلها من ستة وثلاثين.
فأصول الفرائض تسعة على ما ذكرناه منها، ستة لا تعول، وثلاثة قد تعول.
إحداها: فريضة ستة فإنها تعول بالسدس إلى سبعة، وبالثلث إلى ثمانية وبالنصف إلى تسعة وبالثلثين إلى عشرة، وهو أكثر ما تعول به الفرائض.
والثانية: فريضة اثني عشر فإنها تعول بنصف السدس إلى ثلاثة عشر، وبالربع إلى خمسة عشر، وبالسدس ونصف السدس إلى سبعة عشر.
والثالثة: فريضة أربعة وعشرين فإنها تعول بالثمن إلى سبعة وعشرين.
وما كان من الفرائض ليس فيه من له فرض مسمى فأصلها من حيث تنقسم، وذلك ما يجتمع من عدد البنات وضعف عدد البنين إن كان الورثة بنين وبنات،
стр. 1300
وكذلك الإخوة مع الأخوات، أو ما يجتمع من عدد العصبة الوارثين أو الإخوة الذكور أو البنين.
فصل
والورثة ينقسمون على أربعة أقسام: فمنهم من له فرض مسمى وليس بعاصب، فلا يزاد على فريضته ولا ينقص منها إلا أن يدخل الفريضة عول، وهم الأزواج والزوجات، والأم والجدات، والبنت والبنات، والإخوة والأخوات للأم. ومنهم من له فرض مسمى وهو عاصب، فيرث المال كله إن انفرد، ولا ينقص من فريضته إذا لم ينفرد إلا أن يدخل الفريضة عول، وهو الأب والجد للأب وإن علا.
ومنهم من هو عاصب في حال، وهن الأخوات الشقائق واللواتي للأب لأنهن عصبة مع البنات.
ومنهم من هو عاصب في كل حال، فيرث المال كله إذا انفرد وما فضل عمن له فرض مسمى إن فضل عن شيء وهم الأبناء وبنوهم، والإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، والموالي والمواليات بولاء العتاقة.
باب ميراث الولاء
الولاء كالنسب يجب الميراث به عند عدم النسب كما يجب بالنسب، فللمولى المعتق المال كله إذا انفرد، وهو مع من له فرض مسمى عاصب فيما بقي. والموالي ثلاثة:
مولى الرجل الذي أعتقه.
ومولى أبيه.
ومولى أمه.
следующие страницы →