← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وللأخت الواحدة الشقيقة النصف، وللأختين فصاعدا الثلثان لا ينقص من ذلك إلا أن ينقصهن العول. فإن كان معهن أخ أو إخوة أشقاء فلا فريضة لهن معه ولا معهم، والمال بينهم إذا انفردوا، أو ما فضل عمن له فرض مسمى إن كان معهم من له فرض مسمى، للذكر مثل حظ الأنثيين. والإخوة للأب كالإخوة الشقاق عند عدم الشقائق ذكرانهم كذكرانهم، وإناثهم كإناثهم إلا في المشتركة فإنهم لا يشتركون مع الإخوة للأم لخروجهم عن ولادتها. فلا شيء للإخوة للأب مع الأخ الشقيق، ولهم مع الأخت الشقيقة أو مع الأختين ما فضل من المال على السواء إن كانوا ذكورا، وللذكر مثل حظ الأنثيين إن كانوا ذكورا وإناثا. فإن كانوا إناثا فلا شيء لهن مع الأختين فصاعدا، ولهن مع الواحدة السدس تكملة الثلثين فريضة. والأخوات الشقائق أو اللواتي لأب مع الابنة أو البنات، فلا شيء للواتي لأب مع الشقائق وإن كانت شقيقة واحدة. باب ميراث الإخوة للأم وأما الإخوة للأم فإن كان واحدا فله السدس، وإن كانوا أكثر فهم شركاء في الثلث على السواء ذكورا كانوا أو إناثا. وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى فيه سواء إلا في ميراث الإخوة للأم. ولا يرثون إلا في الكلالة، وهي ألا يورث المتوفى بابن وإن سفل ولا بأب وإن علا. باب ميراث الإخوة مع الجد وينزل الجد مع الإخوة الشقائق أو الذين لأب منزلة أخ فيقاسمهم المال للذكر مثل حظ الأنثيين، إلا أن يكون الثلث أفضل له .. فلا ينقص منه شيء. فإن كان مع الإخوة الشقائق إخوة لأب عادّوا الجد بهم فمنعوه كثرة الميراث ورد ما صار لهم في المقاسمة على الإخوة الشقائق، ولم يكن للإخوة للأب معهم شيء، إلا أن يكون الشقائق أختا واحدة ويفضل من المال بعد ما صار للجد أكثر من النصف فيكون الفاضل عن الأخت للإخوة للأب للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن كان مع

стр. 1297

الجد والإخوة من له فرض مسمى بدئ به، ثم قاسم الإخوة فيما بقي إلا أن يكون ثلث ما بقي أو السدس من رأس المال أفضل له من المقاسمة فيكون له الأفضل من الثلاثة الأشياء، فما صار للإخوة الشقائق أو الذين لأب مع الجدود وفي الفرائض كان بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن اجتمعوا رجع الشقائق عن الذين لأب فيما صار لهم في المقاسمة، ولم يكن للإخوة للأب معهم شيء، إلا أن يكون الشقائق أختا واحدة ويفضل من المال بعد ما صار للجد ولأهل الفرائض أكثر من النصف فيكون الزائد على النصف للإخوة للأب. فإن استكمل أهل الفرائض المال بسدس الجد لم يكن للإخوة شيء ذكورا كانوا أو إناثا إلا في الأكذوبة، وهي امرأة توفيت عن زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب، فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، ويرتى للأخت بالنصف، ثم يجمع سدس الجد ونصف الأخت بما دخل ذلك من العول فيقسم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، فيقسم من سبعة وعشرين، للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة. فصل وإنما لم ينقص الجد مع الإخوة الشقائق والذين لأب من الثلث شيئا إذا لم يكن معهم من له فرض مسمى، أو من ثلث ما بقي إن كان معهم من له فرض مسمى، لأن الإخوة للأم يفرض لهم مع عدم الإخوة الشقائق أو الذين لأب الثلث فريضة لا ينقصون منه إلا أن ينقصهم العول. فلما كان الجد يحجبهم عن الثلث وجب ألا ينقص منه شيئا، إذ لو كان إخوة لأم لكان لهم ذلك الثلث. وقد روي عن مالك ﵀ في زوج وأم وجد وإخوة لأب وإخوة لأم أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللجد الثلث الذي حجب عنه الإخوة للأم، ولا شيء للإخوة للأب معه، إذ لو لم يكن الجد لم يكن لهم مع الإخوة للأم شيء، فكان أحق منهم بجميع الثلث الذي حجب عنه الإخوة للأم. وهذه الفريضة تنسب إلى مالك فتسمى المالكية لقوله بها وصحة اعتباره فيها، وبالله التوفيق. فصل ولا ميراث بين المسلم والكافر، فميراث الكافر لأهل دينه إلا أن يكون عبدا

стр. 1298

فيرثه سيده بالملك الذي له فيه. وميراث المسلم لورثته من المسلمين إلا أن يسلم عبد الكافر فيموت قبل أن يباع عليه فيرثه بالملك الذي لنفسه؟ ولا بين الحر والعبد ومن فيه بقية رق من مكاتب أو مدبر أو معتق إلى أجل أو أم ولد. وميراث هؤلاء لساداتهم دون قرابتهم إلا أن يعتقوا أو يموت سيد أم الولد، فإن مات سيد أم الولد عتق لها وولد أم الولد من سيدها وولد ابنتها من غير سيدها أيضا يعتقون بموت السيد، فلا ميراث بينهم وبين قراباتهم إلا أن يموت السيد أو يعجل عتقهم. وولد من فيه بقية رق من أمته بمنزلته. ولا يرث المولود حتى يستهل صارخا ولا يورث. ولا يرث قاتل العمد من المال ولا من الدية شيئا. ويرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية، ومما يرثان الولاء جميعا. ولا يرث ولد الزنى ولا المنفي بلعان من أبيه شيئا ولا يرثانه، فإن استلحق الملاعن ابنه جلد الحد ولحق به وورثه. وإن استلحق الزاني ولده من الزنى لم يلحق به إذا كان الزنى في الإسلام. ولا يتوارث من جهل موته مثل أهل البيت يموتون جميعا بغرق أو هدم أو غير ذلك فلا يعلم أيهم مات قبل صاحبه، فيرث كل واحد منهم ورثته من الأحياء ولا يورث بعضهم من بعض. ولا يتوارث من ولد في أرض الشرك مثل المسبيين والمستأمنين إلا أن يثبت نسبهم ببينة أو يكونوا جماعة كثيرة تحملوا فيشهد بعضهم لبعض. ويتوارث توءما المسبية أو المستأمنة بالأب والأم، ولا يتوارث توءما الزانية إلا بالأم. واختلف في توءمي المغتصبة والملاعنة، فالمشهور في توءمي الملاعنة أنهما يتوارثان بالأب والأم، والمشهور في توءمي المغتصبة أنهما لا يتوارثان إلا بالأم. وبالله تعالى التوفيق. فصل في ميراث الخنثى والخنثى المشكل يورث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى على ما ذهب إليه أهل الفرائض، وفي ذلك اختلاف. ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ولا زوجة

стр. 1299

ولا أبا ولا أما. وقد قيل إنه وجد من ولد له من بطنه ومن ظهره، فإن صح ذلك ورث من ابنه لصلبه ميراث الأب كاملا، ومن ابنه لبطنه ميراث الأم كاملا، وهو بعيد. والله أعلم. فصل في فرائض المواريث والفرائض التي فرضها الله في المواريث ست: ثلثان، ونصف، وثلث، وربع، وسدس، وثمن. فإن كان في الفريضة نصف فأصلها من اثنين. وإن كان فيها ثلث وثلثان فأصلها من ثلاثة. وإن كان فيها ربع أو ربع وثلث ما بقي فأصلها من أربعة.، وإن كان فيها ثمن أو ثمن ونصف فأصلها من ثمانية. وإن كان فيها ربع وثلث أو سدس وربع فأصلها من اثني عشر. وإن كان فيها ثمن وسدس أو ثمن وثلث فأصلها من أربعة وعشرين وإن كان فيها سدس وثلث ما بقي فأصلها من ثمانية وعشرين. وإن كان فيها سدس وربع وثلث ما بقي. فأصلها من ستة وثلاثين. فأصول الفرائض تسعة على ما ذكرناه منها، ستة لا تعول، وثلاثة قد تعول. إحداها: فريضة ستة فإنها تعول بالسدس إلى سبعة، وبالثلث إلى ثمانية وبالنصف إلى تسعة وبالثلثين إلى عشرة، وهو أكثر ما تعول به الفرائض. والثانية: فريضة اثني عشر فإنها تعول بنصف السدس إلى ثلاثة عشر، وبالربع إلى خمسة عشر، وبالسدس ونصف السدس إلى سبعة عشر. والثالثة: فريضة أربعة وعشرين فإنها تعول بالثمن إلى سبعة وعشرين. وما كان من الفرائض ليس فيه من له فرض مسمى فأصلها من حيث تنقسم، وذلك ما يجتمع من عدد البنات وضعف عدد البنين إن كان الورثة بنين وبنات،

стр. 1300

وكذلك الإخوة مع الأخوات، أو ما يجتمع من عدد العصبة الوارثين أو الإخوة الذكور أو البنين. فصل والورثة ينقسمون على أربعة أقسام: فمنهم من له فرض مسمى وليس بعاصب، فلا يزاد على فريضته ولا ينقص منها إلا أن يدخل الفريضة عول، وهم الأزواج والزوجات، والأم والجدات، والبنت والبنات، والإخوة والأخوات للأم. ومنهم من له فرض مسمى وهو عاصب، فيرث المال كله إن انفرد، ولا ينقص من فريضته إذا لم ينفرد إلا أن يدخل الفريضة عول، وهو الأب والجد للأب وإن علا. ومنهم من هو عاصب في حال، وهن الأخوات الشقائق واللواتي للأب لأنهن عصبة مع البنات. ومنهم من هو عاصب في كل حال، فيرث المال كله إذا انفرد وما فضل عمن له فرض مسمى إن فضل عن شيء وهم الأبناء وبنوهم، والإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، والموالي والمواليات بولاء العتاقة. باب ميراث الولاء الولاء كالنسب يجب الميراث به عند عدم النسب كما يجب بالنسب، فللمولى المعتق المال كله إذا انفرد، وهو مع من له فرض مسمى عاصب فيما بقي. والموالي ثلاثة: مولى الرجل الذي أعتقه. ومولى أبيه. ومولى أمه.

стр. 1301

فإن كان الرجل حرا معتقا فولاؤه لمولاه الذي أعتقه ثم لمن يجب له ذلك بسببه وهم الأقرب فالأقرب من العصبة الرجال. فأحق الناس بولاء ما أعتق الرجل والمرأة من رجل أو امرأة ابنه ثم ابن ابنه وإن سفل الأقرب فالأقرب، ثم أبوه، ثم بنو أبيه وهم الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا الأقرب فالأقرب، فإن كانوا في درجة واحدة في القرب فالمال بينهم بالسواء إلا أن يكون فيهم شقيق فيكون أحق من الذين لأب. ثم الجد، ثم بنوه وهم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا الأقرب فالأقرب أيضا، فإن كانوا في درجة واحدة وبعضهم شقيق فالشقيق أحق من الذين لأب. ثم أبو الجد ثم بنوه على الترتيب الذي ذكرنا. ثم جد الجد ثم بنوه على الترتيب الذي ذكرنا. ثم أبو جد الجد ثم بنوه وهكذا أبدا إلى ما يمكن أن يعلم ويحصى. وإن كان الرجل حرا لم يعتق وكان أبوه حرا معتقا فولاؤه لمولى أبيه ثم لمن يجب ذلك له بسببه على الترتيب الذي وصفناه في مولاه. وإن كان أبوه حرا أيضا لم يعتق فولاؤه لمولى جده إن كان حرا معتقا ثم لمن يجب له ذلك بسببه أيضا على ما بيناه. فإن كان ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان أبوه عبدا أو كافرا فولاؤه لمولى أمه إن كانت حرة معتقة ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه. فإن كانت حرة لم تعتق فولاؤه لموالي أبيها. وإن كانت ابنة زنى أو منفية بلعان أو أمة أو كافرة فولاؤه لموالي أمها. ومتى استلحق الملاعن ابنه أو أسلم الكافر أو أعتق العبد جر الولاء عن موالي الأم إلى مواليه أو موالي أبيه لأن كل ولد يولد للحر المسلم من الحرة فليس لموالي أمه من ولائه شيء، وولاؤه لمولاه إن كان حرا معتقا أو لمولى من كان من آبائه حرا معتقا، فإن لم يكن فيهم معتق فميراثه لجماعة المسلمين. فإن لم يكن لأحد الموالي الثلاثة عصبة أو كان فانقرضوا رجع الولاء إلى مولى مولاه إن كان مولاه حرا معتقا ثم لمن يجب ذلك له بسببه على الترتيب الذي وصفناه. ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن من الرجال إن كان حرا لم يعتق، أو من النساء إن كان منقطع النسب أو مات أبوه عبدا أو كافرا.

стр. 1302

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وبالله أستعين وعليه أتوكل كتاب العتق ما جاء في العتق قال الله : ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] والمن العتاقة. وقال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]. معنى الكلام فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة لا بفك رقبة ولا بإطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة، لأن "لا" لا تأتي أبدا إلا مكررة، "مثل قوله : ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] ومثل قوله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فجاءت في هذه الآية مفردة لأن المعنى فيها هو ما ذكرناه من تكريرها في الجواب. فتفسير الآية: فلم يقتحم هذا الإنسان الذي ظن أن لن يقدر عليه أحد والله يقدر عليه، وظن أن لم يره أحد والله يراه، وقال إنه أهلك مالا لبدا أي كثيرا، يريد في عداوة النبي ﷺ وقد هداه الله النجدين، أي أراه طريق الخير والشر وأنعم عليه أن جعل له عينين يبصر بهما حجج الله، ولسانا وشفتين يعبر بهما عن نفسه العقبة ولا ركبها ولا اقتحمها ولا جازها لا بفك رقبة ولا بإطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة.

стр. 1303

والعقبة قيل فيها إنها الصراط، وقيل إنها عقبة فيما بين الجنة والنار، وقيل: إنها عقبة في جهنم، وقيل: إنها عقبة على جسر جهنم. وأظهر الأقوال أنها الصراط والله أعلم. والإنسان قيل فيه إنه رجل من بني جمح ذو جلد وقوة يكنى أبا الأشدين. وأعتق أبو بكر الصديق ﵁ سبعة كلهم يعذب في الله، فقال له أبوه أبو قحافة: يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رقابا جلدا يمنعونك ويقومون دونك، فقال أبو بكر: يا أبت إنما أريد ما أريد، فأنزل الله ﵎ في ذلك: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١]. يقول الله ﵎: لم يكن لأحد ممن أعتق عنده يد يكافئه عليها ولا نعمة يجازيه بها، لكن فعل ذلك ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى في الآخرة بجزيل ثواب الله على ذلك ومجازاته عليه. وفي الصحيح من الحديث أن النبي- ﷺ قال: «أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار» ". وروي عنه أنه قال: «أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما جعل الله وجاء كل عظم من عظامه عظما من عظامه محرما من النار. وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة جعل الله وقاء كل عظم من عظامها عظما من عظام محررها من النار». وأنه قال: «من أعتق أمتين كانتا له حجابا من النار». ومن أعتق ذكرا فكذلك. فالرجل يفك رقبته من النار على ما جاءت به الآثار بعتق عبد مسلم أو أمتين مسلمتين. والمرأة تفك رقبتها من النار بعتق أمة مسلمة. «وسئل النبي ﷺ : أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها». فصل وقد اختلف في هذا التفضيل هل هو على عمومه في جميع الرقاب مسلمين

стр. 1304

كانوا أو كفارا، أو هل إنما ذلك عند استوائهما في الكفر والإسلام؟ فروى زياد عن مالك أنه قال: أفضل الرقاب أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ولا أبالي أيهوديا كان أو نصرانيا أو ولد زنى وفي كلٍّ أجر، والأجر في ذلك على قدر ما يجترح من ثمنه ومنفعته لله. وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل من عتق الكافر وإن كان أقل ثمنا منه، وإنما يكون الأعلى ثمنا أفضل عند استوائهما في الكفر والإسلام. وإذا كانت الرقبتان مسلمتين فالأعلى ثمنا أفضل وإن كانت الأخرى أفضل حالا، وهذا التطوع. أما في الرقبة الواجبة فلا يجوز فيها على مذهب مالك ﵀ إلا مؤمنة وفي سماع أصبغ من كتاب الوصايا فيمن قال بعتق خيار رقيقي أنه يعتق أعلاهم ثمنا حتى يستوعب الثلث، ورواه أبو زيد عن ابن القاسم وقال أصبغ: إلا أن يستدل أنه أراد الخيار في الدين فيعتق الأفضل دينا. فصل والعتق ينقسم على وجهين: تطوع وواجب. فالتطوع ما يوقعه المعتق ابتداء بلفظ يوجب العتق دون سبب يقدمه. وأما الواجب فهو ما يوقعه أو يقع لسبب أوجبه. وهو ينقسم على وجهين: مضمون ومعين. فأما المضمون فإنه يجب عند مالك وأصحابه بثلاثة أشياء: أحدها: النذر، وهو أن يقول: لله علي أن أعتق عبدا أو كذا وكذا عبدا أو كل عبد أملكه في بلد كذا أو إلى أجل كذا أو من صنف كذا شكرا على ما أولاه أو على شيء يتمناه. والثاني: اليمين وهو أن يقول: إن فعلت كذا أو كذا أو إن لم أفعله فعلي عتق رقبة أو كذا وكذا رقبة أو كل لما أملكه في بلد كذا أو إلى أجل كذا أو من صنف كذا. والثالث: الفعل الذي أوجب الله تعالى به العتق وهو قتل الخطأ ووطء

стр. 1305

المظاهر منها بعد الظهار. وليس العتق في كفارة اليمين بواجب لأنه مخير بينه وبين الإطعام والكسوة، ثم الصيام لمن لم يجد. وأما المعين فإنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون في ملكه. والثاني: ألا يكون في ملكه. فأما ما كان في ملكه من العبيد فإن العتق يجب فيه بخمسة أشياء، وهي النذر، واليمين، والإيلاء، وعتق البعض منه، والتمثيل. فأما النذر وهو أن يقول: لله علي عتق رقبة عبدي هذا إن فعل الله كذا وكذا وما أشبه ذلك، فيؤمر فيه بالعتق ولا يجبر عليه عند ابن القاسم. وقال أشهب: إن لج وأبى أن يعتقه أعتق عليه. فوجه قول ابن القاسم أن عتقه بغير نية لا وفاء فيه لنذره في إجباره على عتقه تفويت عليه للوفاء بنذره. وأما اليمين فيجبر على العتق متى ما عثر عليه لوجوبه عليه بالحنث، إن كان في الصحة فمن رأس المال، وإن كان في الفرض أو كانت يمينه على حنث فلم يفعل حتى مات فمن الثلث. وأما الإيلاء فيوجب للأمة العتق من رأس المال بعد الموت سواء كان في الصحة أو المرض. وأما عتق البعض من العبد فيوجب على سيده عتق سائره بالحكم ما لم يفلس أو يموت، فإن أفلس أو مات قبل أن يحكم عليه بالعتق لم يعتق. واختلف إن مرض فعثر على ذلك في المرض، فقيل: يعتق عليه في الثلث في مرضه، وقيل: لا يعتق عليه فيه إلا بعد الموت. وقيل: إن كان له مال مأمون أعتق عليه في مرضه، وإن لم يكن له مال مأمون لم يعتق عليه حتى يموت. وقيل: لا يعتق عليه حتى يصح، فهي أربعة أقوال قائمة كلها من المدونة.

стр. 1306

فصل واختلف إن أعتق بعض عبده في مرضه فقيل: يعتق عليه جميعه في مرضه من الثلث. وقيل: يوقف ولا يعتق إلا بعد الموت من الثلث، كانت له أموال مأمونة أو لم تكن. وقيل: إنما هذا إذا لم تكن له أموال مأمونة، فإن كانت له أموال مأمونة عجل عتقه من رأس ماله، وهذا الاختلاف كله في المدونة. فصل وهكذا حكم من مثل بعبده في الصحة أو المرض فلم يعثر عليه حتى مرض أو مات أو أفلس، لأن العبد لا يكون حرا بنفس المثلة حتى يحكم عليه بالعتق. فصل وأما ما لم يكن في ملكه من العبيد فإن العتق يجب عليه فيه إذا ملكه بخمسة أشياء، وهي: النذر، واليمين، وأن يكون ممن لا يحل له ملكه من أقاربه، وأن يمثل بعبد يملك بعضه فيوجب ذلك عليه عتق جميعه حظه وحظ شريكه بالحكم لا بنفس المثلة، وأن يعتق حظه من عبد بينه وبين شريكه فيوجب ذلك عليه عتق حظ شريكه إذا اشتراه أو تقويمه عليه إن لم يشتره على ما ثبت في الحديث المأثور في ذلك عن النبي ﵇. فصل واختلف إن لم يعثر عليه حتى مرض أو مات، فقيل إنه لا يقوم عليه بعد الموت ولا في المرض، قاله بعض رواة مالك في المدونة. وقيل: إنه يقوم في المرض ويعتق عليه فيه. وقيل إنه إنما يقوم عليه بعد الموت في الثلث. وقيل: إنه إن كان له مال مأمون قوم عليه في مرضه، وإن لم يكن له مال مأمون لم يقوم عليه إلا بعد موته. وقيل: إنه يقوم عليه في مرضه ولا يعتق عليه فيه حتى يموت، فإذا مات عتق في ثلثه إن حمله الثلث، وإن لم يحمله كان ما بقي لورثته. وقيل: إنه لا يقوم عليه في مرضه وتعرف قيمته، فإن مات من مرضه ذلك ولم يصح منه كانت تلك

стр. 1307

القيمة بعد الموت في الثلث. وقيل إنه إن مات بحدثان ذلك ولم يَطُل قُوِّم عليه وأعتق من رأس ماله، وهي رواية أشهب عن مالك في العتبية، ورواية مطرف وابن الماجشون عنه في الواضحة. فصل وأما إن أعتق حظه من عبد بينه وبين شريكه في المرض ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يعجل عليه التقويم في المرض من الثلث. والثاني: أنه لا يعجل ذلك عليه حتى يموت. والثالث: الفرق بين أن يكون له مال مأمون أو لا يكون له مال مأمون؛ فإن كان له مال مأمون قوم عليه في المرض، وإن لم يكن له مال مأمون لم يقوم عليه حتى يموت، وهذا الاختلاف كله في المدونة. والرابع: أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه إلا من رأس ماله إن صح، وإن لم يصح لم يقوم في الثلث على حال وعتق عليه فيه حظه وحده، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة. فصل وتحصيل هذه المسألة بتلخيص أن تقول فيها: اختلف في الرجل يعتق شقصا من عبده أو شقصه من عبد بينه وبين شريكه في صحته ثم يمرض قبل أن يعتق عليه بقية عبده أو قبل أن يقوم عليه حظ شريكه فيعثر على ذلك في مرضه على ثلاثة أقوال: أحدها: قول ابن القاسم في المدونة: إنه يعتق عليه بقية عبده، ويقوم عليه حظ شريكه في الثلث. قيل: في المرض، وقيل: بعد الموت لا في المرض، وقيل: إن كانت له أموال مأمونة أعتق عليه بقية عبده في المرض وقوم عليه حظ شريكه في الثلث. وإن لم تكن له أموال مأمونة لم يعتق عليه بقية عبده، ولا يقوم حظ شريكه

стр. 1308

إلا بعد موته. وقيل: إنه إذا أعتق شقصه من عبد بينه وبين شريكه يحكم عليه بالتقويم في المرض ولا يعتق حتى يموت، فإن مات أعتق في ثلثه حظ شريكه الذي قوم عليه أو ما حمل الثلث منه ويبقى شريكه عليه في المرض إلا برضاه، إذ لا يدري هل يخرج من الثلث أم لا. فمن حجته ألا يقوم نصيبه سائره رقيقا لورثته، وهو قول أصبغ. والنظر يوجب ألا يعجل تقويم نصيب إلا إلى عتق متيقن. وقد قيل: إنه تعرف قيمته في المرض ولا يقوم عليه حتى يموت، فإن مات جعلت تلك القيمة في ثلثه، فإن لم يحملها الثلث نفذ من ذلك ما حمل الثلث وما لم يحمل الثلث بقي رقيقا للشريك الذي لم يعتق. والثاني: قول بعض الرواة في المدونة: إنه لا يعتق عليه في الثلث بقية عبده ولا يقوم عليه فيه حظ شريكه. والثالث: قول ابن الماجشون في الواضحة إنه يقوم عليه في الثلث حظ شريكه على ما ذكرناه من الاختلاف في تعجيل التقويم أو تأخيره ولا يعتق عليه فيه بقية عبده. واتفقوا فيما علمت أنه إن لم يعثر على ذلك حتى مات أنه لا يعتق عليه بعد الموت بقية عبده ولا يقوم عليه حظ شريكه لا من رأس المال ولا من الثلث، وهذا إذا طال، واختلف إذا لم يطل على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يعتق عليه بعد الموت بقيته ولا يقوم عليه حظ شريكه لا من رأس المال ولا من الثلث، وهو ظاهر ما في المدونة. والثاني: أنه يقوم عليه بعد الموت حظ شريكه إن كان موته بحدثان عتق نصيبه؛ لأن ذلك حق قد وجب لشريكه، ولا يعتق عليه بقية عبده إن كان العبد كله له، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتبية، وفي رواية مطرف وابن الماجشون عنه في الواضحة. والثالث: أنه يعتق عليه بعد الموت بقية عبده إن كان العبد كله له ويقوم عليه نصيب شريكه إن غافلة الموت. حكى هذا القول ابن حبيب عن مالك وأصحابه

стр. 1309

ولم يذكر فيه اختلافا. وظاهر ما في المدونة يخالفه وأما التفليس فلا اختلاف في أنه يسقط التقويم والتتميم. وأما إن أعتق الرجل شقصا من عبده أو شقصه من عبد بينه وبين شريكه في المرض فلا خلاف بينهم في أن ذلك كله يكون من الثلث ما أعتق منه وما بقي إن مات من ذلك المرض ولم يصح منه. واختلف هل ينظر في ذلك في حال المرض أو يؤخر النظر فيه حتى يموت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ينظر في ذلك في حال المرض فيعتق جميع العبد في الثلث إن كان له، ويقوم عليه كحظ شريكه فيه إن كان له فيه شريك. والثاني: أنه لا ينظر في ذلك إلا بعد الموت. والثالث: الفرق بين أن يكون له مال مأمون أو لا يكون له مال مأمون، فإن كان له مال مأمون عتق عليه في المرض جميعه إن كان له، وقوم عليه فيه حظ شريكه إن كان له فيه شريك. وإن لم يكن له مال مأمون لم ينظر في ذلك إلا بعد الموت وهو أحد قولي مالك في المدونة. وذهب ابن الماجشون إلى أنه إذا أعتق شقصا له من عبد في مرضه لم يقوم عليه حظ شريكه في المرض ولا بعد الموت إن مات من مرضه ذلك ولم يصح، بخلاف إذا كان العبد كله له فأعتق بعضه، وبالله التوفيق. وهو المستعان. فصل وحال إيقاع العتق ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: العتق في الصحة. والثاني: العتق في المرض. والثالث: العتق بعد الموت.

стр. 1310

فصل فأما العتق في الصحة فإنه يكون على وجوه، مُبَتَّلا، أو مؤجلا بغير يمين، وبيمين. فأما المبتل بغير يمين فهو أن يقول: عبدي حر. ولا يزيد على ذلك، أو يقول: هو حر لله، أو: هو حر لوجه الله؛ أو يقول: هو لله، أو: لوجه الله. ولا يقول: حر. وكذلك إن قال ذلك في عضو من أعضائه فإن الحرية تلزمه بذلك في جميعه كالطلاق سواء. فإن قال: كلامه حر أو شعره حر أو ما أشبه ذلك مما يبين منه وينفصل عنه جرى ذلك على الاختلاف في الطلاق، فيلزمه العتق على مذهب أصبغ، ولا يلزمه ذلك على مذهب سحنون. فصل وإن قال: أنت سائبة فمذهب ابن القاسم أنه حر إن أراد بذلك الحرية وولاؤه لجميع المسلمين، وذلك مكروه عنده لنهي رسول الله عه عن بيع الولاء وهبته. وقال أصبغ: ذلك جائز ولا كراهية فيه كالذي يعتق عبده عن غيره فيكون الولاء للمعتق عنه ولا يكره ذلك له، وهو حر أراد الحرية أو لم يردها. وقال ابن الماجشون: لا يجوز عتق السائبة، فإن فعل فالولاء له إن عرف، وإن جهل فولاؤه لجميع المسلمين. وبالله التوفيق. فصل وأما المؤجل بغير يمين فإنه على وجهين: أحدهما: أن يكون الأجل مجهولا. والثماني: أن يكون معلوما. فأما المجهول فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يجهل إتيانه فلا يُدرَى إن كان يأتي أو لا يأتي لجواز الوجهين جميعا من غير أن يغلب أحدهما على صاحبه، أو يكون الأغلب منهما أنه لا يأتي. والثاني: أن يجهل إتيانه فلا يدرى إن كان يأتي أو لا يأتي والأغلب أنه يأتي.

стр. 1311

والثالث: أن يجهل وقت إتيانه ويعلم أنه يأتي. فأما القسم وهو أن يجهل إتيانه لاحتمال أن يأتي وألا يأتي من غير أن يغلب أحد الأمرين على صاحبه، أو يكون الأغلب منها أنه لا يأتي، مثل أن يقول: إذا قدم فلان فأنت حر وما أشبه ذلك فإن العتق في ذلك ليس بواجب للعبد إلا أن يأتي الأجل وسيده حي لم يمت ولا خرج عن ملكه. وقد اختلف إذا أراد السيد أن يبيعه هل له ذلك أم لا على قولين: أحدهما: أن ذلك ليس له، وهو قول مالك في المدونة. والثاني: أن ذلك له، وهو قول ابن القاسم فيها. وأما القسم الثاني وهو أن يجهل إتيانه فلا يدرى إن كان يأتي أو لا يأتي وإلا غلب أنه يأتي، مثل أن يقول: عبدي حر إذا وضعت فلانة وهي حامل. وإذا حاضت الغير يائسة من المحيض. أو إذا خسفت الشمس أو القمر وما أشبه ذلك، فحكمه عند أشهب حكم القسم الأول على أصله في مساواته بينهما في الطلاق. فإذا حاضت فلانة أو وضعت أو خسفت الشمس والقمر على مذهبه في صحته كان حرا من رأس المال، وإن حاضت في مرضه كان حرا من الثلث، وإن لم تحض إلا بعد موته فلا حرية له، وذلك له منصوص عليه في سماع أبي زيد من كتاب الولاء. وروى مثله ابن وهب عن مالك. وأما على مذهب ابن القاسم فالعبد معتق إلى وضع فلانة وما أشبه ذلك من رأس المال وضعت في حياة المعتق أو بعد وفاته، على أصله فيمن طلق زوجته إلى مثل ذلك الأجل أن الطلاق يعجل عليه كالأجل الآتي لا محالة. وأما القسم الثالث وهو أن يجهل وقت إتيانه ويعلم أنه يأتي مثل قوله إذا مات فلان أو إذا أمطرت السماء أو ما أشبه ذلك فأنت حر؛ فإن هذا يكون العبد حرا إلى ذلك الأجل من رأس المال، أتى الأجل قبل موت السيد أو بعده، وليس له أن يبيع

стр. 1312

ولا يطأ إن كانت أمته، وما ولد له من أمته من ولد أو لها إن كانت أمة دخل في اليمين، ولا خلاف في هذا القسم بينهم. وبالله التوفيق. فصل وأما الأجل المعلوم وهو مثل أن يقول: أنت حر إلى شهر أو إلى سنة أو إلى سنتين أو ما أشبه ذلك فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن لا يبلغه عمر واحد منهما أو لا يبلغه عمر العبد. والثاني: أن يبلغه عمرهما جميعا. والثالث: أن يبلغه عمر العبد ولا يبلغه عمر السيد. فأما إذا لم يبلغه عمر واحد منهما أو لم يبلغه عمر العبد فلا حرية له، لأنه بمنزلة من قال لعبده: أنت حر بعد موتك. وأما إذا بلغه عمرهما جميعا فهو معتق إلى ذلك الأجل من رأس المال، وليس له بيعه، ولا وطؤها إن كانت أمة. وأما إن بلغه عمر العبد ولم يبلغه عمر السيد فإنه بمنزلة المدبر يعتق إلى ذلك الأجل من الثلث ولا يرده الدين المستحدث إلا بعد الموت. فصل فإن كان العتق المبتل أو المؤجل بيمين فإن الحالف يلزمه إذا حنث من بتل أو عتق إلى أجل بغير يمين إلا في وجه واحد فإن قول مالك اختلف فيه، وذلك إذا حلف الرجل على عبده بحريته ألا يفعل فعلا فحنثه وفعل ذلك الفعل. واختلف في ذلك قول عمر بن عبد العزيز، رويت عنه في ذلك قضيتان، قضى أولا بعتق العبد، ثم قضى بإرقاقه وقال: أخاف أن يكون ذلك ذريعة للعبيد إلى عصيان سادتهم، وقال به بعض الناس في الطلاق، ووقع مثله في المبسوطة لأشهب، وفي مواضع أخر منها، منها قول مالك وأصحابه إن الطلاق يلزم.

стр. 1313

فصل وإنما لزم العتق باليمين لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] واليمين بالعتق من العقود، فوجب الوفاء به. وهذا صحيح على أصل مالك ﵀ لأن أصل مذهبه أن كل من حلف بما لله فيه طاعة يلزمه في اليمين كما يلزمه في النذر، ومن حلف بما ليس لله فيه طاعة أو له فيه معصية فلا يلزمه في اليمين كما لا يلزمه في النذر، لقول رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». فصل ولا يخرج على هذا الأصل إلا الطلاق، فإن الطلاق يلزم باليمين ولا يلزم بالنذر. وإنما كان ذلك لأن القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار قد أوجب الطلاق على نفسه بشرط دخول الدار، فهو بمنزلة أن يوجبه على نفسه ابتداء بغير شرط. والطلاق ليس مما ينذر لله ولا يتقرب به إليه فلذلك لم يلزم بالنذر. فصل ولزوم الطلاق باليمين مما أجمع عليه أهل العلم واتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه. وأما العتق وسائر أفعال البر بيمين فإن أهل العلم اختلفوا في لزوم ذلك اختلافا كثيرا. فمنهم من لم يلزم شيئا من ذلك باليمين وأوجب على الحالف به كفارة يمين. ومنهم من لم يلزمه شيئا من ذلك باليمين ولا أوجب عليه كفارة يمين. وعلة من لم يلزم شيئا من ذلك باليمين أن الحالف بها لم يرد النذر بذلك ولا القربة به، وإنما قصد إلى منع نفسه مما حلف عليه. فلا يلزمه أن يخرج لله مما لم يرد به القربة إليه، لقول رسول الله ﷺ : «الأعمال بالنيات». وقوله: «من كانت هجرته إلى الله

стр. 1314

ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». فصل ولو خرجت يمينه بشيء من هذه الأشياء مخرج النذر لله والشكر له لَلَزِمته باتفاق وإجماع. وذلك مثل أن يحب الولد أو قدوم أبيه أو دخول مكة وما أشبه ذلك فيقول: إن رزقني الله ولدا، أو قدم أبي، أو وصلت إلى مكة فعلي كذا وكذا لشيء يذكره من صيام أو صدقة أو مشي أو عتق أو ما أشبه ذلك. ومنهم من ألزم العتق باليمين قياسا على الطلاق ولم يلزم سائر الطاعات به. وليس بقياس صحيح، لأن الطلاق ليس مما ينذر لله ويوفى له به ويتقرب إليه. ومنهم من ألزم العتق وسائر الطاعات التي يتقرب بها إلى الله باليمين قياسا على النذر، وهو قول مالك وأصل مذهبه. وقد شذت له مسائل عن هذا الأصل يجب ردها بالقياس عليه: من ذلك قوله: إن من حلف بصدقة شيء من ماله على رجل بعينه إنه يؤمر بذلك ولا يجبر عليه بالحكم، ولا فرق في القياس بين ذلك وبين أن يحلف بعتق عبد بعينه، وإنما فرق بينهما مراعاة لقول من لا يوجب عليه الصدقة باليمين وقوة الاختلاف في ذلك. فصل واليمين بالعتق على وجهين: أحدهما: أن يحلف على فعل نفسه. والثاني: أن يحلف على فعل غيره. فأما الوجه الأول وهو أن يحلف على فعل نفسه فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يحلف ألا يفعل فعلا. والثاني: أن يحلف أن يفعله.

стр. 1315

فأما الوجه الأول وهو أن يحلف بعتق عبده ألا يفعل فعلا فإنه على بر، وله أن يبيع العبد ويطأ الأمة إن كانت أمة. فإن لم يخرج العبد أو الأمة من ملكه حتى فعل الفعل الذي حلف عليه ألا يفعله لزمه الحنث وعتق عليه العبد أو الأمة. واختلف قول مالك ﵀ فيما ولد للعبد من أمته أو للأمة من ولد بعد اليمين هل يدخل في العتق أم لا على قولين واختار ابن القاسم وأصبغ ألا يدخل الولد في اليمين لأنه على بر. وأما الوجه الثاني وهو أن يحلف أن يفعل فعلا فإنه لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يضرب أجلا. والثاني: ألا يضرب أجلا. فأما إن ضرب أجلا فليس له أن يبيع حتى يحل الأجل لأنه مرتهن باليمين. واختلف قول ابن القاسم هل له أن يطأ إن كانت أمة على قولين: فله في المدونة أن له أن يطأ لأنه على بر. وروى عنه عيسى أنه ليس له أن يطأ وهو قول بعض الرواة في المدونة لأنه لا يجوز له أن يطأ إلا ما له أن يبيع. وأما إذا لم يضرب أجلا فليس له أن يطأ ولا يبيع لأنه على حنث، وما ولد لها من ولد، أو له من أمته إن كان عبدا فإنهم يدخلون في اليمين. هذا هو المشهور في المذهب من قول مالك وأصحابه. وقال المغيرة: إنهم لا يدخلون في اليمين. وقد وقع في المبسوطة أن قول مالك اختلف في ذلك، وهو وهم في الرواية والله أعلم. وإنما اختلف قول مالك في الذي يكون الحالف به على بر على ما قدمناه، وبالله التوفيق. فصل فإذا باع العبد أو الأمة قبل أن يبر فيهما بما حلف عليه رد البيع ووقفت حتى يبر أو يموت فيعتق في ثلثه، إلا أن يفوت عند المشتري بعتق أو اتخاذ أم ولد. ففي سماع عيسى أنها لا ترده وفي سماع أصبغ أنها ترد إلى البائع ويرد الثمن على المشتري.

стр. 1316

فصل وأما الحالف على فعل غيره فلا يخلو أيضا من وجهين: أحدهما: أن يحلف عليه بعتق عبده ألا يفعل فعلا. والثاني: أن يحلف عليه بعتق عبده أن يفعل فعلا. فأما إذا حلف عليه ألا يفعل فعلا مثل أن يقول: عبدي حر إن دخل فلان الدار أو إن قدم أبي وما أشبه ذلك، فهو كالحالف على نفسه ألا يفعل فعلا بعتق عبده. وأما إذا حلف عليه بعتق عبده أن يفعل فعلا، مثل أن يقول عبدي حر إن لم يحج أبي أو إن لم يقدم فلان أو إن لم يهب لي دينارا وما أشبه ذلك. فإن سمى أجلا كان ذلك كالحالف على فعل نفسه في جميع الوجوه، وإن لم يسم أجلا فإن قول ابن القاسم اختلف في ذلك، فمرة قال: إنه كالحالف على نفسه في الوجوه كلها، ومرة جعله بخلاف الحالف على نفسه فقال: إنه يُتلوم له على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه. واختلف هل له أن يطأ إن كانت أمة في أيام التلوم، فقال ابن القاسم: لا يطأ، وإن مات عتقت في ثلثه؛ لأنه مات على حنث وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إنه يطأ في أيام التلوم، وهو على قياس قوله في المدونة: إنه لا يعتق إذا مات في التلوم. ومرة فرق بين قوله: عبدي حر إن لم يحج فلان، وعبدي حر إن لم يهب لي فلان دينارا، فيتلوم له في قوله: عبدي حر إن لم يهب لي فلان دينارا، ولا يتلوم له في قوله: عبدي حر إن لم يحج فلان، ولكن يمنع من بيعه ومن الوطء إن كانت أمة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الأيمان بالطلاق من العتبية. فصل وإذا أنذر الرجل العتق فقال: لله علي أن أعتق عبدي هذا، أو: لله علي نذر عتق عبدي هذا، أو قال: لله علي عتق رقبة أو نذر عتق رقبة، فإن ذلك لازم لقول رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». إلا أنه لا يحكم عليه بعتقه على مذهب مالك. وإنما لم يحكم عليه

стр. 1317

بعتقه على مذهبه لأن العتق لم يقع عليه بعد. وإنما نذر أن يعتقه فوجب عليه الوفاء لله بنذره، والوفاء لا يحصل إلا بنية التقرب بعتقه والوفاء لله بنذره. فلو أعتق عليه بغير اختياره لم يكن ذلك وفاء لنذره لعدم نيته التقرب بعتقه، وكان قد حيل بينه وبين الوفاء بالنذر، إذ لا يستطيع أن يعتقه مرة أخرى إن كانت الرقبة بعينها، فهذه علة مالك في منعه من الحكم عليه بالمعتق. والله أعلم. وقال أشهب: يؤمر أن يعتقه، فإن وعد بذلك ترك وتلوم له، وإن أبى من عتقه وقال: لا أعتقه ولا أفي لله بنذري فيه؛ عتق عليه. وقول مالك هو القياس، ومذهب أشهب استحسان. وكذلك لو نذر أن يعتق رقبة معينة لم يحكم عليه بعتق رقبة لأنه لو حكم عليه بها لم تجزه عن الرقبة الواجبة عليه وكان عليه أن يعتق رقبة ثانية بنية التقرب لله والوفاء بالنذر. فصل وأما العتق في المرض فيكون في الثلث بإجماع من أهل العلم، ويوقف حتى يموت ولا ينفد عتقه في حال المرض إلا أن تكون له أموال مأمونة على الاختلاف في مراعاة المال المأمون. والأصل في ذلك ما ثبت «أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته فأسهم رسول الله ﷺ بينهم فأعتق ثلث تلك الرقيق». وإنما اختلف الناس في هبات المريض وصدقاته، فالذي ذهب إليه مالك وفقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن ذلك من الثلث. وذهب أهل الظاهر إلى أن هباته وأعطياته جائزة، وأن تصرفه صحيح في ماله. ودليلنا العتق أنه من الثلث، وهبة المريض لوارثه أنها لا تجوز. وإنما لم تجز له الهبة في المرض لأن الوصية لا تجوز له، فكذلك الأجنبي لا يكون له أكثر من الثلث، لأن الزائد على الثلث لا يجوز له بعد الوصية. فإن عارض معارض في هبة المريض لوارثه دليلنا عليه بإجماع الصحابة في قول أبي بكر لعائشة: لو حددته أو حزته لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث. فصل وأما العتق بعد الموت فإنه من الثلث بإجماع، وهو يكون على أربعة أوجه:

стр. 1318

وجهان لا يصح الرجوع فيهما، وهو المدبر في الصحة والمدبر في المرض. ووجهان يصح الرجوع فيهما، وهما الوصية بالعتق، واليمين التي يكون فيها على حنث بالعتق، لأن الرجوع عنه بأن يبر بفعل ما حلف عليه ليفعلنه. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1319

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وعلى آله وبالله أستعين وعليه أتوكل كتاب المكاتب فصل في اشتقاق المكاتب الكتابة عتق الرجل عبده أو أمته على مال يؤديه إليه. وأخذت تسمية ذلك كتابةً من كتب السيد لعبده بذلك كتابا. وكانت الكتابة متعارفة بين الناس في الجاهلية قبل الإسلام، فأقرها الله تعالى في شرع نبيه محمد ﵇. فالأصل في جواز الكتابة كتاب الله وسنة نبيه- ﷺ وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. وأما السنة فمنها ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم». وما روي عنه أنه قال: «من كان مكاتبا على مائة درهم فقضاها كلها إلا عشرة دراهم فهو عبد أو قال: على مائة أوقية فقضاها كلها إلا أوقية واحدة فهو عبد». وهذا كالنص منه ﷺ في

стр. 1320

جواز المكاتبة لأن تعليق الأحكام بها يفيد جوازها. وأما الإجماع فلا خلاف بين الأمة أن الكتابة جائزة بين العبد وسيده إذا كانت على شروطها الجائزة. وإنما اختلفوا في شروطها وفي أحكامها، وفي وجوبها على السيد إذا دعا إليها العبد، وفي لزومها للعبد إذا أباها ورد ذلك السيد على ما سنورده إن شاء الله تعالى. فصل وأول مكاتب كان في الإسلام «سلمان الفارسي، كاتبه أهله على مائتي وَدِيَّة يحييها لهم، فقال له رسول الله- ﷺ : إذا غرستها فأذنني، فلما غرسها أذنه فدعا له فيها فلم تمت منها ودية واحدة». وقيل: إن أول مكاتب كان في الإسلام مكاتب يكنى أبا مؤمل قال رسول الله ﷺ : «أعينوا أبا مؤمل فأعتق فقضى كتابته وفضلت عنده فضلة فاستفتى رسول الله ﵇ فقال: أنفقها في سبيل الله». وقد كان يقال: المكاتب مهيأ له الخير. وقيل: إن أول مكاتب كان في الإسلام مكاتب لعمر بن الخطاب يكنى أبا أمية، فلما أتاه بأول نجم من نجومه قال له عمر بن الخطاب: خذه فاستعن به في سائر نجومك، فقال له: أخر ذلك إلى آخر نجم، فقال له: أخشى ألا أدرك ذلك. فصل فأما قول الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فإنه أمر والمراد به الندب والإرشاد لا الوجوب والإلزام على مذهب مالك ﵀ وجمهور أهل العلم. ومن مذهب مالك ﵀ أن الأوامر محمولة على الوجوب لأنه الأظهر

стр. 1321

من محتملاتها إلا أن يدل الدليل على أن المراد غير الوجوب من ندب أو إباحة أو نهي أو تعجب أو دعاء، لأن هذه المعاني كلها قد ترد بلفظ الأمر. قال الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] فهذا أمر والمراد به الإباحة. وقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] فهذا أمر والمراد به الندب والإرشاد وقال: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] هذا أمر والمراد به النهي. وقَوْله تَعَالَى لإبليس: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] فهذا أمر والمراد به التعجب. وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فهذا أمر والمراد به الرغبة والطلبة، لأن أمر أحد لا يتوجه إلا لمن دونه. فصل والدليل على أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] الندب لا الوجوب إجماعٌ للأمة على أنه غير واجب على أحد أن يعتق عبده ولا أن يبيعه. والكتابة لا تخلو من أن تكون عتقا أو بيعا منه لعبده، وهي إلى العتق أقرب، لا ينتزع ماله ويعتقه، وقد كان له أن ينتزعه ولا يعتقه، مع الإجماع أيضا على أنه ليس على من ملك العبد أن يأذن له في التجارة، والكتابة إذن له منه فيها. ومما دل

стр. 1322

على ذلك رده أمر العبيد إلى السادة بقوله : ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فلم يجعل للحكام في ذلك مدخلا، وما ليس للحكام فيه مدخل فيما تنازع الناس فيه ليس بواجب، وإذا لم يجب ارتفع التنازع. فصل فإذا سقط الوجوب ثبت أنه على الندب لأنه يفضي إلى العتق، والعتق فيه أجر وثواب. ولم يصح أن يقال إنه على الإباحة لأن الإباحة إنما تكون فيما لا أجر فيه ولا ثواب. وإن كان مالك ﵀ قد احتج بقوله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وإنما احتج بذلك لإسقاط الوجوب وهو الذي أراد، وبالله التوفيق. فصل وقد اختلف في الخير الذي عنى الله في هذه الآية ما هو؟ فقالت طائفة: المال، وقالت طائفة: القوة على الأداء، وقالت طائفة: الأمانة والدين، وقالت طائفة: الصدق والوفاء. وهذان القولان متقاربان في المعنى لأن الأمانة والصدق والوفاء من الدين. فيتحصل في الخير الذي عناه الله بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الخير في الدين من الصلاح والعفاف وإن لم يكن له مال ولا قدرة على الاحتراف والكسب وكان إنما يؤدي كتابته مما يسأل ويتصدق به عليه، وهذا هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب. والثاني: أنه القوة على الأداء بالتحرف والكسب وإن لم يكن له مال. وأما إن

стр. 1323

لم تكن له قدرة على التحرف والكسب وكان إنما يؤدي كتابته إن كوتب مما يتصدق به عليه فيكره لسيده أن يكاتبه إذا سأله ذلك. وهذا مذهب عبد الله بن عمر قال: يعطني أوساخ الناس. والثالث: أنه يكون له مال، روي ذلك عن ابن عباس، وهذا أضعف الأقوال لأن الله قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] ولم يقل: إن علمتم لهم خيرا. فصل وكذلك قوله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] هو على الندب لا على الوجوب. ومعناه عند مالك ﵀ أن يضع عنه من أجر كتابته شيئا يتعجل به عتقه. والذي يدل عليه أنه غير واجب أن الله لم يحد فيه حدا في كتابه ولا على لسان نبيه- ﵇ ولو كان فرضا لكان محدودا؛ لأن الفرض لا يكون غير محدود بكتاب أو سنة. فلما لم يوجد ذلك في الكتاب ولا ثبت فيه خبر مرفوع عن النبي ﵇ دل على أن الناس يؤمرون به ولا يجبرون عليه بالحكم، كالمتعة التي أمر الله بها فقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَقَالَ ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فاستدل بهذه الآيات على أنها غير واجبة لكونها مطلقة غير محدودة في الكتاب ولا في السنة.

стр. 1324

وقد قال بعض الناس: يوضع عنه الربع من كتابته، وقائل هذا القول لم ير ذلك واجبا. واختار بعض الناس أن يوضع عنه آخر نجم من نجومه. ومنهم رأى أن يعطيه من عنده من غير مال الكتابة. وقد قيل: إن الخطاب في ذلك إنما هو للولاة أن يعطوهم من الزكاة لا للسادة لقول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وقد روي أن رسول الله- ﷺ قال: «من أعان مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». فصل فليس على السيد أن يكاتب عبده إذا ابتغى ذلك منه بقليل ولا بكثير وإن علم فيه خيرا، ولا أن يضع عنه إن كاتبه شيئا إلا أن يشاء. هذا قول مالك وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم. ومن أهل العلم من حمل أمر الله تعالى بالكتابة على الوجوب، وهم أهل الظاهر فقالوا: يلزم الرجل أن يكاتب عبده إذا ابتغى منه الكتابة بقيمته فأكثر، وروي ذلك عن ابن عباس. والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ وجمهور أهل العلم على ما بيناه. وذهب الشافعي إلى أنه لا يجب على السيد أن يكاتب عبده إذا سأله ذلك، وأنه إذا كاتبه وجب أن يجبر على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ما كان. قال: وهذا والله أعلم عندي مثل قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] لأن من مذهبه إيجاب المتعة. قال: فإن مات السيد قبل أن يضع جبر ورثته على ذلك، وإن كانوا صغارا وضع عنهم الحاكم أقل ما يقع عليه اسم الشيء في كتابته فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل وليس اسم الشيء من كتابته، فجعل الشافعي

стр. 1325

الفرع أوجب من الأصل. وليس يكاد شيء من كلام العرب يعطف بعضه على بعض يكون أوله غير واجب وآخره واجبا، هذا لا يكاد يعرف. وإنما المعروف من كلامهم أن يكون أوله واجبا وآخره غير واجب. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] فبدأ بالعدل وهو واجب، ثم ذكر الإحسان بعده وهو غير واجب. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فيبدأ بالواجب ثم ذكر التفضل بعده. فصل ومما يدل على فساد قول الشافعي أن الشيء المعلوم إذا أسقط منه شيء مجهول عاد مجهولا غير معلوم، فكيف يصح أن يُكتَب على العبد أربعة آلاف درهم في التمثيل ويُشهد بها عليه وهي أقل من أربعة آلاف قد حلموا على ذلك وحكم الكتاب أن يكون عدلا بين المتعاملين وإن كان الذي كتب السيد على عبده وأشهد به عليه حقا فليس يجب أن يسقط عن العبد شيء منه، وإن كان باطلاً فالكتابة منفسخة، وما أشهدا به على أنفسهما كذب. وأيضا فإن الشافعي يزعم أن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم فإن كان يعني من جميع ما كاتبه عليه فقد ترك قوله، وإن كان يعني مما تبقى عليه من الكتابة بعد وضع ما يجب وضعه، فالواجب أن يكون ما يوضع عنه معلوما في أصل الكتابة حتى يعلم الحال التي يعتق فيها من الحال التي لا يعتق فيها، لأنها حال معلومة تتعلق بها أحكام كثيرة، فلا بد أن تكون معلومة كما كانت الكتابة معلومة، والشافعي يجعلها مجهولة.

стр. 1326

فصل وإذا قال: إن الذي يجب أن يسقط عنه من آخر كتابته أقل ما يقع عليه اسم شيء فقد يجوز أن يجعله دانق فضة من عشرة آلاف درهم أو حبة. وتأويل أمر الله على هذا بعيد لا يجوز في عقل عاقل، ولو أنعم النظر قائل هذا القول لما قاله، والله أعلم. فصل ومن مذهب الشافعي أن المكاتب لا يعتق بأداء جميع الكتابة إلا أن يشترط جميع ذلك لنفسه في عقد الكتابة. وعند مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وجمهور أهل العلم أن المكاتبة يعتق إذا أدى جميع الكتابة وإن لم يشترط ذلك، ولا يضره عندهم ألا يقول له مولاه في حين كتابته إذا أديت إلي جميع كتابتك فأنت حر لأن ذلك مفهوم من فعلهما وقصدهما وإن لم يذكراه. فصل وفقهاء الأمصار متفقون على أن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء على ما ورد في السنة الثابتة عن النبي- ﷺ . وأما السلف قبلهم فقد روي عنهم في ذلك اختلاف كثير. منه أن المكاتب إذا عقدت له الكتابة فهو غريم من الغرماء لا يرجع إلى الرق أبدا لأنه قد ابتاع نفسه من سيده بثمن معلوم إلى أجل معلوم، وهذا قول شاذ ترده السنة الثابتة عن النبي ﵇ في قصة بريرة من حديث عائشة وغيرها، رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه «عن عائشة أنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كل عام أوقية، فأعينيني فقالت عائشة: إن أحب أهلك [أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. وفي حديث يحيى ابن سعيد

стр. 1327

عن عمرة عن عائشة إن أحب أهلك] أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك فعلت». فهذا يدل أن المكاتب عبد ما لم يؤد كتابته، وأنه لو كان بعقد كتابته حرا غريما من الغرماء لم يجز بيعه عند أحد من العلماء. وقول ثان أنه إذا عجز يعتق منه بقدر ما أدى ويورث ويرث، ويؤدي إن قتل بقدر ما أدى. وفي هذا حديث يرويه ابن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية حر وبقدر ما رق منه دية عبد». وهو قول علي بن أبي طالب. وقول ثالث: أنه إذا شطر كتابته فهو غريم من الغرماء لا يرجع إلى الرق أبدا. وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب ﵁. وقول رابع: أنه إذا أدى الثلث فهو غريم من الغرماء، روي ذلك عن ابن مسعود وشريح، وقول خامس: أنه إذا أدى الثلاثة الأرباع فهو غريم، روي ذلك عن عطاء. وقول سادس: أن المكاتب إذا أدى قيمته فهو غريم، روي هذا أيضا عن ابن مسعود وشريح. فصل واختلف هل للسيد أن يجبر عبده على الكتابة أم لا على قولين، فروي عن مالك أن له أن يكاتبه كرها، حكاه عنه إسماعيل القاضي في كتاب الأحكام له، وهو الذي يأتي على مذهبه في المدونة، لأنه إذا كان له أن يعتقه بتلا على مال يجعله- عليه بعد العتق دينا ويلزمه ذلك فأحرى أن تلزمه الكتابة، وهو ظاهر رواية أشهب عن مالك في سماعه من العتبية. واختلف قول ابن القاسم في ذلك، فله في المكاتب من المدونة في الذي يكاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب إن الكتابة تلزمه ويتبع بها شاء أو أبى. وقال في العتق الثاني منها في الذي يقول لعبده

стр. 1328

أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا أو لم يسم الأجل: إنه لا يكون حرا إذا لم يقبل ذلك العبد. وذلك خلاف لقوله في إجازة الكتابة على الغائب. وحكى ابن حبيب الاختلاف في ذلك أيضا وبالله التوفيق. فصل والذي اختار ابن بكير وإسماعيل القاضي أن للسيد أن يجبر عبده على الكتابة، لأنه إذا كان للسيد أن يؤاجر عبده السنة أو السنتين ويأخذ الأجرة وهو باق على رقه، فمكاتبته مدة معلومة على مقدار ما يعلم أنه يطيق أداءه في تلك المدة من عمله واكتسابه لازم له ليس له أن يمتنع منه، لأن ذلك يفضي به إلى الحرية من غير ضرر يلحقه فيه. وتعلق من منع من ذلك بظاهر قول الله : ﴿فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فقال: في هذا دليل على أنه لا يكاتب إذا لم يبتغ الكتابة، وهذا بعيد، لأن السيد إذا كان مرغبا في كتابة عبده إذا سأله ذلك مأجورا عليه فهو في مكاتبته إياه من غير أن يسأله الكتابة أعظم أجرا وأكثر ثوابا، وليس للعبد أن يمتنع من ذلك للعلة التي قدمناها. واعتل أيضا من منع ذلك بأن السيد يتهم على إسقاط نفقته التي كانت تلزمه عن نفسه، وهي علة ضعيفة، لأنه وإن سقطت عنه نفقته فقد منع نفسه من استخدامه وأخذِ خراجه، لأنا لا نقول: إن له أن يجبر على الكتابة إلا من يقوى عليها ولا يضعف عنها.

стр. 1329

فصل فإن قال الرجل لعبده: أنت حر بتلا وعليك كذا وكذا؛ لزمه المال في قول مالك ﵀ قَبِل العبد أو لم يَقْبل، ويسقط عنه في قول ابن القاسم. ولابن القاسم في آخر العتق الثاني مثل قول مالك هذا. وقال ابن نافع: لا يكون حرا ويكون المال دينا عليه إلا أن يقبل ذلك ويرضى به. وأما إن قال: أنت حر على أن عليك كذا وكذا؛ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: قول مالك في كتاب المكاتب من المدونة أنه العبد حر والمال عليه بمنزلة قوله: أنت حر بتلا وعليك كذا وكذا. والثاني: رواية يحيى عن ابن القاسم في كتاب المكاتب أن العبد بالخيار إن شاء أن يعجل له الحرية ويكون غريما بما سمي من المال فذلك له، وإن كره أن يكون غريما بها فلا عتاقة له. والثالث: قول ابن القاسم في العتق الثاني من المدونة: إن قبل كان حرا إذا أدى المال كالكتابة، وإن لم يقبل فلا حرية له، إلا أن يفرق على مذهبه بين قوله: أنت حر على أن عليك كذا وكذا، وأنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا، وفُرِّق بين ذلك. ولا تفرقة بينهما وجهٌ وهو أنه إذا قال: على أن تدفع فقد جعل الدفع إليه وإذا قال: على أن عليكم فقد ألزمه ذلك ولم يجعله إليه. وقد قيل: إن هذين اللفظين سواء بخلاف قوله: على أن تؤدي إلي كذا وكذا. والصواب ألا فرق بين أن يقول على أن تدفع أو على أن تؤدي. ويتخرج في المسألة قول رابع وهو أن يكون حرا إذا أدى المال شاء أو أبى على مذهب من يؤاجر العبد على الكتابة، وقد بينا ذلك. فصل والكتابة جائزة على ما تراضى عليه العبد وسيده من قليل أو كثير، وتجوز

стр. 1330

على مذهب مالك حالة ومؤجله. فإن وقعت مسكوتا عليها نجمت، لأن العرف في الكتابة أن تكون مؤجلة منجمة. هذا قول متأخري أصحابنا. وقال ابن أبي زيد في رسالته: والكتابة جائزة على ما رضيه العبد وسيده من المال منجما. فظاهر قوله أن الكتابة لا تكون إلا منجمة، وليس ذلك بصحيح على مذهب مالك. وإنما صنع من الكتابة الحالة ولم يجزها أبو حنيفة وأصحابه، وأجازها بعضهم على نجم واحد، ومنهم من قال: لا تجوز على أقل من نجمين. والذي يدل على صحة مذهب مالك في ذلك قول الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فأطلق ولم يقيد مكاتبة من مكاتبة، فظاهره يفيد إباحة الكتابة الحالة والمؤجلة. فصل ولا تجوز الكتابة بالغرر والمجهول، إلا أنه يستخف فيها ما لا يستخف في البيوع، فتجوز الكتابة على وصفين غير موصوفين، وعلى عبد فلان وما أشبه ذلك وإن كان لا يجوز في البيوع. فصل وهذا فيه تفصيل: أما الكتابة إلى أجل مجهول أو بغرر أو مجهول إلا ما يستخف من الغرر اليسير الذي ذكرناه فإن كان الغرر في حقهما أو في حق السيد منها، مثل أن يقول: أكاتبك إلى موت فلان بكذا وكذا لشيء معلوم أو إلى أجل معلوم بعبد آبق أو بعير شارد أو جنين في بطن أمه لفلان إن قدرت على شيء من ذلك كله في الأجل بهبة أو ميراث، أو بلؤلؤ غير موصوف وما أشبه ذلك فلا يجوز قولا واحدا. وأما إن كان الغرر في حق المكاتب منها مثل أن يكاتبه إلى أجل معلوم على عبد فلان أو على أن يأتيه بعبده الآبق أو يقول له كاتبتك على أن تقوم لي على هذه البقرات فإن بلغت كذا وكذا إلى أجل كذا فأنت حر، فيتخرج ذلك كله على

стр. 1331

قولين لدخول الخلاف من بعضهم في بعض؛ لم يجز ابن القاسم في سماع يحيى الكتابة في مسألة البقرات حسبما يأتي القول عليه في موضعه من شرح كتاب المكاتب من العتبية. وأجاز في سماع أبي زيد منه الكتابة على طلب العبد الآبق وأجاز في المدونة الكتابة على عبد فلان، ولم يجز ذلك أشهب. وأما إن كان للعبد عبد أَبَق فكاتبه سيده عليه فإن برئ منه إليه الآن فهو حر والعبد الآبق للسيد وجده أو لم يجده، لأن مقتضى الأمر إنما هو أعتق عبده وانتزع منه عبده الآبق. وأما إن لم يبرأ إليه منه وإنما كاتبه على أن يطلبه فيجيئه به، فإن وجده وجاء به في الأجل خرج حرا، وإن حل الأجل ولم يجده رجع رقيقا على حكم الكتابة إذا عجز المكاتب، فهو بمنزلة إذا كاتبه على أن يجيئه بعبده الآبق يجري ذلك على الاختلاف الذي ذكرناه، وبالله التوفيق. فصل وإذا كاتب الرجل عبده فقد أحرز ماله عن سيده، فليس له أن ينتزعه منه، وهو كالمأذون له في التجارة فيجوز بيعه وشراؤه ومقاسمته شركاءه وإقراره بالدين لمن لا يتهم عليه، وليس له أن يهب ولا أن يتصدق ولا أن يعتق إلا بإذن سيده. وقد قيل: إنه لا يجوز لسيده أن يأذن له في ذلك لأنه داعية إلى أن يرق نفسه. وليس له أن ينكح ولا أن يسافر إلا بإذن سيده. وهذا قول مالك في موطئه. قال في المدونة: إلا أن يكون سفرا قريبا. فصل والكتابة من العقود اللازمة، فإذا عقد السيد لعبده الكتابة لزمهما العقد ولم يكن لأحدهما خيار في حله، ليس للسيد أن يفسخ كتابة عبده باختياره إذا أبى العبد

стр. 1332

ولا للعبد أن يُعجِّز نفسه باختياره إذا أبى السيد وله مال ظاهر. فإن رضي العبد وسيده بفسخ الكتابة وله مال ظاهر فلا يخلو من أن يكون للمكاتب ولد في الكتابة أو لا يكون له ولد. فأما إن كان له ولد فليس لهما ذلك لتعلق حق الولد في العقد، وأما إن لم يكن له ولد فذلك على قولين: أحدهما: أن ذلك ليس لهم أو، وهو قول مالك في المدونة. ووجه ذلك أن الكتابة تتعلق بها ثلاثة حقوق: حق لكل واحد من المتعاقدين، وحق لله تعالى وهو حرمة العتق. فإن رضي المتعاقدان بإسقاط حقهما لم يسقط لذلك حق الله تعالى، كالعبد بين الرجلين يعتق أحدهما نصيبه وهو موسر فيرضى شريكه والعبد بترك التقويم؛ فلا يجوز ذلك لأن فيه إسقاط حق الله تعالى في إكمال الحرية. الثاني: أن ذلك لهما، وهو قول ابن كنانة وابن نافع. ووجهه أن الحق في عقد الكتابة للمتعاقدين لا يتعداهما، فإذا رضيا بإسقاطه جاز، كتقابل المتابعين. وذهب الشافعي إلى أنه للعبد أن يعجز نفسه أي وقت شاء، شاء سيده أو أبى وإن كان له مال ظاهر. وحجته أن حق المكاتب لما كان في الكتابة أغلب من حق سيده لم تكن الكتابة لازمة في حقه، كالنكاح لما كان حق الزوج مغلبا فيه لم يكن العقد لازما في حقه. وهذا كله غير صحيح، لأن في الكتابة حق لله وحق للسيد، فلا نسلم أن حق المكاتب أغلب. ولو سلمنا ذلك لم يجب إذا غاب أحد الحقين أن يسقط من غير عذر. ألا ترى أن الزوج وإن ملك الطلاق فإنه لا يملك به إسقاط حق الزوجة من المهر إن سمي، وإنما أسقط به حق نفسه. وفي تعجيز العبد نفسه إسقاط حق السيد من العوض الذي تراضيا عليه. فصل وأما التعجيز إذا لم يكن له مال ظاهر فلا يخلو من ثلاثة أحوال:

стр. 1333

أحدها: أن يتراضيا على ذلك العبد وسيده. والثاني: أن يدعو إلى ذلك العبد ويأبى السيد. والثالث: أن يدعو إلى ذلك السيد ويأبى العبد. أما إذا تراضيا على ذلك العبدُ وسيدُه فذلك جائز لأن حق الله قد ارتفع بالعذر وهو ظهور العجز، ولا يحتاج في ذلك إلى الرفع إلى السلطان على ما في المدونة. وقد قيل إنه لا يعجز إلا بالسلطان، لأن حق الله تعالى لا يُصدَّقان على إسقاطه ولا يسقط إلا بعد نظر السلطان واجتهاده. وأما إن دعا إلى ذلك العبد وأبى السيد فله أن يعجز نفسه دون السلطان لأنه موضع لا مدخل فيه للاجتهاد ولا يفتقر فيه إلى حكم. وأما إن دعا إلى ذلك السيد وأبى العبد فليس له أن يعجزه إلا بالسلطان بعد التلوم والاجتهاد، وبالله التوفيق.

стр. 1334

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين وعليه أتوكل كتاب التدبير القول في التدبير التدبير عقد من عقود الحرية يلزم من التزمه ويجب على من أوجبه على نفسه لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ولما روي من قول النبي ﵇: «المدبر لا يباع ولا يوهب». وهذا إذا كان التدبير مطلقا غير مقيد. فأما إن كان مقيدا بسفر بعينه أو بمرض بعينه أو ما أشبه ذلك فاختلف فيه على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. فصل وصفة التدبير المطلق اللازم أن يقول الرجل في عبده: هو مدبر أو حر عن دبر مني، أو حر بعد موتي بالتدبير، أو حر بعد موتي لا يغير عن حاله وما أشبه ذلك. فصل واختلف إذا قال الرجل لعبده: أنت حر بعد موتي أو إذا مت ولم يزد على هذا القول، هل هو محمول على الوصية حتى يتبين أنه أراد التدبير، أو محمول على

стр. 1335

التدبير حتى يتبين أنه أراد الوصية؟ فحمله ابن القاسم على الوصية حتى يعلم أنه أراد التدبير، وحمله أشهب على التدبير حتى يعلم أنه أراد الوصية. ولكلا القولين وجه من النظر. ولو قال: إن فعلت كذا وكذا فعبدي حر بعد موتي ففعله لكان مدبرا لا رجوع فيه على قولهما جميعا لوجوب العتق عليه بعد الموت بالحنث، وذلك منصوص عليه لابن القاسم في المدونة وغيرها. فإذا دبر الرجل عبده تدبيرا مطلقا فقد لزمه ووجب عليه وليس له أن يرجع عنه بقول ولا فعل على مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: هي وصية وله أن يرجع فيها. واحتجوا بحديث جابر «أن النبي ﷺ باع مدبرا» وبأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها. إلا أنهم اختلفوا بماذا يكون له الرجوع فيه، فقال الشافعي: إنما يكون له أن يرجع فيه بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هبة أو صدقة. وأما إن قال: قد رجعت في تدبيره ولم يخرجه عن ملكه حتى مات فليس برجوع منه ويعتق في ثلثه. وقال أبو ثور: إذا قال: قد رجعت فيه فقد بطل تدبيره وإن مات وهو في ملكه لم يعتق. والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ أن التدبير لازم له وواجب عليه ليس له أن يرجع عنه بقول ولا يفعل لما قدمناه من ظاهر القرآن. وما روي في ذلك عن النبي ﵇ بخلاف الوصية وبالله التوفيق. فصل والفرق بين التدبير والوصية أن التدبير عتق قد أوجبه لعبده على نفسه في حياته إلى أجل آت لا محالة، أن لا يكون له الرجوع فيه بقول ولا فعل كالمعتق إلى أجل، لأن العتق يقع عليه عند الموت واحتمال الثلث له بعقد السيد المعتق له، كما يقع على المعتق إلى أجل عند حلول الأجل بعقد السيد المعتق له. والموصى بعتقه لم يعقد السيد له عقد عتق في حياته، وإنما أمر أن يعتق عنه بعد وفاته، فالعتق إنما يقع عليه بعد الموت من الموصي إليه، فهو كمن وكل رجلا أن يبيع
следующие страницы →