Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
قولين لدخول الخلاف من بعضهم في بعض؛ لم يجز ابن القاسم في سماع يحيى الكتابة في مسألة البقرات حسبما يأتي القول عليه في موضعه من شرح كتاب المكاتب من العتبية. وأجاز في سماع أبي زيد منه الكتابة على طلب العبد الآبق وأجاز في المدونة الكتابة على عبد فلان، ولم يجز ذلك أشهب. وأما إن كان للعبد عبد أَبَق فكاتبه سيده عليه فإن برئ منه إليه الآن فهو حر والعبد الآبق للسيد وجده أو لم يجده، لأن مقتضى الأمر إنما هو أعتق عبده وانتزع منه عبده الآبق. وأما إن لم يبرأ إليه منه وإنما كاتبه على أن يطلبه فيجيئه به، فإن وجده وجاء به في الأجل خرج حرا، وإن حل الأجل ولم يجده رجع رقيقا على حكم الكتابة إذا عجز المكاتب، فهو بمنزلة إذا كاتبه على أن يجيئه بعبده الآبق يجري ذلك على الاختلاف الذي ذكرناه، وبالله التوفيق.
فصل
وإذا كاتب الرجل عبده فقد أحرز ماله عن سيده، فليس له أن ينتزعه منه، وهو كالمأذون له في التجارة فيجوز بيعه وشراؤه ومقاسمته شركاءه وإقراره بالدين لمن لا يتهم عليه، وليس له أن يهب ولا أن يتصدق ولا أن يعتق إلا بإذن سيده. وقد قيل: إنه لا يجوز لسيده أن يأذن له في ذلك لأنه داعية إلى أن يرق نفسه. وليس له أن ينكح ولا أن يسافر إلا بإذن سيده. وهذا قول مالك في موطئه. قال في المدونة: إلا أن يكون سفرا قريبا.
فصل
والكتابة من العقود اللازمة، فإذا عقد السيد لعبده الكتابة لزمهما العقد ولم يكن لأحدهما خيار في حله، ليس للسيد أن يفسخ كتابة عبده باختياره إذا أبى العبد
стр. 1332
ولا للعبد أن يُعجِّز نفسه باختياره إذا أبى السيد وله مال ظاهر. فإن رضي العبد وسيده بفسخ الكتابة وله مال ظاهر فلا يخلو من أن يكون للمكاتب ولد في الكتابة أو لا يكون له ولد. فأما إن كان له ولد فليس لهما ذلك لتعلق حق الولد في العقد، وأما إن لم يكن له ولد فذلك على قولين:
أحدهما: أن ذلك ليس لهم أو، وهو قول مالك في المدونة. ووجه ذلك أن الكتابة تتعلق بها ثلاثة حقوق: حق لكل واحد من المتعاقدين، وحق لله تعالى وهو حرمة العتق. فإن رضي المتعاقدان بإسقاط حقهما لم يسقط لذلك حق الله تعالى، كالعبد بين الرجلين يعتق أحدهما نصيبه وهو موسر فيرضى شريكه والعبد بترك التقويم؛ فلا يجوز ذلك لأن فيه إسقاط حق الله تعالى في إكمال الحرية.
الثاني: أن ذلك لهما، وهو قول ابن كنانة وابن نافع. ووجهه أن الحق في عقد الكتابة للمتعاقدين لا يتعداهما، فإذا رضيا بإسقاطه جاز، كتقابل المتابعين. وذهب الشافعي إلى أنه للعبد أن يعجز نفسه أي وقت شاء، شاء سيده أو أبى وإن كان له مال ظاهر. وحجته أن حق المكاتب لما كان في الكتابة أغلب من حق سيده لم تكن الكتابة لازمة في حقه، كالنكاح لما كان حق الزوج مغلبا فيه لم يكن العقد لازما في حقه. وهذا كله غير صحيح، لأن في الكتابة حق لله وحق للسيد، فلا نسلم أن حق المكاتب أغلب. ولو سلمنا ذلك لم يجب إذا غاب أحد الحقين أن يسقط من غير عذر. ألا ترى أن الزوج وإن ملك الطلاق فإنه لا يملك به إسقاط حق الزوجة من المهر إن سمي، وإنما أسقط به حق نفسه. وفي تعجيز العبد نفسه إسقاط حق السيد من العوض الذي تراضيا عليه.
فصل
وأما التعجيز إذا لم يكن له مال ظاهر فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
стр. 1333
أحدها: أن يتراضيا على ذلك العبد وسيده.
والثاني: أن يدعو إلى ذلك العبد ويأبى السيد.
والثالث: أن يدعو إلى ذلك السيد ويأبى العبد.
أما إذا تراضيا على ذلك العبدُ وسيدُه فذلك جائز لأن حق الله قد ارتفع بالعذر وهو ظهور العجز، ولا يحتاج في ذلك إلى الرفع إلى السلطان على ما في المدونة.
وقد قيل إنه لا يعجز إلا بالسلطان، لأن حق الله تعالى لا يُصدَّقان على إسقاطه ولا يسقط إلا بعد نظر السلطان واجتهاده.
وأما إن دعا إلى ذلك العبد وأبى السيد فله أن يعجز نفسه دون السلطان لأنه موضع لا مدخل فيه للاجتهاد ولا يفتقر فيه إلى حكم.
وأما إن دعا إلى ذلك السيد وأبى العبد فليس له أن يعجزه إلا بالسلطان بعد التلوم والاجتهاد، وبالله التوفيق.
стр. 1334
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين وعليه أتوكل
كتاب التدبير
القول في التدبير
التدبير عقد من عقود الحرية يلزم من التزمه ويجب على من أوجبه على نفسه لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ولما روي من قول النبي ﵇: «المدبر لا يباع ولا يوهب». وهذا إذا كان التدبير مطلقا غير مقيد. فأما إن كان مقيدا بسفر بعينه أو بمرض بعينه أو ما أشبه ذلك فاختلف فيه على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فصل
وصفة التدبير المطلق اللازم أن يقول الرجل في عبده: هو مدبر أو حر عن دبر مني، أو حر بعد موتي بالتدبير، أو حر بعد موتي لا يغير عن حاله وما أشبه ذلك.
فصل
واختلف إذا قال الرجل لعبده: أنت حر بعد موتي أو إذا مت ولم يزد على هذا القول، هل هو محمول على الوصية حتى يتبين أنه أراد التدبير، أو محمول على
стр. 1335
التدبير حتى يتبين أنه أراد الوصية؟ فحمله ابن القاسم على الوصية حتى يعلم أنه أراد التدبير، وحمله أشهب على التدبير حتى يعلم أنه أراد الوصية. ولكلا القولين وجه من النظر. ولو قال: إن فعلت كذا وكذا فعبدي حر بعد موتي ففعله لكان مدبرا لا رجوع فيه على قولهما جميعا لوجوب العتق عليه بعد الموت بالحنث، وذلك منصوص عليه لابن القاسم في المدونة وغيرها. فإذا دبر الرجل عبده تدبيرا مطلقا فقد لزمه ووجب عليه وليس له أن يرجع عنه بقول ولا فعل على مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: هي وصية وله أن يرجع فيها. واحتجوا بحديث جابر «أن النبي ﷺ باع مدبرا» وبأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها. إلا أنهم اختلفوا بماذا يكون له الرجوع فيه، فقال الشافعي: إنما يكون له أن يرجع فيه بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هبة أو صدقة. وأما إن قال: قد رجعت في تدبيره ولم يخرجه عن ملكه حتى مات فليس برجوع منه ويعتق في ثلثه. وقال أبو ثور: إذا قال: قد رجعت فيه فقد بطل تدبيره وإن مات وهو في ملكه لم يعتق. والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ أن التدبير لازم له وواجب عليه ليس له أن يرجع عنه بقول ولا يفعل لما قدمناه من ظاهر القرآن. وما روي في ذلك عن النبي ﵇ بخلاف الوصية وبالله التوفيق.
فصل
والفرق بين التدبير والوصية أن التدبير عتق قد أوجبه لعبده على نفسه في حياته إلى أجل آت لا محالة، أن لا يكون له الرجوع فيه بقول ولا فعل كالمعتق إلى أجل، لأن العتق يقع عليه عند الموت واحتمال الثلث له بعقد السيد المعتق له، كما يقع على المعتق إلى أجل عند حلول الأجل بعقد السيد المعتق له. والموصى بعتقه لم يعقد السيد له عقد عتق في حياته، وإنما أمر أن يعتق عنه بعد وفاته، فالعتق إنما يقع عليه بعد الموت من الموصي إليه، فهو كمن وكل رجلا أن يبيع
стр. 1336
عبده من فلان أو يهبن له أنَّ له أنْ يرجع عن ذلك بما شاء من قول أو فعل ما لم ينفذ الوكيل أمره.
فصل
ولا حجة للشافعي ومن ذهب مذهبه في إبطال التدبير وإجازة بيع المدبر فيما رواه جابر عن النبي ﷺ «أنه باع مدبرا» لأنه إنما هو حكاية فعل، فيحتمل أن يكون تدبيره مقيدا، ويحتمل أن يكون كان عليه دين قبل التدبير فباعه عليه في الدين. وإذا احتمل الحديث هذه الاحتمالات لم يكن لهم أن يحملوه على موضع الخلاف وإلا ولنا حمله على موضع الوفاق.
فصل
فإن قالوا: الأحاديث إنما تنقل للفائدة فلو حمل الحديث على الوفاق لم تكن فيه فائدة لأن موضع الوفاق مستفاد بالإجماع ففي حمله على موضع الخلاف فائدة مجردة قيل لهم: هذا تحكم، لأنه قد ينقل ما يفيد كما ينقل ما يؤكد ما قد استفيد، ولعل هذا الحديث هو الشرع الذي صدر عنه الإجماع الذي قد استفدنا معرفته. وإذا كان الأمر على ذلك فلا يصح أن يحمل على ما يستفاد منه فائدة مجردة دون ما استفدناه بالإجماع مع احتماله للموضعين بغير دلالة.
وإنما كان يصح لهم التعلق بالحديث لو كان لفظا عاما مثل أن يقول: بيع المدبر جائز لحق حمله على عمومه في جميع المواضع حتى يأتي ما يخصه. وأما وليس بلفظ عام وإنما هو حكاية فعل فلا.
فصل
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه من حمل هذا الحديث الذي ورد مجملا على موضع يجوز فيه بيع المدبر عندنا وعندهم أنه قد روي هذا الحديث مفسرا، فرواه الأعمش عن سلمة بن كهيل «عن جابر قال: أعتق رجل من الأنصار عبدا له عن دبر يسمى مذكورا قبطيا وكان محتاجا وعليه دين فباعه رسول الله ﷺ بمائة
стр. 1337
درهم وقال: اقض دينك». ونحن نجيز بيع المدبر إذا صادف عقد تدبيره دينا على سيده. وقد روي أيضا من طريق جابر بن عبد الله «أن رسول الله ﷺ باع مدبرا في دين». واختلفت تأويلات أصحابنا، فمنهم من قال إن الحديث الأول يفسره لأنه هو بعينه، ومنهم من قال: هو حديث آخر، ومعناه أنه باعه بعد الموت في دين، إذ لم يذكر في الحديث أنه باعه عليه في حياته. وولاية النبي ﵇ بيعه من أدل دليل على أنه إنما باعه عليه في حق لازم، لأن الإمام لا يلي بيع مال أحد إلا في موضع الحكم. فإن كان بيعه عليه في حياته فلدين سبق التدبير والله أعلم. وقد روي أيضا من رواية جابر بن عبد الله عن «النبي ﵇ أنه باع خدمة المدبر» فيحتمل أن يكون هذا معنى الحديث وإنما تجوز الراوي في اللفظ إذ الإجارة بيع من البيوع. وكذلك حديث عائشة الذي احتجوا به في إجازة بيع المدبر لا حجة لهم فيه لأن السحر الذي فعلته يوجب القتل فكيف بالبيع. ويحتمل أن يكون العتق يبطل بقصدها إلى استعجاله قبل وقته بما لا يجوز لها كالنكاح في العدة يمنع من النكاح بعدها، وكالقاتل عمدا يمنع الميراث، لأنه أراد استعجاله قبل أن يجب له. وأيضا فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ رد بيع هذه المدبرة وطلبها فلما لم يجدها جعل ثمنها في مدبرة. وحكمه- ﵁ بذلك في ملأ خير القرون وهم حضور متوافرون دليل على إجماعهم على أن بيع المدبرة لا يجوز، والإجماع أصل يجب المصير إليه والعمل به.
فصل
ومما احتج به أصحابنا في وجوب التدبير والمنع من بيعه أن المدبر لما انتقل اسمه بعقد الحرية الذي عقد له سيده وجب أن ينتقل حكمه وألا يجوز بيعه كالمكاتب لما انتقل اسمه انتقل حكمه ولم يجز بيعه.
стр. 1338
فصل
وقد استدل بعض أهل العلم على الفرق بين الوصية والتدبير بالإجماع على أن المدبر لا يرجع فيه بالقول وأن الوصية يرجع فيها بالقول، وليس ذلك بصحيح، لأن أبا ثور يجيز الرجوع في التدبير بالقول على ما حكيناه.
فصل
ومما يدل على صحة ما ذهب إليه مالك من أن المدبر لا يجوز بيعه أن عقود العتق على ضربين: ضرب منها علق العتق فيه بصفة آتية لا محالة كمجيء الشهر وموت زيد وما أشبه ذلك، فهذا الضرب لا يجوز فيه بيع العبد. وضرب علق فيه بصفة يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع، كقدوم زيد وما أشبه ذلك. فهذا يجوز البيع فيه على الأشهر من الأقاويل ما لم يحصل الصفة والمدبر من الضرب الأول لأن العتق معلق فيه بصفة آتية لا محالة وهي موت السيد، فوجب ألا يجوز بيعه، وأشبه أم الولد أيضا التي لا يجوز بيعها لتعلق عتقها بموت سيدها. فإن قال قائل: إذا جاز بيع المدبر فكان بخلاف المعتق إلى أجل، لأن التدبير يعتق من الثلث والمعتق إلى أجل من رأس المال. ولما كان المدبر يعتق من الثلث وجب أن يجوز بيعه كالموصى بعتقه. قيل له: ليس هذا بصحيح لأن كون الموصى بعتقه من الثلث ليس هو العلة في جواز بيعه. والدليل على ذلك أن من أعتق عبده إلى أجل يعلم أنه لا يبلغه عمر السيد وقد يبلغه عمر العبد يعتق من الثلث ولا يجوز بيعه، ووجود العلة مع عدم الحكم مفسر لها لا محالة، وهذا بين.
فصل
وإنما كان المدبر من الثلث لأن السيد يتهم على أن يستخدم عبده طول حياته ثم يعتقه من رأس ماله بعد وفاته فيبطل الميراث الذي أوجبه الله للورثة. ومن أهل العلم من لا يراعي هذه التهمة فيراه من رأس المال وهو قول داود. ويرده ما روى أبو قلابة أن النبي ﷺ قال: «المدبر من الثلث». وقد احتج ابن القصار للزوم عقد
стр. 1339
التدبير للمدبرة بسراية التدبير إلى ولدها وكونه مدبرا معها، وحكم أن ذلك إجماع بخلاف الوصية. واحتجاجه بذلك لا يلزم، إذ ليس بإجماع، فقد حكى أبو بكر بن المنذر في كتاب الأشراف له عن عمر بن عبد العزيز وعطاء وجابر بن زيد أنهم مملوكون، واحتج جابر بن زيد بأن ذلك بمنزلة الحائط يتصدق به الرجل إذا مات، فله ثمرته ما عاش، فحكم لولد المدبرة بحكم الغلة. وكان الشافعي يقول: فيها قولان.
أحدهما: أنهم بمنزلة أمهم.
والقول الثاني: كما قال جابر بن زيد. ومالَ المُزَنِي إلى قول جابر بن زيد.
قال: هو أشبههما بقول الشافعي.
قلت: وكذلك اختلف أيضا في ولد المدبر من أمته، فقال مالك على أصله: إنهم بمنزلته مدبرون معه. وروي عن عبد الله بن عمر أنهم بمنزلة أمهم، وبه قال عطاء والزهري والأوزاعي والليث بن سعد. وإذا حكموا لهم بحكم أمهم فهم مملوكون بمنزلة مال المدبر، لسيده انتزاعهم منه ما لم يمرض أو يموت. وفي المدونة ليحيى بن سعيد قول ثالث: أن المدبر لا يباع وسيده أولى بماله ما كان حيا، فإذا توفي سيده فمال المدبر له وولده من أمته لورثة سيده، لأن ولده ليس من ماله. هذا نص قوله، فلم يحكم لولده من أمته بحكمه فيكون مدبرا معه كقول مالك ﵀، ولا حكم له بحكم أمه، إذ لو حكم له بحكم أمه كما قال ابن عمر وعطاء والزهري والأوزاعي لوجب إذا لم ينتزعه السيد حتى مرض أو مات أن يكون تبعا للمدبر كماله، إن حمله الثلث أعتقوا عليه، وإن لم يحمله الثلث أعتق منه ما حمل الثلث وأُقدَّ ولده بيده. ويحتمل أن يريد يحيى بن سعيد أن ولده من أمته ولد له قبل التدبير فلا يكون قوله على هذا التأويل مخالفا لقول مالك ﵀.
فصل
قد مضى الكلام في التدبير المطلق. وأما التدبير المقيد وهو أن يقيد تدبيره
стр. 1340
بمرض أو سفر أو ما أشبهه ذلك مما قد يكون ولا يكون، مثل أن يقول: أنت مدبر إن مت من مرضي هذا أو في سفري هذا أو في هذا البلد، أو أنت مدبر إذا قدم فلان وما أشبه ذلك، فاختلف فيه. روى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب المدبر من العتبية أنها وصية وليس بتدبير إلا أن يرى أنه أراد بذلك التدبير وقصده، فله على هذه الرواية أن يرجع عنه في مرضه ذلك ويبيعه إن شاء. وفي كتاب محمد بن المواز لابن القاسم، وكتاب محمد بن سحنون لابن القاسم وابن كنانة أنه تدبير لازم لا رجوع فيه، معناه عندي إن مات من مرضه ذلك.
وهذا الاختلاف يقوم من المدونة من اختلاف ابن القاسم ومالك في الرجل يقول لعبده: أنت حر إذا قدم فلان، فقال مالك: ليس له أن يبيعه حتى ينظر هل يقدم فلان أم لا. وقال ابن القاسم: لا أرى ببيعه بأسا. فكذلك لو قال لعبده: أنت مدبر إذا قدم فلان يلزمه التدبير على قول مالك من ساعته بشرط قدوم فلان، ولا يكون له أن يبيعه ولا أن يرجع فيه بقول حتى ييأس من قدوم فلان. وعلى قول ابن القاسم لا يكون تدبيرا وإنما هي وصية، فكأنه قال إذا قال: إذا قدم فلان أو إن قدم فلان فيعتق عني عبدي فلان بعد موتي، فيكون له أن يبيعه وأن يرجع فيه بالقول إن شاء، فيقول قبل قدوم فلان وبعد قدومه: قد رجعت عن عتق فلان، بخلاف قوله: أنت حر إذا قدم فلان، هذا لا يكون له- على مذهب ابن القاسم - أن يرجع فيه بالقول، وإنما له أن يبيعه لأنه يشبه اليمين، فإذا بقي في ملكه حتى قدم فلان لزمه العتق.
فصل
ومما يبين ما ذهبنا إليه من إقامة الاختلاف من المدونة في مسألة التدبير المقيد بشيء قد يكون ولا يكون، أنه لو قيد تدبير عبده بصفة آتية لا محالة مثل أن يقول له: إذا مات فلان فأنت مدبر عني أو إذا انقضى العام فأنت مدبر عني للزمه التدبير ولم يكن له فيه رجوع باتفاق، كما يلزمه العتق إلى أجل آت لا محالة باتفاق. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1341
فصل
والمدبر على وجهين:
مدبر في الصحة.
ومدبر في المرض. وهما جميعا- على مذهب مالك - من الثلث، إلا أنه يُبَدِّئ مدبر الصحة على مدبر المرض إذا ضاق الثلث عنهما، ويدخل المدبر في الصحة فيما علم وفيما لم يعلم من المال. واختلف في مدبر المرض فقيل: إنه يدخل فيما علم وفيما لم يعلم، وقيل: إنه لا يدخل إلا فيما علم. وإذا مات سيد المدبر ولم يحمل ثلثه المدبر عتق منه ما حمل الثلث وكان باقيه للورثة ولم يجب عليه السعي في افتكاك رقبته كما يقوله أبو حنيفة في ذلك. وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه، وإن كان عليه دين بيع فيه إن أحاط الدين به، وإن لم يحط به بيع منه قدر الدين وأعتق منه ثلث باقيه. وقال أبو حنيفة: إنه لا يباع في الدين ويسعى فيه للغرماء فإذا أدى ما لهم خرج حرا، ذكر ذلك عبد الوهاب في المعونة.
فصل
وللرجل أن يطأ مدبرته لأن ذلك لا ينقص تدبيرها بل يؤكده، لأنها قد تحمل فتكون أم ولد وهو أقوى من التدبير، بخلاف المكاتبة لأنها تستعجل العتق بالأداء فليس له أن ينقض ذلك عليها. وله أن يستخدم مدبرته ويؤاجرها بخلاف أم الولد إذ ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء طول حياته، وقد ثبتت لها حرية بالإيلاد لا يبطلها دين ولا غيره.
وبالله التوفيق ولا شريك له.
стр. 1342
كتاب أمهات الأولاد
فصل
في وجوب العتق لأم الولد بعد موت سيدها بالولادة
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦]، فأباح تعالى وطء ما ملكت اليمين. والوطء يكون عند الحمل. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]. واشترى رسول الله ﷺ مارية القبطية فولدت له ابنه إبراهيم، فقال ﷺ فيما روي عنه عند ولادتها: «أعتقها ولدها»، يريد- ﷺ أنه ثبت لها حرمة بسبب ولدها فلا تعود إلى الرق أبدا، ولا يجوز بيعها ولا هبتها لأنها ثبتت حريتها فلا يبقى له فيها إلا الاستمتاع طول حياته بدليل ما روي عنه من حديث ابن عباس أنه قال: «أيما امرأة ولدت من سيدها فهي حرة بعده». وإذ قد انعقد الإجماع على أن أم الولد لا تعتق قبل موت سيدها وأن أحكامها أحكام أمة في جميع أحوالها
стр. 1343
من الموارثة والشهادة ودلتها وأرش جراحاتها. «وروي عن مسلم بن يسار أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب أعتق أمهات الأولاد، فقال: أو عمر أعتقهن؟ أعتقهن رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق - فأصبنا سبيا من سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء فأردنا أن نعزل، فقلت: نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم ألا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» دليل على أن حمل الإيماء من ساداتهن مبطل لأثمانهن ومحرم لبيعهن، إذ لو لم يكن حمل الأمة مبطل لثمنها لما أقرهم رسول الله ﷺ على هذا الخطأ واستعمال الحيلة فيما لا حاجة بهم إليهم ولقال لهم: وأي حاجة بكم إلى العزل، وما الذي تخافون من الحمل، وهذا ظاهر. ومن أهل العلم من ضعف هذا الدليل فقال: يحتمل أن يكونوا إنما أرادوا العزل مخافة أن يحملن من وطئهم فلا يقدرون على الفداء بهن حتى يضعن، وتحرجوا من العزل فلم يقدموا عليه لما كانوا يسمعون من اليهود الذين كانوا بين أظهرهم وهم أهل كتاب أن العزل هو الموءودة الصغرى حتى سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأباحه لهم وأخبرهم أن كل نسمة تسبق في علم الله أن تكون لا بد أن تكون. والأول أظهر أنهم إنما أرادوا العزل مخافة أن يفوتهم الفداء جملة لا مخافة أن يفوتهم تعجيل الفداء ولا يمكنهم إلا تأخيره إلى حين الوضع، لأن في الحديث: وأحببنا الفداء. فلو كان إنما خافوا أن يفوتهم تعجيل الفداء لقالوا: وأحببنا تعجيل الفداء، والله أعلم.
فصل
وإذا ولدت الأمة من سيدها الحر فقد حرم عليه بيعها وهبتها ورهنها
стр. 1344
والمعاوضة على رقبتها أو على خدمتها أو إسلامها في الجناية وعتقها في الواجب، وليس له منها إلا الاستمتاع بالوطء فما دونه طول حياته، وهي حرة من رأس ماله بعد وفاته. هذا قول مالك ﵀ وكافة فقهاء الأمصار. وقد كان بين الصحابة ﵃ في ذلك اختلاف، فذهبت طائفة إلى إجازة بيعهن أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن قيس، وأبو موسى الأشعري، وإليه ذهب أيضا «جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري، روي عنهما أنهما قالا: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ لا نرى بذلك بأسا». وقال عبد الله بن مسعود: تعتق من نصيب ولدها. وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير إلى أن أبا حفص عمر بن الخطاب ﵁ عن أمرهن وكشفه. فاجتمع هو بعد أن كان يقول فيما روي عنه بجواز بيعهن ومن حضره من بقية العشرة ومن المهاجرين والأنصار على أنهن متعة لساداتهن ما عاشوا، ثم هن بعد موتهم أحرار من رءوس أموالهم، فانعقد الإجماع على هذا من حينئذ واستقر الأمر عليه إلى أيام عبد الملك بن مروان، إلا ما يذكر من رجوع علي بن أبي طالب أيام خلافته إلى إجازة بيعهن في الدين، ثم اضطرب في أمرهم ففحص عبد الملك عن ذلك فأخبره الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب أمضى ما وصفت عنه. وروي أنه أخبره أن المسور قال: إن النبي ﵇ قال: «لا يبعن في دين ولا يعتقن من ثلث فأقر ذلك وكتب به إلى البلدان». ومن الفقهاء من يدعي الإجماع في هذه المسألة. ولا يصح ما روي من رجوع علي بن أبي طالب، وهذا على ما ذهب إليه ابن القصار وغيره ممن تابعه على أن الإجماع لا ينعقد إلا بانقراض أهل العصر، فلا ينخرم الإجماع المنعقد أيام خلافة عمر بن الخطاب برجوع علي أيام خلافته. وفيما روي من رجوعه ما يدل على أنه رجع إلى ما كان انعقد عليه الإجماع، فتجدد بذلك الإجماع في زمانه، وذلك قول عبيدة السلماني في حديثه: فقبل مني وصدقني. روى الشعبي عن
стр. 1345
عبيدة السلماني أنه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: رأى أبو بكر رأيا ورأى عمر رأيا عتق أمهات الأولاد حتى مضيا لسبيلهما، ثم رأى عثمان ذلك، ثم رأيت أنا بعدُ بيعَهن في الدين. قال عبيدة: فقلت لعلي: رأيك ورأي عمر وعثمان في الجماعة أحب إلينا من رأيك بانفرادك في الفرقة، فقبل مني وصدقني. وهذا من علي ﵁ إجماع منه مع سائر الصحابة على المنع من بيعهن في غير الدين، ثم رجع عما انفرد به من جواز بيعهن في الدين إلى ما أجمع عليه الصحابة بقبوله لقول عبيدة وتصديقه له. وإلى جواز بيعهن في الدين وغيره ذهب أبو داود القياسي والرافصة وأهل الظاهر، واحتج من نصر مذهبهم بقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وبما روي «عن جابر بن عبد الله أنه قال: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بن الخطاب، ثم نهانا عمر عن بيعهن». وهذا كله لا حجة لهم فيه. أما الآية التي احتجوا بظاهرها من القرآن وهي قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإنه عموم تخصص بما ذكرناه من الأدلة. وأما حديث جابر فإنه ضعيف عند أهل النقل. وقد روي عنه من طريقه ما عارضه وهو أنه قال: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ ثم زجرنا عن بيعهن». ذكره أبو الفرج في الحاوي وزجره ﵇ عن بيعهن فسخ لما كانوا عليه من استجازة ذلك وفعله. وقد يكون أيضا في عهد الإمام من الأفعال ما لا يعلمها فلا حجة فيه على حال.
فصل
فهذا هو المانع من بيع أمهات الأولاد من جهة الأثر. وأما المانع من طريق النظر فهو أنه لما حملت بولده وحصلت له الحرية من قبل أبيه اتصل بها وخالطها حتى صار كعضو منها فسرت الحرية في جميعها وصارت في معنى المعتقة منه، وهذا من أصح الاعتلال وأقواه، لأنه مروي عن عمر بن الخطاب ﵁ حين قال: خالطت دماؤنا دماءهن ولحومنا لحومهن. ويتحرى من هذا قياس بأن
стр. 1346
يقال: إن هذه أمة حملت في ملك واطئها بولد حر على أبيه فحرم بيعها اعتبارا بحال حملها. وإنما قلنا في ملك واطئها تحرزا من حمل الأمة الزوجة، وقلنا بولد حر على أبيه تحرزا من إعتاق سيد الأمة إياه لأنه يكون حرا لا من جهة أبيه. وهذا القياس مبني على صحة الاستدلال باستصحاب حال الإجماع، وهو استدلال صحيح، وبه احتج أبو سعيد البراذعي على داود القياسي حين ناظره في هذه المسألة، فانقطع ولم يحر جوابا. وذلك أن داود القياسي استدل عليه باستصحاب الحال فقال: قد اتفقنا على جواز بيعها قبل العلوق فمن زعم أن بيعها بعد الولادة لا يجوز فعليه إقامة الدليل. فقال أبو سعيد: ما أنكرت أن هذا مقابل بما هو أولى منه وهو أنا قد اتفقنا على منع بيعها حاملا، فمن زعم أنها إذا وضعت جاز بيعها فعليه إقامة الدليل قال: فسكت ولم يقل شيئا. فلأهل العلم في بيع أمهات الأولاد ثلاثة أقوال:
أحدها: قول مالك وكافة العلماء: إنها لا تباع أصلا في الدين ولا غيره وتعتق من رأس المال.
والثاني: قول أهل الظاهر: إنها تباع في الدين وغيره ولا تعتق من رأس المال ولا من الثلث. وللشافعي مثله في مواضع من كتبه، ثم قطع في أربعة عشر موضعا من كتبه أنهن لا يبعن في دين وغيره مثل قول مالك وجمهور العلماء.
والثالث: أنها لا تباع إلا في الدين، وهو القول الذي روي أن عليا ﵁ رجع إليه ثم رجع عنه على ما بيناه. وما روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير أنها تعتق من نصيب الذي في بطنها قول رابع في المسألة.
فصل
وأجاز الشافعي استئجار أم الولد في الخدمة واستخدامها خلاف ما ذهب إليه مالك من أنه لا يجوز أن تؤاجر ولا تستخدم إلا فيما خف ولا تعب فيه وإن كانت دنية. وتبتذل الدنية في الحوائج الخفيفة فيما لا تبتذل فيه الرفيعة. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ﵀ أن كل حرمة منعت من بيع الرقبة منعت من
стр. 1347
بيع المنافع، لأن هذه الحرمة لم تحصل للرقبة دون المنافع وقد كانت مقصية لتبتيل العتق في الحال لكن منع من ذلك أن الحرمة لما حصلت لها بسبب الوطء لم يجز أن تكون مانعة منه وهو أصلها الذي عنه حصلت. فإن كان الأمر على هذا صح ما ذهب إليه مالك ﵀ ولم يجز استخدامها إلا في الشيء اليسير الخفيف.
فصل
وإنما وجب أن تعتق أم الولد من رأس المال بعد وفاة سيدها لأن الحرمة أوجبت لها الحرية إلا أنا أخرناها لئلا تفيته حقه من الوطء وكذلك روي في الحديث. فإذا مات فهي حرة، وذلك يقتضي رأس المال دون الثلث، فلا تباع أم الولد في الدين في حياة سيدها ولا بعد وفاته. وإن أولدها وعليه دين يحيط بماله فلا سبيل للغرماء عليها بخلاف العتق. والفرق بين العتق والإيلاد أن العتق فعل المعتق وكسبه، ونفس العتق الذي هو كسب المعتق يخرج العبد عن ملكه، وليس لمن عليه دين يستغرق ماله أن يخرج ماله عن ملكه على غير عوض لأن ذلك إتلاف لأموال غرمائه. وأما الإيلاد فليس فعل الواطئ ولا كسبه ولا يقع بمشيئته وإرادته. وقد أباح الله ﵎ لعباده وطء ما ملكت أيمانهم كما أباح لهم وطء نسائهم فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] فالغرماء إذا عاملوا الرجل فقد علموا أنه يستبيح ما أباح الله تعالى له من الوطء بملك يمينه وعلى ذلك عاملوه، فإن حمل نساؤه من وطئه فهي مصيبة دخلت عليهم من الله ليست من فعل الواطئ ولا كسبه كالموت الذي هو فعل الله لا كسب لمخلوق فيه.
فصل
وهو مصدق في حمل أمته أنه منه وإن كان مستغرق الذمة بالديون. وأما إن قال: إنها ولدت منه ولا أولاد معها أو أنها أسقطت منه فلا يصدق، وتباع للغرماء إلا
стр. 1348
أن يكون قد سمع ذلك من قوله قبل أن يداين، أو كان ذلك أمرا قد سمع وفشا عند النساء والجيران فيصدق.
فصل
ولا اختلاف في ولد الأمة من سيدها الحر أنه حر. وأما ولد أم الولد من غير سيدها فهم على مذهب مالك وجميع أصحابه وكافة فقهاء الأمصار بمنزلة أمهم في العتق بعد وفاة السيد من رأس ماله، وبخلافها في الاستخدام والاستئجار والوطء، فله أن يستخدمهم ويؤاجرهم، وليس له أن يطأ إن كانت أمة لأنها محرمة له كالربيبة المحرمة بنص القرآن. فإذا وطئ الرجل المرأة بالملك فبناتها عليه حرام كما لو وطئها بنكاح، وهذا ما لا خلاف فيه. وإنما جاز له أن يؤاجرهم ويستخدمهم لأن حرمتهم أضعف من حرمة أمهم فجاز له فيهم ما لم يجز في الأم. وأيضا فإن الأم له وطؤها والابنة ليس له وطؤها، فلو منعناه من استخدامها وإجارتها لم يبق له عليها حق من حقوق الملك ووجب أن تعتق عليه. وإلى هذا ذهب ربيعة فقال: يعجل عليه عتق ولد أم الولد من غيره. وفي المسألة قول ثالث أنهم مملوكون، وممن روي ذلك عنه الزهري. وقيل إنه هو المشهور من قوله وبالله التوفيق.
فصل
وكل ما أسقطته الأمة مما يعلم أنه ولد فإنها تكون به أم ولد، كان مضغة أو علقة أو دما في مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. وقال أشهب: لا تكون أم ولد بالدم المجتمع. وقال حماد بن أبي سليمان والأوزاعي إذا كانت مضغة عتقت به. وذهب الشافعي إلى أنها لا تكون أم ولد حتى يتم شيء من خلقه عين أو ظفر وما أشبه ذلك، وهو قول أبي حنيفة إنها لا تعتق إلا بما لا يشك فيه وهو أن تسقط سقطا مخلقا أو فيه خلق من يد وما أشبه ذلك. فوجه هذا القول أنه رأى أنه لا يوقن أنه ولد إلا أن يتم شيء من خلقه. ووجه قول حماد بن أبي سليمان والأوزاعي أنه قد يتقن أنه ولد وإن لم يتم شيء من خلقه إذا كان مضغة. ووجه قول أشهب أنه قد
стр. 1349
يتيقن أنه ولد وإن لم يكن مضغة إذا كان علقة. ووجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنه قد يتيقن أنه ولد بكونه دما وإن لم يكن بعد علقة ولا مضغة.
فصل
واختلف قول مالك إذا توفي سيدها وهي حامل، فمرة قال: إنها تكون حرة إذا تبين الحمل بتحرك الولد، يقتل من قتلها وترث وتورث، وهذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك. ومرة قال: إنها لا تكون حرة حتى تضع حملها لاحتمال أن ينفشَّ الحمل فلا يتحقق أنه كان حملا، وهو مذهب ابن الماجشون وسحنون. وعلى هذا اختلفوا في اللعان على الحمل، وفي وجوب النفقة للمطلقة البائن، وفي مسائل كثيرة من هذا المعنى.
فصل
فعلى هذا القول بأنها لا تكون حرة حتى تضع تكون لها النفقة، ويختلف على القول بأنها تكون حرة بتبين الحمل هل لها نفقة على الاختلاف في أم الولد الحامل هل لها نفقة في مال سيدها أم لا، اختلف في ذلك قول مالك، ولم يختلف في أن الحرة الحامل لا نفقة لها من مال زوجها وإن حبسها ميراثها.
فصل
واختلف قول مالك فيمن تزوج أمة ثم اشتراها وهي حامل هل تكون بذلك الحمل أم ولد أم لا على قولين:
فمرة قال: إنها تكون أم ولد لأنه عتق عليه وهو في بطنها، وهو مذهب ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك.
ومرة قال: إنها لا تكون به أم ولد لأن الرق قد مسه في بطن أمه، وهو مذهب أشهب ورواية ابن عبد الحكم عن مالك، إلا أن تكون الأمة لأبيه أو لمن يعتق عليه
стр. 1350
في بطنها فإنها لا تكون له أم ولد عند جميعهم لأنه قد عتق ما في بطنها على من اشتراها. وإنما تكون له أم ولد عند ابن القاسم وروايته عن مالك إذا اشتراها فأعتق عليه الولد وفي شرائها من أبيه اختلاف أجازه ابن القاسم ولم يره بمنزلة من اشترى أمة واستثنى عليه جنينها،. وأما ما ولدت منه بعقد النكاح قبل أن يشتريها فإنها لا تكون له أم ولد عند مالك وجميع أصحابه خلافا لأبي حنيفة في قوله إنها تكون بذلك أم ولد.
فصل
ولا تكون أمة العبد أم ولد له بما ولدت له في حال العبودية، ولا وإن أعتق وأمته حامل منه على مذهب ابن القاسم، سواء حملت منه وهي له أو كانت له زوجة فحملت منه ثم اشتراها حاملا، إلا أن يملك ذلك الحمل بهبة أو صدقة وما أشبه ذلك. ويتخرج إجازة شرائه إياها على قولين في المذهب:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز لأن شراء الجنين في بطن أمه غرر لا يجوز.
والثاني: أن ذلك جائز لأنه إنما اشتراه ليرتفع عنه التحجير في الأمة ويملك بذلك التصرف فيها قياسا على ما قالوه في الذي يهب لرجل سكنى داره أو غلة جنانه إنه يجوز له أن يشتري منه السكنى والغلة ليرتفع عنه بذلك التحجير في الأصل ويملك التصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره. واختلف إن وقع البيع في الحمل على القول بأن ذلك لا يجوز، فقيل: يفسخ البيع فيه ما لم يفت بالوضع، وقيل: العقد فيه فوت لأنه يكون به حرا وتكون عليه فيه القيمة على الرجاء والخوف. وعلى مذهب أشهب ورواية ابن عبد الحكم فلا تكون به أم ولد وإن ملك ذلك الحمل.
стр. 1351
فصل
واختلف في المكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل يولدون إماءهم هل يكن لهم أمهات أولاد إذا أفضوا إلى الحرية أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يكن لهم لذلك أمهات أولاد.
والثاني: أنه يكن لهم بذلك أمهات أولاد.
والثالث: الفرق في ذلك بين المكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل. وتحصيل الخلاف في هذا أنه اختلف في الأمة هل لها حرمة بإيلاد سيدها المكاتب أو المدبر أو المعتق إلى أجل أم لا على قولين:
أحدهما: أن لها بذلك حرمة.
والثاني: أنه لا حرمة لها بذلك.
فإذا قلنا إن لها بذلك حرمة فإنها تكون له أم ولد بما حملت به بعد عقد الكتابة أو التدبير أو العتق إلى أجل إذا أفضى إلى الحرية وإن وضعت قبل إفضائه إليها فلا خلاف. وأما ما حملت به قبل ذلك فوضعته بعده مثل أن تكون له زوجة فتحمل منه قبل الكتابة أو التدبير أو عقد العتق المؤجل فيشتريها من سيدها وهي حامل بعد عقد الكتابة أو عقد التدبير أو عقد العتق المؤجل فلا تكون به أم ولد إلا على قول من يرى في الحر إذا اشترى زوجته وهي حامل منه تكون له أم ولد بذلك الحمل، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك.
وأما إذا قلنا إنه لا حرمة لها بذلك فحالها فيما حملت به من سيدها أو وضعته في هذه الحال حال أمة العبد تلد من سيدها أو تحمل منه لا تكون بذلك أم ولد إلا أن يقضي إلى الحرية بأداء الكتابة أو انقضاء أجل الحرية أو موت سيده في التدبير وخروجه من ثلثه وأمته حامل منه فيملك ذلك الحمل على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، خلاف قول أشهب ورواية ابن عبد الحكم عن مالك، وبالله التوفيق.
стр. 1352
فصل
فإذا أقر الرجل بوطء أمته فجاءت بولد فإنه يلحقه إلى ما تلحق فيه الأنساب، سواء قال: كنت أنزل فيها أو أعتزل عنها إلا أن يدعي الاستبراء. قال في المدونة: بحيضة، وقيل: بثلاثة حيض. وهو قول ابن الماجشون، فيصدق في ذلك قيل: بيمين وهو قول ابن الماجشون، وقيل: بغير يمين وهو قول سحنون، وينفي الولد عن نفسه بغير لعان. وقيل: إنه لا يصدق في دعوى الاستبراء ويلحق به الولد على كل حال إلى ما يلحق به الأنساب، وهو قول المغيرة من أصحابنا. ومعناه إذا كان ينزل فيها ولا يعزل عنها والله أعلم. ومن أهل العلم خارج مذهب من يرى أن الولد لا يلحقه إذا قال: كنت أعزل عنها، وإن لم يدع الاستبراء. وإذا لم يدع الاستبراء لم ينتفع بإنكار الولد وإن كان يعزل عنها على مذهب مالك وجميع أصحابه وكانت الأمة مصدقة في إلحاق الولد به سواء أنكر أن تكون ولدت أصلا أو قال: إنها ولدت وليس هو هذا الولد الذي تريد أن تلحقه به.
فصل
وأما إن لم تأت بولد فادعت أنها ولدت منه فلا تصدق في ذلك ولا تكون له أما حتى تقيم امرأتين على الولادة، فإن أقامت امرأة واحدة على الولادة حلف السيد أنها ما ولدت منه. وإن لم يشهد لها بالولادة أحد لم يجب على السيد يمين وإن كان مقرا بالوطء.
فصل
وأما إن أنكر الوطء فأقامت به عليه شاهدين وأتت بولد فالصواب أن ذلك بمنزلة إقراره بالوطء تصدق في إلحاق الولد وتكون به أم ولد. وإن لم تقم بينة على الولادة فإن ادعى الاستبراء أجري الأمر في تصديقه فيه على الاختلاف فيمن أراد أن يناكر زوجته فيما قضت به في التمليك بعد أن أنكره، وفيمن ادعى رد الوديعة بعد الإنكار. والقولان قائمان في المدونة. ومن الناس من يفرق بين أن يقر بالوطء أو ينكر وتقوم به عليه البينة، فيقول إنه إذا أنكره وقامت به عليه البينة لم تصدق
стр. 1353
الأمة في الولادة وإن كان الولد قائما حتى تقيم امرأتين على الولادة على ظاهر ما وقع في كتاب الشهادات وفي هذا الكتاب من قوله، فهذا إذا أقامته كانت أم ولد وثبت نسب ولدها إن كان معها ولد، وهذا ليس بصحيح لأنه ليس في قوله إن نسب الولد يثبت إذا أقامت امرأتين على الولادة وما ينبغي أن تصدق في ذلك إذا لم يكن لها بينة على الولادة، وبالله التوفيق.
فصل
وأما إن ادعت الولادة ولم تأت بولد فلا تكون أم ولد حتى تقيم شاهدين على إقرار السيد بالوطء وامرأتين على الولادة. فإن أقامت شاهدين على إقراره بالوطء وامرأة واحدة على الولادة، أو شاهدا واحدا على إقراره بالوطء وامرأتين على الولادة لزمته اليمين. وأما إن لم تقم إلا امرأة واحدة على الولادة وشاهدا واحدا على إقراره بالوطء فقيل إنه يحلف، وقيل إنه لا يمين عليه على اختلاف الروايات في المدونة وبالله تعالى التوفيق لا شريك له ولا ند.
стр. 1354
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله، وبالله أستعين وعلى الله أتوكل
كتاب السرقة
الأصل في وجوب السرقة كتاب الله ﵎ وسنة نبيه- ﷺ وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] وأما السنة فكثير، منها قول النبي ﷺ : «القطع في ربع دينار». وقوله: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا». وقوله «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» «وقول عائشة ﵂: لم يقطع رسول الله ﷺ إلا في ربع دينار». وقولها: ما طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا. ومن ذلك ما ثبت «أن رسول الله ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» «وأنه قطع يد سارق رداء صفوان». وأنه قال: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ
стр. 1355
ثمن المجن». وأما الإجماع فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن يد السارق تقطع إذا كانت سرقته على الشروط والأوصاف التي لا يصح القطع إلا بها، فيستغنى في هذا عن إيراد نص العلماء عليه.
فصل
فيما تعتبر فيه الأوصاف المشترطة في قطع يد السارق
والأوصاف المشترطة في قطع يد السارق تعتبر في السارق، وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفة السرقة. فأما ما يعتبر منها في السارق فخمسة أوصاف وهي: البلوغ، والعقل، وأن يكون غير مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولادة على الاختلاف بين أصحابنا في هذا الوصف، لأن أشهب يرى على الجد القطع إذا سرق من مال حفيده، وألا يضطر إلى السرقة من جوع يصيبه.
وأما من يعتبر منها في الشيء المسروق فأربعة أوصاف وهي: النصاب، وأن يكون مما يتمول ويحل بيعه، فإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه فلا قطع فيه باتفاق، حاشى الحر الصغير على قول ابن القاسم وروايته عن مالك خلاف مذهب ابن الماجشون. وإن كان مما يجوز ملكه ولا يحل بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الأضاحي ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب، وأن لا يكون للسارق فيه ملك ولا شبهة ملك على اختلاف بين أصحابنا في مراعاة شبهة الملك، كالذي يسرق من المغنم وشبهه وأن يكون مما تصح سرقته لأن ما لا تصح سرقته كالعبد لا قطع فيه.
وأما ما يعتبر منها في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو أن يكون الموضع حرزا للمال أو للشيء المسروق.
وأما ما يعتبر منها في صفة السرقة فوصفان: أحدهما أن يخرج الشيء
стр. 1356
المسروق من حرزه على صفة تسمى إخراجا على الحقيقة وإن لم يباشر ذلك لنفسه على ما يأتي في مسائلهم. والثاني أن تكون قيمته يومئذ ما يجب فيه القطع.
فصل
فجميع الأوصاف المشترطة في وجوب القطع اثنا عشر وصفا، منها ما يتفق عليها ومنها ما يختلف فيه.
منها الحرز والنصاب.
فأما الحرز فاعتبره مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وعامة الفقهاء خلافا لأهل الظاهر في قولهم: إن من سرق ربع دينار أو قيمته فعليه القطع سرقه من حرز أو من غير حرز إذا أخذه من ملك مالك لم يأتمنه عليه، لأن الله أمر بقطع يد السارق عموما، فبين النبي- ﵇ المقدار الذي يقطع فيه ولم يبين الحرز. وليس ذلك بصحيح بل قد نص النبي- ﷺ على اعتبار الحرز فقال: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن».
فصل
والدليل قائم من كتاب الله أيضا على اعتبار الحرز في وجوب قطع يد السارق، وذلك أن الله تعالى إنما أمر بقطع يد السارق فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. والسرقة مأخوذة من المسارقة، فلا يكون الرجل سارقا إلا فيما أخذ مما أخفي عنه وأحرز دونه مسارقة عن العيون وعن أهله. وأما ما أهمل بغير حرز أو اؤتمن عليه فليس أخذه مسارقا له وإنما هو مختلس له أو خائن لصاحبه فيه.
стр. 1357
فصل
فإذا اعتللنا بهذا في سقوط القطع عمن سرق من غير حرز فالعلة فيه أنه ليس بسارق، فأمر الله تعالى بقطع يد السارق. وإن قلنا: إنه سارق فإنما أسقطنا القطع عنه بالسنة الثابتة، لأن السنة مفسرة للقران ومخصصة لعمومه ومبينة لمجمله، قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] لفظان عامان متناولان لجمع السراق، فخصصت السنة من ذلك من سرق من غير حرز، كما خصصت من ذلك من سرق أقل من النصاب الذي يجب فيه القطع. ولا اختلاف بين الأمة أن عموم القرآن يخصص بأخبار الآحاد العدول. وإنما اختلفوا هل يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة أم لا؟ على قولين، وأما بأخبار الآحاد فلا يجوز ذلك عند أحد بعد موت النبي ﵇، وإنما كان ذلك جائزا في حياته، مثل ما جاء في رجوع أهل قباء في صلاتهم عن قبلتهم التي كانوا على يقين منها بخبر الواحد، وإنما جاز ذلك لهم لأن الطريق المؤدي إلى العلم يقوم مقام العلم.
وذهب بعض الأصوليين إلى أن قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] من المجمل الذي يفتقر إلى البيان لا من العموم، قال: لأنه لما ورد بلفظ العموم فخصصت السنة منه صفات وشروطا من حرز ونصاب عاد مجملا. وهذا ليس بصحيح، إذ لا فرق بين تخصيص بعض الأعيان الذي يقتضيه اللفظ العام أو يقيده بصفات وشروط، لأنه إذا قيد اللفظ العام بشرط أو صفة فقد خصص ما يتناوله ما لم يحصل على ذلك الشرط ولا كان بتلك الصفة، وهذا بَيِّن.
стр. 1358
فصل في صفة الحرز الذي يجب القطع على من سرق منه
فإذا صح اعتبار الحرز فليس من شرطه الأبواب ولا الأقفال ولا الأغلاق، وإنما الحرز على ما جرت به العادة من أن الناس يحرزون متاعهم فيه ويحفظونه به، وما هو حرز مما ليس بحرز تأتي عليه مسائل الكتاب وغيره إن شاء الله تعالى. من ذلك اختلافهم في السرقة من الدار المشتركة أو المأذون فيها. وتحصيل القول في ذلك أن الدور تنقسم في السرقة منها على ستة أقسام:
دار حجرها ساكنها أو مالكها عن الناس.
ودار ينفرد الرجل بسكنها مع زوجته عن الناس.
ودار أذن فيها ساكنها أو مالكها إذنا عاما للناس.
ودار مشتركة بين ساكنيها مباحة للناس.
ودار المشتركة بين سكانها محجورة عن سائر الناس.
فأما الدار التي حجرها ساكنها أو مالكها عن الناس فالقطع على من سرق منها ما يجب فيه القطع إذا خرج به من الدار. وإن سرق من بعض بيوتها وأخذ في الدار قبل أن يخرج منها لم يقطع ولا خلاف في هذا.
وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها الخاص من الناس كالرجل يضيف الضيف فيدخله داره، أو يبعث الرجل إلى داره ليأتيه من بعض بيوته بمتاعه أو ما أشبه ذلك، فاختلف إذا سرق الضيف أو الرجل المبعوث من بيت معلق قد حجر عليه دخوله على قولين:
أحدهما: قوله في المدونة في كتاب ابن المواز أنه لا يقطع وإن خرج بما سرق من جميع الدار لأنه خائن وليس بسارق.
والثاني: قول سحنون إنه يقطع وإن لم يخرج به من الدار إذا خرج به إلى الموضع الذي أذن له بدخوله لأنه أشبه عنده الشركاء في ساحة الدار إذا سرق
стр. 1359
أحدهم من بيت صاحبه فخرج بما سرق إلى ساحة الدار وحكى عبد الحق في المسألة قولا ثالثا تأوله على ما في المدونة وحكى أنه قول مالك في كتاب ابن المواز وهو أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار، وليس ذلك بصحيح لأنه قد نص في المدونة وكتاب ابن المواز أنه خائن وليس بسارق، ولا يقطع الخائن على حال.
وأما الدار التي ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته عن الناس فاختلف إن سرقت الزوجة أو أمتها من مال الزوج من بيت قد حجره عليهما أو أغلقه دونهما؟ أو سرق الزوج أو عبده من مال الزوجة من بيت قد حجرته عليهما على قولين:
أحدهما: أنه يقطع من سرق منهم وخرج بما سرق من البيت الذي حجر عليه وأغلق دونه وإن لم يخرج عن جميع الدار، وهو ظاهر ما في المدونة ونص قول سحنون قياسا على المتحايزين بالسكنى في الدار الواحدة لأنه إذن محكوم به في الموضعين.
والثاني: أنه لا يقطع وإن خرج به من الدار، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز. وحكى عبد الحق أن الذي لمالك في كتاب ابن المواز أنه يقطع إن خرج به من الدار، وليس ذلك بصحيح، لأنه قد نص في أول المسألة على ما حكيناه عنه، فيتأول ما وقع له في آخرها على أنه إنما أراد بذلك الأجنبي لئلا يتناقض قوله ويضطرب كلامه في مسألة واحدة.
وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها إذنا عاما للناس كالعالم والطبيب يأذن للناس في دخولهم إليه في داره، أو كالرجل يحجر على نفسه في ناحية من داره ويترك بابها مفتوحا يدخل بغير إذن، فهذه يجب القطع على من سرق من بيوتها المحجورة إذا خرج بسرقته من جميع الدار، ولا يجب القطع على من سرق من قاعة الدار وما لم يحجر من بيوتها وإن خرج من الدار. ولا اختلاف في هذا. وإنما
стр. 1360
لم يجب عليه القطع حتى يخرج من جميع الدار لأن بقية الدار من تمام الحرز، ففارقت المحجرة بأنها لا تدخل إلا بإباحة صاحبها وإنما لم يسقط عنه القطع إذا خرج من جميع الدار كالضيف على مذهب ابن القاسم لأن الضيف خصه بالإذن فصار مؤتمنا وكان له فيما أخذ- على مذهبه- حكم الخائن لا حكم السارق.
وأما الدار المشتركة بين ساكنيها المباحة للناس كالفنادق التي يسكن كل رجل بيته على حدة وقاعتها مباحة للبيع والشراء فيها فحكم قاعتها حكم المحجرة، فمن سرق من بيوتها شيئا كان من الساكنين فيها أو من غيرهم وأخذ في قاعة الدار فقد وجب عليه القطع، ولا خلاف في هذا أيضا.
وأما الدار االمشتركة بين سكانها المحجورة عن سائر الناس فلا اختلاف في أن السكان يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار وإن لم يخرج بها من الدار ولا أدخلها. ولا خلاف في أنه لا قطع على من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو خرج به عن الدار، إلا أن يكون الذي سرق من قاعتها دابة من مربطها المعروف لها وما أشبه ذلك من المتاع الثقيل الذي يجعل بعضه فوق بعض فيكون ذلك الموضع حرزا كمربط الدابة، فيكون حكم من سرق شيئا من ذلك منهم حكم من سرق من بيت من البيوت. وإن كان لأحد من ساكني هذه الدار زوجة فسرق أحد الزوجين أو عبده من مال صاحبه من بيت من الدار قد حجره عليهما أو أغلقه دونهما فعليهما القطع قولا واحدا أيضا. واختلف إن سرق الأجنبي من بيت من يموت الدار شيئا وأخذ في قاعتها قبل أن يخرج به من الدار، أو سرق مما وضع بعض الأشراك في قاعتها مثل الثوب ينشره فيها فأخرجه من الدار، فقيل: إنه يقطع به في الوجهين
стр. 1361
جميعا، وهو نص ما في كتاب ابن المواز، وظاهر ما في المدونة لابن القاسم في الوجه الأول ونص ما له فيها في الوجه الثاني. والقياس إذا قطع في الوجه الثاني ألا يقطع في الوجه الأول. وعلى هذا حمل عبد الحق ما في المدونة. وإذا قطع في الوجه الأول ألا يقطع في الوجه الثاني، وعلى هذا حمل أبو إسحاق التونسي ما في كتاب ابن المواز، وهو بعيد، لأنه قد نص على أنه يقطع في الوجهين. فإذا حمل عليه أنه لا يقطع في الوجه الثاني من أجل أنه نص على أنه يقطع في الوجه الأول، فيجب أن يحمل عليه أيضا أنه لا يقمع في الوجه الأول من أجل أنه نص على أنه يقطع في الوجه الثاني، فيكون ذلك اختلافا من قوله، ويتحصل في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أنه يقطع في الوجهين جميعا.
والثاني: أنه لا يقطع في الوجهين جميعا.
والثالث: أنه يقطع في الأول ولا يقطع في الثاني.
والرابع: أنه يقطع في الثاني ولا يقطع في الأول.
واختلف أيضا إذا سرق الأجنبي ما نسي بعض الأشراك في قاعة الدار مما لم يقصد إلى وضعه فيها، فروى سحنون عن ابن القاسم أنه يقطع. وذهب ابن المواز إلى أنه لا يقطع إذا كان مما لا يشبه أن يكون ذلك موضعه. وأما ما كان موضعا له كمربط الدابة وشبه ذلك فلا اختلاف أنه يقطع إذا أخرجه من الدار، وإن أخذ قبل أن يخرجه منها وقد بان به ونحاه عن موضعه جرى ذلك على الاختلاف المذكور إذا أخرجه من البيت إلى قاعة الدار.
فصل
وأما النصاب فإنه معتبر عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وأكثر أهل العلم. وشذت طائفة منهم فأوجبت القطع في القليل والكثير تعلقا بظاهر قول
стр. 1362
الله وقولُه الحق ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] فلم يخص قليلا من كثير. واحتجوا لذلك بقول النبي ﷺ : «لعن الله السارق يسرق البيضة ويقطع يده» فهذا منه ﷺ تنبيه على أنه يقطع في القليل والكثير إلى أشياء ذكروها. واحتجوا بها وتعلقوا بظاهرها لا حجة لهم بها، لأن الحد إذا ثبت عن النبي ﷺ وجب المصير إليه والعمل به لأن المفسر يقضي على المجمل، والخاص يقضي على العام. وقول النبي ﵇: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده؛» ليس على وجه التنبيه على إيجاب القطع في القليل والكثير، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يراد بها بيضة الحديد.
والثاني: أن يكون ﷺ قال ذلك على وجه التقليل كما قيل في العقيقة إنها تستجب ولو بعصفور، والعصفور لا يعق به ولا يجوز في العقيقة. وكما أمر ﷺ في الأمة أن تباع إذا زنت ثلاثا أو أربعا ولو بضفير، ومثل هذا كثير. فيكون معنى قوله الزجر عن السرقة وتحقير ما تقطع فيه يد السارق في جنب قطع يده، وهذا بين وبالله التوفيق.
فصل في معرفة حد النصاب عند من اعتبره
اختلف الذين اعتبروا النصاب في حده اختلافا كثيرا. فمنهم من قال: لا تقطع يد السارق في أقل من درهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من درهمين. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ثلاثة دراهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ربع دينار، ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم. ومنهم من
стр. 1363
قال: لا تقطع في أقل من أربعة دراهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من خمسة دراهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من دينار، ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم. فهذه عشرة أقوال أصحها قول مالك ومن تابعه أنه لا تقطع يد السارق ثلاثة دراهم كيلاً، وإن كان ذلك أكثر من ربع دينار. ومن سرق ما سوى الفضة والذهب لم يقطع إلا أن تكون قيمته ثلاثة دراهم. ولا تقوم السرقة بالذهب لأن الآثار تعضد قوله وتؤيده وتشهد بصحته. ثبت «أن رسول الله ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» وأنه قال: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراج والجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن». فدل ذلك من قوله- ﵇ على أن المسروق إنما يقوم بالدراهم لا بالدنانير، كما فعل عثمان ﵁ في الأترجة التي قومها بالدراهم فبلغت ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار فقطع سارقها. وقالت عائشة: ما طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا، معناه فيمن سرق الذهب بعينه لا فيمن سرق ما قيمته ربع دينار، لأن من سرق ما يقوم من العروض فالسنة فيه أن يقوم بالدراهم على ما ثبت من قوله ﷺ : «فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن».
فصل
وأيضا فالدراهم والدنانير كل واحد منها أصل في نفسه لا يرد إليه صاحبه لأنهما جميعا أثمان للأشياء وقيم للمتلفات، واختصت السرقة بالتقويم بالدراهم دون الدنانير من سائر المتلفات للسنة المذكورة.
стр. 1364
فصل
فلا تقوم السرقة إلا بالدراهم كان البلد تجري فيه الدنانير والدراهم أو لا يجري فيه أحدهما، وإنما يتعامل الناس فيه بالعروض. هذا مذهب مالك ﵀ وهو ظاهر قوله في المدونة ونص ما في كتاب ابن المواز خلاف قول أبي بكر الأبهري، وقال عبد الوهاب: إنما تقوم بالأغلب في البلد من الصنفين. وأما ما حكى عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية أن من سرق عرضا في بلد لا يتعامل الناس فيه إلا بالعروض فإنه يقوم في أقرب البلدان إليه التي يتعامل فيها الناس بالدراهم؛ فخطأ صراح لا يصح، إذ قد تكون السلعة بالبلد الذي سرقها فيه كاسدة مرغوبا عنها لا قيمة لها به وفي البلد الذي تجري فيه الدراهم لها قيمة كثيرة لقلتها فيه ونفاقها عندهم، فيؤول إلى قطع اليد في أقل من النصاب. والاعتبار بقيمة السرقة يوم سرقت وأخرجت من الحرز في قول مالك والشافعي خلافا لقول أبي حنيفة إنه تعتبر قيمتها يوم سرقها إلى يوم الحكم وبالله التوفيق.
فصل فيما يقطع فيه السارق من الذهب المغشوشة أو الناقصة
وسواء كان الذهب والفضة طيبين أو دنيئين إلا أن يكونا مغشوشين بالنحاس فلا يقطع في النصاب منهما إلا أن يكون النحاس الذي فيهما تافها يسيرا جدا لا قدر له.
فصل
وأما إن نقصت الذهب والفضة في الوزن، فإن كان نقصها نقصا بينا تتفق عليه الموازين فلا يقطع، وإن كان نقصانا يسيرا لا تتفق عليه الموازين قطع.
فصل
فأما إن كانت الدراهم تجوز عددا بأعيانها فنقصت في الوزن فقال في الرواية: إنها إن نقصت ثلاث حبات من كل درهم فلا يقطع، ظاهره وإن كانت تجوز بجواز
стр. 1365
الوازنة خلاف الزكاة. والفرق بينهما أن الزكاة الاحتياط فيها إيجابها، والسرقة الاحتياط فيها ترك القطع. وأما إن كان النقص فيها نحو الحبتين من كل درهم فقد قال أصبغ: إن ذلك يسير يقطع، معناه عندي إن كانت تجوز بجواز الوازنة. وقال أبو إسحاق التونسي قول أصبغ وإن كانت لا تجوز بجواز الوازنة. وإن كان هذا ظاهره فيقال: إن معناه خلاف ظاهره، والله تعالى أعلم.
فصل
ومذهب الشافعي في هذا قريب من مذهب مالك، لأن النصاب عنده في القطع ربع دينار فلا يقطع على مذهبه إلا من سرق ربع دينار ذهبا أو قيمته من العروض أو الدراهم، وهو قول محمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك، حكاه عنه ابن حارث.
فصل
وأما أهل العراق فلا يرون أن تقطع يد السارق في أقل من مثقال أو عشرة دراهم. ومنهم من يراعي المثقال دون العشرة دراهم فلا يوجب القطع على من سرق عشرة دراهم أو أكثر إذا كانت قيمتها أقل من مثقال. ومنهم من يراعي العشرة دراهم دون المثقال فلا يوجب القطع على من سرق مثقالا أو أكثر منه إذا كانت قيمته أقل من عشرة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة. وأصلهم في هذا ما «رواه ابن عباس وعمرو بن العاص أن ثمن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ كان عشرة دراهم.» قالوا: فهذان صاحبان قد خالفهما ابن عمر في قيمة المجن، فالأولى ألا تستباح يد أحد إلا بيقين. وهذا لا يلزم، لأنه يحتمل أن يكون قضية أخرى في مجن آخر فلا تتعارض الآثار، لأنه إذا وجب القطع في ثلاثة دراهم فلا شك أنه يجب في عشرة دراهم، وهذا بين، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1366
فصل
في السراق يجتمعون على
سرقة النصاب
القطع بإخراجه من الحرز، سرقه واحد من واحد، أو جماعة من جماعة، أو جماعة من واحد، أو واحد من جماعة إذا تعاونوا في إخراجه لحاجتهم على التعاون في ذلك، كما يقتل الواحد بالواحد والجماعة بالجماعة والواحد بالجماعة والجماعة بالواحد، وكما تقطع اليد باليد والأيدي بالأيدي والأيدي باليد واليد بالأيدي. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تقطع الجماعة بالسرقة وإن تعاونوا عليها حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما يجب فيه القطع، كل على مذهبه في النصاب، وتقتل الجماعة بالواحد، فناقضوا، والمناقضة للشافعي ألزم لأنه يقول: إن الجماعة تقتل بالواحد وإن الأيدي تقطع باليد. لأن النفس لا تتبعض واليد تتبعض فإنما قطع كل واحد منهم بعضها. وكذلك النصاب يتبعض عنده فإنما سرق كل واحد منهم بعضه. ونقض الشافعي في هذه المسألة أيضا أصله في قوله: إن عشرين رجلا إذا ملكوا عشرين مثقالا وكانوا شركاء فيها إن الزكاة واجبة عليهم لاشتراكهم في النصاب، وهذا بين في التناقض، ومن أصل أصلا فاسدا يبني عليه انهدم بنيانه. ولا اختلاف أحفظه في سرقة الواحد ما يجب فيه القطع من الجماعة المشتركين أنه يقطع، كما لم يختلفوا أن العبد يقتل بالعبد وإن يده تقطع بيده وإن كان العبد المقتول أو المقطوع يده لجماعة. واتفاقهم على هذا يقضي بصحة مذهب مالك في أن الجماعة تقطع إذا تعاونت في سرقة النصاب، لأن القطع إنما وجب لحرمة النصاب المسروق على الوجه الموصوف، كما وجب القصاص من النفس أو اليد لحرمتها، فوجب أن يتساوى ذلك كله في الواحد من الواحد والجماعة من الجماعة والواحد من الجماعة والجماعة من الواحد. فرحم الله مالك بن أنس فإنه كان أمير المؤمنين في الرأي والآثار، وأعرف الناس بالقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 1367
فصل
في بيان من يجب عليه القطع في السرقة
والقطع يجب على الأحرار والعبيد والذميين الحربيين المعاهدين من الرجال والنساء البالغين. هذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وعامة العلماء في جميع الأمصار. وإنما وقع الخلاف قديما في العبد الآبق، ثم انعقد الإجماع لعموم قول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨].
فصل
في معرفة ما يجب به القطع في السرقة
ولا يجب القطع إلا ببينة عادلة أو اعتراف. فأما البينة فشاهدا عدل، ولا يقطع بشاهد ويمين ولا بشاهد وامرأتين. وأما الاعتراف فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأتي مستهلا على نفسه بالسرقة من غير أن يؤخذ ويتهم بها.
والثاني: أن يقر على نفسه بها بعد أن يتهم بها فيؤخذ دون خوف ولا وعيد ولا تهديد.
والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب والوعيد أو التهديد.
والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب والوعيد أو التهديد.
فأما إذا استهل بذلك على نفسه من قبل أن يؤخذ فيقطع من غير تعيين قولا واحدا، وله أن يرجح عن إقراره إذا كان لرجوعه وجه. واختلف إذا جحد الإقرار أصلا أو لم يأت لرجوعه بوجه.
وأما إن كان إقراره بعد أن يؤخذ فاختلف فيه، قيل إنه يقطع بمجرد إقراره دون أن يعين السرقة التي أقر بها، وهو ظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة. وقيل:
стр. 1368
إنه لا يقطع حتى يعينها وهو قول ابن القاسم في رسم العتق من سماع أشهب من الكتاب المذكور. فإذا قلنا: إنه يقطع بمجرد إقراره دون تعيين على ظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة فله أن يرجع عن إقراره وإن لم يأت بوجه، وهو ظاهر ما في المدونة ولا خلاف عندي في هذا الوجه. وإذا قلنا: إنه لا يقطع إلا أن يعين فاختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا على قولين مرويين عن مالك ﵀ وقعا له في سماع عيسي من كتاب السرقة. والقولان هاهنا عندي إنما هما إذا قال إنما أقررت لوجه كذا، وأما إن جحد الإقرار أصلا بعد التعيين فلا يقال قولا واحدا.
وأما إذا ضرب أو هدد فأقر فلا يقطع بمجرد إقرار، فإن عين فاختلف هل يقطع أم لا على قولين قائمين من المدونة وغيرها. فإذا قلنا إنه يقطع على أحد القولين فإنما يقطع ما لم يرجع عن إقراره، وإن رجع عن إقراره أُقيل بلا خلاف. وإذا قلنا: إنه لا يقطع على القول الثاني فإن تمادى على إقراره بعد أمن ففي المدونة أنه يقطع. وقال ابن الماجشون: إنه لا يقطع.
فصل
فلرجوع السارق عن إقراره بالسَّرْق ثلاثة أحوال:
حال يقبل رجوعه فيها إن أتى وبه شبهة، ويحلف إذا جحد الإقرار أصلا وهي الحال التي يتفق على وجوب القطع فيها وعلى قبول رجوعه، وذلك إذا أتى تائبا مستهلا ثم رجع.
وحال يقبل رجوعه فيها وإن جحد الإقرار أصلا قولا واحدا وهي الحال التي لا يتفق على وجوب القطع عليه فيها، وذلك إذا أقر بعد أن يؤخذ ولم يعين ثم رجع، وإذا أقر بعد الضرب أو التهديد وعين ثم رجع.
وحال لا يقبل رجوعه إذا جحد الإقرار أصلا قولا واحدا، ويختلف إذا قال: أقررت لوجه كذا وكذا، وهي الحال التي يتفق على وجوب القطع عليه فيها، ويختلف في قبول رجوعه، وذلك إذا أقر بعد أن يؤخذ وعين ثم رجع. وبالله التوفيق.
стр. 1369
فصل
في بيان ما يجب فيه القطع من الأموال .
ويجب القطع في مذهب مالك في كل ما يتمول ويجوز بيعه، سواء كان مباح الأصل أو غير مباح الأصل، سواء كان مما يبقى أو مما يسرع إليه الفساد، خلاف قول أبي حنيفة فيما يسرع إليه الفساد، وخلاف قوله وقول الشافعي فيما كان مباح الأصل كالماء والحطب والكلأ وشبهه. وتعلق أبو حنيفة في ألا قطع في الطعام الذي لا يبقى ويسرع إليه الفساد، لقول رسول الله ﷺ : «لا قطع في ثمر ولا كثر» لأنه تأول أن القطع إنما يسقط في ذلك لأنه مما لا يبقى واعتل ذلك أيضا من طريق النظر بأن ما لم يحرز بغيره لا قطع فيه وإن كان محرزا بنفسه، فما يحرز بغيره وليس بمحرز بنفسه أولى ألا يقطع فيه، وليس هذا بشيء، والصحيح قول مالك، والدليل قول الله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لأنه عموم فلا يخص منه شيء إلا بدليل، ولا دليل لأبي حنيفة يصح به التخصيص في سرقة بعض الأموال إلا تأويله على الحديث، وتأويله عليه يعارض بما هو أولى منه، وذلك أن الحرز لم يأوه فلذلك لم يجب فيه القطع.
فصل
في ترتيب القطع في السرقة
وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى، ثم إن سرق قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق ضرب وحبس. هذا قول مالك ﵀ ومذهب أهل الحجاز. ولم ير أن يقتل بعد الرابعة على ما روي «عن النبي- ﷺ من رواية جابر بن عبد الله أنه أتي بعبد قد سرق فقطع يده اليمنى، ثم أتي به بعد ذلك قد سرق فقطع رجله اليسرى، ثم أتى به بعد ذلك قد سرق فقطع يده اليسرى، ثم أتي به بعد قد سرق فقطع رجله اليمنى، ثم أتي به بعد قد سرق فقتله» لأنه حديث غير صحيح. وفي حديث
стр. 1370
مصعب بن ثابت: قتل السارق بالحجارة في الخامسة ولم يقل به أحد من أهل العلم إلا ما ذكره أبو المصعب في مختصره عن أهل المدينة مالك وغيره، وهذا غير صحيح لقول رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث أن يكفر بعد إسلامه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير حق». ولو صح الخبر لوجب أن يحمل على أنه خرج على وجه التغليظ كقوله في شارب الخمر: اقتلوه. تغليظا وزجرا، والله أعلم.
فصل
وذهب أهل العراق إلى أنه تقطع يده اليمنى ثم رجله اليمنى ولا يقطع منه شيء بعد ذلك. واتفق جمهور السلف والخلف من أهل الحجاز والعراق على قطع الرجل بعد اليد وإن كان الله لم يذكر في كتابه إلا الأيدي للسنة الثابتة في ذلك عن النبي ﷺ . وشذت طائفة من التابعين وبعض أهل الظاهر فلم يروا أن تقطع من السارق إلا الأيدي لا أكثر، وهو مذهب الخوارج.
فصل
في حد القطع في السرقة
وتقطع يد السارق من الكوع لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. واختلفوا في الرجل، فالذي عليه مالك ﵀ وجل أهل العلم أنه يقطع من المفصل الذي في أصل السارق. وقال في المدونة: تحت الكعبين ويبقى الكعبان في الساقين. وقال في كتاب ابن شعبان: بين الكعبين، وقيل إنه يقطع من المفصل الذي في وسط القدم ويترك له العقب حكاه ابن شعبان عن علي وابن عباس وعطاء وابن جعفر. وقال إنه موضع يحتمل الاختلاف لأن المفصل الذي في وسط القدم هو أول المفاصل الذي يأتي على جميع أصابع الرجل، كما أن الرسغ هو أول المفاصل الذي يأتي على أصابع اليد، فشبهوا هذا بهذا. هذا معنى قوله دون لفظه. والله أعلم.
следующие страницы →