← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فصل في السراق يجتمعون على سرقة النصاب القطع بإخراجه من الحرز، سرقه واحد من واحد، أو جماعة من جماعة، أو جماعة من واحد، أو واحد من جماعة إذا تعاونوا في إخراجه لحاجتهم على التعاون في ذلك، كما يقتل الواحد بالواحد والجماعة بالجماعة والواحد بالجماعة والجماعة بالواحد، وكما تقطع اليد باليد والأيدي بالأيدي والأيدي باليد واليد بالأيدي. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تقطع الجماعة بالسرقة وإن تعاونوا عليها حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما يجب فيه القطع، كل على مذهبه في النصاب، وتقتل الجماعة بالواحد، فناقضوا، والمناقضة للشافعي ألزم لأنه يقول: إن الجماعة تقتل بالواحد وإن الأيدي تقطع باليد. لأن النفس لا تتبعض واليد تتبعض فإنما قطع كل واحد منهم بعضها. وكذلك النصاب يتبعض عنده فإنما سرق كل واحد منهم بعضه. ونقض الشافعي في هذه المسألة أيضا أصله في قوله: إن عشرين رجلا إذا ملكوا عشرين مثقالا وكانوا شركاء فيها إن الزكاة واجبة عليهم لاشتراكهم في النصاب، وهذا بين في التناقض، ومن أصل أصلا فاسدا يبني عليه انهدم بنيانه. ولا اختلاف أحفظه في سرقة الواحد ما يجب فيه القطع من الجماعة المشتركين أنه يقطع، كما لم يختلفوا أن العبد يقتل بالعبد وإن يده تقطع بيده وإن كان العبد المقتول أو المقطوع يده لجماعة. واتفاقهم على هذا يقضي بصحة مذهب مالك في أن الجماعة تقطع إذا تعاونت في سرقة النصاب، لأن القطع إنما وجب لحرمة النصاب المسروق على الوجه الموصوف، كما وجب القصاص من النفس أو اليد لحرمتها، فوجب أن يتساوى ذلك كله في الواحد من الواحد والجماعة من الجماعة والواحد من الجماعة والجماعة من الواحد. فرحم الله مالك بن أنس فإنه كان أمير المؤمنين في الرأي والآثار، وأعرف الناس بالقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 1367

فصل في بيان من يجب عليه القطع في السرقة والقطع يجب على الأحرار والعبيد والذميين الحربيين المعاهدين من الرجال والنساء البالغين. هذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وعامة العلماء في جميع الأمصار. وإنما وقع الخلاف قديما في العبد الآبق، ثم انعقد الإجماع لعموم قول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]. فصل في معرفة ما يجب به القطع في السرقة ولا يجب القطع إلا ببينة عادلة أو اعتراف. فأما البينة فشاهدا عدل، ولا يقطع بشاهد ويمين ولا بشاهد وامرأتين. وأما الاعتراف فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يأتي مستهلا على نفسه بالسرقة من غير أن يؤخذ ويتهم بها. والثاني: أن يقر على نفسه بها بعد أن يتهم بها فيؤخذ دون خوف ولا وعيد ولا تهديد. والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب والوعيد أو التهديد. والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب والوعيد أو التهديد. فأما إذا استهل بذلك على نفسه من قبل أن يؤخذ فيقطع من غير تعيين قولا واحدا، وله أن يرجح عن إقراره إذا كان لرجوعه وجه. واختلف إذا جحد الإقرار أصلا أو لم يأت لرجوعه بوجه. وأما إن كان إقراره بعد أن يؤخذ فاختلف فيه، قيل إنه يقطع بمجرد إقراره دون أن يعين السرقة التي أقر بها، وهو ظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة. وقيل:

стр. 1368

إنه لا يقطع حتى يعينها وهو قول ابن القاسم في رسم العتق من سماع أشهب من الكتاب المذكور. فإذا قلنا: إنه يقطع بمجرد إقراره دون تعيين على ظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة فله أن يرجع عن إقراره وإن لم يأت بوجه، وهو ظاهر ما في المدونة ولا خلاف عندي في هذا الوجه. وإذا قلنا: إنه لا يقطع إلا أن يعين فاختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا على قولين مرويين عن مالك ﵀ وقعا له في سماع عيسي من كتاب السرقة. والقولان هاهنا عندي إنما هما إذا قال إنما أقررت لوجه كذا، وأما إن جحد الإقرار أصلا بعد التعيين فلا يقال قولا واحدا. وأما إذا ضرب أو هدد فأقر فلا يقطع بمجرد إقرار، فإن عين فاختلف هل يقطع أم لا على قولين قائمين من المدونة وغيرها. فإذا قلنا إنه يقطع على أحد القولين فإنما يقطع ما لم يرجع عن إقراره، وإن رجع عن إقراره أُقيل بلا خلاف. وإذا قلنا: إنه لا يقطع على القول الثاني فإن تمادى على إقراره بعد أمن ففي المدونة أنه يقطع. وقال ابن الماجشون: إنه لا يقطع. فصل فلرجوع السارق عن إقراره بالسَّرْق ثلاثة أحوال: حال يقبل رجوعه فيها إن أتى وبه شبهة، ويحلف إذا جحد الإقرار أصلا وهي الحال التي يتفق على وجوب القطع فيها وعلى قبول رجوعه، وذلك إذا أتى تائبا مستهلا ثم رجع. وحال يقبل رجوعه فيها وإن جحد الإقرار أصلا قولا واحدا وهي الحال التي لا يتفق على وجوب القطع عليه فيها، وذلك إذا أقر بعد أن يؤخذ ولم يعين ثم رجع، وإذا أقر بعد الضرب أو التهديد وعين ثم رجع. وحال لا يقبل رجوعه إذا جحد الإقرار أصلا قولا واحدا، ويختلف إذا قال: أقررت لوجه كذا وكذا، وهي الحال التي يتفق على وجوب القطع عليه فيها، ويختلف في قبول رجوعه، وذلك إذا أقر بعد أن يؤخذ وعين ثم رجع. وبالله التوفيق.

стр. 1369

فصل في بيان ما يجب فيه القطع من الأموال . ويجب القطع في مذهب مالك في كل ما يتمول ويجوز بيعه، سواء كان مباح الأصل أو غير مباح الأصل، سواء كان مما يبقى أو مما يسرع إليه الفساد، خلاف قول أبي حنيفة فيما يسرع إليه الفساد، وخلاف قوله وقول الشافعي فيما كان مباح الأصل كالماء والحطب والكلأ وشبهه. وتعلق أبو حنيفة في ألا قطع في الطعام الذي لا يبقى ويسرع إليه الفساد، لقول رسول الله ﷺ : «لا قطع في ثمر ولا كثر» لأنه تأول أن القطع إنما يسقط في ذلك لأنه مما لا يبقى واعتل ذلك أيضا من طريق النظر بأن ما لم يحرز بغيره لا قطع فيه وإن كان محرزا بنفسه، فما يحرز بغيره وليس بمحرز بنفسه أولى ألا يقطع فيه، وليس هذا بشيء، والصحيح قول مالك، والدليل قول الله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لأنه عموم فلا يخص منه شيء إلا بدليل، ولا دليل لأبي حنيفة يصح به التخصيص في سرقة بعض الأموال إلا تأويله على الحديث، وتأويله عليه يعارض بما هو أولى منه، وذلك أن الحرز لم يأوه فلذلك لم يجب فيه القطع. فصل في ترتيب القطع في السرقة وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى، ثم إن سرق قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق ضرب وحبس. هذا قول مالك ﵀ ومذهب أهل الحجاز. ولم ير أن يقتل بعد الرابعة على ما روي «عن النبي- ﷺ من رواية جابر بن عبد الله أنه أتي بعبد قد سرق فقطع يده اليمنى، ثم أتي به بعد ذلك قد سرق فقطع رجله اليسرى، ثم أتى به بعد ذلك قد سرق فقطع يده اليسرى، ثم أتي به بعد قد سرق فقطع رجله اليمنى، ثم أتي به بعد قد سرق فقتله» لأنه حديث غير صحيح. وفي حديث

стр. 1370

مصعب بن ثابت: قتل السارق بالحجارة في الخامسة ولم يقل به أحد من أهل العلم إلا ما ذكره أبو المصعب في مختصره عن أهل المدينة مالك وغيره، وهذا غير صحيح لقول رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث أن يكفر بعد إسلامه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير حق». ولو صح الخبر لوجب أن يحمل على أنه خرج على وجه التغليظ كقوله في شارب الخمر: اقتلوه. تغليظا وزجرا، والله أعلم. فصل وذهب أهل العراق إلى أنه تقطع يده اليمنى ثم رجله اليمنى ولا يقطع منه شيء بعد ذلك. واتفق جمهور السلف والخلف من أهل الحجاز والعراق على قطع الرجل بعد اليد وإن كان الله لم يذكر في كتابه إلا الأيدي للسنة الثابتة في ذلك عن النبي ﷺ . وشذت طائفة من التابعين وبعض أهل الظاهر فلم يروا أن تقطع من السارق إلا الأيدي لا أكثر، وهو مذهب الخوارج. فصل في حد القطع في السرقة وتقطع يد السارق من الكوع لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. واختلفوا في الرجل، فالذي عليه مالك ﵀ وجل أهل العلم أنه يقطع من المفصل الذي في أصل السارق. وقال في المدونة: تحت الكعبين ويبقى الكعبان في الساقين. وقال في كتاب ابن شعبان: بين الكعبين، وقيل إنه يقطع من المفصل الذي في وسط القدم ويترك له العقب حكاه ابن شعبان عن علي وابن عباس وعطاء وابن جعفر. وقال إنه موضع يحتمل الاختلاف لأن المفصل الذي في وسط القدم هو أول المفاصل الذي يأتي على جميع أصابع الرجل، كما أن الرسغ هو أول المفاصل الذي يأتي على أصابع اليد، فشبهوا هذا بهذا. هذا معنى قوله دون لفظه. والله أعلم.

стр. 1371

فصل في السارق يقطع وقد استهلك السرقة وأجمع أهل العلم على أن السلعة المسروقة إذا وجدت قائمة بيد السارق فإنها ترد إلى صاحبها. واختلفوا إذا تلفت عنده وأقيم عليه الحد هل يتبع بها أم لا على أربعة أقوال: أحدها: أنه يتبع بها في اليسر والعدم وهو قول الشافعي. والثاني: أنه لا يتبع بها في اليسر ولا في العدم، حكى هذا القول إسماعيل القاضي عن أهل الشرق. والثالث: أن المسروق منه مخير إن شاء اتبع السارق بقيمة سرقته ولم تقطع يده، وإن شاء بذل له القيمة وترك اتباعه بها وقطعت يده. هذا قول أبي حنيفة، حكاه عنه عبد الوهاب في شرح الرسالة، فلا يجب للإمام على مذهبه إذا تلفت السرقة أن يقطع يد السارق إلا بعد تخيير المسروق منه. وذهب مالك ﵀ إلى أنه إن كان متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم أقيم عليه الحد ضمن قيمة السرقة، وإن كان عديما أو أعدم في بعض المدة سقط عنه الغرم، وهذا هو الصحيح، لأنه إذا كان موسرا متصل اليسار فكأن سرقة قائمة العين لأنه وإن أتلفها فقد وفى بها ماله. وهذا التعليل إنما يصح إذا أتلفها بالاستيفاء وأما إذا أتلفها بالجناية عليها أو تلفت بأمر من السماء فلم يف بتلافها ماله فيلزم عليه ألا يؤخذ من ماله وإن اتصل يسره إذا تلفت بأمر من السماء أو بجنايته عليها، وهذا ما لم يقولوه. فالعلة الصحيحة في هذا على مذهب مالك أنه إنما وجب ألا يتبع بقيمة السرقة في العدم إذا قطعت يده لئلا تجتمع عليه عقوبتان: قطع يده واتباع ذمته ولم يوجب الله عليه إلا عقوبة واحدة جزاء بما كسب فقال: فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسب. وأما في الملأ فيرد على المسروق منه قيمة سرقته وإن قطعت يده، كما يرد عليه عين سرقته بالإجماع إذا ألفيت قائمة بيده وليس ذلك عقوبة ثانية. ولا يلزم على

стр. 1372

هذا أن يؤخذ منه إذا أيسر بعد أن أعدم لأن العدم قد أسقطها عنه، إذ لا يصح أن تتبع ذمته بها فيكون ذلك عقوبة أخرى، وإذا سقطت عن ذمته لم يصح أن تعود عليه والله أعلم. فصل في حكم توبة السارق توبة السارق غير مقبولة منه في إسقاط الحد عنه بخلاف توبة المحارب، لأن الله فرق بينهما في كتابه، فأمر بإقامة الحد عليهم ثم عقب بذكر التوبة من غير استثناء فجعلها مستقلة بعد القطع، فدل ذلك على أن توبته لا تسقط عنه الحد وإن أسقطت عنه الإثم إذا صحت توبته ورد السرقة على صاحبها وتحلله من إمساكها عنه. وذكر تعالى إقامة الحد على المحاربين ثم استثنى منهم من تاب ألا يقام عليه الحد فقال تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. وهاتان الآيتان أصل في أن تقبل توبة المرتد وكل معلن بما كان عليه، وألا تقبل توبة الزنديق ولا الساحر ولا الزاني ولا الشارب للخمر ومن أشبههم من المستترين بما كانوا عليه إذا أسرتهم البينة لأنهم يتمنون أن يكون ذلك منهم تحيلا لإسقاط الحدود منهم. قال الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ - فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] إلى قوله: الكافرون وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]. وبالله سبحانه التوفيق لا رب غيره. تم كتاب السرقة بحمد الله وعونه يتلوه كتاب الحرابة

стр. 1373

كتاب المحاربين والمرتدين القول في ماهية الحرابة وما الواجب فيها قال الله : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. فجعل الفساد في الأرض بمنزلة القتل في وجوب القتل به. فمعنى الآية من قتل نفسا بغير نفس أو بغير فساد في الأرض فأسقط غير وعطف الكلام على ما قبله ثم بين الله ﵎ الفساد في الأرض المذكور في هذه الآية ما هو فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. فصل فمحاربة الله ورسوله عصيانهما بإخافة السبيل، وإخافة السبيل هو السعي في الأرض فسادا أو السعي في الأرض فسادا هو الحرابة نفسها لا غيرها. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] تكرير لذكر الحرابة بغير اسم الحرابة على سبيل التأكيد، وهو كثير موجود في القرآن ولسان العرب. قال الله : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، والبث والحزن شيء واحد. وقال: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢]

стр. 1374

وهما شيء واحد. وقال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فأعاد ذكر جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة تأكيدا لهما. وقال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] والنخل والرمان من الفاكهة، وهذا كثير، وبالله التوفيق. فصل فمن أخاف السبيل فقد استحق اسم الحرابة بإجماع، ولهذا قال مالك ﵀: إن الإمام مخير في المحارب، وإن لم يقتل ولا أخذ مالا إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطعه من خلاف وإن شاء ضربه ونفاه، لأن الله خير في عقوبة المحارب بأحد هذه الأربعة الأشياء فقال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، لأن كل ما قال الله فيه افعل كذا أو كذا فصاحبه بالخيار في فعل أي ذلك شاء، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومثل قوله في كفارة الأيمان: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. فصل وقد اختلف فيمن نزلت هذه الآية فقيل: إنها نزلت في المشركين الحربيين، فالإمام مخير بهذه الآية في أسرى المشركين إن شاء قتلهم وإن شاء صلبهم وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وقد قيل: إنها نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يصلب وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء أن ينفي. وروي هذا عن ابن عباس ﵁. وقيل: إنها

стр. 1375

نزلت في «الرهط من عرينة أو عكل الذين أتوا النبي ﵇ فقالوا: يا رسول الله إنا كنا أهل ريف وإنا استوخضنا المدينة، فأنزلهم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم فأتي بهم إلى رسول الله ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة يستطعمون فلا يطعمون ويستسقون فلا يسقون حتى ماتوا». روي هذا عن أنس بن مالك وجاء عنه أنه أحرقهم بالنار بعد قتلهم. فصل ولم يعلم أن رسول الله ﷺ مثل بأحد غير هؤلاء قبل ولا بعد. وثبت عنه أنه نهى عن المثلة. واختلف في حكم النبي ﷺ في هؤلاء الرهط، فقيل: إنه منسوخ، نسخه نهيه ﷺ عن المثلة، وقيل: إنه نسخ بهذه الآية وإنها إنما نزلت عتابا لما فعل بهم، وقيل: إنه حكم ثابت في نظرائهم أبدا غير منسوخ لأنهم ارتدوا وقتلوا وحاربوا وسرقوا، فحكمهم غير حكم من حارب وسعى في الأرض فسادا من أهل الإسلام وأهل الذمة الذين ثبت الحكم فيهم بالآية. وقيل: إنهم سملوا أعين الرعاء فلذلك سمل رسول الله ﷺ أعينهم. وقيل: إن رسول الله ﷺ لم يسمل أعينهم لكنه أراد أن يفعل ذلك فأنزل الله الآية فعرفه بالحكم فيهم ونهاه عن سمل أعينهم. فصل فأما قول من قال إن الآية نزلت في المشركين الحربيين فإنه بعيد جدا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فيها: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. ولا اختلاف أن توبة الحربي تسقط عنه بالرمة من الأحكام في حال كفره سواء أسلم قبل القدرة عليه أو

стр. 1376

بعد ذلك وكذلك قول من قال: إن الآية نزلت في الذين حكم فيهم رسول الله ﷺ بما حكم من قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم بعيد أيضا لمخالفة حكمه فيهم ما تضمنته الآية من العقوبات مع تظاهر الآثار بأن الآية إنما وردت بعد الذي كان من حكم رسول الله ﷺ في هؤلاء الرهط المذكورين. فصل وأولى ما قيل في الآية أن الله أنزلها على رسوله إعلاما منه له بالحكم فيمن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل الإسلام وأهل الذمة، وأن سبب نزولها كان نقض ناقض من أهل الذمة من بني إسرائيل عهده وسعيه في الأرض بالفساد. وإنما قلنا إن ذلك أولى ما قيل في الآية لأن القصص التي قصها الله قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبيائهم وأن تكون هذه الآية المتوسطة بين ذلك تقتضي تعريف الحكم فيهم وفي نظائرهم أولى ما قيل في ذلك مع ما روي عن ابن عباس أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فيحتمل أن يكونوا من بني إسرائيل والله أعلم وأحكم. فصل وليس معنى قول مالك ومن قال بقوله في تخيير الإمام في عقوبة المحارب إنه يفعل فيه بالهوى، ولكن معناه أنه يتخير من العقوبات التي جعلها الله جزاءه ما يرى أنه أقرب إلى الله وأولى بالصواب بالاجتهاد فكم من محارب لم يقتل هو أضر على المسلمين ممن قتل في تدبيره وتأليبه على قطع طرق المسلمين. فصل فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد فيه قتله أو صلبه لأن القطع لا يرفع ضرره عن المسلمين. وإن لم يكن على هذه الصفة وأخذ بحضرة خروجه أخذ فيه بأيسر ذلك وهو الضرب والنفي.

стр. 1377

فصل وأما إن قتل فلا بد من قتله ولا يخير الإمام في قطعه ولا في نفيه، وإنما له التخيير في قتله أو صلبه. وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير للإمام في نفيه وإنما له التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف. هذا تحصيل مذهب مالك ﵀. وقد وقع في بعض روايات المدونة أنه من نصب نصبا شديدا أو علا أمره وطال زمانه فإن الإمام يقتله ولا خيار له فيه. معناه أنه لا ينبغي للإمام أن يأخذ في مثل هذا إلا بالقتل لأنها العقوبة المختارة في مثله بالاجتهاد، فلا تكون هذه الرواية على هذا التأويل خلافا لأصله الذي حكيناه عنه. فصل وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى أن أو في هذه الآية ليست للتخيير وإنما هي للترتيب والتعقيب. وأن العقوبات التي أنزلها الله في المحارب تختلف باختلاف إجرامه. قالوا لأن كل موضع ذكر الله فيه عقوبات مختلفة وقصد الترتيب بدأ بالأغلظ فالأغلظ، وإن قصد التخيير بدأ بالأخف فالأخف. مثال الأول: كفارة الظهار والقتل. ومثال الثاني: كفارة اليمين وفدية الأذى. فلما بدأ الله في المحارب بالقتل ثم الصلب ثم القطع ثم النفي علمنا أنه قصد الترتيب لا التخيير. وهذه دعوى لا دليل عليها. بل الدليل قائم على بطلانها، من ذلك قول الله : ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] فبدأ بالقتل وهو أخف من الصلب فذلك يوجب التخيير على مذهبهم بين القتل والصلب وهم لا يقولونه. وأيضا فإن الله قال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فبدأ بالهدي وهو أغلظ من الإطعام والصيام فكان ذلك

стр. 1378

على التخيير ولم يكن على الترتيب وأيضا فلو كان اللسان العربي يوجب الترتيب إذا بدأ في العقوبات بالأغلظ فالأغلظ على ما قالوه دون التخيير لما احتاج تعالى أن يقول في كفارة القتل وكفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، ولقال أو صيام شهرين متتابعين لأن أو أخف على اللسان وأوجز في الكلام، لأن البلاغة إنما هي في بيان المعاني مع اختصار اللفظ مع أنا لا نقول إن عتق رقبة أغلظ من صيام شهرين متتابعين بل صيام شهرين متتبابعين أشد وأغلظ من عتق رقبة لا سيما على من هو كثير اليسار، وفي بعض هذا كفاية. فصل واستندوا فيما ذهبوا إليه من ذلك إلى ما روي عن ابن عباس أن المحارب إذا حارب وقتل قتل وإن حارب وقتل وأخذ المال صلب. وإن حارب وأخذ المال ولم يقتل قطع من خلاف، وإن حارب السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا نفي إلا أن يتوب في ذلك كله قبل أن يقدر عليه. فصل فأما الشافعي فقال بقول ابن عباس هذا. وقد اختلفت الروايات عنه اختلافا كثيرا أعني ابن عباس. وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: إن أخاف السبي ولم يقتل وظفر به قبل أن يتوب حبس لقول الله عزوجل: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، وتأولوا أن النفي الحبس. وإن أخذ مالا فكان ما أخذ عشرة دراهم فصاعدا قطعت يده ورجله من خلاف. فإن قتل وأخذ المال فإن أبا حنيفة قال: الإمام بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف أو صلبه وقتله على الخشبة، وإن شاء لم يصلبه وقطع يده ورجله من خلاف ثم قتله، وإن شاء قتله بغير صلب أو قطع. قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهما: إذا وجب عليه القتل لم يقطع لأن القتل يأتي على كل شيء، ولكن أحب إليهم أن يقتل على الخشبة مصلوبا. فإن خرج

стр. 1379

ولم يفعل غير ذلك كان أمره إلى المخروج ولم يحكم عليه بحكم المحارب وبالله التوفيق. فصل واختلف في معنى قول الله : ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، فقيل: إنه يقتل ثم يصلب ليرتدع أهل الفساد، وهو قول أشهب. وقيل: إنه يصلب حيا ويقتل في الخشبة وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون وهو اختيار ابن بكير، لأن الصلب أن يقتل مصلوبا فيسيل دمه وهو مربوط في الخشبة من قولهم: تمر مصلب إذا كان ذا صفر سائل، ولأن الله إنما خير في صفة قتله ولو كان إنما خير في صلبه بعد قتله لقال أن يقتلوا، أو يقتلوا ثم يصلبوا، وهذا بين. فصل فعلى مذهب من رأى أنه يقتل ثم يصلب يصلي عليه قبل الصلب. واختلف في الصلاة عليه على مذهب من يرى أنه يقتل في الخشبة فقال ابن الماجشون في الواضحة: ينزل من الخشبة حتى تأكله الكلاب والسباع، ولا يترك أحد من أهله ولا من غيرهم أن ينزله ليدفنه ولا ليصلي عليه. قال في الثمانية: ويصف خلف الخشبة ويصلى عليه وهو مصلوب، خلاف ظاهر قوله في الواضحة. وقال سحنون: إذا قتل في الخشبة أنزل منها وصلي عليه. واختلف قوله: هل يعاد فيها ليذعر بذلك أهل الفساد أم لا على قولين. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يبقى في الخشبة أكثر من ثلاثة أيام ثم ينزل لأن إبقاءه عليها أكثر من ثلاثة أيام مثلة. وهذا التحديد تحكم بغير دليل ولا برهان. فصل وأما قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فمعناه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى. واختلف إذا

стр. 1380

كان أشل اليد اليمنى أو مقطوعها في قصاص أو جناية وشبهه. فقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى حتى يكون القطع من خلاف كما قال الله . وقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى، وقول ابن القاسم أظهر. فصل وأما قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] فاختلف في تأويله روى مطرف عن مالك أن النفي السجن، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال ابن القاسم ورواه عن مالك إن النفي أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أقله ما تقصر فيه الصلاة فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته. وقال ابن الماجشون معنى ذلك أن يطلبهم الإمام لإقامة الحد عليهم فيكون هروبهم إقامة الحد عليهم هو النفي، فأما أن ينفى بعد أن يقدر عليه فلا. وقال السدي وغيره: هو أن يطلبهم الإمام بالخيل حتى يأخذهم فيقيم فيهم الحكم أو ينفوا من أرض الإسلام إلى أرض الحرب، وهو نحو قول ابن الماجشون. فعلى قول هؤلاء تكون العقوبات التي ذكر الله في المحارب بعضها لمن قدر عليه، وبعضها لمن لم يقدر عليه - والأشبه أن تكون كلها فيمن قدر عليه. وقيل: إن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلده إلى بلد آخر، وهو قول سعيد بن جبير وغيره، وهو بعيد، لأن نفي المحارب عن بلده إلى بلد آخر ليس بعقوبة له، إذ هو في حرابته وخروجه غائب عن بلده، فإنما نفيه إلى بلد آخر دون أن يسجن إحمال له وتسليط وبعث على التزيد في العبث والفساد. فصل وأما قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] فإن أهل العلم اختلفوا في هذا المعنى في أربعة مواضع: أحدها: قبول توبة المحارب من أهل الإسلام وأهل الذمة. والثاني: في صفة المحارب التي تقبل منه التوبة. والثالث: في صفة التوبة التي تقبل منه.

стр. 1381

والرابع: فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام. فأما الموضع الأول وهو قبول التوبة منه فإن الأصل في ذلك قولين: أحدها: أن توبته لا تقبل منه ولا تسقط حقا من الحقوق ولا حكما من الأحكام. قال ذلك من ذهب إلى أن الآية نزلت في المشركين من أهل الحرب، وهو قول الحسن، وقد بينا ضعف هذا القول. والثاني: أن توبته تقبل منه، وهو قول جل أهل العلم. ثم اختلف هؤلاء في صفة المحارب الذي تقبل منه التوبة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا تقبل منه إلا أن يخرج في حرابته من دار الإسلام ويلحق بدار الحرب. والثاني: أنها لا تقبل منه إلا أن يكون قد لحق بدار الحرب أو كانت له فئة في بلد الإسلام وإن لم يلحق بدار الحرب. والثالث: أنها تقبل منه في جميع الأحوال كان وحده لا فئة له أو كانت له فئة ولم يلحق بدار الحرب أو كان قد لحق في حرابته بدار الحرب. واختلفوا أيضا في صفة توبته التي تقبل منه على أقوال: أحدها: أن توبته تكون بوجهين: أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام. والثاني: أن يلقي سلاحه ثم يأتي الإمام طائعا وهو مذهب ابن القاسم. والقول الثاني: أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه ويجلس في موضعه ويظهر لجيرانه. وأما إن ألقى سلاحه وأتى الإمام طائعا فإنه يقيم عليه حد الحرابة إلا أن يكون قد ترك قبل أن يأتيه ما هو عليه وجلس في موضعه حتى لو علم الإمام حاله لم يقم عليه حد الحرابة، وهذا قول ابن الماجشون. والقول الثالث: أن توبته إنما تكون بالمجيء إلى الإمام، وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكما من الأحكام إن أخذ قبل أن يأتي الإمام. واختلفوا أيضا فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام على أربعة أقوال:

стр. 1382

أحدها: أن التوبة لا تسقط عنه إلا حد الحرابة ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الناس. والثاني: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابه وجميع حقوق الله من الزنى والقطع في السرقة وشرب الخمر وما أشبه ذلك. ويتبع بحقوق الناس من الأموال في ذمته، وإن كان قتل فإن أولياء القتيل فيه بالخيار بين أن يقتلوا أو يعفوا. والثالث: أن التوبة تسقط عنه حق الحرابة وجميع حقوق الله وما أخذ من الأموال، إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم بعينه لم يتلفه أو يكون قد قتل فيكون للأولياء أن يستقيدوا منه إن شاءوا، وهذه رواية الوليد بن مسلم عن مالك. والرابع: أن التوبة تسقط جميع ما فعله من حق الله أو لأحد من الناس في دم أو مال إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم بيده بعينه. فصل وقد اختلف في المحارب إذا امتنع فأمنه الإمام على أن ينزل، فقيل: إن له الأمان ويسقط عنه به حد الحرابة. وقيل: لا أمان له ويقام عليه حد الحرابة، لأنه إنما يؤمن المشرك على أن يؤدي الجزية ويكون على الذمة، وتأمين المحارب إنما هو على أن يعطل إقامة الحدود فيهم وذلك ما لا يصح، وهو قول ابن الماجشون. فصل فيمن حارب على تأويل كأهل الأهواء فهذا كله في المحارب، الذي يخرج فسقا وخلوعا على غير تأويل. وأما من حارب على تأويل فقتل وأخذ المال مثل الحرورية والإباضية والقدرية وأهل الأهواء كلهم ثم أخذ ولم يتب فإنه لا يقام عليه حد الحرابة ولا يؤخذ منه ما أخذ من المال وإن كان موسرا إلا أن يوجد بيده شيء بعينه فيرد إلى ربه. واختلفوا هل يقتل بمن قتل قصاصا. إذا تاب أو أخذ قبل أن يتوب. فقال عطاء وأصبغ: يقتل به قودا. وقال مطرف وابن الماجشون عن مالك: لا يقتل به ولا يقاد منه. ومثله في الأثر من

стр. 1383

كتاب الجهاد من المدونة من قول ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى فأدركت رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرون أن يهدم أمر الفتنة فلا يقام على أحد قصاص فيمن قتل ولا حد في سبي امرأة مست، ولا يرى بينهما وبين زوجها ملاعنة، يريد إن نفى ولدها، ولا يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد. ومن أسر منهم في الحرب وهي قائمة لم يظهر بعد على أهل رأيه فللإمام أن يقتله إن رأى ذلك لما يخاف من أن يعين مع أصحابه على المسلمين. وإن كان ذلك بعد انقطاع الحرب والظهور على أهل رأيه فإنه لا يقتل، وحكمه حكم البدعي في جماعة المسلمين الذي لا يدعو إلى بدعته يستتاب في قول ذلك فإن تاب وإلا قتل. وهو قول مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ. وفي قول ابن الماجشون وسحنون ينهى عن بدعته ويؤدب ويستتاب ويقبل منه ما أظهر من قليل التوبة أو كثيرها وهو قول عطاء وبالله التوفيق. فصل وأما المحارب إذا ارتد فحارب في ردته فقتل وأخذ المال ثم ظهر عليه فإنه يقتل بالحرابة ولا يستتاب كما يستتاب المرتد إذا لم يحارب، ولا يجوز لأولياء المقتول العفو عنه كانت حرابته في بلد الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب. وأما إن أسلم المرتد المحارب في ارتداده بعد أن أخذ أو قبل أن يؤخذ فإن كانت حرابته في بلد الحرب فهو كالحربي يسلم لاتباعة عليه في شيء مما فعل في بلد الحرب في حال ارتداده. وأما إن كانت حرابته في بلد الإسلام فإنما يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصة ويغرم ما أخذ من المال إن كان له مال ويتبع به في ذمته إن لم يكن له مال بمنزلة ما استهلك من الأموال بغير حرابة. وكذلك ما أصاب من الدماء والجراح يحكم عليه في ذلك بما يحكم على المرتد إذا قتل أو جرح في حال ارتداده ثم أسلم. وهذا أصل اختلف فيه قول ابن القاسم، فمرة نظر إلى حال المرتد في القود والدية يوم الفعل، ومرة نظر إلى حاله يوم الحكم، ومرة فرق بين الدية والقود فنظر إلى القول يوم الفعل وإلى الدية يوم الحكم.

стр. 1384

فصل فعلى قوله الذي نظر إلى حالة المرتد يوم الفعل في الجناية والدية إن كان قتل مسلما أو نصرانيا عمدا أقيد منه بهما لأنه كان كافرا يوم العقل، والكافر يقتل بالكافر والمسلم. وإن كان قتلهما خطأ كانت الدية على المسلمين لأنهم ورثته يوم الجناية ولا عاقلة له حينئذ. وعلى قوله الذي نظر إلى حاله يوم الحكم في الجناية والدية إن كان قتل مسلما أقيد منه به، وإن كان قتل نصرانيا لم يقد منه لأن المسلم لا يقتل بالنصراني وكانت ديته في ماله، وإن كان قتلهما خطأ كانت الدية على العاقلة لأنه يوم الحكم مسلم له عاقلة فعقل عنه جناياته. وعلى هذا القياس يجري حكم جناياته على القول الثالث الذي فرق فيه بين الجناية والدية، وبالله التوفيق لا شريك له.

стр. 1385

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد كتاب الرجم فصل في التشديد في الزنا حرم الله ﵎ الزنى على عباده وحظره في غير ما آية من كتابه. فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ [الممتحنة: ١٢] وَقَالَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وقال عز

стр. 1386

وجل: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال رسول الله ﷺ : «من وقاه الله شر اثنين ولج الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه». فصل فالزنى من أعظم الذنوب وأجل الخطايا، ليس بعد الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله ذنب أعظم منه. قال رسول الله ﷺ : «إن من أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ثم أن تزني بحليلة جارك». فصل وفرض الله ﵎ الحدود في الزنى على المحصنين من عباده على قدر مراتبهم في الإحصان. والإحصان هو التعفف عن الفواحش والامتناع منها. وهو مأخوذ من قولهم حصن منيع ودرع حصينة. وله ثلاثة أسباب: وهي الإسلام، والحرية، والتزويج. فهو على مراتب ثلاث، أولها الإسلام. فالإسلام إحصان لأنه يردع عن الفواحش ويكف عن القاذورات. ثم الحرية لأنها تكف أيضا عن الفواحش والدنايات. فمن حصلت له الحرية ينبغي له أن ينزه نفسه عن أن يلم بفاحشة أو يقرب دناءة. ثم التزويج لأن من حقه أيضا أن يردع عن الفواحش ويكف عن القاذورات.

стр. 1387

فصل فإذا زنى الكافر بكافرة مثلة فلا حد على واحد منهما عندنا، حرين كانا أو عبدين، بكرين كانا أو ثيبين، ويؤدبان عليه إن أعلناه لأنه ليس بمحصن بسبب من أسباب الإحصان. وإنما حكم رسول الله ﷺ على اليهوديين بالرجم على حكم التوراة لا على حكم الإسلام، لأنهم لم تكن لهم ذمة يومئذ، وإنما أنزلت آية الجزية سنة تسع من الهجرة منصرف النبي ﵇ من حنين. ولو كانت لهم حينئذ ذمة لما رجمهم لأن الرجم لا يجب في شريعتنا إلا بعد الإحصان بالإسلام والحرية والتزويج. وهذا قول مالك ﵀ وجميع أصحابه لا خلاف بينهم في هذا، خلافا للشافعي وأبي حنيفة في قولهما إن اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا حكم عليهما بالرجم إن كانا محصنين أو بالجلد إن كانا بكرين. قال الشافعي في أحد قوليه إذا رضيا بحكم المسلمين وبالله التوفيق. فصل فإذا أسلم الكافر ثم زنى وهو عبد كان حده خمسين جلدة لإلمامه بالفاحشة المحرمة عليه بعد التحصن بالإسلام. فإن أعتق ثم زنى كان حده مائة جلدة لإلمامه بالفاحشة المحرمة عليه بعد التحصن بالإسلام والحرية. والتزويج، وهي أرفع مراتب الإسلام في التحصين. فصل ولا يكون الوطء بالتزويج إحصانا حتى يقع بعد الإسلام والحرية، فإن وقع قبلهما أو قبل أحدهما لم يوجب حكما ولا اعتبر به في انتقال الحد. وأما الحرية والإسلام فمتى اجتمعا جميعا اعتبر بهما تقدم الإسلام الحرية أو الحرية الإسلام.

стр. 1388

وإن انفرد الإسلام دون الحرية كان إحصانا يعتبر به. وإن انفردت الحرية دون الإسلام لم يكن إحصانا يعتبر به. فصل فعلى هذا الترتيب الذي وصفناه تُتَأَوَّل آيُ القرآن الواردة في ذلك. فأما قول الله : ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] وقوله من قائل: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦] فإنهما آيتان منسوختان لم يختلف أهل العلم أنهما منسوختان، وإنما اختلفوا في ترتيب نسخهما وفي الناسخ لهما ما هو. وإن كانتا في الزانيين المحصنين أو في الزانيين البكرين أو عامة في الصنفين فقيل إن الآيتين جميعا في المحصنين. وقيل إنهما في البكرين. وقيل إنهما عامتان فيهما جميعا. وقيل إن الآية الأولى في المحصنين والآية الثانية في البكرين، فلا يصح أن تكون إحداهما ناسخة للأخرى لاختلاف الحكمين والمحكوم فيهم، وتكون الأولى منسوخة بالرجم المتواتر فعلُه الباقي حكمه المنسوخ خطه على قول من ذهب إلى أن ما روي عن عمر بن الخطاب بقول الله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] لأن العذاب المذكور في هذه الآية هو الرجم في الثيب على ما بينه رسول الله ﷺ ، والثانية بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. وأما من قال إن الآيتين في الزانيين البكرين أو في

стр. 1389

الزانيين المحصنين أو عامة في الصنفين فلا بد أن تكون إحداهما ناسخة لصاحبتها، إما الأولى بالثانية، وإما الثانية بالأولى. ثم الناسخة منهما لصاحبتها منسوخة إما بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] على مذهب من رأى أنهما في الزانيين المحصنين، أو بآية الجلد وما أنزل الله من الحكم بالرجم على مذهب من رأى أن الآيتين عامتان في الصنفين، فقيل: إن الثانية هي الناسخة للأولى. وقال إسماعيل القاضي: إن الأولى في التلاوة هي الناسخة للثانية، وذلك أن الزانيين في صدر الإسلام كانا يحنصان ويحبسان ويشهدان فنسخت بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] وهذا بعيد لأن من حق الناسخ أن يكون واردا بعد المنسوخ، والتلاوة تدل أن الثانية وردت بعد الأولى، لأن الهاء من قوله فيها: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] عائدة على الفاحشة المذكورة في الآية الأولى. ولا يصح أن تكون هاء الكناية عائدة على ما لم يذكر بعد إلا أنه يؤيده ما روي «أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت آية الجلد قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». فصل فكان الرجم من عند الله بأحد وجهين: إما بنص أوحي به إلى النبي ﷺ وهو قوله: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فكان يتلى على أنه وحي ولم يكن قرآنا، إذ لو كان قرآنا لم يخل أن يكون محكما أو منسوخا، ولا يصح أن يكون محكما إذ لو كان محكما لثبت بين اللوحين ولما صح سقوطه، لأن الله تعالى قد حفظ القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

стр. 1390

ولا يصح أن يكون منسوخا إذ لو كان منسوخا لما جاز أن يريد عمر بن الخطاب أن يكتبه في القرآن وهو ليس منه إذ قد نسخ. فلما بطل أن يكون محكما وبطل أن يكون منسوخا بطل أن يكون قرآنا. وإنما أراد عمر والله أعلم أن يكتب ذلك على أنه وحي لا على أنه قرآن. فلما خشي أن يظنه قرآنا إذا رآه في المصحف مكتوبا توقف عن كتابته فيه. وقد قيل إنه كان يقرأ وحيا فظنه عمر قرآنا، قاله إسماعيل القاضي، وهو بعيد، لأن عمر لا يصح عليه أن يظن قرآنا ما ليس بقرآن، لأن من علامات القرآن أنه محفوظ معلوم لا يصح الشك فيه ولا الارتياب في شيء منه. وكيف يصح أن يظن عمر قرآنا: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] أو بدليل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] لأن في الكلام دليلا على أنهم لو أتوا بأربعة شهداء لتعلق عليهم بذلك حكم، وذلك الحكم هو ما بينه رسول الله ﷺ من الرجم في الثيب. فصل سن رسول الله ﷺ مع الرجم الجلد كما سن مع الجلد التغريب على ما روى عنه عبادة بن الصامت أنه قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». ثم نسخ ﷺ ما سن من الجلد مع الرجم في الثيب بما رواه أبو هريرة وغيره «أنه رجم ماعزا ولم يجلده» وبما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني وسئل ابن معبد من رواية ابن

стр. 1391

عيينة في «قصة العسيف: اغْدُ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها» فصار هذان الحدان مانعين للجلد مع الرجم، ونفي الرجم دون جلده ونفي التغريب على البكر مع الجلد على ما أحكمته السنة. فصل ولا اختلاف في هذا بين فقهاء الأمصار، وإنما تعلق بحديث عبادة فأوجب على الزاني المحصن الجلد مع الرجم من شذ من أهل الظاهر. ومما يؤيد أن حديث عبادة منسوخ بحديث أبي هريرة وصاحبيه أن إسلام أبي هريرة متأخر في سنة سبع من الهجرة بعد افتتاح خيبر، وكذلك صاحباه. وعبادة بن الصامت من النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، فروايته وقت نزول آية النور، وأمر العسيف بعد ذلك بسنين. فصل وأما قول الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] قرئ أحصن وأحصن. فمن قرأ أحصن وهي رواية أهل المدينة فمعناه تزوجن، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي وابن بكير أن المراد بالإحصان في هذه الآية التزويج، واستدلا على ذلك بأن نعتهن بالإيمان قد تقدم في قوله: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. فصل والمراد بالآية على هذا التأويل الإعلام بأن التزويج في حال العبودية لا يقع به الإحصان ولا يوجب الرجم ولا جلد مائة ولا دليل فيها على أنها إن لم تتزوج

стр. 1392

فلا حد عليها «لأن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: "إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير». قال ابن شهاب لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة فبين ﷺ وجوب الحد عليها قبل التزويج، لأن المراد بالجلد في هذا الحديث الحد لا التعزير، لأن الأمر يقتضي الوجوب حتما، والتعزير ليس بواجب، قد يكون وقد لا يكون. وفي بعض الروايات في هذا الحديث فليجلدها، وذلك مبين رواية مالك فيه. وقد ذكر بعض أصحاب الخلاف عن ابن عباس أنه لا حد على من زنى من العبيد قبل أن يتزوج، وهذا شديد أن يكون في الشرع زنى لا يوجب حدا، وما أظن الحكاية عنه في ذلك إلا وهما والله أعلم. فصل فمن ذهب إلى هذا قال: حد الأمة إذا زنت قبل التزويج بالسنة، وإذا زنت بعد التزويج بالكتاب. وقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] يريد بالمحصنات هاهنا الحرائر المسلمات لا الحرائر المتزوجات لأن حد الحرائر المتزوجات الرجم وهو لا يتبعض. فصل العبد يجلد في الزنى خمسين تزوج أو لم يتزوج قياسا على الأمة، فالأمة مخصوصة من عموم قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] بالآية، والعبد مخصوص من عمومها بالقياس على الأمة. ونفاة القياس يقولون بجلد العبد في الزنى مائة جلدة.

стр. 1393

فصل وقد قيل إن المراد بقوله فإذا أُحصِن أسلمن على قراءة من قرأ أحصن، لأن العبودية أوجبها الكفر فملكناهن كفارا فقال فإذا أسلمن فعليهن نصف ما على المحصنات، أي الحرائر، من العذاب. وهذا محتمل أيضا، إذ قد يصح في اللغة أن يقول الله : من فتياتكم المؤمنات فإذا أحصن بالإسلام كما قال: يا أيها الذين آمنوا. فعلى هذا يكون حد الأمة إذا زنت قبل التزويج وبعد التزويج بالقرآن والحديث، فجلدها قبل التزويج مؤيد للآية ومبين لمعناها. والأول أظهر لوجهين: أحدهما: تقدم نعتهن بالإيمان، فالظاهر أن الإحصان شيء آخر حتى يقوم الدليل على أنه هو. والثاني: سؤال الصحابة رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، لأن في تخصيصهم بالسؤال عما يجب عليها في زناها قبل التزويج دليلا على أنهم علموا الواجب عليها فيه بعد التزويج بقول الله فإذا أحصن، وفهم ذلك رسول الله ﷺ من تخصيصهم بالسؤال. ولو كان معنى قوله فإذا أحصن فإذا أسلمن لقال رسول الله ﷺ : لا معنى لتخصيصكم بالسؤال، حدها سواء قبل التزويج وبعده، لأنه لو أقرهم على التخصيص وأجابهم عليه دون أن يعلموا حدها بعد التزويج لدل ذلك أن حدها بعد التزويج جلد مائه أو الرجم وذلك ما لا يقوله أحد. فصل وقول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ظاهره العموم في كل زان وزانية، إلا أنا علمنا أن المراد بها المسلمون دون المشركين بدليل أنها نزلت ناسخة للآية الواردة في المسلمين وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] فقال رسول الله ﷺ عند ورودها: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا». وعلمنا أن المراد بها

стр. 1394

الأحرار دون العبيد وقول الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. وعلمنا أن المراد بها الأبكار دون المحصنين بالنكاح بما ثبت عن النبي ﷺ قولا وعملا من أن حد الزاني المحصن الرجم دون الجلد، فبقيت الآية محكمة في الزانين الحرين البكرين. والشافعي يحمل الآية على عمومها في الكفار والمسلمين ولا يخص منها العبيد والمحصنين. وأهل الظاهر نفاة القياس لا يخصصون منها الإناث دون ذكرانهم فيوجبون في الزنى على العبد جلد مائة وعلى الأمة جلد خمسين. وهذا ترده الأصول، وتدفعه العقول. وذلك أن جميع الحدود في السرقة والقتل والحرابة والقذف والزنى في الأحرار يستوي فيها الذكر والأنثى، فكذلك العبد والأمة في حد الزنى لمساواة العبد لها في المعنى الذي من أجله خص حدها وهو الرق، بدليل أنها لو عتقت لكمل حدها. وهذا بين لا إشكال فيه. فصل الرجم يجب على الزاني بخمسة أوصاف، وهي: أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، مسلما، واطئا وطئا مباحا بنكاح صحيح منبرم لا خيار فيه لأحد بعد حصول الأربعة الأوصاف. وأما البلوغ والعقل فلا خلاف في صحة اشتراطهما في وجوب الرجم والجلد، لقول رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ». وكذلك الحرية أيضا لا أعلم في صحة اشتراطها في وجوب الرجم خاصة اختلافا بين أحد من فقهاء الأمصار. وكذلك الوطء بالنكاح الصحيح. وأما تقيدنا إياه بالمباح دون المحظور فالاختلاف فيه من قول مالك وأصحابه معلوم. ذهب ابن الماجشون إلى أن الوطء المحظور بالنكاح الصحيح يحل ويحصن. وروي عن مالك أنه يحصن ولا يحل، فلا يصح

стр. 1395

على قولهما تقييد الوطء بالمباح دون المحظور، وإنما يصح تقييده على قول ابن القاسم وروايته عن مالك في أن الوطء المحظور لا يقع به تحليل ولا يكون به إحصان. وأما الإسلام فالمخالف في صحة اشتراطه في وجوب الرجم الشافعي وأبو حنيفة. وحجتهما ظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁ كان فيما أنزل الثيب والثيبة فارجموهما البتة، ورجم رسول الله ﷺ اليهوديين. وهذا ما لا حجة فيه. أما قول عمر بن الخطاب ففيه إضمار الإحصان. وإن اختلفا فيه فهما يقولان إنه الحرية ونحن نقول إنه الإسلام والحرية جميعا. وأما رجم رسول الله ﷺ اليهوديين فإنما رجمهما بحكم التوراة لا بشرع الإسلام. وكذلك قال ابن عمر ﵁: «رجم رسول الله ﷺ اليهوديين وحد المسلمين يومئذ الجلد ولم يكن لهم حينئذ ذمة» على ما بيناه فيما تقدم، فلا تعلق لهما بالحديث. والدليل على صحة قول مالك ﵀ ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن». وهذا نص في موضع الخلاف إن كان ثابتا. ومن طريق القياس أن نقص الكفر أكثر من نقص الرق، لأن الكفر هو سبب الرق. فإذا كان نقص الرق يمنع الإحصان فنقص الكفر أولى بأن يمنعه. ومعنى آخر وهو أنه قد قيل إن الكفار غير مخاطبين بشيء من شرائع الإسلام، لقول الله : ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] فإذا كان الزنى بدليل هذه الآية غير محرم على الكافرين فكيف يصح أن يرجموا على ما لم يحرم عليهم ولا خوطبوا باجتنابه. فصل ولا اختلاف بين أحد من أهل العلم في وجوب الرجم على الزاني باجتماع هذه الأوصاف، وإنما يخالف في ذلك الخوارج المارقة، وهم غير معتد بخلافهم.

стр. 1396

فصل فإذا رجم لم يجلد مع الرجم في قول كافة الفقهاء خلافا لأهل الظاهر في قولهم إنه يجلد ثم يرجم بظاهر قول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قالوا فعم كل زان محصن أو غير محصن، ثم قامت دلالة الرجم فأضفناها إلى الجلد مع ما روى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: «خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة والرجم». واحتجوا بما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ جلد الهمدانية ثم رجمها وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ . وهذا كله لا حجة فيه لأن حديث عبادة بن الصامت منسوخ بما ثبت من حكم رسول الله ﷺ بالرجم دون الجلد، وبهذا الحديث يخصص الظاهر الذي احتجوا به من القرآن، وحديث علي يحتمل أن تكون كتمته الإحصان فلم يعلم به حتى جلدها. فصل فإذا تزوج الرجل المرأة وخلا بها فأقرا بالوطء قبل الزنى أو بعد الزنى فقد لزمهما الإحصان. وأما إن أنكراه بعد الزنى ولم يعلم منهما إقرار به قبله فاختلف هل يصدقان في إنكاره أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن وهب إنهما لا يصدقان في إنكارهما وإن كان ذلك بقرب البناء. والثاني ما ذهب إليه جمهور أصحاب مالك أنهما يصدقان في إنكار الوطء إلا أن يطول الزمان جدا، وهو ظاهر ما في كتاب النكاح الثالث من المدونة. والثالث أنهما يصدقان وإن طالت إقامتهما بعد الدخول، وهو ظاهر ما في كتاب الرجم من المدونة. وإن كان إنكارهما قبل الزنى فلا اختلاف في أنهما يصدقان ولا يرجمان. وقد ذهب بعض الناس إلى أن مسألة كتاب الرجم ليست بخلاف لمسألة كتاب

стр. 1397

النكاح وفرق بينهما بتفاريق لا تصح، ذكرها عبد الحق وغيره من المتكلمين على مسائل المدونة. وأما إن ادعاه أحدهما على صاحبه وأنكره الآخر قبل الزنى فلا يلزم المنكر الإحصان باتفاق ولا المقر به على سبيل الدعوى باتفاق أيضا، وله أن يرجع عن إقراره قبل أن يؤخذ في الزنى أو بعد أن يؤخذ فيه، كان الرجل أو المرأة. وأما إن أقر أحدهما بالوطء على سبيل الدعوى والآخر منكر، فأما المنكر فلا يكون محصنا باتفاق، وأما المقر فقال ابن القاسم يكون محصنا، وقال ابن عبد الحكم لا يكون محصنا. حكى هذين القولين عبد الوهاب في شرح الرسالة ولم يلخصه هذا التلخيص. ووجه قول ابن عبد الحكم بأن الحدود تدرأ بالشبهات، وإنكار أحدهما شبهة للآخر، لأنه يمكن أن يقر بذلك لغرض يكون له فيه. ووجه قول ابن القاسم بأنه مقر على نفسه، والله يقول: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فيجب إعمال قوله عليه وإن أنكر صاحبه. أصله إذا أقر بالزنى أحدهما وأنكره الآخر. وأما إن كان اختلافهما في الوطء بعد الزنى، فأما المقر فيلزمه الإحصان بإقراره بالوطء ويجب عليه الرجم باتفاق. وأما المنكر فاختلف فيه هل يصدق أم لا على الثلاثة الأقوال التي تقدمت في إنكارهما جميعا الوطء بعد الزنى. وذهب بعض الناس إلى أن هذا الاختلاف غير داخل في هذه المسألة وأنه يحد ولا يصدق في إنكاره الوطء بعد الزنى لإقرار صاحبه به عليه. وليس هذا بشيء لأن إقرار أحدهما على صاحبه شهادة منه عليه بالإحصان، ولا تجوز شهادة شاهد واحد بالإحصان. فصل فأما من لم يحصن بالتزويج من الأحرار فحده جلد مائة وتغريب عام لقول رسول الله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام». وقوله في حديث مالك وجلد

стр. 1398

ابنه مائة وغربه عاما. ولا تغريب على النساء ولا على العبيد. هذا قول مالك وجميع أصحابه خلافا لأبي حنيفة في قوله لا تغريب على الزاني إلا أن يرى ذلك الإمام فيفعله على سبيل التعزير لا على سبيل الحد. قالوا لأن الله قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ولم يذكر التغريب، فكان إثباته زيادة في النص، والزيادة في النص نسخ، ولا يصح نسخ القران بأخبار الآحاد. ولا يسلم أن الزيادة في النص نسخ على الإطلاق، بل هو حكم آخر إذا لم تغير الزيادة فيه الحكم الأول، والتغريب ثابت بالسنة، والجلد ثابت بالقران. وقال الشافعي تغرب المرأة الحرة لقول رسول الله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام». وله في الأمة والعبد قولان: أحدهما أنهما لا يغربان. والثاني أنهما يغربان لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب! فعم، ولأنه حد يتبعض فكان للعبد فيه مدخل. ودليلنا على سقوط التغريب عن النساء قوله: «لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها»، وفي سقوطه عن العبد قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَقَالَ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فلم يذكر تغريبا فلا نثبته إلا حيث يقوم الدليل، مع ظاهر «قول النبي ﷺ في الأمة إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها» فكرر الجلد ولم يكرر التغريب. ومعلوم أن الجلد من حدود الزنى فكان التغريب أولى بالذكر لو كان واجبا. وأيضا فإن خدمة العبد مستحقة لسيده فلا تسبقه إلا بدليل. والتغريب هو أن يحبس في غير بلده عاما على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وعلى قول مطرف وروايته عن مالك أيضا المحبس دون النفي. فصل وسواء زنى حر بحرة أو عبد بأمة أو حر بأمة أو عبد بحرة يكون على من كان رقيقا منهما حد العبيد وعلى من كان حرا منهما حد الأحرار، إلا ما يحكى عن الأوزاعي أن العبد إذا زنى بحرة رجم وإذا زنى بأمة جلد. وهذا فاسد لأن الزاني لا

стр. 1399

يختلف حده إلا باختلاف أحواله في نفسه لا باختلاف أحوال المزني بها. فصل والزنى الذي يوجب الحد على الزاني البالغ العاقل المسلم بإجماع هو أن يزني بآدمية يوطأ مثلها لا شبهة له في ملكها حية غير حربية في بلد الحرب طائعا غير مكره عالما بحرام ذلك. وإنما قلنا بآدمية لأنه إن زنى ببهيمة من البهائم لم يجب عليه حد إلا ما وقع في كتاب ابن شعبان من أن الحد في ذلك واجب عليه وهو بعيد. وإنما قلنا غير حربية في بلد الحرب لأن أشهب يقول من زنى بحربية في بلاد الحرب فلا حد عليه. وإنما قلنا لا شبهة له في ملكها لأن من زنى بأمة ولده أو بأمة له فيها شرك فلا حد عليه. وإنما قلنا حية لأن ابن شعبان يقول من زنى بميتة فلا حد عليه، وهو قول محمد بن عبد الحكم حكاه ابن حارث. وإنما قلنا يوطأ مثلها لأنه قد روي عن مالك أنه من زنى بصغيرة لا يوطأ مثلها فلا حد عليه. وإنما قلنا طائعا غير مكره لأنه قد اختلف فيمن أكره على الزنى هل عليه حد أم لا، فقيل إنه لا حد عليه لأن الإكراه يرفع الحرج عمن أكره فيما بينه وبين الله تعالى. فإن كانت المرأة هي المكرهة له على أن يزني بها ارتفع عنه الحرج في الزنى جملة. وإن كان غيرها هو المكره له على الزنى لم يكن عليه إثم إلا من قبلها ووجب عليه الأدب من أجل ذلك كما وجب على المكره له على ذلك. وقيل إنه يحد لأنه لا ينعظ ويطأ إلا باختياره وإرادته، وليس ذلك بصحيح، لأنه لم يختره راضيا بفعله وإنما اختاره على القتل مضطرا إليه كارها له غير راض به. وإنما قلنا عالما بحرام ذلك لأن أصبغ من أصحابنا يرى الجهل بتحريم الزنى شبهة تسقط الحد. وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب وجماعة من السلف، وهو الصواب إذا صحت الجهالة وبالله التوفيق. فصل ولا يحد الزاني إلا باعتراف أو حمل ظاهر أو بأربعة شهود عدول يشهدون على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة.

стр. 1400

فصل فأما وجوب الحد بالاعتراف فلا خلاف فيه إذا كان المعترف على نفسه بالغا عاقلا يصح منه الاعتراف ليس بصبي ولا مجنون. والأصل في ذلك كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵇. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فوجب أن يلزمه ويؤخذ به. وقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية. وأما السنة «فرجم رسول الله ﷺ ماعزا بإقراره على نفسه» «ورجمه المرأة التي أقرت بالزنى على نفسها إذ جاءت وهي حامل فقال لها: اذهبي حتى تضعي فلما وضعت قال: اذهبي حتى ترضعيه» الحديث. وقوله «يا أنيس اغدُ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» في حديث العسيف. وإنما اختلفوا هل يقام الحد بإقراره على نفسه مرة واحدة أو لا يقام عليه حتى يقر على نفسه أربع مرات. فقال مالك والشافعي إنه يقام عليه بإقراره مرة واحدة إذا ثبت عليه ولم يرجع عنه. وقال أبو حنيفة لا يقام عليه الحد حتى يقر على نفسه أربع مرات في أربع مجالس، وهو مذهب ابن شهاب على ما روي «أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى عند رسول الله ﷺ وشهد على نفسه أربع مرات فأمر به رسول الله ﷺ فرجم». وهذا لا حجة لهم فيه لأنه إنما أقر على نفسه أربع مرات لأن رسول الله ﷺ أعرض عنه استثباتا في أمره، لأنه خشي أن يكون به جنة فلما سأل عنه وأخبر أنه صحيح أمر به فرجم. وقد قال في حديث العسيف «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ولم يقل أربع مرات، ولو كان ذلك واجبا لقاله.

стр. 1401

واختلفوا أيضا في رجوعه عن الإقرار، فالذي عليه فقهاء الأمصار أنه يقال ويقبل رجوعه. وقال ابن أبي ليلى وعثمان التيمي لا يقبل رجوعه. وقال ابن الماجشون من أصحابنا يقال إذا قال إنما أقررت لوجه كذا وكذا بما يشبه. وهو دليل أحد قولي مالك في المدونة. وقال الأوزاعي إذا رجع عن إقراره على نفسه أربع مرات قبل إقامة الحد عليه حد حد القذف لأنه قد قذف نفسه، وهذا بعيد. والصحيح أنه يقال وإن جحد الإقرار أصلا. والأصل في ذلك «أن ماعز بن مالك لما رجم ومسته الحجارة هرب فاتبعوه فقال: ردوني إلى النبي ﷺ فلم يردوه وقتلوه رجما، فلما علم بذلك رسول الله ﷺ قال: "فهلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه». واختلفوا في هذا المعنى في إقرار الأخرس على نفسه بالإشارة، فقال الشافعي ومالك إنه يقام عليه الحد بإقراره إذا فهم عنه. وقال أبو حنيفة لا يقام عليه الحد بإقراره بالإشارة لأنه لا يمكنه أن يفرق بها بين الوطء الحلال ووطء الزنى، وهذا غير صحيح، لأن ذلك يمكن أن يعبر عنه بالإشارة تعبيرا يفهم عنه ويقطع عليه منه. فصل وأما ظهور الحمل ممن لم يعلم لها في الظاهر زوج. فاختلف فيه مذهب مالك وأصحابه إلى أن ذلك يوجب عليها الحد إلا أن تكون لها بينة على أنها تزوجت أو استكرهت. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقام عليها الحد لأنها يشبه ألا تكون زنت. والغالب من حال الناس عدم الزنى فلا يجب أن يحمل عليها الزنى إلا بيقين، وأشد ما في هذا أن تكون شبهة تذهب عنها الحد. وهذا ليس بصحيح، لأن هذا لو كانت شبهة لوجب أن يكون قوله إذا شهد عليها بالزنا إنها امرأتي شبهة تسقط عنه الحد. ولو كان ذلك لم يكن سبيل إلى إقامة الحد في الزنى أبدا. وأيضا فإن إقامة الحد عليها إجماع الصحابة ﵃ لأن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن

стр. 1402

إذا قامت البينة أو كان الحمل والاعتراف، فلم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة فدل على إجماعهم على ذلك وقولهم به. فصل وأما وجوب حد الزنى بالبينة فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهداء رجال عدول على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة. والأصل في ذلك قول الله : ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]. وقد حكي عن قوم أنهم أجازوا في الزنى شهادة ثلاثة رجال وامرأتين وذلك خلاف للقرآن. وقد قيل في اختصاص الشهادة في الزنى بأربعة شهداء من بين سائر الأشياء غير ما وجه، منه أن القاذف لا ضرورة به إلى القذف فغلظ عليه في ذلك بزيادة عدد الشهود ليتعذر عليه غالبا فيحد فيكون ذلك ردعا له عن معاودة القذف ودفعا للمضرة عن المقذوف. ومنه أن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، فلما لم يكن على الشهود بالزنى القيام بشهادتهم فقاموا بذلك من غير أن تجب عليهم وتركوا ما أمروا به من الستر غلظ عليهم في ذلك سترا من الله على عباده. وهذا أحسن ما قيل في هذا. وقد قيل إنما احتج في الزنى إلى أربعة شهداء لأنه بمنزلة فعلين لأن الزنى منه ومنها، منه الفعل ومنها التمكين، فاحتاج كل فعل إلى شاهدين وهذا فيه نظر، وبالله التوفيق. فصل فإن شهد على معاينة الزنى أقل من أربعة شهود حدوا ولم يعذروا بأنهم جاءوا على وجه الشهادة لا على وجه القذف، ولا اختلاف في هذا. واختلف إذا شهد أقل من أربعة على شهادة أربعة بمعاينة الزنى، فقيل إنهم قذفة يحدون، وهو

стр. 1403

ظاهر ما في المدونة. وقيل إنه لا حد عليهم إلا أن يقولوا هو زان أشهدنا فلان وفلان وفلان بذلك، بخلاف إذا قالوا أشهدنا فلان وفلان وفلان أنه زان، وهو قول ابن المواز، فلم يرهم قذفة إلا أن يبدؤوا في شهادتهم بذكر الزنا. فصل وإذا قلنا إنهم قذفة على ما في المدونة فلا يسقط الحد عنهم إلا ما يوجب على المشهود عليه بالزنا، وذلك أن يأتوا بأربعة شهداء سواهم يشهدون على شهادة أربعة أو على معاينة الزنى على مذهب ابن القاسم في المدونة ورواية عيسى عنه في الشهادات من العتبية، أو يأتوا إن كانوا ثلاثة بشاهد واحد يشهد معهم على شهادة الأربعة أو على شهادة نفسه على رواية يحيى عن ابن القاسم التي لا يشترط فيها في صحة الشهادة على الزنى أن يأتي الشهود معا. فصل وإذا قلنا أيضا إنهم قذفة فهل يحد الشهود على شهادتهم إن أنكروا الشهادة أو أنكرها واحد منهم أو كانوا أقل من أربعة؟ يجري ذلك على الاختلاف في سقوط شهادة القاذف إن كانت تسقط بنفس القذف أو بإقامة الحد عليه وهو مذهب ابن القاسم خلاف قول أصبغ وأحد قولي ابن الماجشون وقول الشافعي. فصل وإذا قلنا إن الشاهدين على شهادة غيرهم إذا كانوا أقل من أربعة ليسوا بقذفة إلا أن يقولوا هو زان على ما ذهب إليه محمد ابن المواز، فيجب بشهادتهم على المشهود على شهادتهم الحد إن كانوا أقل من أربعة أو أنكروا الشهادة أو أنكرها

стр. 1404

واحد منهم، إلا أن يكون الشاهد على شهادتهم واحدا فلا تجوز شهادته ويحد هو لانفراده. وقد قيل إنه لا يحد. فيتحصل في النقلة عن غيرهم إذا كانوا أقل من أربعة أو نقلوا عن أقل من أربعة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا حد عليهم كانوا أكثر من واحد أو واحدا. والثاني: أن عليهم الحد كانوا أكثر من واحد أو واحدا. والثالث: أنه يحد إن كان واحدا ولا يحدون إن كانوا جماعة أكثر من واحد. فصل وأما إن قال الشاهد سمعت فلانا يقول إن فلانا زان ولم يشهد على شهادته فليس بقاذف إلا أن يعجز عن أن يثبت ذلك بشاهدين، ولا اختلاف في هذا. وكذلك إذا قال الرجل عند الإمام أو عند غير الإمام إن فلانا يقول إنك زان وإن لم يشهد على شهادته، فتدبر ذلك تجده صحيحا إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.

стр. 1405

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد كتاب القذف فصل في بيان تحريم القذف حرم الله ﵎ أعراض المسلمين كما حرم دماءهم وأموالهم في كتابه وعلى لسان رسوله ﵇، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وقال رسول الله ﷺ يوم النحر في حجة الوداع: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل بلغت». فصل فإذاية المسلمين في أعراضهم تنقسم على قسمين: أحدهما: أن يذكر الرجل أخاه المسلم بما فيه مما يكره سماعه.
следующие страницы →