Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
واختلفوا أيضا في رجوعه عن الإقرار، فالذي عليه فقهاء الأمصار أنه يقال ويقبل رجوعه. وقال ابن أبي ليلى وعثمان التيمي لا يقبل رجوعه. وقال ابن الماجشون من أصحابنا يقال إذا قال إنما أقررت لوجه كذا وكذا بما يشبه. وهو دليل أحد قولي مالك في المدونة. وقال الأوزاعي إذا رجع عن إقراره على نفسه أربع مرات قبل إقامة الحد عليه حد حد القذف لأنه قد قذف نفسه، وهذا بعيد. والصحيح أنه يقال وإن جحد الإقرار أصلا. والأصل في ذلك «أن ماعز بن مالك لما رجم ومسته الحجارة هرب فاتبعوه فقال: ردوني إلى النبي ﷺ فلم يردوه وقتلوه رجما، فلما علم بذلك رسول الله ﷺ قال: "فهلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه».
واختلفوا في هذا المعنى في إقرار الأخرس على نفسه بالإشارة، فقال الشافعي ومالك إنه يقام عليه الحد بإقراره إذا فهم عنه. وقال أبو حنيفة لا يقام عليه الحد بإقراره بالإشارة لأنه لا يمكنه أن يفرق بها بين الوطء الحلال ووطء الزنى، وهذا غير صحيح، لأن ذلك يمكن أن يعبر عنه بالإشارة تعبيرا يفهم عنه ويقطع عليه منه.
فصل
وأما ظهور الحمل ممن لم يعلم لها في الظاهر زوج. فاختلف فيه مذهب مالك وأصحابه إلى أن ذلك يوجب عليها الحد إلا أن تكون لها بينة على أنها تزوجت أو استكرهت. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقام عليها الحد لأنها يشبه ألا تكون زنت. والغالب من حال الناس عدم الزنى فلا يجب أن يحمل عليها الزنى إلا بيقين، وأشد ما في هذا أن تكون شبهة تذهب عنها الحد. وهذا ليس بصحيح، لأن هذا لو كانت شبهة لوجب أن يكون قوله إذا شهد عليها بالزنا إنها امرأتي شبهة تسقط عنه الحد. ولو كان ذلك لم يكن سبيل إلى إقامة الحد في الزنى أبدا. وأيضا فإن إقامة الحد عليها إجماع الصحابة ﵃ لأن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن
стр. 1402
إذا قامت البينة أو كان الحمل والاعتراف، فلم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة فدل على إجماعهم على ذلك وقولهم به.
فصل
وأما وجوب حد الزنى بالبينة فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهداء رجال عدول على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة. والأصل في ذلك قول الله : ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]. وقد حكي عن قوم أنهم أجازوا في الزنى شهادة ثلاثة رجال وامرأتين وذلك خلاف للقرآن. وقد قيل في اختصاص الشهادة في الزنى بأربعة شهداء من بين سائر الأشياء غير ما وجه، منه أن القاذف لا ضرورة به إلى القذف فغلظ عليه في ذلك بزيادة عدد الشهود ليتعذر عليه غالبا فيحد فيكون ذلك ردعا له عن معاودة القذف ودفعا للمضرة عن المقذوف. ومنه أن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، فلما لم يكن على الشهود بالزنى القيام بشهادتهم فقاموا بذلك من غير أن تجب عليهم وتركوا ما أمروا به من الستر غلظ عليهم في ذلك سترا من الله على عباده. وهذا أحسن ما قيل في هذا. وقد قيل إنما احتج في الزنى إلى أربعة شهداء لأنه بمنزلة فعلين لأن الزنى منه ومنها، منه الفعل ومنها التمكين، فاحتاج كل فعل إلى شاهدين وهذا فيه نظر، وبالله التوفيق.
فصل
فإن شهد على معاينة الزنى أقل من أربعة شهود حدوا ولم يعذروا بأنهم جاءوا على وجه الشهادة لا على وجه القذف، ولا اختلاف في هذا. واختلف إذا شهد أقل من أربعة على شهادة أربعة بمعاينة الزنى، فقيل إنهم قذفة يحدون، وهو
стр. 1403
ظاهر ما في المدونة. وقيل إنه لا حد عليهم إلا أن يقولوا هو زان أشهدنا فلان وفلان وفلان بذلك، بخلاف إذا قالوا أشهدنا فلان وفلان وفلان أنه زان، وهو قول ابن المواز، فلم يرهم قذفة إلا أن يبدؤوا في شهادتهم بذكر الزنا.
فصل
وإذا قلنا إنهم قذفة على ما في المدونة فلا يسقط الحد عنهم إلا ما يوجب على المشهود عليه بالزنا، وذلك أن يأتوا بأربعة شهداء سواهم يشهدون على شهادة أربعة أو على معاينة الزنى على مذهب ابن القاسم في المدونة ورواية عيسى عنه في الشهادات من العتبية، أو يأتوا إن كانوا ثلاثة بشاهد واحد يشهد معهم على شهادة الأربعة أو على شهادة نفسه على رواية يحيى عن ابن القاسم التي لا يشترط فيها في صحة الشهادة على الزنى أن يأتي الشهود معا.
فصل
وإذا قلنا أيضا إنهم قذفة فهل يحد الشهود على شهادتهم إن أنكروا الشهادة أو أنكرها واحد منهم أو كانوا أقل من أربعة؟ يجري ذلك على الاختلاف في سقوط شهادة القاذف إن كانت تسقط بنفس القذف أو بإقامة الحد عليه وهو مذهب ابن القاسم خلاف قول أصبغ وأحد قولي ابن الماجشون وقول الشافعي.
فصل
وإذا قلنا إن الشاهدين على شهادة غيرهم إذا كانوا أقل من أربعة ليسوا بقذفة إلا أن يقولوا هو زان على ما ذهب إليه محمد ابن المواز، فيجب بشهادتهم على المشهود على شهادتهم الحد إن كانوا أقل من أربعة أو أنكروا الشهادة أو أنكرها
стр. 1404
واحد منهم، إلا أن يكون الشاهد على شهادتهم واحدا فلا تجوز شهادته ويحد هو لانفراده. وقد قيل إنه لا يحد.
فيتحصل في النقلة عن غيرهم إذا كانوا أقل من أربعة أو نقلوا عن أقل من أربعة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا حد عليهم كانوا أكثر من واحد أو واحدا.
والثاني: أن عليهم الحد كانوا أكثر من واحد أو واحدا.
والثالث: أنه يحد إن كان واحدا ولا يحدون إن كانوا جماعة أكثر من واحد.
فصل
وأما إن قال الشاهد سمعت فلانا يقول إن فلانا زان ولم يشهد على شهادته فليس بقاذف إلا أن يعجز عن أن يثبت ذلك بشاهدين، ولا اختلاف في هذا. وكذلك إذا قال الرجل عند الإمام أو عند غير الإمام إن فلانا يقول إنك زان وإن لم يشهد على شهادته، فتدبر ذلك تجده صحيحا إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
стр. 1405
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد
كتاب القذف
فصل في بيان تحريم القذف
حرم الله ﵎ أعراض المسلمين كما حرم دماءهم وأموالهم في كتابه وعلى لسان رسوله ﵇، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وقال رسول الله ﷺ يوم النحر في حجة الوداع: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل بلغت».
فصل
فإذاية المسلمين في أعراضهم تنقسم على قسمين:
أحدهما: أن يذكر الرجل أخاه المسلم بما فيه مما يكره سماعه.
стр. 1406
والثاني: أن ينسب إليه ما ليس فيه.
فأما إذا ذكره بما فيه مما يكره سماعه فإن قال ذلك في مغيبه فهي الغيبة التي حرمها الله على عباده حيث يقول: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وليس فيها إلا الندم والاستغفار والتحلل من المغتاب. وأما إن قال ذلك في حضوره مواجهة له على سبيل التنقص والغض منه فهو البهتان، وفيه الأدب على حال القائل والمقول له بالاجتهاد.
فصل
وأما الوجه الثاني: وهو أن ينسب إليه ما ليس فيه فإنه ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن ينسب إليه الفاحشة الموجبة على فاعلها الحد حد الزنى، أو أنه كان عن فاحشة توجب حد الزنى وذلك بنفيه عن أبيه.
والثاني: أن ينسب إليه ما لا يجب على فاعله حد الزنى أوجب ذلك حدا أو أزيد.
فأما إذا نسب إليه ما لا يوجب على فاعله حد الزنى فإن حكم ذلك حكم السب، فعلى فاعل ذلك الأدب بالاجتهاد على حال القائل والمقول له فيه، سواء كان ذلك في مغيبه أو في حضوره مواجهة له.
وأما إن نسب إليه ما يجب على فاعله حد الزنى فهو القذف الذي حرمه الله على عباده ولعن فاعله في الدنيا والآخرة وتوعد عليه بالعذاب العظيم حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، يريد بالمحصنات
стр. 1407
العفائف وبالغافلات الغافلات عن الفواحش والفجور لم يفطن لها ولا عرفن بها، ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
فصل
إلا أن أهل العلم بالتأويل قد اختلفوا في المحصنات اللائي حكمهن هذا. فقالت طائفة: إن الآية نزلت في شأن عائشة وما كان من قول أهل الإفك فيها، فهذا الحكم لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات. وقالت جماعة: بل ذلك لأزواج النبي ﷺ دون سائر نساء المؤمنين. وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة وسائر أزواج النبي ﷺ وعليهن، فهي مبهمة لم يجعل الله لهم توبة. والآية الأخرى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، قال في آخرها: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فجعل لهم توبة. فلا توبة لمن قذف أزواج النبي ﵇. قال: فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه استحسانا لتفسيره. وقد روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن عائشة وعني بها كل من كان في الصفة التي وصف الله فيها فهي عامة في كل محصنة لم تقارف سوءا. وقال بذلك جماعة: إن الآية نزلت في أزواج النبي ﷺ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول النور فأوجب الجلد وقبل التوبة. وهذا الأظهر إن شاء الله لأن الآية عامة فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا والآخرة لكل من قذف محصنة عفيفة لم يعلم أنها قارفت سوءا ولا ألمت بفاحشة، إلا أن يتوب فإن الله تعالى إن شاء قبل توبته على ما ورد في الآية الأولى. وكما لم تقتصر الآية الأولى في وجوب الجلد على أصحاب الإفك وكان الحكم فيمن قذف كل محصنة ومحصن إلى يوم القيامة أن يجلد الحد كما فعل رسول الله ﷺ بأصحاب الإفك عبد الله بن أبي سلول وحسان
стр. 1408
بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاءة كذلك لا تقتصر الآية الثانية فيما تضمنت من الوعيد على من قذف عائشة أو سائر أزواج النبي ﷺ . ولو وجب أن يقصر على عائشة ﵂ من أجل أن سبب نزولها كان من شأنها وقول أهل الإفك فيها لوجب أن تقصر آية اللعان على هلال بن أمية، وآية السارق على سارق رداء صفوان بن أمية، وآية الظهار على أوس بن الصامت، لأن ما جرى من شأنهم كان سببا لنزول هذه الآيات، فإذا لم يجب هذا لم يجب هذا.
فصل
وأما ما روي عن ابن عباس من إنفاذ الوعيد على من قذف أزواج النبي ﷺ فليس بصحيح، لأن الله قد قبل توبة من تاب من أصحاب الإفك. والدليل على ذلك أن الله عاتب أبا بكر الصديق قطعه الإنفاق على مسطح ابن خالته وغيره من ذوي قرابته فقال: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. فقال أبو بكر: بلى يا رب إني أحب أن يغفر الله لي، فأعاد إليهم النفقة. وقد كان حسان ابن ثابت يدخل على عائشة فتكرمه. وروي عن مسروق أنه قال: كنت عند عائشة فدخل عليها حسان بن ثابت مرة فأمرت فألقي له وسادة فشبب بأبيات له حيث يقول:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة: أما إنك لست كذلك. قال مسروق: فقلت لها تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال وقد أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] فقالت: وأي عذاب أشد من العمى، قالت إنه كان يدفع عن النبي ﵇. والصحيح أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول وكان من المنافقين. وأما حسان بن ثابت فقد أنكر قوم أن يكون ممن خاض في الإفك أو جلد فيه،
стр. 1409
ورووا أن عائشة برأته من ذلك. وروي أنها كانت تطوف فسمعت امرأتين تذكران حسان بن ثابت فابتدرتاه بالسب فأنكرت عائشة ذلك عليهما وقالت: ابن الفريعة تسبان، والله إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبي ﷺ بلسانه، أليس القائل:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
فقالتا لها: أليس ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ فقالت: لم يقل شيئا ولكنه الذي يقول:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فإن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
والله أعلم.
فصل
وكيف ما كان فلا يختلف أهل العلم أن قذف المحصنات من الكبائر الموبقات. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «قذف المحصنات يحبط عمل مائة سنة» وهذا عند غير واحد من المدنيين ما لم يتب أو يحد فإذا أخذ منه الحد أو تاب كفر ذلك عنه اللعنة وهي الإبعاد وعاد إليه ثواب العمل.
فصل
وأصل الحد قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥].
стр. 1410
فصل
والمراد بالمحصنات في هذه الآية الحرائر العفيفات. والإحصان الذي يوجب الحد في القذف هو الإحصان بالحرية والإسلام الذي يوجب جلد مائة في الزنى ويدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الرجال والنساء، لأنه لما كانت لا تزني امرأة إلا برجل اكتفى الله بذكر المحصنات عن المحصنين، وهو أمر متفق عليه، لا اختلاف عند أحد من المسلمين أن قذف المحصن كقذف المحصنة في وجوب الحد ولحوق الإثم.
فصل
وهذا المعنى يدل على أن قاذف الجماعة حدا واحدا، لأن قاذف المحصنة قاذف للذي زنى بها ولم يوجب الله تعالى عليه إلا حدا واحدا مع قوله أيضا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] وهن جماعة. وهذا موضع اختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول مالك ومن قال بقوله إن عليه حدا واحدا، قذفهم في كلمة واحدة أو مفترقين في مجالس شتى، وهو مذهب أبي حنيفة. والدليل على ذلك ما قلناه، ولا اختلاف في هذا بين أحد من أصحاب مالك. فإذا قذف الرجل جماعة فحد لأحدهم فذلك الحد لكل قذف تقدم قام طالبوه أو لم يقوموا عند مالك وأصحابه، حاشى المغيرة فإنه يقول إن طالبوه مفترقين حد لكل واحد منهم. وحكى ابن شعبان عن بعض أصحابنا لصاحب يا بن الزانيين وأمه حرة مسلمة حد حدين لحرمة الصحابي.
والثاني: قول الشافعي إن عليه الحد لكل واحد منهم، قذفهم في كلمة واحدة أو مفترقين في مجالس شتى. [والثالث قول ابن أبي ليلى التفرقة بين أن يقذفهم في كلمة واحدة أو في
стр. 1411
مجالس شتى]
وقال عثمان البثي: إن قذف جماعة حد لكل واحد منهم، وإن قال لرجل زنيت بفلانة حد حدا واحدا. قال لأن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حدا واحدا ولم يحدهم للمرأة. وهذا قول لا يعضده قياس ولا نظر، إذ لا فرق بين أن يقول فلان وفلانة زانيان أو يقول زنى فلان بفلانة.
فصل
وحد العبيد في القذف على النصف من حد الأحرار قياسا على حد الزنى لقول الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] هذا قول مالك ﵀ وفقهاء الأمصار وأكثر العلماء، وروي ذلك عن جماعة الخلفاء أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃. وروي عن ابن مسعود أن العبد يجلد في القذف ثمانين لأن العلة في ذلك عندهم أن القذف حق للمقذوف، فلزم فيه النصراني ما يلزم المسلم، فوجب أن يلزم فيه العبد ما يلزم الحر، لأن النصراني أدنى مرتبة من العبد. فإذا لم ينقص النصراني من الثمانين في القذف لنقص مرتبته على مرتبة المسلم فأحرى ألا ينقص العبد، كما لو غصبت المرأة نفسها لكان لها صداق مثلها، حرا كان غاصبها أو عبدا أو كافرا، لأنه حق لها كحد القذف. وليس كذلك الزنى لأنه حق لله تعالى، لا حق فيه لمخلوق، فلذلك كان الحد فيه على المراتب: العبد خمسين، والحر مائة، والمحصن الرجم، والنصراني لا شيء عليه إلا أن يعلنه فيؤدب لإعلانه، أو يكون ذميا فيرد إلى دينه. فلعمري إن من أوجب على العبد في القذف ثمانين جلدة كما يجب على الحر لهو أسعد بالقياس إلا أن جل أهل العلم على أن على العبد في القذف أربعين قياسا على حد الزنى، وهو في الخلفاء الراشدين المهديين. وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجد».
стр. 1412
فصل
وقد ظن أهل الظاهر أن قول ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز ومن قال بقولهما يجلد العبد في الفرية ثمانين نفي للقياس وفرار عن قياس العبد على الأمة، وليس ذلك نفيا للقياس ولكنه نفس. القياس ومحضه وحقيقته على ما بيناه.
فصل
ولا خلاف أن القذف حق للمقذوف، وإنما اختلف أهل العلم هل يتعلق به حق الله أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يتعلق به حق لله تعالى فلا يجوز فيه العفو، بلغ الإمام أو لم يبلغ.
وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه تدل رواية أشهب عن مالك في العتبية. ويأتي على قياس هذا القول أن حد القذف يقيمه الإمام إذا انتهى إليه، رفعه إليه صاحبه أو أجنبي من الناس.
والثاني: أنه لا يتعلق به حق لله تعالى، ولصاحبه أن يعفو عنه بلغ الإمام أو لم يبلغ. وهو أحد قولي مالك في كتاب السرقة والرجم من المدونة.
والثالث: أنه حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام، فإذا بلغ الإمام صار حقا لله ولم يجز لصاحبه أن يعفو عنه إلا أن يريد سترا. وهو أحد قولي مالك ومذهب الشافعي. وقد وقع في المدونة في الذي يقذف الرجل عند الإمام وهو غائب أنه يقيم عليه الحد إذا كان معه شهود. فتأول محمد بن المواز أن معنى ذلك إذا جاء المقذوف وقام بحقه على أحد قولي مالك. وحكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن القاسم وغيره أنه يقيمه عليه وإن كان المقذوف غائبا، وهذا يأتي على قول مالك الآخر، وبالله التوفيق.
فصل
والحد يجب في التصريح بالقذف والتعريض البين الذي يرى أن صاحبه أراد
стр. 1413
به قذفا. هذا قول مالك وأصحابه خلافا للشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما في قولهما إن التعريض لا يجب فيه الحد وإنما فيه الأدب. وقال أصحاب الشافعي إلا أن يقول أردت به القذف فيحده والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ لأنا إنما تعبدنا بالمعاني لا بالألفاظ، لأن الألفاظ قد ترد وظاهرها خلاف المراد بها. فإذا فهم مراد المتكلم بها وقصده منها كان الحكم له لا للفظ. قال الله : ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] فهذا لفظ ظاهره الأمر والمراد به المفهوم منه النهي الذي هو ضد الأمر، فقام المفهوم من اللفظ عند سامعه مقام التصريح له به. وهذا كثير موجود في القرآن ولسان العرب. وقال الله : ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] أرادوا إنك لأنت الأحمق السفيه، فالكلام ظاهره المدح والمفهوم منه السب والاستهزاء فهو أبلغ من التصريح بالسب. وكذلك قد يكون من التعريض ما هو أبلغ من التصريح بالقذف، مثل أن يتساب الرجلان فيقول أحدهما لصاحبه يا بن الفاعلة يا بن الصانعة يا بن العفيفة التي لم تزن قط ولا ألمت بفاحشة. فهل يشك أحد أو يمتري أن هذا أبلغ وأشد من قوله يا بن الزانية.
فصل
وقد احتج الشافعي في إسقاط الحد في التعريض بالقذف بقول الله وقوله الحق: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] قالوا فقد منع الله من المواعدة في العدة وأباح التعريض بذلك، وهو احتجاج فاسد يلزمه عليه أن يبيح التعريض بالقذف لأن الله أباح التعريض في النكاح في الحال الممنوع منه. وهذا قول من لم يفهم معنى الآية. إنما منع الله من المواعدة، والمواعدة مفاعلة من اثنين فلا تكون مواعدة إلا منهما جميعا أو منه ومن وليهما، وذلك يشبه العقد،
стр. 1414
لما جاء من النهي عن الإخلاف بالوعد وكره لأحدهما أن يعد صاحبه بالنكاح لئلا يبدو له فيخلف بالوعد. وكره لأحدهما أن يعد صاحبه بالنكاح ليلا يبدو له فيخلف بالوعد. فإذا عرض بالوعد ولم يصرح به لم يكن فيه موضع للكراهة.
فصل
ومما يقطعهم ويبطل مذهبهم جملة أن يقال لهم: لا بد لكم من أحد وجهين:
إما أن تقولوا إن التعريض لا يفهم منه القذف أصلا. أو تقولوا إنه يفهم منه القذف ولا يجب فيه الحد. فإن قالوا لا يفهم منه القذف قيل لهم ما تقولون في رجلين تسابا فقال أحدهما لصاحبه يا بن الزانية فقال مجاوبا له: ومثلك يقول لأحد يا بن الزانية وأمك العفيفة المشهورة بالعفاف التي لم تزن قط ولا مرة واحدة من عمرها. فإن قال قائل: إن مثل هذا لا يفهم منه القذف إلا أنه لا يجب فيه الحد قيل لهم: فما الفرق بين ذلك وبين أن يقول أردت به القذف؟ ولا خلاف بيننا وبينهم أنه إذا أقر على نفسه أنه أراد به القذف أنه يحد، وهذا ما لا انفصال لهم عنه.
فصل
فحد القذف يجب بسبعة أوصاف، خمسة في المقذوف وهي: الإسلام، والحرية، والبلوغ، والعفاف، وأن يكون معه متاع الزنا ليس بحصور ولا مجبوب قد جب قبل بلوغه، واثنان في القاذف وهي البلوغ، والعقل. ومن الناس من قال بثمانية أوصاف فزاد في المقذوف العقل، وليس ذلك بصحيح لأنه داخل تحت العفاف. فإن انخرم وصف من هذه الأوصاف سقط الحد، وإن اجتمعت وجب
стр. 1415
الحد. فلا يخلو القاذف من أن يكون حرا أو عبدا. فإن كان حرا فحده ثمانون، وإن كان عبدا فحده أربعون على مذهب مالك ومن قال بقوله. وقد تقدم ذكر اختلاف في ذلك وتوجيه كل قول. فإذا ثبت هذا فالبلوغ في القاذف بلوغ الحلم في الرجال أو الحيض في النساء، وفي المقذوف الحلم في الرجال وإمكان الوطء في النساء على مذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، وفي ذلك اختلاف. قال محمد بن الجهم ومحمد بن عبد الحكم: لا حد على من قذف صبية لم تبلغ المحيض.
فصل
ويجب حد القذف على مذهب مالك في وجهين: أحدهما: أن يرميه بالزنا، والثاني: أن ينفيه من نسبه وإن كانت أمه أمة أو كافرة إما بتصريح وإما بتعريض بين يقوم مقام التصريح في الوجهين على ما بيناه. وقال إبراهيم النخعي: لا حد عليه إذا نفاه من نسبه وأمه أمة أو نصرانية، وهو قياس قول الشافعي وأبي حنيفة.
فصل
ويجب بوجهين: أحدهما: إقرار القاذف على نفسه بالقذف. والثاني: أن يقوم به جمليه شاهدا عدل من الرجال.
فصل
وفي إجازة شهادة النساء فيه وثبوته باليمين مع الشاهد، أو إيجاب اليمين على القاذف بالشاهد الواحد أو بالدعوى إذا لم يكن شاهد اختلاف بين أصحابنا. يجري الاختلاف في ذلك على الاختلاف في إجازة شهادة النساء في جراح العمد وفي القصاص باليمين مع الشاهد.
стр. 1416
فصل
فإن اتفق الشاهدان على اللفظ في الشهادة واختلفا في المواطن جازت الشهادة، وهذا ما لا اختلاف فيه من قول ابن القاسم إن الأقوال تلفق إذا اتفق اللفظ أو اختلف واتفق المعنى وإن تفرقت المجالس والأوطان.
وأما إن اختلف اللفظ والمعنى واتفق ما يوجب الحكم من الشهادة، مثل أن يشهد أحدهما أنه قال له يا زان ويشهد الآخر أنه قال له ليس أبوك فلان، فالمشهور أن الشهادة لا تجوز، مثل أن يشهد أحد الشاهدين على الرجل أنه صالح امرأته ويشهد الآخر أنه طلقها ثلاثا على أنها بائنة منه فيفرق بينهما بشهادتهما. فيأتي على هذا القول أن يحد المشهود عليه بشهادة الشاهدين لأنهما قد اجتمعا على إيجاب الحد عليه. وذلك أيضا مثل أن يشهد أحد الشاهدين أنه قال إن ركبت الدابة فامرأتي طالق ويشهد الآخر أنه قال إن دخلت الدار فامرأتي طالق، فركب الدابة ودخل الدار. اختلف في ذلك أيضا، والمشهور أن الشهادة لا تلفق ولا تجوز.
وأما إن اختلف اللفظ في الشهادة واختلف ما يوجبه من الحكم فلا تلفق الشهادة باتفاق. وأما الأفعال فإنها لا تلفق وإن اتفقت المواطن على مذهب ابن القاسم، إلا فيما يستند إلى القول كشرب الخمر، لأن الحد فيه مبني على القذف، لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. وكالرجل يحلف بالطلاق لا يدخل الدار فيشهد عليه رجل أنه دخلها يوم السبت ويشهد عليه آخر أنه دخلها يوم الجمعة أو يوم الأحد وما أشبه ذلك. وقال محمد بن مسلمة وابن نافع: لا تلفق الأفعال في موضع من المواضع، وابن الماجشون يلفق الأفعال إذا اتفقت الشهادة في الزنا وإن اختلفت المواطن. وأما إن اختلفت الأفعال فلا تجوز الشهادة وإن اتفق ما توجب من الحكم.
فصل
واختلف أهل العلم هل تسقط شهادة القاذف بنفس القذف أو لا تبطل حتى
стр. 1417
يقام الحد عليه على قولين. فذهب مالك وأكثر أصحابه وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن شهادته جائزة حتى يقام الحد عليه، وقال الشافعي: لا تجوز شهادته قبل الحد ولا بعده وقال: هو قبل الحد شر منه بعد الحد، لأن الحدود كفارات لأهلها، فكيف تقبل شهادته في شر حاليه، وهو مذهب ابن الماجشون وأصبغ. والصحيح ما ذهب إليه مالك لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فإنما نهى الله عن قبول شهادتهم إذا لم يأتوا بأربعة شهداء، وللقاذف الإتيان بالشهادة ما لم يحد، فهذا يبين أن شهادته لا تسقط إلا بإقامة الحد عليه، وما لم يقم عليه الحد فلم يتبين فسوقه لاحتمال أن يأتي بالشهداء أو يعفو عنه المقذوف أو يقر بما رماه به من الزنا. وهذا كله بين لا إشكال فيه.
واختلف أهل العلم في قبول شهادة القاذف إذا تاب، فمنهم من قال إنها مقبولة وهو مذهب مالك والشافعي وأصحابهما، ومنهم من قال إنها لا تقبل وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قالوا لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فالاستثناء إنما يعود على التفسيق دون قبول الشهادة. وهذا غير صحيح لأن المعنى الذي من أجله لم تقبل شهادته هو التفسيق. فإذا ارتفع التفسيق وجب قبول الشهادة. ومعنى قوله في الآية أبدا ما لم يتب، كما يقال لا تقبل شهادة الكافر أبدا ويكون معناه ما لم يسلم. هذا أولى ما يحتج به لمالك ﵀. وقد قيل إن مالكا إنما رأى شهادة القاذف مقبولة إذا تاب، لأن من مذهبه أن الاستثناء الوارد عقب الجملة المعطوف بعضها على بعض بالواو راجع إلى جميعها لا إلى أقرب مذكور منها، وهو معنى حسن أيضا.
واختلف في صفة توبة القاذف التي إذا تاب منها قبلت شهادته على قولين: أحدهما: أن توبته أن يكذب نفسه ويعترف أنه قال البهتان وتاب إلى الله من ذلك.
стр. 1418
والثاني: أن توبته من ذلك صلاح حاله وندمه على ما فرط من ذلك والاستغفار منه وتركه العود في مثل ذلك من الجرح، وهو قول مالك وهو أصح، لأن توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود والندم والاستغفار منه. فإن كان فاسقا عرفت توبته بانتقاله من حال الفسق إلى حال الصلاح، وإن كان صالحا فتعرف توبته بتزيده في الخير وارتفاع درجته فيه، وبالله سبحانه التوفيق.
стр. 1419
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين
وصلى الله على محمد
كتاب الديات
فصل
في تحريم القتل وما جاء في ذلك
حرم الله ﵎ على عباده قتل النفس بغير حق وأوعد على ذلك بالنار الأليم والعذاب العظيم، منذ أهبط آدم إلى الأرض، لم تختلف في ذلك الشرائع والملل. قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] فلولا أن الله حرم ذلك على آدم وولده وتواعدهم على ذلك لما قال المقتول من ابني آدم لأخيه القاتل: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]. وقال رسول الله ﷺ : «ما من نفس قتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها».
стр. 1420
فصل
وضرب الله لعباده المؤمنين مثلا فيما قص عليهم من نبإ ابني آدم المذكورين ليتأسوا بفعل المتقي منهما، وأعلم ﵎ عباده أن قتل النفس بغير حق كقتل جميع الخلق في عظم الإثم إعذارا إليهم لتقوم الحجة بذلك عليهم، فقال : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] الآية. وروي عن مجاهد قال: جعل الله جزاء من قتل نفسا مؤمنة بغير حق جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، فلو قتل جميع الخلق لم يزد من العذاب على ذلك، وما سماه الله عظيما فلا يعلم قدره إلا هو .
فصل
فالقتل ذنب عظيم من أعظم الذنوب وأجل الخطايا وأكبر الكبائر ليس بعد الشرك ذنب أعظم منه عند الله. وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «من أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، ثم أن تزني بحليلة جارك». وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من شارك في دم امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله» أو كما قال ﷺ . وروي عنه أنه قال: «من لقي الله ولم يشرك ولم يقتل لقي الله خفيف الظهر» والأخبار الواردة في القتل كثيرة، وكفى من ذلك ما جاء في القرآن.
стр. 1421
فصل
وجميع الذنوب تمحوها التوبة إن تاب منها قبل المعاينة بإجماع لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] وعسى من الله واجبة. وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] وقول النبي- ﵊: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». فإن مات ولم يتب منها كان في المشيئة لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] معناه لمن شاء. إلا القتل عمدا فإنهم اختلفوا في قبول توبته وإنفاذ الوعيد عليه على قولين:
ذهب جماعة من السلف والخلف إلى أنه لا توبة له، وأن الوعيد لاحق له، ممن روي ذلك عنهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وزيد بن ثابت. روي أن سائلا سأل ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة عمن قتل رجلا مؤمنا متعمدا هل له من توبة فكلهم قال: هل تستطيع أن تحييه؟ هل تستطيع أن تبتغي في الأرض نفقا أو سلما في السماء؟ وروي أن ابن عمر سئل عن ذلك فقال: ليستكثر من شرب الماء البارد، يعني أنه لا توبة له. وروي أيضا عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال للسائل كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول؟ فأعاد عليه، فقال ماذا تقول؟ مرتين أو ثلاثا ثم قال: ويحك! وأنى له بالتوبة؟ وإلى هذا ذهب مالك ﵀ لأنه روي عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب. ويؤيد هذا المذهب ما روي أن رسول
стр. 1422
الله ﷺ قال: «كل ذنب عسى الله أن يعفو عنه إلا من مات كافرا أو قتل مؤمنا متعمدا».
فصل
وذلك- والله أعلم- لأن القتل يجتمع فيه حق الله وحق للمقتول المظلوم.
ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم ورد التباعات إليهم وهذا ما لا سبيل للقاتل إليه إلا بأن يدرك المقتول قبل موته فيعفو عنه ويحلله من قتله إياه طيبة بذلك نفسه.
فصل
واختلف الذاهبون إلى هذا المذهب في حكم الآيتين الواردتين في قتل النفس التي حرم الله: آية النساء قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وآية الفرقان قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]. ومنهم من ذهب إلى أن الآيتين محكمتان، وأن آية الفرقان نزلت في المشركين، وآية النساء نزلت في المسلمين، وتأول أن الخلود المذكور فيها غير مؤيد لأنه لا يخلد في النار على التأبيد إلا الكفار.
стр. 1423
فصل
وأما من قال: إن القاتل مخلد في النار فقد أخطأ وخالف أهل السنة، لأن القتل لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما كسب من صالح أعماله، لأن السيئات لا تبطل الحسنات، ومن عمل حسنة ومات على الإسلام فلا بد أن يجازيه الله على حسنته فإنه يقول تعالى وقوله الحق: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] وقال عز من قائل: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
فصل
وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة وأن توبته مقبولة. فممن روي ذلك عنه ابن عباس وأبو هريرة وعلي بن أبي طالب ومجاهد وغيرهم. واختلف من صار إلى هذا المذهب أيضا في حكم الآيتين المذكورتين. فمنهم من قال إلى أن اللينة نسخت الشديدة، ومنهم من قال إنهما محكمتان واردتان في الكفار واستدل على ذلك بما فيهما من ذكر الخلود في النار الذي هو من صفة عذاب الكافرين، لأن من أدخل النار من الموحدين فلا بد أن يخرج منها بالشفاعة. ومنهم من قال إن آية الفرقان وردت في الكفار، وآية النساء في المسلمين، إلا أن معناها أن ذلك جزاؤه إن جازاه ولم يغفر له، بدليل قَوْله تَعَالَى:
стр. 1424
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وروي عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة أنه قال: «هو جزاؤه إن جازاه». ومنهم من قال في آية النساء إن المراد بها من قتل مؤمنا متعمدا مستحلا لقتله.
فصل
والصواب إن شاء الله أن الآيتين محكمتان غير منسوختين، لأنهما وردتا بلفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. وأما المذهبان فلكليهما وجوه من النظر، وكفى باختلاف الصحابة- ﵃ في ذلك، فقلما تجدهم يختلفون إلا فيما تتعارض فيه الحجج وتتكافأ فيه الأدلة. فينبغي لمن لم يواقع هذا الذنب العظيم أن ينتهي عنه ويستعيذ بالله منه مخافة ألا يصح له منه متاب، فيحق عليه سوء العذاب، ويناله شديد العقاب، ولمن واقعه أن يتوب إلى الله ويستغفره ولا ييأس من رحمة الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وقد كان ابن شهاب إذا سئل هل للقاتل توبة؟ يتعرف من السائل هل قتل أم لا ويطاوله في ذلك، فإن تبين منه أنه لم يقتل قال لا توبة له، وإن تبين له منه أنه قتل قال له توبة. وإن هذا تحسن من الفتوى.
فصل
ومن توبة القاتل أن يعرض نفسه على أولياء المقتول فإن قادوا منه وإلا بذل لهم الدية وصام شهرين متتابعين أو أعتق رقبة إن كان واجدا، أو أكثر من الاستغفار. ويستحب أن يلازم الجهاد ويبذل نفسه لله، روي هذا كله عن مالك ﵀، وفيه دليل على الرجاء في قبول توبته.
стр. 1425
فصل
واختلف أيضا في القاتل إذا أقيد منه هل يكون القصاص كفارة له أم لا على قولين: فمن أهل العلم من ذهب إلى أن القصاص كفارة له. واحتج بما روي في ذلك عن النبي ﵇ من رواية عبادة بن الصامت أنه قال: «الحدود كفارات لأهلها». ومنهم من ذهب إلى أن القصاص لا تكون له كفارة، لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص وإنما هو منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل، وهو معنى قول الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] فيكون القصاص في القتل على هذا القول مخصصا من حديث عبادة بن الصامت بهذا الدليل ويبقى الحديث مستعملا فيما هو حق لله لا يتعلق فيه حق لمخلوق والله أعلم وأحكم. ومن الدليل أيضا على أن القصاص من القاتل لا يكون كفارة له قول الله ﵎ في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] فظاهره أن الحدود لا تكون كفارة لهم، وذلك والله أعلم لما تعلق بهم من حقوق المخلوقين.
فصل
وهذه المعاني كلها من أحكام الآخرة مردودة إلى الباري سبحانه وله أن يفعل ما يشاء عدل منه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
فصل
وأما أحكام القاتل عمدا في الدنيا فأن يقتص منه على الشرائط التي أحكمتها
стр. 1426
السنة، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. قال الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، معناه أن القاتل إذا علم أنه يقتص منه إن قتل أمسك عن القتل فحييا جميعا. وقيل إن معناه أن القاتل إذا اقتص منه تناهى الناس عن القتل فكان سببا لحياتهم.
فصل
فمن شرائط صحة القصاص على مذهب مالك ﵀ ألا يكون المقتول ناقصا عن مرتبة القاتل بعدم حرية أو إسلام، فيقتل الحر بالحر والحرة بالحرة والحرة بالحر والحر بالحرة، والعبد بالعبد والأمة بالأمة والعبد بالأمة والأمة بالعبد، والكافر بالكافر والكافرة بالكافرة والكافر بالكافرة والكافرة بالكافر، والعبد الكافر بالعبد الكافر والأمة الكافرة بالأمة الكافرة والعبد الكافر بالأمة الكافرة والأمة الكافرة بالعبد الكافر.
فصل
ويقتل العبد بالحر لأن الحر إذا كان يقتل بالحر لاستوائهما في الحرية فالعبد أولى أن يقتل به لمزية الحرية. ويقتل الكافر بالمسلم لأن المسلم إذا كان يقتل بالمسلم لاستوائهما في مرتبة الإسلام فالكافر أولى أن يقتل به لمزية الإسلام.
فصل
ولا يقتل الحر ولا الحرة بالعبد ولا بالأمة لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]
стр. 1427
والعلة في ذلك نقصان مرتبة الحرية.
فصل
ولا يقتل المسلم ولا المسلمة بالكافر ولا بالكافرة لقول رسول الله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» فدل ذلك على أن دم الكافر لا يكافئ دم المؤمن وإذا لم يكافيه فالقصاص مرتفع.
فصل
وإنما وجب القصاص بين الرجال والنساء إذا لم تكن مرتبة المقتول ناقصة عن مرتبة القاتل بعدم حرية أو إسلام، وأن يقتل الحر بالحرة والحرة بالحر، والعبد بالأمة والأمة بالعبد، وإن كان ذلك خلاف ما يدل عليه قول الله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] لأنه دليل يعارضه عموم قول الله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فوجب أن يحمل هذا اللفظ على عمومه في قتل الحر بالحرة والحرة بالحر، ووجب بالقياس مثل ذلك في العبد بالأمة والأمة بالعبد، والكافر بالكافرة والكافرة بالكافر، والعبد النصراني بالأمة النصرانية والأمة النصرانية بالعبد النصراني. ولم يجب أن يحمل هذا اللفظ على عمومه في قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة والمسلم بالكافر والمسلمة بالكافرة لأن الآية إنما أريد بها الأحرار المسلمون. والدليل على ذلك أن الله لم يخاطبنا بها في شرعنا وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على موسى بن عمران صلى الله على
стр. 1428
نبينا وعليه، وهم أهل ملة واحدة ولم تكن لهم ذمة ولا عبيد لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ وخص به وأمته من بين سائر الأمم. قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي. أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. ونصرت بالرعب مسيرة شهر. وأعطيت جوامع الكلام، وبعثت إلى الناس كافة» لقول الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فصل
وقوله في الآية: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] يدل أيضا على ما قلناه من أن الآية إنما أريد بها المسلمون الأحرار، لأن العبد لا يتصدق بدمه لأن الحق في ذلك لسيده، والكافر لا تكفر عنه صدقته.
فصل
ولو كنا المخاطبين بالآية في شرعنا لوجب أن يخص من عمومها قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ويخص من ذلك قتل المسلم بالكافر بقول رسول الله ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر».
فصل
ومما يبطل أن يكون في قوله الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ دليل على أنه لا
стр. 1429
تقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى ما روي من أنها إنما وردت ناسخة لما كانت عليه القبائل في الجاهلية من التعالي والتعزز بعضها على بعض فكان إذا عزت القبيلة القبيلة بكثرة العدد والمنعة وعلت عليها بذلك فقتل حر من القبيلة العزيزة لحر من القبيلة المعزوزة لم يسلموه للقصاص وبذلوا موضعه عبدا أو امرأة. وإذا قتل عبد من المعزوزة لعبد من العزيزة أو حرة لحرة لم يرضوا بالقصاص منهما وطلبوا موضع العبد حرا وموضع المرأة رجلا، فأمر الله عباده المؤمنين ألا يمتثلوا ذلك وأن يقتلوا الحر القاتل بالحر المقتول والعبد القاتل بالعبد المقتول، والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة. ولا جائز أن يكون معنى الآية غير هذا لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وأجمع المسلمون على أن الرجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرجل على الشرط الذي ذكرناه، وهو ألا يكون المقتول ناقصا عن مرتبة القاتل بعدم حرية أو إسلام، إلا أن من أهل العلم من قال إن الرجل إذا قتل بالمرأة قضي له بنصف الدية، وهو عثمان البتي، وهو قول مرغوب عنه ترده الأصول.
فصل
وقد روي عن مالك ﵀ في هذه الآية تأويل جيد ظاهر رواه عنه أبو المصعب وهو أنه قال أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية: الحر بالحر أن معنى ذلك الجنس، الذكر والأنثى فيه سواء. وكذلك العبد بالعبد معناه الجنس الذكر والأنثى سواء. وأعاد تعالى ذكر الأنثى بالأنثى إنكارا لما كان من أمر الجاهلية. ألا ترى أن ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بالمساواة في ذلك الحرية في جنسها والعبودية في جنسها. وهذا جيد لأن الألف واللام إنما يدخلان على الواحدة للتعريف إما بالعهد وإما باستغراق الجنس، فإذا لم يكن عهد فلا بد أن يحمل على استغراق الجنس وإلا كان نكرة فكأنه قال تعالى على هذا التأويل الأحرار بالأحرار والعبيد بالعبيد.
стр. 1430
فصل
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المسلم الحر يقتل بالذمي المعاهد وبالعبد تعلقا بظاهر قول الله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وبظاهر قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فقالوا هذا عام في قتل كل نفس محرمة القتل. وتأولوا قول النبي ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر على أنه الكافر الحربي» وهذا كله خطأ فاحش. أما تعلقهم بقول الله : أن النفس بالنفس فلا يصح لما قدمناه من أن الآية إنما كتبت على أهل التوراة وهم ملة واحدة لا ذمة لهم ولا عبيد كما للمسلمين، لأن الجزية فيء وغنيمة خص الله بها النبي ﷺ وعباده المؤمنين. وكذلك تعلقهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] لا حجة لهم فيه لأنه ليس على عمومه في كل من قتل مظلوما، لأن الحربي المستأمن محرم القتل وقاتله ظالم له، وهو مخصوص عندهم من عموم الآية لا يقتل به المسلم فيلزمهم مثل ذلك في الذمي المعاهد وهم لا يقولونه فقد ناقضوا أيضا بالسيد يقتل عبده فقالوا إنه لا يقتل به وخصصوه من عموم الآية وإن كان مظلوما بقتل سيده إياه. وناقضوا أيضا بالجراح لأنهم قالوا إنه يقتل الحر المسلم بالعبد والكافر، ولا يفقؤون عينه بعينه، وكذلك سائر الجراح وذلك في نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس وأن اليد لا تساوي اليد. فإن كانوا أرادوا الجسم فالمساواة ظاهرة وإن كانوا أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان.
فصل
وتأويلهم قول النبي ﵇: «لا يقتل مسلم بكافر» على أنه أراد به الكافر الحربي من أبعد التأويلات وأبينها في الخطأ، لأن الحربيين قد أمر الله بقتلهم وجعل ذلك من أفضل الأعمال وأحبها إليه. فهل يجوز أن يتوهم متوهم أن من قتل من أمر الله بقتله ووعده على ذلك جزيل الثواب يجب عليه القتل حتى يحتاج النبي ﷺ أن يبين لنا أنه لا قود بيننا وبين أهل الحرب، هذا ما لا يشكل على أحد ولا يحتاج النبي ﷺ إلى بيانه.
стр. 1431
فصل
في
تقاسيم القتل
والقتل يكون على ثلاثة أوجه:
أحدها: ألا يعمد للضرب ولا للقتل.
والثاني: أن يعمد للضرب ولا يعمد للقتل.
والثالث: أن يعمد للقتل.
فأما إذا لم يعمد للقتل ولا للضرب مثل أن يرمي الشيء فيصيب به إنسانا فيقتله، أو يقتل المسلم في حرب العدو وهو يرى أنه كافر وما أشبه ذلك، فهذا هو قتل الخطأ بإجماع، لا يجب فيه القصاص، وإنما تجب فيه الدية على العاقلة والكفارة في ماله. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] معناه لكن خطأ، فهو مستثنى منفصل عن المستثنى منه ومن غير جنسه، لأن الخطأ لا يقال فيه إن له أن يفعله ولا ليس له أن يفعله.
فصل
وأما الوجه الثاني: وهو أن يعمد للضرب ولا يعمد للقتل فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عمده للضرب على وجه اللعب.
والثاني: أن يكون على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب.
والثالث: أن يكون على وجه النائرة والغضب.
فأما الوجه الأول: وهو أن يكون على وجه اللعب ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك من الخطأ وفيه الدية على العاقلة، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة.
стр. 1432
والثاني: أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا أن يعفو أولياء القتيل، وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك. وقد تؤول أن معنى قول ابن الماجشون وروايته عن مالك إن ضربه على وجه اللعب دون أن يلاعبه صاحبه أو لا يلاعبه إذا علم أنه لم يضربه إلا على وجه اللعب.
والثالث: أن ذلك شبه العمد وفيه الدية مغلظة في مال الجاني ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك، وقول ربيعة وابن شهاب وأبي الزناد. وقد قيل إن التفرقة بين أن يلاعبه أو لا يلاعبه قول رابع في المسألة.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يعمد للضرب على وجه الأدب وهو ممن يجوز له الأدب كالمؤدب والصانع فهو يجري عندي على الاختلاف في الذي يعمد للضرب على وجه اللعب ويدخل فيه الثلاثة الأقوال المذكورة في ذلك الوجه. ورأيت لأبي الوليد الباحي أن الاختلاف في هذا الوجه إنما هو راجع إلى تغليظ الدية ولا قصاص بحال.
فصل
هذا إذا علم أن ضربه كان على وجه الأدب، وأما إن لم يعلم إلا بقوله ودعواه ففي تصديقه على ذلك قولان:
أحدهما: أنه لا يصدق ويقتص منه لأن العداء قد ظهر والقصاص قد وجب وهو يدعي ما يسقطه عنه.
والقول الثاني: أنه يصدق في ذلك وإذا صدق فيه فهو بمنزلة إذا علم بالبينة ودخل الاختلاف المذكور في ذلك.
стр. 1433
وأما الوجه الثالث: وهو أن يكون الضرب على وجه النائرة والغضب ففيه قولان:
أحدهما: وهو المشهور عن مالك المعروف من قوله أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا من الأب في ابنه والأم والجد فإنه لا يقتص منه وتغلظ الدية عليه في ماله. وهذا قول مالك في المدونة لأنه أنكر شبه العمد وقال إنه باطل إنما هو عمد أو خطأ لا ثالث لهما، لأن الله لم يذكر في كتابه غيرهما.
والقول الثاني: أن ذلك شبه العمد ولا يقاد منه وتغلظ الدية عليه، وهو مروي عن مالك ﵀، حكاه العراقيون عنه، وعليه أكثر أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في صفة تغليظ الدية. فمنهم من يرى أنها مربعة وهو مذهب أبي حنيفة. ومنهم من يرى أنها مثلثة وهو مذهب الشافعي. واختلفوا أيضا في الجراح كاختلافهم في القتل هل فيه شبهة عمد أم لا؟. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس لا في الجراح. واختلفوا أيضا في صفة شبه العمد فمنهم من يقول إنه لا يقتص إلا ممن قتل بحديدة. وقال أبو حنيفة: لا يقتص إلا ممن قتل بحديدة أو ليطة القصبة أو النار.
فصل
وأما الوجه الثالث: وهو أن يعمد للقتل فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك على وجه الغيلة.
والثاني: أن يكون على وجه النايرة والعداوة.
فأما إن كان على وجه الغيلة فإنه يقتل على كل حال. ولا يجوز للأولياء العفو عنه.
وأما إن كان على وجه النايرة والعداوة فالأولياء بالخيار، إن شاءوا أن يعفوا،
стр. 1434
وإن شاءوا أن يقتصوا فذلك لهم إلا أن يقتل بعد أن يأخذوا الدية فقد قيل إن الوالي يقتله ولا يجوز لأولياء المقتول العفو عنه تأويلا على قول الله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقد شد هذا التأويل ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية»، وقع في تفسير ابن سلام.
فصل
واختلفوا إن أرادوا أن يعفوا عن الدية هل يلزم ذلك القاتل أم لا على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يلزمه، وهو مذهب ابن القاسم والمعلوم من قول مالك.
والثاني: أن ذلك يلزمه وهو قول أشهب. والأصل في الاختلاف مبني على الاختلاف في تأويل قول الله : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. فالذي ذهب إليه المحققون وتأولوه على مذهب مالك أن العافي هو القاتل. ومعنى الكلام من أعطي من أخيه القاتل شيئا من العقل فرضي به فليتبعه بمعروف وليؤد إليه بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] يعني مما كان كتب على من قبلكم لأن فيما كان قبل لم تكن دية وإنما كان الواجب القصاص.
فصل
وما روي أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية» معناه إن بذلت له وطاع بها القاتل على هذا التأويل. ومن أهل العلم من حمل الحديث على ظاهره فقال: إن لولي المقتول أن
стр. 1435
يأخذ الدية من القاتل شاء أو أبى، وتأول أن العافي في الآية ولي المقتول يعفو عن الدم فيتبع القاتل بالدية فيلزمه أن يؤديها بإحسان، وهو تأويل بعيد، لأن شيئا نكرة، ولا يصح أن يراد به القصاص لأنه معرفة بنص الله تعالى عليه في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] وإنما عني به ما يتراضيان عليه من قليل المال وكثيره إذ لا حد لدية العمد.
فصل
فإن اتفقا على الدية مبهمة من غير أن يسميا شيئا حكم فيه بدية مربعة على مذهب مالك وأصحابه خلافا للشافعي في قوله إنها مثلثة. فجعل مالك العافي في هذه الآية الدافع لا التارك، وجعل العافي في آية الطلاق في قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهو الزوج. فالمعنى عنده في الآية: إلا أن يعفو الزوجات فيتركن النصف أو يعفو الزوج فيدفع الجميع والله أعلم بما أراد من ذلك لا إله إلا هو.
فصل
فيما يجب به القصاص
والقصاص يكون بأحد ثلاثة أشياء:
إما ببينة تقوم على القتل.
وإما باعتراف القاتل على نفسه.
وإما بقسامة أولياء المقتول بما تصح به القسامة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله.
فإذا قامت البينة على القتل أو اعترف به القاتل على نفسه اقتص منه بمثل
стр. 1436
القتلة التي قتله بها إلا أن يكون قتله بالنار أو بالسم فاختلف في ذلك. قال ابن حبيب في الواضحة: إنه لا يقتل بالنار ولا بالسم لأن ذلك من المثل. وظاهر ما في المدونة أنه يقتص منه بمثل القتلة التي قتله بها وإن كان قتله بالنار إذ لم يفرق فيها بين النار وغيره، وهو ظاهر قوله في السم أنه يقاد منه به. ومن أهل العلم من يرى أنه لا يكون القود إلا بالسيف. وأما إن لم يثبت القتل بالبينة وإنما استحق دمه بالقسامة فلا يقتل إلا بالسيف.
فصل
في
تقاسيم الديات
والديات على مذهب مالك ﵀ وأصحابه ثلاث:
دية الخطأ، ودية العمد إذا قبلت، ودية التغليظ في مثل ما فعل المدلجي بابنه، وهي دية شبه العمد على مذهب من يراه ويقول به. وقد ذكرنا أنه قول أكثر أهل العلم ورواية العراقيين عن مالك. وأبو حنيفة يرى الدية في ذلك مربعة حسب ما ذكرناه عنه.
فصل
في
دية الخطأ
فأما دية الخطأ فإنها على أهل الإبل مائة من الإبل على عاقلة القاتل، سنة من رسول الله ﷺ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في ذلك. وتؤخذ في ثلاث سنين، وقيل في أربع سنين. والأول أكثر وهو مذهب مالك.
فصل
وهذا أمر كان في الجاهلية فأقره النبي ﷺ في الإسلام، ولا يحمله القياس، لأن الأصل كان ألا يحمل أحد جناية أحد لقول الله : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]
стр. 1437
«وقول النبي ﵇ لأبي رمثه في ابنه: لا تجني عليه ولا يجني عليك». وقوله ﵇: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وعما استكرهوا عليه» ولكنها خصمت من هذه الظواهر كلها الواردة في القرآن والسنن والآثار بالسنة والإجماع.
فصل
وهي مخمسة: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكر، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. هذا مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما، إلا أن أبا حنيفة جعل مكان ابن لبون ابن مخاض، وذهب جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب إلى أن دية الخطأ مربعة، واختلفوا في أسنانها اختلافا كثيرا ليس هذا موضع إيراده، إذ لم أقصد إلى ذكر الاختلاف وإنما قصدت إلى تلخيص المذهب. وهذا كله لا مدخل للرأي والقياس في شيء منه، وكل يدعي التوقيف فيما ذهب إليه من ذلك أصلا لا قياسا.
فصل
وأما على أهل الذهب والورق فهي ما قومها به عمر بن الخطاب ﵁: ألف دينار أنه قومها على أهل الورق عشرة آلاف درهم. وذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأصحابه ولم يختلف عن عمر بن الخطاب
стр. 1438
أنه قوم الدية على أهل الذهب ألف دينار، وذلك مروي عن النبي ﵇ في كتابه لعمرو بن حزم. وبعض الرواة يقول في تقويم الدية على أهل الذهب والورق قوم عمر الدية، وبعضهم يقول: جعل، وبعضهم يقول قضى. واختلف قول الشافعي في ذلك، فكان قوله في القديم كقول مالك. وقال في الحديث: إن الدية على أهل الذهب والورق قيمة الإبل في الوقت الذي يقضى بالدية، وقال: قوم عمر الدية على أهل الذهب والورق فاتباعه أن تقوم في كل وقت. وما ذهب إليه مالك أصح وأولى لأن فيه أثرا مرفوعا إلى النبي ﷺ من رواية ابن عباس أنه «قضى لرجل من الأنصار قتله مولى لبني عدي بالدية اثنا عشر ألف درهم». ونميهم نزلت هذه الآية: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وأما أبو حنيفة فلا حجة له فيما ذهب إليه إلا ما رواه أهل العراق عن عمر بن الخطاب ﵁ في تقويم الدية بعشرة آلاف درهم على أهل الورق.
فصل
ولا تؤخذ في الدية عند مالك، وجل أهل العلم إلا الإبل والدنانير والدراهم. وقد روي «عن النبي ﷺ أنه وضع الدية على الناس في أموالهم ما كانت على أهل الإبل مائة بعير، وعلى أهل الشياة ألف شاة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل البرود مائتي حلة» وهو قول عطاء وقتادة. وروي ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب أنه وضع الديات على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
فصل
ودية الخطأ كسائر مال المقتول يقضى منها دينه وتجوز فيها وصيته ويرثها جميع ورثته إلا أن يكون القاتل من ورثته فإنه لا يرث منها شيئا للإجماع أن قاتل
стр. 1439
الخطأ لا يرث من الدية. وقد «كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من الدية شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» وكان قتل خطأ، فقضى بذلك هو والناس بعده ولم يختلفوا في ذلك إلا ما روي عن بعض أهل الظاهر من الخلاف في ذلك وبالله التوفيق.
فصل
في
دية العمد
وأما دية العمد فليست بمؤقتة ولا معلومة. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وشيء نكرة يقع على القليل والكثير.
فصل
فإن اصطلحوا على الدية مبهمة فإن الدية تكون في ماله حالة مائة من الإبل على أهل الإبل مربعة، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم. ولا تغلظ الدية على أهل الذهب والورق بفضل ما بين أسنان دية الخطأ ودية العمد كما يفعل في دية التغليظ المثلثة في مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. وروى يحيى عن أشهب أنها تغلظ بفضل ما بين أسنان دية الخطأ ودية العمد. وعن ابن نافع مثل قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وهو ظاهر ما في المدونة. وقد روي عن مالك أن دية العمد إذا قبلت مبهمة تكون في ثلاث سنين، والأول هو المشهور في المذهب.
стр. 1440
فصل
وهى أيضا موروثة عن المقتول يرثها ورثته ويقضي منها دينه إلا أنه لا تدخل فيها الوصايا لأنه مال لم يعلم به. وإن عفا عن دمه جاز ذلك من رأس ماله ولم يكن من ثلثه. وذهب الشافعي إلى أن دية العمد إن قبلت كدية شبه العمد مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة. فالديات عنده ديتان دية الخطأ مخمسة، ودية شبه العمد ودية العمد إن قبلت مثلثة وبالله التوفيق.
فصل
في
الدية المغلظة
وأما الدية المغلظة في مثل ما صنع المدلحي بابنه وفي شبه العمد على رواية العراقيين عن مالك فإن على أهل الإبل مثلثة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، حالة في مال القاتل غير مؤجلة. وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون: إنها على العاقلة لأنها نزلت منزلة الخطأ، واحتجوا بقول عمر بن الخطاب لسراقة بن جعشم أعدد لي على ماء قديد عشرين ومائة من الإبل، وسراقة لم يكن أبا القاتل وإنما كان سيد القوم. فدل ذلك على أنه إنما أمره أن يعدها له من أموال قوم القاتل. وحكى ابن حبيب عن مطرف أنها في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال.
فصل
فإن كان من أهل الذهب والورق ففي ذلك روايتان:
إحداهما: أنها لا تغلظ ولا يزاد فيها بفضل ما بين الأسنان.
следующие страницы →