Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
القتلة التي قتله بها إلا أن يكون قتله بالنار أو بالسم فاختلف في ذلك. قال ابن حبيب في الواضحة: إنه لا يقتل بالنار ولا بالسم لأن ذلك من المثل. وظاهر ما في المدونة أنه يقتص منه بمثل القتلة التي قتله بها وإن كان قتله بالنار إذ لم يفرق فيها بين النار وغيره، وهو ظاهر قوله في السم أنه يقاد منه به. ومن أهل العلم من يرى أنه لا يكون القود إلا بالسيف. وأما إن لم يثبت القتل بالبينة وإنما استحق دمه بالقسامة فلا يقتل إلا بالسيف.
فصل
في
تقاسيم الديات
والديات على مذهب مالك ﵀ وأصحابه ثلاث:
دية الخطأ، ودية العمد إذا قبلت، ودية التغليظ في مثل ما فعل المدلجي بابنه، وهي دية شبه العمد على مذهب من يراه ويقول به. وقد ذكرنا أنه قول أكثر أهل العلم ورواية العراقيين عن مالك. وأبو حنيفة يرى الدية في ذلك مربعة حسب ما ذكرناه عنه.
فصل
في
دية الخطأ
فأما دية الخطأ فإنها على أهل الإبل مائة من الإبل على عاقلة القاتل، سنة من رسول الله ﷺ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في ذلك. وتؤخذ في ثلاث سنين، وقيل في أربع سنين. والأول أكثر وهو مذهب مالك.
فصل
وهذا أمر كان في الجاهلية فأقره النبي ﷺ في الإسلام، ولا يحمله القياس، لأن الأصل كان ألا يحمل أحد جناية أحد لقول الله : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]
стр. 1437
«وقول النبي ﵇ لأبي رمثه في ابنه: لا تجني عليه ولا يجني عليك». وقوله ﵇: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وعما استكرهوا عليه» ولكنها خصمت من هذه الظواهر كلها الواردة في القرآن والسنن والآثار بالسنة والإجماع.
فصل
وهي مخمسة: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكر، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. هذا مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما، إلا أن أبا حنيفة جعل مكان ابن لبون ابن مخاض، وذهب جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب إلى أن دية الخطأ مربعة، واختلفوا في أسنانها اختلافا كثيرا ليس هذا موضع إيراده، إذ لم أقصد إلى ذكر الاختلاف وإنما قصدت إلى تلخيص المذهب. وهذا كله لا مدخل للرأي والقياس في شيء منه، وكل يدعي التوقيف فيما ذهب إليه من ذلك أصلا لا قياسا.
فصل
وأما على أهل الذهب والورق فهي ما قومها به عمر بن الخطاب ﵁: ألف دينار أنه قومها على أهل الورق عشرة آلاف درهم. وذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأصحابه ولم يختلف عن عمر بن الخطاب
стр. 1438
أنه قوم الدية على أهل الذهب ألف دينار، وذلك مروي عن النبي ﵇ في كتابه لعمرو بن حزم. وبعض الرواة يقول في تقويم الدية على أهل الذهب والورق قوم عمر الدية، وبعضهم يقول: جعل، وبعضهم يقول قضى. واختلف قول الشافعي في ذلك، فكان قوله في القديم كقول مالك. وقال في الحديث: إن الدية على أهل الذهب والورق قيمة الإبل في الوقت الذي يقضى بالدية، وقال: قوم عمر الدية على أهل الذهب والورق فاتباعه أن تقوم في كل وقت. وما ذهب إليه مالك أصح وأولى لأن فيه أثرا مرفوعا إلى النبي ﷺ من رواية ابن عباس أنه «قضى لرجل من الأنصار قتله مولى لبني عدي بالدية اثنا عشر ألف درهم». ونميهم نزلت هذه الآية: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وأما أبو حنيفة فلا حجة له فيما ذهب إليه إلا ما رواه أهل العراق عن عمر بن الخطاب ﵁ في تقويم الدية بعشرة آلاف درهم على أهل الورق.
فصل
ولا تؤخذ في الدية عند مالك، وجل أهل العلم إلا الإبل والدنانير والدراهم. وقد روي «عن النبي ﷺ أنه وضع الدية على الناس في أموالهم ما كانت على أهل الإبل مائة بعير، وعلى أهل الشياة ألف شاة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل البرود مائتي حلة» وهو قول عطاء وقتادة. وروي ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب أنه وضع الديات على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
فصل
ودية الخطأ كسائر مال المقتول يقضى منها دينه وتجوز فيها وصيته ويرثها جميع ورثته إلا أن يكون القاتل من ورثته فإنه لا يرث منها شيئا للإجماع أن قاتل
стр. 1439
الخطأ لا يرث من الدية. وقد «كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من الدية شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» وكان قتل خطأ، فقضى بذلك هو والناس بعده ولم يختلفوا في ذلك إلا ما روي عن بعض أهل الظاهر من الخلاف في ذلك وبالله التوفيق.
فصل
في
دية العمد
وأما دية العمد فليست بمؤقتة ولا معلومة. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وشيء نكرة يقع على القليل والكثير.
فصل
فإن اصطلحوا على الدية مبهمة فإن الدية تكون في ماله حالة مائة من الإبل على أهل الإبل مربعة، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم. ولا تغلظ الدية على أهل الذهب والورق بفضل ما بين أسنان دية الخطأ ودية العمد كما يفعل في دية التغليظ المثلثة في مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. وروى يحيى عن أشهب أنها تغلظ بفضل ما بين أسنان دية الخطأ ودية العمد. وعن ابن نافع مثل قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وهو ظاهر ما في المدونة. وقد روي عن مالك أن دية العمد إذا قبلت مبهمة تكون في ثلاث سنين، والأول هو المشهور في المذهب.
стр. 1440
فصل
وهى أيضا موروثة عن المقتول يرثها ورثته ويقضي منها دينه إلا أنه لا تدخل فيها الوصايا لأنه مال لم يعلم به. وإن عفا عن دمه جاز ذلك من رأس ماله ولم يكن من ثلثه. وذهب الشافعي إلى أن دية العمد إن قبلت كدية شبه العمد مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة. فالديات عنده ديتان دية الخطأ مخمسة، ودية شبه العمد ودية العمد إن قبلت مثلثة وبالله التوفيق.
فصل
في
الدية المغلظة
وأما الدية المغلظة في مثل ما صنع المدلحي بابنه وفي شبه العمد على رواية العراقيين عن مالك فإن على أهل الإبل مثلثة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، حالة في مال القاتل غير مؤجلة. وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون: إنها على العاقلة لأنها نزلت منزلة الخطأ، واحتجوا بقول عمر بن الخطاب لسراقة بن جعشم أعدد لي على ماء قديد عشرين ومائة من الإبل، وسراقة لم يكن أبا القاتل وإنما كان سيد القوم. فدل ذلك على أنه إنما أمره أن يعدها له من أموال قوم القاتل. وحكى ابن حبيب عن مطرف أنها في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال.
فصل
فإن كان من أهل الذهب والورق ففي ذلك روايتان:
إحداهما: أنها لا تغلظ ولا يزاد فيها بفضل ما بين الأسنان.
стр. 1441
والثانية: أنها تغلظ. فإذا قلنا إنها تغلظ ففي صفة تغليظها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يقوم الثلاثون حقة والثلاثون جذعة والأربعون خلفة قيمتها بالغة ما بلغت فيكون ذلك عليه إلا أن تكون أقل من الألف مثقال ومن الاثني عشر ألف درهم فلا ينقص من ذلك شيء.
والثاني: وهو مذهب ابن القاسم في المدونة أن تقوم أسنان الخطأ الخمسة وأسنان المغلظة الثلاثة فينظر كم بينهما فيسمى ذلك من دية الخطأ، فإن كان الثلث أو الربع زيد على الألف دينار أو الاثني عشر ألف درهم ثلثها أو ربعها.
والثالث: أن يعرف كم بين القيمتين فيزاد ذلك على الذهب أو الورق. ودية شبه العمد عند أبي حنيفة مربعة ولا تغليظ فيها عند أهل الذهب والورق، وعند أبي ثور مخمسة ولا تغليظ فيها بحال.
فصل
في
دية الكتابيين
وأما دية اليهودي والنصراني فإنها مثل نصف دية الحر المسلم. هذا الذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ورواه في موطأه عن عمر بن عبد العزيز وتابعه عليه جميع أصحابه. وقال الشافعي: ديتهما مثل دية المسلم وهو قول جماعة من السلف. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم، واحتج بظاهر قول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فتأول أن المراد به الكافر وقال: أوجب الله في قتله خطأ الدية والكفارة كما أوجب في المؤمن، فوجب أن تكون ديتهما سواء كما أن الكفارة عنهما سواء، وهذا لا حجة فيه لأن الله لم يذكر فيه أنه كافر، فيحتمل أن يكون المراد به أنه مؤمن. ولو صح أن المراد به الكافر لما أوجب استواء الديتين لاستواء الكفارتين. لأن هذا أمر لا مدخل للقياس
стр. 1442
فيه وإنما يرجع فيه إلى التوقيف. وإذا كان ذلك فما ذهب إليه مالك ﵀ أولى ما قيل في ذلك، لأنه مروي عن النبي ﵇ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: «لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح قال في خطبته: دية الكافر مثل نصف دية المسلم» وأما دية المجوسي فإنها ثمانمائة درهم عند مالك والشافعي. وقد تقدم مذهب أبي حنيفة أن ديته مثل دية الحر المسلم، وعلى أهل المذهب ستة وستون دينارا وثلثا دينار، وعلى أهل الإبل ستة أبعرة وثلثا بعير، وجراحه على حساب ديته هذه.
فصل
في
دية المرتد
واختلف في دية المرتد إذا قتل قبل أن يستتاب، فقيل لا دية على قاتلته. وقيل ديته دية مجوسي. وقيل ديته دية دينه الذي ارتد إليه.
فصل
في
دية العبد
وأما العبد فلا دية له على مذهب مالك ﵀ وإنما هو كسلعة من السلع فعلى قاتله خطأ كان أو عمدا قيمته بالغة ما بلغت في ماله، ولا تحمل العاقلة من ذلك شيئا. وروي عن الشافعي مثل قول مالك ﵀ هذا. والمشهور عنه الظاهر من مذهبه أن العبد إذا قتل خطأ فقيمته على عاقلة القاتل في ثلاث سنين وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أنه يرى ألا يزاد على الدية إن كانت قيمته أكثر من
стр. 1443
الدية. وقالت طائفة من أهل الكوفة لا يبلغ به دية الحر وينقص منها شيء، قال بعضهم الدرهم وقال بعضهم العشرة دراهم. وقال الحسن: إذا قتل الحر العبد خطأ فعليه الدية والكفارة ولم يبين إن كانت في ماله أو على العاقلة. وإذ أجمل فيه فينبغي أن يكون حكمها حكم الدية في الخطأ والعمد.
فصل
وأما جراح العبد فقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن على جارحه ما نقصه من غير تفصيل قياسا على العروض والحيوان. والثاني: أن جراحاته في قيمته كجراحات الحر في ديته قياسا على الحر. وقال الشافعي: قياس العبد على الحر أولى من قياسه على الحيوان والسلع، لأنه حيوان عاقل مكلف ليس كالحيوان والسلع. والثالث: أن على جارحه ما نقصه إلا أن في ما مومته وجائفته وموضحته فإن ذلك يكون من قيمته كحسابها من دية الحر. وسيأتي حكم الجراحات في موضعها وإنما ذكرناها هنا لما تعلق بها.
فصل
في
دية الجنين
بقي من حكم الديات التكلم على دية الجنين. ثبت أن رسول الله ﷺ «قضى في الجنين يطرح من بطن أمه بغرة عبد أو وليدة». وأجمع أهل العلم على الحكم في ذلك وأن في جنين الحرة المسلمة أو النصرانية من المسلم والأمة من سيدها الحر غرة عبد أو وليدة إذا خرج من بطن أمه ميتا وهي حية ذكرا كان أو أنثى تم خلقه أو لم يتم إذا تيقن أنه جنين. كل ما تكون به الأمة أم ولد إذا أسقطته من سيدها يكون على الجاني فيه غرة عبد أو وليدة، كل على مذهبه في ذلك. هذا كله لا اختلاف بين أحد من أهل العلم فيه. واختلفوا في قيمة الغرة وعلى من تجب في الخطأ وممن تجب.
стр. 1444
فصل
فأما اختلافهم في قيمتها فقال مالك: خمسون دينارا أو ستمائة درهم، وذلك استحسان عنده ليس كالسنة الثابتة. وقال أبو حنيفة: خمسون دينارا أو خمسمائة درهم على أصله أن الدية على أهل الورق عشرة آلاف درهم. وأما الشافعي الذي يرى الدية على أهل الذهب والورق قيمة الإبل بالغة ما بلغت فيقول في الغرة إنها تكون بنت سبع سنين أو ثماني سنين سالمة من العيوب لأنها لا تستغني بنفسها فيما دون هذا السن، ولا يفرق بينها وبين أمها دونه. قال: فإن لم توجد الغرة فقيمتها، وهذا ما لا يختلف فيه إلا ما استحسنه مالك ﵀ من أن تكون قيمتها خمسين دينارا أو ستمائة درهم. وقال داود وأهل الظاهر: إن كل ما وقع عليه اسم غرة أجزأ إلا أن يتفق الجميع على سن أنه لا يجزئ.
فصل
وأما اختلافهم على تجب في الخطأ فقال مالك: إنها في مال الجاني لأنها أقل من الثلث. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إنها على العاقلة.
فصل
وأما اختلافهم لمن تجب ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها للأم كجرح من جراحها وهو قول ربيعة.
والثاني: أنها للأبوين على الثلث والثلثين، وأيهما خلا بها فهي له كلها، وهذا قول عبد العزيز بن أبي سلمة والمغيرة وابن دينار وقول مالك الأول.
والثالث: أنها موروثة عن الجنين على الفرائض، وإلى هذا رجع مالك وعليه أكثر أصحابه وبالله التوفيق.
فصل
وأما جنين النصرانية من النصراني فقال مالك: فيه عشر دية أمه ونصف عشر
стр. 1445
دية أبيه، وهما سواء. ويأتي على مذهب الشافعي مثل ذلك إلا أن دية النصراني واليهودي والمجوسي عنده كدية المسلم سواء.
فصل
وأما جنين الأمة من غير سيدها فإن خرج حيا ثم مات ففيه قيمته بالغة ما بلغت لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. وأما إن خرج ميتا ففيه اختلاف كثير. ذهب مالك والشافعي إلى أن فيه عشر ثمن أمه. وقال أبو حنيفة: إن كان ذكرا ففيه نصف عشر قيمته لو كان حيا، وإن كان أنثى ففيها عشر قيمتها لو كانت حية. وذكر أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن فيه ما نقص من أمه كما يكون في أجنة البهائم. وقال حماد: فيه حكومة وهو نحو قول أبي يوسف. وقال سعيد بن المسيب: فيه عشرة دنانير.
فصل
واختلفوا في الجنين يخرج من بطن أمه ميتا وقد ماتت أمه من ضرب بطنها، فقال مالك والشافعي وأصحابهما: لا شيء فيه من غرة ولا غيرها إذا ألقته بعد موتها ميتا. وقال ربيعة والليث بن سعد فيه الغرة، وروي ذلك عن ابن شهاب، وهو قول أشهب من أصحابنا. وقد أجمعوا على أنه لو ضرب بطن ميتة فألقت جنينها ميتا أنه لا شيء فيه. وكذلك أجمعوا أنها لو ماتت من الضرب ولم تلق الجنين أنه لا شيء فيه. واختلفوا على القول بأن الغرة لا تجب فيه إلا بأن يسقط من الضرب ميتا وهي حية إذا ماتت وقد خرج بعض الجنين، فحكى ابن شعبان في ذلك قولين: أحدهما: أن الغرة تجب فيه. والثاني: أن الغرة لا تجب إلا أن يخرج جميع الجنين قبل موتها. والصواب أنه إذا خرج الجنين ميتا بعد موت أمه أنه لا شيء فيه على ما ذهب إليه مالك ﵀. وبالله التوفيق.
стр. 1446
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد
كتاب القسامة
فصل في
وجوب القود بالقسامة
قد قلنا فيما تقدم إن القصاص يكون بأحد ثلاثة أشياء:
إما ببينة عادلة على القتل ومعاينته، وإما باعتراف القاتل على نفسه بالقتل، وإما بقسامة.
فأما وجوب القصاص بالبينة والاعتراف فلا خلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم. وقد ذكرنا قبل ما في صفته بين أهل العلم من الاختلاف وأما القسامة فأوجب القصاص بها مالك والشافعي في أحد قوليه وجماعة من العلماء. والأصل في وجوب القصاص بها قول الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، أي حجة توجب له القصاص، فلا يتعد فيه، لأن السلطان الحجة. فأجمل الله ﵎ المعنى الذي يصح به القصاص ويوجبه بلفظ السلطان. وثبت «أن رسول الله ﷺ قضى بالقسامة في الأنصاري الذي قتل بخيبر فقال لولاته: أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟ قالوا لم نشهد ولم نحضر، قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، فقالوا: يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار. فوداه رسول الله ﷺ من عنده». وهو حديث صحيح لا
стр. 1447
اختلاف بين أحد من أهل العلم في صحته. وقوله فيه أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم يبين أن القسامة يقتل بها القاتل. ولو كانت القسامة لا توجب القتل وإنما توجب الدية على ما ذهب إليه الشافعي في أحد قوليه لقال ﷺ : أتحلفون وتستحقون دية صاحبكم. وهذا بين مع ما روي في الحديث من غير رواية مالك أن رسول الله ﷺ قال لولاته: «تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فيسلم إليكم». فكان هذا من قوله ﷺ وما روي عنه في غير هذا الحديث من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قتل رجلا بالقسامة من بني نصر ببحرة الرغاء على شط لية البحرة. وما روي أيضا عنه ﷺ من أنه قضى بالقسامة في عامر بن الأضبط يوم قتله يحلم بن حمامة الليثي فأقسم ولاته ثم دعاهم رسول الله ﷺ إلى الدية فأجابوه إليها ففداه بمائة من الإبل الحديث واقعا موقع البيان لمحمل قول الله في القرآن ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] حكى هذين الأثرين ابن حبيب في الواضحة. وتعلق الشافعي فيما ذهب إليه في أحد قوليه أن القسامة لا يستحق بها الدم وإنما يستحق بها الدية بقوله في حديث مالك إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تأذنوا بحرب. ولا حجة له فيه لاحتمال أن يكون معناه إن رضيتم بأخذ الدية وترك القصاص بعد القسامة. وإذا حمل قوله على هذا لم تتعارض ألفاظ الحديث.
فصل
وقد روي في هذا الحديث من غير رواية مالك أن رسول الله ﷺ بدأ اليهود باليمين، فتعلق بذلك أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: إذا وجد قتيل في محلة وبه أثر وادعى الولي على أهل المحلة أنهم قتلوه أو على أحد منهم بعينه استحلف من المحلة خمسون رجلا يختارهم الولي. بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. وإن لم
стр. 1448
يبلغوا خمسين رجلا كررت عليه الأيمان ثم غرموا الدية. وإن نكلوا عن اليمين حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا. وقال عثمان الليثي: خلافا لما روي أن عمر بن الخطاب قضى له من رواية الكوفيين أنه أحلف الذين وجد عندهم القتيل وأغرمهم الدية، فقال له الحارث ابن الأزمع: أتحلفون وتغرمون، قال: نعم.
فصل
والحجة في السنة لا فيما خالفها، والصحيح منها تبدئة رسول الله ﷺ أولياء القتيل بالأيمان على ما رواه مالك ﵀. وقول من قال إن الحكم بالقسامة وتبدية المدعين بها خلاف الأصول وخلاف ما ثبت من قول رسول الله ﷺ : «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، وقوله «لو يعطى الناس بأيمانهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم» غير صحيح، لأنا لا نبدي أولياء القتيل بالقسامة بمجرد دعواهم، وإنما يحكم لهم بها إذا كان لهم دليل يغلب على الظن به صدق قولهم، فليس هذا خلافا للأصول، بل هو مطابق لها ولا يقول إنه خلاف لها إلا من لم يفهم المعاني ولا وقف على حقيقة الأصول، إذ ليس العلة في تبدئة المدعى عليه باليمين كونه مدعى عليه، ولو كان كذلك لما وجد مدعى عليه إلا والقول قوله مع يمينه، ولا العلة في إيجاب البينة على المدعي كونه مدعيا إذ لو كان كذلك لما وجد مدع إلا عليه إقامة البينة. وإنما العلة في كون المدعى عليه مصدقا مع يمينه أن له سببا يدل على تصديقه وهو كون السلعة بيده. ألا ترى أن السلعة إذا خرجت من يده وحازها الرجل بحضرته مدة طويلة ثم ادعى أنه اشتراها منه فالقول قوله مع يمينه. وإن كان هو المدعي للشراء، لأن له سببا على تصديقه وهو حيازة السلعة بحضرته المدة الطويلة. وإذا كان لكل واحد من المتداعيين سبب يدل على
стр. 1449
تصديقه بدئ باليمين من قوي سببه على سبب صاحبه، كمن ادعى على رجل أنه اشترى منه سلعة وأقام على ذلك شاهدا واحدا فالقول قوله مع يمينه لأن سببه الدال على صدقه وهو الشاهد أقوى من سبب المدعى عليه وهو اليد. وإن تساوت الأسباب حلفا جميعا ولم يبدأ أحدهما على صاحبه باليمين وذلك كاختلاف المتتابعين.
فصل
فالأصل في جميع الأحكام والدعاوي أن يبدأ باليمين من يغلب على الظن صدقه كان مدعيا أو مدعى عليه. ألا ترى أن الرجل إذا دخل بزوجته وأقام معها مدة طويلة فطلقها أو لم يطلقها فطلبته بالصداق وادعت عليه أنه قد مسها وأنكر ذلك أنها مصدقة عليه بيمينها، وقيل بغير يمين وإن كانت هي المدعية وهو المدعى عليه لما يغلب على الظن صدق دعوى ولاة المقتول بسبب يدل على ذلك مثل السبب الذي حكم رسول الله ﷺ من أجله بالقسامة على أولياء المقتول أو ما أشبهه وجب الحكم بالقسامة والقود بها.
فإن قيل وما السبب الذي من أجله حكم رسول الله ﷺ بالقسامة؟ قيل له:
كانت خيبر دار يهود وكانت محضة لا يخالطهم غيرهم وكانت العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر فوجد قتيلا قبل الليل. فمثل هذا يغلب على ظن من سمعه أنه لم يقتله إلا اليهود. ولو وقع مثل هذا في زماننا لوجب الحكم به ولم يصح أن يتعدى إلى غيره.
فصل
وهذا السبب هو الذي يعبر عنه أصحابنا باللوث وقد سئل مالك في رواية
стр. 1450
أشهب عنه عن اللوث الذي يوجب القسامة ما هو فقال: الأمر الذي ليس بقوي ولا قاطع. قليل له أترى شهادة المرأة من ذلك؟ قال: نعم فقيل له: فشهادة الرجل الذي ليس بعدل من ذلك؟ شهادة العبد ولا شهادة النصراني، ولم ير في رواية ابن القاسم عنه الشاهد الواحد لوثا إلا أن يكون عدلا. ومن اللوث شهادة الشهود غير العدول، وشهادة اللفيف من النساء والصبيان. ومن اللوث أن يوجد القاتل بحداء المقتول بحد يده بيده أو متلطخا بدمه أو خارجا من موضعه وهو يشخب في دمه ولا يوجد فيه غيره أو ما أشبه ذلك. وقد رأى ربيعة شهادة النصراني لوثا.
فصل
وأما الشاهد العدل على معاينة القتل فلا خلاف فيه عند مالك وأصحابه أنه لوث يوجب القسامة، وهو قول أشهب في كتاب ابن المواز. وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: لا يقسم مع الشاهد الواحد على إقراره، ظاهره في العمد وهو ظاهر ما في المدونة إذا أسقطت منها زيادة سحنون، وذلك قوله دم الخطأ، إلا أنه بعيد. والصواب وجوب القسامة مع الشاهد الواحد على إقراره بالقتل عمدا، إذ لا فرق بين شهادة الشاهد على معاينة القتل وبين شهادته على إقرار القاتل على نفسه. وكذلك اختلف أيضا في شهادة الشاهد الواحد على إقراره بقتل الخطأ هل يكون لوثا أم لا. وقع اختلاف قوله في ذلك في سماع سحنون من كتاب الديات. والصحيح ما في المدونة أنه لا يكون لوثا يوجب القسامة، لأن
стр. 1451
الاختلاف في قوله قتلت فلانا خطأ معلوم موجود فكيف إذا لم يثبت القول. ووقع الاختلاف في ذلك في الصلح من المدونة، مرة جعل إقراره بالقتل لوثا يوجب الدية على العاقلة بقسامة، مات مكانه أو كانت له حياة. ومعنى ذلك إذا لم يتهم أنه أراد غنى ولده كما قال في كتاب الديات. ومرة قال إن الدية عليه في ماله بقسامة، ومرة قال بغير قسامة، ولم يفرق بين أن تكون له حياة أو لا تكون. والاختلاف في وجوب القسامة إنما يتصور عندي إذا كانت له حياة. وأما إذا كان موته نقضا ولم يكن له حياة فإنما يجب عليه الدية في ماله بغير قسامة. هذا الذي ينبغي أن تحمل عليه الروايات، لأنه إذا جعل الدية عليه في ماله لما جاء من أن العاقلة لا تحمل الاعتراف، فإقراره إنما هو على نفسه، والاختلاف إنما هو في وجوب القسامة مع إقراره إذا كانت له حياة كالاختلاف في إقرار القاتل عمدا على نفسه إذا كانت للمقتول حياة والله أعلم.
فصل
وقول الميت دمي عند فلان لم يختلف قول مالك إنه لوث في العمد يوجب القسامة والقود عدلا كان أو مسخوطا، وتابعه على ذلك جميع أصحابه والليث بن سعد، وخالفهم في ذلك جمهور أهل العلم، واستدلوا لمذهبهم بقول رسول الله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعاويهم» الخبر ". وقالوا حرمة المال أخفض من حرمة النفس، فإذا لم يقبل إقراره عليه بالمال فإقراره عليه بالدم أولى ألا يقبل، وهذا كله لا يلزم. أما الذي استدلوا به فلا دليل لهم فيه لأن المدعي للدم الطالب له هو ولي المقتول فلم نعطه بدعواه، وإنما أعطيناه بما انضاف إليه من قول المقتول. وأما قولهم إن قوله إذا لم يقبل في المال فأحرى ألا يقبل في النفس فليس بصحيح، لأن أصل موضوع القسامة إنما هي لحراسة الأنفس وإنما يطلب فيها الشبهة، واللطخ لإيجاب القصاص الذي هو حياة الأنفس. قال الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] والدليل على صحة قول مالك قول الله :
стр. 1452
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]. والقصة مشهورة في شأن الرجل الذي قتله ابن أخيه ليرثه وادعى قتله على أهل قرية فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضرب ببعضها، ففعل ذلك فقال قتلني ابن أخي، فصار هذا أصلا في قبول دعوى المقتول وتأثيرها في دعوى القتل. وقد قال جماعة منهم الفقيه أبو عمر بن عبد البر وغيره إن الاحتجاج بهذه الآية غفلة شديدة أو شعوذة لأن الذي ذبحت البقرة من أجله وضرب ببعضها كانت فيه آية لا سبيل إليها اليوم ولا تصح إلا لنبي أو بحضرة نبي، ولم يقسم على قتيل بني إسرائيل بل علم صدقة بالآية. وهذا غير صحيح، بل الدليل منها قائم وذلك أن الآية إنما كانت في الإحياء وأما في قَوْله تَعَالَى ابن أخي فلان قتلني فليس فيه آية لأن كل حي عاقل لا آفة فيه من بني آدم يتكلم ويخبر بما في علمه. وقد كان الله قادرا على أن يحيي غيره من الأموات فيقول فلان قتل فلان فيكون فيه آيتان آية في إحيائه وآية في إخباره بالغيب. فلما خصه الله بالإحياء من بين سائر الأموات دل ذلك على أن الشرع كان عندهم أن من قتل فأدرك حيا فأخبر بقاتله صدق قوله، فلما فات بالموت ولم تدرك حياته أحياه الله لنبيه ﵇ ليستدرك بإحيائه ما كان فاته من الحكم، فهذا كان سبب تخصيصه بالإحياء والله أعلم، كما كان سبب تخصيص البقرة بالذبح ما أراد الله مجازاة الذي امتنع من تجارته خوفا من إيقاظ أبيه بأن يعوضه أضعاف ما فاته من الربح بسبب ترك إيقاظ أبيه. روي عن ابن عباس في سبب هذه البقرة أنه قال: كان في بني إسرائيل رجل من أبر الناس لأبيه، وأن رجلا مر به ومعه لؤلؤ يبيعه، وكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح فقال له الرجل تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا قال: إبق كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفا، فقال الآخر أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال: لا والله لا أشتريه منك بشيء أبدا وأبى أن يوقظ أباه برورا به، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة
стр. 1453
فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة فأبصروا البقرة عنده فسألوه أن يبيعها منهم ببقرة فأبى فأعطوه اثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرا فأبى، فقالوا له والله لا نتركك حتى نأخذها منك، فانطلقوا به إلى موسى ﵇ فقالوا يا موسى إنا وجدنا عند هذا بقرة فأبى أن يعطينا إياها وقد أعطيناه ثمنها. فقال له موسى أعطهم بقرتك، فقال: يا رسول الله أنا أحق بمالي، فقال صدقت. وقال للقوم أرضوا صاحبكم فأعطوه وزنها ذهبا فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فذبحوها وفعلوا ما أمروا به من ضرب القتيل ببعضها فأحياه الله فأخبر بقاتله.
فصل
ومن الدليل أيضا على صحة قول مالك ما روي أن القسامة كانت في الجاهلية فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام ليتناهى الناس عن القتل. فظاهر هذا أنها مقرة في الإسلام على ما كانت عليه في الجاهلية، وقد كانت العرب في الجاهلية تقبل دعوى المقتول على قاتله وتحكم به. وأيضا فإنه ليس المبتغى في إيجاب القسامة القطع والبت، وإنما المبتغى شبهة تنضاف إلى دعوى الولاة تقويها وتلطخ المدعى عليه حتى يغلب على الظن صدق دعواهم، ولذلك سمي لطخا ولوثا، كل ذلك حراسة للدماء ومنعا من الاجتراء عليها. والمعلوم من حال الناس عند الموت الإنابة والاستشعار للتوبة والإقلاع عن المعاصي والندم عليها، هذا ما لا يدفع ضرورة، فإذا أخبر في تلك الحال بقاتله غلب على الظن صدق مقاله إذ يبعد أن يتهم من هو في تلك الحال أن يريد أن يبوء بإثم القتل.
فصل
وأما قوله قتلني فلان خطأ ففي ذلك عن مالك روايتان:
إحداهما: أن قوله يقبل وتكون معه القسامة كالعمد.
стр. 1454
والثانية: أن قوله لا يقبل لأنه يتهم أن يكون أراد غناء ولده وهو قول ابن أبي حازم.
وجه الرواية الأولى أنه استحقاق دم فوجب أن يستحق بما يستحق به دم العمد.
ووجه الرواية الثانية أن الواجب في دم الخطأ مال على العاقلة، فأشبه قوله عند الموت لي عند فلان كذا وكذا، وهذا أظهر في القياس. والرواية الأولى أشهر، والله أعلم.
فصل
فإن جرح الرجل جرحا له عقل مسمى عمدا أو خطأ فمات من ذلك الجرح لم يخل الأمر من ثلاثة أوجه:
أحدها ألا يعلم الجرح إلا بقول الميت فلان دمي عند فلان هو جرحني هذا الجرح الذي ترون بي فمنه أموت فالصحيح فيه ألا سبيل إلى القصاص من الجرح ولا إلى أخذ الدية فيه إن كان خطأ، لأن الجراح لا يستحق بالقسامة القود منها في العمد ولا الدية في الخطأ، وإنما للولاة أن يقسموا فيقتلوا إن كان الجرح عمدا، أو للورثة أن يقسموا ويستحقوا الدية على العاقلة إن كان
стр. 1455
الجرح خطأ. قاله محمد بن المواز وعاب ما وقع في سماع يحيى من كتاب الديات أن الولاة بالخيار إن شاءوا أقسموا واستحقوا الدم وإن شاءوا اقتصوا من الجرح وأخذوا ديته إن كان خطأ. وعاب ذلك أيضا يحيى بن يحيى وغيره.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يثبت الجرح بشاهدين، فهذا يكون الولاة فيه بالخيار بين أن يقسموا فيقتلوا في العمد، أو يقسموا فيستحقوا الدية في الخطأ على العاقلة، وبين ألا يقسموا فيقتصوا من الجرح إن كان عمدا أو يأخذوا ديته إن كان خطأ لثبوته بشهادة شاهدين. وقد وقع في سماع أبي زيد ما يدل على خلاف هذا أن الولاة إذا أبوا أن يقسموا فلا سبيل لهم إلى القصاص من الجرح في العمد ولا إلى أخذ ديته إن كان خطأ، وهو على قياس قول أشهب حسبما ذكرناه هناك.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يشهد على الجرح شاهد واحد، فينبغي على ما اخترناه وصححناه في الوجهين المتقدمين أن يفترق في هذا الوجه الخطأ من العمد. فأما الخطأ فيكون الورثة فيه مخيرين بين أن يقسموا على الدم فيستحقون الدية على العاقلة، وبين أن يحلفوا على الجرح يمينا واحدا فيستحقون الدية في مال الجاني أو على العاقلة إن بلغ الثلث فصاعدا. وأما العمد فإن نكل الأولياء عن القسامة على الدم لم يكن لهم سبيل إلى الاقتصاص من الجرح، لأن الجرح لا يقتص منه إلا بشهادة شاهدين أو يمين المجروح مع الشاهد الواحد على الاختلاف المعلوم في ذلك. وأما يمين الورثة إذا مات من الجرح وأبى الولاة أن يقسموا أو لم يمكنوا من القسامة على مذهب من لا يرى القسامة بالشاهد الواحد على الجرح فلا، لأن الورثة لا ينزلون منزلته في استحقاق القصاص باليمين مع الشاهد، وإنما ينزلون منزلته في استحقاق دية الجرح في الخطأ لأنه مال من الأموال فيحلفون ويستحقونه بمنزلة الورثة يقوم لهم شاهد واحد على دين لموروثهم قبل رجل فإنهم يحلفون ويستحقونه.
فصل
ولا يقسم في قسامة العمد من ولاة المقتول أقل من رجلين. والأصل في
стр. 1456
ذلك «قول رسول الله ﷺ لأخي المقتول بخيبر وبني عمه: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» فجمعهم في الأيمان ولم يفرد الأخ بها دون بني عمه. ومن جهة المعنى لما كان لا يقتل بأقل من شاهدين لم يستحق دمه إلا بقسامة رجلين. قال أشهب: وقد جعل الله لكل شهادة رجل في الزنا يمينا من الزوج في لعانه. قال ابن الماجشون: ألا ترى أن النساء لا يقسمن في العمد لما كن لا يشهدن فيه.
فصل
فإذا كان ولاة المقتول رجلين حلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا، فإن طاع أحدهما أن يحمل منها أكثر من خمس وعشرين يمينا لم يجز ذلك. فإن كان ولاته أكثر من اثنين إلى خمسين رجلا وهم في العدد سواء وتشاجروا في حملها قسمت بينهم على عددهم، فإن وقع فيها كسر مثل أن يكون عددهم عشرين فإنه يحلف كل واحد منهم يمينين يمينين ويبقى من الأيمان عشر أيمان، فيقال لهم لا سبيل لكم إلى الدم حتى تأتوا بعشرة منكم فيحلفون العشرة الأيمان فإن حلف منهم عشرة استحقوا الدم، وإن أبى جميعهم من حلفها بطل الدم كنكولهم عن جميع الأيمان.
فصل
فإن طاع الاثنان بحمل الخمسين يمينا جاز ذلك عند ابن القاسم ولم يعد من لم يحلف من بقية الأولياء ناكلا، لأن الدم قد قيم فيه. وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون: لا بد أن يحلفوا كلهم ولا يجوز أن يحلف بعضهم وهو كالنكول ممن لم يحلف منهم.
وأما إن كان عددهم أكثر من خمسين فاتفق جميع من سمينا أنه إذا حلف منهم خمسون أجزأهم ولا يعد من بقي ناكلا لتمام القسامة بخمسين يمينا. وقد
стр. 1457
رأيت لابن الماجشون أن الأولياء إن كان عددهم أكثر من خمسين فلا بد أن يحلف كل واحد منهم يمينا يمينا وإلا لم يستحقوا الدم في كتاب مجهول.
فصل
وإن كان ولي الدم الذي له العفو رجلا واحدا فلا يستحقه بقسامة إلا أن يجد من العصبة أو العشيرة من يقسم معه من داناه إلى أب معروف، فإن وجد رجلا واحدا حلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا. وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم. فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما يجب عليهم لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه فذلك جائز ما بينه وبين خمس وعشرين يمينا، ولا يجوز له أن يحلف أكثر من ذلك.
فصل
وإن كان أولياء الدم رجلين فأرادا أن يستعينا في القسامة بغيرهما من الأولياء الذين دونهم في المرتبة فذلك جائز وتقسم الأيمان بينهم على عددهم] فإن رضي المستعان بهم أن يحلف كل واحد منهم أكثر مما يجب عليه من الأيمان لم يجز. وإن رضي الوليان أن يحلف كل واحد منهما أكثر مما يجب عليه فذلك جائز. ولا يجوز لأحدهما أن يحلف أكثر من خمس وعشرين يمينا. وإذا حلف كل واحد من الوليين ما يجب عليه من الأيمان إذا قسمت على عددهم فلا بأس أن يحلف بعض المستعان بهم أكثر من بعض.
فصل
وإذا حلف أحدهما خمسا وعشرين يمينا ثم وجد صاحبه من يعينه فإن
стр. 1458
الأيمان التي حلف المستعان به لا تكون محسوبة للمستعين بل تقسم بين الوليين، فإن لم تقسم بينهما وحسبت كلها للمستعين فحلف ما بقي من الخمس والعشرين يمينا، فيزاد عليه حتى يستكمل نصف ما بقي من الخمسين يمينا بعد الأيمان التي حلف بها المستعان به، قاله عبد الملك، وزاد قال إلا أن يكون الأول حلف على يأس ممن يعينه ورأى أن يحلف بغير معين فلا يزاد شيء من الأيمان على المستعين، ويكون جميع الأيمان التي حلف المستعان به محسوبة له لا يقسم بينه وبين صاحبه.
فصل
وإن كان الأولياء إخوة وجدّا فإن ابن القاسم قال: الجد كالأخ من الإخوة في العفو، من عفا منهم جاز عفوه، الجد كان أو أخا من الإخوة، وقال: إن الجد يحلف ثلث الأيمان في العمد والخطأ. فأما في الخطأ فصواب، وأما في العمد فكان القياس على مذهبه أن تقسم الأيمان بينهم على عددهم إذا نزل الجد منزلة أخ من الإخوة. وذهب أشهب إلى أنه لا حق للجد مع الإخوة في القيام به ولا في العفو عنه، فالإخوة على مذهبه يقسمون دونه، فإن استعانوا بقسامة الجد قسمت الأيمان بينهم على عددهم.
فصل
فإذا نكل ولاة الدم عن اليمين وكانت القسامة وجبت بقول المقتول أو بشاهد على القتل ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأيمان ترد على المدعى عليهم فيحلف المدعى عليه خمسين يمينا، ويحلف عنه رجلان فأكثر من ولاته خمسين يمينا إن طاعوا بذلك ولا يحلف هو معهم. وهذه رواية سحنون في سماع عيسى عن ابن القاسم في العتبية وقول ابن القاسم في كتاب ابن المواز.
والثاني: أن الأيمان ترد على المدعى عليهم فيحلف منهم رجلان أو أكثر
стр. 1459
خمسين يمينا تردد الأيمان عليهم ويحلف فيهم المتهم. فإن نكلوا أو لم يوجد غير المتهم لم يبرأ حتى يحلف خمسين يمينا وحده. وهو قول ابن القاسم في المجموعة.
والثالث: أن المدعى عليه يحلف وحده ولا يكون له أن يستعين بأحد من ولاته في الأيمان كما يكون ذلك لولاة المقتول. وهذا قول مطرف في الواضحة.
فصل
وأما إن كانت القسامة إنما وجبت بشاهدين على الجرح، ففي رد الأيمان على القاتل قولان: أحدهما: أنها ترد على المدعى عليه فيحلف ما مات من ضربي، فإن نكل سجن حتى يحلف. وإن حلف ضرب مائة وسجن سنة، وإن أقر قتل. هذا قول ابن القاسم وابن الماجشون.
قال في كتاب ابن المواز: ويقتص منه من الجرح إن نكل الأولياء عن القسامة، يريد حلف المدعى عليه أو نكل، لأن الجرح قد ثبت بشهادة شاهدين عليه.
فصل
وإما إن كانت القسامة بشاهد على القتل فلا يقتص من الجرح، حلف القاتل خمسين يمينا أو نكل عنها، لأنه لا يقتص من الجرح إلا بيمين المجروح. فأما بيمين ورثته فلا. هذا قول ابن المواز وهو صحيح. وقد تأول على ابن القاسم أنه يقتص منه من الجرح إذا كان جرحا معروفا، وهو بعيد لم يقله ابن القاسم إلا في القسامة بشاهدين على الجرح والله أعلم. قال ابن المواز: وقد ذكر ابن القاسم عن مالك قولا لم يصح عند غيره، قال: إذا ردت اليمين على المدعى عليهم في العمد فنكلوا فالعقل عليهم في مال الجارح خاصة ويقتص منه من الجرح سوى العقل.
وروي عنه رواية أخرى أنه إن حلف ضرب مائة وسجن سنة، وإن نكل سجن حتى يحلف ولا دية فيه وهو الصواب.
стр. 1460
والقول الثاني: أن الأيمان لا ترد عليه ولا يحلف لأن يمينه إن حلف يمين غموس، فعلى هذا القول إن أقر لم يقتل، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
فصل
وأما إن نكل بعض الولاة وهم في العدد سواء عن القسامة أو عفي عن الدم قبلها ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون، أن الدم والدية يبطلان ولا يكون لمن بقي من الأولياء أن يقسم ويأخذ حظه من الدية.
والثاني: وهو قول أشهب، أن الدم يبطل ويحلف من بقي من الأولياء فيأخذ حظه من الدية.
والثالث: وهو قول ابن نافع، أن نكوله إن كان على وجه العفو والترك لحقه حلف من بقي وكانت له الدية، وإن كان على وجه التحرج والتورع حلف من بقي وقتلوا.
فصل
وأما إن عفا أحد الأولياء عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة أو أكذب نفسه بعد القسامة ففي ذلك أيضا ثلاثة أقوال:
أحدها: قول ابن الماجشون أن الدم والدية تبطلان ولا يكون لمن بقي شيء من دية ولا قصاص. والثاني: أن لمن بقي من الأولياء لم يعف ولا أكذب نفسه حظه من الدية. والثالث: أنه إن عفا كان كاف لمن بقي حظوظهم، وإن أكذب نفسه لم يكن لمن بقي شيء من الدية وإن كانوا قد قبضوها ردوها. هذا مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، وبالله التوفيق.
فصل
فيأتي على هذا في بطلان الدية بعفو أحد الأولياء عن الدم ثلاثة أقوال:
стр. 1461
أحدها: أنها تبطل ولا شيء لمن بقي منهم وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: أن لمن بقي حظه من الدية بغير قسامة إن كان العفو بعد ثبوت الدم أو بقسامة إن كان العفو قبله.
والثالث: تفرقة ابن القاسم بين أن يكون العفو قبل ثبوت الدم أو بعده. وساوى ابن القاسم بين العفو والنكول عن اليمين قبل القسامة، وفرق بعد القسامة بين أن يعفو أحد الأولياء أو يكذب نفسه، فجعل تكذيب نفسه بعد القسامة كعفوه عن الدم قبل القسامة لا شيء لمن بقي من الدية على ما ذكرناه.
وإذا كان الأولياء رجالا لا نساء معهم، أو كانوا بنين وبنات أو إخوة وأخوات فلا فرق بين أن يثبت الدم ببينة أو بقسامة في حكم العفو عنه. وأما إن كان الأولياء بنات أو إخوة وأخوات أو عصبة ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن من قام بالدم فهو أحق به ولا عفو إلا باجتماع منهم، ثبت الدم ببينة أو بقسامة. وهذا مذهب ابن القاسم.
والثاني: أن هذا إنما يكون إذا ثبت الدم ببينة، وأما إن ثبت بقسامة فلا حق للنساء فيه مع الرجال في عفو ولا قيام، لأنهم هم الذين استحقوا الدم بقسامتهم. وهذا مذهب ابن القاسم في رواية عيسى عنه.
والثالث: أنه إن ثبت الدم بالبينة فالنساء أحق بالقيام والعفو لأنهن أقرب درجة من الرجال. وإن كان ثبت الدم بقسامة فمن قام بالدم فهو أحق به ولا عفو إلا باجتماعهم. وهذا القول رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك.
فصل
وأما إذا كان الأولياء بنات وأخوات وعصبة وثبت الدم ببينة فلا حق للعصبة معهم في عفو ولا قيام. وأما إن ثبت بقسامة العصبة ففي ذلك قولان:
стр. 1462
أحدهما: أن من قام بالدم فهو أولى به كان البنات أو الأخوات أو العصبة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن العصبة أحق بالقيام بالدم والعفو فيه لأنهم استحقوه بأيمانهم وهذه رواية عيسى عن ابن القاسم. هذا الذي كتبته في هذه الوجوه تلخيص ما قد يتعذر استخراجه من الأصول وسائر حكم الأولياء. وما يرد في الدم وترتيبهم في الدماء ومن له فيه حق ممن لا حق له فيه وما اتفقوا عليه من ذلك كله واختلفوا فيه موجود في الأصل ومشروح فيه فلا معنى للاشتغال بذلك.
فصل
وأما دم الخطأ فإنه يثبت بالقسامة أيضا على ما بيناه فيما قبل. ويقسم على الورثة على قدر مواريثهم من الدية رجالا كانوا أو نساء. فإن لم تنقسم الأيمان عليهم على قدر مواريثهم إلا بكسر جبرت اليمين المنكسرة على أكثرهم منها حظا، وقيل على أكثرهم حظا من الأيمان. فإن استوى الورثة في الميراث مثل أن يكونوا إخوة كلهم أو بنين ذكورا فانكسرت عليهم يمين أو أيمان تساوت حظوظهم فيها. مثل أن يكون الورثة ثلاثة إخوة فيجب على كل واحد من الأيمان ست عشرة يمينا وثلثا يمين، أو ثلاثين أخا فيجب على كل واحد منهم يمين وثلثا يمين ففي ذلك اختلاف أيضا: ذهب ابن القاسم إلى أنه يجبر على كل واحد منهم الكسر الذي صار في حظه من الأيمان المنكسرة، فيحلف الثلاثون أخا يمينين يمينين، ويحلف الثلاثة الإخوة سبع عشرة يمينا سبع عشرة يمينا. وخالفه أشهب فقال: يحلف الثلاثون أخا يمينا يمينا ثم يقال لهم ائتوا بعشرين رجلا منكم فيحلفون يمينا يمينا.
وكذلك إن كان عددهم أكثر من خمسين رجلا حلفوا كلهم على مذهب ابن القاسم، وحلف منهم خمسون على مذهب أشهب.
فصل
فإن كان الورثة زوجات وبنات وأخوات وما أشبه ذلك من أهل السهام فلا
стр. 1463
يختلف ابن القاسم وأشهب في قسم الأيمان بين الزوجات والبنات والأخوات، وإنما يختلفان في قسم ما حصل على كل فريق منهن بينهن. فإذا قسمت الأيمان عليهن صار على الزوجات منها ست أيمان وربع يمين، وعلى البنات ثلاث وثلاثون يمينا وثلث يمين، وعلى الأخوات عشر أيمان وثلاثة أثمان يمين وثلث يمين فتجبر اليمين المنكسرة على الأخوات لأن حظهن منها أكثر، أو على البنات لأنهن أكثر حظا من الأيمان على الاختلاف في ذلك. فيبقى على الزوجات من الأيمان ستة أيمان. فإن كن أربعا حلفن يمينين يمينين على مذهب ابن القاسم، وحلفن على مذهب أشهب يمينا يمينا ثم تحلف اثنتان منهن يمينا يمينا، ويبقى على البنات ثلاث وثلاثون يمينا إن جبرت اليمين المنكسرة على الأخوات فإن كن عشرا على مذهب ابن القاسم يمينين يمينين، وعلى مذهب أشهب يمينا يمينا ثم تحلف واحدة منهن يمينا واحدة. فإن وقع التشاح بينهن فيمن تحلف منهن الأيمان الباقية فرأيت لابن كنانة أن الإمام لا يجبر عليها أحدا ويقال لهم لا تعطون شيئا إلا أن تحلفوا بقية الأيمان، فيشبه أن يقول أشهب مثل ذلك أو يقرع بينهن فيها، وقد قاله بعض أهل النظر إلا أنه ساقه على مذهب ابن القاسم، ولا يصح إلا على مذهب أشهب.
فصل
فإن نكلوا عن الأيمان أو نكل واحد منهم ففي ذلك خمسة أقوال في المذهب.
أحدها: أنه ترد الأيمان على العاقلة ويحلفون كلهم ولو كانوا عشرة آلاف والقاتل كرجل منهم، فمن حلف لم يلزمه شيء، ومن نكل لزمه ما يجب عليه، وهو أحد قولي ابن القاسم، وهو أبين الأقاويل وأصحها في النظر.
стр. 1464
والثاني: أنه يحلف من العاقلة خمسون رجلا يمينا يمينا، فإن حلفوا برئوا وبرئت العاقلة من جميع الدية، وإن حلف بعضهم برئ من حلف منهم ولزم بقية العاقلة الدية كاملة حتى يتموا خمسين يمينا. وهذا قول ابن القاسم الثاني.
والثالث: أنهم إن نكلوا فلا حق لهم، أو نكل بعضهم فلا حق لمن نكل، ولا يمين على العاقلة لأن الدية لم تجب عليهم بعد وإنما تجب بالفرض، قاله ابن الماجشون.
والرابع: أن اليمين ترجع على المدعى عليه وحده، فإن حلف برئ، وإن نكل لم يبلغ العاقلة بنكوله شيء، لأن العاقلة لا تحمل الإقرار، والنكول كالإقرار، وإنما هو بنكوله شاهد على العاقلة، روى ابن وهب هذا عن مالك.
والخامس: أن الأيمان ترد على العاقلة، فإن حلفت برئت، وإن نكلت عن اليمين غرمت نصف الدية، قاله ربيعة، وهو على ما روى عن عمر بن الخطاب في قضائه على السعديين وبالله سبحانه التوفيق. لا شريك له ولا ند.
стр. 1465
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وآله وصحبه
كتاب الجراحات
فصل في اشتقاق الجراحات
قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وَقَالَ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وَقَالَ ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فالجراح مأخوذة من الجوارح لأنها لا تفعل إلا بها. فكل من جنى جناية أو جرح جرحا أو أذنب ذنبا أو اكتسب إثما بيده أو بلسانه أو بجارحة من جوارحه فهو جارح في اللغة، إلا أن الجراح قد تعرفت في جراح الحيوان في أبدانها، كما أن دابة اسم لكل ما دب في الأرض من بني آدم وغيره من الحيوان، وقد تعرفت في الخيل والبغال والحمير. فمن قال اشتريت اليوم دابة لا نفهم من قوله إلا أنه اشترى فرسا أو بغلا أو حمارا وإن كانت الدابة تقع على غير هذا من الحيوان. وكذلك من قال: حكمت اليوم على الجارح بالغرم أو بالأدب لا يفهم عنه إلا على أنه حكم على من جرح حيوانا لا على من جرح غير ذلك من الأشياء. قال الله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
стр. 1466
فصل
فالجراح تقع على ما كان في الرأس وفي الجسد ويختص ما كان منها في الرأس دون الجسد باسم الشجاج، فكل شجة جرح وليس كل جرح شجة.
فصل
فقول الله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] عام فيما كان في الرأس وفي سائر البدن، إلا أنه ليس على عمومه في العمد والخطأ، بل المراد بها العمد دون الخطأ، بدليل إجماعهم على أنه لا قصاص في الخطأ لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فأوجب الدية والكفارة دون القصاص. ولا هو على عمومه أيضا في جميع جراح العمد، بل المراد به منها ما أمكن القصاص فيه ولم يخش إتلاف النفس منه. والدليل على أنه لا قود فيما كان مخوفا ما روي «أن رسول الله ﷺ رفع القود في المأمومة والمنقلة والجائفة» فكذلك ما في معناها من الجراح التي هي متالف عظام الرقبة والصلب والصدر وكسر الفخذ ورض الأنثيين وما أشبه ذلك. والدليل على أنه لا قصاص فيما لا يمكن القصاص منه مثل ذهاب بعض النظر وبعض السمع وبعض العقل هو أن القصاص مأخوذ من قص الأثر أي اتباعه، فهو أن يتبع الجارح بمثل الجرح الذي جرح فيؤخذ منه دون زيادة عليه ولا نقصان منه، فإذا لم يقدر على ذلك ارتفع التكليف به لقول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فخص من عموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] جراح الخطأ كلها وبعض جراح العمد، وبقية الآية محكمة فيما أمكن القصاص فيه من جراح العمد ولم يخش منه ذهاب النفس.
стр. 1467
فصل
وأول الجراح الحارصة وهي التي تحرص الجلد أي تقشره قليلا. ثم الدامية وهي التي تدمي من غير أن يسيل منها شيء. وقيل الدامية أولا ثم الحارصة. وقيل إن الدامية هي الحارصة نفسها ثم الدامغة وهي التي يسيل منها دم، وقيل الدامية والدامغة سواء. ثم الباضعة وهي التي تشق اللحم شقا، ثم المتلاحمة وهي التي أخذت من اللحم ثم السمحاق. وقال ابن حبيب السمحاق: هي الحارصة التي تشق الجلد، والأول أعم وأكثر، وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة وهي الملطا ويقال الملطاة بالهاء، ثم الموضحة وهي التي توضح عن العظم أي تبدي وضحه. ثم الهاشمة التي تهشم العظم. ثم المنقلة وهي التي تكسر العظم فينقل منها العظام ليلتئم الجرح. ثم المأمومة وتسمى الآمة وهي التي تبلغ أم الرأس وهي الدماغ.
فصل
وأما ما دون الموضحة من الجراح فليس فيه عند مالك ﵀ عقل مسمى فسواء كانت في الرأس أو في سائر الجسد الحكم فيها عنده سواء، إنما فيهما على مذهبه القصاص في العمد وحكومة في الخطأ إن برئت على شين. وقد روي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان من رواية مالك عن يزيد بن قسيط عن سعيد بن المسيب أنهما قضيا في الملطا وهي السمحاق بنصف دية الموضحة، وهو يقول في موطأه ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث عندنا فيما دون الموضحة بعقل. فتوجيه هذا أن يحمل قضاء عمر وعثمان في الملطاة على وجه الحكومة بالاجتهاد لا على وجه التوقيت كما قالوا في قضاء زيد بن ثابت في العين القائمة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه «قضى في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية» خرجه أبو داود. وروي عن زيد بن ثابت أنه قال في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق
стр. 1468
أربعة أبعرة، وفي الموضحة خمسة أبعرة، يريد إذا كانت في الرأس، وهو قول حسن إلا أن مالكا لم يره ولا أخذ به. وقال الفقهاء السبعة فيما دون الموضحة الخطأ أجر المداوي. ومن أهل العراق من ذهب إلى أنه لا قصاص فيما دون الموضحة وهو بعيد، لأن الله يقول: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فوجب القصاص من كل جرح على سبيل العمد إلا أن يمنع من ذلك مانع، ولا مانع يمنع من القصاص فيما دون الموضحة.
فصل
وأما الموضحة فلا تكون عند مالك ﵀ إلا في جمجمة الرأس وفيها القصاص في العمد. وخمس من الإبل في الخطأ على ما ثبت «عن النبي ﷺ في كتابه لعمرو بن حزم إلا أن تكون في الوجه فتشينه فيزاد فيها بقدر شينها».
وأما الهاشمة وهي التي تهشم العظم فلم يعرفها مالك ﵀ وقال: لا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة. واختلف ابن القاسم وأشهب في القود منها، فلم يره ابن القاسم ورآه أشهب، ويقتص منها على مذهبه موضحة، فإن برئت موضحة ولم يصب العظم هشم فلا شيء للمستقيد، وإن أصابه هشم فذلك القصاص، وإن ترامت إلى منقله أو إلى نفسه فذلك قتيل الله لا دية فيه.
فصل
ودية الهاشمة عند من عرفها من العلماء، وهم الجمهور، عشر من الإبل، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وروي ذلك عن زيد بن ثابت ولا مخالف له من الصحابة. وأما المنقلة وهي ما أطار فراش العظم ففيها خمس عشرة فريضة، روي ذلك عن النبي ﵇ في كتابه لعمرو بن حزم من غير رواية مالك. واتفق على ذلك العلماء، والخطأ والعمد فيها سواء، إذ لا قصاص فيها لأنها من المتالف خلاف ما روي عن عبد الله بن الزبير أنه أقاد من المنقلة. وأما المأمومة وهي التي تخرق العظم وتبلغ الدماغ وهو أم الرأس ففيها ثلث الدية في العمد أيضا والخطأ، إذ لا قصاص فيها لأنها من المتالف، ولا خلاف فيها بين أهل العلم.
стр. 1469
فصل
وأما الجائفة فإنها من جراح البدن لا من شجاج الرأس وهي ما وصل إلى الجوف ولو بمدخل إبرة، فلا تكون إلا في الظهر أو البطن، وفيها ثلث الدية عمدا كانت أو خطأ إذ لا قود فيها لأنها من المتالف. واختلف قول مالك فيها إذا أنفدت، فقال مرة فيها ثلث الدية، وقال مرة فيها ثلثا الدية.
فصل
وليس عند مالك ﵀ في شيء من جراح البدن عقل مسمى ما عدا الجائفة. وذكر في موطأه عن سعيد بن المسيب أنه قال في كل نافذة في عضو من الأعضاء ثلث دية ذلك العضو ولم يأخذ به. وإنما قاله سعيد بن المسيب والله أعلم قياسا على الجائفة لما كانت جراحة تنفذ إلى الجوف، والجوف مقتل، وكان فيها ثلث الدية، جعل في كل جرح ينفذ عضوا من الأعضاء خطأ ثلث دية ذلك العضو. وهذا نحو ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في موضحة الجسد نصف عشر دية ذلك العضو قياسا على موضحة الرأس لما كان مقتلا.
فصل
فالجراح في الرأس والجسد تنقسم على قسمين: أحدهما: الخطأ، والثاني: العمد. فأما الخطأ فلا قصاص فيه ولا أدب، وإنما فيه الدية في مال الجاني إن كان أقل من ثلث ديته أو ثلث دية المجني عليه على اختلاف قول مالك في ذلك. فإن كان الثلث فأكثر فعلى العاقلة. هذا مذهب مالك وأصحابه، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وقول ابن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقال الشافعي: تحمل العاقلة القليل والكثير من الدية دية الخطأ. ومن حجته أن النبي ﷺ لما حمل العاقلة الأكثر دل على أنها تحمل الأقل، لأنها إذا حملت الكل فقد حملت كل جزء من أجزائها. وقال أبو حنيفة: تحمل العاقلة من جناية الرجل ما بلغ نصف عشر ديته، ومن جناية المرأة ما بلغ نصف عشر ديتها.
стр. 1470
وقال ابن شبرمة والثوري: تحمل العاقلة من جناية الرجل والمرأة ما بلغ أرش الموضحة، وهو قول إبراهيم النخعي قال: ما فرضه رسول الله ﷺ فهو على العاقلة، يريد الموضحة فما فوقها، لأن رسول الله ﷺ لم يفرض فيما دونها شيئا. والدليل على صحة قول مالك أن الأصل كان ألا يحمل أحد جناية غيره من دم ولا مال لقول الله ﵎: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] «وقول رسول الله ﷺ لأبي رمثة في ابنه: لا تجني عليه ولا يجني عليك» إلا أن يخص ذلك سنة قائمة أو إجماع. وقد أجمعوا أن العاقلة تحمل الثلث فصاعدا، لأن من قال إن العاقلة تحمل القليل والكثير، ومن قال إنها تحمل العشر أو نصف العشر، فقد قال إنها تحمل الثلث، فكان الثلث مخصوصا بالإجماع من الأصل المتفق عليه.
فصل
ودية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيما بينهما وبين ثلث الدية. فإذا بلغت إلى ثلث الدية لم تستكملهما ورجعت إلى عقل نفسها فكان لها في ذلك وفيما زاد عليه نصف عقل الرجل، وفي هذا اختلاف كثير. قد قيل إنها تعاقله إلى نصف عشر الدية ثم ترجع إلى عقل نفسها]، وقيل إلى نصف الدية ثم ترجع إلى عقل نفسها. وقيل إن لها النصف من عقل الرجل في القليل والكثير، وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة. والدليل على صحة قول مالك أن ذلك قد روي عن النبي ﷺ من مراسيل عمرو بن شعيب وعكرمة، وقد أرسله سعيد بن المسيب أيضا، ومراسيله كالمسندة. ذكر مالك ﵀ في موطأه «عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سأل سعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل. قلت كم في أصبعين؟ فقال: عشرون من الإبل، فقلت كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل: فقلت كم في أربع؟ فقال:
стр. 1471
عشرون من الإبل. قلت حين عظم جراحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال: أعراقي أنت؟ قال: فقلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. فقال: هي السنة يا بن أخي». فقوله هي السنة دليل على أنه أرسله عن النبي ﷺ والمرسل عند مالك كالمسند سواء في وجوب الحكم به. والشافعي لا يقول بالمراسيل إلا بمراسيل سعيد بن المسيب فإنها عنده كالمسندة لثقته وجلالة قدره. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المرسل أقوى من المسند لأن الثقة لا يرسل إلا ما قد صح عنده، فإذا أرسل فقد تقلد وإذا أسند فقد أحال على السند وتبرأ منه.
ومما يدل على صحة مذهب مالك من طريق الاعتبار أن الله ﵎ ساوى بين الرجل والمرأة في الأصل والمبدإ إلى الثلث، ثم فصل بينهما فيما بعد الثلث فقال الصادق المصدوق عن ربه «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يأتي الملك فيقول: أي رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد، فينفخ فيه الروح». فيقع الفصل فيه من الله بالتذكير إن شاء أو التأنيث بعد هذا الأمر المشترك فيه وهو من العام ثلثه. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وبين الاعتبار من قَوْله تَعَالَى في الآيتين إحداهما: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. والثانية: قوله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أن أمد الغيض وهو النقصان من أمد المعلوم في العادة وهو تسعة أشهر في الأغلب والأكثر ثلاثة أشهر فإن الولد نسبه لستة أشهر فإذا اعتبرنا الزيادة بالنقصان اعتبارا عدلا حملنا على التسعة الأشهر ثلاثة أشهر كما نقصنا منها ثلاثة أشهر، وفي حملنا ثلاثة أشهر على تسعة تمام العام. وقد تقدم أن الأربعة
стр. 1472
الأشهر المشترك فيها ثلث العام فكأنما اشتركا من العام وهو منتهى الأمد على الاعتبار الذي ذكرناه في ثلاثة من الخلقة، ثم وقع ال فصل بعد الثلاث وانفرد الذكر لتذكيره والأنثى بتأنيثها، فكذلك يشتركان في العاقلة في الثلث، ثم يرجع بعد الثلث كل واحد منهما إلى نفسه كما رجع بعد ثلث العام إلى صورة نفسه، فحسبك بهذا بيانا واضحا ودليلا راشدا إن شاء الله.
فما كان من الجراح جراح الخطأ فيه دية مسماة بأثر عن النبي ﷺ قضي فيه بالمسمى، وما لم يكن فيه عن النبي ﷺ شيء مسمى فلا شيء فيه إلا أن يبرأ على عثل فتكون فيه حكومة بالاجتهاد.
فصل
وصفة الاجتهاد في ذلك أن يقوم المجني عليه سالما من العثل ويقوم بالعثل أن لو كان عبدا في الحالتين، فما كان بين القيمتين سمى من قيمته سالما فما كان له من الأجزاء كان له ذلك الجزء من ديته.
فصل
وأما العمد فإنه ينقسم على قسمين: عمد لا قصاص فيه، وعمد فيه القصاص.
فأما العمد الذي فيه القصاص فلا دية فيه إلا ما يتراضيان عليه على المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه. وابن عبد الحكم من أصحاب مالك يقول: إن المجروح مخير بين أن يقتص أو يأخذ العقل، وهو أحد قولي مالك في الأعور يفقأ عين الصحيح إنه مخير بين أن يفقأ عين الأعور بعينه أو يأخذ الدية ولا خيار فيه للأعور الجاني
стр. 1473
وهذا شاذ في الجراح، وإنما القولان مشهوران عن مالك في إيجاب الدية على القاتل في القتل شاء أو أبى.
فصل
وأما العمد الذي لا قصاص فيه لأنه متلف أو لأنه لا يستطاع القصاص فيه، ففيه الدية المسماة أو حكومة فيما لا دية فيه مسماة، في مال الجاني إن كان أقل من الثلث، وإن كان الثلث فصاعدا ففي ذلك ثلاثة أقوال لمالك ﵀.
أحدها: أن ذلك في ماله من غير تفصيل لأنه عمد، الخطأ لامتناع القصاص فيه.
والثالث: أن ذلك في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال.
فصل
وكذلك ما كان من قطع الآراب والجوارح وإذهاب الحواس والمنافع بالجنايات عليها ينقسم على قسمين: خطأ- وعمد.
وينقسم العمد على قسمين: قسم فيه القصاص وقسم لا قصاص فيه. فما كان من الخطأ ففيه الدية المسماة إن كان مما له دية مسماة، والحكومة إن لم تكن له دية مسماة في مال الجاني إلا أن يبلغ الثلث فصاعدا. وما كان من العمد الذي لا قصاص فيه ففيه الدية في مال الجاني إن كان أقل من الثلث، وإن كان الثلث فصاعدا فعلى الثلاثة الأقوال التي تقدمت في الجراحات. وما كان من العمد الذي فيه القصاص فالقصاص فيه إلا أن يصطلحا على شيء في المشهور من المذهب،
стр. 1474
خلاف قول ابن عبد الحكم وإحدى الروايتين عن مالك في الأعور يفقأ عين الصحيح، وقد تقدم ذكر ذلك.
فصل
وقد مضى الكلام في تسمية ديات الجراح، ونذكر هنا ديات الأعضاء والجوارح والحواس والمنافع إن شاء الله. فأول ذلك العقل وفيه الدية كاملة، وإن نقص بعضه فبحساب ذلك. والسمع فيه الدية كاملة وإن نقص بعضه فبحساب ذلك، والبصر فيه الدية كاملة وإن نقص بعضه فبحساب ذلك. والأنف والأنف فيه الدية كاملة إذا أوعى المارن جدعا، فإن قطع بعضه فبحساب ما قطع منه. والشفتان فيهما الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية خلاف قول سعيد ابن المسيب إن في السفلى منهما ثلثي الدية. وفي اللسان الدية كاملة فإن قطع بعضه فبحساب ما ذهب من كلامه على الأحرف، وقيل بالتوخي والاجتهاد. وأما أشفار العينين وجفونهما والحاجبان فليس في شيء من ذلك عند مالك إلا حكومة بالاجتهاد. وأما شعر الرأس واللحية فلا شيء فيه إن نبت الشعر وعاد لهيئته على مذهب مالك. وإن لم ينبت كان فيه حكومة بالاجتهاد، ولا قصاص فيه بالعمد وإنما فيه الأدب بالاجتهاد. ومن أهل العلم من يرى الدية كاملة في أشفار العينين وفي جفونهما وفي الحاجبين وفي شعر الرأس واللحية، ومعنى ذلك إذا لم ينبت الشعر والله أعلم. ومنهم من يرى في شعر الرأس واللحية القصاص في العمد.
فصل
وفي السن خمس من الإبل، والأضراس والأسنان سواء، في كل واحد منهما خمس من الإبل على قضاء معاوية. وذكر مالك في موطأه عن سعيد بن المسيب أنه قال. قضى عمر بن الخطاب في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية في الأضراس بخمسة أبعرة خمسة أبعرة. قال سعيد: فالدية تنقص في قضاء عمر وتزيد في قضاء معاوية، فلو كنت أنا لجعلت فيها بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء. وذلك أن الأسنان اثنا عشر سنا وهي أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب،
стр. 1475
فيجب له ستون بعيرا على خمسة أبعرة في كل سن. والأضراس عشرون: أربع ضواحك وهي التي تلي الأنياب، واثنا عشر رحى ثلاث في كل شق، وأربع نواجد وهي أقصاصا. فيجب لها أربعون بعيرا على قول سعيد بن المسيب، فيأتي في جميع الأسنان مائة بعير وستون بعيرا، وعلى قضاء عمر ثمانون بعيرا.
فصل
وفي الصلب الدية كاملة] إذا أقعد لم يقدر على المشي. وفي الذكر الدية كاملة] قطع كله أو الحشفة وحدها، فإن قطع بعضها فبحساب ذلك. وفي الأنثيين الدية كاملة]، في كل واحدة منهما نصف الدية. وذهب سعيد بن المسيب إلى أن في اليسرى ثلثي الدية وفي اليمنى الثلث لأن الولد يكون من اليسرى. وفي إذهاب الجماع الدية كاملة. وفي اليدين الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفي كل أصبع منهما عشر من الإبل. وفي الرجلين الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفي كل أصبع منهما عشر من الإبل. وفي إشراف الأذنين عند أشهب الدية كاملة، وليس في ثدي الرجل وأليته عند مالك إلا حكومة. وأما المرأة ففي ثدييها الدية كاملة، وفي أليتيها على مذهب أشهب الدية كاملة. وفي شفري المرأة الدية كاملة. وذكر أبو الفرج عن ابن الماجشون أن في الشوى وهي جلدة الرأس الدية كاملة. وكذلك في الصدر إذا هدم ولم يرجع إلى ما كان عليه، قال فيه الدية. وفي كتاب الأبهري إذا ضرب أنفه فأذهب شمه والأنف قائم ففيه الدية كاملة، وقاله أبو الفرج وروى ابن نافع عن مالك أن فيه حكومة وهو شاذ. وينبني على أصولهم أن يكون في الذوق الدية كاملة، ولا أعلم فيه لأصحابنا نصا.
فصل
فيتحصل فيما يجنى به على الرجل من الديات على المذهب ثمان عشر
следующие страницы →