← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

عشرون من الإبل. قلت حين عظم جراحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال: أعراقي أنت؟ قال: فقلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. فقال: هي السنة يا بن أخي». فقوله هي السنة دليل على أنه أرسله عن النبي ﷺ والمرسل عند مالك كالمسند سواء في وجوب الحكم به. والشافعي لا يقول بالمراسيل إلا بمراسيل سعيد بن المسيب فإنها عنده كالمسندة لثقته وجلالة قدره. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المرسل أقوى من المسند لأن الثقة لا يرسل إلا ما قد صح عنده، فإذا أرسل فقد تقلد وإذا أسند فقد أحال على السند وتبرأ منه. ومما يدل على صحة مذهب مالك من طريق الاعتبار أن الله ﵎ ساوى بين الرجل والمرأة في الأصل والمبدإ إلى الثلث، ثم فصل بينهما فيما بعد الثلث فقال الصادق المصدوق عن ربه «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يأتي الملك فيقول: أي رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد، فينفخ فيه الروح». فيقع الفصل فيه من الله بالتذكير إن شاء أو التأنيث بعد هذا الأمر المشترك فيه وهو من العام ثلثه. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وبين الاعتبار من قَوْله تَعَالَى في الآيتين إحداهما: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. والثانية: قوله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أن أمد الغيض وهو النقصان من أمد المعلوم في العادة وهو تسعة أشهر في الأغلب والأكثر ثلاثة أشهر فإن الولد نسبه لستة أشهر فإذا اعتبرنا الزيادة بالنقصان اعتبارا عدلا حملنا على التسعة الأشهر ثلاثة أشهر كما نقصنا منها ثلاثة أشهر، وفي حملنا ثلاثة أشهر على تسعة تمام العام. وقد تقدم أن الأربعة

стр. 1472

الأشهر المشترك فيها ثلث العام فكأنما اشتركا من العام وهو منتهى الأمد على الاعتبار الذي ذكرناه في ثلاثة من الخلقة، ثم وقع ال فصل بعد الثلاث وانفرد الذكر لتذكيره والأنثى بتأنيثها، فكذلك يشتركان في العاقلة في الثلث، ثم يرجع بعد الثلث كل واحد منهما إلى نفسه كما رجع بعد ثلث العام إلى صورة نفسه، فحسبك بهذا بيانا واضحا ودليلا راشدا إن شاء الله. فما كان من الجراح جراح الخطأ فيه دية مسماة بأثر عن النبي ﷺ قضي فيه بالمسمى، وما لم يكن فيه عن النبي ﷺ شيء مسمى فلا شيء فيه إلا أن يبرأ على عثل فتكون فيه حكومة بالاجتهاد. فصل وصفة الاجتهاد في ذلك أن يقوم المجني عليه سالما من العثل ويقوم بالعثل أن لو كان عبدا في الحالتين، فما كان بين القيمتين سمى من قيمته سالما فما كان له من الأجزاء كان له ذلك الجزء من ديته. فصل وأما العمد فإنه ينقسم على قسمين: عمد لا قصاص فيه، وعمد فيه القصاص. فأما العمد الذي فيه القصاص فلا دية فيه إلا ما يتراضيان عليه على المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه. وابن عبد الحكم من أصحاب مالك يقول: إن المجروح مخير بين أن يقتص أو يأخذ العقل، وهو أحد قولي مالك في الأعور يفقأ عين الصحيح إنه مخير بين أن يفقأ عين الأعور بعينه أو يأخذ الدية ولا خيار فيه للأعور الجاني

стр. 1473

وهذا شاذ في الجراح، وإنما القولان مشهوران عن مالك في إيجاب الدية على القاتل في القتل شاء أو أبى. فصل وأما العمد الذي لا قصاص فيه لأنه متلف أو لأنه لا يستطاع القصاص فيه، ففيه الدية المسماة أو حكومة فيما لا دية فيه مسماة، في مال الجاني إن كان أقل من الثلث، وإن كان الثلث فصاعدا ففي ذلك ثلاثة أقوال لمالك ﵀. أحدها: أن ذلك في ماله من غير تفصيل لأنه عمد، الخطأ لامتناع القصاص فيه. والثالث: أن ذلك في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال. فصل وكذلك ما كان من قطع الآراب والجوارح وإذهاب الحواس والمنافع بالجنايات عليها ينقسم على قسمين: خطأ- وعمد. وينقسم العمد على قسمين: قسم فيه القصاص وقسم لا قصاص فيه. فما كان من الخطأ ففيه الدية المسماة إن كان مما له دية مسماة، والحكومة إن لم تكن له دية مسماة في مال الجاني إلا أن يبلغ الثلث فصاعدا. وما كان من العمد الذي لا قصاص فيه ففيه الدية في مال الجاني إن كان أقل من الثلث، وإن كان الثلث فصاعدا فعلى الثلاثة الأقوال التي تقدمت في الجراحات. وما كان من العمد الذي فيه القصاص فالقصاص فيه إلا أن يصطلحا على شيء في المشهور من المذهب،

стр. 1474

خلاف قول ابن عبد الحكم وإحدى الروايتين عن مالك في الأعور يفقأ عين الصحيح، وقد تقدم ذكر ذلك. فصل وقد مضى الكلام في تسمية ديات الجراح، ونذكر هنا ديات الأعضاء والجوارح والحواس والمنافع إن شاء الله. فأول ذلك العقل وفيه الدية كاملة، وإن نقص بعضه فبحساب ذلك. والسمع فيه الدية كاملة وإن نقص بعضه فبحساب ذلك، والبصر فيه الدية كاملة وإن نقص بعضه فبحساب ذلك. والأنف والأنف فيه الدية كاملة إذا أوعى المارن جدعا، فإن قطع بعضه فبحساب ما قطع منه. والشفتان فيهما الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية خلاف قول سعيد ابن المسيب إن في السفلى منهما ثلثي الدية. وفي اللسان الدية كاملة فإن قطع بعضه فبحساب ما ذهب من كلامه على الأحرف، وقيل بالتوخي والاجتهاد. وأما أشفار العينين وجفونهما والحاجبان فليس في شيء من ذلك عند مالك إلا حكومة بالاجتهاد. وأما شعر الرأس واللحية فلا شيء فيه إن نبت الشعر وعاد لهيئته على مذهب مالك. وإن لم ينبت كان فيه حكومة بالاجتهاد، ولا قصاص فيه بالعمد وإنما فيه الأدب بالاجتهاد. ومن أهل العلم من يرى الدية كاملة في أشفار العينين وفي جفونهما وفي الحاجبين وفي شعر الرأس واللحية، ومعنى ذلك إذا لم ينبت الشعر والله أعلم. ومنهم من يرى في شعر الرأس واللحية القصاص في العمد. فصل وفي السن خمس من الإبل، والأضراس والأسنان سواء، في كل واحد منهما خمس من الإبل على قضاء معاوية. وذكر مالك في موطأه عن سعيد بن المسيب أنه قال. قضى عمر بن الخطاب في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية في الأضراس بخمسة أبعرة خمسة أبعرة. قال سعيد: فالدية تنقص في قضاء عمر وتزيد في قضاء معاوية، فلو كنت أنا لجعلت فيها بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء. وذلك أن الأسنان اثنا عشر سنا وهي أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب،

стр. 1475

فيجب له ستون بعيرا على خمسة أبعرة في كل سن. والأضراس عشرون: أربع ضواحك وهي التي تلي الأنياب، واثنا عشر رحى ثلاث في كل شق، وأربع نواجد وهي أقصاصا. فيجب لها أربعون بعيرا على قول سعيد بن المسيب، فيأتي في جميع الأسنان مائة بعير وستون بعيرا، وعلى قضاء عمر ثمانون بعيرا. فصل وفي الصلب الدية كاملة] إذا أقعد لم يقدر على المشي. وفي الذكر الدية كاملة] قطع كله أو الحشفة وحدها، فإن قطع بعضها فبحساب ذلك. وفي الأنثيين الدية كاملة]، في كل واحدة منهما نصف الدية. وذهب سعيد بن المسيب إلى أن في اليسرى ثلثي الدية وفي اليمنى الثلث لأن الولد يكون من اليسرى. وفي إذهاب الجماع الدية كاملة. وفي اليدين الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفي كل أصبع منهما عشر من الإبل. وفي الرجلين الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية. وفي كل أصبع منهما عشر من الإبل. وفي إشراف الأذنين عند أشهب الدية كاملة، وليس في ثدي الرجل وأليته عند مالك إلا حكومة. وأما المرأة ففي ثدييها الدية كاملة، وفي أليتيها على مذهب أشهب الدية كاملة. وفي شفري المرأة الدية كاملة. وذكر أبو الفرج عن ابن الماجشون أن في الشوى وهي جلدة الرأس الدية كاملة. وكذلك في الصدر إذا هدم ولم يرجع إلى ما كان عليه، قال فيه الدية. وفي كتاب الأبهري إذا ضرب أنفه فأذهب شمه والأنف قائم ففيه الدية كاملة، وقاله أبو الفرج وروى ابن نافع عن مالك أن فيه حكومة وهو شاذ. وينبني على أصولهم أن يكون في الذوق الدية كاملة، ولا أعلم فيه لأصحابنا نصا. فصل فيتحصل فيما يجنى به على الرجل من الديات على المذهب ثمان عشر

стр. 1476

دية، إحدى عشرة في رأسه، وسبع في جسده. فأما التي في الرأس العقل، والسمع، وأشراف الأذنين عند أشهب، والبصر، والشم على اختلاف، والأنف، والذوق، وإن كنت لا أعلم فيه نصا، والكلام، والشفتان، والشوى وهي جلدة الرأس، والأضراس والأسنان يجتمع فيها على مذهب مالك أكثر من دية. والتي في الجسد: اليدان، والرجلان، والصلب، والصدر، والذكر، والأنثيان، وإذهاب الجماع. ويجتمع في المرأة ثمان عشرة دية أيضا، لأن فيها ثلاث ديات ليست في الرجل، وهي الشفرتان، والحلمتان، والأليتان عند أشهب، كما أن في الرجل ثلاث ديات ليست في المرأة وهي إذهاب الجماع، والذكر، والأنثيان. فصل والعمد الذي يجب فيه القصاص في إتلاف الجارحة فيما يظهر من حاله وقصده فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعمد للضرب على وجه العداوة والغضب. والثاني: أن يعمد له على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب. والثالث: أن يعمد له على وجه اللعب. فأما إذا عمد له على وجه العداوة والغضب فلا يخلو أن يكون ضربه في غير الجارحة التالفة أو في الجارحة التالفة. فأما إن كانت ضربته في غير الجارحة التالفة مثل أن يضربه في رأسه فتذهب منها عينه فإنه لا يقتص من العين باتفاق، وإنما فيها الدية في ماله أو على العاقلة على اختلاف قول ابن القاسم في ذلك. وأما إن ضربه بلطمة أو بسوط أو ما أشبه ذلك مما الظاهر فيه أنه لم يقصد إلى فقء عينه فأصاب عينه في ذلك ففقأها ففي ذلك قولان: أحدهما: وهو المشهور في المذهب، أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا من الأب في ابنه وما أشبه ذلك.

стр. 1477

والثاني: أن ذلك شبه العمد فلا قصاص فيه وفيه الدية المغلظة في ماله وهو قول جل أهل العلم ورواية العراقيين عن مالك. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس لا في الجراح. والقول الأول أصح، والدليل عليه حديث أنس في شأن أم الربيع. روي في الصحيح «أن ابنة النضر أخت الربيع لطمت جارية فكسرت سنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فأمر بالقصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله أتقتص من فلانة والله لا تقتص منها. فقال النبي ﷺ : سبحان الله يا أم الربيع القصاص في كتاب الله. فقالت والله لا تقتص منها أبدا. قال فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» كذا وقع في كتاب مسلم أن الجارية أخت الربيع عمة أنس بن مالك راوي الحديث وأن الحالف الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره أنس بن النضر». ووقع في رواية القابسي من كتاب الحدود أن الجارحة أخت الربيع مثل ما في كتاب مسلم. ويجب على الجارح مع القصاص الأدب على مذهب مالك لجرأته. وقال عطاء بن أبي رباح: الجروح قصاص ليس للإمام أن يضربه ولا أن يسجنه إنما هو القصاص وما كان ربك نسيا، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن. وأما إن عمد على وجه اللعب ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب القصاص على أنه عمد. والثاني: نفيه وتغليظ الدية على أنه شبه العمد. والثالث: أنه خطأ ففيه الدية غير مغلظة على العاقلة إن زاد على الثلث على الاختلاف في الضرب إذا كان على وجه اللعب فمات منه. وكذلك إذا عمد على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب، فيجري ذلك على ما ذكرته من الاختلاف في النفس فلا معنى لإعادته. فصل ومن هذه الجوارح ما تختص بمنافع كجارحة العين فإن منفعتها المختصة بها

стр. 1478

البصر، وجارحة الأذن فإن منفعتها المختصة بها السمع، وكجارحة اليد فإن منفعتها المختصة بها البطش واللمس، وكجارحة اللسان فإن منفعتها المختصة بها الكلام. فما كان من هذه الجوارح التي لها منافع تختص بها فالدية المسماة فيها إنما تجب لذهاب المنفعة المختصة بها، وهي تبع لها إذا ذهبت بذهابها. فإذا ذهبت الجارحة على انفراد دون المنفعة ففيها حكومة أو دية كاملة. مثال هذا الذي ذكرناه أن من أذهب بصر رجل وعينه قائمة فعليه الدية كاملة، وإن أذهب بصره وفقأ عينه ففيه أيضا الدية كاملة وتكون جارحة العين تبعا للبصر. وكذلك الأذن مع السمع، فإن قطع أشراف الأذنين وبقي السمع ففيها على مذهب ابن القاسم حكومة. وكذلك إن كان الرجل أصم فقطع رجل أذنيه ففيهما حكومة، أو كان أعمى قائم العينين ففقأ عينيه ففيهما حكومة. فصل واختلف في محل العقل فذهب مالك ﵀ إلى أن محله القلب، وهو مذهب المتكلمين من أهل السنة. وذهب ابن الماجشون من أصحابنا إلى أن محله الرأس، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الاعتزال. والحجة لمالك ﵀ قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] فأضاف تعالى العقل إلى القلب لما كان موجودا به وحالا فيه، كما أضاف البصر إلى العين والسمع إلى الأذن والبطش إلى اليد لما كان كل شيء من ذلك حالا في جارحته المضافة إليه. فمن أصيب بمأمومة فذهب منها عقله فله على مذهب مالك دية العقل ودية المأمومة، لا يدخل بعض ذلك في بعض، إذ ليس الرأس عنده بمحل للعقل ولا يختص به كمن أذهب سمع رجل وفقأ عينه في ضربة واحدة. وعلى مذهب أبي حنيفة وابن الماجشون

стр. 1479

إنما له دية العقل ولا شيء في المأمومة لاختصاص العقل عنده بموضعها، كمن أذهب بصر رجل وفقأ عينه في ضربة واحدة، أو أذهب سمع رجل وقطع أذنه في ضربة واحدة. فصل ومن شرط صحة القصاص في الجراح استواء الجارح والمجروح في المرتبة بالإسلام أو الكفر والحرية أو الرق، فإن اختلفا في شيء من ذلك ارتفع القصاص، إلا أن مالكا وقف في رواية أشهب عنه في جراح النصراني للمسلم. وقال ابن نافع: المسلم بالخيار إن شاء استقاد وإن شاء أخذ العقل. وبالله التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.

стр. 1480

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله كتاب الجنايات قد تقدم فيما مضى من الكلام حكم جنايات الأحرار بعضهم على بعض في النفس وفيما دون النفس، ورسم سحنون هذا الكتاب بكتاب جنايات العبيد. والعبيد مخاطبون مكلفون بجناياتهم لاحقة بهم متعلقة برقابهم دون ساداتهم. والأصل في ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وما روي «أن رجلا أتى النبي ﷺ بابنه فقال يا رسول الله هذا ابني فما لي منه. قال: لا تجني عليه ولا يجني عليك» والعبد كذلك فوجب لهذا أن تكون جنايات العبيد متعلقة برقابهم لا يلزم ساداتهم أكثر من إسلامهم بما جنوا، كانت الجناية مما يجب فيها القصاص أو مما لا بجب فيها القصاص. وإن أحب ساداتهم أن يفتكوهم بما جنوا ولا يسلموهم بجناياتهم كان ذلك لهم إلا فيما فيه القصاص في أبدانهم فلا يكون ذلك لهم إلا برضى المجني عليهم. فصل فمعرفة ما يقتص فيه من العبيد مما لا يقتص منه أصل هذا الكتاب وعليه تنبني مسائله فلا بد من ذكر ذلك وتحصيله. أما القصاص فيما بينهم البين فاختلف أهل العلم فيه على أربعة أقوال: أحدها: قول مالك ﵀ ومن تابعه إن القصاص بينهم في النفس وفيما

стр. 1481

دون النفس كما هو بين الأحرار لاستوائهما في المرتبة كانوا لرب واحد أو لأرباب شتى، إلا أن الخيار في العفو والقصاص لسيد العبد المجروح أو المقتول دونه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه. والدليل على صحته قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية. والثاني: أنه لا قصاص بينهم في النفس ولا فيما دون النفس كالصغير والمجنون. روي هذا القول عن عبد الله بن مسعود وقال به جماعة من التابعين وبعض فقهاء العراقيين، وهو بعيد جدا، لأن القلم مرتفع عن الصغير والمجنون بخلاف العبيد. والثالث: أن القصاص بينهم في النفس ولا قصاص بينهم في الجراح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، واحتج لهم الطحاوي بحديث قتادة عن أبي نضرة عن عمران بن حصين «أن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء فأتوا رسول الله ﷺ فلم يقتص لهم منه». وبما روي عنه أيضا «أن عبدا لقوم أغنياء قطع أذن عبد لقوم فقراء فلم يجعل رسول الله ﷺ بينهما قصاصا». قال: ولو كان واجبا لاقتص لهم لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] إلى قوله ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] قال واستعملنا في النفس بالنفس قوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم». فصل فأما الحديث فلا حجة لهم فيه لأنه يحتمل أنه لم يقتص للفقراء لأنه أمرهم بالعفو على أخذ الأرش لموضع فقرهم ففعلوا ذلك، وأنه لم يقتص للأغنياء لأنه رغبهم في العفو لئلا تنقص قيمة عبد الفقراء بالقصاص منه. ولذلك والله أعلم نقل في الحديث ذكر فقرهم. وإذا وجب القصاص بينهم في النفس فهو فيما دون النفس أوجب، والله أعلم.

стр. 1482

والقول الرابع: أن القصاص بين العبيد إلا أن يكونوا لمالك واحد وهذا القول وقع في المدونة لبعض الناس. فصل وأما العبيد والأحرار فإن القصاص بينهم مرتفع في النفس وفيما دون النفس إلا أن يقتل العبد الحر فيقتل به. وقد قيل إن الجراح كالقتل. فصل فجنايات العبيد تنقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: جناياتهم على العبيد. والثاني: جناياتهم على الأحرار. والثالث: جناياتهم على الأموال. فأما جناياتهم على العبيد في مذهب مالك الذي يرى القود بينهم في النفس وفيما دون النفس فإنها تنقسم على وجهين: أحدهما: أن تكون خطأ في النفس وفيما دون النفس من الجراح، أو عمدا مما لا يستطاع القصاص منه لأنه متلف أو لأنه لا يمكن القصاص منه. والثاني: أن تكون عمدا في النفس أو فيما دون النفس من الجراح التي يقتص منها وليس بمتالف. فصل فأما الوجه الأول: وهو أن يقتل أحد العبدين صاحبه خطأ أو يجرحه خطأ أو عمدا لا يجب فيه القصاص فسيد العبد الجاني مخير بين أن يسلمه بجنايته أو يفتكه بقيمة العبد المقتول أو بما نقص الجرح منه، وإن لم ينقصه الجرح شيئا فلا شيء عليه إلا في المنقلة والمأمومة والجائفة فإنه يفتكه في المأمومة والجائفة بثلث قيمة العبد المجروح، وفي المنقلة بعشر قيمته ونصف عشر قيمته إن برئت على غير شين وإن برئت على شين فنقص ذلك من قيمته افتكه بما نقص الجرح من قيمته

стр. 1483

على ما هو عليه من الشين،. وقيل يفتكه بالأكثر من الواجب في ذلك الجرح أو مما نقص الجرح من قيمته على ما هو عليه من الشين، لأن هذه الجراح الثلاث يستوي فيها الخطأ والعمد في العبيد. وتثبت الجناية في هذا الوجه بشاهدين وشاهد وامرأتين وباليمين مع الشاهد وبإقرار العبد على نفسه بالجناية بحضرة الجناية عند ابن القاسم خلاف قول ابن نافع. فصل وأما الوجه الثاني: وهو أن يقتل أحد العبيدين صاحبه عمدا أو يجرحه عمدا جرحا يجب فيه القصاص فإن سيد العبد المقتول أو بما نقص الجرح منه إن نقص إلا أن تكون موضحة فيفتكه بنصف عشر قيمة العبد المجروح إن برئت الموضحة على غير شين، وإن برئت على شين فعلى ما ذكرنا من الاختلاف. فصل وهذا إذا ثبت القتل أو الجرح بشهادة شاهدين. وأما إن لم يكن على ذلك إلا شاهد واحد فإن السيد يحلف مع الشاهد عند مالك ﵀ إن أراد القصاص أو العقل، ذكره ابن سحنون. وقال أصبغ في العتبية إن أراد السيد العقل حلف، وإن أراد القصاص حلف العبد، وهو قول المغيرة المخزومي. وإن لم تثبت الجناية إلا بإقرار العبد بها على نفسه اقتص منه بقوله لأنه لا يتهم. وقد حكى بعض الرواة

стр. 1484

عن كثير من أصحاب مالك أنه لا يجوز إقراره على نفسه بجناية العمد لأنه لا يجوز له أن يتلف نفسه على سيده. فصل وأما جنايات العبيد على الأحرار فإنها تنقسم على وجهين: أحدهما: جناياتهم عليهم في النفس. والثاني: جناياتهم عليهم فيما دون النفس من الجراح. فأما جناياتهم عليهم في النفس فلا يخلو إذا قتل العبد الحر أن يكون ذلك خطأ أو عمدا. فإن كان خطأ خير سيد القاتل بين أن يسلمه أو يفتكه بالدية، فإن اختار افتكاكه بالدية قيل يفتكه بالدية حالة وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، قاله في مسألة العبد والحر يصطدمان وقيل يفتكه بالدية مؤجلة في ثلاثة أعوام. وقاله ابن القاسم عن مالك في سماعه من كتاب الديات، وهو ظاهر في سماع أصبغ من الكتاب المذكور في مسألة الحر والعبد يصطدمان. وإن كان عمدا خير أولياء الحر بين أن يقتلوا العبد أو يستحيوه، فإن قتلوه بقي ماله لسيده، وإن أخذوه ليقتلوه فاستحيوه ففي ماله قولان: أحدهما: أن المال يكون للسيد كما لو قتلوه، والثاني: أن المال يكون تبعا له كما لو استحيوه فأسلم إليهم في الجناية. والقولان في سماع أصبغ من كتاب الديات. وأما إن استحيوه فأسلم إليهم فلهم أن يأخذوه في الجناية بماله إلا أن يشاء سيده أن يفتكه بماله منهم بدية الحر المقتول فيكون ذلك له. وقد قيل إن ماله إن كان عينا فيه وفاء بالجناية لم يخير سيده ووديت الجناية من ماله. فصل وأما جناياتهم عليهم فيما دون النفس من الجراح فسواء كان الجرح عمدا أو خطأ لأن العبد لا يقاد من الحر بالجراح، فيخير سيد العبد الجارح بين أن يسلمه أو يفتكه بدية الجرح حالا إن كان عمدا، أو أقل من الثلث إن كان خطأ. وإن كان الجرح خطأ وأرشه أكثر من الثلث فعلى الاختلاف المذكور.

стр. 1485

فصل وأما جنايتهم على الأموال فسواء كانت لحر أو لعبد ذلك في رقابهم، يخير سيد العبد الجاني بين أن يسلمه بما استهلك من الأموال أو يفتكه بذلك كان ما استهلك من الأموال أقل من قيمته أو أكثر، أو استهلك ألف مثقال وقيمته عشرة دنانير لم يكن له أن يمسكه إلا بغرم ألف مثقال، إلا أن يرضى منه المجني عليه بدون الألف فيجوز ذلك إن كان المجني عليه حرا مالكا لأمر نفسه أو عبدا مأذونا له في التجارة. وأما إن كان عبدا محجورا عليه أو صبيا مولى عليه فلا يجوز ذلك إلا بإذن سيد العبد أو ولي اليتيم. وأما إن رضي المجني عليه بدون قيمة العبد فلا يجوز إلا أن يكون حرا مالكا لأمر نفسه. وإذا أسلم في الجناية فماله تبع له. فصل وإنما يكون في رقبة العبد ما استهلك من الأموال التي لم يؤتمن عليها. وأما ما استهلك مما أؤتمن عليه بعارية أو كراء أو وديعة أو استعمال أو ما أشبه ذلك فإن ذلك ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يستهلكه بالانتفاع. والثاني: أن يستهلكه بالإفساد والإهلاك من غير انتفاع به. فأما إذا استهلكه بالانتفاع مثل أن يكون ثوبا يتعدى عليه فيبيعه ويأكل ثمنه أو طعاما فيأكله بعينه أو ما أشبه ذلك فهذا لا اختلاف فيه أن ذلك في ذمته لا في رقبته. وأما ما استهلك بالإهلاك والإفساد فقال ابن الماجشون: ذلك في رقبته. وقال ابن القاسم: لا يكون ذلك في رقبته وإنما يكون في ذمته لأنه أؤتمن عليه. فصل وهذا كله بخلاف ما أفسدت الماشية من الزرع والأموال بالليل، لأن

стр. 1486

المواشي ليست هي الجانية إذ ليست بمخاطبة ولا بمكلفة، وإنما الجاني ربها إذ لم يمنعها من الإفساد في الليل، فيلزمه غرم ما أفسدت الماشية من الزرع والأموال بالليل من قليل أو كثير، وليس له إسلام الماشية بالفساد. والعبد عاقل مكلف مخاطب فهو الجاني وجناياته في رقبته، فإذا أسلمه سيده فليس عليه أكثر من ذلك، إذ لا يحمل أحد جناية أحد لقول الله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ولقول رسول الله ﷺ لأبي رمثة في ابنه: «لا تجني عليه ولا يجني عليك». إلا أن يأمره السيد بالجناية فإن أمره بها اقتص منهما جميعا عند ابن القاسم، كان العبد فصيحا أو أعجميا. وقال ابن وهب: إذا أمر السيد عبده بقتل رجل فإن كان فصيحا اقتص من العبد وضرب السيد مائة وسجن عاما. وإن كان أعجميا اقتص من السيد وضرب العبد مائة وسجن عاما. وأما ما أفسدت الماشية بالنهار فلا شيء على صاحبها فيه لقول رسول الله ﷺ : «جرح العجماء جبار». فصل وإنما يسقط عنه الضمان فيما أفسدت من الزرع بالنهار إذا أخرجها عن جملة مزارع القرية وتركها بالمسرح. وأما إن أطلقها للرعي قبل أن تخرج من جملة مزارع القرية دون راع يذودها عن الزرع فهو ضامن لما أفسدت، وإن كان معها رعاتها فلا ضمان عليه، وإنما الضمان على الراعي إن فرط أو ضيع حتى أفسدت شيئا. على هذا حمل أهل العلم ما ثبت أن رسول الله ﷺ قضى على أرباب الزرع بحفظها بالنهار وإن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. فصل والأصل في هذه المسألة قول الله ﵎: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآية والنفش لا يكون إلا بالليل، وأما بالنهار فهو الهمل. وشرعنا على هذا في إيجاب الضمان على رب

стр. 1487

الماشية فيما أفسدت ماشيته بالليل، وأما في صفة التضمين فهو على خلاف ما قضى به سليمان، لأنه قضى لصاحب الزرع أن يستوفي من نسل الماشية ورسلها ما كان يخرج من زرعه على المتعارف. وأما ما قضى به داود ﷺ فيحتمل أن يتأول على شرعنا لأنه قضى بالغنم لصاحب الزرع، فيحتمل أن تكون قيمة الزرع على الرجاء والخوف مثل قيمة الغنم أو أكثر ولا مال لصاحب الغنم غيرها. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: دخل رجلان على داود صلى الله على نبينا وعليه وسلم، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: يا نبي الله إن هذا أرسل غنمه في حرثي ليلا فلم يبق لي منه شيئا. فقال له اذهب فإن الغنم لك كلها، فقضى بذلك داود. فمر صاحب الغنم إلى سليمان فأخبره بالذي قضى به داود فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال وكيف؟ قال سليمان: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، وإن الغنم لها نسل في كل عام. فقال له داود قد أصبت والقضاء ما قضيت. فهذا معنى قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. فصل وليس في قَوْله تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] دليل على أنه أصاب الحق عند الله في قضائه هذا، وأن داود أخطأه كما يقول من يذهب إلى أن الحق في طرف وأن المجتهد إنما كلف طلب الحق ولم يكلف إدراكه. بل في الآية ما يدل على أن ما حكم به كل واحد منهما حق عند الله في حقه لأنه قال تعالى: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] ومن أخطأ في قضية فلا يوصف بأنه أوتي حكما وعلما. وطريق هذه المسألة القطع والعلم لا غلبة الظن، فلا يصح أن يستدل فيها بشيء من الظواهر المحتملة. والذي يقوله المحققون أن كل مجتهد مصيب، وهو الصواب الذي لا يصح خلافه، لأن الله تعالى تعبد المجتهد باجتهاده، فهو مأمور أن يقضي به ويحل

стр. 1488

به ويحرم به، كما تعبده أن يقضي بشهادة الشاهدين ويحل بهما ويحرم بهما. فإذا لم يجز أن يقال لمن قضى بتحليل أو تحريم في مال أو فرج بشهادة شاهدين عدلين إنه خطأ عند الله إذ لم يتعبد ما خوطب به، كذلك لا يجوز أن يقال لمن أحل أو حرم باجتهاده في موضع الاجتهاد إنه مخطئ عند الله، وليس عن مالك ﵀ في ذلك نص. والذي يدل عليه مذهبه القول بتصويب المجتهدين. والذي يدل على ذلك من مذهبه أن المهدي سأله أن يجمع مذهبه في كتاب ويحمل عليه الناس، فقال له مالك: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد وأخذ الناس بآرائهم، فدع الناس وما اختاروه. فلولا أن كل مجتهد مصيب عنده لما جاز أن يقر الناس على ما هو الخطأ عنده. ومما يدل على ذلك من مذهبه أيضا قوله في المدونة في الذي يعرف خطه ولا يذكر الشهادة إنها شهادة لا تجوز عنده ولا تصح ولا يحكم بها، ولكنه يرفعها ويؤديها كما علم. فلولا أن كل مجتهد عنده مصيب لما أمره أن يؤدي شهادة لا يصح الحكم بها، فلعل القاضي الذي رفعت إليه يحكم بها فيكون قد عرضه للحكم بالخطأ، هذا لا يصح، وهو مذهب الشافعي وجماعة أصحابه. واختلف في ذلك عن أبي حنيفة. وقد تأول بعض الناس على مالك ﵀ أن الحق في طرف واحد من قوله إذ سئل عن اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ فقال: مخطئ ومصيب. وهذا لا يصح، لأنه لم يقل مخطئ عند الله، وإنما أراد أنه مخطئ عنده فلا يصح له اتباعه والحكم بمذهبه. وإذا احتمل قوله هذا بطل الاستدلال به. واستدل أيضا بعض الناس على ذلك من مذهبه من قوله فيمن خفيت عليهم القبلة إنهم يجتهدون في طلبها ولا يصلي أحد منهم مؤتما بصاحبه إذا خالفه في الاجتهاد. قال: فلو كان كل واحد منهم مصيبا في اجتهاده لجاز أن يأتم كل واحد منهم بصاحبه. وهذا لا يلزم لأن من ائتم بمن صلى إلى جهة ما فهو مصل إلى تلك الجهة، لأن صلاته مرتبطة بصلاة إمامه وهو متعبد باجتهاده لا يجوز له أن يتركه لاجتهاد غيره. فمن هذا الوجه قال مالك: إنه لا يجوز أن يأتم أحد منهم بصاحبه إذا خالفه في الاجتهاد، لا من الوجه الذي ذكر والله أعلم.

стр. 1489

كتاب الجامع قال محمد بن رشد ﵁ بعد حمد الله تعالى وجل حق حمده. والصلاة على نبيه الكريم وعبده: إني لما ضمنت الجزء الأول من كتاب المقدمات بيان ما يجب اعتقاده من المعتقدات التي أوجبها الله على المكلفين من عباده، من الإيمان به والإقرار بوحدانيته، والمعرفة به على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله، بما نصب لهم من الدلالات على ذلك في محكم كتابه، والإيمان برسوله محمد ﷺ والتصديق لما جاء به من عنده، والمعرفة لصحة رسالته ونبوته بالدلالة الظاهرة، والمعجزات الباهرة، التي أظهرها الله تعالى وأحكام الكتاب من ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومفصله ومجمله، ونصه ومحتمله، وحقيقته ومجازه، وأحكام السنن وتقاسيمها، وحقيقة الإجماع، ووجه القياس ووجوب الحكم به فيما لم يرد به نص في الكتاب ولا في السنة ولا فيما اجتمعت عليه الأمة. وما تنقسم عليه أحكام الشرائع من واجب ومستحب ومباح وحرام ومكروه وتفسير ذلك كله وبيانه. وضمنا سائر الأجزاء أحكام جميع شرائع الدين فرائضها وسننها وفضائلها وشرائط صحتها وفسادها، رأيت أن أختمه بجزء جامع يحتوي على ما تهم معرفته من العلم بنسب النبي ﷺ وأزواجه وأولاده وعيون

стр. 1490

سيره وأخباره، من حين مولده إلى وقت وفاته، وعلى جمل مما يحق معرفته مما يجب على الإنسان في خاصته أو يحرم عليه أو يستحب له أو يكره له أو يباح له في مطعمه ومشربه وملبسه وجميع شأنه؛ وعلى بيان فضل مكة والمدينة، وفضل مالك إمام دار الهجرة ومقدار مرتبته في العلم والله الموفق للصواب لا رب غيره ولا معبود سواه. باب في ذكر نسب النبي ﵇ ومولده ومبعثه وصفته وأسمائه وأخلاقه وسنه ووفاته وأزواجه وأولاده وهجرته وبعوثه وغزواته هو ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. روي هذا عن النبي ﷺ واتفق على صحته أهل العلم بالنسب لم يختلفوا في شيء منه. وإنما اختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل بن إبراهيم ﵉، وفيما بين إبراهيم وآدم ﵉ اختلافا كثيرا لا يقطع على صحة شيء منه. روي عن ابن عباس أنه قال: فيما بين معد بن عدنان إلى إسماعيل ثلاثون أبا. ولا اختلاف بينهم في أن نزارا بأسرها وهم ربيعة ومضر هي الصريخ من ولد إسماعيل، وقريش وهم بنو النضر بن كنانة. قال رسول الله ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من بني كنانة واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم».

стр. 1491

واسم هاشم عمرو، وإنما قيل لهاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه. واسم قصي يزيد، وإنما قيل له قصي لأنه تقصى مع أمه أخواله ومكن معهم في باديتهم فبعد عن مكة وكان يدعى مجمعا لأنه لما رجع إلى مكة من عند أخواله جمع قبائل قريش بمكة حين انصرافه. واسم عبد مناف المغيرة ويكنى أبا عبد شمس واختلف في عبد المطلب فقيل اسمه عبد المطلب، وقيل اسمه شيبة، وكان يقال له شيبة الحمد لشيبة كانت في ذؤابته. وقال من قال ذلك إنما قيل له عبد المطلب لأن أباه هاشما قال لأخيه المطلب وهو بمكة حين حضرته الوفاة أدرك عبد المطلب بيثرب فسمي عبد المطلب، والله أعلم. فصل في نسب أمه ﵇ ووقت ولادتها إياه وأم رسول الله ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب تزوجها عبد الله ابن عبد المطلب وهو ابن ثلاثين سنة وقيل ابن خمس وعشرين سنة، خرج به أبوه عبد المطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته. وقيل كانت آمنة في حجر عمها وهيب بن عبد مناف، فخطب إلية ابنته هالة لنفسه، وخطب إليه ابنة أخيه آمنة على ابنه عبد الله، فزوجه وزوج ابنه في مجلس واحد. فولدت هالة لعبد المطلب حمزة وولدت آمنة لعبد الله رسول الله ﷺ . حملت به ﷺ في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى، وولدته ﷺ بمكة في الدار التي كانت تدعى لحمد بن يوسف أخي الحجاج، عام الفيل إذ ساقته الحبشة إلى مكة في جيشهم لغزو البيت، فردهم الله عنه وأرسل عليهم طيرا أبابيل فأهلكتهم، لا اختلاف في ذلك. قيل يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من

стр. 1492

رمضان، وقيل يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. وقيل لثمان خلون منه. وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. وقيل أول اثنين منه. وقد قيل إنه ولد في شعب بني هاشم، ولا خلاف أنه ولد عام الفيل. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ولد يوم الفيل، فيحتمل أن يكون أراد اليوم الذي حبس الله فيه الفيل عن وطء الحرم وأهلك الذين جاءوا به، ويحتمل أن يكون أراد بقوله يوم الفيل عام الفيل. فصل في مرضعات النبي ﵇ - فأرضعت رسول الله ﷺ وحمزة ثويبة جارية أبي لهب، وأرضعت معهما أبا سلمة بن عبد الأسد. فالنبي ﵇ وحمزة وأبو سلمة إخوة من الرضاعة. وروي عن ابن عباس أنه قال: «قيل للنبي ﷺ ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة» وروي عن عراك بن مالك «أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله إنا قد تحدثنا أنك خطبت درة بنت أبي سلمة، فقال رسول الله ﷺ : أعلى أم سلمة لو أني لم أنكح أم سلمة لم تحل لي لأن أباها أخي من الرضاعة» وأعتق أبو لهب ثويبة بعد أن هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله ﷺ يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر. ثم استرضع له ﷺ في بني سعد بن بكر حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية. فردته ضئره حليمة إلى أمه آمنة بعد خمس سنين ويومين من مولده، فأخرجته أمه آمنة إلى أخوال أبيه بني النجار تزورهم بعد سبع سنين من مولده، فتوفيت بعد ذلك بالأبواء ومعها النبي، فقدمت به أم أيمن مكة بعد موت أمه بخمسة أيام.

стр. 1493

فصل في سن النبي- ﵇ يوم مات أبوه ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب وأمه حامل به ﷺ وقيل: بل توفي بالمدينة والنبي ﷺ ابن ثمانية وعشرين شهرا. وقبره بالمدينة في دار من دور بني عدي بن النجار. وكان خرج إلى المدينة ليمتار قمحا، وقيل إنه كان ابن سبعة أشهر، وقيل إنه كان ابن شهرين، ولم يكن له ولد غير رسول الله ﷺ فكفله جده وعمه. فتوفي جده عبد المطلب سنة تسع من عام الفيل. وقيل بل توفي وهو ﷺ ابن ثمان سنين. وقيل بل توفي وهو ابن ثلاث سنين. فأوصى به إلى ابنه أبي طالب، فصار في حجره حتى بلغ خمس عشرة سنة، ثم انفرد بنفسه. وكان أبو طالب يحبه، وكان هو مائلا إليه لوجاهته في بني هاشم وسنه، وكان مع ذلك شقيق أبيه. فصل في سن النبي ﷺ يوم تزوج خديجة وذكر أولاده منها وتزوج ﷺ خديجة بنت خويلد وهو ابن إحدى وعشرين سنة. قيل وهو ابن ثلاثين سنة. وهي ثيب بعد زوجين كانا لها. قيل إنها كانت يومئذ بنت ثلاث وأربعين سنة. وقيل بنت أربعين سنة، وإنها ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة. وروي أنه خرج في تجارة، فرآه نسطور قد أظلته غمامة فقال: هذا نبي. وتوفيت ﵂ قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين، وقيل بأربع سنين، وقيل: بخمس سنين. وكانت حين وفاتها بنت خمس وستين سنة، وهي أول من آمن به ﷺ ولم يجمع معها غيرها، ولا تزوج سواها من أزواجه إلا بعد موتها.

стр. 1494

وولده ﷺ كلهم منها حاشا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، أربع بنات: زينب وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. والأصح أن رقية هي الثانية بعد زينب ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ولا اختلاف في أن زينب أكبرهن. قيل إنها ولدت في سنة ثلاثين من مولد النبي ﷺ وماتت في سنة ثمان للهجرة. أسلمت وهاجرت حين أبى زوجها أبو العاصي أن يسلم، ثم أسلم بعدها وهاجر. وتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، فولدت له هناك ابنا سماه عبد الله فبه كان يكنى. وتوفيت يوم وقعة بدر، وبسبب مرضها تخلف عثمان عن شهود بدر بأمر رسول الله ﷺ فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه فهو من أهل بدر. وتزوج بعدها أم كلثوم، فتوفيت عنده ولم تلد منه، فكان نكاحه لها في ربيع الأول، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة الثالثة من الهجرة. وتوفيت في سنة تسع منها. وصلى عليها أبوها رسول الله ﷺ وكانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب، وأختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب. فلما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] قال لهما: أبوهما لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد. وقال أبو لهب: رأسي من رأس أمكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما. وتزوج علي بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين، بعد وقعة أحد. وقيل إنه تزوجها بعد أن ابتنى رسول الله ﷺ بعائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزوجه إياها بسبعة أشهر ونصف، وكان سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، وسن علي ﵁ يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر. فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم، وزينب، ولم

стр. 1495

يتزوج عليها غيرها حتى ماتت. وتوفيت- ﵂ بعد رسول الله ﷺ بيسير. قيل: بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر. وقيل: بثمانية أشهر. واختلف في ولده ﷺ وهم الذكور من خديجة. فقيل: أربعة: القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل ثلاثة: القاسم وعبد الله وهو الطيب. سمي بذلك لأنه ولد في الإسلام، والطاهر. وقيل اثنان: القاسم، وعبد الله وهو الطاهر والطيب، فلعبد الله على هذا ثلاثة أسماء. وقد حكى معمر عن ابن شهاب أن بعض أهل العلم قال: ما نعلمها ولدت له إلا القاسم، وولدت له بناته الأربع. وعاش القاسم فيما روي حتى مشى. فصل في ذكر أزواجه- ﵇ - وأزواجه ﷺ اللواتي لم يختلف فيهن إحدى عشرة امرأة. أولهن خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، وقد مضى القول فيها. ثم سودة العامرية من بني عامر بن لؤي. تزوجها رسول الله ﷺ بمكة بعد موت خديجة، وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكران بن عروة. بنى بها بمكة في سنة عشر من الهجرة، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وأسنت عند رسول الله ﷺ فهم بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وأنت حل من شأني، فإنما أريد أن أحشر من نسائك، وإني قد وهبت يومي لعائشة وإني لا أريد ما تريد النساء. فأمسكها رسول الله ﷺ حتى توفي عنها. فتوفيت بعده في آخر زمان عمر بن الخطاب.

стр. 1496

ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق التميمية القرشية، تزوجها رسول الله ﷺ بمكة بكرا بعد موت خديجة قبل الهجرة، قيل بسنتين، وقيل بثلاث سنين، وهي بنت ست سنين أو سبع سنين، وابتنى بها في المدينة وهي بنت تسع سنين فأقام معها تسع سنين. وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعاشت بعده ﷺ ثمان وأربعين سنة. وتوفيت سنة سبع وخمسين، وهي بنت ست وستين سنة. ولم يكن من زوجاته ﷺ من تزوج بكرا غيرها. ثم أم سلمة المخزومية، واسمها هند بنت أبي أمية المعروف بزاد الراكب أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم. كانت قبل رسول الله ﷺ تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، فولدت له سلمة وبه كانت تكنى، وعمرو، وزينب. فلما توفي أبو سلمة خطبها رسول الله ﷺ فتزوجها سنة اثنتين من الهجرة في شوال، وابتنى بها في شوال، وقال لها: «إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ثم درت. فقالت: ثلث». وتوفيت سنة ستين في أول خلافة يزيد بن معاوية. وقيل في رمضان من سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة لوصيتها بذلك. وكان والي المدينة يومئذ مروان بن الحكم، وقيل الوليد بن عقبة، ودفنت بالبقيع. ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية القرشية أخت عبد الله بن عمر لأبيه وأمه. أمها زينب بنت مظعون الجمحي. تزوجها ﷺ سنة ثلاث من الهجرة في شعبان. وقيل سنة اثنتين من التاريخ. وكانت قبله تحت: خنيس بن حذافة السهمي. فلما تأيمت منه خطبها رسول الله ﷺ فتزوجها، وطلقها تطليقة ثم ارتجعها، وذلك «أن جبريل ﵇ نزل عليه فقال له: ارتجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة». وتوفيت حين بايع الحسن لمعاوية سنة إحدى وأربعين. وقيل سنة سبع وأربعين. ثم زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية. كانت تدعى في الجاهلية أم

стр. 1497

المساكين، وذلك- والله أعلم- لرأفتها بهم، وإحسانها إليهم. وكانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث. ولم تلبث إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياته. ولم تمت من زوجاته ﷺ في حياته غيرها وغير خديجة. وقيل إنها كانت أخت ميمونة لأمها. ثم زينب بنت جحش الأسدية ابنة عمة رسول الله ﷺ أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من الهجرة. وكانت قبله تحت زيد بن حارثة الذي كان تبنى رسول الله ﷺ وهي التي قال الله فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وذلك أنه لما تزوجها قال المنافقون تزوج حليلة ابنه وقد كان ينهي عن ذلك، فأنزل الله الآية المذكورة وأنزل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فدعي من حينئذ زيد بن حارثة، وقد كان يدعى زيد بن محمد. وكانت أول أزواج النبي ﷺ وفاة بعده ولحوقا به، توفيت سنة عشرين في خلافة عمر في السنة التي افتتحت فيها مصر، وقيل سنة إحدى وعشرين في السنة التي افتتحت فيها الإسكندرية. ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية. اسمها رملة وهو المشهور وقيل هند. كانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي خرج بها مهاجرا من مكة إلى أرض الحبشة مع المهاجرين، فولدت له هناك حبيبة التي كانت تكنى بها، ثم افتتن وتنصر ومات نصرانيا. وأبت أم حبيبة أن تتنصر وأبى الله لها إلا الإسلام والهجرة، فتزوجها رسول الله ﷺ قيل خطبها بعد أن قدمت المدينة فزوجها إياه عثمان وهي بنت عمه، وقيل بل خطبها إلى النجاشي فتزوجها وهي بأرض الحبشة

стр. 1498

وهو المشهور. فولي عقد نكاحها النجاشي لأنه أسلم فكان وليها هناك، ومهرها أربعة آلاف درهم وبعث بها إلى شرحبيل ابن حسنة وجهزها من عنده، ولم يبعث النبي ﷺ إليها شيئا وكان مهور سائر أزواج النبي ﷺ أربعمائة درهم. وقيل أيضا لما أرسل النبي ﷺ إلى النجاشي في أمرها خطبها النجاشي عليه وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم، وعقد عليها خالد بن سعيد بن العاصي. وكان زواجه لها على ما ذكر في ست من تاريخ الهجرة، وتوفيت- ﵂ سنة أربع وأربعين. ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار أحد بني المصطلق، سباها يوم المريسيع وحجبها وقسم لها، قال ذلك ابن شهاب. وقال أبو عبيدة تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من التاريخ، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية. وروي أنها كانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة جميلة. قالت عائشة: «كانت جويرية امرأة عليها حلاوة وملاحة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت بنفسه. قالت: فأتت رسول الله ﷺ لتستعينه على كتابتها. قالت: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فقالت يا رسول الله: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك فوقعت في سهم لثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي وجئتك أستعينك. فقال لها: هل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال أقضي كتابتك وأتزوجك. قالت نعم. قال: قد فعلت. فخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بأيديهم من سبايا بني المصطلق. قالت عائشة: فلم نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها». ثم صفية بنت حيي بن أخطب اليهودي من سبط هارون ﵇ من سبايا خيبر، صارت في سهمانه ﷺ فأعتقها وتزوجها في سنة سبع من الهجرة،

стр. 1499

وجعل عتقها صداقها، وقيل إنه اشتراها بأرؤس، وقيل إنه اصطفاها. روي عن أنس «أن رسول الله ﷺ لما جمع سبي خيبر جاءه دحية فقال أعطني جارية من السبي، فقال اذهب فخذ جارية، فذهب فأخذ صفية بنت حيي فقيل: يا رسول إنها سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك. فقال له النبي ﷺ : خذ جارية من السبي غيرها» وتوفيت- ﵂ في زمن معاوية في رمضان من سنة خمسين. وكانت امرأة حسيبة جميلة عاقلة فاضلة. روي «أن رسول الله ﷺ دخل عليها وهي تبكي، فقال لها ما يبكيك؟ فقالت بلغني أن حفصة وعائشة تنالان مني وتقولان نحن خير من صفية نحن بنات ابن عم رسول الله ﷺ وأزواجه، فقال لها: ألا قلت لهن كيف تكن خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد ﷺ ». ثم ميمونة بنت الحارث بن حرن الهلالية خالة عبد الله بن عباس. تزوجها رسول الله ﷺ سنة سبع في عمرة القضاء، جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل وكانت تحت العباس، فولت أم الفضل زوجها العباس فأنكحها إياه العباس، قيل قبل أن يحرم بعمرته، وقيل وهو محرم بها، وقيل بعد أن حل منها. فلما تمت الثلاثة الأيام أوصت إليه قريش أن يخرج مكة ولم يمهلوه أن يبني بها فيها، فخرج رسول الله ﷺ وبني بها بسرف. وتوفيت- ﵂ بسرف في الموضع الذي ابتنى بها فيه سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين. فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن، فحصل العلم بنقل التواتر بهن، وهن إحدى عشرة امرأة، منهن ست من قريش: خديجة، وسودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وأربع من العرب: زينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وميمونة؛ وواحدة من بني إسرائيل وهي صفية. توفي منهن اثنتان في حياته: خديجة أول نسائه، وزينب بنت خزيمة. وتوفي ﷺ عن التسع الباقيات على ما تقدم من ذكرهن.

стр. 1500

فصل في [أزواج النبي ﷺ اللواتي فارقهن] وأما اللواتي نقل من طريق الآحاد أنه تزوجهن ثم فارقهن فسبع نسوة، على ما ذكر علي بن المعمر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال: جملة من تزوج النبي ﷺ ثمان عشرة امرأة، وقيل بل أكثر من سبع. فمنهن فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي. قيل إن أباها الضحاك عرضها على النبي ﷺ وقال إنها لم تصدع قط، فقال لا حاجة لي بها. وقيل إنه تزوجها بعد وفاة ابنته زينب وخيرها رسول الله ﷺ حين أنزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها رسول الله ﷺ فكانت تلقط البعر وتقول أنا الشقية اخترت الدنيا. وليس ذلك بصحيح، إذ قد قيل إنه لم يكن عند النبي ﷺ حين خير أزواجه إلا التسع نسوة وهن اللواتي توفي عنهن. وقد قال جماعة: إن التي كانت تقول أنا الشقية هي التي كانت استعاذت من رسول الله ﷺ وقد اختلف في المستعيذة منه اختلافا كثيرا. ومنهن أسماء بنت النعمان من بني الجون من كندة. لم يختلفوا في أن رسول الله ﷺ تزوجها، واختلفوا في قصة فراقها، فقيل إنه «لما دخلت عليه دعاها فقالت تعال أنت وأبت أن تجيء؛ وقيل إنها قالت أعوذ بالله منك فقال لها: لقد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها؛» وقيل إن التي استعاذت منه إنما كانت امرأة جميلة من بني سليم تزوجها رسول الله ﷺ فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه، فقلن لها إنه يعجبه أن تقولي له أعوذ بالله منك، فقالته لما أدخلت عليه ودعاها فطلقها. وقيل بل إنما قال أزواج النبي ﷺ ذلك لأسماء بنت النعمان الكندي لأنها

стр. 1501

كانت من أجمل النساء فخفن أن تغلبهن على النبي ﷺ . وقيل إن التي استعاذت من النبي ﷺ . وقيل إن التي استعاذت من النبي ﷺ إنما كانت امرأة جميلة من سبي بني العنبر كان أراد النبي ﷺ أن يتخذها. وقيل إنه إنما فارق رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان الكندية من أجل وضح من بياض كان بها. وقد اختلف في اسمها فقيل أميمة وقيل أمامة. ولما لحقت بأهلها خلف عليها- فيما روي- المهاجر بن أبي أمية المخزومي، ثم قيس بن مكشوح المرادي. ومنهن العالية بنت ظبيان بن عمرو الكلابية، تزوجها رسول الله ﷺ وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها، فقال ابن شهاب: وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التي تزوجت قبل أن يحرم نساءه نكحت ابن عم لها من قومها وولدت فيهم. ومنهن سناء بنت أسماء بنت الصلت السلمية تزوجها رسول الله ﷺ فماتت قبل أن يدخل بها، وقيل إنه طلقها قبل أن يدخل بها. وقد اختلف فيها وفي اسمها فقيل أسماء بنت الصلت وقيل غير ذلك. ومنهن قتيلة بنت قيس بن معد يكرب الكندية أخت الأشعث بن قيس. تزوجها رسول الله ﷺ في سنة عشر ثم قبض ولم تكن قدمت عليه ولا رآها ولا دخل بها فخلف عليها عكرمة ابن أبي جهل بحضرموت فبلغ ذلك أبا بكر الصديق فقال: لقد هممت أن أحرق عليها بيتها فقال له عمر بن الخطاب ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب. وقيل إنها ارتدت حين ارتد أخوها بعد موت النبي ﷺ ثم راجعا الإسلام، فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي ﷺ بارتدادها. ومنهن أم شريك الأنصارية، تزوجها رسول الله ﷺ ولم يدخل بها لأنه كره عفرة نساء الأنصار.

стр. 1502

ومنهن فاطمة بنت شريح ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي ﷺ ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة. ومنهن هند بنت يزيد بن العرطا من بني بكر بن كلاب. ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي ﷺ ، وقيل هي عمرة بنت يزيد. قال ابن عبد البر: والاختلاف فيها كثير. ومنهن الشفباء فإنها لما دخلت عليه لم تكن بالبشرة لما دخلت عليه فانتظر بها البشر ومات إبراهيم ولده ﷺ على بغتة ذلك، فقالت لو كان نبيا ما مات أحب الناس إليه وأعزهم عليه، فطلقها وأوجب لها المهر وحرمت على الأزواج. ومنهن مليكة بنت داود الليثية ذكرها ابن حبيب في أزواجه اللواتي يبن بهن، ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة. ومنهن شراف بنت خليفة الكلبية، أخت دحية بن خليفة الكلبي. تزوجها رسول الله ﷺ فهلكت قبل دخوله بها. ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب الصحابة. ومنهن ليلى بنت الخطيم بن عدي من بني الحارث بن الخزرج. روي «أنها أقبلت إلى النبي ﷺ وهو مولي ظهره الشمس فضربت على منكبه، فقال: من هذه؟ قالت: أنا ابنة مباري الريح أنا ليلى بنت الخطيم جئتك أعرض عليك نفسي فتزوجني، قال قد فعلت. فرجعت إلى قومها فقالت تزوجني رسول الله ﷺ فقالوا بئس ما صنعت. أنت امرأة غيراء والنبي ﷺ صاحب أزواج استقيلي نفسك. فرجعت إلى النبي ﷺ فقالت أقلني، قال قد أقلتك». ومنهن خولة بنت الهذيل. روي أن رسول الله ﷺ تزوجها، وقع ذلك في كتاب ابن أبي خيثمة، ولم يذكرها ابن عبد البر في كتاب الصحابة. ومنهن ليلى بنت حكيم الأنصارية الأوسية التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ذكرها

стр. 1503

أحمد بن صالح المصري في أزواج النبي ﷺ ولم يذكرها غيره فيهن علمت. قاله ابن عبد البر. فصل في سراري النبي ﷺ - وتسرى رسول الله ﷺ مارية القبطية، وهي مارية بنت شمعون، أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية ومصر، فولدت له ابنه إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي في بني مازن عند مرضعته أم بردة سنة عشر وهو ابن ثمانية عشر شهرا. وقيل بل توفي وهو ابن ستة عشر شهرا. وقيل إن وفاته كانت لعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر. وتوفيت مارية في خلافة عمر بن الخطاب ﵄ وذلك في المحرم من سنة ست عشرة وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهادة جنازتها، فصلى عمر عليها ودفنت بالبقيع. وتسرى أيضا ريحانة بنت شمعون من بني قريظة، وقيل من بني النضير، والأكثر أنها قريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها. وقيل إنه تزوجها ثم فارقها، وقيل بل مات عنها وهي زوجة، وقيل ماتت قبل وفاة النبي ﷺ . ويقال إن وفاتها كانت سنة عشر مرجعه من حجة الوداع. وذكر أبو عبيدة معمر بن المثني أنه كان له ﷺ أربع ولائد: مارية القبطية، وريحانة من بني قريظة، وجارية أخرى جميلة أصابها في السبي فكادها نساءه وخفن أن تغلبهن عليه. وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي، فلما رضي عنها ودخل عليها وهبتها له، وذلك في الشهر الذي قبض فيه ﷺ . فيتحصل من جملة ما ذكر من أزواج النبي ﷺ الإحدى عشرة امرأة اللواتي لم يختلف فيهن ونقل التواتر أمرهن خمس عشرة امرأة، والله تعالى أعلم.

стр. 1504

فصل في صفة النبي ﷺ - وصفته ﷺ على ما روي وجاءت به الآثار أنه كان ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، فكان طوله على ما وصف به من هذا طولا وسطا حسنا غير معيب، ضخم الرأس كثير شعره، رجلا غير سبط، وجعدا غير قطط، كأنه زهرة بالمشط قد رجل ومشط، كث اللحية توفي وفي عنفقته شعرات بيض، أزهر اللون أبيض مشوب بحمرة، في وجهه تدوير، أدعج العينين عظيمهما تشوبهما حمرة، أهدب الأشفار، شثن الكفين والقدمين، جليل المشاش وهي رؤوس العظام، ذو مسربة وهي شعرات تتصل بالصدر إلى السرة. إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا. بين كتفيه خاتم النبوءة ﷺ . فصل في أخلاقه ﵇ - أما أخلاقه فلا يحصى الحسن منها كثرة. منها أنه أجود الناس كفا، وأوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . ويكفي من ذلك قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقد «سئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: كان خلقه وأمره القرآن واتباعه تريد أنه كان يعفو ويصفح ويحسن ويعرض عن الجاهلين، لقول

стр. 1505

الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]» وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وروي عنها أنها قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا امرأة قط، ولا خير في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه من شيء يؤذى به إلا أن تنتهك لله حرمة فينتقم لله» لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] وقوله في الزناة: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: ٢] وقوله في المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية إلى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] ولقد أحسن صاحبنا الفقيه أبو العباس في قوله في قصيدة له حيث قال: يأيها المتعاطي وصف سؤدده ... لا تعرضن لكيل البحر بالغمر فإنه كان مفطورا على شيم ... معدومة المثل لم يخلقن في البشر فصل في أسمائه ﵇ - وأما أسماؤه فكثيرة. ذكر مالك في موطئه عن ابن شهاب عن محمد بن جبير

стр. 1506

ابن مطعم «أن رسول الله- ﷺ قال: لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، يريد يتبعوني، وأنا العاقب». وليس في قوله- ﷺ لي خمسة أسماء دليل على أنه لا أسماء له غيرها، إذ لا ينتفي عنه بذكر بعض أسمائه وإن ذكر عددها سائرها. وهذا كما تقول: في فلان ثلاث خصال وهي كذا وكذا، فلا ينتفي أن تكون له خصال سواها؛ لأن أسماءه هذه الخمسة مشتقة عن صفاته، فلا يمتنع أن يكون له أسماء سواها مشتقة من صفاته. بل قد جاء ذلك، فروي هذا الحديث من رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه وزاد فيه: وقد سماه الله رؤوفا رحيما. وروي أيضا في أسمائه المقفي، ونبي التوبة، ونبي الملحمة. وسماه الله خاتم النبيئين. وجائز أن ينضاف إلى هذه الأسماء المروية سواها مما هو مشتق من صفاته ﷺ ، لأن هذه أيضا مشتقة من صفاته: محمد وأحمد من الحمد، والماحي من أن الله يمحو به الكفر كما قال في الحديث، ويمحو به ذنوب من تبعه. والحاشر من أن أمته تنحشر إليه يوم القيامة وتتبعه فتكون قدامه وخلفه وعن يمينه وشماله. والعاقب من أنه آخر الأنبياء. والمقفي أنه قفا من قبله من الأنبياء. وخاتم النبيين مثله في المعنى. وسمي نبي التوبة لأن الله تعالى تاب به على من تاب من عباده. وسمي نبي الملحمة لأنه بعث بالقتال على الدين. والحمد لله رب العالمين. فصل في سنه ﵇ يوم نبأه الله ونبأه الله- وهو ابن أربعين سنة، وقيل وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، اختلفت الرواية في ذلك عن ابن عباس.

стр. 1507

فصل [في مراحل دعوته ﵇] وكان أول ما بعثه الله به الدعاء إلى الإسلام من غير قتال أمره به ولا أذن له فيه، ولا جزية أحلها له، فأقام ﷺ على ذلك عشر سنين، وهي التي أقام بمكة، أو ثلاث عشرة سنة، وحينئذ أنزل الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] وقوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وما أشبه ذلك من الآيات. فلما هاجر إلى المدينة أذن الله تعالى له وللمؤمنين بقتال من قاتله، وأمرهم بالكف عمن لم يقاتلهم فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠]. فكانت هذه سيرة رسول الله ﷺ منذ هاجر إلى المدينة إلى أن نزلت سورة براءة، وذلك بعد ثمان من الهجرة، فأمر الله تعالى بقتال جميع المشركين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقال ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، إلا من كان له عهد عند النبي ﷺ -

стр. 1508

فإن الله أتمه له إلى مدته فقال : ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. فصل فلما بعث ﷺ وهو ابن أربعين سنة أو ابن ثلاث وأربعين سنة على ما ذكر من ذلك، أسر أمره ثلاث سنين أو نحوها لم يعلن فيها بالدعاء إلى الإسلام، ثم أمره الله بإظهار دينه والإعلان بالدعاء إلى الإسلام فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] فمعنى قوله: وإن لم تفعل أي إن لم تعلن بالدعاء إلى الإسلام فقد بلغت حق التبليغ، ولا تحذر في ذلك أمر الناس فإن الله يعصمك منهم. وقال : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] الآية. فلما أعلن بالدعاء إلى الإسلام كما أمره الله وسفه أحلام قريش في عبادتهم الأصنام التي لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع، نابذوه وأرادوا قتله، وأقبلوا بالعذاب على من آمن منهم والإذاية لهم. فلم يزل ﷺ في جوار عمه أبي طالب إلى أن توفي في شوال من السنة الثامنة من مبعثه ﷺ أو التاسعة منه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم فقالوا إلى أين؟ قال إلى هنا" وأشار إلى أرض الحبشة،» فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بنفسه، ومنهم من هاجر بأهله حتى قدموا أرض الحبشة، وأقام بمكة من كان له من عشيرته الكفار منعة. فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو وينتشر اجتمعوا فتعاقدوا على بني هاشم، وأدخلوا معهم بني المطلب من بني عبد مناف، ألا يكلموهم ولا يجالسوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ فيقتلوه، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب من بني عبد مناف

стр. 1509

كلهم كافرهم ومؤمنهم، المؤمن دينا والكافر حمية، فصاروا في شعب أبي طالب محصورين مبعدين مجتنبين حاشى أبي لهب وولده صاروا مع قريش على قومهم، فبقوا كذلك ثلاث سنين إلى أن جمع الله قلوب قوم من قريش على نقض ما كانت قريش تعاقدت فيه على بني هاشم من بني المطلب من بني عبد المناف. وأعلم النبي ﷺ عمه أبا طالب أن الله قد بعث الأرضة على صحيفتهم فلحست كل ما كان فيها من عهد لهم وميثاق واسم الله، ولم تترك فيها إلا ما كان من شرك أو ظلم أو قطيعة. وقيل إنه إنما أعلم عمه أبا طالب بأن الأرضة لحست ما كان في الصحيفة من شركهم وظلمهم ولم تترك فيها إلا اسم الله تعالى. فقال أبو طالب لما أخبره رسول الله ﷺ بما أطلعه الله عليه من ذلك: لا والثواقيب ما كذبتني، فانطلق في عصابة من بني عبد المطلب حتى أتوا المسجد وهم خائفون من قريش، فلما رأتهم قريش في جماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله ﷺ برمته إلى قريش. فتكلم أبو طالب فقال قد حدثت أمور بيننا وبينكم فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. وإنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها. فأتوا بها معجبين لا يشكون في أن النبي ﷺ يدفع إليهم، فوضعوها إليهم وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله إليها دابة فلحست منها كذا وكذا ولم تترك فيها إلا كذا وكذا، فإن كان الحديث كما يقول فأقيموا فلا والله لا أسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. فقالوا قد رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح. فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن النبي ﷺ قالوا هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا، وتلاوم منهم قوم وقالوا هذا بغي منا على قومنا، ومشوا في نقض الصحيفة حتى نقضوها.

стр. 1510

فصل في [بيعة العقبة والهجرة إلى المدينة] وأقام رسول الله ﷺ بمكة مع من بقي معه ممن أسلم ولم يهاجر إلى أرض الحبشة صابرا على أذى قومه إلى أن بايع الأنصار بالعقبة. وذلك أنه لقي منهم ستة نفر عند العقبة بالموسم فدعاهم إلى الإسلام، وكان من صنع الله لهم أنهم كانوا جيران اليهود فكانوا يسمعونهم يذكرون أن الله يبعث نبيا قد أظل زمانه. فقالوا هذا والله الذي تهددنا يهود به فلا يسبقنا أحد، فآمنوا وبايعوا وانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ ثم قدم في العام المقبل إلى الموسم اثنا عشر رجلا من ساداتهم، وهم النقباء، فبايعوا رسول الله عند العقبة، وبعث رسول الله ﷺ معهم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير ليعلما من أسلم منهم القرآن وشرائع الإسلام ويدعوا من لم يسلم منهم إلى الإسلام. فلما كان في العام الثالث قدم منهم نفر كثير ممن أسلم، فبايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأن يرحل إليهم. فلما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله ﷺ وكانت سرا من كفار قريش وكفار قومهم، أمر رسول الله ﷺ من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالا. قيل إن أول من خرج منهم أبو سلمة بن عبد الأسد، وحبست عنه امرأته أم سلمة نحوا من سنة ثم أذن لها باللحاق بزوجها فلحقت به، ولم يبق مع رسول الله ﷺ بمكة من أصحابه إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، أقاما مع رسول الله ﷺ بأمره، وحبس قوم من أصحابه عن الهجرة كرها، منعهم قوم من الكفار فكتب لهم أجر المهاجرين. فلما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة وقد دخل أهلها في الإسلام قالوا: هذا شيء شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله ﷺ فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج. فأمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمي عليهم أمره
следующие страницы →