Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ابن مطعم «أن رسول الله- ﷺ قال: لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، يريد يتبعوني، وأنا العاقب». وليس في قوله- ﷺ لي خمسة أسماء دليل على أنه لا أسماء له غيرها، إذ لا ينتفي عنه بذكر بعض أسمائه وإن ذكر عددها سائرها. وهذا كما تقول: في فلان ثلاث خصال وهي كذا وكذا، فلا ينتفي أن تكون له خصال سواها؛ لأن أسماءه هذه الخمسة مشتقة عن صفاته، فلا يمتنع أن يكون له أسماء سواها مشتقة من صفاته. بل قد جاء ذلك، فروي هذا الحديث من رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه وزاد فيه: وقد سماه الله رؤوفا رحيما. وروي أيضا في أسمائه المقفي، ونبي التوبة، ونبي الملحمة. وسماه الله خاتم النبيئين. وجائز أن ينضاف إلى هذه الأسماء المروية سواها مما هو مشتق من صفاته ﷺ ، لأن هذه أيضا مشتقة من صفاته: محمد وأحمد من الحمد، والماحي من أن الله يمحو به الكفر كما قال في الحديث، ويمحو به ذنوب من تبعه. والحاشر من أن أمته تنحشر إليه يوم القيامة وتتبعه فتكون قدامه وخلفه وعن يمينه وشماله. والعاقب من أنه آخر الأنبياء. والمقفي أنه قفا من قبله من الأنبياء. وخاتم النبيين مثله في المعنى. وسمي نبي التوبة لأن الله تعالى تاب به على من تاب من عباده. وسمي نبي الملحمة لأنه بعث بالقتال على الدين. والحمد لله رب العالمين.
فصل
في
سنه ﵇ يوم نبأه الله
ونبأه الله- وهو ابن أربعين سنة، وقيل وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، اختلفت الرواية في ذلك عن ابن عباس.
стр. 1507
فصل [في مراحل دعوته ﵇]
وكان أول ما بعثه الله به الدعاء إلى الإسلام من غير قتال أمره به ولا أذن له فيه، ولا جزية أحلها له، فأقام ﷺ على ذلك عشر سنين، وهي التي أقام بمكة، أو ثلاث عشرة سنة، وحينئذ أنزل الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] وقوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وما أشبه ذلك من الآيات. فلما هاجر إلى المدينة أذن الله تعالى له وللمؤمنين بقتال من قاتله، وأمرهم بالكف عمن لم يقاتلهم فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠].
فكانت هذه سيرة رسول الله ﷺ منذ هاجر إلى المدينة إلى أن نزلت سورة براءة، وذلك بعد ثمان من الهجرة، فأمر الله تعالى بقتال جميع المشركين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقال ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، إلا من كان له عهد عند النبي ﷺ -
стр. 1508
فإن الله أتمه له إلى مدته فقال : ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
فصل
فلما بعث ﷺ وهو ابن أربعين سنة أو ابن ثلاث وأربعين سنة على ما ذكر من ذلك، أسر أمره ثلاث سنين أو نحوها لم يعلن فيها بالدعاء إلى الإسلام، ثم أمره الله بإظهار دينه والإعلان بالدعاء إلى الإسلام فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] فمعنى قوله: وإن لم تفعل أي إن لم تعلن بالدعاء إلى الإسلام فقد بلغت حق التبليغ، ولا تحذر في ذلك أمر الناس فإن الله يعصمك منهم. وقال : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] الآية. فلما أعلن بالدعاء إلى الإسلام كما أمره الله وسفه أحلام قريش في عبادتهم الأصنام التي لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع، نابذوه وأرادوا قتله، وأقبلوا بالعذاب على من آمن منهم والإذاية لهم. فلم يزل ﷺ في جوار عمه أبي طالب إلى أن توفي في شوال من السنة الثامنة من مبعثه ﷺ أو التاسعة منه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم فقالوا إلى أين؟ قال إلى هنا" وأشار إلى أرض الحبشة،» فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بنفسه، ومنهم من هاجر بأهله حتى قدموا أرض الحبشة، وأقام بمكة من كان له من عشيرته الكفار منعة.
فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو وينتشر اجتمعوا فتعاقدوا على بني هاشم، وأدخلوا معهم بني المطلب من بني عبد مناف، ألا يكلموهم ولا يجالسوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ فيقتلوه، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب من بني عبد مناف
стр. 1509
كلهم كافرهم ومؤمنهم، المؤمن دينا والكافر حمية، فصاروا في شعب أبي طالب محصورين مبعدين مجتنبين حاشى أبي لهب وولده صاروا مع قريش على قومهم، فبقوا كذلك ثلاث سنين إلى أن جمع الله قلوب قوم من قريش على نقض ما كانت قريش تعاقدت فيه على بني هاشم من بني المطلب من بني عبد المناف. وأعلم النبي ﷺ عمه أبا طالب أن الله قد بعث الأرضة على صحيفتهم فلحست كل ما كان فيها من عهد لهم وميثاق واسم الله، ولم تترك فيها إلا ما كان من شرك أو ظلم أو قطيعة. وقيل إنه إنما أعلم عمه أبا طالب بأن الأرضة لحست ما كان في الصحيفة من شركهم وظلمهم ولم تترك فيها إلا اسم الله تعالى. فقال أبو طالب لما أخبره رسول الله ﷺ بما أطلعه الله عليه من ذلك: لا والثواقيب ما كذبتني، فانطلق في عصابة من بني عبد المطلب حتى أتوا المسجد وهم خائفون من قريش، فلما رأتهم قريش في جماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله ﷺ برمته إلى قريش. فتكلم أبو طالب فقال قد حدثت أمور بيننا وبينكم فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. وإنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها. فأتوا بها معجبين لا يشكون في أن النبي ﷺ يدفع إليهم، فوضعوها إليهم وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله إليها دابة فلحست منها كذا وكذا ولم تترك فيها إلا كذا وكذا، فإن كان الحديث كما يقول فأقيموا فلا والله لا أسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. فقالوا قد رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح. فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن النبي ﷺ قالوا هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا، وتلاوم منهم قوم وقالوا هذا بغي منا على قومنا، ومشوا في نقض الصحيفة حتى نقضوها.
стр. 1510
فصل في
[بيعة العقبة والهجرة إلى المدينة]
وأقام رسول الله ﷺ بمكة مع من بقي معه ممن أسلم ولم يهاجر إلى أرض الحبشة صابرا على أذى قومه إلى أن بايع الأنصار بالعقبة. وذلك أنه لقي منهم ستة نفر عند العقبة بالموسم فدعاهم إلى الإسلام، وكان من صنع الله لهم أنهم كانوا جيران اليهود فكانوا يسمعونهم يذكرون أن الله يبعث نبيا قد أظل زمانه. فقالوا هذا والله الذي تهددنا يهود به فلا يسبقنا أحد، فآمنوا وبايعوا وانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ ثم قدم في العام المقبل إلى الموسم اثنا عشر رجلا من ساداتهم، وهم النقباء، فبايعوا رسول الله عند العقبة، وبعث رسول الله ﷺ معهم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير ليعلما من أسلم منهم القرآن وشرائع الإسلام ويدعوا من لم يسلم منهم إلى الإسلام. فلما كان في العام الثالث قدم منهم نفر كثير ممن أسلم، فبايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأن يرحل إليهم. فلما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله ﷺ وكانت سرا من كفار قريش وكفار قومهم، أمر رسول الله ﷺ من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالا.
قيل إن أول من خرج منهم أبو سلمة بن عبد الأسد، وحبست عنه امرأته أم سلمة نحوا من سنة ثم أذن لها باللحاق بزوجها فلحقت به، ولم يبق مع رسول الله ﷺ بمكة من أصحابه إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، أقاما مع رسول الله ﷺ بأمره، وحبس قوم من أصحابه عن الهجرة كرها، منعهم قوم من الكفار فكتب لهم أجر المهاجرين.
فلما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة وقد دخل أهلها في الإسلام قالوا: هذا شيء شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله ﷺ فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج. فأمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمي عليهم أمره
стр. 1511
فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم علي وأخبرهم أن ليس في الدار ديار، فعلموا أن رسول الله ﷺ قد فات ونجا. «وكان أبو بكر يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فيقول له: "لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا" فرجا أبو بكر أن يكون هو، فابتاع راحلتين فأعدهما لذلك. وكان رسول الله ﷺ لا يخطئه أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار.
فلما كان يوم أذن الله له بالهجرة أتى أبا بكر بالهاجرة، فلما رآه أبو بكر قال ما جاء هذه الساعة إلا من حدث. فلما دخل تأخر له عن سريره فجلس، فأعلمه ﵇ أن الله قد أذن له في الهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ﷺ ، قال الصحبة. فبكى أبو بكر فرحا وأعلمه استعداده الراحلتين لذلك» فبعثهما مع عبد الله بن أرقط يرعاهما، ولم يعلم أحد خبر الهجرة إلا أبو بكر وعلي وآل أبي بكر. وأمر عليا أن يتخلف بعده ليرد الودائع التي كانت عنده، ثم خرج هو وأبو بكر من خويخة في ظهر بيته إلى غار ثور، وهو جبل بأسفل مكة، فدخلاه ليلا، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يسمع ما يقول الناس ثم يأتيهما إذا أمسيا بما يكون، وأمر عامر ابن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه ثم يريحها إلى الغار إذا أمسى. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمست. فأقاما في الغار ثلاثة أيام، وجعلت قريش فيه مائة ناقة، حتى إذا سكن الناس عنهما بعد ثلاث أتاهما ذلك الذي استأجراه بالراحلتين، وأتت أسماء بالسفرة ونسيت أن يجعل لها عصاما، فجعلت نطاقها فسميت ذات النطاقين. ويقال شقت نصفه للسفرة وانتطقت بنصفه. وركب رسول الله ﷺ أفضل الراحلتين ولم يأخذها إلا بالثمن، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق، ودليلهما عبد الله بن أرقط.
قال مالك ﵀ دليلهما رقيط وكان كافرا، وقال موسى بن عقبة اسمه أريقط. واتبعهما سراقة بن خشعم على فرس له لما جعل المشركون في رده مائة ناقة. قال فلما بدا لي القوم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، فعلمت حين رأيت ذلك أنه قد
стр. 1512
منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم أنا سراقة فانتظروني أكلمكم والله لا أربيكم. فقال ﵇ لأبي بكر: قل له ما تريد؟ فسألني فقلت: تكتب لي كتابا، فأمر أبا بكر فكتب لي في عظم أو رقعة ثم ألقاه إلي. فلقيته به يوم فتح مكة وهو بالجعرانة. فنزل رسول الله ﷺ بقباء يوم الاثنين لهلال شهر ربيع الأول في حرة بني عمرو بن عوف من الأنصار على سعد بن خيثمة، ويقال على كلثوم بن الهدم. ولم يختلفوا أنه نزل بالمدينة على أبي أيوب، واسمه خالد بن زيد، فأقام عنده حتى ابتنى مسكنه ومسجده ﷺ قالوا وركب من بني عمرو يوم الجمعة، فنزل على بني سالم وصلى فيهم الجمعة. ويقال إنه أقام في بني عمرو ثلاث ليال. وقال ابن شهاب وغيره: أقام في بني عمرو بضعة عشر يوما ثم ركب.
فصل [في ذكر الأحداث والغزوات بعد هجرته ﵇ للمدينة]
والتاريخ محسوب من قدوم رسول الله ﷺ المدينة.
[السنة الأولى]
ففي السنة التي بنى ﷺ مسجد قباء. وقيل إنه هو المسجد الذي قال الله فيه إنه أسس على التقوى. وقيل بل هو مسجد رسول الله ﷺ وهو قول مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وقد روى ذلك عن النبي ﷺ .
وفيها بنى بعائشة في شوال على رأس ثمانية أشهر من قدومه المدينة.
وفيها تزوج علي فاطمة، ويقال في السنة الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرا من قدوم النبي ﷺ المدينة.
стр. 1513
[السنة الثانية]
ثم كانت السنة الثانية ففيها كانت غزوة الأبواء في صفر منها، وهي غزوة ودان، غزاها رسول الله ﷺ في المهاجرين خاصة، وهي أول غزواته ﷺ خرج فوادع بني ضمرة بن عبد مناف، ثم رجع ولم يلق كيدا.
وفيها كان بعث حمزة بن عبد المطلب، بعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد إلى سيف البحر من ناحية العيص، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب من كفار أهل مكة، فحجر بينهم مجدي بن عمرو الجهني وتوادع الفريقان ولم يكن بينهم قتال.
وفيها كان بعث عبيدة بن الحارث، بعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فنهض حتى بلغ أبنى وهي ماء بأسفل ثنية المرة من الحجاز، فلقي جمعا من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل، فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص كان في ذلك البعث فرمى فيهم بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله. واختلف أهل السير في هذين البعثين أيهما كان قبل صاحبه.
وفيها كانت غزوة بواط، خرج النبي ﷺ حتى بلع بواط من ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة العشيرة خرج النبي حتى بلغ العشيرة فوادع فيها بني مدلج، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بدر الأولى، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة،
стр. 1514
فخرج رسول الله ﷺ حتى بلغ سفوان في ناحية بدر وفاته كرز فرجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كان بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين، قيل في طلب كرز بن جابر، فبلغ الحرار ثم رجع.
وفيها كان بعث عبد الله بن جحش، بعثه رسول الله ﷺ في ثمانية من المهاجرين وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين. والخبر فيما جرى فيه طويل قد ذكرته في الجزء الرابع من جامع كتاب البيان والتحصيل في شرح العتبية، فاكتفيت بذكره هناك لمن أحب الوقوف عليه.
وفيها كانت غزوة بدر الثانية التي أعز الله بها الدين، وذكرها الله في محكم التنزيل. والخبر فيما جرى فيها طويل قد ذكرت عيونه في الجزء الرابع من كتاب البيان والتحصيل في شرح العتبية.
وفيها كانت غزوة بني سليم، خرج رسول الله ﷺ بعد سبعة أيام من منصرفه من بدر يريد بني سليم، فبلغ ماء يقال له الكدر، فأقام عليها ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة السويق. وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف قبل بدر ندب إلى غزو رسول الله ﷺ ، فخرج في مائتي راكب حتى أتى العريض في طرف المدينة فحرق أصولا من النخل وقتل رجلا من الأنصار وحلفا له وجدهما في حرث لهما ثم كر راجعا. فنفر رسول الله ﷺ ونفر المسلمون في أثره، وبلغ ﷺ قرقرة الكدر، وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون بذلك، فأخذه المسلمون فسميت غزوة السويق.
стр. 1515
وفيها ولد عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المهاجرين.
وفيها صرفت القبلة قبل بدر بشهرين، قيل يوم الثلاثاء والناس في صلاة الظهر في النصف من شعبان.
وفيها في شعبان فرض صيام شهر رمضان.
وفيها أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر.
وفيها ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ فتخلف عثمان عن بدر من أجلها، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه.
[السنة الثالثة]
ثم كانت السنة الثالثة، ففيها كانت غزوة ذي أمر في صفر منها غزا رسول الله ﷺ نجدا يريد غطفان، فأقام- ﵇ بنجد صفرا كله ثم انصرف ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بحران في ربيع الآخر منها. وذلك أن رسول الله ﷺ أقام بالمدينة ربيع الأول، ثم غزا قريشا فبلغ بحران معدنا بالحجاز، فأقام هنالك ربيع الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بني قينقاع وذلك أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة وادعته اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا وألحق كل قوم بحلفائهم، وشرط عليهم فيما اشترط ألا يظاهروا عليه أحدا. فنقض بنو قينقاع من اليهود عهده ﷺ فخرج إليهم وحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فشفع فيهم عبد الله ابن أبي سلول ورغب في حقن دمائهم وألح على رسول الله ﷺ في ذلك، فأشفعه فيهم وحقن دماءهم، وهم قوم عبد الله بن سلام. وكان حصاره لهم خمس عشرة ليلة.
وفيها كان «البعث إلى كعب بن الأشرف. وذلك أنه لما اتصل به قتل صناديد قريش ببدر قال: بطن الأرض خير من ظهرها، ونهض إلى مكة يرثي كفار قريش
стр. 1516
ويحرض على قتال رسول الله ﷺ ، وكان شاعرا. ثم انصرف إلى موضعه فلم يزل يؤذي النبي ﷺ بالهجو والدعاء إلى خلافه ويسب المسلمين حتى أذاهم. فقال رسول الله ﷺ : من لي بكعب بن الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله والمؤمنين فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله أنا أقتله إن شاء الله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك» فكان من خروجه إليه وتلطفه في قتله بما أذن له فيه رسول الله ﷺ من القول ما هو مذكور في السير.
وفيها كانت غزوة أحد من المشاهد العظام. والخبر فيها وفي سببها طويل وقد ذكرت ذلك باختصار في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاكتفيت بذلك عن ذكره هاهنا كراهة التطويل.
وفيها كانت غزوة حمراء الأسد في اليوم الثاني من وقيعة أحد.
وذلك أن رسول الله ﷺ أمر باتباع العدو، فخرج الناس إلى موضع يدعى بحمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة، فأقام فيه يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة. ولما بلغ العدو خروجه في اتباعهم فت ذلك في أعضادهم، وقد كانوا هموا بالرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه ﷺ عن ذلك وتمادوا إلى مكة.
وفيها في رمضان منها تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة من بني عامر ابن صعصعة، فعاشت عنده شهرين أو ثلاثة.
وفيها في شعبان منها تزوج ﷺ حفصة بنت عمر ﵂.
وفيها تزوج عثمان بن عفان ﵁ أم كلثوم ابنة النبي ﷺ .
وفيها ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان.
وفيها علقت فاطمة بالحسين، فلم يكن بينه وبين الحسن إلا طهر واحد، وقيل خمسون ليلة، والله تعالى أعلم.
стр. 1517
[السنة الرابعة]
أثم كانت السنة الرابعة ففيها كان بعث النفر الذين كان النبي ﷺ بعث بهم مع عضل والقارة فغدروا بهم في الرجيع .. وذلك أنه قدم على رسول الله ﷺ في صفر منها، وهو آخر السنة الثالثة من الهجرة، نفر من العضل والقارة، فزعموا أنهم قد أسلموا ورغبوا أن يبعث معهم نفرا من المسلمين يعلمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين. فبعث ﷺ معهم من أصحابه ستة رجال وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد، فنهضوا مع القوم حتى إذا صاروا بالرجيع وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز استصرخوا عليهم هذيلا وغدروا بهم. وقد ذكرت جملة الخبر بذلك مختصرا في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاختصرت ذكره هنا مخافة التطويل.
وفيها في شهر صفر منها كان بعث بئر معونة. وقد ذكرنا سببه وما جاء فيه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاختصرت ذكره هنا مخافة التطويل.
وفيها في شهر ربيع الأول منها كانت غزوة بني النضير، غزاهم النبي ﷺ فتحصنوا منه ست ليال، وأمر بقطع النخل وإحراقها، فألقوا ما بأيديهم وسألوا رسول الله ﷺ أن يكف عن دمائهم ويجليهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا ذلك إلى خيبر، ومنهم من صار إلى الشام. وقد ذكرنا في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية سبب هذه الغزوة وبقية خبرها فاكتفينا بذلك عن ذكره هنا حرصا على التقريب والاختصار.
وفيها كانت غزوة ذات الرقاع في جمادى الأولى منها خرج رسول الله ﷺ لخمس خلون من الشهر يريد بني محارب بن ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلة، فلقي بها جمعا من غطفان وتقارب الناس ولم يكن بينهم قتال. وصلى بها رسول الله ﷺ صلاة الخوف ثم انصرف.
стр. 1518
وسميت ذات الرقاع لأن أقدامهم تثقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل بل قيل لها ذات الرقاع لأنهم رقعوا راياتهم فيها، وقيل ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع تدعى بذات الرقاع، وقيل بل الجبل الذي نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان من حمرة وصفرة وسواد فسموا غزوتهم بذات الرقاع لذلك والله أعلم.
وفيها كانت غزوة بدر الثالثة في شعبان منها. وذلك أن أبا سفيان كان نادى رسول الله ﷺ يوم أحد: موعدنا معكم بدر في العام المقبل، فأمر رسول الله ﷺ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم. فخرج للميعاد المذكور ونهض حتى أتى بدرا فأقام هنالك ثماني ليال ينتظر أبا سفيان ابن حرب. وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان ثم رجع واعتذر هو وأصحابه بأن العام عام جدب.
وفيها بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق. وفيها بعثه ﷺ إلى سيف البحر فرجع ولم يلق كيدا.
[السنة الخامسة]
ثم كانت السنة الخامسة. ففيها في ربيع الأول منها كانت غزوة دومة الجندل. خرج ﷺ إلى دومة الجندل وانصرف من طريقه قبل أن يبلغ إليها ولم يلق حربا.
وفيها في شوال منها كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب التي ذكرها الله في كتابه في سورة الأحزاب فقال فيها: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا - وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٦] إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] يريد بني قريظة، وقد ذكرنا سببها وجملا مما جرى فيها في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.
стр. 1519
وفيها كانت غزوة بني قريظة. وذلك «أن رسول الله ﷺ لما أصبح وقد ذهبت الأحزاب رجع إلى المدينة ووضع الناس سلاحهم عند صلاة الظهر، أتاه جبريل في صفة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة فقال: إن كنتم وضعتم سلاحكم فإن الملائكة لم تضع سلاحها، والله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم. فنادى منادي رسول الله ﷺ من كان سميعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة. فحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى النساء والذراري. فقتل رسول الله ﷺ رجالهم حيي بن أخطب، وكعب بن سعد في ستمائة أو سبعمائة استنزلهم ثم قتلهم بالمدينة واصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة وهي بنانة امرأة الحكم القرظي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته».
وروي عن عائشة أنها قالت إن كانت لعندي تضحك وتحدث ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم إذ هتف هاتف أين فلانة؟ قالت: أنا والله وإني لمقتولة. قلت ويلك ولم؟ قالت لحدث أحدثته، فانطلق بها فضرب عنقها.
وفيها كان البعث إلى ابن أبي الحقيق. وذلك أنه لما انقضى شأن الخندق وقريظة تذاكرت الخزرج من في العداوة لرسول الله ﷺ كابن الأشرف الذي قتله محمد بن مسلمة حتى لا ينفرد الأوس دوننا بمثل تلك المنقبة، فذكروا ابن أبي الحقيق واستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله فأذن لهم، فخرجوا إليه خمسة نفر من الخزرج كلهم من بني سلمة، وطرقوه في بيته بخيبر ليلا فقتلوه. وقد ذكرنا أسمائهم وبقية خبرهم في قتلهم إياه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.
[السنة السادسة]
ثم كانت السنة السادسة، ففيها في جمادى الأولى منها كانت غزوة بني
стр. 1520
لحيان. خرج رسول الله ﷺ مطالبا بثأر عاصم بن ثابت وحبيب بن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فتمادى ﷺ في مائتي راكب حتى نزل عسفان، وبعث فارسين من أصحابه بلغا كراع الغميم ثم كرا، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة. وفي هذه الغزوة قالت الأنصار: المدينة بائنة عنا وقد بعدنا عنها ولا نأمن عدونا أن يخالفنا إليهم، فأخبرهم رسول الله ﷺ أن على أنقابها ملائكة، على كل نقب منها ملك يحجبها بأمر الله.
وفيها كانت غزوة ذي قرد. «لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة بني لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليالي وأغار على سرح المدينة عيينة بن حصن في بني عبد الله بن غطفان، فاكتسحوا لقاحا كانت لرسول الله ﷺ بالغابة وناقته العضباء، وكان فيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الغفاري وحملوا المرأة واللقاح. وكان أول من أنذرهم سلمة بن الأكوع كان ناهضا إلى الغابة، فلما أشرف على ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار فصاح وأنذر المسلمين، ووقعت الصيحة بالمدينة، فخرج رسول الله ﷺ على فرس لأبي طلحة وقال: "إن وجدته لبحرا". وانهزم المشركون، وبلغ رسول الله ﷺ ماء يقال له ذو قرد، فأقام عليه يوما وليلة. ولما نام القوم في ليلة قامت امرأة الغفاري المقتول فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضباء فإذا هي ناقة ذلول، فركبتها ونذرت إن أنجاها الله عليها لتنحرنها. فلما قدمت المدينة عرفت ناقة النبي ﷺ فأخبر بذلك، فأرسل إليها فجيء بها وبالمرأة، فقالت يا رسول الله ﷺ ﷺ : بئس ما جازيتها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم؛ وأخذ ناقته ﷺ ».
وفيها كانت غزوة بني المصطلق. غزاهم ﷺ وأغار عليهم وهم غارون على
стр. 1521
ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد مما يلي الساحل، فقتل من قتل وسبى النساء والذرية. وقيل إنهم جمعوا لرسول الله ﷺ وأرادوه، فلما بلغه ذلك خرج إليهم فلقيهم على ماء يقال له المريسيع فاقتتلوا فهزمهم الله. والقول الأول أصح أنه أغار عليهم وهم غارون. ومن ذلك السبي كانت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فأدى عنها رسول الله ﷺ وتزوجها. قالت عائشة ﵂: ما رأيت أعظم بركة منها على قومها، ما هو إلا أن علم المسلمون أن رسول الله ﷺ تزوجها فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، وأسلم سائر بني المصطلق.
وفي هذه الغزوة أنزلت آية التيمم، وفيها قال أهل الإفك في عائشة ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا في كتابه. وفيها قال عبد الله بن أبي بن سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. وقد ذكرنا الحديث في ذلك بكماله، وحديث الوليد بن عقبة حين وجهه رسول الله ﷺ إليهم بعد إسلامهم بعامين مصدقا وما كان من شأنه معهم، وأن الله أنزل في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] وكل ذلك في الجزء الرابع من شرح الجامع من العتبية لمن أحب الوقوف على ذلك. وقد قيل في هذه الغزوة إنها كانت قبل الخندق وقريظة، والصواب أنها كانت بعدهما.
وفيها كانت عمرة الحديبية. والحديث فيما جرى فيها طويل، وقد ذكرته بكماله في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية، وبينا في أول سماع ابن القاسم من شرح كتاب التجارة إلى أرض الحرب منها معنى ما وقع في المقاضاة بينه وبين كفار قريش من الشرط في أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم لمن أحب الوقوف على ذلك.
стр. 1522
وفي هذه الغزاة كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، يريد فتح مكة، ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ١٩] يريد مغانم خيبر.
وفيها كان بعث بشير بن سعد بعثه رسول الله ﷺ إلى ناحية خيبر فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها كان بعث كعب بن عمير إلى ذات الطلاح من أرض الشام، فقتل هو وأصحابه، وقيل قتل أصحابه وسلم هو جريحا، قتلتهم قضاعة.
وفيها استسقى ﷺ لجهد أصاب الناس.
وفيها أوقف ﷺ سبعة حوائط له.
وفيها توفيت أم رومان امرأة أبي بكر ونزل رسول الله ﷺ في قبرها.
وفيها اتخذ ﷺ خاتما، وإنما اتخذه حين بعث الرسل فقيل له إن العجم لا تقرأ إلا كتابا مختوما فاتخذه. وكان نقش فصه محمد رسول الله ﷺ ، وقيل لا إله إلا الله محمد رسول الله.
[السنة السابعة]
ثم كانت السنة السابعة.
ففيها كانت غزوة خيبر. وذلك أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الحديبية أقام بالمدينة ذا الحجة، وخرج في المحرم إلى خيبر، وافتتحها في صفر، ورجع
стр. 1523
في غرة ربيع الأول. وكانت حصونا كثيرة فافتتحها حصنا حصنا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص حصن ابن أبي الحقيق، ومن سباياه كانت «صفية أعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها وجعل عتقها صداقها». واختلف أهل العلم في ذلك، وهي مسألة قد ذكرنا تحصيل القول فيها في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح من شرح العتبية. وآخر ما افتتح من حصونهم الوطيح والسلالم. حاصرهم بضع عشرة ليلة فسألوا رسول الله ﷺ أن يسيرهم ويحقن دمائهم ففعل. فقيل في هذين الحصنين إنهما افتتحا بصلح فلم يكن فيهما خمس ولا كان لأحد فيهما مع رسول الله ﷺ شيء، فقطع لأزواجه منهما. وكذلك الكتبية قيل فيها إنها كانت صلحا صافية لرسول الله ﷺ كبني النضير وفدك، وقيل إنها كانت عنوة كلها. وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك وفي حكم أرض العنوة في سماع أشهب من كتاب الجهاد من شرح العتبية وذكرنا في الجزء الرابع من شرح الجامع منها جملا مما جرى في افتتاحها.
وفي هذه الغزوة حرم النبي ﷺ الحمر الأهلية.
وفيها «أهدت اليهودية زينب بنت سلام بن مشكم لرسول الله ﷺ الشاة المصلية، وسمت له منها الذراع وكان أحب اللحم إليه. فلما تناول الذراع ولاكها لفظها ورمى بها وقال: هذا العظم يخبرني أنه مسموم ودعا باليهودية فقال ما حملك على هذا فقالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا وعلمت أن الله أراد بقاءك أعلمك فلم يقتلها رسول الله ﷺ وأكل معه بشر بن البراء بن معرور فمات من أكلته تلك». وكان المسلمون يوم خيبر ألفا وأربعمائة رجل ومائتي فارس.
وفيها كان فتح فدك وذلك أنه لما اتصل بأهلها ما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر بعثوا إليه ليؤمنهم ويتركوا الأموال، فأجابهم إلى ذلك. فكانت فدك مما لم
стр. 1524
يوجف عليه بخيل ولا ركاب أفاءها الله على رسوله ﵇ بما خصه به من الرعب، فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله تعالى.
وفيها كان فتح وادي القرى. وذلك أن رسول الله ﷺ انصرف من خيبر فافتتحها عنوة وقسمها، وأصيب بها غلام أسود يسمى مدعم بسهم غرب فقتله. والحديث بذلك في الموطأ بكماله.
وفيها كانت عمرة القضاء. وذلك أن رسول الله ﷺ رجع من خيبر إلى المدينة فأقام فيها شهري ربيع وشهري جمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال، وبعث في خلال ذلك السرايا. من ذلك غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من مشارف الشام. وقد ذكرنا في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية بعض ما جرى في هذه الغزوة. ثم خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة قاصدا إلى مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية. فلما اتصل ذلك بقريش خرج أكابرهم من مكة عداوة لله ولرسوله- ﵇ ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه. فدخل ﷺ مكة وأتم الله له عمرته، وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، فأمرهم رسول الله ﷺ بالرمل ليرى المشركون أن بهم جلدا وقوة، وكانوا قد قالوا في المهاجرين إن حمى يثرب قد وهنتهم. وتزوج رسول الله ﷺ في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي خالة عبد الله بن عباس، وأختها أم الفضل عند العباس قيل قبل أن يحرم بعمرته، وقيل وهو محرم بها، وقيل بعد أن حل منها. فلما تمت الثلاثة الأيام أوصت إليه قريش أن يخرج عن مكة ولم يمهلوه أن يبني بها، فخرج ﷺ وبنى بها بسرف.
وفيها «بعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى عظيم الفرس بكتاب فمزقه فقال النبي ﷺ : مزق الله ملكه فأجيبت دعوته».
стр. 1525
وفيها بعث دحية الكلبي إلى قيصر عظيم الروم بكتابه.
وفيها بعث زيد بن حارثة إلى من عرض لدحية في خمسمائة راكب.
وفيها بعث عبد الله بن حدرد الأسلمي ورجلين معه إلى الغابة على ثمانية أميال من المدينة، لما بلغه أن رفاعة قيس يريد أن يجمع جيشا لحرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فكمنوا له ورماه عبد الله بن حدرد بسهم فقتله.
وفيها كانت غزوة زيد بن حارثة إلى الطرف من ناحية طريق العراق فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها اتخذ النبي ﷺ المنبر، ويقال في سنة ثمان. قال مالك: عوده من طرفاء الغابة عمله له غلام لسعد بن عبادة، وقيل غلام لامرأة من الأنصار. وقيل غلام للعباس بن عبد المطلب، فلعلهم اجتمعوا كلهم على عمله. فلما خطب عليه ﷺ حن الجذع الذي كان يقف عليه حين يخطب حتى ارتج المسجد، فوضع النبي ﷺ يده عليه فسكن.
[السنة الثامنة]
ثم كانت السنة الثامنة. ففيها كانت غزوة مؤتة. بعث ﷺ في جمادى الأولى منها كان بعث الأمراء إلى الشام وأمر على الجيش زيد بن حارثة مولاه، وقال إن قتل أو قال إن أصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، وشيعهم رسول الله ﷺ وودعهم ثم انصرف، ونهضوا فلما بلغوا مكانا من أرض الشام أتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم نزل في ناحية البلقاء وهو في مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من متنصرة العرب أهل البلقاء من لخم وجذام وقبائل قضاعة فصمموا ونهضوا وقالوا إن هي إلا إحدى الحسنيين بعد أن كانوا توقفوا وهموا أن يكتبوا لرسول الله ﷺ بما اتصل بهم من جموع الروم. فالتقوا بهم بقرية يقال لها مؤتة،
стр. 1526
فقتل الأمراء الذين سماهم النبي ﷺ واحدا بعد واحد، ثم اتفق المسلمون على خالد بن الوليد فأخذ الراية وانحاز بالمسلمين قيل بعد أن فتح الله عليه وأنذر رسول الله ﷺ أصحابه بالمدينة بخبرهم في يوم قتلهم قبل ورود الخبر بأيام.
وفيها كانت غزوة فتح مكة. وذلك أن رسول الله ﷺ أقام بالمدينة بعد بعث مؤتة جمادى ورجب، ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض عقد قريش المعقود يوم الحديبية. والخبر بذلك وسائر ما جرى في الغزوة يطول، وقد ذكرنا جملة ذلك باختصار في الجزء الرابع من جامع كتاب البيان في شرح العتبية لمن أحب الوقوف عليه.
وفيها كانت غزوة حنين. والخبر فيها يطول ذكره. وقد ذكرنا أيضا في الجزء المذكور من جامع كتاب البيان في شرح العتبية فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.
وفيها كانت غزوة الطائف. وذلك أن رسول الله ﷺ انصرف من حنين إلى الطائف، لم ينصرف إلى مكة ولا عرج على شيء إلا على غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شيء. فسلك رسول الله ﷺ في طريقه إلى الطائف على الجعرانة، ثم أخذ على قرن، وابتنى في طريقه ذلك مسجدا وصلى فيه، ووجد في طريقه ذلك حصنا لمالك بن عوف النصري فأمر بهدمه. ثم نزل- ﵇ بقرب الطائف بواد يقال له العقيق، فتحصنت ثقيف وحاربهم المسلمون. وحصن ثقيف لا مثل له في حصون العرب. فأصيب من المسلمين رجال بالنبل، فزال النبي ﷺ من ذلك المنزل إلى موضع المسجد المعروف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل بضع عشرة ليلة، وقيل عشرين يوما. وأمر ﷺ بنصب المنجنيق على الطائف، وأمر بقطع أعناب أهلها إلا قطعة كانت للأسود بن
стр. 1527
مسعود ولابنه في ماله، وكانت تبعد عن الطائف، وسأله الكف عنها فكف عنها. ولما انصرف ﷺ من الطائف إلى الجعرانة على مقربة من حنين قسم الغنائم هناك. وقد ذكرنا بقية ما جرى في هذه الغزوة أيضا في الجزء الرابع من كتاب البيان في شرح جامع العتبية، فتركت ذكره هنا اختصارا.
وفيها اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة. وذلك أنه لما أتى على قسمة الغنائم بها خرج منها إلى مكة معتمرا، وأمر ببقاء الفيء فخمس بناحية الظهران. فلما فرغ ﷺ من عمرته استخلف على مكة عتاب بن أسيد، ورجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة، وكان خروجه منها لعشر خلون من رمضان فكانت مدة مغيبه ﷺ منذ خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن بحنين وحارب الطائف واعتمر إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وأربعة عشر يوما.
وانهزم يوم حنين مالك بن عوف رئيس جيش المشركين، فلحق بانهزامه بالطائف كافرا، فقال رسول الله ﷺ : «لو أتاني مسلما لرددت إليه أهله وماله» فبلغه ذلك فلحق برسول الله ﷺ وقد خرج من الجعرانة، فأسلم وأعطاه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم، وهو أحدهم ومعدود فيهم، واستعمله على من أسلم من قومه ومن قبائل قيس، وأمره بمغاورة ثقيف، ففعل وضيق عليهم وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغمورا عليه وسائر المؤلفة متفاضلين، منهم الفاضل المجمع على فضله كالحارث ابن هشام، وحكيم بن حزام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمر، ومنهم دون ذلك. وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم.
وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة، وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام، وكان خيرا فاضلا ورعا.
стр. 1528
[السنة التاسعة]
ثم كانت السنة التاسعة. ففيها تسارع الناس إلى الإسلام.
وفيها كانت غزوة تبوك بعد فتح مكة، وهي جيش العسرة. وذلك أن رسول الله ﷺ لما انصرف من عمرته بعد فتح مكة وغزوة حنين وحصار الطائف أقام المدينة ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، وخرج في رجب في سنة تسع بالمسلمين إلى غزو الروم، وهي آخر غزوة غزاها ﷺ لنفسه. وكان خروجه إليها في حر شديد حين طاب أول التمر وفي عام جدب. وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج غازيا إلى وجه إلا ورى بغيره إلا غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد المسافة ونفقة المال والمشقة وقوة العدو المقصود إليه. والخبر في ذكرها وما جرى يطول، وقد ذكرنا منه عيونه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.
وفيها كان إسلام ثقيف. وقد ذكرنا الخبر بذلك أيضا في الجزء المذكور من شرح الجامع.
وفيها كانت حجة أبي بكر الصديق. وذلك أن رسول الله ﷺ لما انصرف من تبوك أراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت غدا مشركون يطوفون بالبيت عراة فلا أحب الحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر، ثم أردفه عليا لما أنزلت براءة ليقرأها على الناس بالموسم، وينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ويعهد إليهم ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان إلى سائر ما أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج. فأقام الحج في ذلك العام سنة تسع أبو بكر. ثم حج رسول الله ﷺ من عام قابل حجة الوداع، ولم يحج من المدينة غيرها. فوقعت حجة رسول
стр. 1529
الله ﷺ في العام المقبل في ذي الحجة فقال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» الحديث فثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة، ولم يحج بعد العام مشرك ولا طاف بالبيت عريان.
وفيها وفي سنة عشر بعدها قدمت وفود العرب على رسول الله ﷺ للدخول في الإسلام. وذلك أنه لما فتح الله على رسوله ﵇ مكة وأظهره يوم حنين وانصرف من تبوك وأسلمت ثقيف، أقبلت إليه وفود العرب من كل جهة يدخلون في دين الله أفواجا، وكل من قدم عليه قدم راغبا في الإسلام إلا عامر بن الطفيل ومرثد بن قيس في وفد بني عامر، ومسيلمة في وفد بني حنيفة. وقد ذكرنا خبرهم في الجزء الرابع من شرح الجامع من العتبية.
[السنة العاشرة]
ثم كانت السنة العاشرة. ففيها كانت حجة رسول الله ﷺ لما دخل عليه ذو القعدة منها تجهز للحج وأمر الناس بالحج، وخرج لخمس بقين من ذي القعدة، واستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي، وقيل: سباع بن عرفطة الغفاري ولم يحج رسول الله ﷺ في الإسلام إلا ثلاث حجات، اثنتان بمكة، وواحدة بعد فرض الحج من المدينة. ومن أحسن حديث في صفة حجه ﷺ وأتمه حديث جابر بن عبد الله ﵁ خرجه أصحاب الحديث الصحيح مسلم وغيره، وقطعه مالك في موطأه فذكر في كل باب منه ما احتاج إليه، وكذلك فعل البخاري. وقد ذكرنا الحديث بطوله في كتاب الحج من هذا الكتاب كتاب المقدمات.
وفيها قدم على رسول الله ﷺ بمال من البحرين مائة ألف درهم وثمانون ألف درهم فقسمه ﷺ بين الناس.
وفيها بعث عليا إلى اليمن، قيل: مفقها في الدين، وقيل: لقبض الصدقات من
стр. 1530
العمال وليوافي رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فوافاه فيها ببدنة. وسميت حجة الوداع؛ لأنه ودعهم، وسميت حجة البلاغ؛ لأنه قال في خطبته فيها: «ألا هل بلغت» وسميت حجة الإسلام لأنها الحجة التي كان فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك.
وفيها بعث عيينة بن حصن إلى بني العنبر، وبعث عليا إلى اليمن، وبعث أسامة بن زيد إلى الداروم.
[السنة الحادية عشرة]
ثم كانت السنة الحادية عشر.
ففيها توفي رسول الله ﷺ ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، في الوقت الذي دخل فيه المدينة في هجرته إليها من مكة. بدأ به وجعه ﵇ في بيت ميمونة بنت الحارث يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ثم انتقل إلى عائشة فمرض عندها، وكان موته في يومها وفي بيتها وعلى صدرها حين استوى الضحى. وصلى أبو بكر بالناس في مرضه سبع عشرة صلاة قبل وفاته ﵇، فكانت وفاته ﷺ على رأس عشر سنين الهجرة لم يختلف في ذلك. واختلف في سنه يوم نبئ على ما ذكرناه في صدر هذا الكتاب، واختلف أيضا في سنه يوم مات. فذكر البخاري من رواية الزبير بن عدي عن أنس بن مالك أنه توفي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وروى أيضا حميد عن أنس أنه ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين سنة. وروى عنه ربيعة في الموطأ أنه توفي وهو ابن ستين سنة.
واختلفت الرواية في ذلك أيضا عن ابن عباس، فروي عنه أنه توفي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. وروي عنه أنه توفي وهو ابن خمس وستين.
واختلف أيضا في مقامه بمكة بعد أن نبئ إلى أن هاجر منها إلى المدينة، فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة. فمن قال: إنه نبئ وهو ابن أربعين سنة
стр. 1531
وأنه أقام بمكة عشر سنين، أو إنه نبئ وهو ابن أربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قال: إنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
والرواية بأنه توفي وهو ابن خمس وستين تقتضي أنه نبئ وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وأنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة. وذهب الطحاوي إلى أن أصح ما في هذا أنه توفي وهو ابن ستين على ما روى ربيعة عن أنس في الموطأ بدليل ما روي عن عائشة أنها كانت تقول: إن رسول الله ﷺ قال لفاطمة في مرضه الذي مات فيه مما أسرها به وأخبرت به عائشة بعد وفاته. «قالت عائشة: أخبرتني أنه أخبرها أنه لم يكن نبي بعد نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله، وأخبرني أن عيسى ﵇ عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس ستين» وعن زيد بن أرقم أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله»، قال؛ لأن ما قاله النبي ﵇ في مبلغ سنه يقتضي صحة قول من قال من أصحابه في ذلك كقوله. وليس ما قاله الطحاوي في ذلك ببين، لأن حديث عائشة الذي ذكره وحديث زيد بن أرقم يعارضه ما «روي عن النبي ﷺ أن عيسى ابن مريم مات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة» والله أعلم.
وفيها بعث النبي ﵇ جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع باليمن يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وقدم جرير وقد قبض رسول الله ﷺ .
وفيها بعث أسامة بن زيد إلى مؤتة من أرض الشام وأمره أن يهريق بها دما فلم ينفذ لبعثه حتى قبض ﷺ فأنفذ بعثه أبو بكر.
[الخلفاء الراشدون]
وفيها بويع أبو بكر الصديق.
وفيها ارتد من ارتد من العرب.
стр. 1532
وفيها أحرق أبو بكر الفجاءة واسمه إياس بن عبد الله بن ياليل. وذلك أنه سأل أبا بكر أن يعينه على من ارتد من العرب ويحمله ففعل، فجعل يقتل المسلم والمرتد، فكتب فيه فأخذ، فقيل: قتله ثم أحرقه.
وفيها وجه خالد بن الوليد إلى طليحة فهزمه وقتل من قتل من أصحابه، وهرب طليحة ثم أسلم وحسن إسلامه. ثم مضى بأمر أبي بكر إلى مسيلمة باليمامة وقد كانت تنبت امرأة يقال لها: سجاح بنت الحارث من بني تميم فتزوجها مسيلمة، فقتل خالد مسيلمة وافتتح اليمامة بصلح صالحه عليها مجاعة بن مرارة. واستشهد ألف ومائة من المسلمين، وقيل: ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن.
وتوفي أبو بكر لثمان بقين من جمادى الآخرة يوم الاثنين سنة ثلاث عشرة، فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال.
واستخلف أبو بكر عمر بن الخطاب، وقتل ﵁ في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. طعنه أبو لؤلؤة غلام نصراني للمغيرة عند صلاة الصبح قبل أن يدخل في الصلاة، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف بأمره، فكانت خلافته فيما قيل: عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة وعشرين يوما. ومات عمر وقد جعلها شورى إلى ستة نفر، وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.
فاجتمعوا على ولاية عثمان بن عفان. وقتل ﵁ سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وقيل: ست وثمانين. ودفن ليلا وصلى عليه جبير بن مطعم فكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، ويقال: إلا اثني عشرة ليلة.
وبويع علي ﵁ بالخلافة على رأس ستة أشهر من مقتل عثمان، وكانت خلافته فيما يقال: خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
стр. 1533
وأصيب غداة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ومات ﵁ يوم الأحد لتسع بقين من رمضان سنة أربعين، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ويقال: ابن ثمان وخمسين سنة. وكانت الجماعة على معاوية سنة أربعين.
فصل
[مراتب الصحابة]
فمراتب هؤلاء الخلفاء الأربعة في الفضل كمراتبهم في الولاية. فالذي عليه عامة أهل السنة وكافة علماء الأمة أن أمة نبينا محمد ﷺ أفضل الأمم، كما أنه أفضل الأنبياء والرسل وخاتم النبيين وسيد المرسلين وأمين رب العالمين المبعوث إلى الخلق أجمعين، وأن أفضل أصحابه الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب. وقد روي هذا عن مالك ﵀ وقيل: إنه الذي رجع إليه بعد أن كان وقف في عثمان وعلي فلم يفضل أحدهما على صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة على أنه كلام محتمل للتأويل. وقد ذكرنا وجوه احتماله واختلاف الروايات فيه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.
ثم تقدم بعد هؤلاء الخلفاء في التفضيل بقية العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة ومات وهو راض عنهم، وهم الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. فهؤلاء العشرة كلهم بدريون. ثم المقدم بعد هؤلاء العشرة في الفضل بقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان وهم أصحاب الشجرة الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] إلى قوله: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]
стр. 1534
ومنهم من اتفقت له هذه المواطن كلها، ومنهم من نال بعضها. ثم من أنفق من بعد الفتح وقاتل وكلا وعد الله الحسنى.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن مات في حياة رسول الله ﷺ من الشهداء مثل حمزة، وجعفر، وسعد بن معاذ، ومصعب بن عمير أو مات في حياته وإن لم يكن من الشهداء، كعثمان ابن مظعون الذي قال فيه رسول الله ﷺ : ذهبت ولم تلبس منها بشيء أفضل ممن بقي بعده، وإياه اختار ابن عبد البر. ومن حجتهم «قوله ﷺ لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله ﷺ : بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي» وهذا لا حجة فيه لأن الحديث ليس على عمومه في أبي بكر وغيره، لأن العموم قد يراد به الخصوص، كقول النبي ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر» وإنما أراد الكفار منهم دون المؤمنين. فالقول الأول هو الصحيح، ويؤيده ما روي «عن ابن عمر أنه قال: كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم نسكت». وبالله التوفيق.
فصل
في
الزهد والورع
الورع هو اجتناب المحرمات والمشتبهات. قال رسول الله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» الحديث. فاجتناب المحرمات واجب، واجتناب الشبهات مستحب، ولا ينطلق اسم الورع إلا على من اجتنب المحرمات والمشتبهات. والزهد هو ما يبعث
стр. 1535
على اجتناب المحرمات والمشتبهات، وترك التنعم بالمباح من الشهوات. فكل زاهد ورع وليس كل ورع زاهدا، فالورع أعم من الزهد.
فصل
فالزهد في الدنيا هو ضد الرغبة فيها، والرغبة هو الاستعظام لها والحرص عليها والميل إليها. فإذا كان الزهد هو ضد الرغبة فهو الاستصغار للدنيا والاحتقار لشأنها الذي يدعو إلى رفض فضولها وأخذ القوام منها عونا على طاعة الله فيها، فلا يترك الزاهد منها شيئا إلا لله، ولا يأخذ منها شيئا إلا لله وعونا على طاعة الله. ولا يتركها كلها إذا صغرت عنده وهانت عليه، فيكون عاصيا لله إذ ترك منها واجبا أمر بأخذه، أو مقصرا في حظه إذ ترك منها ما ندب إلى أخذه، لكنه لما صغرت عنده وهانت عليه اتبع فيها أمر الله في كتابة وما ندب إليه على لسان نبيه ﷺ فأخذ منها ما أعان على القربة إليه، وترك منها مما يجوز له أخذه تركه زهدا فيه ليتقرب بذلك إلى ربه. هذا هو الزهد عند جماعة من العلماء والزهاد، كالحارث بن أسد المحاسبي وغيره.
وقال سفيان الثوري وغيره منهم: إنه قصر الأمل. وليس بصحيح، لأن قصر الأمل ليس هو الزهد وإنما هو المعين على الزهد، لأن من قصر أمله وتوقع نزول المنية زهد في الدنيا ولم يرغب فيها.
وقال الأوزاعي وغيره منهم: إنه بغض المحمدة وبغض المحمدة إنما هو بعض الزهد لا جميعه، لأن الزهد يكون في المحمدة وفيما سواها من شهوات الدنيا. قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية إلا
стр. 1536
أنه لما كان حب المحمدة على الطاعة والتزين بها في الدنيا غالبا على قلوب العباد قال: إن ذلك هو الزهد، بمعنى أنه إذا زهد فيها فهو فيما سواها أزهد.
وقال سفيان بن عيينة منهم ورواه عن الزهري: الزهد من غلب صبره الحرام وشكره الحلال. وهذا ليس بالزهد وإنما هو صفة الزاهد، لأن من كان بهذه الصفة فهو زاهد، فهي معنى تكون عن الزهد؛ لأنه إذا زهد قوي صبره عن الحرام فلم يركن إليه، وقوي شكره على الحلال فلم تشغله حلاوته عن الشكر.
وقال الفضيل بن عياض وغيره منهم: الزهد الترك للدنيا. وليس الترك للدنيا هو الزهد، ولكنه كائن عنه؛ لأنه إذا زهد في الدنيا تركها. وليس قوله الترك للدنيا على عمومه؛ لأن من أحوال الدنيا ما لا يجوز تركه، فلو قال: الزهد ترك ما لا قربة فيه من أحوال الدنيا؛ لكان في العبارة عما قصد إليه أولى، وقد قارب الحقيقة في الزهد، إذ جعله المعنى الذي يكون عن الزهد، وهو فائدته التي تقربه من الله .
ومنهم من قال: الزهد أن يكون الرجل بما في يد الله أوثق مما بيده، فجعل الزهد بعض التوكل لما كانت الثقة بما في يد الله دون ما بيده تبعث الواثق بذلك على ألا يدخر ما بيده فيقدمه لآخرته. وليس ذلك بصحيح، إذ قد يكون الرجل بما في يد الله أوثق مما في يده ومع هذا فيدخره ليتنعم به أو يتصدق به للمحمدة والثناء فيكون راغبا فيه. وقد يتصدق به لله لا للمحمدة فيكون زاهدا فيه. وليس التصدق به لله هو الزهد نفسه، ولكنه عن الزهد كان.
ومنهم قال: الزهد بغض للدنيا، وذلك أن الله ذم الحب لها فقال: ﴿تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] والبغض ضد الحب فسمي الزهد به، وذلك إذا أبغضها لاحتقاره لها، وصغر شأنها عنده، إذ قد يبغض الرجل الدنيا لضر نزل به فيها وخطرها عنده عظيم. فليس الزهد في الدنيا ضد الحب لها على الإطلاق، وإنما هو ضد الرغبة فيها، لأن الراغب فيها إنما يرغب فيها لعظم شأنها عنده. والاحتقار لها
стр. 1537
والبعض فيها المندوب إليه بالشرع لا بالطبع، لأن الله تعالى قد زينها وحذر منها ابتلاء واختبارا. وقد قال بعض الناس: إن الزاهد إنما هو من أبغض الدنيا طبعا بغريزته كما يبغض الأنتان وشبهها، وإن من لم يحل هذا المحل وإن أبغض الدنيا بأجمعها فليس بزاهد وإنما هو صابر. وهو غلط ظاهر، لأن ما طبع عليه الإنسان لا يؤجر عليه إذ لا كسب له فيه، وإنما يؤجر الزاهد على الصبر على الزهد فيما طبع على محبته. قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية. وقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَقَالَ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَقَالَ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] الآية.
ومنهم من قال: الزهد في الدنيا هو التهاون بالدنيا لهوانها على الله. واحتج بما روي «أن رسول الله ﷺ مر بسخلة ملقاة على سباطة قوم ومعه أصحابه فقال: أترون أهل هذه ألقوها من كراهتها عليهم أو من هوانها. قالوا: بل من هوانها عليهم، فقال ﷺ : فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» وندبهم ﷺ إلى أن يهون عليهم ما هان على الله.
وقال الحسن: ويحك يا ابن آدم لا تخالف الله في هواه فإن الله لا يحب الدنيا.
وقال ابن المنكدر: لو لقيت الله وليس لي ذنب إلا حب الدنيا لخشيت أن يقال: هذا أحب ما أبغض الله. فوصف قائل هذا القول الزهد بحقيقة ما يكون عنه ولم يخرج عن معناه. ألا ترى أنك تقول: زهدت في الدنيا فهانت علي، ولا تقول هانت علي فزهدت فيها. وكذلك سائر ما تقدم من الأقوال لم يخرج قائلوها بما قالوه في
стр. 1538
الزهد عن معناه وإنما أخطؤوا في تسميته، فسماه بعضهم باسم الزاهد، وبعضهم باسم المعين على الزهد، وبعضهم باسم المعنى الذي يورثه الزهد، وبعضهم باسم بعض الزهد، لأن كل واحد منهم يقع المزيد بما سماه لترغيبه إياه فيه.
فصل
فالزهد نافلة مستحبة لا فريضة يستوجب الزاهد بها رضى الله تعالى ورفيع الدرجات في جنة المأوى، وإن كانت الواجبات كلها لا تكون إلا بالزهد فلا يسمى شيء منها زاهدا إذ قد اختصت من الأسماء بما هو أليق بها من الزهد. ألا ترى أن الإيمان لا يكون إلا بالزهد في كل معبود سواه، والصلاة لا تكون إلا بالزهد في الاشتغال بما يصد عنها ويمنع منها، وكذلك سائر الفرائض والطاعات.
فصل
فالزهد وما يتعلق به من المعاني مختلفة الوجوه، وهي ستة أشياء: الزهد، والزاهد، والمزهود فيه، والمزهد في الدنيا، والمزهود من أجله الباعث على الزهد الذي عنه يكون الزهد، والمزهود له.
فأما الزهد في الدنيا فهو الاستصغار بجملتها والاحتقار لجميع شأنها لتصغير الله تعالى لها وتحقيره إياها وتحذيره من غرورها في غير ما آية من كتابه، من ذلك قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] وقوله: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] وقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]؛ لأنه إذا كانت
стр. 1539
صغيرة حقيرة هانت عليه فترك منها زهدا فيها كل ما لا قربة في أخذه منها من التنعم بنعيمها من المطعم والمشرب والاستمتاع بمتاعها من الملبس والمركب والمسكن والتلذذ بملاذها من المسموعات والمبصرات، والخلود فيها إلى الراحة، فلم يأخذ من ذلك كله إلا قوام عيشه، أو ما كان زائدا على ذلك مما ندب إلى أخذه كاتخاذ ثوبين لجمعته، ولباس ما يغره لباس ما دونه، لأن الله يحب أن تُرَى أثر نعمته على عبده على ما جاء في الحديث. وكالراحة التي يستعين بها على الطاعة على ما جاء عن معاذ بن جبل من قوله لأبي موسى الأشعري: أما أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، فهذا هو الزهد في الدنيا. وأما ترك ما يجب تركه من المحرمات فلا يسمى زهدا،، ولا اسم طاعة، وإن كان في الحقيقة زهدا وطاعة؛ لأنه إنما زهد في ذلك خوف العقاب، وليس هذا هو الزهد الذي يتطوع به رجاء جزيل الثواب ومرضاة الرحمن.
وأما الزاهد فهو المستصغر للدنيا الذي قد انصرف قلبه عنها لصغر قدرها عنده، فلا يفرح بشيء من الدنيا، ولا يحزن على فقده، ولا يأخذه منها إلا ما أمر بأخذه، أو ما يعينه على طاعة ربه، ويكون مع ذلك قلبه دائم الشغل بذكر الله تعالى، وذكر الآخرة والفكرة فيها، لا ينتقل عما هو فيه من ذلك إلا إلى ما هو في معناه من ذكر الله، أو ذكر الآخرة على قدر الأحوال وطلب القربة لا مالا له، وطلبا للاستراحة منه لما هو أخف عليه مما فيه تسلية لنفسه. وهذا هو أرفع أحوال الزهد، لأن من بلغ إلى هذه المرتبة منه فهو في الدنيا بشخصه، وفي الآخرة بروحه وعقله، قد غلب وساوس الشيطان، واستحق الثواب الجزيل من الله تعالى والرضوان.
стр. 1540
وأما المزهود فيه فهي الدنيا التي هي ما حواه الليل والنهار، وأظلته السماء، وأقلته الأرض. أمر العباد بالزهد فيها بالاستصغار لها والاحتقار لجميعها، وندبوا إلى أن يتركوا منها كل مباح لا عون فيه على طاعة الله، ولم يندبوا إلى أن يتركوها كلها فيخرجوا عنها، بل فرض عليهم أن يأخذوا منها ما لا يتم ما افترض عليهم إلا بأخذه، وندبوا إلى أن يأخذوا منها كل مباح في أخذه عون على الطاعة.
فالمباح منها من أي نوع كان فيه عون على الطاعة كان الزهد في أخذه، وإن لم يكن فيه عون على طاعة كان الزهد في تركه.
وأما المُزَهِّد في الدنيا فشيئان منها زهدا فيها بعض من لا يؤمن بالبعث وبعض من يؤمن به: أحدهما: كثرة آفاتها، والثاني: فناؤها وفناء أهلها فيها، وزوالهم عنها قبل فنائها.
وأما المزهود من أجله الباعث على الزهد الذي عنه يكون الزهد فخمسة أشياء:
أحدها: أنها مفتنة مشغلة للقلوب عن التفكر في أمر الله.
والثاني: أنها تنقص عند الله تعالى درجات من ركن إليها.
والثالث أن تركها قربة من الله وعلو مرتبة عنده في درجات الجنة.
والرابع طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعم.
والخامس رضوان الله والأمن من سخطه وهو أكبرها. قال الله : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].
وأما المزهود له فهو الله الذي رفض الزاهد الدنيا المحببة إليه ابتغاء مرضاته، وخوفا من سؤاله، وتقربا إليه وموافقة له في تصغير ما صغر، وبغض ما أبغض، رغبة فيما عنده من جزيل الثواب وبالله التوفيق.
فصل
وقد قالت طائفة من العلماء: ليس الزهد في شيء من الحلال، وإنما الزهد
стр. 1541
في الحرام، لأن العباد لم يؤمروا بالزهد فيما أحل لهم، بل هم مأجورون على اكتسابه إذا تورعوا فيه، فلهم من الأجر على ذلك ما ليس لتارك الاكتساب. قالوا: ففي التمتع بالحلال خلال لا يجوز الزهد فيها، منها الأجر على التحري، والتورع في اكتسابه، وعلى الشكر لله على ذلك. ومنها أنه يكون له في تمتعه بالحلال عصمة عن الحرام، لأن من أكل الطيب ولبس اللين ثم رأى غيره ينال ذلك لم تدعه نفسه إلى الحسد، ولا إلى طلب ذلك من حرامه. واحتجوا لقولهم بما ترك بعض أصحاب النبي ﵇ من المال إلا أنه لا تورث. قالوا: فلو كان الزهد في الحلال لما أبقى أحد من هؤلاء وراءه شيئا من المال، فلم تفرق هذه الطائفة بين الزهد والورع وجعلوهما شيئا واحدا.
والذي أقول به في هذا: إن الزهد غير الورع، وإن الزهد إنما هو في الحلال لا في الحرام، لأن ترك الحرام فرض فلا يقال فيمن تركه: إنه من أهل الزهد في الدنيا. وإن الزهد هو المعنى الذي يبعث صاحب المال على أن يجود لله من ماله بما لا يلزمه من صلة رحم أو عتق أو تحبيس في السبيل، أو بناء مسجد أو هبة أو صدقة أو تحبيس وما أشبه ذلك، وإن لم يستوعب بذلك ماله كله أو أبقى لنفسه منه بعضه لنفقة على نفسه وعياله، وإن أكل من طيب الطعام وشرب من لذيذ الشراب، ولبس لين الثياب من غير إسراف ولا إقتار، إذ قد ندب الله إلى ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقد سئل مالك ﵀ عن معنى قوله : ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] فقال: معناه أن يعيش في الدنيا ويأكل ويشرب غير مقتر عليه، ولما عسى أن يراه من وجوه البر، ومخافة أن تطول حياته فيبقى عالة
стр. 1542
على الناس أو يموت فيترك ورثته عالة يتكففون الناس، فقد قال رسول الله ﷺ : «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، «وقال لكعب بن مالك حين تاب الله عليه فقال يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» وما قال فيه رسول الله ﷺ : إنه خير للعبد فلا شك في أنه خير له من ضده. فمن جاد لله من ماله بما لا يلزمه زهدا فيه ورغبة فيما له عند الله على ذلك من جزيل الثواب فهو من الزهاد بما زهد لله فيه من ماله وخرج عنه لله .
فالصحابة المذكورون بالغنا كلهم زهاد في الدنيا بما بذلوه لله تعالى من أموالهم في حياتهم، وبما نووا فيما أنفقوا منه لأنفسهم إلى حين وفاتهم، وإن كان كثيرا فالذي بذلوا منه في حياتهم أكثر مما أنفقوا بعد وفاتهم. لا أنه لا يقع على الزاهد اسم زاهد حتى ينخلع من جميع ماله لله ويترك التنعم بشيء منه خوف السؤال عنه كما قالت الطائفة التي بدأنا بذكرها. فالزهاد في الدنيا يتعاطون في الزهد فيها على قدر مبلغهم على الدنيا إلى الدار الآخرة، لأن الدنيا والآخرة ككفتي الميزان، فإذا مال الرجل عن إحداهما إلى الأخرى رجحت به. فإذا رجحت به كفة الأخرى فهو معدود في جملة الزهاد في الدنيا، فتفاضل الزهاد في الدنيا على قدر رجحان الكفة بهم. ونهاية زهد الزاهد في الدنيا ألا يميل إلى شيء منها إلا أن يكون في ذلك قربة لله تعالى، فتكون كفة الدنيا فارغة لا وزن لها. فإن استوت به الكفتان، أو رجحت به كفة الدنيا فليس بمعدود في الزهاد في الدنيا. فالزهد في الدنيا إنما هو بقدر النيات، فلا يعلمه إلا العالم بقدرها المجازي عليها. فقد يكون صاحب المال الكثير أزهد في الدنيا من صاحب المال القليل وممن لا مال له.
فصل
وهذا الباب الاختلاف فيه، قد قالت طائفة من العلماء: إن الزهد
стр. 1543
فراغ القلب من الدنيا للاشتغال بالآخرة، فليس من الزهد ترك ما يشتهيه والقلب به مشغول عن الآخرة، ولكن من الزهد أخذه ليتفرغ القلب للآخرة، وليس ذلك من تعظيم الشهوة ولكن ليفرغ قلبه للآخرة، وهو قول بعيد.
وقالت طائفة أخرى: الزهد إخفاء الزهد بلباسه الثياب الحسان، واتخاذه في بيته المتاع واستعماله الطيب من الطعام ليلا ينظر إليه الخلق فيتوهموا عليه الزهد فيحسدونه على ذلك، إذ القلب لا يمتنع إذا ظهر منه التقشف والتقلل أن يرتاح لحب حمد الناس على ذلك وتعظيمهم إياه من أجله. وهذا من الأقوال الظاهرة الخطأ.
وقالت طائفة أخرى عامتهم قدرية: إن الزهد إنما هو الجوع وترك كل لذة، ومن أخذ منها شيئا من لذاتها أو تمتع ليستعين بذلك على طاعة كقيام ليل أو غيره مخدوع، وترك ذلك العمل مع الجوع أفضل، لأن الزهد لا يعدله شيء. وما احتجت به هذه الطائفة والرد عليها يطول.
وقالت طائفة أخرى: الزهد كله فيما حرم وما أحل فهو معونة على الطاعة، وكل ما فعله العبد وليس فيه ثواب فهو معصية وقد وجب عليه الزهد فيه. واحتجوا بما جاء من أن صاحب الشمال يكتب كل ما لا يكتب صاحب اليمين، والله أعلم، وبه التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.
فصل
في
المفاضلة بين الفقر والغنى
اختلف الناس في الفقر والغنى على أربعة أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن الغنى أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن الفقر أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن
стр. 1544
الكفاف أفضل، ومنهم من توقف في ذلك فلم ير المفاضلة فيه. وهذا فيمن كان يؤدي ما لله عليه من حق في حال الفقر لفقره، وفي حال الغنى لغناه؛ لأن من كان يؤدي حق الله الواجب عليه في الفقر، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الغنى، فلا اختلاف في أن الفقر أفضل له من الغنى. ومن كان يؤدي حق الله الواجب في الغنى، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الفقر، فلا اختلاف في أن الغنى أفضل له، لأن الفضل في الفقر والغنى ليس لذاتهما، وإنما هو لما يكتسب بسبب كل واحد منهما مما يؤجر عليه، فيكتسب بسبب الفقر الصبر والرضا بما قسم الله له منه، والشكر لله تعالى على ذلك والتصرف والخدمة فيما يلزمه من نفقته وكسوته، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليهم وكسوتهم فيؤجر على ذلك. ويكتسب بسبب المال الصبر على إنفاقه في الواجبات، وما يندب إليه من القربات، مع حبه إياه. قال الله : ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] والشكر لله تعالى على ما آتاه من فضله، فيؤجر على ذلك كله كالصحابة ﵃؛ لأنه كان منهم الفقير والغني ومن أغناه الله من فضله بعد أن كان فقيرا، فكانوا كلهم ﵃ محمودين في حال الفقر وفي حال الغنى، لأنهم صبروا في حال الفقر على ضيق العيش وشكروا الله تعالى على ذلك وقنعوا بما أعطوا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لم يعلم مقداره إلا الله تعالى، وشكروا الله تعالى في حال الغنى على ما آتاهم من فضله، ووسع عليهم من رزقه، وأدوا ما افترض الله عليهم في أموالهم من الزكوات الواجبات، وقاموا بما يلزمهم القيام به من النوائب اللازمات، وتطوعوا لوجه الله بما لا يلزمهم من القرب والصدقات، فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لا يعلم مقداره إلا الله خالق الأرض والسماوات.
стр. 1545
والذي أقول به في هذا تفضيل الغنى على الفقر، وتفضيل الفقر على الكفاف. وإنما قلت: إن الغنى أفضل من الفقر؛ لقول الله : ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد أمرنا أن نسأله تبديل الأفضل بالأدنى، وذلك خلاف المعلوم من المعنى. وقوله : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد امتن عليه ﷺ بأن نقله من الأفضل إلى الأدنى. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] فلو كان ما كانوا فيه أفضل وأولى لم يكن لحزنهم معنى.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ [البقرة: ٢٦٨] وشتان في الفضل ما بين ما يعد الله به من الغنى، ويعد به الشيطان من الفقر! وقوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] وقوله : ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وما أشبه ذلك من الآيات كثير. ولقول «النبي ﵇ حين قيل له: ذهب الأغنياء بالأجور: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ولقوله ﷺ : «ما نفعني مالي ما نفعني مال أبي بكر»، وقوله ﵇: «من جهز جيش العسرة ضمنت له على الله الجنة»، وقوله ﵇: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»
следующие страницы →