Полный текст (1 626 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فنهى عن أخذه في الصدقة لأنه فوق السن الواجبة له فلا يأخذه إلا برضا رب الماشية.
وقوله ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ذهب الشافعي إلى أن النهي في ذلك إنما هو للسعاة، وذهب مالك إلى أن النهي في ذلك إنما هو لأرباب المواشي. والصواب أن النهي على عمومه لهما جميعا، لا يجوز للساعي أن يجمع غنم رجلين إذا لم يكونا خليطين فيزكيهما على الخلطة ليأخذ أكثر من الواجب له، ولا أن يفرق غنم الخليطين فيزكيهما على الانفراد ليأخذ أكثر من الواجب له. وكذلك أرباب الماشية لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا نحن خلطاء ليؤدوا على الخلطة أقل مما يجب عليهم في الانفراد، ولا يجوز لهم أيضا إذا كانوا خلطاء أن ينكروا الخلطة ليؤدوا على الانفراد أقل مما يجب عليهم على الخلطة، وأما أبو حنيفة الذي لا يقول بالخلطة فيقول المعنى في ذلك أنه لا يجوز للساعي أن يجمع ملك الرجلين فيزكيهما على ملك واحد، مثل أن يكون للرجلين أربعون شاة فيما بينهما، ولا أن يفرق ملك الرجل الواحد فيزكيه على أملاك متفرقة، مثل أن يكون له مائة وعشرون فلا يجوز له أن يجعلها ثلاثة أجزاء أربعين أربعين فيأخذ منها ثلاث شياه. والتراد عنده هو في مثل أن يكون للرجلين مائة شاة وعشرون شاة على الثلث والثلثين فيأخذ منهما الساعي شاتين قبل القسمة، فيكون قد أخذ من غنم صاحب الثلثين شاة وثلثا وإنما عليه شاة، ومن غنم صاحب الثلث ثلثي شاة وعليه شاة، فيرجع صاحبه عليه بثلث شاة.
فصل
وكتاب عمر هذا أصله عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة صحاح. من ذلك ما روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقات فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، وعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمر حتى قبض، وساق الحديث بمعناه. وأجمع أهل العلم على ما نص فيه واختلفوا منه في مواضع محتملة للخلاف، منها في المذهب موضع واحد، وهو إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ولم تبلغ مائة وثلاثين، فقال مالك في المشهور عنه: الساعي مخير بين أن يأخذ
стр. 317
حقتين وبين أن يأخذ ثلاث بنات لبون، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد العزيز بن أبي حازم، وابن دينار، وإن لم يكن في الإبل إلا السن الواحدة. وقيل إنه إنما يكون مخيرا إذا كانت السنان جميعا في الإبل أو لم يكن فيها واحد منها. وقال ابن شهاب: يأخذ ثلاث بنات لبون، واختاره ابن القاسم. وقال المغيرة وابن الماجشون: يأخذ حقتين، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه. وهذا الاختلاف جار على ما قاله أهل الأصول في المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة ولم يترجح عنده أحدها هل يأخذ بالحظر أو بالإباحة أو يكون مخيرا. وذهب أهل العراق إلى أنه يرجع فيما زاد من الإبل على مائة وعشرين إلى زكاة الغنم، فيكون في مائة وخمسة وعشرين حقتان وشاة، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان، وفي مائة وخمسة وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه، وفي مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، وفي مائة وستين ثلاث حقاق وشاتان، وكذلك ما زاد إلى مائتين فيكون فيها أربع حقاق.
فصل
وأما زكاة الغنم فلا اختلاف فيها في المذهب، إذ ليس في كتاب عمر منها موضع محتمل للخلاف. وقد اختلف في غير المذهب فيما زاد على المائتين، فقل فيها شاتان حتى تبلغ مائتين وثلاثين فيكون فيها ثلاث شياه، حكى الداروردي هذا القول ولا وجه له وأراه غلطا. وقيل شاتان حتى تبلغ مائتين وأربعين فيكون فيها ثلاث شياه، ثم كذلك فيما زاد على كل مائة. وقيل إنه كما يجب في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه فكذلك يجب في ثلاثمائة شاة وشاة أربع شياه، وفي أربعمائة شاة وشاة خمس شياه، وفي خمسمائة شاة وشاة ست شياه، ثم كذلك فيما زاد على كل مائة. وهذان القولان جاريان على أصل، وأما ما حكاه الداروردي فلا وجه له على ما ذكرناه.
فصل
وكذلك زكاة البقر لا اختلاف فيها في المذهب، إذ ليس في حديث معاذ ابن
стр. 318
جبل فيها موضع محتمل للخلاف. وقد قيل في غير المذهب إن فيما دون الثلاثين منها في كل خمس شاة قياسا على الإبل، وأن في كل خمس وثلاثين تبيعا وشاة، وأن فيما زاد على الأربعين بحساب المسنة في كل خمس وأربعين مسنة وثمن مسنة، وفي خمسين مسنة وربع مسنة، وكذلك ما زاد إلى ستين فيكون فيها تبيعان.
فصل
والإبل كلها بجميع أجناسها صنف واحد تجمع في الزكاة. وكذلك البقر كلها بجميع أجناسها الجواميس وغير الجواميس تجمع في الزكاة. وكذلك الغنم كلها بجميع أجناسها ضأنها ومعزها تجمع في الزكاة، ولا اختلاف في هذا أحفظه إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أن الضأن والمعز صنفان لا يجمعان في الزكاة، وأن الذهب والفضة صنفان لا يجمعان في الزكاة. واستدل على ذلك بقول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] إلى قوله ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] إلى قوله ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] قال فلو كان المعز من الضأن لكان البقر من الإبل، إذ لا فرق في ذلك بين التلاوة، وهذا معنى قوله دون نصه.
فصل
وجاء في كتاب النبي ﷺ في الصدقات في بعض الروايات: «فمن سئلها على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطها». وروي «عن جرير بن عبد الله البجلي قال جاء ناس إلى رسول الله ﷺ فقالوا إن ناسا من المصدقين يأتون فيظلموننا، قال: أرضوا مصدقيكم، قالوا وإن ظلموا قال أرضوا مصدقيكم وإن ظلموا. قال جرير ما صدر عني مصدق بعدها إلا راضيا». فقيل إن ما في كتاب الصدقات ناسخ لما جاء في حديث جرير بدليل أنه المتأخر إذ لم يخرجه إلى عماله حتى قبض ﷺ . وقيل المعنى في ذلك أن يمنعوا إذا لم يخش في منعهم فتنة، ولا
стр. 319
يمنعوا إذا خشي في منعهم فتنة. كقوله للأنصار: «ستصيبكم بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني»، وكقوله لأبي ذر: «وإن ولي عليك حبشي فاسمع له وأطع». وعلى هذا يتأول «حديث عباده بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة» الحديث. وقيل في تخريج الحديثين غير هذا وليس بصحيح. وبالله التوفيق.
فصل
في تحويل الماشية بعضها في بعض
الأموال التي تجب الزكاة في أعيانها بمرور الحول عليها صنفان: عين، وماشية. فأما العين وهو الذهب والورق فالحكم فيه إذا حول بعضه في بعض أن يزكى الثاني على حول الأول باع ذهبا بذهب أو ورقا بورق أو ذهبا بورق أو ورقا بذهب، لأنه كله صنف واحد. وأما الماشية فإنها ثلاثة أصناف: إبل، وبقر، وغنم. فإن باع إبلا بإبل أو بقرا ببقر أو غنما بغنم زكى الثاني على حول الأول ولا خلاف في ذلك أعلمه. واختلف إن باع صنفا بصنف غيره: إبلا ببقر أو بغنم أو بقرا بإبل أو بغنم أو غنما بإبل أو ببقر على قولين: أحدهما أنه يستأنف بالثاني حولا من يوم اشتراه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك قياسا على الماشية تشترى بالدنانير والدراهم أنه يستأنف بها حولا لأنهما صنفان كما أنهما صنفان. والثاني أنه يزكى الثاني على حول الأول، وهو قول مالك في سماع أشهب من كتاب الزكاة وقول أصحاب مالك كلهم حاشا ابن القاسم على ما حكاه ابن حبيب قياسا على الماشية تباع بالعين، لأنه إذا كان العين يزكى على حول الماشية وهو صنف آخر، فأحرى أن تزكى الماشية على حول الماشية وإن كانت صنفا آخر، لأن الماشية بالماشية ما كانت أشبه من العين بالماشية. وقول ابن القاسم أظهر، لأن قياس المثمون على المثمون أولى من قياسه على الثمن. والفرق بين بيع الماشية بالعين
стр. 320
وبين شرائها بالعين أنه يتهم في بيع الماشية بالعين بالهروب بالزكاة عن الساعي، ولا تهمة عليه في اشتراء الماشية بالعين إذا كانت زكاة العين موكولة إلى أمانته ولم يكن مأخوذا بها.
فصل
فإذا كان للرجل دنانير فأشترى بها ماشيه إبلا أو بقرا أو غنما فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما أن يكون ما تجب فيه الزكاة. والثاني أن لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة. فأما إن كان ما تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه فيها حتى يحول عليها الحول من يوم اشتراها فيزكيها زكاة السائمة كان اشتراها لقنية أو لتجارة.
فصل
فإن باعها افترق الأمر فيها بين أن يكون اشتراها للقنية أو للتجارة. فإن كان اشتراها للقنية وباعها قبل أن يخرج من رقابها الزكاة فاختلف في ذلك قول مالك، مرة قال يستقبل بالثمن حولا من يوم باعها، ومرة قال يزكيها إذا حال عليها الحول من يوم ابتاعها. وكان القياس إذا لم يستقبل بالثمن حولا أن يزكيه على حول المال الذي ابتاعها به. وأما إن باعها بعد أن أخرج من رقابها الزكاة، فقيل إنه يزكيها إذا حال عليها الحول من يوم زكى رقابها ولا يدخل في ذلك اختلاف قول مالك. قال ذلك محمد بن المواز في موضع؛ وقال في موضع آخر: إن اختلاف قول مالك يدخل في ذلك فيستقبل بالثمن حولا على أحد قوليه، ويزكيها إذا حال عليها الحول من يوم أخرج زكاة رقابها على قوله الثاني. وكذلك ذكر ابن حبيب أن اختلاف قول مالك داخل فيها.
فصل
وإن كان اشتراها للتجارة فباعها قبل أن يخرج من رقابها الزكاة زكاها على حول المال الذي اشتراها به، وإن كان باعها بعد أن أخرج من رقابها الزكاة زكاها إذا حال عليها الحول من يوم زكى رقابها، ولا اختلاف في هذا. وقال أبو إسحاق
стр. 321
التونسي: ينبغي أن يدخل فيها اختلاف قول مالك إذا باعها بعد أن أخرج من رقابها الزكاة فيستقبل بثمنها حولا من يوم باعها على أحد قولي مالك.
فصل
وأما إن كانت الماشية التي باع بالدنانير لا تبلغ ما تجب فيه الزكاة فحكمها حكم العروض، إن كان إشتراها للتجارة وهو مدير قومها، وإن لم يكن مديرا فلا زكاة عليه فيها حتى يبيعها [ويحول الحول عليه من يوم زكى المال الذي اشتراها به وإن كان اشتراها للقنية فلا زكاة عليه فيها حتى يبيعها] ويستقبل بالثمن حولا من يوم باعها.
فصل
وإذا كانت للرجل ماشية ورثها أو وهبت له ولم يشترها فباعها بدنانير ثم أخذ بها ماشية قبل أن يقبضها أو اشترى بها بعد أن قبضها ماشية أخرى منه أو من غيره من صنفها على مذهب ابن القاسم الذي يفرق في تحويل الماشية بين أن يحولها في صنفها أو غير صنفها. أو من غير صنفها على القول بالمساواة بين الوجهين ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يستقبل بالغنم الثانية حولا في الوجوه كلها، وهو مذهب ابن القاسم. قال في كتاب ابن المواز: وكذلك لو استقاله فيها بعد أن باعها، لأن الإقالة بيع حادث. والثاني أنه يزكيها على حول الأولى، وهو قول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز. والثالث أنه يستقبل بها حولا إن اشترى بالثمن من غيره ويزكيها على حول الأولى إن أخذها منه في الثمن أو اشتراها منه به. وهذا القول حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مالك وأصحابه حاشا ابن القاسم.
فصل
واختلف قول ابن القاسم إذا استهلك الرجل للرجل غنما فأخذ منه فيها غنما تجب فيها الزكاة، فمرة قال يزكيها على حول المستهلكة ومرة قال يستقبل بها
стр. 322
حولا. واختلاف قوله هذا إنما يصح عندي إذا كانت قد فاتت بالاستهلاك فوتا يوجب له تضمينه القيمة فيها وأما إذا فاتت أعيانها فلا اختلاف في أنه يستقبل بالغنم التي يأخذها منه في قيمتها الحول. ولو كانت قائمة بيد الغاصب لم تفت بوجه من وجوه الفوت لزكاها على حول الأولى بلا اختلاف، لأن ذلك كالمبادلة سواء، وبالله التوفيق.
فصل
الدين لا يسقط زكاة ما عدا العين من الأموال التي تجب فيها الزكاة. والدليل على ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وقال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فعم ولم يخص من عليه دين ممن لا دين عليه في مال من الأموال. والعموم محتمل للخصوص، فخصص أهل العلم من ذلك من عليه دين في المال العين بإجماع الصحابة على ذلك، بدليل ما روي أن عثمان بن عفان كان يصيح في الناس: يا أيها الناس هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة. وبقي ما سوى ذلك على العموم. فلا يسقط الدين زكاة الحرث ولا الماشية، وكذلك زكاة الفطر عن العبيد على الصحيح من الأقوال، وهو قول ابن وهب عن مالك خلاف ظاهر ما في المدونة ونص ما في كتاب ابن المواز. وقد فرق أيضا بين العين وغيره في وجوب إسقاط الدين بتفاريق من جهة المعنى لا تخلص من الاعتراض، وقد يحتمل أن يكون صدر عنها الإجماع وبالله التوفيق.
فصل
في القول في زكاة الفطر
اتفق جمهور أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، واختلفوا هل هي واجبة
стр. 323
بالقرآن أو بالسنة، فقيل إنها فرض واجب بالقرآن داخلة في الزكاة التي قرنها الله بالصلاة في محكم التنزيل فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وروي ذلك عن مالك. ودليله «أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين وأخذها منهم» فكان ذلك من قوله وفعله بيانا لمجمل قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] أنها زكاة الفطر ثم الغدو إلى المصلى. وقيل إنها سنة واجبة فرضها رسول الله ﷺ أي أوجبها. ولا يصح أن يكون معنى فرضها قدرها، لأن في الحديث الصحيح حديث ابن عمر «أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير». وعلى تقتضي الوجوب واللزوم، ولا يجوز أن تكون على ههنا بمعنى عن لأن الموجب عليهم غير الموجب عنهم، وقد جمعهم في الحديث [فقال في الموجب عنهم على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين أي عن كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين] وهذا يقتضي أن ما أوجبه رسول الله ﷺ ينطلق عليه اسم الفرض. وكان سبب فرضه ﷺ إياها الدواف التي كانت تدف عليه ﷺ أيام الهجرة بالمدينة، فكانوا ينزلون في المسجد ويأوون إليه، فإذا حضر الفطر رجع أهل القرار إلى ما أعد لهم أهلهم من الطعام، ويرجع أهل المسجد إلى غير شيء أعد لهم، ففرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وأمر بجمعها في المسجد، وكان أكثر ما يؤدون التمر لأنه كان جل عيشهم، فكانوا إذا انصرفوا إلى المسجد جلسوا عليه وأكلوا منه، فما فضل عنهم قسمه رسول الله ﷺ بين الفقراء والمساكين وقال: «أغنوهم عن طواف هذا اليوم». وروي هذا القول عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
стр. 324
ومن أصحابنا من أطلق القول بأنها سنة وقال ما روي أن رسول الله ﷺ فرضها إنما معناه قدرها ووقتها، لأن الفرض يكون بمعنى التقدير والتوقيت. قال الله : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي قدرها. وقد تقدم ما دل على ضعف هذا التأويل. وإنما يعزى إسقاط وجوب الفطر إلى ابن علية والأصم. فإن قال من ذهب إلى أنها سنة واجبة من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها خطيئة فإنما يرجع ذلك إلى الاختلاف في العبارة على ما ذكرناه.
فصل
وهي زكاة الرقاب زائدة إلى زكاة الأموال فتجب على الغني والفقير إذا كان له مال يؤديها منه وإن لم يكن له إلا ما يتصدق به عليه منها إذا كان فيه فضل عن قوت يومه. ويستحب له إذا لم يقدر على شيء أن يتسلف ويؤدي، وقيل إنها لا تجب على من تحل له، والأول أظهر، لقول رسول الله ﷺ : «أغنوهم عن طواف هذا اليوم».
فصل
وهي تبع للنفقة عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين، فيخرج الرجل زكاة الفطر عن نفسه وزوجه وخادم زوجه ومن في حجره من ولده إن لم يكن لهم مال، وعن أبويه إذا لزمته نفقتهما، وعن عبده وأم ولده ومدبره وعن مكاتبه لأنه عبد بعد، ونفقته على نفسه من ماله كنفقة العبد على نفسه من خراجه، فيؤدي عنه السيد زكاة الفطر من ماله لأنه هو المنفق عليه في الحقيقة، ولا يستطيع أن يأخذها من مال المكاتب لإحرازه ماله عنه بالكتابة. واختلف في المخدم فقيل إن صدقة الفطر على المخدم لأن النفقة عليه، وقيل إن صدقة الفطر على سيده لأن نفقة المخدم عليه كالإجارة على خدمته، فهو كمن أجر عبده بنفقته فالزكاة عليه لا على المستأجر.
стр. 325
فصل
واختلف في نفقة المخدم فقيل إنها على المخدم وقيل إنها على المخدم، وقيل إنها إن كانت الخدمة قليلة فالنفقة على المخدم، وإن كانت الخدمة كثيرة أو حياة المخدم فالنفقة على المخدم الذي له الخدمة. وقيل إن الاختلاف إنما هو في الخدمة الكثيرة، ولا اختلاف في الخدمة اليسيرة أنها على رب العبد المخدم، ذهب إلى ذلك سحنون، والأول أصح أن في المسألة ثلاثة أقوال.
فصل
ويستحب لمن وجبت عليه زكاة الفطر أن يؤديها يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، فإن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أو ثلاثة أجزأ على الاختلاف فيمن أخرج زكاته قبل حلول الحول بيسير.
فصل
واختلف في حد وجوبها على من كان من أهلها على قولين: أحدهما أنها تجب عليه بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وهي رواية أشهب عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، والثاني أنه لا تجب عليه إلا بعد طلوع الفجر من يوم الفطر، وهي رواية ابن القاسم عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. والأصل في هذا الاختلاف اختلافهم في معنى ما ثبت من قول رسول الله ﷺ : «إنه فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين»، فتؤول في رواية أشهب عنه أن مراده بالفطر من رمضان هو الفطر بعد انقضاء شهر رمضان أول ليلة من شوال وتؤول في رواية ابن القاسم عنه أن المراد به الفطر المنافي للصوم، وذلك لا يكون إلا بعد الفجر، وهو الأظهر، لأن الفطر بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان كالفطر بعد غروبها في سائر الأيام، فلا يقال أفطر من رمضان إلا لمن أفطر بعد الفجر من شوال. وأما من أفطر بعد غروب الشمس من آخر يوم
стр. 326
رمضان فإنما يقال له أفطر من صوم ذلك اليوم بعينه، فلا اختلاف فيمن مات قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان أن الزكاة ساقطة عنه، ولا اختلاف فيمن مات بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أن الزكاة واجبة عليه. واختلف فيمن مات بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان وقبل طلوع الفجر من يوم الفطر هل تجب عليه الزكاة أم لا على قولين كما ذكرنا.
فصل
واختلف في حد انتقالها عمن وجبت عليه مثل العبد يباع أو يعتق والمرأة تتزوج أو تطلق أو الابن يحتلم أو يوسر أو الأبوان يعسران على أربعة أقوال: أحدها أن الزكاة تنتقل في ذلك كله إلى غروب الشمس من يوم الفطر، وهذا على أحد قولي مالك في المدونة في العبد يباع يوم الفطر إن الزكاة فيه على المبتاع. والثاني أنها تنتقل في ذلك كله إلى طلوع الشمس من يوم الفطر، حكى هذا القول عبد الوهاب. والثالث أنها تنتقل في ذلك كله إلى طلوع الفجر من يوم الفطر. والرابع أنها تنتقل في ذلك كله إلى غروب الشمس من آخر يوم من رمضان. واختار محمد ابن المواز وأشهب في أحد قوليه القول الثالث أنها تنتقل إلى طلوع الفجر من يوم الفطر، وأخذ به وراعى سائر الأقوال فقال في العبد إذا بيع بعد طلوع الفجر من يوم الفطر إلى غروب الشمس من يوم الفطر إن الزكاة واجبة على البائع ومستحبة على المبتاع، وإن بيع بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان إلى طلوع الفجر من يوم الفطر إن الزكاة واجبة على المبتاع ومستحبة على البائع. وكذلك سائر ما ذكرناه مما تنتقل الزكاة فيه. وأخذ أشهب بجميع الأقوال احتياطا إذ لم يترجح عنده أحدها على صاحبه فقال إن البيع إذا وقع في العبد من بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان إلى غروب الشمس من يوم الفطر إن الزكاة تجب عليهما جميعا. وكذلك على مذهبه سائر ما ذكرناه فيما تنتقل فيه الزكاة. وقول أشهب هذا على ما ذهب إليه أبو الفرج المالكي ومن ذهب مذهبه في أن المجتهد إذا تعارضت عنده أدلة الحظر والإباحة ولم يترجح عنده أحدهما أنه يأخذ بالإباحة،
стр. 327
وذهب أبو بكر الأبهري وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يأخذ بالحظر. فيجب على هذا أن لا يوجب الزكاة على واحد منهما. وفي المسألة قول ثالث، وهو أن الناظر مخير بين أن يأخذ بالحظر أو بالإباحة، فيجب على هذا أن يوجب الزكاة على أيهما شاء.
فصل
وأما إن باع العبد قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فلا اختلاف أن الزكاة فيه على المبتاع. وكذلك إن باعه بعد غروب الشمس من يوم الفطر لا اختلاف في أن الزكاة فيه على البائع.
فصل
وكذلك اختلف أيضا في حد وجوبها على من لم يكن من أهلها مثل النصراني يسلم والمولود يولد على هذه الأربعة الأقوال. وقد رأيت في المسألة قولا خامسا لابن الماجشون في الثمانية أن حد وجوبها إلى زوال الشمس من يوم الفطر لأنه الوقت الذي يجوز إليه تأخير صلاة العيد. وقوله في الكتاب في النصراني يسلم يوم الفطر إن الزكاة عليه مستحبة وليست بواجبة هو مثل ما حكيناه فوق هذا من قول ابن المواز في مراعاة الاختلاف. وأشهب يرى أن الزكاة لا تجب عليه إلا أن يسلم قبل طلوع الفجر من آخر يوم من رمضان، فهذه في النصراني ستة أقوال.
فصل
واختلف أهل العلم فيما يجوز إخراج زكاة الفطر منه بعد إجماعهم على أنه يجوز إخراجها من الشعير والتمر على ستة أقوال.
أحدها قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنها تخرج من غالب عيش البلد من تسعة أشياء، وهي القمح، والشعير، والسلت، والأزر، والذرة، والدخن، والتمر، والأقط، والزبيب. فإن كان عيشه وعيش عياله من هذه الأصناف من غير الصنف الذي هو غالب عيش البلد أخرج من الذي هو غالب عيش البلد، كان
стр. 328
الصنف الذي خص به نفسه أدنى أو أرفع، إلا أن يعجز عن إخراج أفضل مما يتقوت به فلا يلزمه غيره. هذا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة. وذهب محمد بن المواز - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أنه لا ينظر إلى حال عيش أهل البلد وإنما ينظر إلى ما يتقوت به فيخرج منه كان أرفع من قوت أهل البلد أو أدنى، إلا أن يكون ترك ما يتقوت به أهل البلد إلى ما هو أدنى شحا وبخلا فيلزمه أن يخرج مما يتقوت به أهل البلد. ولا يخرج مما عداها من القطاني أصلا، وقيل إلا أن يكون عيشهم يزيد في الخصب والجدب يعني الرخص والشدة اختلف في ذلك قول ابن القاسم.
والثاني رواية يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنها تخرج من خمسة أصناف، وهي القمح، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، ولا تخرج من السلت والذرة والدخن والأرز إلا أن يكون ذلك عيشهم يزيد في الخصب والجدب. وعلى هذا القول لا تخرج من القطنية والجلجلان وإن كان ذلك عيشهم.
والثالث قول ابن الماجشون حكاه الفضل عنه أنها تخرج من خمسة أشياء، وهي: القمح، والشعير، والسلت، والتمر، والأقط.
والرابع قول أشهب أنها تخرج من ستة أشياء وهي القمح والشعير والسلت والتمر والأقط والزبيب.
والخامس قول ابن حبيب إنها تخرج من عشرة أشياء، فزاد العلس، وذهب إلى أنه مخير في القمح والشعير والتمر يخرج من أيها شاء كان عيشه من الأدنى أو الأرفع. فإن لم يكن قوته من واحدة منهن أخرج من أي ذلك كان قوته وقوت أهل بلده الشامل فيهم من السبعة الأشياء الباقية، فإن كان قوته وقوت أهل بلده من بعضها وأخرج فطرته من غيرها من هذه السبعة لم يجزئه. ظاهر قوله وإن كان الذي أخرج منها هو أفضل مما كان قوته وقوت أهل بلده. وانظر على مذهبه إن كان قوته وقوت عياله من هذه السبعة غير الذي يتقوت منه أهل البلد، فالأظهر أنه يخرج من الصنف الذي يتقوت به أهل البلد كان أفضل أو أدنى، إلا أن يكون الذي يتقوت به أدنى ولا يقدر على إخراج الفطر من الصنف الذي هو قوت أهل البلد.
стр. 329
فصل
ووجه قول ابن حبيب في تخيير المزكي في الثلاثة الأصناف ظاهر حديث ابن عمر «أن رسول الله ﷺ فرض الزكاة على المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من شعير» ودخل القمح مدخل الشعير في التخيير لأنه أفضل منه ومن التمر ولم يخيره في سائر الأصناف، وجعل ما ورد في ذلك من قوله كذا أو كذا على التقسيم لا على التخيير، وهذا لا دليل عليه.
والسادس قول أهل الظاهر إن زكاة الفطر لا توفى إلا من التمر والشعير إتباعا لظاهر حديث [ابن عمر وتعلقوا في حديث] أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - برواية من روى «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب» بإسقاط لفظة أو فيما بين القمح. والشعير، وتأولوا أن الشعير تفسير للطعام لوقوع لفظ الطعام على كل مطعوم، وهذا بعيد، لأن لفظ الطعام إذا أطلق فالظاهر منه القمح دون ما سواه مع ما جاء في بعض الروايات «صاعا من طعام أو صاعا من شعير» بزيادة أو فارتفع الإشكال والاحتمال.
فصل
ومكيلة زكاة الفطر صاع من كل ما يؤدي منه حاشا القمح فإنه قد قيل فيه مدان ورويت في ذلك آثار عن النبي ﷺ وعن عمر وغيره من الصحابة، وأنكر ذلك كله مالك، وقال عقيل وتبسم: والذي ذهب إليه هو الحق، والحجة على ما ذهب إليه في هذا قد ذكرها ابن المواز وغيره فلا معنى لذكرها، وبالله التوفيق.
стр. 330
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم.
عونك اللهم لا شريك لك
كتاب الجهاد
فصل
في معرفة اشتقاق اسم الجهاد
الجهاد مأخوذ من الجهد وهو التعب، فمعنى الجهاد في سبيل الله المبالغة في إتعاب الأنفس في ذات الله وإعلاء كلمته التي جعلها الله طريقا إلى الجنة وسبيلا إليها. قال الله : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
فصل
والجهاد ينقسم على أربعة أقسام: جهاد القلب، وجهاد باللسان، وجهاد باليد، وجهاد بالسيف.
فجهاد القلب جهاد الشيطان ومجاهدة النفس عن الشهوات المحرمات. قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١].
وجهاد اللسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن ذلك ما أمر الله به نبيه ﷺ من جهاد المنافقين، لأنه قال:
стр. 331
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] فجاهد ﷺ الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين باللسان، لأن الله تعالى نهاه أن يعمل علمه فيهم فيقيم الحدود عليهم لئلا يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه على ما روي عنه ﷺ . وكذلك جاهد ﷺ المشركين قبل أن يؤمر بقتالهم بالقول خاصة.
وجهاد اليد زجر ذوي الأمر أهل المناكر عن المناكر والأباطيل والمعاصي المحرمات، وعن تعطيل الفرائض الواجبات، بالأدب والضرب على ما يؤدي إليه الاجتهاد في ذلك. ومن ذلك إقامتهم الحدود على القذفة والزناة وشربة الخمر. وجهاد السيف قتال المشركين على الدين.
فصل
فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقيم بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
فصل
والجهاد من أفضل أعمال البر وأزكاها عند الله تعالى. روي «عن النبي ﷺ أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله». وأنه قال لرجل: «لو قمت الليل وصمت النهار ما بلغت نوم المجاهد»، وقال لرجل له ستة آلاف دينار: "لو أنفقتها في طاعة الله ما بلغت غبار شراك نعل المجاهد ". وقال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها».
стр. 332
فصل
وإنما كان الجهاد من أفضل الأعمال لأن فيه بذل النفس في طاعة الله. ومن بذل نفسه في طاعة الله فقد بلغ الغاية التي لا يقدر على أكثر منها، ولذلك جازى الله الشهداء في سبيله لما أن بذلوا حياتهم في طاعته بأن أحياهم أفضل من حياتهم التي بذلوها في طاعته فقال : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ - يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠ - ١٧١]، وروي عن النبي ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: «الشهداء يغدون ويروحون إلى الجنة ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة تحت العرش»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، وروي عن ابن عباس أنه قال: لقد أغلى لهم. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]،
стр. 333
ومن أحبه الله أمنه من عذابه، وأكرمه بجواره في الجنة التي أعدها الله لأوليائه. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠] ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٢]، وقال رسول الله ﷺ : «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع»، وقال رسول الله ﷺ : «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة». يريد أجرا وغنيمة، لأن أو ها هنا بمعنى الواو، إذ لا تنفي الغنيمة الأجر. وقد تكون أو على بابها فيكون معنى الكلام مع ما نال من أجر دون غنيمة أو غنيمة مع أجر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل فكان أبو هريرة يقول ثلاثا أشهد لله.» ويروى أنه «ما من أحد يصير إلى خير فيود الرجوع إلى الدنيا إلا الشهيد في سبيل الله فإنه يود أن يرجع إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى وذلك لما يرى من كرامة الله تعالى». وفضائل الجهاد أكثر من أن تحصى كثرة.
فصل
وأول ما بعث الله نبيه ﷺ بالدعاء إلى الإسلام من غير قتال أمره به ولا أذن له فيه ولا جزية أحلها له، فأقام رسول الله ﷺ على ذلك عشر سنين وهي التي أقامها بمكة، وحينئذ أنزل الله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]،
стр. 334
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وما أشبه ذلك من الآيات. فلما هاجر ﷺ إلى المدينة أذن الله تعالى له وللمؤمنين بقتال من قاتلهم وأمرهم بالكف عمن لم يقاتلهم، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠] فكانت هذه سيرة رسول الله ﷺ والمسلمين منذ هاجر إلى المدينة إلى أن نزلت سورة براءة وذلك بعد ثمان من الهجرة فأمره الله تعالى فيها بقتال جميع المشركين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال ﷺ في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، إلا من كان له عهد عند النبي ﵊ فإن الله أتمه له إلى مدته فقال تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
стр. 335
فصل
وفرض الله الجهاد حينئذ على جميع المسلمين كافة فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩] الآية. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآية، ثم نسخ الله ﵎ ذلك فجعل الفرض يحمله من قام به من المسلمين عن سائرهم فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، معنى الآية على ما روي عن ابن عباس ﵄: ما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى عدوهم ويتركوا رسول الله ﷺ وحده، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة أي عصبة يعني السرايا ولا يخرجوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي ﵊ وقالوا لهم إن الله قد أنزل على نبيكم من بعدكم قرآنا قد تعلمناه فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم وتبعث سرايا أخر، فذلك قوله ليتفقهوا في الدين. وقال الحسن: المعنى فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، أي ليتفقه الذين خرجوا بما
стр. 336
يريهم الله من الظهور على المشركين والنصر وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. وقيل إن الآية نزلت في قوم كان يبعثهم النبي ﷺ إلى البادية ليعلموا الناس الإسلام فلما أنزل الله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] انصرفوا من البادية إلى النبي ﷺ خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه وممن عني بالآية، فأنزل الله الآية وكره انصراف جميعهم من البادية إلى النبي ﷺ . وقول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هو المختار من التفسير.
فصل
فالجهاد الآن فرض على الكفاية يحمله من قام به بإجماع أهل العلم، فإذا جوهد العدو وحميت أطراف المسلمين وسدت ثغورهم سقط فرض الجهاد عن سائر المسلمين وكان لهم نافلة وقربة مرغبا فيها، إلا أن تكون ضرورة مثل أن ينزل العدو ببلد من بلاد المسلمين فيجب على الجميع إغاثتهم وطاعة الإمام في النفير إليهم.
فصل
وقد كان الله أوجب في أول الإسلام على المسلمين أن لا يفروا عن الكفار قل عددهم أو كثر، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] ثم نسخ ذلك عن عباده بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقد قيل إن هذه الآية ليست بناسخة للأولى ولكنها مبينة لها ومخصصة لعمومها، وأن الله لم
стр. 337
يوجب قط على المسلمين أن يثبتوا لأكثر من عشرة أمثالهم، ثم نسخ الله ذلك تخفيفا ورحمة فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فأباح الله تعالى للمسلمين الفرار من عدوهم إذا زاد عددهم على الضعف وخشوا أن يغلبوهم. وقد اختلف في تأويل الضعف فقيل هو في العدد فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم من المشركين وإن كانوا أشد منهم سلاحا وأظهر جلدا وقوة، وهو قول أكثر أهل العلم. وقيل في تأويل ذلك في الجلد والقوة، ويلزمهم أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كانوا أشد منهم سلاحا وأكثر جلدا وقوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم وإن كانوا أقل من الضعف إذا كان المشركون أشد منهم سلاحا، وأكثر جلدا وقوة وخافوا أن يغلبوهم، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك. والفرار من الزحف إذا كان العدو أقل من ضعف المسلمين في العدة أو في الجلد والقوة على ما ذكرناه من الاختلاف من الكبائر على مذهب مالك وأصحابه. وقد قال ابن القاسم لا تجوز شهادة من فر من الزحف. ولا يجوز لهم الفرار وإن فر إمامهم لقول الله : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] الآية. وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا. وإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف، لقول رسول الله ﷺ : «لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة» فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه، وقوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك فلا سعة لك في ذلك. وقد قيل إن قول الله : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] خاص في أهل بدر لأنهم لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه
стр. 338
وينهزموا عنه، وأما اليوم فلهم الانهزام. وحكى ابن حبيب في الواضحة عن يزيد بن أبي حبيب أنه قال: أوجب الله لمن فر يوم بدر النار، ثم كانت أحد بعدها فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، ثم كانت حنين بعدها فأنزل الله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٧]، فنزل العفو فيمن تولى من بعد يوم بدر. والصحيح أن تحريم الفرار من الزحف ليس بمخصوص بيوم بدر، وأنه عام في كل زحف إلى يوم القيامة. وكان تعبد الله به نبيه موسى ﵊ له، ثم لم ينسخه بعد ذلك حتى صار من شريعة نبينا محمد ﷺ . والدليل على ذلك «ما روي أن رجلا من اليهود قال لآخر: اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل هذا النبي فإنه إن سمعها كانت له أربعة أعين. فانطلقا إليه فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تفروا من الزحف، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطانه ليقتله، وعليكم يهود أن لا تعدوا في السبت. فقالوا نشهد أنك لرسول الله. وفي بعض الآثار فقبلوا يديه ورجليه وقالوا نشهد أنك نبي». وهذا الحديث يخرج مخرج التفسير لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] [وما روي عن ابن عباس من رواية عكرمة في تفسير قَوْله تَعَالَى تسع آيات بينات]، فقال اليد،
стр. 339
والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات م فصل ات، والسنون، ونقص من الثمرات، لا يصح لمعارضة هذا الحديث، وإنما يصح ذلك والله أعلم في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢]، ويدل على هذا التأويل أن هذا المعنى قد روي عن ابن عباس ﵄ من غير رواية عكرمة في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، لا في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وقد تكون الآيات العبادات من قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وتكون المعجزات من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، فيحمل قَوْله تَعَالَى في سورة سبحان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] على العبادات التي تعبد بها على ما في الحديث الأول، ويحمل ما في سورة النمل من قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] على المعجزات والعلامات والإنذارات التي توعدوا بها إن لم يعملوا بما تعبدوا به على ما روي عن ابن عباس من غير رواية عكرمة، فتتفق الآثار ولا تتعارض، والله أعلم. ومما يدل على أن الفرار من الزحف ليس بمخصوص بيوم بدر عموم ما روي عن النبي ﷺ من قوله: إن الفرار من الزحف من الكبائر.
فصل
ويجاهد العدو مع كل بر وفاجر. وقد قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
стр. 340
فصل
ولا يجاهد الابن بغير إذن أبويه، ولا العبد بغير إذن سيده. وهذا في النافلة.
وأما في الفرض الذي يتعين على الأعيان فيلزمه أن يغزو وإن لم يأذنا له، لأنه إنما يلزمه أن يطيع أبويه في ترك النافلة، وأما في ترك الفريضة فلا. وقد روي في أصحاب الأعراف الذين حبسوا دون الجنة أنهم قوم غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقتلوا فأعتقهم الله بقتلهم وحبسهم عن الجنة بمعصيتهم آباءهم، فهم آخر من يدخل الجنة.
فصل
وكذلك من عليه دين لا يجوز له أن يغزو إلا بإذن صاحب الدين إلا أن يكون الدين لم يحل عليه ويكون له وفاء به فيوكل من يقضيه عنه عند حلوله. وأما إن كان عديما لا شيء معه فله أن يغزو بغير إذن من له عليه الدين.
فصل
والشهادة تكفر كل شيء إلا الدين. روي «أن رسول الله ﷺ سأله رجل فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي فقال نعم. فلما أدبر الرجل دعاه أو أمر به فدعي له فقال له كيف قلت فأعاد عليه قوله فقال له نعم إلا الدين، كذلك قال لي جبريل.» وقد قيل إن ذلك كان في أول الإسلام لما روي أن الله يقضي عنه دينه يوم القيامة.
فصل
وإنما يقاتل الكفار على الدين ليدخلوا من الكفر إلى الإسلام لا على الغلبة.
قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». ولهذا تجب
стр. 341
الدعوة قبل القتال ليبين لهم علام يقاتلون لا من أجل أن دعوة الإسلام لم تبلغهم. والصحيح أن دعوة الإسلام قد بلغت جميع العالم، والدليل على ذلك قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقوله : ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، فالأصل في دعاء العدو قبل القتال إلى الإسلام «حديث علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذ أعطاه النبي ﵊ الراية قال له: "اذهب حتى تنزل بساحتهم فادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس».
فصل
وتقدم الدعوة قبل القتال من القرآن في قصة سليمان ﵊ مع بلقيس بنت شراحيل ملكة أهل سبأ وما كان من كتابه إليها مع الهدهد ﴿الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١].
فصل
وينبغي لأمير الجيش أن يكون في آخر الناس حتى يقدم المعتل بعيره ويلحق المريض الضعيف وبالله التوفيق.
فصل
ولوجوب الجهاد ست شرائط لا يجب إلا بها، متى انخرم واحد منها سقط
стр. 342
وجوبه، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والاستطاعة بصحة البدن وما يحتاج إليه من المال. فالدليل على صحة اشتراط الإسلام في وجوبه توجه الخطاب به إلى المؤمنين دون الكفار في غير ما آية من كتاب الله تعالى، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، وقال تعالى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] الآية. والدليل على صحة اشتراط البلوغ والعقل في ذلك قول النبي ﵊: «رفع القلم عن ثلاث، وهم الصغير حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ». والدليل على صحة اشتراط الحرية في ذلك هو أن الجهاد من الفرائض المتوجهة إلى الأبدان المتعينة في الأموال، فإذا سقط فرض الجهاد عمن لا مال له. بقوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] الآيات إلى آخرها، فهو ساقط عن العبد إذ لا مال له يقدر على إنفاقه. قال الله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، ومنافعه أيضا مستحقة لسيده، فالجهاد على العبد ساقط من كل وجه. والدليل على صحة اشتراط الذكورة في ذلك أن الجهاد لا يتأتى للمرأة إلا بضد ما أمرت به من الستر والقرار في بيتها. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وقال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]
стр. 343
الآية. والدليل على صحة اشتراط الاستطاعة في ذلك بصحة البدن وما يحتاج إليه من المال قوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] الآية، وقوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]
فصل
ولصحته وجوازه شرط واحد متى انخرم بطل ولم يصح، وهو النية. قال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، وقال ﷺ : «نية المؤمن خير من عمله». وقال «في عبد الله بن ثابت: "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته». والنية في الجهاد أن يجاهد الرجل ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ابتغاء ثواب الله تعالى. فينبغي للمجاهد أن يعقد نيته على ذلك، فإنه إذا عقد نيته على ذلك لم تضره إن شاء الله الخطرات التي قد تقع في القلب ولا تملك. روي «عن معاذ بن جبل أنه قال يا رسول الله إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من القتال طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة، فقال: "يا معاذ بن جبل، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة». وروي «أن رجلا قال لرسول الله ﷺ يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيخفيه فيطلع عليه الناس فيسره فقال رسول الله ﷺ : لك أجر السر وأجر العلانية».
стр. 344
فصل
وله فرائض يجب الوفاء بها، قيل إنها خمس وهي: الطاعة للإمام، وترك الغلول، والوفاء بالأمان، والثبات عند الزحف، وأن لا يفر واحد من اثنين، وهي إلى الخمسين أقرب لأن تجنب الفساد كله في الغزو واجب، ومن لم يجتنب الفساد في غزوه لم يرجع منه كفافا. قال معاذ بن جبل: الغزو غزوان، فغزو تنفق فيه الكريمة ويعاشر فيه الشريك، ويطاع فيه ذو الأمر ويجتنب فيه الفساد فذلك الغزو خير كله، وغزو لا تنفق فيه الكريمة ولا يعاشر فيه الشريك ولا يجتنب فيه الفساد فذلك الغزو لا يرجع صاحبه كفافا.
فصل
في القول في الغنيمة
الغنيمة ما غنمه المسلمون من أموال الكفار بقتال. قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. والفيء ما صار إليهم من أموال الكفار بغير قتال. قال الله : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] الآية. وقد قيل بعكس ذلك إن الغنيمة ما صار إليهم من أموالهم بغير قتال، وإن الفيء ما صار إليهم بقتال. وهذا محتمل في اللسان، والأول هو الصحيح الذي يقصده القرآن. واسم الفيء يجمعهما جميعا، لأن الفيء هو الرجوع والغنيمة مما أرجعها الله إلى المسلمين من أموال الكفار. وكذلك الأنفال سمى الله بها الغنائم فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] يريد
стр. 345
غنائم بدر، لأن الآية فيها نزلت لما تشاجروا في قسمتها: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الآية وهي أيضا تستعمل على الفيء والغنيمة، لأنهما عطيتان من الله تعالى لهذه الأمة خصها بهما دون سائر الأمم. والنافلة هي العطية، قال الله : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، ولهذا يسمى ما يعطى الإمام من الغنيمة سوى قسم الجيش نفلا. والذي سأل ابن عباس عن الأنفال إنما سأله والله أعلم عن اشتقاق اللفظ ومعنى كونها لله والرسول، فلم يقنع بما أجابه به ما فيه شفاء لمن اعتبر وردد عليه السؤال حتى أخرجه.
فصل
وقد اختلف فيما ينفله الإمام فقيل إنه لا ينفل إلا من الخمس، لأن الأربعة الأخماس للغانمين والخمس مصروف إلى اجتهاد الإمام، وهو مذهب مالك. وقيل إنه لا ينفل إلا بعد الخمس من الأربعة الأخماس، لأن الخمس عندهم قد صرفه الله تعالى إلى المذكورين في الآية فلا يخرج عنهم منه شيء. وقيل إن له أن ينفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمسها. ولا يرى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - للإمام أن ينفل قبل القتال لئلا يرغب الناس في العطاء فتفسد نياتهم في الجهاد، فإن وقع ذلك مضى للاختلاف الواقع في ذلك والآثار المروية فيه. وأما سلب القتيل فقيل إنه لا يكون للقاتل إلا أن ينفله إياه الإمام إما من الخمس، وإما من رأس الغنيمة، وإما بعد تخميسه على ما ذكرناه من الاختلاف فيما سوى السلب. وقيل إنه للقاتل حكم من النبي ﵊ لا يحتاج فيه إلى استئناف أمر من الإمام. وقيل إن الإمام يخمسه ولا يكون له منه إلا أربعة أخماسه. وقد قيل إن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس، وهذا يرده حديث ابن عمر في السرية التي بعثها رسول الله ﷺ -
стр. 346
قبل نجد [فغنموا إبلا كثيرة] فكانت سهامهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا.
فصل
والفيء والخمس سواء لأن الله تعالى ساوى بينهما في كتابه فقال : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. وقد اختلف في كيفية قسمتهما على ستة أقوال: أحدها أنهما لجميع المسلمين يوضعان في منافعهم ويقسمان عليهم ولا يختص بذلك الأصناف المذكورون في الآيتين، لأنهم إنما ذكروا فيها تأكيدا لأمرهم، وهذا هو مذهب مالك. والثاني أنه يقسم ذلك بالاجتهاد بين الأصناف المذكورين في الآيتين. والثالث أنه يقسم على ستة أسهم بالسواء بينهم: سهم لله يجعل في سبيل الخير، وسهم لرسول الله ﷺ وسهم لقرابته، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. والرابع أنه تؤخذ منه قبضة فتجعل في الكعبة ويقسم الباقي بالسواء على الخمسة الأصناف المذكورين. والخامس أنه يقسم على خمسة أسهم بالسواء ويجعل سهم الله مفتاح السهام لأن الدنيا وما فيها لله. والسادس أنه يقسم على أربعة أسهم بالسواء لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويكون معنى قوله فلله وللرسول أن لهما الحكم في قسم ذلك بين من سمي في الآيتين. وقد اختلف الذين رأوا أن الخمس يقسم على خمسة أسهم في سهم رسول الله ﷺ وسهم قرابته بعد وفاته، فقالت طائفة منهم يجعل في الكراع والسلاح، وقالت طائفة يكون سهم رسول الله للخليفة بعده، وسهم قرابته لقرابة الخليفة. وقالت طائفة منهم يقسم سهم رسول الله ﷺ على سائر الأصناف، ويكون سهم قرابته باقيا عليهم إلى يوم القيامة. واختلف في قرابته الذين جعل الله لهم سهما من الفيء والغنيمة وحرم عليهم الصدقة اختلافا
стр. 347
كثيرا قد ذكرته في غير هذا الموضع. ومن ذهب إلى أن سهم قرابة رسول الله ﷺ يسقط بوفاته لم يحرم عليهم الصدقة، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.
فصل
وثبت «أن رسول الله ﷺ خمس أرض خيبر وقسمها بين الموجفين عليها بالسواء» وأن عمر ﵁ أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الشام ليكون ذلك في أعطيات المقاتلة وأرزاق المسلمين ومنافعهم، فقيل إنه استطاب أنفس المفتتحين لها، ومن شح بترك حقه منها أعطاه فيه الثمن، فعلى هذا لا يخرج فعله عما فعله النبي ﷺ بأرض خيبر. وإلى هذا ذهب بعض أهل العراق وقال إن أقر أهلها فيها لعمارتها كانت ملكا لهم أسلموا أو لم يسلموا يجري عليها الخراج إلى يوم القيامة، على ما روي أن عمر وضع على مساحة جريب البر كذا، وعلى مساحة جريب الشعير كذا وعلى مساحة جريب التمر كذا. ومن جعل على مساحة جريب التمر خراجا معلوما في كل عام استدلوا على أنها ملك لهم، إذ لو كانت ملكا للمسلمين لكان ذلك بيع التمر قبل أن يخلق. وقيل إنه أبقاها بغير شيء أعطاه الموجفين عليها وأنه تأول في ذلك قَوْله تَعَالَى في آية سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وإلى هذا ذهب مالك ﵀. وقد اختلف على هذا في آية الفيء هذه وآية الغنيمة التي في سورة الأنفال، فقيل إنهما محكمتان على سبيل التخيير، فالإمام مخير بين أن يقسم أرض العنوة على ما فعل رسول الله ﷺ في أرض خيبر مبينا لعموم آية سورة الأنفال أنها على عمومها، وبين أن يبقيها كما أبقاها عمر على ما استدل به من آية الحشر، وإلى هذا ذهب أبو عبيد. وقيل إن آية
стр. 348
الحشر ناسخة لآية الأنفال، لأن النبي ﷺ بين بفعله في أرض خيبر أنها على عمومها في جميع الغنائم من الأرض وغيرها، فنسخت آية الحشر من ذلك الأرض خاصة، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي. وقيل إن آية الحشر مخصصه لآية الأنفال ومفسرة لها ومبينة أن المراد بها ما عدا الأرض من الغنائم، وأن رسول الله ﷺ إنما قسم أرض خيبر لأن الله تعالى وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠] فهي مخصصة بهذا الحكم دون سائر الأرضين المغنومة.
فصل
وإذا أبقى الإمام أرض العنوة وأقر أهلها فيها لعمارتها ضربت عليهم الجزية على ما فرض عمر، وسوقوا في السواد، ووضع عليهم الخراج في البياض بقدر اجتهاد الإمام. وهذا وجه قول مالك ﵀ في المدونة: لا علم لي بجزية الأرض وأرى أن يجتهد في ذلك الإمام ومن حضره إن لم يجد علما يشفيه لأنه إنما توقف في مقدارها، وقيل إنما توقف هل عليها جزية أو لا جزية عليها وتترك لهما فيستعينون بها على أداء الجزية دون خراج، وقيل إنه إنما توقف فيما يوضع عليها من الخراج هل يسلك بها مسلك الفيء أو مسلك الصدقة، قال ذلك الداروردي. وحكي عن ابن القاسم أنه قال: والذي ينحو إليه مالك أنه يسلك به مسلك الفيء. واختلف على المذهب فيهم، فقيل إنهم عبيد للمسلمين، وقيل إنهم أحرار لأن إقرارهم لعمارة الأرض من ناحية المن الذي قال الله فيه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وعلى هذا الاختلاف يجري الاختلاف فيما عدا الأرض من أموالهم، فمن رآهم عبيدا جعل أموالهم
стр. 349
للمسلمين إذا أسلموا إن شاؤوا انتزاع ذلك منهم ولا يكونون أحرارا بإسلامهم. وعلى هذا تأتي رواية سحنون عن ابن القاسم. ومن رآهم أحرارا قال تكون لهم أموالهم إذا أسلموا لقول رسول الله ﷺ : «من أسلم على شيء فهو له» وعلى هذا يأتي ما في سماع عيسى عن ابن القاسم من كتاب التجارة إلى أرض الحرب. وتفرقة ابن المواز بين ما كان بأيديهم يوم الفتح وبين ما استفادوه بعد الفتح ليست جارية على قياس. وأما الأرض التي أقروا فيها لعمارتها فلا حق لهم فيها إلا عند بعض أهل العراق على ما قد ذكرته وبالله التوفيق.
стр. 350
القول فيما حازه المشركون من أموال المسلمين
اختلف أهل العلم فيما حازه المشركون من أموال المسلمين هل يملكونه بحيازتهم إياه أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها أنهم لا يملكونه بحيازتهم إياه. والثاني أنهم يملكونه بحيازتهم إياه. والثالث الفرق بين ما غلبوا عليه أو أبق إليهم.
فصل
فعلى القول بأنهم لا يملكونها بحيازتهم إياها لا يرتفع ملك أربابها عنها، فإن غنمها المسلمون لم تقسم في المغانم وردت على أربابها إن علموا، ووقفت لهم إن جهلوا. وإن لم يعلم أنها كانت للمسلمين حتى قسمت فجاء أربابها أخذوها بغير ثمن على حكم الاستحقاق، وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأحد قولي الأوزاعي وجماعة من أهل العلم سواهم. والحجة لهم من طريق الآثار «حديث عمران بن حصين في ناقة رسول الله ﷺ العضباء إذ أغار عليها المشركون في سرح المدينة فنجت عليها امرأة ونذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها فلما قدمت بها المدينة عرفت الناقة وأتي بها النبي ﵊ فأخذها على ما جاء في بعض الآثار وأخبرته المرأة بنذرها فقال بئسما جزيتها لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم.» وموضع الحجة من الحديث أن المشركين لو ملكوا الناقة
стр. 351
لكانت للمرأة التي نجت عليها ويلزمها النذر فيها. والحجة لهم من طريق النظر أنهم لما أجمعوا على أنهم لا يملكون رقابنا وجب أن لا يملكوا أموالنا، لأن النظر يوجب أن لا يفرق بين أموالنا ورقابنا في أنهم لا يملكونها، كما لا يفرق بين رقابهم وأموالهم في أنا نملكها.
فصل
وعلى القول بأنهم يملكونها بحيازتهم إياها يرتفع ملك أربابها عنها، فإن غنمها المسلمون كانت غنيمة للجيش ولم يكن لأربابها أخذها قبل القسم ولا بعده. وقيل إن لهم أن يأخذوها إن أدركوها قبل القسم، فإن قسمت لم يكن لهم إليها سبيل. وقيل إن لهم أن يأخذوها بعد القسم بالثمن، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه على الآثار الواردة في ذلك عن النبي ﷺ من رواية ابن عباس وتميم بن طرفة، الطائي، وهو على قياس القول بأن الغانمين لا يتقرر ملكهم على الغنيمة إلا بالقسم، فيحد منهم من وطئ جارية منها، ولا يجوز عتقه فيها.
فصل
ولا يخلو ما يحوزه أهلك الحرب عن المسلمين من ستة أشياء: أحدها أحرار المسلمين. والثاني أحرار أهل الذمة. والثالث أموال المسلمين وأهل الذمة لأن الحكم في ذلك سواء. والرابع أمهات أولاد المسلمين. والخامس مدبروهم ومعتقوهم إلى أجل. والسادس مكاتبوهم.
ولا يخلو ما حازوه من ذلك كله من ستة أحوال: أحدها أن يبيعوه في بلادهم. والثاني أن يقدموا به بأمان. والثالث أن يغنمه المسلمون. والرابع أن يسلموا عليه. والخامس أن يصالحوا على هدنة وهو في أيديهم. والسادس أن يصالحوا على أداء جزية وذلك في أيديهم، فهذه ست وثلاثون مسألة، لأن لكل شيء من الستة الأشياء التي حازوها ستة أحوال كما ذكرنا، وكل مسألة تختص منها بأحكام نذكر منها ما يدل على باقيها إن شاء الله تعالى.
стр. 352
فصل
فأما إذا حاز أهل الحرب أحرار المسلمين وباعوهم فذلك فداء يكون للمشتري الفادي أن يتبع المفدي بما فداه به إلا أن يكونا زوجين فيفدي أحدهما صاحبه وهو عالم به بغير أمره فلا يتبعه بشيء. واختلف إن كان المفدي ممن يعتق على المفدي فقيل إنه لا يتبعه بما فداه به علم أو لم يعلم، وهو قول ابن حبيب. وقيل إنه لا يتبعه إذا علم، وهو الذي يأتي على ما في المدونة. واختلف إن كان ذا محرم منه إلا أنه لا يعتق عليه فقيل إنه كالزوجة لا يتبعه إذا علم إلا إذا فداه بأمره. وقيل إنه كالأجنبي يتبعه في كل حال. وأما إن كان من ذوي رحمه لا من ذوي محارمه فلا اختلاف في أنه كالأجنبي يتبعه في كل حال.
وإن قدموا بهم بأمان لم يفادوا منهم إلا عن طيب أنفسهم، وإن أبوا إلا الرجوع بهم إلى بلادهم كان ذلك لهم عند ابن القاسم خلاف ما حكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه سواء. وإن غنمهم المسلمون كانوا أحرارا ولم يكن عليهم شيء إلا أن يباعوا في المقاسم فلا يدعوا شيئا وهم ممن يجهل أن ذلك لا يجب عليهم فإنهم يتبعون بالأثمان على أحد قولي ابن القاسم في العتبية،. وإن أسلموا عليهم أطلقوهم ولم يكن لهم عليهم سبيل. وإن صالحوا على هدنة لم يفادوا منهم إلا عن طيب أنفسهم. وإن صالحوا على أداء جزية فروى يحيى عن ابن القاسم أنهم لا ينزعون منهم، وروى عنه سحنون أنهم يؤخذون منهم بالقيمة، وهو الصواب الذي لا يصح سواه، لأن الذمي إذا أسلم عبده يباع عليه ولا يقر بيده، فكيف بأحرار المسلمين.
فصل
وأما إذا حازوا أحرارا من أهل الذمة فإن باعوهم ردوا إلى ذمتهم وتبعهم المشتري بالثمن، وإن قدموا بهم بأمان لم يكن لأحد عليهم فيهم سبيل، إن شاءوا
стр. 353
باعوا وإن شاءوا رجعوا بهم إلى بلادهم، ولا خلاف في هذا أعرفه. فإن غنمهم المسلمون ردوا إلى ذمتهم ولم يكن عليهم شيء إلا أن يباعوا وهم ساكتون غير جاهلين بأن ذلك لا يجب عليهم فعلى ما تقدم من خلاف ابن القاسم في المسألة التي قبلها. وإن أسلموا عليهم فقال في المدونة إنهم يكونون رقيقا لهم، وقال ابن حبيب يردون إلى ذمتهم، وهو اختيار إسماعيل. وإن صالحوا على هدنة لم يعرض لهم، وإن صالحوا على أداء جزية تخرج ذلك على قولين في المذهب لابن القاسم وبالله التوفيق.
فصل
في الرباط
والرباط شعبة من شعب الجهاد، وهو ملازمة الثغور لحراسة من بها من المسلمين، وهو مأخوذ من الربط لأنه إذا لازم الثغر فكأنه قد ربط نفسه به. قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والأجر فيه على قدر الخوف من ذلك الثغر وحاجة أهله إلى حراستهم من العدو. وقد روي أن عبد الله بن عمر قال: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين فحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين، فقيل إن ذلك إنما قاله حين دخل الجهاد ما دخل، فقد قال عمر بن الخطاب اغز ما دام الغزو حلوا خضرا قبل أن يكون مرا عسيرا ثم يكون ثماما ثم يكون رماما ثم يكون حطاما. فإذا انتطت المغازي وكثرت العزائم واستحلت الغنائم فخير جهادكم الرباط. والثمام: الرطب من النبات،
стр. 354
والرمام: اليابس. والحطام: الذي يتحطم ويتكسر. وقوله انتطت يعني تباعدت. وقوله العزائم يريد حمل السلطان شدة الأمر عليهم والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى أو قلة عونه لهم وغير ذلك. فدل ذلك من قوله على أن الجهاد على السنة أفضل من الرباط. وكذلك روى ابن القاسم عن مالك في جهاد المستخرجة. والأظهر في تأويل ذلك عندي أن معناه عند شدة الخوف على أهل ذلك الثغر وتوقع هجوم العدو عليهم وغلبته إياهم على أنفسهم ونسائهم وذراريهم، إذ لا شك أن إغاثتهم في ذلك الوقت وحراستهم مما يتوقع عليهم أفضل من الجهاد إلى أرض العدو، فلا يصح أن يقال إن أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق، وإنما ذلك على قدر ما يرى وينزل. وذلك قائم من قول مالك في سماع ابن القاسم من الكتاب المذكور: ويستحب الرباط أربعين ليلة، لما روي أن رسول الله ﷺ قال: «تمام الرباط أربعون ليلة». وفضائل الرباط المروية كثيرة. منها ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها ويصوم نهارها لا يفطر» وأنه قال: «من رابط فواق ناقة حرمه الله على النار». قال ابن حبيب: هو قدر ما تحلب فيه. وليس من سكن الثغر بأهله وولده مرابطا، وإنما المرابط من خرج من منزله معتقدا الرباط في موضع الخوف وبالله التوفيق.
فصل
في الحكم في الأسرى
قال الله : ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]
стр. 355
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] فذهب مالك وجمهور أهل العلم إلى أن الإمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء: إما أن يقتل، وإما أن يأسر ويستعبد، وإما أن يمن فيعتق، وإما أن يأخذ فيه الفداء، وإما أن يعقد عليه الذمة ويضرب عليه الجزية، لأنه استعمل الآيات كلها وفسر بعضها ببعض ولم ير فيها ناسخا ولا منسوخا، لأن الآية الأولى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] الآية توجب قتل الأسير وألا يستحيى عموم يحتمل الخصوص، فخصصتها الآية الثانية قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وبينت أن المراد بذلك قبل الإثخان، وأن الحكم فيها بعد الإثخان شد الوثائق للمن والفداء. أو بينت الآية الثالثة قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] أن شد الوثائق بالمن والفداء،، المذكور في الآية الثانية آية سورة القتال إنما هو على التخيير لا على الإلزام وتحريم القتل، لأن تقدم الحظر على الأمر قرينة تدل على أن المراد به الإباحة لا الوجوب. وقد كان الأسر محظورا قبل الإثخان، فدل ذلك على أن قوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] معناه إن شئتم، مثل قوله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] بعد قوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ومثل قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] بعد قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
следующие страницы →