← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لكانت للمرأة التي نجت عليها ويلزمها النذر فيها. والحجة لهم من طريق النظر أنهم لما أجمعوا على أنهم لا يملكون رقابنا وجب أن لا يملكوا أموالنا، لأن النظر يوجب أن لا يفرق بين أموالنا ورقابنا في أنهم لا يملكونها، كما لا يفرق بين رقابهم وأموالهم في أنا نملكها. فصل وعلى القول بأنهم يملكونها بحيازتهم إياها يرتفع ملك أربابها عنها، فإن غنمها المسلمون كانت غنيمة للجيش ولم يكن لأربابها أخذها قبل القسم ولا بعده. وقيل إن لهم أن يأخذوها إن أدركوها قبل القسم، فإن قسمت لم يكن لهم إليها سبيل. وقيل إن لهم أن يأخذوها بعد القسم بالثمن، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه على الآثار الواردة في ذلك عن النبي ﷺ من رواية ابن عباس وتميم بن طرفة، الطائي، وهو على قياس القول بأن الغانمين لا يتقرر ملكهم على الغنيمة إلا بالقسم، فيحد منهم من وطئ جارية منها، ولا يجوز عتقه فيها. فصل ولا يخلو ما يحوزه أهلك الحرب عن المسلمين من ستة أشياء: أحدها أحرار المسلمين. والثاني أحرار أهل الذمة. والثالث أموال المسلمين وأهل الذمة لأن الحكم في ذلك سواء. والرابع أمهات أولاد المسلمين. والخامس مدبروهم ومعتقوهم إلى أجل. والسادس مكاتبوهم. ولا يخلو ما حازوه من ذلك كله من ستة أحوال: أحدها أن يبيعوه في بلادهم. والثاني أن يقدموا به بأمان. والثالث أن يغنمه المسلمون. والرابع أن يسلموا عليه. والخامس أن يصالحوا على هدنة وهو في أيديهم. والسادس أن يصالحوا على أداء جزية وذلك في أيديهم، فهذه ست وثلاثون مسألة، لأن لكل شيء من الستة الأشياء التي حازوها ستة أحوال كما ذكرنا، وكل مسألة تختص منها بأحكام نذكر منها ما يدل على باقيها إن شاء الله تعالى.

стр. 352

فصل فأما إذا حاز أهل الحرب أحرار المسلمين وباعوهم فذلك فداء يكون للمشتري الفادي أن يتبع المفدي بما فداه به إلا أن يكونا زوجين فيفدي أحدهما صاحبه وهو عالم به بغير أمره فلا يتبعه بشيء. واختلف إن كان المفدي ممن يعتق على المفدي فقيل إنه لا يتبعه بما فداه به علم أو لم يعلم، وهو قول ابن حبيب. وقيل إنه لا يتبعه إذا علم، وهو الذي يأتي على ما في المدونة. واختلف إن كان ذا محرم منه إلا أنه لا يعتق عليه فقيل إنه كالزوجة لا يتبعه إذا علم إلا إذا فداه بأمره. وقيل إنه كالأجنبي يتبعه في كل حال. وأما إن كان من ذوي رحمه لا من ذوي محارمه فلا اختلاف في أنه كالأجنبي يتبعه في كل حال. وإن قدموا بهم بأمان لم يفادوا منهم إلا عن طيب أنفسهم، وإن أبوا إلا الرجوع بهم إلى بلادهم كان ذلك لهم عند ابن القاسم خلاف ما حكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه سواء. وإن غنمهم المسلمون كانوا أحرارا ولم يكن عليهم شيء إلا أن يباعوا في المقاسم فلا يدعوا شيئا وهم ممن يجهل أن ذلك لا يجب عليهم فإنهم يتبعون بالأثمان على أحد قولي ابن القاسم في العتبية،. وإن أسلموا عليهم أطلقوهم ولم يكن لهم عليهم سبيل. وإن صالحوا على هدنة لم يفادوا منهم إلا عن طيب أنفسهم. وإن صالحوا على أداء جزية فروى يحيى عن ابن القاسم أنهم لا ينزعون منهم، وروى عنه سحنون أنهم يؤخذون منهم بالقيمة، وهو الصواب الذي لا يصح سواه، لأن الذمي إذا أسلم عبده يباع عليه ولا يقر بيده، فكيف بأحرار المسلمين. فصل وأما إذا حازوا أحرارا من أهل الذمة فإن باعوهم ردوا إلى ذمتهم وتبعهم المشتري بالثمن، وإن قدموا بهم بأمان لم يكن لأحد عليهم فيهم سبيل، إن شاءوا

стр. 353

باعوا وإن شاءوا رجعوا بهم إلى بلادهم، ولا خلاف في هذا أعرفه. فإن غنمهم المسلمون ردوا إلى ذمتهم ولم يكن عليهم شيء إلا أن يباعوا وهم ساكتون غير جاهلين بأن ذلك لا يجب عليهم فعلى ما تقدم من خلاف ابن القاسم في المسألة التي قبلها. وإن أسلموا عليهم فقال في المدونة إنهم يكونون رقيقا لهم، وقال ابن حبيب يردون إلى ذمتهم، وهو اختيار إسماعيل. وإن صالحوا على هدنة لم يعرض لهم، وإن صالحوا على أداء جزية تخرج ذلك على قولين في المذهب لابن القاسم وبالله التوفيق. فصل في الرباط والرباط شعبة من شعب الجهاد، وهو ملازمة الثغور لحراسة من بها من المسلمين، وهو مأخوذ من الربط لأنه إذا لازم الثغر فكأنه قد ربط نفسه به. قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والأجر فيه على قدر الخوف من ذلك الثغر وحاجة أهله إلى حراستهم من العدو. وقد روي أن عبد الله بن عمر قال: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين فحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين، فقيل إن ذلك إنما قاله حين دخل الجهاد ما دخل، فقد قال عمر بن الخطاب اغز ما دام الغزو حلوا خضرا قبل أن يكون مرا عسيرا ثم يكون ثماما ثم يكون رماما ثم يكون حطاما. فإذا انتطت المغازي وكثرت العزائم واستحلت الغنائم فخير جهادكم الرباط. والثمام: الرطب من النبات،

стр. 354

والرمام: اليابس. والحطام: الذي يتحطم ويتكسر. وقوله انتطت يعني تباعدت. وقوله العزائم يريد حمل السلطان شدة الأمر عليهم والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى أو قلة عونه لهم وغير ذلك. فدل ذلك من قوله على أن الجهاد على السنة أفضل من الرباط. وكذلك روى ابن القاسم عن مالك في جهاد المستخرجة. والأظهر في تأويل ذلك عندي أن معناه عند شدة الخوف على أهل ذلك الثغر وتوقع هجوم العدو عليهم وغلبته إياهم على أنفسهم ونسائهم وذراريهم، إذ لا شك أن إغاثتهم في ذلك الوقت وحراستهم مما يتوقع عليهم أفضل من الجهاد إلى أرض العدو، فلا يصح أن يقال إن أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق، وإنما ذلك على قدر ما يرى وينزل. وذلك قائم من قول مالك في سماع ابن القاسم من الكتاب المذكور: ويستحب الرباط أربعين ليلة، لما روي أن رسول الله ﷺ قال: «تمام الرباط أربعون ليلة». وفضائل الرباط المروية كثيرة. منها ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها ويصوم نهارها لا يفطر» وأنه قال: «من رابط فواق ناقة حرمه الله على النار». قال ابن حبيب: هو قدر ما تحلب فيه. وليس من سكن الثغر بأهله وولده مرابطا، وإنما المرابط من خرج من منزله معتقدا الرباط في موضع الخوف وبالله التوفيق. فصل في الحكم في الأسرى قال الله : ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]

стр. 355

وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] فذهب مالك وجمهور أهل العلم إلى أن الإمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء: إما أن يقتل، وإما أن يأسر ويستعبد، وإما أن يمن فيعتق، وإما أن يأخذ فيه الفداء، وإما أن يعقد عليه الذمة ويضرب عليه الجزية، لأنه استعمل الآيات كلها وفسر بعضها ببعض ولم ير فيها ناسخا ولا منسوخا، لأن الآية الأولى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] الآية توجب قتل الأسير وألا يستحيى عموم يحتمل الخصوص، فخصصتها الآية الثانية قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وبينت أن المراد بذلك قبل الإثخان، وأن الحكم فيها بعد الإثخان شد الوثائق للمن والفداء. أو بينت الآية الثالثة قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] أن شد الوثائق بالمن والفداء،، المذكور في الآية الثانية آية سورة القتال إنما هو على التخيير لا على الإلزام وتحريم القتل، لأن تقدم الحظر على الأمر قرينة تدل على أن المراد به الإباحة لا الوجوب. وقد كان الأسر محظورا قبل الإثخان، فدل ذلك على أن قوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] معناه إن شئتم، مثل قوله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] بعد قوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ومثل قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] بعد قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].

стр. 356

فصل وقولنا إن تقدم الحظر على الأمر قرينة تدل على أن المراد به الإباحة ليس بإجماع. قد قيل إن ذلك لا يدل على الإباحة. فإذا قلنا بهذا فالدليل على أن المراد بذلك التخيير بين القتل وإباحة الأسر «أن رسول الله ﷺ قتل صبرا من أساري بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث». فصل والتخيير في الأسرى ليس على الحكم فيهم بالهوى، وإنما هو على وجه الاجتهاد في النظر للمسلمين، كالتخيير في الحكم في حد المحارب. فإن كان الأسير من أهل النجدة والفروسية والنكاية في المسلمين قتله الإمام ولا يستحييه، وإن لم يكن على هذه الصفة وأمنت غائلته وله قيمة استرقه للمسلمين وقبل فيه الفداء إن بذل فيه أكثر من قيمته، وإن لم تبذل فيه قيمة ولا فيه محمل لأداء الجزية أعتقه كالضعفاء والزمنى الذين لا قتال عندهم ولا رأى لهم ولا تدبير. فمن الضعفاء والزمنى الذين لا يقتلون المعتوه والمجنون واليابس الشق باتفاق، والأعمى والمقعد على اختلاف. والاختلاف في هذا على اختلافهم في وجوب السهم لهم من الغنيمة، وفي جواز إعطائهم من المال الذي يجعل في السبيل، وإن لم تكن له قيمة وفيه محمل لأداء الجزية عقد له الذمة وضربت عليه الجزية. واختلف قول مالك إذا لم يعرف حاله، فمرة قال إنه لا يقتل إلا أن يكون معروفا بالنجدة والفروسية، ومرة قال إنه يقتل، وهو الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في كتابه إلى عماله أن يقتلوا من جرت عليه المواسي ولا يسبوا من علوجهم أحدا. فصل وإن رأى الإمام باجتهاد مخالفة ما وصفناه من وجوه الاجتهاد كان ذلك له، مثل أن يبذل الفارس المعروف بالنجدة والفروسية في نفسه المال الواسع الكثير

стр. 357

فيرى الإمام أخذه أولى من قتله بما ظهر إليه في ذلك من النظر للمسلمين والاستعانة بما يأخذ منه على المشركين وما أشبه ذلك من وجوه الاجتهاد. هذا تحصيل القول في حكم الأسرى. وحكى الداروردي في كتاب الأموال أن أكثر أصحاب مالك يكرهون فداء الأسرى بالمال ويقولون إنما كان ذلك ببدر لأن النبي ﷺ علم أنه سيظهر عليهم وساق القصة في ذلك. قال وإنما يتفق على جواز فدائهم بأسرى المسلمين والذي ذكرته هو الصحيح. فصل ومن أهل العلم من جعل الآية الأولى ناسخة للآيتين الثانية والثالثة فقال: إن الأسير يقتل على كل حال ولا يجوز استحياؤه. وممن قال بذلك قتادة وجماعة من المفسرين. ومنهم من حمل قَوْله تَعَالَى في الآية الثانية ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] على الإلزام لا على التخيير، وجعلها ناسخة للآية الأولى في إيجاب القتل، وللآية الثانية فيما يقتضيه من التخيير فقال إن الأسير لا يقتل صبرا. وممن ذهب إلى هذا عبد الله بن عمر، والحسن، وعطاء. وهذا كله بعيد، لأن النبي ﷺ قتل وأسر فوقع فعله موقع البيان لما في القرآن، والله المستعان. فصل في الجزية والجزية ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع إقرارهم على كفرهم، وهي على وجهين: عنوية وصلحية. وأما الصلحية فلا حد لها إذ لا يجبرون عليها ولأنهم منعوا أنفسهم وأموالهم حتى صالحوا عليها فإنما هي على ما يراضيهم عليه الإمام من قليل أو كثير على أن يقروا في بلادهم على دينهم إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين وتؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. كذا نص ابن حبيب في الواضحة. وعنده أن الجزية الصلحية لا حد لها إلا ما صولحوا عليه من قليل أو كثير، وهو كلام فيه نظر. والصحيح أنه لا حد لأقلها يلزم أهل الحرب الرضا به لأنهم مالكون لأمرهم، وأن لأقلها حدا إذا بذلوه لزم الإمام

стр. 358

قبوله وحرم عليه قتالهم لقول الله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ولم أر لأحد من أصحابنا في ذلك حدا. والذي يأتي على المذهب عندي أن أقلها ما فرض عمر على أهل العنوة، فإذا بذل ذلك أهل الحرب في الصلح على أن يؤدوه عن يد وهم صاغرون لزم الإمام قبوله وحرم عليه قتالهم. وله أن يقبل منهم في الصلح أقل من ذلك وإن كانوا أغنياء وقال الشافعي: أقل الجزية دينار، ولا يتقدر أكثرها لأنه إذا بذل الأغنياء دينارا حرم قتالهم وهذا نص منه على أن أقل الجزية دينار، ولا يتقدر أكثرها معناه أنه ليس لكثرة ما يبذلونه في الصلح حد لا يجوز للإمام أن يتجاوزه، بخلاف أهل العنوة الذي لا يجوز للإمام أن يتجاوز فرض عمر، والله أعلم. فصل وهي على ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون الجزية مجملة عليهم، والثاني أن تكون مفرقة على رقابهم دون الأرض، والثالث أن تكون مفرقة على رقابهم وأرضهم أو على أرضهم دون رقابهم، مثل أن يقول على كل رأس كذا وكذا، وعلى كل زيتونة كذا وكذا وعلى كل بيدر قفيز من الأرض كذا وكذا. ولكل وجه من هذه الوجوه أحكام تختص به. فصل فأما إذا كانت الجزية مجملة عليهم فذهب ابن حبيب إلى أن الأرض موقوفة للجزية لا تباع ولا تورث ولا تقسم ولا تكون لهم إن أسلموا عليها، وأن مال من مات منهم لوارثه من أهل دينه إلا أن لا يكون له ورثة من أهل دينه فيكون للمسلمين. وذهب ابن القاسم إلى أن أرضهم بمنزلة مالهم يبيعونها ويرثونها ويقتسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها، وإن مات منهم ميت ولا وارث له من أهل دينه فأرضه وماله لأهل مواده ولا يمنعون من الوصايا وإن أحاطت بأموالهم إذ لا ينقصون من الجزية شيئا لموت من مات.

стр. 359

فصل وأما إن كانت الجزية مفرقة على رقابهم فلا اختلاف أن لهم أرضهم ومالهم يبيعون ويورثون وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم ولا وارث له من أهل دينه فأرضه وماله للمسلمين، ولا تجوز وصيته إلا في ثلث ماله. فصل وأما إن كانت الجزية مفرقة على الجماجم والأرض أو على الأرض دون الجماجم فاختلفوا في جواز بيع الأرض على ثلاثة أقوال: أحدها أن البيع لا يجوز، وهي رواية ابن نافع عن مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة. والثاني أن البيع جائز ويكون الخراج على البائع وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها. والثالث أن البيع جائز ويكون الخراج على المبتاع ما لم يسلم البائع، وهو مذهب أشهب وقوله في المدونة ولا اختلاف أنها تكون لهم إن أسلموا عليها وأنهم يورثونها بمنزلة سائر أموالهم قرابتهم من أهل دينهم أو المسلمون إن لم يكن لهم قرابة من أهل دينهم. فصل فإن صالحوا على الجزية مبهمة من غير بيان ولا تحديد وجبت لهم الذمة وحملوا في الجزية محمل أهل العنوة في جميع وجوهها على ما سنفصله إن شاء الله تعالى. فصل وأما الجزية العنوية، وهي الجزية التي توضع على المغلوبين على بلادهم المقرين فيها لعمارتها، فإنها عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على ما فرضها عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، إلا أن مالكا ﵀ تعالى رأى أن توضع عنهم الضيافة إذ لم يوف لهم بالعهد على وجهه. ومعنى ذلك أنه لا يسوغ لأحد ممن مر بهم أن يطالبهم بالضيافة إذا علم أنه لم يوف لهم بالعهد. وكذلك من

стр. 360

استؤمنوا على أن يكونوا من أهل ذمة المسلمين حكمهم حكم أهل العنوة في الجزية. هذا حد الجزية عند مالك لا يزاد فيها على الغني لغناه ولا ينقص عن الفقير لفقره إذا كانت له قوة على احتمالها. واختلف إن ضعف عن حمل جملتها فقيل إنها توضع عنه، وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم، وقيل إنه يحمل منها بقدر احتماله، قال القاضي أبو الحسن، ولا حد لذلك. وقيل إن حد أقل الجزية دينار أو عشرة دراهم. فصل فيتحصل في حد الجزية في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها أن حدها ما فرض عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لا يزاد عليه ولا ينقص منه. والثاني أن حد أكثرها ما فرض عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ولا حد لأقلها، وإلى هذا ذهب القاضي أبو الحسن. والثالث أن حد أكثرها ما فرض عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وحد أقلها دينار أو عشرة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن الدينار عنده باثني عشر درهما، فقال إنه يؤخذ من الغني أربعة دنانير إن كان من أهل الذهب وثمانية وأربعون درهما إن كان من أهل الورق، ومن المتوسط الحال نصف ذلك، ومن الفقير ربع ذلك دينار أو اثنا عشر درهما. فصل ولا تؤخذ الجزية إلا من الرجال الأحرار البالغين لأنها ثمن لتأمينهم وحقن دمائهم، والصبي والمرأة لا يقاتلان، والعبد مال من الأموال. واختلف فيه إذا أعتق على ثلاثة أقوال: أحدها أن عليه الجزية لأنه حر له ذمة المسلمين فوجبت عليه الجزية لهم. الثاني أنه لا جزية عليه لأنه كان مؤمنا محقون الدم، والجزية إنما هي ثمن لحقن الدم. والثالث الفرق بين أن يعتقه مسلم أو كافر، وهذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك. وهذا الاختلاف إنما هو إذا أعتق في بلاد الإسلام، وأما إذا أعتق في دار الحرب فتكون عليه الجزية على كل حال. فصل وتؤخذ الجزية من أهل الذمة عند وجوبها. واختلف في حد وجوبها فقيل إنها

стр. 361

تجب بأول الحول حين تعقد لهم الذمة، ثم بعد ذلك عند أول كل حول، وهو مذهب أبي حنيفة. وقيل إنها لا تجب إلا بآخر الحول، وهو مذهب الشافعي، وليس عن مالك وأصحابه ﵏ تعالى في ذلك نص. والظاهر من مذهبه وقوله في المدونة أنها تجب بآخر الحول، وهو القياس، لأنها إنما تؤخذ منهم سنة بسنة جزاء على تأمينهم وإقرارهم على دينهم يتصرفون في جوار المسلمين وذمتهم آمنين، يقاتل عنهم عدوهم ولا يلزمهم ما يلزم المسلمين، فهي عليهم بإزاء الزكاة على المسلمين، غير أنها تؤخذ منهم على وجه الذلة والصغار، وتؤخذ الزكاة من المسلمين تطهيرا لهم وتزكية. ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كان يأخذ من نصارى العرب في جزيتهم الزكاة مضاعفة إكراما لهم فوجب أن تجب بمرور الحول كالزكاة. وتحرير قياس ذلك أن الجزية حق في المال فيتعلق وجوبه بالحول، فوجب أن يؤخذ في آخره كالزكاة. فصل وكذلك الحكم في الجزية الصلحية إذا وقعت مبهمة من غير تحديد كما ذكرنا. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن هذا الاختلاف إنما هو في الجزية الصلحية، وأن الصحيح فيها من القولين أن تؤخذ معجلة عند أول الحول لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم وترك قتالهم، وقد وجب لهم ذلك بعقد الصلح وتقرر، فوجب أن يتنجز منهم العوض قياسا على سائر عقود المعاوضات. واستدل على ذلك أيضا بقول الله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] وقال إن لفظ الإعطاء إذا أطلق فالظاهر منه قبض العطية دون إيجابها. ولو كان محتملا للوجهين احتمالا واحدا لكان قَوْله تَعَالَى عن يد دليلا على أن المراد به القبض، لأن من قال أعطيت فلانا عن يد يفهم منه تعجيل العطاء ودفعه إلى المعطى، قال وهو الذي يأتي على مذهب مالك لأنه قال في تجار الحربيين أن يؤخذ منهم ما صالحوا عليه باعوا أو لم يبيعوا، فوجب أن يؤخذ منهم ما صالحوا عليه بحصول التأمين لهم وإن لم يحصلوا على ما أملوه من الانتفاع بالبيع والشراء. وإن الجزية

стр. 362

العنوية تؤخذ في آخر الحول بلا خلاف لأنهم عبيد للمسلمين، وما يؤخذ منهم في الجزية كالخراج، فوجب أن يؤخذ منهم بعد استيفاء المنفعة وانقضاء المدة. وفي هذا كله نظر. أما قوله في الجزية الصلحية إنها عوض عن تأمينهم وترك قتالهم وحقن دمائهم وقد وجب لهم ذلك وتقرر بعقد الصلح فوجب أن يتنجز منهم العوض قياسا على سائر عقود المعاوضات فليس ذلك بصحيح، لأنها إنما هي عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم على التأبيد، فإن كان قد وجب لهم الأمان وتقرر بعقد الصلح فلم يحصل لهم بعد ولا استوفوه، وإنما يحصل الاستيفاء بمرور المدة عاما بعد عام لجواز الخفر بهم فيما يأتي من المدة. وإنما ذلك في القياس بمنزلة من أسكن رجلا داره أعواما على أن يؤدي إليه في كل عام كذا وكذا فلا يجب على المسكن أن يؤدي واجب كل عام إلا في آخره، [لأن السكن إن كان قد وجب له وتقرر بالعقد فلم يقبضه بعد ولا استوفاه]. فصل وأما استدلاله على ذلك بظاهر قول الله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] وقوله إن لفظ الإعطاء عن يد إذا أطلق الأظهر منه التعجيل وإن كان يحتمل أن يراد به التأخير فلا يصح، بل الآية حجة لنا ودلالة على صحة قولنا، لأنه قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] فعم بالجزية ولم يخص منها شيئا دون شيء، فوجب بحق الظاهر أن تكون كلها معجلة، فيكون معنى الإعطاء القبض والدفع، أو تكون كلها مؤجلة فيكون الإعطاء بمعنى الإيجاب دون الدفع والقبض، من قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] فلما بطل أن تكون كلها معجلة للإجماع على أن جزية العام الثاني وما بعده من الأعوام لا تقبض في أول العام الأول صح أنها كلها مؤجلة لا يتنجز قبض شيء منها ولا يصح في عقل عاقل أن يقول إن

стр. 363

ظاهر لفظ الإعطاء قبض بعض المعطى وإيجاب بعضه. وإذا لم يصح ذلك فقول الله لا دليل فيه على أن مراده بيعطوا الجزية تنجز القبض وإنما معناه على ما قيل عن غلبة وقهر، لأن الأيد القوة. قال الله : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي بقوة وقدرة. وليل يعطونها بإنعام عليهم لأن [قبولها منهم وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم إذ]، اليد تكون عند العرب بمعنى النعمة. وقيل معناه أن يدفعوها عند وجوبها عليهم بأيديهم لا يرسلوا بها كما يفعل الجبارون المتكبرون. ويؤيد هذا التأويل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فصل وأما استدلاله على أن مذهب مالك تنجز قبض الجزية عنا أول العام من قوله في تجار الحربيين إنه يؤخذ منهم ما صالحوا عليه باعوا أو لم يبيعوا فلا دليل له في ذلك على ما ذهب إليه، بل يدل ذلك من قوله - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على أن الجزية لا تؤخذ إلا في آخر الحول على ما عزينا إليه وتأولناه عليه، لأنه لم يقل أن يؤخذ منهم ما صولحوا عليه عند عقد الصلح معهم قبل أن يدخلوا للتجارة، وإنما قال إنه يؤخذ ذلك منهم إذا دخلوا وأقاموا للتجارة القدر الذي صولحوا على إقامته، فهم لو شاءوا أن يبيعوا باعوا، فليس تركهم لبيع سلعهم باختيارهم بالذي يسقط الحق الواجب عليهم في دخولهم بلاد المسلمين ومقامهم فيها في جوارهم وتحت ذمتهم. فصل وكذلك قوله إن الخلاف غير داخل في الجزية العنوية لا يصح، لأن العلة التي اعتل بها من أن أخذ الجزية في أول الحول وهي الانتفاع بالعقد لإيجابه لهم الذمة والأمان موجودة في هؤلاء لإيجابها لهم البقاء في بلاد المسلمين أحرارا أو بمنزلة الأحرار وهم على كفرهم آمنون.

стр. 364

فصل واختلف فيمن أسلم بعد وجوب الجزية عليه إما بأول الحول وإما بآخره على الاختلاف المتقدم في ذلك هل تسقط عنه الجزية أم لا على قولين: فذهب الشافعي إلى أنها لا تسقط عنه ويؤخذ بها بعد إسلامه، وذهب أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أنها تسقط عنه بإسلامه، وهو مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه. والدليل على ذلك قول رسول الله ﷺ «لا جزية على مسلم». وكتب عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون، لأن الوضع لا يكون إلا فيها قد وجب. وأما سقوطها عنهم فيما يستقبل بعد إسلامهم فليس مما يشكل حتى يحتاج عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلى كتابه بذلك إلى عماله فلا يصح أن يحمل كلامه على ذلك. فصل والكفار في أخذ الجزية منهم على أربعة أصناف: صنف تؤخذ منهم الجزية باتفاق. [وصنف لا تؤخذ الجزية منهم باتفاق]. وصنف تؤخذ الجزية منهم على اختلاف. وصنف اختلفوا فيما يؤخذ منهم في الجزية. فصل فأما الذين تؤخذ منهم الجزية باتفاق فأهل الكتاب والمجوس من العجم. تؤخذ من أهل الكتاب بنص القرآن قال الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ومن المجوس العجم وهم ما عدا أهل الكتاب فتؤخذ منهم بالسنة والقياس، فأما السنة فقوله في حديث عبد الرحمن بن عوف «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» يريد في الجزية،

стр. 365

«وأخذه ﷺ الجزية من مجوس البحرين». وأما القياس فهو أن الجزية إذا كانت تؤخذ من أهل الكتاب إذلالا وإصغارا مع أنهم أقرب إلى الحق لإقرارهم بالنبوة والشريعة المتقدمة فالمجوس أحرى بذلك منهم، إذ لا يقرون بشيء من ذلك. وقد قيل في المجوس إنهم أهل كتاب، روي ذلك عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. فقول النبي ﷺ «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» معناه على قوله الذين يعلم كتابهم على ظهور واستفاضة. فصل وأما الذين لا تؤخذ منهم الجزية باتفاق فكفار قريش والمرتدون. أما المرتدون فلأنهم ليسوا هم على دين يقرون عليه لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاضربوا عنقه». وأما كفار قريش فقيل إنما لم تؤخذ منهم الجزية لأنه لا يجوز أن يجري عليهم ذلة ولا صغار لمكانهم من النبي ﷺ . فإن كانوا من أهل الكتاب تخصصوا من عموم الآية بالإجماع ولم يجز في أمرهم إلا الإسلام أو السيف، وهذا الإجماع حكاه ابن الجهم. وقال القزويني إنما لم تؤخذ الجزية من كفار قريش لأن جميعهم أسلم يوم الفتح، فلا يكون قرشي كافرا إلا مرتدا والمرتد لا تؤخذ منه الجزية لأنه ليس على دين يقر عليه ولا يسترق. فصل وأما الذين تؤخذ منهم الجزية على اختلاف فمشركو العرب ومن دان بغير الإسلام [من العرب و] ليس من أهل الكتاب ولا المجوس. أما مشركو العرب

стр. 366

فذهب مالك إلى أن الجزية تؤخذ منهم، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا تؤخذ الجزية منهم، والى هذا ذهب ابن حبيب، وهو قول ابن وهب من أصحابنا. قال ابن حبيب إكراما لهم فعلى قوله تؤخذ الجزية من غير المجوس إذا لم يكن من العرب ودان بغير الإسلام. وقيل إن ذلك ليس من جهة الإكرام لهم، وإنما ذلك على جهة التغليظ عليهم لبعدهم من الحق إذ ليسوا بأهل كتاب، وهذا يأتي على مذهب الشافعي لأن المجوس عنده أهل كتاب ولا تؤخذ الجزية عنده إلا من أهل الكتاب. فعلى قوله لا تؤخذ الجزية من غير المجوس وأهل الكتاب وإن لم يكونوا من العرب. فصل وأما الذين يختلف فيما يؤخذ منهم في الجزية فنصارى العرب، ذهب مالك إلى أن الجزية تؤخذ منهم، وحجته قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وروي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه كان يأخذ منهم في جزيتهم الصدقة مضاعفة إكراما لهم. وقيل بل كان يأخذ ذلك باسم الجزية والله أعلم. فصل فالذي يتحصل في الجزية ثلاثة أقوال: أحدها أن الجزية تؤخذ ممن دان بغير الإسلام بدين يقر عليه من جميع الأمم حاشا كفار قريش. والثاني أنها تؤخذ ممن دان بغير الإسلام بدين يقر عليه حاشا كفار قريش ومشركي العرب. والثالث أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس، وهذا قول الشافعي. والقولان الأولان في المذهب، وقد تقدم ذكر ذلك وبالله التوفيق.

стр. 367

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم عونك اللهم لا شريك له كتاب الحج فصل في معرفة اشتقاق اسم الحج الحج في اللغة القصد مرة بعد أخرى أو هو مأخوذ من قولهم حججت فلانا إذا عدته مرة بعد أخرى، فقيل حج البيت لأن الناس يأتونه في كل سنة. قال الله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] أي مرجعا يأتونه في كل سنة ثم يرجعون إليه فلا يقضون منه وطرا، أي لا يدعه الإنسان إذا أتى إليه قبل أن يعود إليه ثانية. وقيل للحاج حاج لأنه يأتي البيت في - أول قدومه فيطوف به قبل يوم عرفة ثم يعود إليه بعد يوم عرفة لطواف الإفاضة ثم ينصرف عنه إلى منى ثم يعود إليه ثالثة لطواف الصدر، فلتكرار العودة إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج. فصل والعمرة: الزيارة، يقال أتى فلان معتمرا أي زائرا، فقيل للمعتمر معتمرا لأنه إذا طاف بالبيت انصرف عنه معتمرا أولم يعد إليه بعد زيارته إياه. فمعنى اعتمر الرجل البيت أي زاره وقصده. وكل من قصد شيئا فهو له معتمرا.

стр. 368

فصل فحج البيت في الشرع قصده على ما هو في اللغة، إلا أنه قصد على صفة ما في وقت ما تقترن به أفعال ما. فصل وحج بيت الله الحرام فريضة كفريضة الصلاة والصيام والزكاة، قال الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فصل ولوجوبه أربعة شرائط، وهي البلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة. واختلف في الإسلام فقيل: إنه من شرائط الوجوب، وقيل إنه من شرائط الإجزاء، على اختلافهم في مخاطبة الكافر بشرائع الإسلام. فصل والاستطاعة القوة على الوصول إلى مكة إما راكبا وإما راجلا مع السبيل الآمنة المسلوكة. وما روي عن النبي ﷺ في الاستطاعة أنه الزاد والراحلة معناه عندنا في البعيد الدار الذي لا يقدر على الوصول إلى مكة راجلا إلا بتعب ومشقة. فإذا كان لا يقدر على الوصول راجلا لبعد بلده إلا بالمشقة التي ذكر الله تعالى حيث يقول: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] فلا يجب عليه الحج حتى يقدر على الراحلة بشراء أو كراء. وقد قال بعض البغداديين: لم يثبت في الراحلة حديث. وظاهر القرآن يوجب الحج على مستطيعه ماشيا، يريد قول الله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وقد سئل مالك رحمه

стр. 369

الله عن قول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] أهو الزاد والراحلة، فقال لا والله ما ذلك إلا على طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على السير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه. ولا صفة في هذا أبين مما قال الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فمن قدر على الوصول إلى مكة إما راجلا بغير كبير مشقة تلحقه أو راكبا بشراء أو كراء فقد وجب عليه الحج. وليس النساء في المشي على ذلك وإن قوين لأنهن في مشيهن عورة إلا للمكان القريب مثل مكة وما قرب منها. حكى ذلك ابن المواز عن أصبغ. فصل وإن لم يكن عند الرجل من الناض ما يشتري به أو يكتري به وله عروض فيلزمه أن يبيع من عروضه في الحج ما يباع عليه منها في الدين. أوقد سئل ابن القاسم عن الرجل تكون له القرية ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده ولا شيء لهم يعيشون به. قال نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة،. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك فقر ظاهر أو مرض حابس أو سلطان ظالم فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا». فصل واختلف في الحج هل هو على الفور أو على التراخي. فحكى ابن القصار عن مالك أنه عنده على الفور، ومسائله تدل على خلاف ذلك. روى أشهب عنه أنه سئل عمن حلف على زوجته أن لا تخرج فأرادت الحج وهي صرورة أنه يقضى عليه بذلك، ولكن لا أدري ما تعجيل الحنث ها هنا حلف أمس وتقول هي أنا أحج اليوم ولعله يؤخر ذلك سنة بسنة. وفي كتاب ابن عبد الحكم أنه يؤخر سنة وكذلك يقضى عليه. وهذا يدل على أن الحج عنده على التراخي، إذ لو كان عنده على الفور لما شك في تعجيل تحنيث الزوج في أول عام. بل القياس يوجب أن يحنث

стр. 370

الزوج في أول عام وإن كان الحج على التراخي لأن لها أن تعجله وإن لم يجب عليها تعجيله. ولما أخر رسول الله ﷺ عاما واحدا للعذر المذكور في الحديث رأى على ما في كتاب ابن عبد الحكم أنه يقضى عليهما بالتأخير عاما واحدا، لأن يمين الزوج عذر، ولعلها إنما قصدت إلى تحنيثه لا إلى القربة بتعجيل الحج، فهذا وجه الرواية والله أعلم. ولابن نافع عن مالك في المجموعة أنه يستأذن أبويه في حج الفريضة العام وعام قابل ولا يعجل عليهما، فإن أبيا فليخرج. وهذا بين في أن الحج عنده على التراخي خلاف ما في كتاب ابن المواز أنه يحج الفريضة [بغير إذنهما] وإن قدر أن يترضاهما فعل. وإلى أنه على التراخي ذهب سحنون في نوازله من كتاب الشهادات، أي لم ير أن تسقط شهادة من ترك الحج وهو قوي عليه حتى يتطاول ذلك السنين الكثيرة من العشرين إلى الستين ونحو ذلك. فصل فإذا قلنا إنه على التراخي فله حالة يتعين فيها، وهو الوقت الذي يغلب على الظن فواته بتأخيره عنه، وهو يتعين عندي على من بلغ الستين، لقول رسول الله ﷺ : «معترك أمتي من الستين إلى السبعين». وإلى هذا الحديث نحا سحنون في نوازله والله أعلم. ومما يدل على - أن الحج على التراخي أنه فرض في سنة تسع وأقامه أبو بكر للناس في ذلك العام، ولم يحج رسول الله ﷺ إلا في سنة عشر. وإلى هذا ذهب الشافعي واحتج بهذه الحجة. وما اعتل به في ذلك من ذهب إلى أنه على الفور من أن رسول الله ﷺ قد علم بما أعلمه الله أنه يعيش حتى يحج لا يلزم، لأن أصل اختلافهم أفي هذا إنما هو على اختلافهم، في الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو لا يقتضيه. فلو كان قول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] يقتضي الفور في اللسان ومفهوم في

стр. 371

الخطاب لما صح أن يؤخر الحج إلى عام آخر وإن علم أنه يعيش إلا أن يخصه الله تعالى بذلك دون غيره، وفعله في امتثال أمر الله محمول على البيان لمجمل كتاب الله حتى يعلم أنه مخصوص بذلك. وإلى أن النبي ﷺ كان مخصوصا بتأخير الحج ذهب إسماعيل القاضي فقال إن الله لم يأمره بالحج حتى قطع ما أراد أن يقطعه من عهود المشركين ودار الحج إلى الشهر الذي جعل الله فيه الحج وحج فيه أبوه إبراهيم، وهو قول لا دليل عليه. والظاهر أنه ﷺ داخل تحت عموم قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأما قول من قال إن حجة أبي بكر كانت تطوعا لأنه حج في ذي القعدة قبل وقت الحج على النسيء الذي كان عليه أهل الجاهلية وأن رسول الله ﷺ إنما أخر الحج إلى عام عشر ليوقعه في وقته الذي استدار إليه الزمان وحج فيه الأنبياء قبله إبراهيم وغيره صلوات الله وسلامه عليهم وهو ذو الحجة، فيكون هو الفرض ويثبت فيه الحج إلى يوم القيامة على ما قاله في خطبته، فليس ذلك عندي بصحيح. بل حج أبو بكر في ذي القعدة وهو وقته حينئد شرعا ودينا قبل أن ينسخ النسيء، ثم حج رسول الله ﷺ في ذي الحجة من العام المقبل وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية فنسخ ذلك النسيء الذي كان عليه أهل الجاهلية، وأنزل أيضا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] يريد لا ينقل عنها، فاستقر الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة. ولو كان الحج قد فرض في ذي الحجة ونسخ النسيء عند فرض الحج قبل حج أبي بكر لما حج أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في ذلك العام إلا في ذي الحجة، ولأمكن رسول الله ﷺ أن يحج في ذلك العام لو شاء فيه الحج. فالصحيح أنه إنما أخر الحج في ذلك العام من أجل العراة الذين كانوا يطوفون بالبيت من المشركين حتى يعهد إليهم في ذلك على ما جاء في الحديث، لا ليوقعه في ذي الحجة إذ كان قادرا على أن يوقعه في ذلك العام في ذي الحجة لو كان الحج قد فرض عليه فيه على الفور، فصح الدليل من فعله ﷺ على أن الحج على التراخي والله أعلم.

стр. 372

فصل وقد ذكر الله تعالى الحج كله في كتابه بمناسكه ومشاعره وأحكامه ووقت أدائه وما يحل فيه وما يحرم فقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] [أي وقت الحج أشهر معلومات] لأن الحج عمل والأشهر وقت، فليس الأشهر هي الحج، وإنما هي وقت له. واختلف فيها فقيل إن المراد بها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لأنه إذا رمى الجمرة يوم النحر فقد حل من إحرامه أولم يفسد حجه إن وطئ بعد ذلك لأن ترك الوطء قبل طواف الإفاضة ورمي الجمرة من سنن الحج وليس من فرائضه. وإنما جاز أن يقال لها أشهر وهي شهران وبعض الثالث لأنه وقت، والعرب تسمي الوقت تاما ببعضه، فتقول جئتك يوم الخميس وإنما أتاه في ساعة منه، وجئتك شهر كذا وإنما أتاه في يوم منه. وقيل إن المراد بها شوال وذو القعدة وذو الحجة لأن رمي الجمار في أيام مني بعد العشر وهي من عمل الحج، ولأنه لا يجوز أن يطأ النساء إلا بعد طواف الإفاضة، وله أن يؤخره إلى آخر الشهر ولا يكون عليه دم وهو من عمل الحج. فالرفث في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] هو إصابة النساء. قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والفسوق الذبح للأنصاب، قال الله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال بعضهم الفسوق المعاصي كلها، وهو أظهر، فمعناه ولا يفسق بإتيان ما نهاه الله عنه في حال إحرامه بحجه من قتل صيد أو أخذ شعر أو تقليم ظفر أو غير ذلك مما حرم الله عليه فعله في حال الإحرام. والجدال الذي نهى الله عنه في الحج هو أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقزح وكانت العرب وغيرها تقف بعرفة، فكانوا

стр. 373

يتجادلون يقول هؤلاء نحن أصوب ويقول هؤلاء نحن أصوب، فقال الله : ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧]. فصل وليس توقيت الحج للحج كتوقيت وقت الصلاة للصلاة في أن لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج كما لا يجوز الإحرام بالصلاة قبل دخول وقتها. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الحج لا يتصل عمله بإحرامه، بل يتأخر إلى ميقاته، فلا يضره الإحرام به قبل وقته، إذ لا يمكن عمله، إلا في وقته، والصلاة يتصل عملها بالإحرام لها، فلو أحرم بها قبل وقتها لجاز أن يفرغ منها قبل دخول وقتها. وقد كان الأصل أن يجب على الناس الإحرام بالحج من أوطانهم وإذ كان بينهم وبين مكة مسيرة العام أو الأعوام بقول الله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: ٢٧]، فخفف الله عنهم لِقَوْلِهِ تَعَالَى في كتابه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] كما خفف عنهم على لسان رسوله ﷺ أن يحرموا قبل ميقاتهم. فإن أحرم أحد بالحج قبل أشهر الحج أو قبل ميقاته كان قد أساء إذ شدد على نفسه ولم يقبل رخصة الله، فهذا وجه توقيت أشهر الحج للحج. ولهذا المعنى وجب على من لم يكن من أهل مكة إذا اعتمر في أشهر الحج ثم حج قبل أن يرجع إلى بلده أو قرن أن يهدي، وذلك أنه اعتمر في الأشهر التي خص الله بها الحج في حقه. ومن أهل العلم من يقول: إنه لا يجوز له أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل حل بعمرة وكان متمتعا ولم يجزئه إحرامه بالحج. وقد قيل: إنه ليس عليه أن يتحلل بعمرة، كمن أحرم بصلاة ثم ذكر أنه قد كان صلاها، إن له أن يقطع ولا يلزمه أن يتم ركعتين، وفي ذلك اختلاف.

стр. 374

فصل وقال الله تعالى في الطواف: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] وقال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وجاء في بعض الآثار أن أصل الطواف بالبيت أن الله ﵎ لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فغضب عليهم غضبا شديدا فتفرقوا لغضبه ولاذوا بالعرش فطافوا حوله سبعا يستغفرون الله فغفر لهم وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا يطوف حوله ذرية من أستخلفه فيها ويستغفرونني فأغفر لهم كما غفرت لكم وأرضى عنهم كما رضيت عنكم، والله أعلم. فصل وقال تعالى في الصفا والمروة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فقوله تعالى فيهما إنهما من شعائر- الله دليل على وجوب السعي بينهما، لأن الله تعالى أخبر أن السعي بينهما من شعائر الحج التي أداها خليله إبراهيم - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وإن كان خبرا فالمراد به الأمر، لأن الله تعالى أمر نبيه باتباع ملة إبراهيم ﷺ فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ولا دليل على سقوط وجوب السعي بينهما لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] لأن معنى ذلك هو ما «روي أن النبي ﷺ لما اعتمر

стр. 375

عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما فقالوا: كيف نطوف بهما وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وما يعبد من دون الله شرك بالله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]» أي: فإن كان أهل الشرك يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين بهما كفرا بالله فإنكم تطوفون بهما إيمانا بالله وتصديقا برسله وطاعة لربكم فلا جناح عليكم، أي لا إثم عليكم في الطواف بهما. وروي عن الشعبي أنه قال: كان في الجاهلية وثن على الصفا يسمى أساف وعلى المروة وثن يسمى نائلة، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين فليس الطواف بهما من الشعائر، فأنزل الله تعالى أنهما من الشعائر. وهذا نحو ما في الموطأ عن عروة بن الزبير أنه قال: «قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن، أرأيت قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما على الرجل أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول لقال فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار الذين كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]». فصل وأصل السعي بين الصفا والمروة في الحج ما جاء في الحديث الصحيح من «أن إبراهيم ﵇ لما ترك ابنه إسماعيل مع أمه بمكة وهو رضيع فنفد ماؤهما وعطشت وعطش ولدها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قالت: يتلبط، فانطلقت كراهة أن تنظر إليه [فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف

стр. 376

درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود] حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات». فصل وذكر الله تعالى الوقوف بعرفة والمزدلفة فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] يقول الله تعالى فإذا أفضتم من عرفات منصرفين [إلى منى فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. وقوله]، بعد ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قيل: المعنى في ذلك ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس فهو خبر. وثم في الخبر يجوز أن يكون الثاني فيها قبل الأول، كما أن الإفاضة قبل المجيء إلى المشعر الحرام، وله نظائر كثيرة من القرآن. ويجوز أن تكون ثم هاهنا بمعنى الواو، وعنى بالناس في هذه الآية إبراهيم خليل الرحمن - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -، وهذا جائز في الكلام أن يقال للذي يقتدى به ويكون لسان قومه قال الناس وهم يعنونه. ومنه قوله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما قاله لهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان بعث به أبو سفيان ليخوف المسلمين بجمعهم. وقيل: إن الذي عني بهذه الآية قريش ومن ولدته قريش الذين كانوا يسمون في الجاهلية الخمس، أمروا في الإسلام أن يفيضوا من عرفات، وهي البقعة التي أفاض منها سائر الناس. فالمعنى بالناس على هذا التأويل من سوى قريش ممن وقف بعرفة. والمعنى به على التأويل الأول، وهو أظهر، خليل الله ﷺ . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي إذا فرغتم من حجكم وذبحتم

стр. 377

نسائككم ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا فرغوا من حجهم ومناسكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثرهم، فأمرهم الله في الإسلام أن يكون ذكرهم بالتعظيم له تعالى والشكر له دون غيره، وأن يلزموا أنفسهم من الإكثار من ذكره تعالى نظير ما كانوا ألزموه أنفسهم في جاهليتهم من ذكر آبائهم. وقيل المعنى في ذلك: فاذكروا الله كذكر الأبناء والصبيان الآباء. فصل وأنزل الله تعالى في رمي الجمار في الأيام الثلاثة بمنى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. والأصل في رمي الجمار، على ما جاء في بعض الآثار، «أن إبراهيم ﵊ لما أمر ببناء البيت سارت السكينة بين يديه كأنها قبة، فكانت إذا سارت سار وإذا نزلت نزل، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه وانطلق إبراهيم ﷺ مع جبريل ﵇ فمر بالعقبة فعرض له الشيطان فأمره فرماه، ثم مر بالثانية فعرض له فرماه، ثم مر بالثالثة فعرض له فرماه، فكان ذلك سبب رمي الجمار. ثم مشى معه يريه المناسك حتى انتهى إلى عرفة فقال له عرفت؟ فقال عرفت، فسميت عرفة. ثم رجع فبنى البيت على موضع السكينة». وقد روي في سبب رمي الجمار ما قد ذكرته في كتب الضحايا من شأن إبراهيم ﵊ مع الكبش الذي فدى الله به ابنه من الذبح فالله أعلم بحقيقة ذلك. فصل وأمر الله ﵎ من أحرم بالحج والعمرة أن يتمهما على وجههما وذكر تعالى حكم من أحصر فيهما أو تمتع فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]

стр. 378

وقال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والقران في الحج مقيس على التمتع. فذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أن المحصر بمرض لا يحله شيء من إحرامه إلا البيت، فإن احتاج إلى حلق رأسه قبل أن يصل إلى البيت افتدى، وإن أقام على إحرامه حتى يحج به من عام قابل لم يكن عليه هدي، وإن تحلل بعمرة قبل أشهر الحج من عام قابل كان عليه هدي لفوات الحج، فينحره قبل أن يحلق رأسه في حجة القضاء، لقوله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالهدي الأول هو الثاني عنده. وإن تحلل بعمرة في أشهر الحج من عام قابل كان عليه هدي آخر لاعتماره في أشهر الحج كما يكون على القارن إلا أن يكونا من حاضري المسجد الحرام. وذهب عروة بن الزبير وابن شهاب وجماعة من العلماء إلى أن الهدي الأول في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] غير الهدي الثاني في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الهدي الأول يحل به من بعض إحرامه قبل أن يصل إلى البيت إن شاء أن يبعث بالهدي ويجعل له ميعادا ينحره فيه. فإذا بلغ ذلك الوقت حل له حلق الشعر ولبس الثياب وما أشبه ذلك حتى يصل إلى البيت فيحل بالطواف من جميع إحرامه. والهدي الثاني يجب عليه لفوات الحج إذا لم يبن على إحرامه حتى يحج به] في العام المقبل. وإن احتاج قبل أن يصل الهدي الذي يبعث به إلى البيت إلى حلق رأسه فعل ذلك وافتدى لقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية. وهذا القول أسعد بالتأويل.

стр. 379

فصل فيما يجتنب في الإحرام وذكر الله تعالى ما يجتنب في الإحرام فقال تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فلا يحل قتل الصيد ولا شيء من الدواب في حال الإحرام إلا الخمس الفواسق التي أباح رسول الله ﷺ قتلها في الحل والحرم. وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكذلك ما كان في معناه من إماطة الأذى عن نفسه بتقليم ظفر أو إلقاء تفث أو لبس شيء من الثياب المخيطة أو الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين على ما وردت به السنة عن النبي ﷺ . فصل وبين رسول الله ﷺ كل ما أجمل الله في كتابه من أمر الحج فوقت المواقيت لأهل الآفاق، وبين عدد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وما يبدأ به في ذلك كله، وكيف يصنع فيه. ووقت الوقوف بعرفة والمزدلفة، والجمع بين الصلاتين بهما، وصفة رمي الجمار والنحر، وما يجب في ذلك كله وما لا يجب قولا وعملا في حجه الذي حج بالناس. ومن أحسن حديث روي في صفة حجه ﷺ وأتمه حديث جابر بن عبد الله خرجه أصحاب الصحيح مسلم وغيره وقطعه مالك في موطئه، فذكر في كل باب منه ما احتاج إليه، وكذلك فعل البخاري. وحديث جابر بن عبد الله من رواية جعفر بن محمد عن أبيه قال: «دخلنا على جابر بن عبد الله وهو [يومئذ قد ذهب بصره،

стр. 380

فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، وأنا] يومئذ غلام شاب فرحب بي وسهل ودعا لي، فقالوا جئنا نسألك، فقال لي سل عما شئت يا ابن أخي، فقلت أخبرني عن حج رسول الله ﷺ فقال بيده وعقد تسعا ثم قال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشر أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول كيف أصنع، قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي. فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش وعن يمينه وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعرف تأويله فما عمل به من شيء عملنا به. فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين القبلة. قال جعفر: فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا. فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة ووحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال:

стр. 381

إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. [فحل الناس كلهم إلا النبي- ﵇ ومن كان معه هدي]. فقام سراقة بن جعشم فقال يا رسول الله: ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك رسول الله ﷺ بين أصابعه ثم قال: هكذا دخلت العمرة مرتين، لا، بل لأبد أبد. وقدم علي من اليمن ببدن رسول الله ﷺ فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا فكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: صدقتْ صدقت، ثم قال: ماذا قلت حين فرضت الحج، قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا أحل. قال: فكانت جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ من المدينة مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بنا الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن بكم فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا إن

стр. 382

اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، وقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويشير إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاث مرات، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه ودفع وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره ووحده وهلله، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الوجه أبيض وسيما فلما دفع رسول الله ﷺ مرت الظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى محسرا فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند المسجد فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، كل حصاة منها مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المسجد

стр. 383

فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ إلى البيت فأفاض وصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه.» فصل وكانت حجة رسول الله ﷺ هذه في سنة عشر من الهجرة، وهي حجة الوداع، لم يحج رسول الله ﷺ من المدينة بعد أن أنزل عليه فرض الحج غيرها، وحج بمكة قبل أن يفرض عليه الحج حجتين على ما روي. فصل ولما فرض الحج وانصرف رسول الله ﷺ من غزوة تبوك عام تسع أراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت غدا مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر فأقام الحج للناس في ذلك العام، وذلك عام تسع، ثم أردفه عليا لما نزلت صدر سورة براءة ليقرأها على الناس بالموسم، ويعهد إلى الناس أن «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» إلى سائر ما أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج، فخرج على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى لحق أبا بكر بالطريق، فقال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. ثم نهضا فأقام أبو بكر للناس الحج في ذلك العام على منازلهم التي كانوا في الجاهلية عليها من النسيء الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٧] الآية فوقعت حجته في ذي القعدة على ما كانوا عليه من النسيء في الجاهلية. وذلك أنهم كانوا يحجون في كل شهر عامين، فوافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة. ثم حج النبي ﷺ من،

стр. 384

قابل في ذي الحجة، فذلك قوله حيث يقول: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» فثبت في ذي الحجة إلى يوم القيامة. فصل واختلفت الآثار عن النبي ﵊ في إهلاله بالحج من حيث كان، فروي عنه أنه أهل من جوف المسجد حين صلى فيه. وقال آخرون: لم يهل إلا من بعد أن استوت به راحلته في فناء المسجد. وقال آخرون: إنما أهل حين أطل على البيداء وأشرف عليها. وقد أوضح ابن عباس المعنى في اختلافهم في ذلك، روي عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: عجبت من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ فقال: إني لأعلم الناس بذلك. «خرج رسول الله ﷺ حاجا فلما صلى بمسجد ذي الحليفة ركعتين أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من الركعتين فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا ذلك عنه، ثم ركب فلما استقلت به راحلته أهل وأدرك ذلك أقوام فحفظوا ذلك عنه، فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته. وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالا. ثم مضى ﷺ فلما وقف على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين أشرف علي البيداء. [فنقل كل واحد ما سمع وإنما كان إهلاله من مصلاه وايم الله].» فمن أخذ بقول ابن عباس أهل بمصلاه إذا فرغ من الركعتين.

стр. 385

فصل وكذلك اختلفت الآثار عن النبي ﵊ هل أفرد الحج أو قرن أو تمتع اختلافا كثيرا. والذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه أفرد الحج على ما روي عن «عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج. فأما من أهل بعمرة فحل وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر ..» وفي حديث عائشة هذا دليل على إباحة التمتع والقران، ولم يختلف أهل العلم في ذلك، وإنما اختلفوا في الأفضل، فذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أن إفراد الحج أفضل على ما روي عن عائشة «أن رسول الله ﷺ أفرد الحج» وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في قول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: من تمامهما أن تفرد كل واحدة منها عن الأخرى، وأن يعتمر في غير أشهر الحج، فإن الله يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وروي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه قال: إذا جاء حديثان مختلفان عن النبي ﷺ وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به. وذهب آخرون إلى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل، وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس. ومنهم من ذهب إلى أن النبي ﷺ كان متمتعا، وهو قول سعد في الموطأ للضحاك بن قيس: بئس ما قلت يا ابن أخي، قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. «وقول حفصة لرسول الله ﷺ : ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». وقول عبد الله بن عمر في الموطأ أيضا، وقد أهل أصحاب رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا». وذهب من صحح أن النبي ﷺ قرن إلى أن

стр. 386

القران أفضل، وهو مذهب علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وفي قول عائشة: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا». دليل على أن رسول الله ﷺ كان قارنا، إذ لا اختلاف أن الهدي كان معه يومئذ ساقه مع نفسه. وخرج أبو داود عن «النبي ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب: كيف صنعت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ ، قال: فإني سقت الهدي وقرنت» وذكر تمام الخبر. وكذلك روي «عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قرن وأنه سمعه يقول لبيك بحجة وعمرة معا». وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا يجوز أن يقال في واحدة من هذه الوجوه إنها أفضل من الأخرى، لأن رسول الله ﷺ قد أباحها كلها وأذن بها ورضيها ولم يقل في واحدة منها إنها أفضل من الأخرى. والأولى ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن الإفراد في الحج أفضل من التمتع والقران، لأن التمتع والقران رخصة من الله، أوجب على من أخذ بها الهدي إذا لم يكن من أهل مكة. فمن لم يأخذ بالرخصة وأتى بالحج والعمرة في سفرين فهو أفضل والله أعلم. وقد قال بعض أصحابنا: إن الإفراد أفضل، ثم التمتع بعده لأن الله تعالى أباحه في القرآن. فصل وإذا صح حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ أهل بالحج حين فرغ من الركعتين، وحين استوت به راحلته، وحين ظهر على البيداء وصحح على ذلك وجه الاختلاف المروي في حين إحرامه، صح أن يصحح عليه أيضا وجه الاختلاف المروي فيما كان به محرما، إذ قد يحتمل أن يكون أهل حين فرغ من الركعتين بعمرة مفردة، فلما استوت به راحلته أو ظهر على البيداء أهل بحجة مفردة أضافها إلى عمرته المتقدمة فصار بذلك قارنا، فقال من سمع إحرامه حين صلى الركعتين

стр. 387

بعمرة مفردة ولم يسمع إهلاله بعد ذلك بالحج الذي أضافه إلى العمرة المتقدمة: إنه كان متمتعا. وقال: من سمع إهلاله بعد ذلك بالحج المفرد الذي أضافه إلى العمرة المتقدمة ولم يسمع إهلاله بالعمرة المتقدمة إنه أفرد الحج. وقال: من سمع إهلاله حين صلى الركعتين بالعمرة ثم سمع إهلاله بعد ذلك بالحج الذي أضافه إليها إنه كان قارنا. وكان قول من قال ذلك أولى؛ لأنه علم الأمرين جميعا وخفي على من قال: إنه كان مفردا أو متمتعا أو أحدهما. ويؤيد هذا قول رسول الله ﷺ في حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «فإني سقت الهدي وقرنت» لأنه أخبر عن نفسه بما كان عليه من أمره فكان أولى مما وصف عنه من يمكن أن يكون قد غاب عنه بعض أمره. وقد قيل في وجوب اختلافهم في إحرامه ﷺ أنه كان أفرد الحج أولا ثم فسخه في عمرة وأمر أصحابه بذلك نقضا لما كانوا عليه في الجاهلية، لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانوا يسمون المحرم صفر ويقولون إذا عفا الوبر، وبرئ الدبر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فلما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت أضاف الحج إلى العمرة التي كان فسخ الحج فيها فصار بذلك قارنا، فكان في أول أمره مفردا للحج، ثم صار متمتعا إذ فسخ الحج في العمرة، ثم صار قارنا إذ أضاف الحج إلى العمرة. فيصح على هذا قول من قال: إنه أفرد الحج، وقول من قال: إنه كان متمتعا، وقول من قال: إنه كان قارنا. إلا أن إردافه الحج على العمرة لا يوجد في الأحاديث نصا وإنما يقال ذلك بتأويل. والمنصوص فيها قوله ﷺ : «إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». فظاهر هذا أنه بقي على عمرته متمتعا إلا أنه لم يحلق بسبب الهدي، وهو قول أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأصحابه: إن من ساق هديا لتمتعه لا يحلق حتى ينحر الهدي، فظنه قارنا من قال: إنه كان قارنا بقوله «لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» ولم يكن قارنا وإنما كان متمتعا لفسخه الحج في العمرة. وإنما فسخ الحج في العمرة لينقض بذلك ما كان عليه أهل الجاهلية، لأن التمتع أفضل من إفراد الحج. فبان على هذا أن إفراد الحج أفضل من التمتع ومن القران، وهو مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وبالله التوفيق.

стр. 388

فصل والعمرة على مذهب مالك سنة وليست بفريضة. وذهب ابن الماجشون إلى أنها فريضة، وهو مذهب ابن الجهم. والذي ذهب إليه مالك هو الصحيح، لأن فرض الحج إنما وجب لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنما هو أمر بالإتمام لمن دخل فيهما. وقد قرئ (والعمرةُ لله) على الابتداء والخبر، فلا متعلق لأحد بإيجاب العمرة في هذه الآية وإنما هي سنة. وقد احتج من ذهب إلى إيجابها بقول الله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، فدل أن ثم حجا أصغر وهو العمرة. وهذا لا يصح فإن الحج الأكبر إنما عنى الله به الاجتماع الأكبر بالمشعر الحرام حين تجتمع قريش وسائر الناس ولم يعن به شعيرة من الشعائر. وقيل: إنما عنى به حج أبي بكر لأنه وقع [في ذي القعدة وهو أكبر من الذي كان قبله،] في ذي القعدة أيضا. وقيل: إن الأكبر نعت لليوم لا للحج وأنه يوم عرفة وهو بعيد. فصل واعتمر رسول الله ﷺ ثلاثا: عام الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة إذ صده المشركون عن البيت. وعام القضية من العام المقبل عام سبع في ذي القعدة آمنا هو وأصحابه. ثم اعتمر الثالثة في ذي القعدة من سنة ثمان. وقد قيل: إن عمرته الواحدة كانت في شوال، ذكر ذلك مالك في موطئه عن عروة بن الزبير. وروي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أنه ﷺ اعتمر في رجب» وأنكرت ذلك «عائشة وقالت ما اعتمر في رجب قط». فكانت عمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر في ثلاثة أعوام عمرة في كل سنة. فلذلك لم ير مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - العمرة في السنة إلا مرة واحدة. ومن قال: إن رسول الله ﷺ كان في حجة الوداع متمتعا أو قارنا قال اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر.

стр. 389

فصل والعمرة لا تختص بزمن معلوم، وهي جائزة في السنة كلها لا تكره إلا لمن أحرم بالحج من لدن إحرامه إلى أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. وسيأتي حكم إرداف الحج على العمرة والعمرة على الحج في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى. فصل وقد روي في فضل الحج والعمرة آثار كثيرة: منها قول رسول الله ﷺ : «من حج ولم يرفث ولم يجهل رجع كيوم ولدته أمه» وقوله ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». «وسئل: أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله. قيل: ثم أي قال: جهاد في سبيله، قيل: ثم أي، قال: حج مبرور». وفي الموطأ «أن رجلا مر على أبي ذر بالربذة سأله أين تريد؟ قال أردت الحج. قال هل نزعك غيره قال لا. قال فاستأنف العمل، قال الرجل: فخرجت حتى قدمت مكة فبقيت فيها ما شاء الله، ثم إذا أنا بالناس منعطفين على رجل، فضاغطت عليه الناس، فإذا الشيخ الذي وجدت بالربذة يعني أبا ذر، فلما رآني عرفني فقال: هو الذي حدثتك.» فصل والحج المبرور هو المتقبل الذي تخلص فيه النية لله وينفق فيه المال الحلال. فينبغي لمن أراد الحج أن يخلص فيه النية لله ، وأن ينظر في ماله الذي يريد به الحج، فإن علم أنه من غير حله تنحى منه، فإن الله لا يقبل إلا

стр. 390

طيبا. قال الله : ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. فصل في معرفة فرائض الحج وفرائض الحج أربعة: النية، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة. وذهب ابن الماجشون إلى أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة لقول الله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والدليل على أنه غير واجب تقديم رسول الله ﷺ ضعفة النساء والصبيان من المزدلفة إلى منى، ولم يفعل ذلك ﷺ بعرفة مع أن الحاجة إلى ذلك بعرفة أشق. وذهب أيضا إلى أن رمي جمرة العقبة واجب. فصل ويستحب الغسل في الحج في ثلاثة مواطن: للإهلال، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة. وآكدها الغسل للإهلال، ويكون بتدلك وإنقاء، وتغتسل له الحائض والنفساء. أما الغسل لدخول مكة وللوقوف بعرفة فلا يكون بتدلك وإنقاء. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يغسل رأسه فيه، واستحب ذلك ابن حبيب. وتغتسل الحائض والنفساء للوقوف بعرفة لأنهما يقفان بها وهما غير طاهرتين. ويغتسلان لدخول مكة بذي طوى ولا يؤخران الغسل إلى حين الدخول لأنهما لا يدخلان البيت، وبالله التوفيق.
следующие страницы →