Полный текст (1 626 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
القران أفضل، وهو مذهب علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وفي قول عائشة: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا». دليل على أن رسول الله ﷺ كان قارنا، إذ لا اختلاف أن الهدي كان معه يومئذ ساقه مع نفسه.
وخرج أبو داود عن «النبي ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب: كيف صنعت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ ، قال: فإني سقت الهدي وقرنت» وذكر تمام الخبر. وكذلك روي «عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قرن وأنه سمعه يقول لبيك بحجة وعمرة معا». وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا يجوز أن يقال في واحدة من هذه الوجوه إنها أفضل من الأخرى، لأن رسول الله ﷺ قد أباحها كلها وأذن بها ورضيها ولم يقل في واحدة منها إنها أفضل من الأخرى. والأولى ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن الإفراد في الحج أفضل من التمتع والقران، لأن التمتع والقران رخصة من الله، أوجب على من أخذ بها الهدي إذا لم يكن من أهل مكة. فمن لم يأخذ بالرخصة وأتى بالحج والعمرة في سفرين فهو أفضل والله أعلم. وقد قال بعض أصحابنا: إن الإفراد أفضل، ثم التمتع بعده لأن الله تعالى أباحه في القرآن.
فصل
وإذا صح حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ أهل بالحج حين فرغ من الركعتين، وحين استوت به راحلته، وحين ظهر على البيداء وصحح على ذلك وجه الاختلاف المروي في حين إحرامه، صح أن يصحح عليه أيضا وجه الاختلاف المروي فيما كان به محرما، إذ قد يحتمل أن يكون أهل حين فرغ من الركعتين بعمرة مفردة، فلما استوت به راحلته أو ظهر على البيداء أهل بحجة مفردة أضافها إلى عمرته المتقدمة فصار بذلك قارنا، فقال من سمع إحرامه حين صلى الركعتين
стр. 387
بعمرة مفردة ولم يسمع إهلاله بعد ذلك بالحج الذي أضافه إلى العمرة المتقدمة: إنه كان متمتعا. وقال: من سمع إهلاله بعد ذلك بالحج المفرد الذي أضافه إلى العمرة المتقدمة ولم يسمع إهلاله بالعمرة المتقدمة إنه أفرد الحج. وقال: من سمع إهلاله حين صلى الركعتين بالعمرة ثم سمع إهلاله بعد ذلك بالحج الذي أضافه إليها إنه كان قارنا. وكان قول من قال ذلك أولى؛ لأنه علم الأمرين جميعا وخفي على من قال: إنه كان مفردا أو متمتعا أو أحدهما. ويؤيد هذا قول رسول الله ﷺ في حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «فإني سقت الهدي وقرنت» لأنه أخبر عن نفسه بما كان عليه من أمره فكان أولى مما وصف عنه من يمكن أن يكون قد غاب عنه بعض أمره. وقد قيل في وجوب اختلافهم في إحرامه ﷺ أنه كان أفرد الحج أولا ثم فسخه في عمرة وأمر أصحابه بذلك نقضا لما كانوا عليه في الجاهلية، لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانوا يسمون المحرم صفر ويقولون إذا عفا الوبر، وبرئ الدبر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فلما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت أضاف الحج إلى العمرة التي كان فسخ الحج فيها فصار بذلك قارنا، فكان في أول أمره مفردا للحج، ثم صار متمتعا إذ فسخ الحج في العمرة، ثم صار قارنا إذ أضاف الحج إلى العمرة. فيصح على هذا قول من قال: إنه أفرد الحج، وقول من قال: إنه كان متمتعا، وقول من قال: إنه كان قارنا. إلا أن إردافه الحج على العمرة لا يوجد في الأحاديث نصا وإنما يقال ذلك بتأويل. والمنصوص فيها قوله ﷺ : «إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». فظاهر هذا أنه بقي على عمرته متمتعا إلا أنه لم يحلق بسبب الهدي، وهو قول أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأصحابه: إن من ساق هديا لتمتعه لا يحلق حتى ينحر الهدي، فظنه قارنا من قال: إنه كان قارنا بقوله «لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» ولم يكن قارنا وإنما كان متمتعا لفسخه الحج في العمرة. وإنما فسخ الحج في العمرة لينقض بذلك ما كان عليه أهل الجاهلية، لأن التمتع أفضل من إفراد الحج. فبان على هذا أن إفراد الحج أفضل من التمتع ومن القران، وهو مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وبالله التوفيق.
стр. 388
فصل
والعمرة على مذهب مالك سنة وليست بفريضة. وذهب ابن الماجشون إلى أنها فريضة، وهو مذهب ابن الجهم. والذي ذهب إليه مالك هو الصحيح، لأن فرض الحج إنما وجب لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنما هو أمر بالإتمام لمن دخل فيهما. وقد قرئ (والعمرةُ لله) على الابتداء والخبر، فلا متعلق لأحد بإيجاب العمرة في هذه الآية وإنما هي سنة. وقد احتج من ذهب إلى إيجابها بقول الله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، فدل أن ثم حجا أصغر وهو العمرة. وهذا لا يصح فإن الحج الأكبر إنما عنى الله به الاجتماع الأكبر بالمشعر الحرام حين تجتمع قريش وسائر الناس ولم يعن به شعيرة من الشعائر. وقيل: إنما عنى به حج أبي بكر لأنه وقع [في ذي القعدة وهو أكبر من الذي كان قبله،] في ذي القعدة أيضا. وقيل: إن الأكبر نعت لليوم لا للحج وأنه يوم عرفة وهو بعيد.
فصل
واعتمر رسول الله ﷺ ثلاثا: عام الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة إذ صده المشركون عن البيت. وعام القضية من العام المقبل عام سبع في ذي القعدة آمنا هو وأصحابه. ثم اعتمر الثالثة في ذي القعدة من سنة ثمان. وقد قيل: إن عمرته الواحدة كانت في شوال، ذكر ذلك مالك في موطئه عن عروة بن الزبير. وروي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أنه ﷺ اعتمر في رجب» وأنكرت ذلك «عائشة وقالت ما اعتمر في رجب قط». فكانت عمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر في ثلاثة أعوام عمرة في كل سنة. فلذلك لم ير مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - العمرة في السنة إلا مرة واحدة. ومن قال: إن رسول الله ﷺ كان في حجة الوداع متمتعا أو قارنا قال اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر.
стр. 389
فصل
والعمرة لا تختص بزمن معلوم، وهي جائزة في السنة كلها لا تكره إلا لمن أحرم بالحج من لدن إحرامه إلى أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. وسيأتي حكم إرداف الحج على العمرة والعمرة على الحج في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.
فصل
وقد روي في فضل الحج والعمرة آثار كثيرة: منها قول رسول الله ﷺ : «من حج ولم يرفث ولم يجهل رجع كيوم ولدته أمه» وقوله ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». «وسئل: أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله. قيل: ثم أي قال: جهاد في سبيله، قيل: ثم أي، قال: حج مبرور». وفي الموطأ «أن رجلا مر على أبي ذر بالربذة سأله أين تريد؟ قال أردت الحج. قال هل نزعك غيره قال لا. قال فاستأنف العمل، قال الرجل: فخرجت حتى قدمت مكة فبقيت فيها ما شاء الله، ثم إذا أنا بالناس منعطفين على رجل، فضاغطت عليه الناس، فإذا الشيخ الذي وجدت بالربذة يعني أبا ذر، فلما رآني عرفني فقال: هو الذي حدثتك.»
فصل
والحج المبرور هو المتقبل الذي تخلص فيه النية لله وينفق فيه المال الحلال. فينبغي لمن أراد الحج أن يخلص فيه النية لله ، وأن ينظر في ماله الذي يريد به الحج، فإن علم أنه من غير حله تنحى منه، فإن الله لا يقبل إلا
стр. 390
طيبا. قال الله : ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
فصل في معرفة فرائض الحج
وفرائض الحج أربعة: النية، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة. وذهب ابن الماجشون إلى أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة لقول الله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والدليل على أنه غير واجب تقديم رسول الله ﷺ ضعفة النساء والصبيان من المزدلفة إلى منى، ولم يفعل ذلك ﷺ بعرفة مع أن الحاجة إلى ذلك بعرفة أشق. وذهب أيضا إلى أن رمي جمرة العقبة واجب.
فصل
ويستحب الغسل في الحج في ثلاثة مواطن: للإهلال، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة. وآكدها الغسل للإهلال، ويكون بتدلك وإنقاء، وتغتسل له الحائض والنفساء. أما الغسل لدخول مكة وللوقوف بعرفة فلا يكون بتدلك وإنقاء. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يغسل رأسه فيه، واستحب ذلك ابن حبيب. وتغتسل الحائض والنفساء للوقوف بعرفة لأنهما يقفان بها وهما غير طاهرتين. ويغتسلان لدخول مكة بذي طوى ولا يؤخران الغسل إلى حين الدخول لأنهما لا يدخلان البيت، وبالله التوفيق.
стр. 391
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله
كتاب النذور والأيمان
فصل
فيما يباح من النذر ويلزم الوفاء به من النذور
أباح الله ﵎ لعباده النذر في غير ما آية من كتابه فقال تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥]. وأوجب تعالى الوفاء به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، يريد عقد النذر وعقد اليمين وسائر العقود اللازمة في الشرع. وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].
стр. 392
فصل
فأمر الله تعالى بالوفاء بالنذر عموما وبين النبي ﷺ أن ذلك ليس على عمومه فقال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». ولا خلاف بين أحد من الأمة أن السنة تبين القرآن وتخصص عمومه. وإنما اختلف أهل العلم في جواز نسخ القرآن بالسنة، أعني بالسنة المتواترة التي توجب العلم وتقطع العذر. وأما السنة الواردة من طريق الآحاد فلا خلاف في أن نسخ القرآن بها لا يجوز بعد وفاة النبي ﷺ .
فصل
فالنذر ينقسم على أربعة أقسام: نذر في طاعة يلزم الوفاء به. ونذر في معصية يحرم الوفاء به، ونذر في مكروه يكره الوفاء به، ونذر في مباح يباح الوفاء به وترك الوفاء به.
فصل
فالنذر اللازم هو أن يوجب الرجل على نفسه فعل ما في فعله قربة لله تعالى وليس بواجب، أو ترك ما في تركه قربة لله تعالى وليس بواجب، لأن الطاعة الواجبة لا تأثير للنذر فيها، وكذلك ترك المعصية المحرمة لا تأثير للنذر فيها لوجوب ترك ذلك عليه بالشرع دون النذر. وإنما يلزم من التروك بالنذر الترك المستحب، مثل أن ينذر الرجل أن لا يكلم أحدا بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وما أشبه ذلك.
فصل
والنذر اللازم فيما فيه لله طاعة ينقسم على قسمين: نذر مستحب، وهو المطلق الذي يوجبه الرجل على نفسه شكرا لله على ما أنعم به عليه فيما مضى أو لغير سبب. ونذر مباح وهو المقيد بشرط يأتي.
فالنذر المستحب المطلق أن يقول الرجل: لله علي نذر كذا وكذا أو نذر أن
стр. 393
أفعل كذا وكذا أو نذر أن لا أفعل كذا وكذا، أو لا يلفظ بذكر النذر فيقول: لله علي كذا وكذا أو ألا أفعل كذا وكذا أو أن أفعل كذا وكذا شكرا لله تعالى. الحكم في ذلك كله سواء على مذهب مالك. ومن أهل المذهب من ذهب إلى أنه إذا قال لله علي كذا وكذا ولم يقل نذرا فذلك لا يلزمه لأنه إخبار بكذب. والذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هو الصحيح. وذلك أن الذي يقول لله علي كذا وكذا لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد بذلك النذر. والثاني: أن يريد بذلك الإخبار. والثالث: أن لا تكون له نية. فإن أراد بذلك الإخبار فلا اختلاف في أن ذلك لا يلزمه. وإن أراد بذلك النذر فلا يصح أن يحمل على الإخبار، ولو جاز ذلك لجاز أن يحمل قوله علي نذر كذا وكذا على الإخبار. وإن لم تكن له نية كان حمله على النذر الذي له فائدة وفيه طاعة أولى من حمله على الكذب الذي لا فائدة فيه بل هو معصية.
فصل
والنذر المباح المقيد بشرط يأتي، مثل أن يقول الرجل لله علي كذا وكذا إن شفاني الله من مرضى أو قدم غائبي وما أشبه ذلك مما لا يكون الشرط من فعله، إلا أن يكون شيئا يوقته أبدا فإن مالكا كرهه.
فصل
وأما إن قيد ما أوجب على نفسه من ذلك بشرط من فعل يقدر على فعله وتركه، مثل أن يقول: إن فعلت كذا وكذا أو إن لم أفعل كذا وكذا فعلي كذا وكذا فليس بنذر وإنما هي يمين مكروهة، لقول رسول الله ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، إلا أنها لازمة عند مالك فيما يلزم فيه النذر من الطاعات، وفي الطلاق وإن لم تكن لله فيه طاعة، لأن الحالف بالطلاق مطلق على صفة، ويقضي به عليه وبالعتق المعين، بخلاف ما سوى ذلك من المشي والصدقة لمعين أو لغير
стр. 394
معين والعتق الذي ليس بمعين إلا أن يخرج ذلك من تقييده مخرج النذر، مثل أن يقول: إن فعلت كذا وكذا أو إن أفعل فلله علي كذا وكذا فلا يلزمه في الطلاق إذ ليس لله فيه طاعة، ويلزمه فيما عدا ذلك من الطاعات دون أن يقضى عليه في شيء من ذلك وإن كان عتقا بعينه.
فصل
وإنما لم يقض عليه بالنذر وإن كان لمعين؛ لأنه لا وفاء فيه إلا مع النية، ومتى قضي عليه بغير اختياره لم تصح منه نية فلم يكن فيه وفاء. وهذا إذا سمى النذر. وأما إن لم يسمه وإنما قال علي نذر إن فعلت كذا وكذا فهو كالحالف بالله سواء في اللغو والاستثناء وفي جميع وجوهه، ولا كراهية فيه. وكذلك إن قال: لله علي نذر أو لله علي نذر إن فعل الله بي كذا وكذا فعليه كفارة يمين.
فصل
والأيمان تنقسم على ثلاثة أقسام: مباحة، ومكروهة، ومحظورة.
فالمباحة الحلف بالله تعالى أو باسم من أسمائه الحسنى أو بصفة من صفاته العلى. قال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢]. وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩]، «وكان النبي ﷺ كثيرا ما يحلف لا ومقلب القلوب، لا والذي نفسي بيده» ائتساء بما أمر الله به من الحلف باسمه حيث يقول في سورة يونس:
стр. 395
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، وفي سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وفي سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]، وهي التي أمر الله تعالى بحفظها فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وأوجب الكفارة فيها بقوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] معناه: فحنثتم، ذلك مفهومه.
والمكروهة الحلف بغير الله تعالى، لقول رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وهي تنقسم إلى قسمين: قسم لا يلزم، وقسم يلزم. فاللازمة أن يوجب على نفسه طلاقا أو عتقا أو ما كان في معناهما أو شيئا يتقرب به إلى الله تعالى إن فعل شيئا أو إن لم يفعله. والتي لا تلزم أن يوجب على نفسه معصية أو ما ليس لله بطاعة ولا معصية إن فعل شيئا أو إن لم يفعله. مثل قوله علي شرب الخمر أو قتل فلان أو المشي إلى السوق وما أشبه ذلك إن فعلت كذا أو إن لم أفعله. أو أن يحلف بحق غير الله تعالى مثل قوله والمسجد والرسول ومكة والصلاة والزكاة وما أشبه ذلك.
стр. 396
والمحظورة أن يحلف باللات والعزى والطواغيت أو بشيء مما يعبد من دون الله تعالى؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والتعظيم لهذه الأشياء كفر بالله تعالى.
فصل
والأيمان التي تنعقد وتلزم فيها الكفارة إن حنث ما لم يستثن هو ما كان على المستقبل من الأمور، مثل قوله والله لا أفعل ووالله لأفعلن. وأما ما كان على الماضي فلا كفارة فيه حلف على حق يعلمه أو على شيء يستيقنه فانكشف على غير ما حلف عليه، أو على الكذب متعمدا، أو على الشك إلا أنه يأثم في بعض هذه الوجوه ولا يأثم في بعضها على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
فصل
وللحالف نيته التي أرادها وعقد عليها يمينه وإن كانت مخالفة لظاهر لفظه، لا اختلاف في ذلك من قول مالك ولا من أحد من أصحابه. ودليلهم قول الله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات». وإنما اختلفوا إذا لم تكن له نية وكان ليمينه بساط أو عرف من مقاصد الناس في أيمانهم خلاف ظاهر لفظه هل تحمل يمينه على البساط أو ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم أو على ظاهر لفظه على ثلاثة أقوال معلومة في المذهب.
أحدها: وهو الأشهر منها، مراعاة البساط ومقصد الناس بأيمانهم. فاليمين على هذا القول تحمل على نية الحالف، فإن لم تكن له نية فبساط يمينه، فإن لم تكن له نية ولا كان ليمينه بساط فما عرف من مقاصد الناس بأيمانهم. وإن لم يعلم في ذلك للناس مقصد حملت يمينه على ما يوجب ظاهر لفظه في حقيقة اللغة. فإن كان محتملا لوجهين فأكثر فعلى أظهر محتملاته، فإن لم يكن أحدهما أظهر من
стр. 397
صاحبه واستويا في الاحتمال دون مزية جرى ذلك على الاختلاف [المتعارف] في المجتهد تتعارض عنده الأدلة ولا يترجح أحدها على صاحبه. فقيل: إنه يأخذ بما شاء من ذلك، وقيل: إنه يأخذ بالأثقل، وقيل: إنه يأخذ بالأخف. فكذلك هذا يأخذ بالبر على قول. ووجه ذلك في الطلاق تيقن العصمة وفى اليمين بالله براءة الذمة. ويأخذ بالحنث على قول. ووجه ذلك الاحتياط وأن لا يستباح الفرج إلا بيقين. ويأخذ بما شاء من ذلك في قول. ووجهه أن المجتهد لما كان مأمورا بالحكم ممنوعا من التقليد على الصحيح من الأقوال كان استواء الأدلة عنده دليلا على التخيير، كما يخير المكفر في الكفارة بين العتق والإطعام والكسوة، وكما يخير واطئ الأختين في تحريم أيتهما شاء وما أشبه ذلك.
والثاني: أنه لا يراعى في اليمين البساط ولا مقصد الناس في أيمانهم وتحمل اليمين على ظاهر اللفظ إن لم تكن للحالف نية. من ذلك ما وقع في سماع سحنون من قول ابن القاسم وروايته عن مالك؛ لأن البساط مقدم على العرف، فإذا لم يراع البساط فأحرى أن لا يعتبر العرف. وهذا الاختلاف جار عندي على اختلافهم في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يحمل على عمومه أو يقصر على سببه.
والثالث: أنه يعتبر البساط في اليمين ولا يعتبر فيها العرف. وهذا القول قائم من المدونة؛ لأنه لم يعتبر في بعض مسائلها العرف. من ذلك مسألة من حلف أن لا يأكل بيضا فأكل بيض الحوت، أو حلف أن لا يأكل رؤوسا فأكل رؤوس السمك. واعتبره في بعضها. من ذلك مسألة من حلف أن لا يدخل بيتا فدخل المسجد.
فصل
وهذا فيما كان العرف والمقصد فيه مظنونا. وأما ما كان العرف والمقصد فيه متيقنا معلوما فلا اختلاف في الاعتبار به. وذلك مثل أن يقول الرجل والله لأقودن فلانا كما يقاد البعير ولأعرضن على فلان النجوم في القائلة، فهذا يعلم أن المقصد، خلاف اللفظ، فيحمل على ما علم من مقصده به بلا خلاف. والدليل على
стр. 398
صحة ذلك كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ . قال الله : ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وقال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقال: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقال النبي ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه». ومثل هذا كثير.
فصل
وهذا كله في الحلف على نفسه بما لا يقضى به عليه أو بما يقضى به عليه إذا أتى مستفتيا ولم تقم عليه بينة بيمينه. وأما الحلف لغيره في حق أو وثيقة باستحلافه إياه أو متطوعا له باليمين من غير أن يستحلفه بما يقضى به عليه أو بما لا يقضى به عليه فاختلف في ذلك اختلافا كثيرا. فقيل: إن اليمين على نية الحالف. وقيل: إنها على نية المحلوف له. وقيل: إن كان مستحلفا فاليمين على نية المحلوف له، وإن كان متطوعا باليمين له فاليمين على نية الحالف [وقيل بعكس هذه التفرقة إن كان مستحلفا فاليمين على نية الحالف وإن كان متطوعا فاليمين على نية المحلوف له]، وهذه رواية يحيى عن ابن القاسم في الأيمان بالطلاق. والأول قول ابن الماجشون وسحنون. وقيل: إنما يفترق أن يكون مستحلفا أو متطوعا باليمين فيما يقضى به عليه، وأما فيما لا يقضى به عليه فلا يفترق ذلك، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب النذور.
فصل
وهذا ما لم يقتطع بيمينه حقا لغيره، وأما إذا اقتطع بها حقا لغيره فلا ينفعه في ذلك نية إن نواها. وهو آثم حانث في يمينه، عاص لله في فعله، داخل تحت الوعيد. قال رسول الله ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله
стр. 399
عليه الجنة وأوجب له النار، قيل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال: وإن كان قضيبا من أراك قالها ثلاثا». فلا اختلاف في هذا الوجه عند أحد من الأمة.
فصل
والحنث يدخل بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكمل الوجوه. والأصل في ذلك أن الله تعالى أباح المطلقة ثلاثا بعد زوج فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فلا تحل له بالعقد عليها دون الدخول على ما ثبت في السنة عن النبي ﷺ «أنه قال لامرأة رفاعة بن سموأل: لا تحل له حتى تذوق العسيلة».
فصل
وحرم ما نكح الآباء والأبناء من النساء فقال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فحرمت على الأب زوجة الابن بأقل ما يقع عليه اسم نكاح وهو العقد دون الدخول، وعلى الابن زوجة الأب بمثل ذلك بإجماع الأئمة. فتبين بذلك أن ما يباح به الشيء أقوى مما يحظر به. فمن حلف أن لا يأكل هذا الرغيف يحنث بأكل بعضه إلا أن تكون له نية أو بساط يدل على أنه إنما أراد استيعاب جميعه. ومن حلف ليأكلن هذا الرغيف لم يبر إلا بأكل جميعه إلا أن تكون له نية أو بساط يدل على أنه إنما أراد أكل بعضه. وعلى هذا فقس ما شابه هذه المسائل.
فصل
والنية تكون بالقلب دون تحريك اللسان. ومن شرطها أن يعقد عليها يمينه،
стр. 400
فإن استدركها بعد أن فرطت منه اليمين لم ينتفع بها وان وصلها باليمين. وذلك مثل أن يقول: والله إن كنت رأيت اليوم قرشيا وهو يريد فلانا لرجل بعينه؛ لأنه قد رأى غيره من القرشيين. فإن قال: والله رأيت اليوم قرشيا ولا نية له ثم نوى في نفسه فلانا بعد تمام اليمين لم ينتفع بذلك وإن وصل النية باليمين، بخلاف الاستثناء.
فصل
والاستثناء على وجهين: استثناء لا يخرج من الجملة بعضها وهو الاستثناء من غير الجنس، واستثناء يخرج من الجملة بعضها وهو الاستثناء من الجنس. فأما الاستثناء الذي لا يخرج من الجملة بعضها فاختلف في جوازه، والأصح أنه جائز. قال الله : ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]. وقال النابغة:
وما أحد بالربع إلا الذي أرى
وهذا الاستثناء يقدر بلكن.
فصل
وأما الاستثناء الذي يخرج من الجملة بعضها فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يستثنى أكثر الجملة. والثاني: أن يستثنى أقلها. فأما إذا استثنى أكثر الجملة فاختلف في جواز ذلك على قولين، أصحهما الجواز. والدليل على جوازه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فلا بد أن يكون أحد الاستثناءين أكثر من الجملة وأما إذا استثنى أقل من الجملة فإن ذلك جائز باتفاق. وهو على وجهين: بحرف الاستثناء، وبغير حرف الاستثناء.
стр. 401
فأما الاستثناء بحرف الاستثناء فإنه أيضا على وجهين: أحدهما الاستثناء بإلا أو بما كان في معناها من حروف الاستثناء. والثاني الاستثناء بأن وبإلا أن. فأما الاستثناء بإلا فالمشهور في المذهب أنه لا بد فيه من تحريك اللسان. وقد روى أشهب عن مالك في كتاب النذور أن النية تجزئ في ذلك، وقاله ابن حبيب في الذي يحلف بالحلال علي حرام ويستثني في نفسه إلا امرأته. وأما الاستثناء بأن وبإلا أن فلا تجزئ فيه النية ولا بد من تحريك اللسان ولا خلاف في ذلك أعلمه.
وأما الاستثناء بغير حرف الاستثناء فهو أن يقيد العموم بصفة؛ لأن ذلك يقتضي إخراج من ليس على تلك الصفة من ذلك العموم فهو استثناء بالمعنى وله حكم الاستثناء في أن لا ينفع إلا بتحريك اللسان واتصاله بالكلام. مثل ذلك أن يقول والله ما رأيت اليوم قرشيا عاقلا؛ لأنه بمنزلة أن يصل بها إلا أحمق، وذلك منصوص في رواية ابن القاسم - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في كتاب الأيمان بالطلاق في الذي يسأل الرجل عن وديعة قد كان استودعه إياها فيحلف بالطلاق إن كانت في بيته فيلقنه رجل في علمك فيقول: في علمي إنه استثناء، ينفعه إن كان الكلام نسقا ولم يكن بينهما صمات. ومثله في سماع أشهب عن مالك في كتاب النذور في الرجل يحلف ويستثني فيقول: في علمي أن ذلك له؛ لأن قوله: امرأتي طالق إن كانت الوديعة في بيتي في علمي بمنزلة قوله: امرأتي طالق إن كانت الوديعة في بيتي، إلا أن أكون غير عالم بها، فهو استثناء بالمعنى. فإن قال الرجل امرأتي طالق إن كانت الوديعة في بيتي ولا نية له يصح الاستثناء بأن يقول في علمي أو بأن يقول إلا أن أكون غير عالم بها إذا وصل ذلك بيمينه ولم يكن بينهما صمات. ولا ينفعه أن ينوي ذلك بعقب اليمين، وإنما تنفعه النية إذا عقد عليها يمينه من أول ما حلف. فافهم هذا المعنى وقس عليه فإنه جيد خفي جدا.
فصل
والاستثناء لا يكون إلا من وجهين: أحدهما العدد المسمى. والثاني اللفظ الذي يقتضي العموم وهو يحتمل الخصوص.
стр. 402
فأما العدد المسمى فلا يصح استدراك الاستثناء فيه إذا لم يعقد عليه يمينه، وإنما يصح إذا عقدها عليه. مثال ذلك: أن يقول والله لأعطين فلانا ثلاثة دراهم إلا درهما، فإن كان أراد أن يحلف ليعطينه درهمين فعبر عنهما بثلاثة دراهم إلا درهما صح استثناؤه، وإن كان إنما أراد أن يحلف ليعطينه ثلاثة دراهم فلما أكمل اليمين ولفظ بالثلاثة الدراهم بدا له فاستدرك الأمر واستثنى الدرهم الواحد لم ينفعه وإن كان الاستثناء متصلا باليمين. ومثل ذلك: قول الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ففي هذا المعنى اختلاف يقوم من المدونة.
وأما اللفظ الذي يقتضي العموم وهو يحتمل الخصوص فيصح استدراك الاستثناء فيه إذا وصله باليمين بغير صمات. وقال ابن المواز: لا بد أن ينوي الاستثناء قبل آخر حرف من تمام اليمين. مثال ذلك: أن يقول والله لأعطين فلانا ثلاثة دراهم إن شاء الله أو إن شاء زيد، فهذا الاستثناء ينفعه وإن لم يعقد عليه يمينه إذا استدركه فوصله باليمين من غير صمات. وعلى مذهب ابن المواز لا ينفعه إلا أن ينويه قبل أن يلفظ بالميم من ثلاثة دراهم. هذا معنى قوله: وإرادته عندي وإن كان قد قال: إن من حلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة واستثنى لا ينفعه الاستثناء إلا أن ينويه قبل أن يلفظ بالهاء من الشهادة فإنما هو تمثيل، ومعناه: أن ينوي الاستثناء قبل أن يلفظ بآخر حرف من تمام كلامه.
فصل
وأما ما نص عليه بالتسمية فلا يصح فيه استثناء لاستحالة الكلام لو قال والله لأعطين فلانا وفلانا كذا وكذا درهما إلا فلانا منهم، لم يكن كلاما مستقيما.
فصل
ويصح الاستثناء بمشيئة مخلوق في اليمين بالله وفي اليمين بالطلاق وفي الطلاق المجرد؛ لأنه طلاق على صفة. وأما الاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنما يصح في اليمين بالله ولا يصح في الطلاق المجرد. واختلف هل يصح في اليمين
стр. 403
بالطلاق صرف الاستثناء إلى الفعل، على قولين، الأصح منهما في النظر أنه يصح فيه إذا صرف الاستثناء إلى الفعل لا إلى نفس الطلاق؛ لأنه إذا صرف الاستثناء إلى الفعل فقد بر ولم يكن طلاق؛ لأنه علق الطلاق بصفة لا يصح وجودها وهي أن يفعل الفعل والله لا يشاء أن يفعله، وذلك مستحيل إلا على مذهب القدرية مجوس هذه الأمة. فعلى قول ابن القاسم في قوله: إن الاستثناء لا ينفعه وإن صرفه إلى الفعل درك عظيم. وإن لم تكن له نية في صرفه إلى الفعل ولا إلى نفس الطلاق فلا أعرف في ذلك نص رواية. والذي يوجبه النظر عندي أن يكون مصروفا إلى الفعل إذا قصد به حل اليمين ولم يقل ذلك لهجا به دون القصد إلى الاستثناء؛ لأن صرفه إلى نفس الطلاق لغو لا معنى له، كما لو حلف بالله واستثنى فرد الاستثناء إلى اسم الله تعالى المحلوف به. وصرف الاستثناء إلى الفعل المحلوف عليه له معنى صحيح بين على ما ذكرناه. وحمل الكلام إذا عري عن النية على ما له وجه ومعنى أولى من حمله على ما لا وجه له ولا معنى.
وقولنا: إن الاستثناء بمشيئة الله لا يصح في مجرد الطلاق إنما معناه أنه لا يسقط عنه الطلاق؛ لأنه إذا قال امرأتي طالق إن شاء الله فقد علمنا أن الله قد شاء ذلك، إذ لا يستطيع أن يطلق امرأته بقوله امرأتي طالق إلا بمشيئة الله، فوجب أن يلزمه الطلاق، كما لو قال امرأتي طالق إن علم الله طلاقي؛ لأنه إذا طلق امرأته بقوله امرأتي طالق فقد شاء الله طلاقها وعلم ذلك. وقول من قال: إن الطلاق إنما لزمه من أجل أن مشيئة الله لا تعلم قول منكر؛ لأن مشيئة الله تعلم بوقوع الفعل، إذ لا يصح أن يقع من مخلوق فعل مع عدم مشيئة الله تعالى والله أعلم، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم طريق.
стр. 404
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد النبي
الأمي وعلى آله وصحبه وسلم
كتاب الصيد
فصل
في إباحة الصيد
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، فالطيبات الحلال من الرزق، وكل ما لم يأت تحريمه في كتاب ولا سنة فهو من الطيبات، وهذا على مذهب من يرى أن المسكوت عنه مباح، وفي ذلك اختلاف.
فصل
وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، معناه وصيد ما علمتم من الجوارح، خرج مخرج قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والكلام يدل على أنهم سألوا عن الصيد فيما سألوا عنه، وذلك مذكور في الحديث. روي «أن زيد الخيل وعدي بن حاتم الطائيين أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله إن لنا كلابا تصيد البقر والظباء فمنها ما ندركه ومنها ما يموت وقد حرم الله الميتة، فسكت عنهما رسول الله ﷺ -
стр. 405
فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]»، الآية.
فصل
والجوارح الكواسب التي يصاد بها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور وما أشبه ذلك. ومن أهل العلم من قال لا يؤكل إلا صيد الكلاب. ومنهم من رأى أنه لا يؤكل صيد الكلاب البهيم. ودليلنا عموم قول الله : ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، معناه: معلمين أي أصحاب كلاب قد علمتموها. وأصل التكليب تعليم الكلاب الاصطياد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم جميع الجوارح الصيد مكلب فتكليبها تعليمها الاصطياد.
وقوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، فالذي علمنا الله هو ما في طبع الصغير والكبير منا من إنشاد الجوارح وتضريتها على الصيد. فتعليم الكلاب هو أن يشليه فينشلي، ويزجره فيزدجر، ويدعوه فيجيب. وكذلك الفهود وما أشبهها. وتعليم البزاة والصقور وما أشبهها هو أن يشليها فتنشلي- ويدعوها فتجيب. وأما أن يزجرها فتزدجر إذا زجرت فليس ذلك فيها ولا يمكن ذلك منها، قال ذلك ابن حبيب. وليس قوله بخلاف ما في المدونة؛ لأنه إنما أراد في المدونة إن كان يمكن من جوارح الطير أن يفقه الازدجار، وتكلم ابن حبيب على ما يعلم من حالها بالاختبار. وأما النموس فقال ابن حبيب: إنها لا تفقه التعليم ولا يؤكل ما صادت إلا أن تدرك ذكاته قبل أن تنفذ مقاتله. وروى ابن نافع عن مالك أنه قال: إن أكلت من صيدها فلا يؤكل. وقال ابن القاسم: لا أدري ما هذا، الكلاب تأكل فيؤكل صيدها، ولكن إن كانت تفقه وإلا فلا يؤكل صيدها إلا أن تدرك ذكاته قبل أن تنفذ مقاتله.
فصل
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ظاهره أدركت ذكاته أو لم تدرك، أكلت الجوارح منها أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه. وقال
стр. 406
ناس: إنه لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه؛ لأنه إنما أمسك على نفسه. والذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه هو الصحيح، إذ لا فرق بين الكلب وسائر الجوارح، وقد جمع الله بينهما في كتابه. فقد أجمع أهل العلم أن قتل الكلب للصيد ذكاة له، فلا فرق في القياس بين أن يأكل من صيده بعد أن يقتله وبين أن يأكل شاة مذبوحة.
فصل
واعتلال من حرم أكله بأنه إذا أكل منه فإنما أمسك على نفسه لا علينا لا يصح؛ لأن نية الكلب لا يمكننا علمها. وقد يحتمل أن يمسك على نفسه ثم يبدو له فيترك الأكل، وأن يمسك علينا ثم يبدو له فيأكل. وإذا أرسلناه لا ندري هل يمسك على نفسه أو علينا، بل المعلوم منه أنه إنما يمسك على نفسه، ولو كان شابعا ما صاد، ولذلك يجوع ثم يرسل على الصيد. فإذا أمسك على نفسه فقد أمسك علينا، إذ لا يصح أن يظن أحد أن الكلب إذا أرسله صاحبه يمضي لمرسله بنية خالصة دون نفسه؛ لأن ذلك خلاف ما في طبعه من أن يفترس لنفسه. ولو كلفنا الله تعالى في تعليم الجوارح هذا لكلفنا نقل طباعها، وذلك ما لا يصح أن يقع التكليف به. وأيضا فقد أجمع أهل العلم أن الكلب المعلم إذا قتل الصيد كان أكله جائزا من غير أن ينتظر به حتى يرى إن كان يأكل منه أو لا يأكل ليستدل بذلك إن كان أمسك على نفسه أو علينا. وفي إجماعهم على ذلك دليل على ترك الاعتبار بأكله. وقد قال بعض من ذهب إلى هذا: إنه يختبر الكلب ثلاث مرات فإن لم يأكل أكل صيده، وذلك فاسد في القياس. وما روى شعبة عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أكل الكلب فلا تأكل» قد خالفه فيه همام ولم يذكر هذه الزيادة. واللفظة إذا جاءت في الحديث زائدة لم تقبل إذا كانت مخالفة للأصول. وقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ ما تشهد الأصول بصحته، وهو أنه قال: «إذا أكل فكل»، وقال الشافعي: البازي والصقر والعقاب والكلب واحد لا يؤكل صيد
стр. 407
واحد منهم إذا أكل منه. وروي ذلك عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة، وهو بعيد؛ لأن تعليم الجوارح من الطير إجابتها إذا دعيت لا أن تزدجر إذا زجرت، إذ لا يتأتى ذلك منها ولا يمكن، فكيف أن يترك الأكل إذا صادت.
فصل
وقوله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، فيه تقديم وتأخير، وتقديره فاذكروا اسم الله عليه وكلوا مما أمسكن عليكم، فالتسمية تجب عند الإرسال على الصيد كما تجب على الذبيحة. فإن ترك التسمية عند الإرسال عمدا لم يؤكل الصيد، وإن نسي أو جهل أكل الصيد بمنزلة الذبيحة سواء.
فصل
وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وهذه الآية نزلت في المحرمين، فمعنى ليبلونكم ليختبرنكم فيعلم المطيع بترك الصيد في الإحرام من العاصي بالصيد فيه، أي ليعلم حصول الطاعة ووقوعها من عباده بعد تقدم علمه تعالى بما يكون منهم قبل أن يخلقهم. وقيل: معناه ليعلم ذلك عندكم، يقول: لتعلموا أن الله قد علم ذلك منكم فتجنبوه. وقوله: ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]، من هاهنا للتبعيض، يريد صيد البر؛ لأن الله ﵎ أباح للمحرمين صيد البحر. قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
فصل
والذي تناله الأيدي من الصيد هو البيض والفراخ وصغار الصيد وما لا يفر ولا
стр. 408
يمتنع بنفسه، والذي تناله الرماح والأسل الظباء وبقر الوحش وما لا يوصل إليه باليد.
فصل
وأباح الله تعالى الصيد للحلال عموما باليد والرماح والأسل وبما ينبغي به الصيد من الجوارح. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وخصص من ذلك على لسان نبيه ﷺ الصيد في حرم مكة وحرم المدينة فقال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها». إلا أنه لا جزاء على من قتل الصيد في حرم المدينة عند مالك وجمهور أهل العلم، وإنما عليه الاستغفار.
فصل
فصيد البر مباح للحلال في الحل ومحرم على المحرم وعلى الحلال في الحرم. وكره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأكثر أهل العلم الصيد على وجه التلهي لما فيه من اللهو والعذاب وإتعاب البهائم في غير وجه منفعة، ولم ير أن تقصر الصلاة فيه. ولا بأس بالصيد لمن كان عيشه أو لمن قرم إلى اللحم. وأباحه محمد بن عبد الحكم لعموم قول الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، واستخف مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الصيد لأهل البادية؛ لأنهم من أهله وأن ذلك شأنهم، ورأى خروج أهل الحضر إليه من السفه والخفة، والله أعلم وبالله التوفيق.
стр. 409
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب الذبائح
قال الله : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، معناه: أحل لكم المذكى منها وما كان في معناها بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]؛ لأن مراده بقوله تعالى ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] ما تلاه بعد ذلك من التحريم في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، فالميتة ما مات حتف أنفه، والدم بمعني الدم المسفوح، وأما اليسير فإنه حلال. قال الله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، عرفنا الله ﵎ بهذا أن الذكاة غير عاملة فيه. وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] هو ما ذبح على النصب مما لا يأكلونه. وقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣] هي التي صارت بالخناق إلى حال اليأس الذي لا ترجى معه حياة. وكذلك الموقوذة وهي المضروبة بالعصا، والمتردية التي تتردى من جبل أو غيره. والنطيحة المنطوحة، هي التي صارت البهيمة في ذلك كله إلى حال اليأس، بدليل أن التي أنفذت مقاتلها بسبيل الميتة، والتي لم تنفذ مقاتلها وترجى حياتها بسبيل
стр. 410
الصحيحة. والميتة مذكورة في أول الآية، والصحيحة لا معنى لذكرها إذ لا إشكال في أمرها، فهذا دليل على صحة تأويلنا، وقولنا إن المراد بالموقوذة وأخواتها ما صار إلى هذا الحد وفي ذلك اختلاف سنذكره.
فصل
وقد اختلف في قول الله في هذه الآية: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، هل هو استثناء متصل أو من فصل. والاستثناء المتصل هو ما يخرج عن الجملة بعض ما يتناوله اللفظ، مثل قول القائل رأيت بني فلان إلا عمرا منه. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، وهو كثير. والاستثناء المنفصل هو ما لا يخرج من الجملة المتقدمة شيئا مما يتناوله اللفظ، مثل قول القائل أطعمت القوم إلا دوابهم. قال النابغة:
وما بالربع من أحد إلا الأراوي
والأراوي ليست من الآحاد. ومنه قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]؛ لأن الخطأ لا يصح أن يقال فيه إن له أن يفعله. وقَوْله تَعَالَى: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣]، ويقدر هذا الاستثناء بلكن كأنه قال: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى لكن تذكرة لمن يخشى.
فصل
فمن ذهب إلى أن الاستثناء في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، هو من الاستثناء المتصل أجاز ذكاة المنخنقة وأخواتها وإن صارت البهيمة مما أصابها من ذلك إلى حال اليأس ما لم ينفذ ذلك مقتلا، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة والعتبية، وإحدى روايتي أشهب عنه في العتبية أيضا. ومن ذهب إلى أنه استثناء من فصل لم يجز ذكاتها إذا صارت في حال اليأس مما أصابها من ذلك وإن لم ينفذ منها مقتلا، وقال: معنى الكلام: لكن ما ذكيتم من غير هذه
стр. 411
الأصناف، وهو قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في رواية أشهب عنه، وقول ابن الماجشون وابن عبد الحكم وروايته عن مالك. وأما إذا أنفذ مقاتلها ما أصابها من ذلك فلا تذكى ولا تؤكل باتفاق في المذهب؛ لأنها بسبيل الميتة، وإن تحركت بعد ذلك فإنما هي بسبيل الذبيحة التي تتحرك بعد الذبح. وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب الديات في الذي ينفذ مقاتل رجل ثم يجهز عليه آخر أنه يقتل به ويعاقب الأول. فعلى هذه الرواية يلزم أن يجيز ذكاة هذه الأصناف بعد إنفاذ المقاتل من جعل الاستثناء متصلا، إلا أنها رواية ضعيفة. والصواب رواية يحيى وسحنون أن الأول هو الذي يقتل به ويعاقب الثاني. وقد روي عن علي بن أبي طالب أن الذكاة تصح فيها ما بقيت فيها حياة بتحريك يد أو رجل ظاهرة وإن كانت منفوذة المقاتل، وهو قول ابن عباس. روي عنه أنه سئل عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها حتى انتثر قصبها فأدركت ذكاتها فقال: كل، وما انتثر من قصبها فلا تأكل.
فصل
والمقاتل المتفق عليها خمسة: انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظام الرقبة والصلب، وقطع الأوداج، وخرق المصير، وانتثار الحشوة، وانتثار الدماغ وهو المخ. ومعنى قولهم في خرق المصير: إنه مقتل إنما ذلك إذا خرق أعلاه في مجرى الطعام والشراب قبل أن يتغير ويصير إلى حال الرجيع. وأما إذا خرق أسفله حيث يكون الرجيع فليس بمقتل. وإنما قلنا ذلك؛ لأنا وجدنا كثيرا من الحيوان ومن بني آدم يجرح فيخرق مصيره في مجرى الرجيع فيخرج الرجيع على ذلك الجرح ويعيش مع ذلك زمانا وهو متصرف يقبل ويدبر. ولو خرق في مجرى الطعام والشراب لما عاش إلا ساعة من نهار. ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لما طعن فسقي اللبن فخرج من الجرح علم أنه قد أنفذت مقاتله فقال له من حضره أوص يا أمير المؤمنين. وقد كان الشيوخ يختلفون عندنا في البهيمة تذبح وهي صحيحة في ظاهرها فيوجد كرشها مثقوبا. ولقد أخبرني بعض من أثق به أنها
стр. 412
نزلت برجل من الجزارين في ثور فرفع الأمر إلى صاحب الأحكام ابن مكي فشاور في ذلك الفقهاء فأفتى الفقيه ابن رزق - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن أكلها جائز وأن للجزار أن يبيعها إذا بين ذلك. وأفتى ابن حمدين أن أكلها لا يجوز وأمر أن تطرح في الوادي. فرأى ابن مكي أن يأخذ بقول ابن حمدين وأمر أن تطرح في الوادي، فأخذها الأعوان ليذهبوا بها إلى الوادي، فسمعت العامة والضعفاء أن الفقيه ابن رزق أجاز أكلها فتألبوا على الأعوان وأخذوها من أيديهم وتوزعوها فيما بينهم ونهبوها وذهبوا بها لمكانة الفقيه ابن رزق ﵀ في نفوسهم من العلم والمعرفة. والذي أفتى به هو الصواب عندي لما قدمته من الموجود المعلوم بالاعتبار، والتوفيق بيد الله. واختلف في اندقاق العنق من غير أن ينقطع النخاع، فروى ابن القاسم عن مالك رحمهما الله تعالى أنه ليس بمقتل، وروى ابن الماجشون ومطرف عن مالك أنه مقتل. وفي انشقاق الأوداج من غير قطع فقال ابن عبد الحكم: ليس مقتلا، وقال أشهب وغيره من أصحاب مالك: هو مقتل. وأما إذا لم ينفذ ما أصابها من ذلك لها مقتلا ورجيت حياتها فلا اختلاف أنها تذكى وتؤكل إذا علم أنها كانت حية حين الذكاة بوجود علامات الحياة بها، وهي خمسة: سيلان الدم، وطرفة العين، وركض الرجل، وتحريك الذنب، واستفاضة نفسها في حلقها. وهذه العلامات الخمس راجعة إلى اثنتين، وهي سيلان الدم، وتحرك الذبيحة، أو ما يقوم مقام التحرك من استفاضة نفسها في حلقها الذي يعلم أنه لا يكون إلا مع الحياة.
فصل
فإن وجدت العلامتان جميعا في المكسورة التي لم ينفذ مقاتلها الكسر وهي مرجوة الحياة عند ذكاتها فإنها تؤكل باتفاق. وإن وجد منها سيلان الدم دون التحرك أو ما يقوم مقامه لم تؤكل، وهو ظاهر قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في الموطأ، ولا اختلاف في ذلك أعلمه. وإن وجد منها التحرك أو ما يقوم مقامه من استفاضة نفسها بدون سيلان الدم جرى ذلك على الاختلاف في التي يئس من حياتها إذا لم ينفذ ذلك لها مقتلا؛ لأن دمها إذا لم يسل حين الذبح فقد علم أنها
стр. 413
كانت لا تعيش لو تركت؛ لأن انقطاع الدم إنما يكون بانقطاع بعضها من بعض، وذلك ما لا يصح معه حياة.
فصل
فالحكم في المنخنقة وأخواتها ينقسم على هذه الأقسام الثلاثة: إذا لم تنفذ مقاتلها ورجيت حياتها عملت فيها الذكاة باتفاق. وإذا أنفذت مقاتلها لم تعمل فيها الذكاة باتفاق في المذهب إلا على قياس رواية أبي زيد، وقد تقدم ذكر شذوذها. وإن لم تنفذ مقاتلها إلا أنه قد يئس من حياتها قبل، أو شك في أمرها، عملت فيها الذكاة على قول ابن القاسم ومن قال بقوله ممن يرى الاستثناء في الآية المذكورة متصلا.
فيتحصل فيها إذا يئس من حياتها أو شك في ذلك ثلاثة أقوال. أحدها: أنها تذكى وتؤكل. والثاني: أنها لا تذكى ولا تؤكل. والثالث: أنها تذكى وتؤكل إذا شك في حياتها، ولا تذكى إذا يئس من حياتها.
فصل
وذهب ابن بكير إلى أن معنى ما ذكر الله في الآية في المنخنقة وأخواتها أنها هي التي ماتت من ذلك كله، وقال: إنما ذكر الله الميتة حتف أنفها والتي تموت من هذه الأسباب، فأخبر أن الجميع بمنزلة سواء في التحريم. هذا معنى قوله دون النص، وعلى هذا التأويل فالاستثناء منفصل على كل حال لا يصح غيره، وكذلك قال هو. وما ذهب إليه في ذلك بعيد؛ لأن الميتة اسم عام يدخل تحته الميتة حتف أنفها والتي تموت من هذه الأشياء، فلو كان المعنى ذلك لم يكن لذكر المنخنقة وأخواتها في الآية معنى. وله على بعده وجه، وهو أن الله تعالى أعلم أن التي تموت من هذه الأشياء كالتي تموت حتف أنفها سواء في التحريم. وإنما الصحيح في معنى الآية ما قدمته أولا من أن المنخنقة وأخواتها التي ذكر الله في الآية هي
стр. 414
التي صارت مما أصابها في حال اليأس منها دون أن ينفذ لها ذلك مقتلا، فيحتمل أن يرجع الاستثناء عليها وأن لا يرجع على ما قدمناه من الاختلاف في ذلك.
فصل
وأما المريضة فلا خلاف بين أصحابنا أن الذكاة عاملة فيها وإن يئس منها إذا وجدت علامات الحياة فيها حين الذكاة، وهي الحركة أو ما يقوم مقام الحركة من استفاضة نفسها في حلقها وسيلان الدم على ما قدمناه. فإن تحركت ولم يسل دمها فإنها تؤكل، وقد نص على ذلك ابن القاسم في سماع أبي زيد، وقاله ابن كنانة. وإن سال دمها ولم تتحرك لم تؤكل؛ لأن الحركة في معرفة الحياة أقوى من سيلان الدم.
فصل
وأما الصحيحة التي لا مرض بها ولا كسر فتؤكل إذا سال دمها عند الذبح وإن لم تتحرك؛ لأن الحياة فيها معلومة لصحتها، فالحركة أو ما يقوم مقامها من استفاضة نفسها في حلقها دليل على الحياة في كل موضع، وسيلان الدم دون الحركة دليل على الحياة في الصحيحة خاصة.
واختلف في وقت مراعاة هذه الحركة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا تراعى إلا أن توجد بعد الذبح. والثاني: أنها تراعى وإن وجدت في حال الذبح. والثالث: أنها تراعى وإن وجدت قبل الذبح.
فصل
فإنما أباح الله لنا ما أباح لنا من حيوان البر بالذكاة. والذكاة تنقسم على ثلاثة أقسام: ذبح، ونحر، وقتل على صفة ما. فأما النحر والذبح ففي ما له دم سائل من المملوك المأسور. والقتل فيما كان ممتنعا بنفسه من الصيد وفيما ليس له دم سائل من الحيوان على ما أحكمته السنة في ذلك، وقد تقدم حكمه في كتاب الصيد.
стр. 415
فصل
وما يذكى ينقسم على أربعة أقسام: قسم ينحر ولا يذبح وهي الإبل بجميع أصنافها. وقسم يذبح وينحر وهي البقر وما جرى مجراها. وقسم يذبح ولا ينحر وهو ما سوى الإبل والبقر مما له دم سائل. وقسم تصح ذكاته بغير الذبح والنحر وهو الصيد في حال الاصطياد، وما ليس له دم سائل.
فصل
وقد اختلف فيمن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح من غير ضرورة. قال مالك في كتاب ابن المواز: لا يؤكل كان ساهيا أو متعمدا، وهو ظاهر ما في المدونة. وقال أشهب: يؤكل كان ساهيا أو متعمدا، وهو ظاهر قول عبد العزيز بن أبي سلمة في العتبية. وقيل: يكره أكله. وقال ابن بكير: إن ذبح البعير أكل، وإن نحرت الشاة لم تؤكل، وتذبح النعامة ولا تنحر، قاله ابن القاسم. وقيل في الفيل: إنه ينحر. ووجه ذلك أنه لا عنق له يذبح فيه. ووجه قول ابن القاسم في النعامة وإن أشبهت البعير في طول العنق أنه لا لبة لها تنحر فيها.
فصل
وفرائض الذكاة بالذبح خمسة: النية وهي القصد إلى الذكاة، وقطع الودجين والحلقوم، والفور. فأما النية فهي فرض بإجماع. وأما قطع الودجين والحلقوم فإن ذلك فرض عند مالك وأصحابه. فإن قطع الحلقوم ولم يقطع الودجين أو قطع الودجين ولم يقطع الحلقوم أو قطع الودج والحلقوم ولم يقطع الودج الآخر لم تؤكل الذبيحة خلافا للشافعي وأبي حنيفة في قولهما رحمهما الله تعالى إن الذكاة في أربع: الحلقوم والمريء والودجين، فإن أنفذ منها ثلاثا وبقي واحد أكلت الذبيحة. واستيعاب قطع الحلقوم فرض على أصل مذهب مالك. وروي عن ابن القاسم وابن كنانة في المدونة، وهو قول ابن حبيب، أنه إن قطع نصفه أو أكثره أجزأه، وقال سحنون: لا يجزئه إلا أن يقطعه كله. ومن ذلك اختلافهم في الغلصمة إذا لم تكن في الرأس فالمشهور في المذهب أنها لا تؤكل، حكى ذلك يحيى بن عمر عن
стр. 416
مالك، وقاله ابن القاسم وأصبغ وعيسى بن دينار. واختلف فيه قول أشهب وابن عبد الحكم وابنه محمد وسحنون، وقال ابن وهب: لا بأس بها. وإن قطع بعض الغلصمة فقد قال محمد بن عبد الحكم على قياس الرواية بالمنع إن صار منها في الرأس حلقة مستديرة كالخاتم أكلت وإلا لم تؤكل.
فصل
وأما إن رفع يده قبل إكمال الذكاة ثم ردها، فقال ابن حبيب: تؤكل الذبيحة إن كان ذلك بالقرب، واختلف فيه قول سحنون، فمرة قال: لا تؤكل وإن رد يده بقرب ذلك، ومرة كرهها. وقد تأول على سحنون أنه إن رفع يده كالمختبر ثم ردها بالقرب أكلت، وإن رفع يده وهو يرى أن الذكاة قد أكملها لم تؤكل وإن رد يده بالقرب، وقد قال بعض القرويين في ذلك بالعكس قياسا على من سلم من ركعتين شاكا أو على يقين أنه قد أكمل الصلاة، واستحسن ذلك أبو الحسن القابسي.
فصل
ومن سنن الذبيحة التسمية، وأن لا تنخع الذبيحة حتى تزهق نفسها، وأن توجه للقبلة وتضجع على شقها الأيسر، وأن يرفق بها في ذلك كله. وسيأتي حكم من ترك شيئا من ذلك كله في موضعه إن شاء الله. والاختيار أن تذبح بالحديد. قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فإن لم يجد الحديد فما ذبح به أجزأه إذا قطع وأنهر الدم إلا السن والظفر. فقد اختلف في الذبح بهما، فقيل ذلك جائز، وقيل لا يجوز. وفرق ابن حبيب بين أن يكونا مركبين أو غير مركبين. وقيل: إنه يجوز بالظفر ولا يجوز بالسن. والقولان الأولان مرويان عن مالك، وبالله التوفيق والله أعلم.
стр. 417
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الضحايا
فصل
في سبب شرع الضحايا
أصل ما شرع الله الضحايا لعباده ما حكاه في محكم كتابه من قصة خليله إبراهيم ﵇ وما ابتلاه به من ذبح ابنه ثم فداه بذبح عظيم. قال الله ﵎ في كتابه حاكيا عن إبراهيم ﷺ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] أي ولدا صالحا قال الله ﵎: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. روي أن إبراهيم ﷺ لما بشرته الملائكة بابنه إسحاق نذر لله تعالى أن يجعله ذبيحا إذا ولدته سارة، فلما ولدته وبلغ معه السعي أي معونته على العمل قيل له في المنام: أوف لله بنذرك فرؤيا الأنبياء وحي. فقال لابنه إسحاق: يا بني اذهب بنا نقرب إلى الله قربانا، وأخذ سكينا وحبلا ثم انطلقا، فلما سارا بين الجبال التفت إسحاق وقال يا أبت أين قربانك؟ ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. فقال له يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه سارة فتحزن لذلك، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة أمي فاقرأ
стр. 418
- ﵍ مني. فأقبل عليه أبوه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي حتى استنقعت الدموع تحت خد إسحاق ثم إنه جر السكين على حلقه فلم تجر، وطوقه الله صفيحة من نحاس على حلق إسحاق، فلما رأى ذلك خشي أن يكون من الشيطان وصوب به وجهه وجر السكين في قفاه فلم تجر، فذلك قوله : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] وناداه الله ، أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا التفت، فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين، فأخذ الكبش وحل ابنه وأقبل عليه يقبله ويقول اليوم وهبت لي يا بني. وروي أنه أرسل ابنه ثم اتبع الكبش ليأخذه فأحرجه عند الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات فأفلت عندها، فجاء الجمرة الوسطى فأحرجه عندها فرماه بسبع حصيات، فأفلت فجاء الجمرة الكبرى جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات وأحرجه عندها وأخذه فجاء به المنحر فذبحه. روي ذلك عن ابن عباس وأنه قال: والذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه عند ميزاب الكعبة، فكان ذلك سبب ما شرعه الله تعالى من رمي الجمار بمنى، والنحر في أيام النحر؛ لأن الله ﵎ أمر النبي ﵊ أن يتبع ملة إبراهيم فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] وقد استدل برواية ابن عباس هذه من ذهب إلى أن الذبيح إسماعيل وبقول الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] يقول بشرناه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب يقول بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره
стр. 419
بذبحه وله من الله هذا الوعد. وقال أبو جعفر الطبري: والذي ذهب إليه أكثر أهل العلم بالتأويل أن الذبيح هو إسحاق، وهو الأظهر؛ لأن الذبيح إذا كان هو الغلام الحليم الذي بشره الله به لمسألته إياه أن يهب له من الصالحين بنص الكتاب فهو إسحاق، والله أعلم؛ لأنه لم يكن له ولد إلا من الصالحين، فيبعد أن يسأل الله أن يهبه ما قد وهبه إياه. وقد بين في كتابه أن الذي بشر به إسحاق فهو الذبيح والله أعلم. وقد روي أن إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام وبها أراد ذبحه. وغير مستحيل أن يكون حمل رأس الكبش من الشام إلى مكة. ولا حجة لمن ذهب إلى أن الذبيح إسماعيل في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] عقب الفراغ من قصة الذبيح؛ لأنه إنما بشر بنبوته جزاء على صبره ورضاه بأمر ربه واستسلامه له. وكذلك لا حجة في وعد الله له أن يكون له ولد من إسحاق؛ لأنه إنما أمر بذبحه بعد أن بلغ معه السعي وتلك حال لا ينكر أن يكون له فيها أولاد فكيف بولد والله أعلم. وقال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أنه قص قصة الذبيح وقال في آخر القصة: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ثم قال: ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١١٠] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١] ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣] أي: على إسماعيل ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] كنى عنه؛ لأنه قد تقدم ذكره. ثم قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ [الصافات: ١١٣] فدل على أنهما ذرية إسماعيل وإسحاق. وليس يختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق ﵉ بثلاث عشرة سنة. وأيضا قد روي عن النبي ﷺ أن أعرابيا قال له يا ابن الذبيحين يعني إسماعيل ﵇ وأباه عبد الله؛ لأن عبد المطلب كان نذر إن بلغ ولده عشرة أن ينحر منهم واحدا، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح على أن يذبح من خرج قدحه، وقد كتب اسم كل واحد في قدح، وخرج قدح عبد الله، ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه، ففداه بعشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها، وسن الدية مائة. قال ابن إسحاق وأما من قال: إنه إسحاق فقال كانت في إسحاق بشارتان: الأولى قوله:
стр. 420
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ولما استسلم للذبح واستسلم إبراهيم ﵇ لذبحه بشر به نبيا من الصالحين.
قلت: والذي ذهب إليه المفضل من أنه إسماعيل هو الأظهر. وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا والله أعلم. وما استدل به أبو جعفر الطبري لما ذهب إليه من أنه إسحاق ﵇؛ لأنه يبعد أن يسأل إبراهيم ربه هبة ما قد وهبه إياه إنما يستقيم على أن إسحاق أكبر من إسماعيل، فإن كان إسماعيل أكبر من إسحاق على ما ذكره المفضل من أنه لم يختلف في ذلك الرواة فما استدل به حجة للمفضل في أن الذبيح إسماعيل والله أعلم.
فصل
وروي أن هذا الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم ﷺ من الذبح هو القربان الذي أخبر الله أنه تقبله من أحد ابني آدم حيث يقول: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧] فذلك أن ابني آدم لما أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم وكان نتج له حمل في غنمه فأحبه حتى كان يؤثره بالليل وكان يحمله على ظهره حتى لم يكن له مال أحب إليه منه. فلما أمر بالقربان قربه لله فقبله الله منه فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم - والله أعلم.
فصل
فالضحية سنة من سنن الإسلام وشرع من شرائعه. قال رسول الله ﷺ : «أمرت بالنحر وهو لكم سنة» وأما قول الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قيل: معناه فصل لربك وانحر لربك، فتكون الآية على هذا عامة في الهدايا والضحايا. وقيل: يعني به صلاة الصبح بالمشعر الحرام ثم النحر بعدها
стр. 421
بمنى. وقيل: يعني به صلاة العيد ثم النحر بعدها، وأن الآية نزلت بالمدينة. وأما الحج فلا صلاة عيد فيه. وقيل: يعني به وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة عند النحر وهو الصدر. وقيل: يعني به استقبال القبلة في الصلاة لوجهك ونحرك أي صدرك، والله أعلم. وقال ابن حبيب: إنها من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها خطيئة، وأنها أفضل من الصدقة وإن عظمت، وأفضل من العتق. ونحوه في المدونة فيمن اشترى أضحية ولم يضح بها حتى مضت أيام النحر أنه آثم، فعلى هذا هي واجبة.
وتحصيل مذهب مالك أنها من السنن التي يؤمر الناس بها ويندبون إليها ولا يرخص لهم في تركها، فقد قال: وإن كان الرجل فقيرا لا شيء له إلا ثمن الشاة فليضح، وإن لم يجد فليستسلف. وقد روي عنه ﵀ أن الضحية أفضل من الصدقة، وروي عنه أن الصدقة أفضل من الضحية. فعلى هذا لم يرها واجبة ولا يأثم بتركها وإن كان موسرا ما لم يتركها رغبة عن إتيان السنن.
فصل
وفي الضحايا فضل كثير. قال الله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] يعني ذخر الثواب. وقال النبي ﷺ : «ما من نفقة بعد صلة الرحم أعظم أجرا عند الله من إراقة الدماء». وروي عنه ﷺ أنه قال: «ما عمل آدمي يوم النحر من عمل أحب إلى الله من إراقة دم وإنه ليأتي يوم القيامة في قرنه بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن دمها ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا» فقوله: في قرنه يريد في كتاب حسناته. وقوله: بقرونها وأظلافها وأشعارها يريد أن شيئا منها لا يضيع له وأنه يجده ويجازى عليه، فلذلك يستحب عظم الضحية وكمال شعرها وكمال خلقها. والآثار في هذا كثيرة.
стр. 422
فصل
وأفضل الضحايا الكبش الفحل الأبيض الأقرن الأعين الذي يمشي في سواد وينظر بسواد ويأكل بسواد، وقد روي أن هذه كانت صفة الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم ﷺ من الذبح. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لدم عفراء أفضل عند الله من دم سوداوين».
فصل
وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول المعز أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر، وذكور الإبل أفضل من إناثها وإناثها أفضل من ذكور البقر، وذكورها أفضل من إناثها، قاله ابن شعبان. وقال عبد الوهاب: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، وهو الصواب؛ لأن المراعاة في [سنة] الضحايا طيب اللحم ورطوبته؛ لأنه يختص بها أهل البيت دون الفقراء، بخلاف الهدايا. والدليل على ذلك أن النبي ﷺ إنما ضحى بالغنم، ولو كانت الإبل في الضحايا أفضل لضحى بها. ومما يدل أيضا على أنها أفضل من الإبل في الضحايا أن الله ﵎ إنما فدى ابن إبراهيم من الذبح بكبش، وقال في كتابه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وروى أن الله أنزله من الجنة وأنه كان رعى فيها خمسين خريفا. وأما الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن. وذهب الشافعي ﵀ إلى أن الإبل في الضحايا أفضل من الغنم، واحتج على ذلك بقول النبي ﷺ : «من اغتسل وراح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» الحديث. والضحايا قربان. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أراد ﷺ الهدايا. وقد روي ذلك في
стр. 423
غير حديث الموطأ «من راح في الساعة الأولى فكأنما أهدى بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما أهدى بقرة».
فصل
والضحية واجبة على المقيم والمسافر والذكر والأنثى والصغير والكبير. وقد قال مالك ﵀: يضحي الوصي عن اليتيم من ماله، ويلزم الأب أن يضحي عن بنيه الذكور والإناث ما كانت نفقتهم له لازمة، الذكور حتى يحتلموا، والإناث حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن. ولا يلزمه أن يضحي عن امرأته ولا عن أم ولده، ولا يلزم أم الولد أن تضحي عن نفسها، وكذلك من فيه بقية رق لا تلزمه الضحية. والاختيار عند مالك أن يضحى عن كل نفس بشاة، فإن ضحى بشاة واحدة عن جميع أهل البيت أجزأهم.
فصل
وأيام النحر ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده، وهي الأيام المعلومات التي ذكر الله في كتابه فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] يضحي فيها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس إلا في اليوم الأول فلا يضحي فيه إلا بعد صلاة العيد ونحر الإمام. ويستحب في اليوم الثاني والثالث ألا يضحي إلا ضحوة بعد طلوع الشمس، فإن ضحى قبل ذلك بعد طلوع الفجر أجزأه. ويستحب أيضا لمن لم يضح في اليوم الثاني من أيام الذبح حتى زالت الشمس أن يؤخر الذبح إلى ضحى اليوم الثالث فإنه أفضل. وأما من لم يضح في يوم النحر حتى زالت الشمس فقيل: إن الأفضل أن يضحي في بقية ذلك النهار، وقيل: الأفضل أن يؤخر إلى ضحى اليوم الثاني. وأما اليوم الثالث فيضحي بعد الزوال من فاته أن يضحي قبله؛ لأنه ليس ثم وقت ينتظره.
فصل
والضحية لا تجب إلا بالذبح خلاف الهدي الذي يجب بالتقليد والإشعار.
стр. 424
فقد روى ابن القاسم عن مالك رحمهما الله تعالى في سماعه من كتاب الضحايا من العتبية ما يدل على أنها تجب بالتسمية قبل الذبح، فقال: لا تجز الضحية بعد أن تسمى، فإن فعل انتفع بصوفها ولم يبعه، وقال سحنون وأشهب: لا بأس ببيعه إذا جزه قبل الذبح، وخفف ذلك أصبغ، وهو الذي يأتي على أنها إنما تجب بالذبح وهو المشهور في المذهب، وبالله التوفيق.
стр. 425
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأشربة
قال الله تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] أي تريحون وقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] واختلف في السكر فقيل: إنه اسم من أسماء الخمر وإنه يقع على كل مسكر من التمر والعنب وغيرهما، قال ذلك من ذهب إلى أن الخمر اسم لكل مسكر. وقيل: إن السكر ما أسكر من التمر، والخمر ما أسكر من العنب. وقيل: إن السكر هو الطعم يقال قد جعلت هذا لك سكرا أي طعما، وهذا له سكر أي طعم. وقيل: إن السكر ما سد الجوع. فمن ذهب إلى أن السكر الطعم أو ما سد الجوع فالآية على مذهبه بينة في المعنى مفتقرة إلى تأويل وتفسير. وأما الذين ذهبوا إلى أن السكر ما أسكر من كل شيء أو مما عدا العنب فإنهم اختلفوا في معناها، فمنهم من ذهب إلى أنها إخبار عما يصنعون ويتخذون من ذلك تقتضي الإباحة وأن الله قد نسخ ذلك بما أنزل من تحريم الخمر في المائدة وغيرها. ومنهم من ذهب إلى أن الآية لا تقتضي الإباحة؛ لأن الله لم يأمر فيها باتخاذ السكر ولا أباحه، وإنما أخبر فيها بما يتخذون من الخمر المحرمة عليهم في سورة المائدة وغيرها. والأول أظهر؛ لأن الله إنما ذكر ذلك تعديدا لنعمه على عباده وتنبيها على
следующие страницы →