Полный текст (1 626 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
بمنى. وقيل: يعني به صلاة العيد ثم النحر بعدها، وأن الآية نزلت بالمدينة. وأما الحج فلا صلاة عيد فيه. وقيل: يعني به وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة عند النحر وهو الصدر. وقيل: يعني به استقبال القبلة في الصلاة لوجهك ونحرك أي صدرك، والله أعلم. وقال ابن حبيب: إنها من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها خطيئة، وأنها أفضل من الصدقة وإن عظمت، وأفضل من العتق. ونحوه في المدونة فيمن اشترى أضحية ولم يضح بها حتى مضت أيام النحر أنه آثم، فعلى هذا هي واجبة.
وتحصيل مذهب مالك أنها من السنن التي يؤمر الناس بها ويندبون إليها ولا يرخص لهم في تركها، فقد قال: وإن كان الرجل فقيرا لا شيء له إلا ثمن الشاة فليضح، وإن لم يجد فليستسلف. وقد روي عنه ﵀ أن الضحية أفضل من الصدقة، وروي عنه أن الصدقة أفضل من الضحية. فعلى هذا لم يرها واجبة ولا يأثم بتركها وإن كان موسرا ما لم يتركها رغبة عن إتيان السنن.
فصل
وفي الضحايا فضل كثير. قال الله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] يعني ذخر الثواب. وقال النبي ﷺ : «ما من نفقة بعد صلة الرحم أعظم أجرا عند الله من إراقة الدماء». وروي عنه ﷺ أنه قال: «ما عمل آدمي يوم النحر من عمل أحب إلى الله من إراقة دم وإنه ليأتي يوم القيامة في قرنه بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن دمها ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا» فقوله: في قرنه يريد في كتاب حسناته. وقوله: بقرونها وأظلافها وأشعارها يريد أن شيئا منها لا يضيع له وأنه يجده ويجازى عليه، فلذلك يستحب عظم الضحية وكمال شعرها وكمال خلقها. والآثار في هذا كثيرة.
стр. 422
فصل
وأفضل الضحايا الكبش الفحل الأبيض الأقرن الأعين الذي يمشي في سواد وينظر بسواد ويأكل بسواد، وقد روي أن هذه كانت صفة الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم ﷺ من الذبح. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لدم عفراء أفضل عند الله من دم سوداوين».
فصل
وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول المعز أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر، وذكور الإبل أفضل من إناثها وإناثها أفضل من ذكور البقر، وذكورها أفضل من إناثها، قاله ابن شعبان. وقال عبد الوهاب: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، وهو الصواب؛ لأن المراعاة في [سنة] الضحايا طيب اللحم ورطوبته؛ لأنه يختص بها أهل البيت دون الفقراء، بخلاف الهدايا. والدليل على ذلك أن النبي ﷺ إنما ضحى بالغنم، ولو كانت الإبل في الضحايا أفضل لضحى بها. ومما يدل أيضا على أنها أفضل من الإبل في الضحايا أن الله ﵎ إنما فدى ابن إبراهيم من الذبح بكبش، وقال في كتابه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وروى أن الله أنزله من الجنة وأنه كان رعى فيها خمسين خريفا. وأما الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن. وذهب الشافعي ﵀ إلى أن الإبل في الضحايا أفضل من الغنم، واحتج على ذلك بقول النبي ﷺ : «من اغتسل وراح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» الحديث. والضحايا قربان. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أراد ﷺ الهدايا. وقد روي ذلك في
стр. 423
غير حديث الموطأ «من راح في الساعة الأولى فكأنما أهدى بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما أهدى بقرة».
فصل
والضحية واجبة على المقيم والمسافر والذكر والأنثى والصغير والكبير. وقد قال مالك ﵀: يضحي الوصي عن اليتيم من ماله، ويلزم الأب أن يضحي عن بنيه الذكور والإناث ما كانت نفقتهم له لازمة، الذكور حتى يحتلموا، والإناث حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن. ولا يلزمه أن يضحي عن امرأته ولا عن أم ولده، ولا يلزم أم الولد أن تضحي عن نفسها، وكذلك من فيه بقية رق لا تلزمه الضحية. والاختيار عند مالك أن يضحى عن كل نفس بشاة، فإن ضحى بشاة واحدة عن جميع أهل البيت أجزأهم.
فصل
وأيام النحر ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده، وهي الأيام المعلومات التي ذكر الله في كتابه فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] يضحي فيها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس إلا في اليوم الأول فلا يضحي فيه إلا بعد صلاة العيد ونحر الإمام. ويستحب في اليوم الثاني والثالث ألا يضحي إلا ضحوة بعد طلوع الشمس، فإن ضحى قبل ذلك بعد طلوع الفجر أجزأه. ويستحب أيضا لمن لم يضح في اليوم الثاني من أيام الذبح حتى زالت الشمس أن يؤخر الذبح إلى ضحى اليوم الثالث فإنه أفضل. وأما من لم يضح في يوم النحر حتى زالت الشمس فقيل: إن الأفضل أن يضحي في بقية ذلك النهار، وقيل: الأفضل أن يؤخر إلى ضحى اليوم الثاني. وأما اليوم الثالث فيضحي بعد الزوال من فاته أن يضحي قبله؛ لأنه ليس ثم وقت ينتظره.
فصل
والضحية لا تجب إلا بالذبح خلاف الهدي الذي يجب بالتقليد والإشعار.
стр. 424
فقد روى ابن القاسم عن مالك رحمهما الله تعالى في سماعه من كتاب الضحايا من العتبية ما يدل على أنها تجب بالتسمية قبل الذبح، فقال: لا تجز الضحية بعد أن تسمى، فإن فعل انتفع بصوفها ولم يبعه، وقال سحنون وأشهب: لا بأس ببيعه إذا جزه قبل الذبح، وخفف ذلك أصبغ، وهو الذي يأتي على أنها إنما تجب بالذبح وهو المشهور في المذهب، وبالله التوفيق.
стр. 425
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأشربة
قال الله تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] أي تريحون وقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] واختلف في السكر فقيل: إنه اسم من أسماء الخمر وإنه يقع على كل مسكر من التمر والعنب وغيرهما، قال ذلك من ذهب إلى أن الخمر اسم لكل مسكر. وقيل: إن السكر ما أسكر من التمر، والخمر ما أسكر من العنب. وقيل: إن السكر هو الطعم يقال قد جعلت هذا لك سكرا أي طعما، وهذا له سكر أي طعم. وقيل: إن السكر ما سد الجوع. فمن ذهب إلى أن السكر الطعم أو ما سد الجوع فالآية على مذهبه بينة في المعنى مفتقرة إلى تأويل وتفسير. وأما الذين ذهبوا إلى أن السكر ما أسكر من كل شيء أو مما عدا العنب فإنهم اختلفوا في معناها، فمنهم من ذهب إلى أنها إخبار عما يصنعون ويتخذون من ذلك تقتضي الإباحة وأن الله قد نسخ ذلك بما أنزل من تحريم الخمر في المائدة وغيرها. ومنهم من ذهب إلى أن الآية لا تقتضي الإباحة؛ لأن الله لم يأمر فيها باتخاذ السكر ولا أباحه، وإنما أخبر فيها بما يتخذون من الخمر المحرمة عليهم في سورة المائدة وغيرها. والأول أظهر؛ لأن الله إنما ذكر ذلك تعديدا لنعمه على عباده وتنبيها على
стр. 426
الاعتبار بآياته، فيبعد أن يمتن الله على عباده بما حرم عليهم وأمرهم باجتنابه في غير ما آية من كتابه. وأيضا فإن سورة النحل مكية وتحريم الخمر إنما أنزل بالمدينة في سورة المائدة.
فصل
وأجمعت الأمة على أن الخمر محرمة في كتاب الله تعالى، إلا أنهم اختلفوا إن كانت محرمة في الكتاب بنص أو بدليل. والصحيح أنها محرمة فيه بالنص؛ لأن المحرم هو المنهي عنه الذي توعد الله عباده على استباحته. وقد نهى الله عن الخمر في كتابه وأمر باجتنابها وتوعد على استباحتها فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وهذا بلاغ في الوعيد. وهاتان الآيتان ناسختان لآية البقرة قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ولآية النساء قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]؛ لأن آية البقرة إنما تقتضي الذم دون التحريم، فكانوا يشربونها لما فيها من المنافع. وأما آية النساء فقيل: إنها تقتضي الإباحة؛ لأنهم أمروا فيها بتأخير الصلاة حتى يذهب السكر قبل أن تحرم الخمر، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي لا يقربن الصلاة سكران، ثم نسخ ذلك فحرمت الخمرة وأمروا بالصلاة على كل حال. وقيل: إنها تقتضي تحريم السكر في وقت الصلاة؛ لأن ذلك مفهوم النهي عن أن يقرب الصلاة في حال السكر؛ لأنهم كانوا يشربون الخمر بالليل حين نزلت هذه الآية حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة.
стр. 427
فصل
وإن طالب متعسف جاهل بوجود لفظ التحريم لها في القرآن فإنه موجود في غير ما موضع، وذلك أن الله سماها رجسا فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ثم نص على تحريم الرجس فقال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وسماها أيضا في موضع آخر فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ثم نص على تحريم الإثم فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ولو لم يرد في القرآن في الخمر إلا مجرد النهي لكانت السنن الواردة عن النبي ﷺ بتحريم الخمر مبينة لمعنى نهي الله عنها وأن مراده به التحريم لا الكراهة؛ لأنه إنما بعثه ليبين للناس ما نزل إليهم. وقد قال ﷺ إن الله حرمها، وأجمعت الأمة على تحريمها، وتحريمها معلوم من دين النبي ﵊ ضرورة. فمن قال: إن الخمر ليست بحرام فهو كافر بإجماع يستتاب كما يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل. «روي أن ناسا من أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فعلمهم الصلاة والسنن والفرائض ثم قالوا: يا رسول الله إن لنا شرابا نصنعه من القمح والشعير، فقال: أيتغير؟ فقالوا: نعم، فقال: لا تطعموه، ثم سألوه عنه بعد يومين فقال: لا تطعموه، ثم لما أرادوا أن ينطلقوا سألوه عنه فقال: لا تطعموه، قالوا: فإنهم لا يدعونه، قال: من لم يدعه فاضربوا عنقه» يريد مكذبا بتحريمه، والله أعلم. ومن شربها وهو مقر بتحريمها جلد الحد ثمانين.
فصل
وشرب الخمر من أكبر الكبائر، والآثار الواردة بالتشدد في شرب الخمر كثيرة قد أكثر الناس من ذكرها فلا معنى لجلبها.
стр. 428
فصل
والخمر ما أسكر وخامر العقل. قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام فما أسكر من جميع الأشربة فقليله وكثيرة حرام»، هذا قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجمهور أهل العلم، وخالف في ذلك أهل العراق. فمنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين هي الخمر التي من عصير العنب إذا نش وألقى الزبد أو نش وإن لم يلق الزبد على اختلاف بين هؤلاء في ذلك، وما سوى ذلك عندهم من الأشربة والأنبذة المسكرة النيئة أو المطبوخة فالسكر منها حرام، وما دونه حلال على ما روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب، وهذا لا حجة فيه؛ لأن بعض الرواة يقول فيه والمسكر من كل شراب. ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين خمر العنب والتمر خاصة على ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الخمر من الكرمة والنخلة». ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين هي الخمر التي من عصير العنب، وأن نقيع التمر والزبيب المخمر عن غير طبخ بمنزلة الخمر في تحريم العين بخلاف سائر الأشربة والأنبذة؛ لقول رسول الله ﷺ : «الخمر من الكرمة والنخلة»، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ تعالى.
فصل
فكل مسكر مطرب من أي نوع كان من الأنبذة والأشربة محرم العين نجس الذات؛ لأن الله تعالى سمى الخمر رجسا كما سمى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجسا فقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وليس معنى قولنا إن الخمر نجسة الذات أن ذاتها نجسة، إذ لو كانت ذاتها التي هي جسمها نجسة لما انتقلت بتبدل صفاتها إلى الطهارة، وإنما معنى قولنا إنها نجسة
стр. 429
الذات أن ذاتها نجست بحلول صفات الخمر فيها كما حرمت بذلك. ألا ترى أنها قد كانت طاهرة حلالا حين كونها عصيرا قبل حلول صفات الخمر فيها، فلما حلت فيها صفات الخمر نجست بذلك وحرمت به. فلما كان حلول صفات الخمر في العصير علة في تحريمه وتنجيسه وجب إذا ارتفعت منها تلك الصفات التي هي العلة في التحريم والتنجيس أن يزول الحكم بزوال العلة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من القايسين أن الحكم الواجب لعلة شرعية يزول بزوال العلة ما لم تخلفه علة أخرى موجبة لمثل حكمها. فلا خلاف بين أحد من المسلمين أعلمه في أن الخمرة نجسة ولا في أنها إذا تخللت من ذاتها تطهر فتحل إلا ما ذهب إليه ابن لبابة في أن نجاستها مختلف فيه وأن قول مالك ﵀ فيها أن أكلها حلال إذا تخللت أو عالجها رجل حتى تخللت يدل أنها عنده ليست بنجسة وإن حرم شربها، إذ ليس كل حرام نجسا. من ذلك الحرير والذهب للرجل وما لا يؤكل لحمه وغير ذلك، وأن كراهيته للخمر التي تعالج بالحيتان حتى تصير مريا خلاف ذلك، وأنه على القول بأنها نجسة تنجس ما حلت فيه من الماء والطعام كسائر النجاسات.
وقوله خطأ صراح، بل لا اختلاف في أنها نجسة تنجس الثياب والماء والطعام، ولا اختلاف في أنها إذا تخللت من ذاتها تحل وتطهر. وإنما اختلفوا إذا خللت هل تؤكل أم لا على اختلافهم في وجه المنع من تخليلها، إذ قد قيل: إن المنع من تخليلها عبادة لا لعلة، وقيل بل منع من ذلك لعلة وهي التعدي والعصيان في اقتنائها. وقيل: بل العلة في ذلك التهمة لمقتنيها في أن لا يخللها إذا غاب عليها فيحكم عليه بإراقتها لذلك ولا يمكن من تخليلها. فعلى القول بأن المنع من تخليلها عبادة لا علة لا يجوز تخليلها في موضع من المواضع. ويتخرج جواز أكلها إذا خللت على قولين جاريين على اختلافهم في النهي، هل يقتضي فساد المنهي عنه أم لا يقتضيه. وعلى القول بأن المنع من تخليلها لعلة يجوز تخليلها إذا ارتفعت العلة. فمن رأى أن العلة في ذلك التعدي والعصيان في اقتنائها أجاز لمن تخمر له عصير لم يرد به الخمر أن يخلله، وقال: إنه إن خلل ما عصى في اقتنائه لم يأكله عقوبة. ومن رأى العلة في ذلك التهمة لمقتنيها في أن لا يخللها إذا غاب
стр. 430
عليها أجاز للرجل في خاصة نفسه أن يخلل ما عنده من الخمر على أي وجه كان ويأكله، وإن كان الاختيار له أن لا يفعل وأن يبادر إلى إراقتها كما فعل الصحابة ﵃ في حديث أنس. فيتحصل في جواز تخليل الخمر ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز دون تفصيل. والثاني: أن ذلك جائز دون تفصيل على كراهية. والثالث: الفرق بين أن يقتني الخمر أو يتخمر عنده عصير لم يرد به الخمر.
وفي جواز أكلها إن خللها على مذهب من لا يجيز له تخليلها في حال ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والفرق بين أن يخلل من الخمر ما اقتنى أو ما تخمر عنده مما لم يرد به الخمر. وهذا قول سحنون، والقولان الأولان لمالك. وقد علل بعض البغداديين وهو عبد الوهاب المنع من أكلها إذا خللت على مذهب الشافعي ببقائها على النجاسة، وهو تعليل فاسد، إذ لو بقيت على النجاسة إذا خللت لكان أحرى أن تبقى عليها إذا تخللت، إلا أن يريد ببقائها على النجاسة بقاءها على حكم النجاسة في المنع من الأكل مع زوال النجاسة فيكون لذلك وجه، وهو أنه جعل ارتفاع صفات الخمر من الخمر بالتخليل كارتفاع النجاسة عن الثوب بالغسل بما سوى الماء من المائعات، فتكون الخمر إذا خللت طاهرة إن وقع شيء منها بعد التخليل في ماء أو ثوب لم تنجسه، كما يكون الثوب النجس إذا غسل بما سوى الماء من المائعات حتى زالت النجاسة عنه طاهرا إن حل في ماء طاهر لم ينجسه، ويكون حكم نجاسة الخمر إذا خللت باقيا على الخل في المنع من الأكل كما يكون حكم نجاسة الثوب إذا غسل بما سوى الماء من المائعات باقيا على الثوب في المنع من الصلاة فيه. وهذا كله بين والحمد لله. فإن قال قائل: إن كانت الخمر نجسة فكيف تطهر إذا تخللت عند مالك ومن قوله أن المنجوسات لا يطهرها من النجاسات إلا الماء الطاهر؟ قيل له: الفرق بينهما أن النجاسات أعيان قائمة بأنفسها لا يستحيل بقاؤها، فإذا خالطت الأجسام الطاهرة لم تنفصل عنها عند مالك إلا بالماء لقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وطهور
стр. 431
من أبنية التكثير، فوجب أن يختص بالماء التطهير دون ما سواه من المائعات. وأما صفات الخمر فليست بأعيان قائمة بأنفسها؛ لأن الله خلقها خلقا لا تبقى فلا تتصف بطهارة ولا نجاسة، ومحلها يتصف بالنجاسة بها من جهة الشرع، فإذا زالت عنه لم يتصف بالنجاسة ولا حكم له بحكمها، وحكم له بحكم ما انتقل إليه من المائعات الطاهرة، وبالله التوفيق.
стр. 432
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب العقيقة
العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه. وقد اختلف في وجه تسميتها عقيقة، فحكى أبو عبيد عن الأصمعي وغيره أن العقيقة الشعر الذي يكون على رأس المولود، وإنما سميت الشاة التي تذبح عنه عقيقة؛ لأنه يحلق رأسه عند ذبحها، وهو الأذى الذي جاء الحديث بإماطته عنه. ويشهد لقوله بيت امرئ القيس:
أيا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا
فالعقيقة والعقة الشعر الذي يولد به الطفل. وقيل في معنى البيت أي أنه لم يعق عنه في صغره حتى كبر، عابه بذلك. وقال أحمد بن حنبل: إنما العقيقة الذبح نفسه، وهو قطع الأوداج والحلقوم، ومنه قيل للقاطع رحمه في أبيه وأمه عاق، وهو كلام غير محصل. والتحقيق فيه على ما ذهب إليه أن العقيقة الذبيحة نفسها؛ لأنها هي التي تقطع أوداجها وحلقومها فهي فعيلة من العق الذي هو القطع بمعنى مفعولة، مثل قتيلة ورهينة وما أشبه ذلك.
فصل
والعقيقة من الأشياء التي كانت في الجاهلية فأقرت في الإسلام. روي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بدمها، ثم كنا في الإسلام إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بالزعفران. فهي سنة من سنن الإسلام وشرع من شرائعه، إلا أنها ليست
стр. 433
بواجبة عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه، وهي عندهم من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها غير خطيئة. والدليل على ذلك «أن رسول الله ﷺ سئل عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق» وكأنه إنما كره الاسم، وقال: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك على ولده فليفعل». وما روي «أن رسول الله ﷺ قال: الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى» يدل على وجوبها. وتأويل ذلك عندنا على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بعد بقوله: «من أحب أن ينسك على ولده فليفعل» فسقط الوجوب. ومن أهل العلم من تعلق بما يدل عليه الحديث المذكور وغيره من الوجوب فأوجب العقيقة وقال: إن من لم يعق عنه وهو صغير يلزمه أن يعق عن نفسه وهو كبير على ما روي «أن رسول الله- ﷺ عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة» ولم يصح ذلك عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فأنكره وقال: أرأيت أصحاب رسول الله ﷺ الذين لم يعق عنهم في الجاهلية أعقوا عن أنفسهم في الإسلام؟ هذه الأباطيل. وأما ما تضمنه الحديث من تسمية المولود يوم سابعه فإليه ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، والأمر في ذلك واسع. «روي أن رسول الله ﷺ قال حين ولد له ابنه إبراهيم: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبى إبراهيم» «وأنه أتي بعبد الله بن أبي طلحة صبيحة الليلة التي ولد فيها فحنكه بتمر عجوة ودعا له وسماه عبد الله» في حديث طويل.
فصل
فالمشهور عند مالك أنه لا يعق عن المولود إلا يوم سابعه. وقد روى أشهب عنه في الذي لا يتهيأ له ما يعق به عنه يوم سابعه أنه لا يعق عنه بعده إلا أن يكون قريبا. وروى ابن وهب عنه أنه إن لم يعق عنه يوم سابعه عق عنه يوم السابع الثاني، فإن لم يفعل عق عنه في الثالث، فإن جاوز ذلك فقد فات موضع العقيقة،
стр. 434
فقيل: يحسب السابع من غروب الشمس وقيل من طلوع الفجر وقيل من زوال الشمس. وقيل يحسب ذلك النهار إن بقيت منه بقية قبل الغروب على ما سنذكره بعد هذا إن شاء الله.
فصل
وحكم العقيقة حكم الضحايا؛ لأنها نسك فلا يباع جلدها ولا لحمها ولا يعطى الجزار على جزارتها شيئا من لحمها، ويتقى فيها من العيوب ما يتقى في الضحايا، ويؤكل منها ويتصدق وتكسر عظامها ولا يمس الصبي بشيء من دمها؛ لأن ترك كسر عظامها وأن يلطخ الصبي بشيء من دمها من أفعال الجاهلية. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «في الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى»، فقيل: إن إماطة الأذى عنه المأمور به في الحديث بترك ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من لطخ رأسه بدمها. وقيل بل ذلك حلق شعر رأسه، وهو الأظهر. قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فأوجب الفدية على المحرم لإماطة الأذى عن نفسه بحلق شعر رأسه، فكان العقيقة فيها أيضا مع [النسك معنى] الفدية عن المولود لإماطة الأذى عنه بحلق شعر رأسه. ولهذا المعنى والله أعلم قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح.
فصل
وسننها أن تذبح ضحوة إلى زوال الشمس، ويكره أن تذبح بالعشي بعد زوال الشمس أو بالسحر قبل طلوع الشمس. وأما إن ذبحها بالليل فلا يجتزأ بها.
فصل
وأفضل ما يعق به الضأن ثم المعز ثم البقر ثم الإبل. وقد روي عن مالك أنه لا يعق إلا بالغنم.
стр. 435
فصل
والعقيقة عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عن الجارية والغلام سواء، شاة عن كل واحد منهما. وقد «روي عن النبي- ﷺ أنه قال من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة». والمكافئتان المتماثلتان المشتبهتان. وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم، منهم ابن عمر وعائشة زوج النبي ﷺ ، فمن أخذ به فما أخطأ ولقد أصاب.
فصل
وقد اختلف في أي وقت يحسب سابع المولود إذا ولد على أربعة أقوال: أحدها: أن يحسب له سبعة أيام بلياليها من غروب الشمس، ويلغى ما قبل ذلك إن ولد في النهار أو في الليل بعد الغروب، ويعق عنه في ضحى اليوم السابع، وهو قول ابن الماجشون في ديوانه.
والثاني: أنه إن ولد في النهار بعد الفجر ألغي ذلك اليوم وحسب له سبعة أيام من اليوم الذي بعده. وإن ولد قبل الفجر وإن كان ذلك في الليل حسب له ذلك اليوم، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
والثالث: أنه إن ولد في شباب النهار قبل الزوال حسب له ذلك اليوم، وإن لم يولد إلا بعد الزوال ألغي ذلك اليوم. وهذا القول حكى ابن الماجشون أنه كان قول مالك ﵀ أولا ثم رجع عنه.
والرابع: أنه يحسب ذلك اليوم وإن ولد في بقية منه قبل الغروب، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. واختار أصبغ أن يلغى ذلك اليوم. فإن حسب سبعة أيام من تلك الساعة التي ولد فيها اجتزى بذلك وبالله التوفيق.
стр. 436
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم عونك اللهم لا شريك لك
كتاب النكاح
فصل
في بيان حكم النكاح في الشرع هل هو واجب أو مندوب إليه أو مباح
قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] الآية.
فصل
فالنكاح الذي هو الغشيان جبل الله الخلق عليه بما ركب فيهم من الشهوات
стр. 437
ليكون بهم النسل حتى يكمل ما قدره من الخلق. وأباحه في الشرع على وجهين: [أحدهما: عقد النكاح، والثاني: ملك اليمين، فلا يحل استباحة الفرج بما عدا هذين الوجهين]. قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فأما النكاح فإنه في الجملة مرغب فيه ومندوب إليه، خلافا لأهل الظاهر في قولهم إنه واجب. والدليل على ذلك من كتاب الله ؛ لأنه خير فيه بين النكاح وملك اليمين فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. وملك اليمين ليس بواجب بإجماع، ولا يصح التخيير بين واجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الوجوب وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦]، فدل ذلك من قوله على أن النكاح غير واجب؛ لأن من حفظ فرجه عن الزنا بملك يمينه أو باستغنائه عن النكاح توجهت المدحة إليه من الله .
فصل
فإذا ثبت بهذه الأدلة أن النكاح غير واجب علم أن الأوامر الواردة في القرآن بالنكاح في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وليست على الوجوب. [وإذا لم تكن على الوجوب] فهي على الندب لا على الإباحة. والدليل على ذلك حض رسول الله ﷺ على النكاح ونهيه عن التبتل وهو ترك النكاح. قال ﷺ :
стр. 438
«تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» وقال ﷺ : «من أحب فطرتي فليستن بسنتي» وقال: «من تزوج فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الثاني» ومعنى ذلك والله أعلم أن النكاح يعف المرء عن الزنا، والعفاف إحدى الخطتين اللتين ضمن رسول الله ﷺ عليهما الجنة فقال: «من وقاه الله شر اثنتين له الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه». وقال ﷺ : «ما أحل الله شيئا أحب إلي من نكاح». وقال: «عليكم بالباءة فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يكن له طول فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وقال ﷺ : «مسكين مسكين رجل لا زوجة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا زوج لها قيل وإن كان ذا مال يا رسول الله، قال وإن كان ذا مال». وقال ﷺ : «لا رهبانية في الإسلام ولعن الله المتبتلين والمتبتلات» ومعناه التاركين للنكاح استسنانا وتشرعا.
فصل
فالنكاح من القادر عليه إذا لم تكن له حاجة إليه مستحب عند أهل العلم.
روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول: إني لأتزوج المرأة وما لي فيها حاجة وأطأها وما أشتهيها، قيل له: وما يحملك على ذلك، قال: حبي في أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي ﷺ النبيين يوم القيامة، فإني سمعته يقول: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا وأنتق أرحاما وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» يعني بقوله أنتق أرحاما أقبل للولد، فإن كان حصورا أو عنينا أو عقيما يعلم من نفسه أنه لا يولد له فالنكاح له مباح وبالله التوفيق.
стр. 439
فصل
وأما من احتاج إلى النكاح ولم يقدر علي الصبر دون النساء ولا كان عنده مال يتسرى به وخشي على نفسه العنت إن لم يتزوج فالنكاح عليه واجب. ومن لم يحتج إليه وخشي أن لا يقوم بما أوجب الله عليه فيه فهو له مكروه. فمن الناس من يجب عليه النكاح، ومنهم من يستحب له، ومنهم من هو جائز له ومباح من غير استحباب، ومنهم من يكره له على ما بيناه. فالقول: إنه واجب على الإطلاق أو مندوب إليه على الإطلاق ليس بصحيح. وكذلك المرأة قد يكون عليها النكاح واجبا، وقد يكون لها مستحبا، وقد يكون لها مباحا جائزا، وقد يكون لها مكروها. وأما الوطء بملك اليمين فإنما هو من قبيل المباح، وبالله التوفيق.
فصل في بيان ما يحرم نكاحه من النساء
وقوله : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ليس على عمومه، وكذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وهن اللواتي لا أزواج لهن أبكارا كن أو ثيبا ليس على عمومه أيضا؛ لأن الله تعالى خص من ذلك من حرمه من النساء، وذلك سبع عشرة امرأة، وهي الأم، والابنة، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، والأم والأخت من الرضاعة، وأم الزوجة، وبنت الزوجة وهي الربيبة، وزوجة الابن، وزوجة الأب، والجمع بين الأختين، والمحصنات وهن ذوات الأزواج، والمجوسيات، والإماء الكتابيات. سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، وست بالصهر، واثنتان بالدين، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] فهؤلاء المحرمات بالنسب، وقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] فهاتان المحرمتان بالرضاعة وقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 440
وقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] فهؤلاء المحرمات بالصهر وقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فتمت السبع عشرة امرأة، وما سواهن فنكاحهن حلال. قال الله تعالى لما نص على هؤلاء المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] إلا ما خصص من ذلك أيضا بالسنة المبينة للقرآن على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.
فصل
ويدخل في قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أمهات الأمهات والجدات من قبل الآباء والأمهات كن يرثن أو لا يرثن. وتلخيص ذلك أن كل من لها عليك ولادة فهي عليك حرام؛ لأنها داخلة تحت قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ويدخل في قوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] البنات وبنات البنات وبنات البنين وإن سفلوا كل من لك عليها ولادة فهي عليك حرام؛ لأنها داخلة تحت قول الله : ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ويدخل في قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] جميع الأخوات للأب والأم وللأب دون الأم وللأم دون الأب.
стр. 441
ويدخل في قوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] العمات والخالات للأب والأم وللأب دون الأم وللأم دون الأب وعمات الآباء وخالاتهم وعمات الأمهات وخالاتهن. وتلخيص ذلك أن كل من ولده جدك أو جدتك وإن علوا من قبل الآباء كانا أو من قبل الأم فهي عليك حرام. ولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن أولئك حلال نكاحهن. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
ويدخل في قوله: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ [النساء: ٢٣] بنات بنات الأخ وبنات بنيه وإن سفلن، كل من لأخيك عليه ولادة فهي عليك حرام، كان الأخ للأب والأم أو للأب دون الأم أو للأم دون الأب.
ويدخل في قوله: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] بنات بناتها وبنات بنيها وإن سفلن، كل من لأختك عليها ولادة فهي عليك حرام، كانت الأخت للأب والأم أو للأب دون الأم أو للأم دون الأب.
ويدخل في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أمهاتهن وإن علون وبناتهن وبنات بناتهن وبنات بنيهن وإن سفلن، وأخواتهن وعماتهن وخالاتهن من قبل الأب والأم ومن قبل الأب دون الأم ومن قبل الأم دون الأب. ولا يدخل في ذلك شيء من بنات أخواتهن ولا من بنات عماتهن ولا من بنات خالاتهن.
ويدخل في قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] الأخوات للأب والأم وللأب دون الأم وللأم دون الأب؛ لأن اللبن يحرم من قبل المرضعة ومن قبل زوجها لقول رسول الله ﷺ : اللبن للفحل.
ويدخل في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أمهات الأمهات ومن فوقهن من الجدات، وليس يدخل فيه بنات الأمهات ولا أخواتهن ولا عماتهن ولا خالاتهن،
стр. 442
أولئك حل نكاحهن بعد موتهن أو فراقهن؛ لأنهن ذوات محارم فإنما يحرم الجمع بينهن.
ويدخل في قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، بنات البنات وبنات البنين وإن سفلن. ولا تحرم الربيبة ولا شيء من بناتها أو بنات بنيها إلا بالدخول بالأم أو التلذذ بشيء منها بسبب الشرط الذي فيها. وأما الأم فإنها تحرم بالعقد على الابنة؛ لأنها مبهمة لا شرط فيها.
ويدخل في قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أبناء الأبناء وأبناء البنات وإن سفلوا كانوا من نسبة أو رضاع. وإنما قيد الله تعالى تحريم حلائل الأبناء بقوله تعالى ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] تحليلا لحلائل الأبناء الأدعياء لا تحليلا لحلائل الأبناء من الرضاعة؛ لأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب بنص الكتاب والسنة. ولذلك تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش التي كانت زوجة زيد بن حارثة الذي كان تبناه رسول الله ﷺ ، قال الله : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وذلك أن اليهود والمنافقين قالوا لما تزوجها رسول الله ﷺ تزوج حليلة ابنه وقد كان ينهى عن ذلك، فأنزل الله في ذلك ما أنزل تكذيبا لهم وردا لقولهم وتجويزا لما فعله النبي ﷺ .
ويدخل في قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] الجمع بين ذوات المحارم كلهن، من ذلك الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، التي ورد النهي عن النبي ﷺ في الجمع بينهما بيانا لما في القرآن من ذلك، إذ لا
стр. 443
جائز أن يقول قائل إن تحريم الجمع بينهما إنما هو بالسنة لا بالقرآن، فالله يقول في كتابه بعد أن ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤].
ويدخل في قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] آباء الآباء ومن فوقهم من الأجداد من النسب ومن الرضاع.
فصل
فإذا تزوج الرجل امرأة وابنتها في عقدة واحدة، فإن عثر على ذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما فرق بينه وبينهما بغير طلاق ولم يكن لواحدة منهما شيء من الصداق وكان له أن يتزوج من شاء منهما. وقيل: إنه لا يتزوج الأم للشبهة التي في البنت، وإن مات الزوج لم يكن لواحدة منهما ميراث ولا لزمتها عدة. وأما إن لم يعثر على ذلك حتى دخل بهما فيفرق بينهم أيضا بغير طلاق، ويجب لكل واحدة منهما ما سمى من الصداق، وتستبرئ نفسها بثلاث حيض ولا تحل له واحدة منهما أبدا. وإن مات أيضا لم يكن لواحدة منهما ميراث. وأما إن عثر على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما معروفة فيفرق بينه وبينها ويكون للتي دخل بها صداقها المسمى، ويجب عليها الاستبراء بثلاث حيض، وتحرم على الزوج التي لم يدخل بها منهما أبدا، وتحل له التي دخل بها منهما إن كانت الابنة بلا خلاف، وإن كانت الأم على الاختلاف. وإن مات لم يكن أيضا لواحدة منهما ميراث. وأما إن عثر على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما غير معروفة فادعت كل واحدة منهما أنها هي التي دخل بها، فالقول قول الزوج مع يمينه في تعيين التي يقر أنه دخل بها ويغرم لها صداقها، ويجب على كل واحدة منهما الاستبراء بثلاث حيض. وإن مات أخذ من ماله الأقل من الصداقين فكان بين الزوجتين بعد إيمانهما. وكذلك الحكم في الذي يتزوج الأختين في عقد واحد، إلا أنه يتزوج من شاء منهما بعد الاستبراء بثلاث حيض إن كان قد دخل بهما وبالله التوفيق.
فصل
وأما إن تزوج الأم والابنة واحدة بعد واحدة فلا يخلو ذلك من ستة أوجه:
стр. 444
أحدها: أن يعثر على ذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما، والثاني: أن لا يعثر على ذلك إلا بعد أن يدخل بهما، والثالث: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بالأولى، والرابع: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بالثانية، والخامس: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما معروفة ولا يعلم إن كانت هي الأولى أو الثانية، والسادس: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما مجهولة.
فأما الوجه الأول وهو أن يعثر على ذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما فالحكم فيه أن يفرق بينه وبين الثانية، ويبقى مع الأولى إن كانت البنت بلا خلاف، وإن كانت الأم فعلى اختلاف. فإن لم تعلم الأولى منهما فرق بينه وبينهما، ويتزوج البنت إن شاء وتكون عنده على طلقتين، ويكون لكل واحدة منهما نصف صداقها، وقيل: ربع صداقها. والقياس أن يكون لكل واحدة منهما ربع الأقل من الصداقين، وذلك إذا لم تدع كل واحدة منهما أنها هي الأولى ولا ادعت عليه معرفة ذلك. وإن ادعت كل واحدة منهما عليه أنه علم أنها هي الأولى قيل له احلف أنك ما تعلم أنها هي الأولى، فإن حلف على ذلك وحلفت كل واحدة منهما أنها هي الأولى كان لهما نصف الأكثر من الصداقين فاقتسمتاه بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما، وإن نكلتا عن اليمين بعد حلفه كان لهما نصف الأقل من الصداقين واقتسمتاه أيضا على قدر صداق كل واحدة منهما. وإن نكلت إحداهما وحلفت الأخرى بعد حلفه كان للتي حلفت نصف صداقها. وإن نكل هو عن اليمين وحلفتاهما جميعا كان لكل واحدة منهما نصف صداقها. وإن حلفت إحداهما ونكلت الثانية بعد نكوله كان للحالفة نصف صداقها ولم يكن للناكلة شيء. وإن نكلتا جميعا بعد نكوله لم يكن لهما إلا نصف الأقل من الصداقين بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما. وإن أقر لإحداهما أنها هي الأولى حلف على ذلك وأعطاها نصف صداقها ولم يكن للثانية شيء. ولو نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعا غرم لكل واحدة منهما نصف صداقها، وإن حلفت الواحدة ونكلت الأخرى بعد نكوله كان للتي حلفت نصف صداقها ولم يكن للتي نكلت شيء؛ لأن الحالفة قد استحقت نصف الصداق بيمينها.
стр. 445
فصل
وأما إن مات الزوج ولم يعلم أيتهما هي الأولى فالميراث بينهما بعد أيمانهما. قال ابن القاسم: ولكل واحدة منهما نصف صداقها اتفق أو اختلف. والقياس أن يكون الأقل من الصداقين بينهما على قدر مهورهما بعد أيمانهما، وتعتد كل واحدة منهما بأربعة أشهر وعشر للشك في أيتهما هي الأولى.
وأما الوجه الثاني وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بهما جميعا فيفرق بينه وبينهما ويكون لكل واحدة منهما صداقها بالمسيس، ويكون عليهما الاستبراء بثلاث حيض، ولا تحل له واحدة منهما أبدا، ولا يكون لواحدة منهما ميراث إن مات.
وأما الوجه الثالث وهو أن لا يعلم بذلك حتى يدخل بالأولى فالحكم فيه أن يفرق بينه وبين الثانية ولا تحل له أبدا، ويقر مع الأولى إن كانت البنت باتفاق وإن كانت الأم على اختلاف.
وأما الوجه الرابع وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بالثانية فالحكم فيه أن يفرق بينه وبينهما جميعا ويكون للتي دخل بها صداقها، ويكون له أن يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد بثلاث حيض إن كانت البنت، وإن كانت الأم لم تحل له واحدة منهما أبدا، ولا يكون لواحدة منهما ميراث إذا مات.
وأما الوجه الخامس وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بواحدة منهما معروفة ولم يعلم إن كانت هي الأولى أو الثانية فالحكم فيه إن كانت الأم هي المدخول بها منهما أن يفرق بينه وبينهما ولا تحل له واحدة منهما أبدا، وإن كانت الابنة هي المدخول بها منهما فرق بينهما ثم يتزوج الابنة إن شاء بعد الاستبراء بثلاث حيض، ويكون للتي دخل بها منهما صداقها بالمسيس، وإن مات الزوج فيكون على المدخول بها منهما من العدة أقصر الأجلين ويكون لها جميع صداقها. قال ابن حبيب ونصف الميراث، وقال ابن المواز لا شيء لها من الميراث وهو الصواب. وأما التي لم يدخل بها منهما فلا عدة عليهما ولا شيء لها من صداق ولا ميراث.
стр. 446
وأما الوجه السادس: وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بواحدة منهما غير معروفة فالحكم فيه أن يفرق بينهما ولا تحل له واحدة منهما أبدأ، ويكون القول قوله مع يمينه في التي يقر أنه دخل بها منهما ويعطيها صداقها ولا يكون للأخرى شيء. فإن نكل عن اليمين حلفت كل واحدة منهما أنها هي التي دخل بها واستحقت عليه جميع صداقها. وإن حلفت إحداهما ونكلت الأخرى عن اليمين استحقت الحالفة صداقها ولم يكن للناكلة شيء.
فصل
[وإن مات الزوج فقال سحنون: لكل واحدة منهما نصف صداقها]، والقياس أن يكون الأقل من الصداقين بينهما على قدر مهورهما بعد أيمانهما، وتعتد كل واحدة منهما أقصى الأجلين، ويكون نصف الميراث بينهما على مذهب ابن حبيب. وأما على ما ذهب إليه محمد بن المواز فلا شيء إنما من الميراث، وهو الصحيح؛ لأن المدخول بها إن كانت هي الآخرة لم يكن لواحدة منهما ميراث، ولا يجب ميراث إلا بيقين. وبالله التوفيق.
فصل
ومما يضارع هذه المسألة مسألة الرجل يتزوج خمس نسوة، أو المجوسي يسلم وعنده عشر نسوة، أو الرجل يتزوج أربع نسوة مراضع فترضعهن امرأة واحدة بعد واحدة. فأما إن تزوج خمس نسوة واحدة بعد واحدة فمات عنهن ولا تعلم الآخرة منهن فالميراث بينهن أخماسا دخل بهن أو لم يدخل بهن. وأما الصداق فإن كان دخل بهن فلكل واحدة منهن جميع صداقها، وإن لم يدخل بواحدة منهن فلكل واحدة منهن نصف صداق إن اتفقت الأصدقة، أو نصف صداقها الذي سمي لها إن اختلفت الأصدقة، إلا أن تختلف الأصدقة، فيعلم مقاديرها ولا يعلم ما لكل واحدة منهن منها فيكون لكل واحدة منهن نصف خمس الجميع، وهذا على مذهب ابن حبيب. ووجه قوله أن كل واحدة منهن على انفرادها لا يدرى هي
стр. 447
الخامسة فلا شيء لها أو غير الخامسة فلها جميع الصداق، فلما وجب لها جميع الصداق في حال وسقط في حال أعطيت نصفه. وقيل: بل يكون لكل واحدة منهن أربعة أخماس صداقها الذي سمي لها أو أربعة أخماس صداق إن اتفقت الصدقات أو أربعة أخماس خمس جميعها إن اختلفت ولم يعلم ما لكل واحدة منهن من ذلك، وهذا مذهب سحنون وابن المواز. ووجهه أنا قد تحققنا أن الواجب على الميت أربع- صدقات فيؤخذ ذلك من تركته وتقتسمه الزوجات الخمس بينهن أخماسا فيجب لكل واحدة منهن أربعة أخماس صداق. وأما إن كان دخل ببعضهن فلكل واحدة ممن دخل بها منهن جميع صداقها، وفي التي لم يدخل بها منهن ثلاثة أحوال: أحدها: أنه يكون لكل من لم يدخل بها منهن نصف صداقها، وهو قول ابن حبيب، والثاني: أن يكون لكل من لم يدخل بها منهن أربعة أخماس صداقها، والثالث: أنه إن كانت التي لم يدخل بها واحدة فلها نصف صداقها، وإن كانت اثنتين فلهما صداق ونصف ثلاثة أرباع صداق لكل واحدة منهما. وإن كن اللواتي لم يدخل بهن ثلاثا فلهن صداقان ونصف خمسة أسداس صداق لكل واحدة منهن. وإن كن اللواتي لم يدخل بهن أربعا فلهن ثلاث صدقات ونصف سبعة أثمان صداق لكل واحدة منهن، وهو قول سحنون، وإليه ذهب ابن لبابة. ووجهه أنا لم نعلم إن كانت الخامسة ممن بقي لم يدخل بها فلا يجب لها شيء أو ممن قد دخل بها فيجب للبواقي صداق أسقطنا نصف الصداق لثبوته في حال وسقوطه في حال، وقسمنا الباقي على البواقي بينهن على السواء، ويكون على من دخل بها من العدة أقصى الأجلين، وعلى من لم يدخل بها أربعة أشهر وعشر.
فصل
وأما إن عثر على ذلك في حياته فيفرق بينه وبينهن، فإن كان قد دخل بهن كان لكل واحدة منهن جميع صداقها، وكان عليها أن تعتد بثلاث حيض، وإن كان لم يدخل بواحدة منهن فعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة منهم ربع صداقها، وعلى قول سحنون وابن المواز يكون لكل واحدة منهن خمسا صداقها ولا عدة على واحدة منهن، وإن كان قد دخل ببعضهن جرى الاختلاف في ذلك على قياس
стр. 448
ما تقدم في الموت؛ لأن حكم نصف الصداق في الطلاق كحكم جميعه في الموت، فيكون للتي دخل بها منهن جميع صداقها ويكون عليها العدة بثلاث حيض، وينظر في التي لم يدخل بها منهن، فإن كانت واحدة كان لها ربع صداقها على قول ابن حبيب وسحنون، وخمسا صداقها على قول ابن المواز، وإن كانت أكثر من واحدة فعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة منهن ربع صداقها، وعلى قول ابن المواز يكون لكل واحدة منهن خمسا صداقها، وعلى قول سحنون إن كانت اللتان لم يدخل بهما اثنتين كان لهما أرباع صداق بينهما، وإن كن ثلاثا كان لهن صداق وربع صداق بينهن، وإن كن أربعا كان لهن صداق وثلاثة أرباع صداق بينهن على السواء.
فصل
وأما إن كان تزوجهن في عقد واحد فيفرق بينه وبينهن ولا يكون لواحدة منهن ميراث ولا صداق ولا عليها عدة، إلا أن يدخل بواحدة منهن فيكون لمن دخل بها منهن صداقها ويكون عليها العدة بثلاث حيض.
وأما المجوسي يسلم وعنده عشر نسوة فيسلمن كلهن فله أن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، قيل بطلاق وقيل بغير طلاق. فإن كان قد دخل بهن كان لكل واحدة منهن صداقها. وأما إن كان لم يدخل بواحدة منهن فعلى القول بأنه يفارق سائر الأربع بغير طلاق لا يكون لمن فارق منهن صداق. وهو معنى ما في المدونة، وعلى القول بأنه يفارقهن بطلاق يكون لكل واحدة منهن نصف صداقها؛ لأنه كان مخيرا فيها بين أن يمسكها أو يفارقها، وهو اختيار ابن حبيب. وقيل: إن لكل واحدة منهن خمس صداقها، [وهو اختيار ابن المواز، فإن فارقهن جميعا كان لكل واحدة منهن خمس صداقها] وكانت مفارقته إياهن بطلاق قولا واحدا. وكذلك إن دخل ببعضهن فلا صداق لمن فارق ممن لم يدخل بها على معنى ما في المدونة إذا حبس أربعا، ولها نصف صداقها على ما ذهب إليه ابن حبيب، وخمس صداقها على ما ذهب إليه ابن المواز.
стр. 449
وأما الرجل يتزوج أربع مراضع فترضعهن امرأة واحدة بعد واحدة فله أن يختار منهن واحدة ويفارق سائرهن، قيل بطلاق وقيل بغير طلاق. فأما على القول بأنه يفارقهن بغير طلاق فلا شيء لهن من صداقهن، وأما على القول بأنه يفارقهن بطلاق، فقيل: إنه يكون عليه لكل من فارق منهن نصف صداقها، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وقيل بل يكون عليه لكل واحدة ثمن صداقها، وإلى هذا ذهب ابن المواز. ولو فارقهن جميعا كان لكل واحدة منهن ثمن صداقها قولا واحدا وبالله التوفيق.
فصل
في تفسير قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ [النساء: ٢٤] هن ذوات الأزواج، وقوله: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] من السبايا ذوات الأزواج أحلهن الله لنا بملك اليمين إذا سبين دون أزواجهن أو معهم على مذهب من يرى أن السبي يهدم النكاح. وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها قول ابن القاسم وأشهب في المدونة أن السبي يهدم نكاح الزوجين سبيا معا أو متفرقين. وكذلك على مذهبهما إذا سبي أحدهما قبل صاحبه ثم أتى الآخر بأمان. وأما إذا أتى أحدهما أولا بأمان ثم سبي الثاني فلا ينهدم النكاح، وتخير إن كان هو الذي سبي بعد أن قدمت هي بأمان من أجل الرق الذي أصابه بالسباء، ويعرض عليها الإسلام إن كانت هي التي سبيت بعد أن قدم هو بأمان فأسلم إلا أن تعتق، إذ لا يجوز أن تكون زوجة لمسلم وهي امرأة كافرة. والثاني: أن السبي يبيح فسخ نكاحهما سبيا معا أو متفرقين، إلا أن يقدم أحدهما قبل صاحبه بأمان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في الواضحة،؛ لأنه قال ينفسخ النكاح بالسبي إلا أن يسلما أو يسلم أحدهما أو يقرا على نكاحهما، وعليه تأتي
стр. 450
رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب التجارة إلى أرض الحرب في الإمام يبيع السبي على أن هذا زوج هذه وهذه امرأة هذا أنه ليس للمشتري أن يفرق بينهما والثالث قول ابن المواز أن السبي لا يهدم نكاحهما ولا يبيحه، سبيا معا أو متفرقين. وإن سبيت الأمة على مذهبه ثم سبي زوجها أو قدم بأمان قبل أن توطأ بالملك فهو أحق بها. والرابع الفرق بين أن تسبى هي قبله أو يسبى هو قبلها أو معها فيستحيى، وهو قول ابن بكير في الأحكام. وقد قال جماعة من المفسرين: إن المحصنات في هذه الآية جميع النساء، فهن حرام لا يحللن إلا بالتزويج أو بملك اليمين. وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب في قوله. ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنا. وقد قيل: إن قوله في الآية: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] هن الإماء ذوات الأزواج من أهل الحرب وغيرهن فيحللن بملك اليمين بالسبي وبالشراء في غير السبي، قال بذلك من ذهب إلى أن بيع الأمة طلاقها وأنها تحل لمشتريها بملك يمينه.
فصل
ويحرم الوطء بملك اليمين والتلذذ به ما يحرم الوطء بالنكاح، ويحرم من وطء المملوكات بالقرابة ما يحرم نكاحه من الحرائر بالقرابة والرضاعة. وبالله التوفيق.
فصل
ولا يحل وطء المجوسيات بنكاح ولا ملك يمين لقول الله : ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولا نكاح الأمة من أهل الكتاب لقول الله : ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وإنما يحل نكاح الحرائر منهن لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ويحل وطء
стр. 451
الإماء من أهل الكتاب بملك اليمين لقوله : ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وبالله التوفيق.
فصل
في نكاح الحر الأمة المسلمة
وأما الأمة المسلمة فالمشهور عن مالك ﵀ أن الحر لا يجوز له نكاحها إلا مع عدم الطول وخوف العنت. وقد روي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن ذلك جائر مع وجود الطول والأمن من العنت، وهو المشهور عن ابن القاسم. وهذا الاختلاف جار على الاختلاف في القول بدليل الخطاب، فمن رأى القول بدليل الخطاب لم يبح نكاح الأمة للحر إلا بالشرطين، ومن لم ير القول به أباح ذلك دون الشرطين. والعلة في المنع من ذلك إلا بالشرطين عند من رأى القول بدليل الخطاب الكراهة للمرء أن ينكح نكاحا يرق فيه ولده. فعلى هذا إذا تزوج الحر أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان ممن لا يولد له كالحصور وشبهه جاز نكاحه مع عدم الشرطين لعدم علة المنع من ذلك قولا واحدا كالعبد والله أعلم.
فصل
فعلى القول بأن الحر يتزوج الأمة وإن كان واجدا للطول آمنا من العنت لا كلام للحرة إن تزوج الأمة عليها أو تزوجها على الأمة؛ لأن الأمة على هذا القول من نسائه كالعبد، وهذا الذي تدل عليه ألفاظ المدونة. وقد تأول أبو إسحاق التونسي أن الحق للحرة في ذلك على كلا القولين جميعا سواء، وهذا إنما يصح على قول ابن الماجشون الذي يرى الخيار للمرأة إذا تزوج العبد عليها أمة أو تزوجها على الأمة وبالله التوفيق.
فصل
وقد اختلف على القول بالمنع إلا مع عدم الطول في الطول ما هو، فقيل هو
стр. 452
أن يجد صداق الحرة ويقدر على نفقتها، وقيل: بل هو أن يجد صداقا لها وإن عجز عن نفقتها، والأول أصح. واختلف أيضا في الحرة تكون تحته هل هي طول تمنعه من نكاح أمة أم لا على قولين وبالله التوفيق.
فصل
واختلف أيضا على هذا القول إذا عدم الطول فتزوج أمة ثم وجد طولا، فقيل: إنه يفارق الأمة ويتزوج حرة، وقيل: يبقى معها إلا أن يتزوج حرة فيفارقها، وقيل: يبقى معها وإن تزوج حرة؛ لأنه قد تقدم تزويجه إياها بوجه جائز. وأما إن ذهب عنه خوف العنت بتزوج الأمة فليس عليه مفارقتها قولا واحدا.
فصل
فإذا تزوج الرجل الحر الأمة على الحرة أو الحرة على الأمة فأما على القول بإطلاق تزويج الأمة دون الشرطين فلا كلام للحرة في ذلك إلا على ما ذكرناه عن أبي إسحاق التونسي. وأما علي القول بأن ذلك لا يجوز إلا على الشرطين اللذين ذكرهما الله في كتابه ففي ذلك خمسة أقوال: أحدها: أن الحرة بالخيار في نفسها كانت هي المتزوجة على الأمة أو كانت الأمة هي المتزوجة عليها. والثاني: أنها إن كانت هي المتزوجة على الأمة كانت بالخيار في نفسها، وإن كانت الأمة هي المتزوجة عليها كانت بالخيار في الأمة. والثالث: أنه إن كانت الأمة هي الداخلة عليها فلها الخيار في نفسها، وإن كانت هي الداخلة على الأمة فلا خيار لها؛ لأنها تركت النظر لنفسها والتثبت في أمرها. والرابع: أنه إن كانت الأمة هي الداخلة عليها فسخ نكاحها ولم يجز، وإن كانت هي الداخلة على الأمة فسخ نكاح الأمة، وهو على القول! بأن الحرة طول يمنع من نكاح الأمة. والخامس: أنه إن كانت هي الداخلة على الحرة فسخ نكاح الأمة، وإن كانت الحرة هي الداخلة عليها لم يفسخ نكاح الأمة المتقدم؛ لأنه وقع بأمر جائز.
стр. 453
فصل
في أن النكاح لا يكون إلا بصداق
ولا يكون النكاح إلا بصداق. قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، وقال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل»، فالزوج لا يستبيح الفرج إلا بصداق. وقال الله تعالى فيه إنه نحلة والنحلة ما لم يعتض عليه، فهي نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض الاستمتاع بها؛ لأنها تستمتع به كما يستمتع بها ويلحقها من ذلك مثل الذي يلحقه؛ لأن المباضعة فيما بينها وبين زوجها واحدة. ولهذا المعنى لم يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق، ولو كان الصداق ثمنا للبضع حقيقة لما صح النكاح دون تسمية الصداق كالبيع الذي لا ينعقد إلا بتسمية الثمن وبالله التوفيق.
فصل
في حد الصداق في النكاح
ولما لم يبح الله تعالى النكاح إلا بصداق ولم يرد فيه حد في القرآن ولا في السنة، وقام الدليل على أنه لا بد فيه من حد يصار إليه إذ لم يجز النكاح بالشيء
стр. 454
اليسير الذي لا قدر له ولا بال لقيمته، لكونه في معنى الموهوبة التي خص الله بها نبيه ﷺ دون المؤمنين فقال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وجب أن يعتبر الحد فيه برده إلى بعض الأصول التي ورد التوقيت بها وإن لم تكن في معناه، فجعل حد أقل الصداق ثلاثة دراهم اعتبارا بأقل ما تقطع فيه يد السارق، وهذا اعتبار صحيح؛ لأن الله تعالى أوجب قطع يد السارق مطلقا دون تقييد بمقدار كما أوجب الصداق في النكاح مطلقا دون تقييد بمقدار، وقام الدليل على أنه لا يستباح قطع يد السارق إذا سرق الشيء اليسير الذي لا بال له ولا قدر لقيمته كالخيط وشبهه، كما قام الدليل على أنه لا يستباح الفرج بمثل ذلك من النزر الحقير. فلما وجد ما يقطع فيه يد السارق مقيدا في السنة بمقدار وجب أن يحمل النكاح المطلق عليه.
فصل
وذهب أهل العراق إلى أنه لا يجوز النكاح بأقل من عشرة دراهم اعتبارا بما يجب فيه القطع في مذهبهم، والسنة ثابتة عن النبي ﷺ بخلاف ذلك. ثبت في الحديث «أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى النبي ﷺ وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله ﷺ فأخبره أنه تزوج، فقال له رسول الله ﷺ : كم سقت إليها، قال زنة نواة من ذهب، فقال رسول الله ﷺ : أولم ولو بشاة»، وزنة النواة خمسة دراهم ولم تكن من ذهب، وإنما كانوا يسمون الخمسة زنة نواة من ذهب، فهذا يرد مذهبهم ويبطله.
فصل
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجوز النكاح بالدرهم والدرهمين وبالشيء اليسير، منهم ابن وهب من أصحابنا. والصحيح ما ذهب إليه مالك رحمه
стр. 455
الله وجمهور أصحابه ومن قال بقولهم. وقد استدل بعض المالكيين على أن النكاح لا يجوز بأقل من ثلاثة دراهم بأن قال: إن الله تعالى لما شرط عدم الطول في نكاح الإماء وأباحه لمن لم يجد طولا علم أن الطول لا يجده كل الناس، ولو كان الفلس والدانق والقبضة من الشعير لما عدمه أحد. ومعلوم أن الطول هو المال في هذه الآية، ولا يقع اسم مال على أقل من ثلاثة دراهم، فوجب أن يمنع من استباحة الفرج بما لا يكون طولا، وليس هذا بينا، وما قدمته أولى، وبالله التوفيق.
فصل
وأما أكثر الصداق فلا حد له، وإنما ذلك على ما يتراضى عليه الأزواج والزوجات، وعلى الأقدار والحالات. قال الله : ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، والقنطار ألف دينار ومائتا دينار، إلا أن المياسرة في الصداق عند أهل العلم أحب إليهم من المغالاة فيه. روي «أن رسول الله ﷺ قال تياسروا في الصداق» وكانت صدقات أزواج النبي ﷺ على عظم مرتبته وعلو قدره وأقدارهن اثنتي عشرة أوقية ونشا، والأوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما، فذلك خمسمائة درهم. وكان ﷺ يزوج بناته على مثل ذلك مع عظم مراتبهن وعلو أقدارهن لمياسرته في صدقاتهن. «وروي عنه ﷺ أنه سأل رجلا من الأنصار عن امرأة تزوجها فقال كم أصدقتها، قال مائتي درهم فقال ﷺ : لو كنتم تغرفون من البطحاء ما زدتم ..» وروي «أن عبد الله بن أبي حدرد تزوج امرأة بأربع أواق فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: لو كنتم تنحتون من جبل ما زدتم». وقال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي صداق امرأته حتى يبقى لها عداوة في نفسه فيقول لها لقد كلفت لك حتى علق القربة.
стр. 456
وروي عنه ﵁ أنه أراد أن يرد صدقات النساء إلى قدر ما لا يزدن عليه، فقالت له امرأة؛ إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر حتى امرأة. وروى الشعبي عنه ﵁ أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لا تغالوا في صدقات النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه نبي الله ﷺ أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بلى، كتاب الله، لم ذلك؟ قالت: إنك نهيت الناس أن يتغالوا في صداق النساء والله يقول في كتابه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صدقات النساء، فليفعل رجل في ماله ما شاء. فرجع ﵁ عما كان رآه فيها اجتهادا نظرا للناس إلى ما قامت به عليه الحجة، فأباحه للناس واستعمله في نفسه، فأصدق أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب ﵁ أربعين ألفا. ومما يدل على إباحة قليل الأصدقة وكثيرها «أن النبي ﷺ أصدق عنه النجاشي أم حبيبة لما زوجه إياها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حبيبة» فلم ينكر ذلك من فعله ولا أعطاها هو شيئا من عنده على ما روي والله أعلم. وزوج سعيد بن المسيب ﵁ ابنته بدرهمين، وقيل بثلاثة دراهم، وقيل بأربعة دراهم، من عبد الله بن وداعة، وقصته في إنكاحه إياها مشهورة. ولو شاء أن يزوجها من أهل اليسار والشرف بأربعة آلاف وأضعافها مرات لفعل لتنافس الناس فيها وبالله التوفيق.
فصل
في أن النكاح لا يصح إلا بولي
ولا ينكح المرأة إلا وليها. قال الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقال: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وهذا الخطاب
стр. 457
متوجه إلى الأولياء. فلما كان الخطاب متوجها في إنكاحهن إلى غيرهن ولم يكن إليهن بأن يقول: ولينكح الأيامى منكم، وأن يقول: ولا ينكحوا المشركين حتى يؤمنوا، دل على أنه ليس لأحد من المخاطب فيهن أن يزوج نفسه. وقال ﵎: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، والعضل إنما يصح ممن إليه عقد النكاح. وقال ﷺ : «الأيم أحق بنفسها من وليها» فدل على أن له معها حقا. وقال: «لا نكاح إلا بولي وصداق وشهيدي عدل» وقال عمر بن الخطاب: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان. وبالله سبحانه تعالى التوفيق.
فصل
فعقد النكاح يفتقر إلى ولي ورضى المزوجة إلا أن تكون بكرا ذات أب، أو أمة لسيدها إكراهها على النكاح، لا يصح عقد النكاح إلا بهذين الوجهين وبالله التوفيق.
فصل
والولاية في نكاح الحرائر تنقسم على قسمين: خاصة، وعامة. فأما العامة فهي ولاية الإسلام، قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وأما الخاصة فإنها تنقسم على خمسة أقسام: أحدها ولاية نسب، وهي على مراتب، أعلاها الأب وأدناها الرجل من العشيرة على مذهب ابن القاسم، فيدخل فيه المولى الأسفل، وقيل الرجل من البطن، وقيل الرجل من العصبة، فلا يدخل فيه على هذين القولين المولى الأسفل ويكون من الولاية العامة. والثاني ولاية تقديم، وهي على وجهين: تقديم من قبل أب، وتقديم من قبل سلطان. والثالث ولاية عتاقة وهي على وجهين: مولى أعلى ومولى أسفل.
стр. 458
والرابع ولاية سلطان. والخامس ولاية حضانة. فإذا زوج على مذهب ابن القاسم الولي من الولاية الخاصة فيما عدا الأب في ابنته البكر والوصي في يتيمته البكر أيضا وثم أولى منه حاضر نفذ النكاح ولم يرد. وقيل: إن للأبعد أن يزوج ابتداء مع حضور الأقرب على مذهبه في المدونة وإن زوج الولي من الولاية العامة مع عدم الولاية الخاصة أو وجودها جاز في الدنية ورد في العلية إن شاء الولي إلا أن يطول بعد الدخول فيمضي على مذهب ابن القاسم مراعاة للاختلاف، إذ لم يخرج العقد من أن يكون وليه ولي على اختلاف تأويل بعض هذه الوجوه في المدونة وبالله التوفيق.
فصل
وللولي ثمانية شروط، ستة منها متفق على اشتراطها في صحة الولاية، وهي البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والذكورية، وأن يكون مالكا أمر نفسه، واثنان مختلف فيهما، وهما الدالة والرشد. وبالله التوفيق.
فصل
ولا يجوز للولي أن يزوج وليته إلا بعد أن تأذن له في ذلك، فإذا أذنت له أن يزوجها فزوجها ولم يسم لها الزوج كان لها أن ترد أو تجيز ما لم يطل الأمر، وقيل يلزمها النكاح. وعلى هذا القول تأتي مسألة المرأة تأذن لولييها أن يزوجاها فزوجها كل واحد من رجل ولا يعلم الأول منهما إذ لم يقل إن لها أن تجيز أي النكاحين شاءت وترد الآخر على قياس القول الأول. ويحتمل أن تتأول المسألة على أن كل واحد من الوليين قد سمى لها الرجل الذي وكلته على تزويجها منه، فصح الجواب على كلا القولين. ولا تخلو المسألة حينئذ من أن يعثر على الأمر قبل الدخول أو بعده، فإن عثر عليه قبل الدخول وعلم الأول فالنكاح له ويفسخ الثاني بغير طلاق، وإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان جميعا بطلاق. فإن تزوجها أحدهما بعد زوج كانت عنده على طلقتين، وإن تزوجها أحدهما قبل زوج كانت عنده على ثلاث تطليقات؛ لأنه إن كان هو الأول فإنما تزويجه إياها تجديد لنكاحه الأول وذلك لا يوجب عليه طلاقا، وإن كان الآخر فلم يلزمه طلاق إذ لم ينعقد له نكاح. ويقع
стр. 459
على الذي لم يتزوجها بتزويج الذي تزوجها منهما طلقة، فمتى تزوجها كانت عنده على طلقتين. واختلف هل تصدق المرأة أو الوليان في أن أحدهما هو الأول على قولين: أحدهما قوله في المدونة إنه لا يصدق، والثاني قول أشهب في الواضحة إنه يصدق. وإذا كان أقر أحد الوليين أنه زوج وقد علم بتزويج الآخر قبله هل يصح له النكاح ولا يفرق بينهما أم لا؟ وكذلك إن لم يعثر على الأمر حتى دخلا جميعا يفسخ النكاحان جميعا، ويدخل الخلاف المذكور في تصديق الزوجة أو الوليين على الأول منهما، إلا أنه يكون على كل واحد منهما صداقها المسمى بالمسيس. وأما إن عثر على الأمر بعد أن دخل أحدهما، فإن لم يعلم الأول منهما ثبت نكاح الذي دخل. واختلف إن علم أن الثاني هو الذي دخل، ففي المدونة أنه يثبت نكاحه، وقال المغيرة وابن عبد الحكم: يفسخ نكاحه وترد إلى الأول بعد الاستبراء. والخلاف في هذا جار على اختلافهم في الوكالة هل تنفسخ بنفس الفسخ أو لا تنفسخ إلا بوصول العلم، فمن رأى أنها لا تنفسخ إلا بوصول العلم قال: إن النكاح لا يفسخ بشبهة العقد، وهو الذي في المدونة، ومن رأى أنها تنفسخ بنفس الفسخ وهو هاهنا تزويج الأول قال: إن النكاح يفسخ؛ لأن الغيب كشف أنه لا نكاح له؛ لأنه زوجها بعد فسخ الوكالة. ولو أقر الوكيل أنه زوجه وهو يعلم بتزويج الآخر قبله لم يصدق وثبت النكاح على مذهب ابن القاسم، إلا أن تقوم بينة أته علم بذلك قبل التزويج فيفسخ بغير طلاق. ولو أقر هو على نفسه بالعلم لفسخ نكاحه بغير طلاق وكان عليه جميع الصداق. وقال محمد: يفسخ بطلاق، وهو الصحيح؛ لأنه يتهم على فسخ نكاحه بغير طلاق.
فصل
فإن عثر على ذلك بعد دخول أحدهما وعلم أنه الثاني وقد كان الأول مات أو طلق فلا يخلو من أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه. أو يكون عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه، أو أن يكون عقد قبل موته أو طلاقه ودخل بعد موته أو طلاقه، فأما إن كان عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه فينفذ نكاحه
стр. 460
بمنزلة أن لو لم يمت ولا طفق على مذهب ابن القاسم. وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه فهو في الموت متزوج في عدة ينفسخ نكاحه وترث زوجها الأول، وفي الطلاق نكاحه صحيح؛ لأنه في غير عدة. وقال ابن الماجشون إن كان الذي زوجها منه آخرا بعد طلاق الأول هو الأب فلا يفسخ نكاحه وإن لم يدخل، وإن كان الوكيل هو الذي زوجها فسخ نكاحه إلا أن يدخل. ووجه قوله: أن الأب مطلق على النكاح، والوكيل تنفسخ وكالته بتزويج الأب قبله. وأما إن عقد قبل الموت والطلاق ودخل بعد ذلك فحكى محمد بن المواز أن ذلك بمنزلة ما إذا عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق يقر على نكاحه معها ولا ميراث لها من الأول ولا عدة عليها منه. والصواب أنه في الوفاة متزوج في عدة بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها زوجها فينكشف أنها تزوجت قبل وفاة المفقود ودخلت بعد وفاته في العدة أنه يكون متزوجا في عدة، ولا فرق بين المسألتين، وبالله التوفيق.
فصل
والحرائر من النساء في النكاح على ضربين: أبكار وثيب. فأما البكر فلا تخلو من أن تكون ذات أب أو ذات وصي أو مهملة ذات ولي. فأما ذات الأب فللأب أن يزوجها بغير أمرها صغيرة كانت أو كبيرة ما لم تعنس بأقل من صداق مثلها، وأن يراضي زوجها على أقل من صداق مثلها إذا أنكحها إنكاح تفويض فيجوز ذلك عليها ويلزمها ويكون ذلك صداقها. فإن فرض لها الزوج صداق مثلها فأكثر وأبى الوالد أن يرضى بذلك حكم له عليه السلطان بذلك وكان هو صداقها الذي يجب لها نصفه بالطلاق وجميعه بالموت أو الدخول. واختلف إذا عنست فقيل لا يعتبر تعنيسها، وقيل: إنها تخرج بالتعنيس من ولاية أبيها. فعلى هذا القول لا يزوجها إلا برضاها، ويكون الرضا بقليل الصداق وكثيره إليها دون أبيها، ويكون إذنها صماتها في النكاح خاصة بمنزلة إذا رشدها. وأما ذات الوصي فلا يجوز للوصي أن يزوجها قبل بلوغها بحال، ولا بعد بلوغها بأقل من صداق مثلها وإن رضيت، وله أن يزوجها إذا بلغت عنست أو لم تعنس برضاها، ويكون إذنها
следующие страницы →