← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وروي عنه ﵁ أنه أراد أن يرد صدقات النساء إلى قدر ما لا يزدن عليه، فقالت له امرأة؛ إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر حتى امرأة. وروى الشعبي عنه ﵁ أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لا تغالوا في صدقات النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه نبي الله ﷺ أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بلى، كتاب الله، لم ذلك؟ قالت: إنك نهيت الناس أن يتغالوا في صداق النساء والله يقول في كتابه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صدقات النساء، فليفعل رجل في ماله ما شاء. فرجع ﵁ عما كان رآه فيها اجتهادا نظرا للناس إلى ما قامت به عليه الحجة، فأباحه للناس واستعمله في نفسه، فأصدق أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب ﵁ أربعين ألفا. ومما يدل على إباحة قليل الأصدقة وكثيرها «أن النبي ﷺ أصدق عنه النجاشي أم حبيبة لما زوجه إياها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حبيبة» فلم ينكر ذلك من فعله ولا أعطاها هو شيئا من عنده على ما روي والله أعلم. وزوج سعيد بن المسيب ﵁ ابنته بدرهمين، وقيل بثلاثة دراهم، وقيل بأربعة دراهم، من عبد الله بن وداعة، وقصته في إنكاحه إياها مشهورة. ولو شاء أن يزوجها من أهل اليسار والشرف بأربعة آلاف وأضعافها مرات لفعل لتنافس الناس فيها وبالله التوفيق. فصل في أن النكاح لا يصح إلا بولي ولا ينكح المرأة إلا وليها. قال الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقال: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وهذا الخطاب

стр. 457

متوجه إلى الأولياء. فلما كان الخطاب متوجها في إنكاحهن إلى غيرهن ولم يكن إليهن بأن يقول: ولينكح الأيامى منكم، وأن يقول: ولا ينكحوا المشركين حتى يؤمنوا، دل على أنه ليس لأحد من المخاطب فيهن أن يزوج نفسه. وقال ﵎: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، والعضل إنما يصح ممن إليه عقد النكاح. وقال ﷺ : «الأيم أحق بنفسها من وليها» فدل على أن له معها حقا. وقال: «لا نكاح إلا بولي وصداق وشهيدي عدل» وقال عمر بن الخطاب: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان. وبالله سبحانه تعالى التوفيق. فصل فعقد النكاح يفتقر إلى ولي ورضى المزوجة إلا أن تكون بكرا ذات أب، أو أمة لسيدها إكراهها على النكاح، لا يصح عقد النكاح إلا بهذين الوجهين وبالله التوفيق. فصل والولاية في نكاح الحرائر تنقسم على قسمين: خاصة، وعامة. فأما العامة فهي ولاية الإسلام، قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وأما الخاصة فإنها تنقسم على خمسة أقسام: أحدها ولاية نسب، وهي على مراتب، أعلاها الأب وأدناها الرجل من العشيرة على مذهب ابن القاسم، فيدخل فيه المولى الأسفل، وقيل الرجل من البطن، وقيل الرجل من العصبة، فلا يدخل فيه على هذين القولين المولى الأسفل ويكون من الولاية العامة. والثاني ولاية تقديم، وهي على وجهين: تقديم من قبل أب، وتقديم من قبل سلطان. والثالث ولاية عتاقة وهي على وجهين: مولى أعلى ومولى أسفل.

стр. 458

والرابع ولاية سلطان. والخامس ولاية حضانة. فإذا زوج على مذهب ابن القاسم الولي من الولاية الخاصة فيما عدا الأب في ابنته البكر والوصي في يتيمته البكر أيضا وثم أولى منه حاضر نفذ النكاح ولم يرد. وقيل: إن للأبعد أن يزوج ابتداء مع حضور الأقرب على مذهبه في المدونة وإن زوج الولي من الولاية العامة مع عدم الولاية الخاصة أو وجودها جاز في الدنية ورد في العلية إن شاء الولي إلا أن يطول بعد الدخول فيمضي على مذهب ابن القاسم مراعاة للاختلاف، إذ لم يخرج العقد من أن يكون وليه ولي على اختلاف تأويل بعض هذه الوجوه في المدونة وبالله التوفيق. فصل وللولي ثمانية شروط، ستة منها متفق على اشتراطها في صحة الولاية، وهي البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والذكورية، وأن يكون مالكا أمر نفسه، واثنان مختلف فيهما، وهما الدالة والرشد. وبالله التوفيق. فصل ولا يجوز للولي أن يزوج وليته إلا بعد أن تأذن له في ذلك، فإذا أذنت له أن يزوجها فزوجها ولم يسم لها الزوج كان لها أن ترد أو تجيز ما لم يطل الأمر، وقيل يلزمها النكاح. وعلى هذا القول تأتي مسألة المرأة تأذن لولييها أن يزوجاها فزوجها كل واحد من رجل ولا يعلم الأول منهما إذ لم يقل إن لها أن تجيز أي النكاحين شاءت وترد الآخر على قياس القول الأول. ويحتمل أن تتأول المسألة على أن كل واحد من الوليين قد سمى لها الرجل الذي وكلته على تزويجها منه، فصح الجواب على كلا القولين. ولا تخلو المسألة حينئذ من أن يعثر على الأمر قبل الدخول أو بعده، فإن عثر عليه قبل الدخول وعلم الأول فالنكاح له ويفسخ الثاني بغير طلاق، وإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان جميعا بطلاق. فإن تزوجها أحدهما بعد زوج كانت عنده على طلقتين، وإن تزوجها أحدهما قبل زوج كانت عنده على ثلاث تطليقات؛ لأنه إن كان هو الأول فإنما تزويجه إياها تجديد لنكاحه الأول وذلك لا يوجب عليه طلاقا، وإن كان الآخر فلم يلزمه طلاق إذ لم ينعقد له نكاح. ويقع

стр. 459

على الذي لم يتزوجها بتزويج الذي تزوجها منهما طلقة، فمتى تزوجها كانت عنده على طلقتين. واختلف هل تصدق المرأة أو الوليان في أن أحدهما هو الأول على قولين: أحدهما قوله في المدونة إنه لا يصدق، والثاني قول أشهب في الواضحة إنه يصدق. وإذا كان أقر أحد الوليين أنه زوج وقد علم بتزويج الآخر قبله هل يصح له النكاح ولا يفرق بينهما أم لا؟ وكذلك إن لم يعثر على الأمر حتى دخلا جميعا يفسخ النكاحان جميعا، ويدخل الخلاف المذكور في تصديق الزوجة أو الوليين على الأول منهما، إلا أنه يكون على كل واحد منهما صداقها المسمى بالمسيس. وأما إن عثر على الأمر بعد أن دخل أحدهما، فإن لم يعلم الأول منهما ثبت نكاح الذي دخل. واختلف إن علم أن الثاني هو الذي دخل، ففي المدونة أنه يثبت نكاحه، وقال المغيرة وابن عبد الحكم: يفسخ نكاحه وترد إلى الأول بعد الاستبراء. والخلاف في هذا جار على اختلافهم في الوكالة هل تنفسخ بنفس الفسخ أو لا تنفسخ إلا بوصول العلم، فمن رأى أنها لا تنفسخ إلا بوصول العلم قال: إن النكاح لا يفسخ بشبهة العقد، وهو الذي في المدونة، ومن رأى أنها تنفسخ بنفس الفسخ وهو هاهنا تزويج الأول قال: إن النكاح يفسخ؛ لأن الغيب كشف أنه لا نكاح له؛ لأنه زوجها بعد فسخ الوكالة. ولو أقر الوكيل أنه زوجه وهو يعلم بتزويج الآخر قبله لم يصدق وثبت النكاح على مذهب ابن القاسم، إلا أن تقوم بينة أته علم بذلك قبل التزويج فيفسخ بغير طلاق. ولو أقر هو على نفسه بالعلم لفسخ نكاحه بغير طلاق وكان عليه جميع الصداق. وقال محمد: يفسخ بطلاق، وهو الصحيح؛ لأنه يتهم على فسخ نكاحه بغير طلاق. فصل فإن عثر على ذلك بعد دخول أحدهما وعلم أنه الثاني وقد كان الأول مات أو طلق فلا يخلو من أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه. أو يكون عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه، أو أن يكون عقد قبل موته أو طلاقه ودخل بعد موته أو طلاقه، فأما إن كان عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه فينفذ نكاحه

стр. 460

بمنزلة أن لو لم يمت ولا طفق على مذهب ابن القاسم. وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه فهو في الموت متزوج في عدة ينفسخ نكاحه وترث زوجها الأول، وفي الطلاق نكاحه صحيح؛ لأنه في غير عدة. وقال ابن الماجشون إن كان الذي زوجها منه آخرا بعد طلاق الأول هو الأب فلا يفسخ نكاحه وإن لم يدخل، وإن كان الوكيل هو الذي زوجها فسخ نكاحه إلا أن يدخل. ووجه قوله: أن الأب مطلق على النكاح، والوكيل تنفسخ وكالته بتزويج الأب قبله. وأما إن عقد قبل الموت والطلاق ودخل بعد ذلك فحكى محمد بن المواز أن ذلك بمنزلة ما إذا عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق يقر على نكاحه معها ولا ميراث لها من الأول ولا عدة عليها منه. والصواب أنه في الوفاة متزوج في عدة بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها زوجها فينكشف أنها تزوجت قبل وفاة المفقود ودخلت بعد وفاته في العدة أنه يكون متزوجا في عدة، ولا فرق بين المسألتين، وبالله التوفيق. فصل والحرائر من النساء في النكاح على ضربين: أبكار وثيب. فأما البكر فلا تخلو من أن تكون ذات أب أو ذات وصي أو مهملة ذات ولي. فأما ذات الأب فللأب أن يزوجها بغير أمرها صغيرة كانت أو كبيرة ما لم تعنس بأقل من صداق مثلها، وأن يراضي زوجها على أقل من صداق مثلها إذا أنكحها إنكاح تفويض فيجوز ذلك عليها ويلزمها ويكون ذلك صداقها. فإن فرض لها الزوج صداق مثلها فأكثر وأبى الوالد أن يرضى بذلك حكم له عليه السلطان بذلك وكان هو صداقها الذي يجب لها نصفه بالطلاق وجميعه بالموت أو الدخول. واختلف إذا عنست فقيل لا يعتبر تعنيسها، وقيل: إنها تخرج بالتعنيس من ولاية أبيها. فعلى هذا القول لا يزوجها إلا برضاها، ويكون الرضا بقليل الصداق وكثيره إليها دون أبيها، ويكون إذنها صماتها في النكاح خاصة بمنزلة إذا رشدها. وأما ذات الوصي فلا يجوز للوصي أن يزوجها قبل بلوغها بحال، ولا بعد بلوغها بأقل من صداق مثلها وإن رضيت، وله أن يزوجها إذا بلغت عنست أو لم تعنس برضاها، ويكون إذنها

стр. 461

صماتها بما رضي به من صداق مثلها فأكثر وإن لم ترض، إذ ليس لها مع الوصي من الرضا بالمهر شيء، وله أن يراضي الزوج في نكاح التفويض عن صداق مثلها فأكثر فيجوز ذلك عليها ويلزمها، ويكون هو صداقها الذي يجب لها نصفه بالطلاق وجميعه بالموت أو الدخول رضيت أو لم ترض. فإن لم يرض هو بذلك ورضيت هي به لم يكن ذلك صداقها إلا بحكم السلطان، وليس له أن يراضي الزوج على أقل من صداق مثلها عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خلاف مذهب ابن القاسم في أن ذلك جائز له على وجه النظر إلا أنه شرط رضاها، وفي ذلك من قوله نظر، وبالله التوفيق. فصل فإن دخل الزوج بها قبل التراضي على صداق وجب لها صداق مثلها بالدخول، وكذلك البكر ذات الأب، ولم يكن للأب ولا للوصي على مذهب مالك وأصحابه الرضا بأقل من ذلك، وهو نص قول غير ابن القاسم، في باب نكاح التفويض. وقد وقع لمالك في الباب المذكور ما ظاهره أن للأب بعد الدخول الرضا بأقل من صداق المثل، وهو خلاف المعلوم من مذهبه. وأما المهملة ذات الولي فليس للولي أن يزوجها إذا بلغت بأقل من صداق مثلها أيضا. واختلف في صداق مثلها فأكثر فقيل الرضى بتزويجها بذلك إليه دونها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. وقيل: بل ذلك إليها دونه، حكى هذا القول فضل عن عيسى بن دينار ونسبه إلى المستخرجة ولم يقع ذلك له عندنا فيها. والقياس إذا اختلفا في ذلك أن لا يثبت ما رضي به أحدهما صداقا إلا بعد نظر السلطان. وما ثبوت ما اجتمعا على الرضا به صداقا دون نظر السلطان إلا استحسانا وبالله التوفيق. فصل وأما الثيب فلا تخلو من أن تكون مالكة لأمر نفسها أو غير مالكة لأمر نفسها في ولاية أب أو وصي. فأما المالكة لأمر نفسها فلا يملك الولي عليها إلا ولاية

стр. 462

العقد خاصة. وقد اختلف في المالكة لأمر نفسها مع الوصي الذي لا ولاية له عليها، فذهب ابن حبيب إلى أنه أحق من الولي بتزويجها، وقال أصبغ: الولي أحق بذلك منه، وقال سحنون: ليس بولي لها، وذلك إذا قال الموصي فلان وصي ولم يزد. وأما التي هي غير مالكة لأمر نفسها في ولاية أب أو وصي فحكمها حكم البكر ذات الوصي، حاشا أن إذنها يكون بالنطق دون الصمت، إلا أن تكون تأيمت من زوج بنكاح فاسد أو صحيح قبل البلوغ وبعد الدخول فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأب يجبرها على النكاح ما لم تبلغ. والثاني: أنه يجبرها عليه وإن بلغت. والثالث: أنه لا يجبرها وإن لم تبلغ. حكى هذا القول النخعي عن أبي تمام، فإن كانت يتيمة ذات وصي فلا يزوجها الوصي قبل البلوغ، ويزوجها بعد البلوغ، ويكون إذنها صماتها على قول من رأى أن الأب يجبرها على النكاح، وهو قول سحنون. فصل واختلف إذا زنت أو غصبت فقيل: حكمها حكم البكر في جميع أحوالها، وقيل حكمها حكم الثيب في جميع أحوالها، وقيل: حكمها حكم الثيب في أنها لا تزوج إلا برضاها، وحكم البكر في أن إذنها صماتها. فصل ومن إليه الرضا بالمهر من الزوجة أو الولي هو الذي يحلف إذا اختلفا مع الزوجة في النكاح المنعقد على صداق أو في الصداق المسمى بعد عقد النكاح في نوعه أو قلته وكثرته. وإنما وجب أن يحلف الولي دون الزوجة التي إلى نظره بكرا كانت أو ثيبا؛ لأنه فيما ولي من أمرها مضيع بترك الإشهاد، فإن لم يحلف ونكل عن اليمين فاستحق الزوج ما حلف عليه بيمينه لزمه ضمان ما أتلف بنكوله إذا ضيع بترك الإشهاد. وأما ما لم يله لها وادعته هي على زوجها فهي التي تحلف إن كان لها شاهد على دعواها أو نكل هو عن اليمين، وإلى هذا ذهب محمد بن

стр. 463

المواز. وقد روي عن ابن القاسم في هذا روايات مجملة دون تفصيل، فحملها الفضل على أن ذلك اختلاف في قوله، وأنه رأى مرة أن يحلف الأب وإن لم تكن له في ذلك ولاية، ومرة أن تحلف البكر وإن كان الأب هو الذي ولي ذلك. ففي المسألة على هذا ثلاثة أقاويل، أصحها في النظر ما ذهب إليه ابن المواز، وليس في يمين البكر فيما وليه الأب من مالها نص جلي، وهو بعيد في النظر. فأما يمين الأب عنها فيما لم يله من مالها فقد روي ذلك عن ابن كنانة وابن نافع، وأنكره ابن القاسم ونفى أن يكون مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قاله قط، وبالله التوفيق. فصل وأما تسمية الصداق فليس من شروط صحة عقد النكاح؛ لأن الله أباح نكاح التفويض، وهو النكاح بغير تسمية صداق فقال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وإنما تجب تسمية الصداق عند الدخول. فلا اختلاف بين أهل العلم فيما علمت أن نكاح التفويض جائز، وإنما اختلفوا في نكاح التحكيم على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز قياسا على نكاح التفويض. والثاني: أن ذلك لا يجوز ويفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويكون فيه صداق المثل. والثالث: أن ذلك جائز إن كان الزوج هو المحكم، [ولا يجوز إن كان المحكم غير الزوج كانت الزوجة أو غيرها، وبالله التوفيق. فصل فإذا قلنا أن النكاح جائز فإن كان الزوج هو المحكم]، فلا اختلاف أن الحكم في ذلك حكم نكاح التفويض، إن فرض الزوج فيه للزوجة صداق المثل لزمها النكاح، وإن أبى من ذلك فرق بينهما إلا أن يدخل بها فيجب عليه لها صداق المثل. وأما إن كانت الزوجة هي المحكمة وحدها أو مع سواها أو الزوج مع غيره

стр. 464

فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحكم في ذلك حكم نكاح التفويض إن فرض الزوج لها صداق مثلها لزمها النكاح ولم يكن للمحكم من كان في ذلك كلام، وإن رضي المحكم بصداق المثل أو أقل لم يلزم ذلك الزوج إلا أن يشاء. وهذا يأتي على ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ. والثاني: أن النكاح لا يلزم إلا بتراضي الزوج والمحكم، كانت الزوجة أو غيرها، على الفريضة إن فرض الزوج صداق المثل فأكثر فلم ترض بذلك الزوجة إن كانت هي المحكمة أو المحكم إن كان غيرها لم يلزمها النكاح بذلك إلا أن تشاء. وإن فرضت هي إن كانت المحكمة أو المحكم إن كان غيرها صداق المثل فأقل برضاها لم يلزم ذلك الزوج إلا أن يشاء، وهو الذي يأتي على ما في المدونة. والثالث: أن الحكم في التحكيم عكس الحكم في التفويض ينزل المحكم في التحكيم منزلة الزوج في التفويض إن فرضت الزوجة صداق المثل فأقل إن كانت هي المحكمة أو فرض ذلك المحكم برضاها لزم ذلك الزوج ولم يكن له في ذلك كلام، فإن فرض الزوج صداق المثل فأكثر لم يلزم ذلك الزوجة إلا أن ترضى به، كانت هي المحكمة أو غيرها. وهذا القول ذهب إليه أبو الحسن القابسي، قاله تأويلا على ما في المدونة، وهو تأويل بعيد. وإنما ظاهر المدونة ما ذكرنا، وإليه ذهب أبو محمد بن أبي زيد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وبالله التوفيق. فصل وكذلك الإشهاد إنما يجب عند الدخول وليس من شروط صحة العقد، فإن تزوج ولم يشهد فنكاحه صحيح، ويشهدان فيما يستقبلان إلا أن يكونا قصدا إلى الاستسرار بالعقد فلا يصح أن يثبتا عليه، «لنهي رسول الله ﷺ عن نكاح السر» ويؤمر أن يطلقها طلقة، ثم يستأنف العقد معها. فإن دخل في الوجهين جميعا فرق بينهما وإن طال الزمان بطلقة لإقرارهما بالنكاح، وحدا إن أقرا بالوطء إلا أن يكون الدخول فاشيا أو يكون على العقد شاهد واحد فيدرأ الحد بالشبهة. واختلف إذا

стр. 465

أشهد على النكاح شاهدين وأمر بالكتمان، فقيل ذلك من نكاح السر، ويفسخ قبل الدخول وبعده إلا أن يطول بعد الدخول فلا يفسخ ويكون فيه الصداق المسمى، وهو المشهور في المذهب. وقيل: النكاح صحيح لا فساد فيه، ويثبت قبل الدخول وبعده، ويؤمر الشهود بإعلان النكاح وينهوا عن كتمانه. وإلى هذا ذهب يحيى بن يحيى وبالله التوفيق. فصل والنكاح من العقود اللازمة التي تلزم بالعقد، ولا خيار لأحد المتناكحين في حله بعد العقد بمنزلة البيع وما أشبهه من العقود اللازمة، إلا أن النكاح طريقه المكارمة فيجوز فيه من المجهول ما لا يجوز في البيع. من ذلك النكاح على عبد غير موصوف وعلى شوار بيت وما أشبه ذلك مما لا يجوز في البيع ويجوز في النكاح. ولهذا المعنى جاز التفويض فيه. ألا ترى أن هبة الثواب لما كانت على سبيل المكارمة وطريق المعروف ولم تكن على وجه المكايسة جازت من غير تسمية العوض. وقد تقدم لجواز التفويض في النكاح معنى صحيح غير هذا لم أره لأحد ممن تقدم قبلي. وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أشبه شيء بالبيوع النكاح، فهو يشبهه في بعض الوجوه ويفارقه في أكثر الحالات، فهو في باب الصداق أوسع من البيوع، وفي باب العقد أضيق من البيع. ألا ترى أن هزله جد في المشهور من المذهب. وقد روي عن مالك ﵀ أن هزله هزل ولا يلزم إلا بالجد، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، وأن من قال لرجل زوجتي وليتك بكذا وكذا فقال قد فعلت فقال الخاطب لا أرضى أن النكاح يلزمه قولا واحدا بلا خلاف، خلاف البيوع؛ وأن الخيار لا يجوز فيه كما يجوز في البيوع وما أشبه ذلك كثير. فصل والنكاح ينعقد بلفظ النكاح ولفظ التزويج، ولا ينعقد بما سوى ذلك من العقود حاشا الهبة فإنه قد اختلف: هل ينعقد النكاح بها أم لا على قولين: أحدهما

стр. 466

أنه لا ينعقد بها، وهو قول الشافعي. والثاني: أنه ينعقد بها وهو مذهب أبي حنيفة، ويلزم ويكون فيه صداق المثل كنكاح التفويض سواء. وقد روي عن ابن حبيب نحوه. وأما مالك ﵀ فاضطرب في ذلك قوله للاختلاف الحاصل فيه بين أهل العلم قبله وبالله التوفيق. فصل فيما يستحب في النكاح ويكره فيه. ويستحب إعلان النكاح وإشهاره وإطعام الطعام عليه. قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة». ويجب على من دعي إليه أن يجيب. قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : «ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله» وذلك إذا كان الداعي يدعو على صواب. ومن فارق الصواب في وليمته فلا دعوة له ولا معصية في ترك إجابته، وقد قال أبو هريرة: شر الطعام طعام الوليمة يدعى ... الحديث. وإنما يستحب الطعام في الوليمة لإثبات النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون، قال ذلك ربيعة وغيره. ولهذا المعنى أجيز فيه بعض اللهو مثل الدف والكبر وشبهه. ويستحب إخفاء خطبة النكاح، وأن يبدأ الخاطب قبل الخطبة بالحمد لله تعالى والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ويجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك قبل الإجابة، وأن يهنأ الناكح عند نكاحه ويدعى له بالبركة فيه. ويكره أن يخطب الرجل المرأة على خطبة أخيه للنهي الوارد في ذلك عن النبي ﷺ ، وذلك إذا ركنا وتقاربا وإن لم يتفقا على صداق مسمى. وقيل: ذلك جائز ما لم يسميا الصداق. والأول أصح وأكثر؛ لأن النكاح ينعقد ويتم دون تسمية صداق، فإن فعل لم يفسخ نكاحه ووجب عليه أن يستغفر الله تعالى ويتحلل صاحبه فيما فعل، فإن لم يحله فليخل سبيلها إذ كان أفسدها عليه بعد أن كانت رضيت به فإن تزوجها الأول وإلا راجعها

стр. 467

هو إن شاء وبدا له بنكاح جديد، وليس يقضى عليه بذلك وإنما هو على وجه التنزه والبر والخوف لله تعالى. وقيل: إن النكاح يفسخ قبل الدخول وبعده إذا علم ذلك وثبت، وهو قول ابن نافع وروايته عن مالك. وأما قبل أن يركنا ويتقارب الأمر بينهما فلا بأس بالخطبة، ولا بأس أن يجتمع الاثنان والثلاثة والأكثر على خطبة المرأة. وقد روي أن جرير بن عبد الله البجلي سأل عمر بن الخطاب ﵁ أن يخطب عليه امرأة من دوس، ثم سأله مروان بن الحكم بعد ذلك أن يخطبها عليه، ثم سأله بعد ذلك ابنه عبد الله أن يخطبها عليه، فدخل على أهلها والمرأة جالسة في قبتها عليها سترها، فسلم عمر فردوا السلام وهشوا له وأجلسوه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال: إن جرير بن عبد الله البجلي يخطب فلانة، وهو سيد أهل المشرق، ومروان بن الحكم يخطبها، وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر يخطبها، وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب يخطبها، فكشفت المرأة عن سترها وقالت أجاد أمير المؤمنين؟ قال نعم. قالت: قد زوجت يا أمير المؤمنين زوجوه، فزوجوه إياها فولدت له ولدين وبالله التوفيق. فصل ومما يستحب في النكاح الهضيمة في الصداق ولا يكون فيه أجل، روي «عن النبي ﷺ أنه كان يستحب النكاح في رمضان رجاء البركة فيه» وفيه تزوج رسول الله ﷺ عائشة ﵂. وكان جماعة من أهل العلم يستحسنون النكاح في يوم الجمعة وبالله التوفيق. فصل في حكم الشروط في النكاح وتكره الشروط في النكاح، وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أشرت على قاض منذ دهر أن ينهى الناس أن يتزوجوا على الشروط وأن لا يتزوجوا إلا على دين الرجل وأمانته، وأنه كان كتب بذلك كتابا وصيح به في الأسواق وعابها عيبا شديدا.

стр. 468

وهي تنقسم على وجهين: شروط تفسد النكاح ولا حد لها، وشروط لا تفسده وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: شروط مقيدة بتمليك أو طلاق، وشروط مقيدة بوضع بعض الصداق، وشروط مطلقة غير مقيدة بشيء. فأما الشروط المقيدة بتمليك أو طلاق فإنها لازمة عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم في ذلك. وأما الشروط المقيدة بوضع بعض الصداق فلا يخلو أن يكون الموضوع للشرط في العقد أو بعد العقد، فإن كان في العقد فلا يخلو من أن يكون من صداق المثل أو زائدا على صداق المثل. فأما إن كان الموضوع منه في العقد زائدا على صداق المثل فلا اختلاف في أن الوضيعة للزوجة لازمة لا رجوع لها فيها وأن الشروط عن الزوج ساقطة لا يلزمه الوفاء بها وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. والثاني: أن ذلك لازم لهما جميعا، فإن وفى الزوج بالشرط صحت له الوضيعة، وإن لم يف بها لم تصح له، وهو قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في رواية ابن نافع وأشهب وعلي بن زياد عنه. والثالث: أن ذلك لا يجوز ولا يلزم واحدا منهما؛ لأنها معاوضة فاسدة، فإذا لم يلزم الزوج الشروط لم يلزم المرأة الوضيعة، وهو قول ابن كنانة وروايته عن مالك، ومثله في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان، وبالله سبحانه التوفيق. فصل وأما إن كانت الوضيعة بعد العقد فسواء كانت من صداق المثل أو مما زاد على صداق المثل ففي ذلك قولان: أحدهما أن ذلك لازم لهما إن وفى الزوج بالشروط صحت له الوضيعة وإلا فلا. وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في المدونة. والثاني: أن ذلك لا يجوز ولا يلزم واحدا منهما، وهو قول ابن كنانة وروايته عن مالك. فصل وأما الشروط المطلقة فمن أهل العلم من أوجبها ورأى القضاء بها، روي عن ابن شهاب أنه قال: كان من أدركت من العلماء يقضون بها لقول رسول الله ﷺ :

стр. 469

«أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم بها الفروج» وهو ظاهر ما في رسم حلف من سماع ابن القاسم في كتاب النكاح من العتبية. والمعلوم المعروف في المذهب أنها لا تلزم لكنها يستحب الوفاء بها إلا أنها تنقسم على قسمين: أحدهما: أن تكون مشترطة في العقد دون تسمية الصداق، مثل أن يقول الرجل أزوجك ابنتي على أن لا تتزوج عليها أو على أن لا تخرجها من البلد وما أشبه ذلك. والثاني: أن تكون مشترطة في الصداق الذي يسمى في العقد أو في التسمية بعد العقد. فأما إذا كانت مشترطة في العقد دون تسميته فلا يلزم، وذلك مثل أن تقول أتزوجك على أن لا تتزوج علي أو على أن لا تخرجني من البلد وما أشبه ذلك. وأما إن كانت مشترطة في التسمية التي مع العقد، وذلك أن تقول أتزوجك بكذا وكذا على أن لا تفعل كذا وكذا فلا يلزمه الشرط عند مالك على هذا الوجه. والقياس على مذهبه أن يفسخ النكاح قبل الدخول ويثبت بعده، ويكون فيه الأكثر من صداق المثل أو المسمى؛ لأنها لم ترض أن تتزوجه بما سمت من الصداق إلا على الشروط، فإذا لم تلزمه الشروط لم يلزمها ما رضيت به من الصداق. وأما إن كانت مشترطة في التسمية فلا تلزم أيضا وينظر، فإن كانت التسمية أقل من صداق مثلها كان لها تمام صداق مثلها وصح النكاح ولم يفسخ لتقدم عقده دون شرطه وبالله التوفيق. فصل في حكم الأنكحة الفاسدة والنكاح ينقسم على قسمين: صحيح، وفاسد. فالصحيح ما جوزته السنة والقرآن، والفاسد ينقسم على ثلاثة أقسام: نكاح فسد لعقده، ونكاح فسد لصداقه، ونكاح فسد لشروط فاسدة اقترنت به. فأما ما فسد لعقده فينقسم على قسمين: قسم متفق على فساده، وقسم مختلف فيه. فالمتفق على فساده مثل نكاح من لا يحل له نكاحها من ذوات المحارم من نسب أو رضاع، ومثل نكاح المرأة في

стр. 470

عدتها أو على ابنتها أو على أمها أو على أختها وما أشبه ذلك ممن لا يجوز له الجمع بينهما، أو نكاح المجوسية أو الأمة النصرانية وما أشبه ذلك فهذا القسم يفسخ النكاح فيه قبل الدخول وبعده ويكون فيه الصداق المسمى. والمختلف في فساده مثل نكاح الشغار، ونكاح المحرم، والنكاح والإمام يخطب يوم الجمعة، ونكاح من نكح على خطبة أخيه وما أشبه ذلك. وأما ما فسد لصداقه مثل أن يتزوج الرجل المرأة بحرام مثل الخمرة والخنزير، أو بغرر مثل التمر الذي لم يبد صلاحه والعبد الآبق والبعير الشارد، أو الصداق إلى أجل مجهول أو ما أشبه ذلك، فهذا القسم يفسخ فيه النكاح قبل الدخول ويصح بعده بصداق المثل. وقد روي عن مالك أنه يفسخ قبل الدخول وبعده. ومن أهل العلم من لا يرى فسخه ويصححه بصداق المثل قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الليث بن سعد وأبي حنيفة وأصحابه. وأما ما فسد للشروط الفاسدة المقترنة به وهي كثيرة لا تحصر بعدد، فمنها ما يفسخ النكاح به قبل الدخول وبعده، ومنها ما يفسخ به النكاح قبل الدخول ويثبت بعده، ومن ذلك ما يمضي بالصداق المسمى، ومنه ما يرد إلى صداق المثل، ومنه ما يتفق على وجه الحكم فيه، ومنه ما يختلف فيه على ما يأتي كل في موضعه إن شاء الله وبالله التوفيق. فصل واختلف في لزوم الطلاق وكون الميراث في الأنكحة الفاسدة على ثلاثة أقوال في المذهب، وهي ثابتة في المدونة: أحدها: أن كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه فلا طلاق فيه ولا ميراث، مثل نكاح الشغار، ونكاح المحرم، وما كان صداقه فاسدا فأدرك قبل الدخول. والثاني: أن كل نكاح يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ففيه الطلاق والميراث قبل الدخول وبعده، [وما كان يفسخ قبل الدخول وبعده] وإن كان مختلفا فيه فلا طلاق فيه ولا ميراث. [قبل الدخول وبعده. والقول الثالث: أن كل نكاح اتفق على تحريمه فلا طلاق فيه ولا ميراث] وكل

стр. 471

نكاح اختلف في تحريمه وإن غلبا على الفسخ فيه قبل الدخول وبعده ففيه الطلاق والميراث قبل الدخول وبعده وهو الذي قاله ابن القاسم لرواية بلغته. وأما الخلع فإنه على مذهب ابن القاسم تابع للطلاق وجار على الاختلاف فيه حيثما لزم الطلاق لزم فيه الخلع، وحيث ما لم يلزم الطلاق سقط الخلع ووجب على المرأة الرجوع على الزوج بما دفعت إليه فيه: وعلى مذهب ابن الماجشون يثبت في كل نكاح صحيح لا خيار للمرأة فيه وإن كان الخيار فيه للزوج أو لغيرهما. وإن كان النكاح ما لا يقر على حال أو مما للمرأة فيه الخيار سقط الخلع ووجب للمرأة الرجوع على الزوج بما دفعت إليه فيه. وذهب محمد بن المواز إلى أن الخلع يثبت في كل نكاح يكون لأحد الزوجين فيه الخيار، يريد أو لغيرهما. فعلى قوله: لا يسقط الخلع إلا في كل نكاح لا يقر على حال ويغلب الزوجان فيه على الفرقة. فاحفظ إنها ثلاثة أقوال في المسألة وبالله التوفيق. فصل والمشهور في المذهب أن الحرمة تقع بكل نكاح لم يتفق على تحريمه. وقد أجرى ابن حبيب الحرمة مجرى الطلاق والميراث، وروى مثل ذلك عن ابن القاسم، وبالله التوفيق. فصل في اشتقاق لفظ الشغار والشغار مأخوذ من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول؛ لأن ذلك لا يكون - زعموا - إلا عند مفارقة حال الصغر إلى حال يمكنه فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم علامة على إرادته لذلك " فقيل منه للمرأة: شغرت المرأة تشغر شغرا إذا رفعت رجليها للنكاح، فلذلك قيل نكاح الشغار؛ لأن كل واحد من المتناكحين يشغر إذا نكح، وكان الرجل في الجاهلية يقول للرجل شاغرني أي زوجني ابنتك على أن أزوجك أختي بلا مهر لهذا المعنى. وقيل: إنما قيل له شغار؛ لأن كل واحد منهما رفع الصداق عن صاحبه. وأصل الشغر للكلب،

стр. 472

وهو أن يرفع إحدى رجليه ليبول فكني بهذا عن النكاح إذا كان على هذا الوجه وجعل له علما، كما قيل للزنا سفاح؛ لأن الزانيين يتسافحان يسفح هذا الماء أي يصبه، وتسفح هي النطفة. وأما الماء الذي يغتسلان به فكني بذلك عن الزنا وجعل له علما. وكان الرجل يلقى المرأة في الجاهلية فيقول لها سافحيني، ويرى ذلك أحسن من أن يقول زانيني. وقيل الشغار إخلاء النكاح من الصداق، أخذ ذلك من قولهم: بلد شاغر، أي: خال من الناس. وبالله التوفيق.

стр. 473

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كتاب الرضاع قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وقال النبي ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، فكان ذلك من قوله ﷺ بيانا لما في كتاب الله وزيادة في معناه ودليلا على أن جميع القرابات المحرمات بالنسب محرمات في كتاب الله تعالى بالرضاع، وإن كان الله لم ينص فيه إلا على الأم والأخت خاصة، فإنه نبه بذكر الأخت على أن حرمة الرضاع لا تختص بالمرأة المباشرة للرضاع وأنها تسري إلى سائر القرابات المحرمات بالنسب، إذ لا فرق في المعنى والقياس بين الأخت وبينهن في سريان ما حرمه الرضاع إلى جميعهن؛ ودليلا أيضا على أن اللبن يحرم من قبل المرضعة ومن قبل الفحل الذي ذر اللبن بمائه؛ إذ ذلك مفهوم من قوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة»، وقائم أيضا من كتاب الله . قال الله : ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣] ومعلوم أن الأب لم يلد ولده بالحمل والوضع كما صنعت الأم، وإنما ولدهم بما كان من مائه المتولد عنه الحمل واللبن، فصار بذلك والدا كما صارت الأم بالحمل والوضع أما فإذا أرضعت بلبنه طفلا كانت أمه وكان هو أباه. وقد جاء عن النبي ﷺ في ذلك ما رفع الإشكال وأزال الاحتمال في الحديث الصحيح «عن عائشة ﵂ أم

стр. 474

المؤمنين أنها قالت: جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله ﷺ . قالت عائشة ﵂: فجاء رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فقال: إنه عمك فأذني له. قالت: فقلت يا رسول الله: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: إنه عمك فليلج عليك، قالت عائشة ﵂ وذلك بعدما ضرب علينا الحجاب». قالت عائشة ﵂: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة. فصل ولولا هذا الحديث «وقول عائشة ﵂ فيه: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» إذ ظنت أن اللبن إنما يحرم من قبل المرأة لا من قبل الرجل، وجواب رسول الله ﷺ لها بما فهمت عنه أن اللبن للفحل وأن التحريم يقع من قبله كما يقع من قبل المرأة، لاحتمل أن يقول من لا يرى أن لبن الفحل يحرم: إن التحريم لم يقع في عم عائشة أفلح من قبل الفحل؛ لأنه ممكن أنه يكون أفلح أخو أبي القعيس قد أرضعته وأبا بكر الصديق امرأة واحدة في حولي رضاعهما، فصار أفلح بذلك أخا أبيها وعمها من الرضاعة من قبل المرضعة لا من قبل الفحل، فأزال هذا الاحتمال قوله في الحديث: «إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» وعلم أن المرأة التي أرضعتهما زوجة أبي القعيس، وصار أفلح أخو أبي القعيس من النسب عما لها من الرضاعة من قبل الفحل على ما ذكر في الحديث، والله أعلم. فصل في بيان سريان حرمة الرضاع فتسري حرمة الرضاع من قبل المرأة المرضعة إلى أمها وأبيها وإن علوا، وإلى ولدها وولد ولدها الذكران والإناث ما سفلوا، وإلى أعيان إخوتها وأخواتها وأعمامها وعماتها وأخوالها وخالاتها دون شيء من أولادهم. وإنما لم يسر التحريم

стр. 475

إلى ولد إخوتها وأخواتها؛ لأن إخوتها وأخواتها أخوال وخالات للمرضع، فليس أولادهم من ذوي محارمه. وتسري حرمة الرضاع أيضا من قبل الفحل الذي كان اللبن عنه إلى أبويه وإن علوا، وإلى ولده وولد ولده من الذكران والإناث ما سفلوا، وإلى أعيان إخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته دون شيء من أولادهم. وإنما لم يسر التحريم أيضا إلى ولد إخوته وأخواته؛ لأن إخوته وأخواته أعمام وعمات للمرضع من قبله، وليس أولادهم من ذوي محارمه. ولا تسري حرمة الرضاع من قبل المرضع إلا إلى الابن والبنت ما سفلا. وبالله التوفيق. فصل فإذا أرضعت المرأة صبيا حرمت عليه وعلى ولده وولد ولده من الذكران والإناث ما سفلوا هي وجميع ذوات محارمها ومحارم الفحل الذي كان لبنها منه، حاشا بنات إخوتها وأخواتها وبنات إخوة الفحل وأخواته؛ لأن إخوتها وأخواتها أخوال وخالات، وإخوته وأخواته أعمام وعمات للمرضع، فليس أولادهم من ذوي محارمه. وإن أرضعت صبية حرمت الصبية وبناتها وبنات بنيها ما سفلوا على زوجها الذي كان اللبن منه، وعلى جميع ذوي محارمه ومحارمها، حاشا بني إخوته وأخواته وإخوتها وأخواتها لما ذكرناه، فلا ينزل أحد من ذوي رحم المرضع منزلة المرضع في الحرمة حاشا ولده وولد ولده ما سفلوا. فهذا تحصيل هذا الباب وربطه. وبالله التوفيق. فصل فإذا قلنا إن حرمة الرضاع لا تسري من قبل المرضع إلا إلى ولده وولد ولده من الذكران والإناث خاصة، فيجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من الرضاعة وأم ابنه وإن علت من الرضاعة، وأم أخيه من الرضاعة، إذ لا حرمة بينه وبين واحدة منهن، بخلاف النسب لا يحل للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب؛ لأنها ربيبته، ولا جدة ابنه من النسب؛ لأنها أم زوجته، ولا أم أخيه من النسب؛ لأنها زوجة أبيه أو أم ولده. وكذلك للمرأة أن تتزوج أخا ابنها من الرضاعة، وأبا ابنها من الرضاعة،

стр. 476

وأبا أخيها من الرضاعة، إذ لا حرمة بينها وبين واحد منهم، بخلاف النسب لا يجوز للمرأة أن تتزوج أخا ابنها من النسب؛ لأنه ربيبها ابن زوجها، ولا جد ابنها من النسب؛ لأنه والد زوجها، ولا أبا أخيها لأمها؛ لأنه زوج أمها. وأما نكاح الرجل أخت أخيه فذلك جائز في النسب والرضاع، إذ لا حرمة بينه وبينها. وكذلك نكاح الرجل أخت عمه جائز أيضا في الرضاع والنسب، إذ لا حرمة بينه وبينها. والعم من الرضاع على ثلاثة وجوه: أحدها: أن يكون لأبيك من النسب أخ من الرضاعة بأن تكون أرضعتهما امرأة واحدة في حولي رضاعهما أو امرأتان بماء رجل واحد فيكون عمك من الرضاعة. والثاني: أن يكون لأبيك من الرضاع وهو الذي أرضعتك زوجته أو أمته بمائه أخ من النسب فيكون عمك من الرضاعة. الثالث: أن يكون لأبيك من الرضاع وهو الذي أرضعتك زوجته بمائه أخ من الرضاع بأن يكون أرضعتهما امرأة واحدة أو امرأتان بماء رجل واحد فيكون ذلك الأخ عما لك. وهذا كله بين والحمد لله. فصل في تحريم لبن الفحل وقد اختلفت العلماء في لبن الفحل فطائفة أنزلته منزلة الأم فأوجبت به التحريم، وهو قول مالك وجميع أصحابه والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم، وطائفة كرهته، منهم القاسم بن محمد وعروة بن الزبير ومجاهد والشعبي، وطائفة رخصت فيه وهم سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي. وعلى تحريمه العمل. وإنما اختلفوا فيه، والله أعلم؛ لأنهم جعلوا مخالفة عائشة للحديث الذي روته في ذلك علة فيه. روي عنها أنها كانت لا ترى التحريم من قبل الفحل، فكان يدخل عليها من أرضعته بنات أخيها وبنات أختها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها، وهي التي روت عن النبي ﷺ التحريم بلبن الفحل وقالت به بعد أن أوقفت على ذلك النبي ﷺ فقالت يا رسول الله: «إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل». والحجة في السنة لا فيما خالفها، وإن خالفها الراوي لها. وقد قيل: إن مخالفته لها تبطل

стр. 477

العمل بها، إذ لا يمكن أن يروي الراوي الحديث ثم يترك العمل به إلا وقد علم النسخ فيه، إذ لو تركه وهو لا يعلم أنه منسوخ لكان ذلك جرحا فيه، وليس ذلك عندنا بصحيح، لاحتمال أن يكون تركه لتأويل تأوله فيه فلا يلزم غيره من العلماء اتباعه على ما تأوله باجتهاده. فلعل عائشة تأولت أن ذلك رخصة لها في شأن أفلح خاصة كما تأول سائر أزواج النبي ﷺ في رضاعة سالم، فرجعت إلى ظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولهذا المعنى اختلف العلماء في التحريم بلبن الفحل على ما ذكرناه عنهم والله أعلم. فصل في رضاعة الكبير ولا تحرم رضاعة الكبير، وإنما يحرم منها ما كان في وقت الرضاعة كما قال سعيد بن المسيب: لا رضاعة إلا ما كان في المهد وإلا ما أنبت اللحم والدم، وذلك مروي عن النبي ﷺ . وحد ذلك ما حده الله في كتابه حيث يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وما قرب من الحولين فله حكمهما عند أكثر أصحابنا لوجود معنى تحريم الرضاعة فيه، وهو انتفاع الصبي به وكونه له غذاء، ومن طريق اختلاف الشهور بالزيادة والنقصان، وقد قال الله : ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. واختلف في حد القرب ما هو، فقيل اليوم واليومان، وقيل الأيام اليسيرة، وقيل الشهر ونحوه، وقيل الشهر والشهران، وهو قوله في المدونة، وقيل الشهر والشهران والثلاثة، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك. وهذا إذا لم يفصل قبل ذلك فصالا يستغني فيه عن الرضاع بالطعام والشراب، فإن فصل قبل ذلك واستغنى بالطعام والشراب عن الرضاع فما أرضع بعد ذلك فلا يكون رضاعا تقع به الحرمة على ظاهر قول رسول الله ﷺ : «لا رضاع بعد فطام» وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. وذهب مطرف

стр. 478

وابن الماجشون إلى أن ال فصل لا يعتبر إلا بعد أمد الرضاع، وحملا حديث رسول الله ﷺ على ذلك. فصل وذهب الليث بن سعد وطائفة من العلماء إلى أن الحرمة تقع برضاع الكبير. وحجتهم في ذلك حديث سالم مولى أبي حذيفة، ذكره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في الموطأ عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاعة الكبير فقال: أخبرني عروة بن الزبير ... الحديث بطوله. وهذا الحديث حمله مالك وأكثر أهل العلم على أنه خاص بسالم مولى أبي حذيفة، كما حمله أزواج النبي ﷺ ما عدا عائشة. وممن قال " إن رضاعة الكبير ليست بشيء " عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي ﷺ غير عائشة، وجمهور التابعين وفقهاء الأمصار. وحجتهم قول رسول الله ﷺ : «إنما الرضاعة من المجاعة ولا رضاع إلا ما أنبت اللحم والدم» وقال ابن حبيب: إن الاختلاف الواقع بين أهل العلم في رضاع الكبير إنما هو في الستر والحجاب، وأما النكاح فلم يختلفوا فيه أنه لا يحرم به، والصحيح أن الاختلاف داخل فيه. وقد كان أبو موسى الأشعري يفتي بأن التحريم يقع به في النكاح، ثم رجع إلى قول ابن مسعود وقال: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم. ولا يزال الناس بخير ما رجعوا إلى الصواب عند تبينه لهم. فصل فيما تقع الحرمة به من الرضاع ومذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه، وهو قول أكثر أهل العلم، أن قليل الرضاع وكثيره يحرم؛ لأنه ظاهر القرآن، وحديث المصة والمصتان والإملاجة والإملاجتان، خرجه النسائي وغيره من رواية أبي الفضل بألفاظ متقاربة، في بعضها «لا تحرم المصة والمصتان» وفي بعضها «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان» وفي بعضها «المصة والمصتان والإملاجة والإملاجتان». ورواه ابن وهب «تحرم

стр. 479

المصة والمصتان» على ما وقع في المدونة، فوجب أن تسقط لهذا الاختلاف، فلذلك لم يخرجه البخاري والله أعلم. وكذلك اضطرب ابن الزبير في رواية هذا الحديث، فرواه مرة عن النبي ﷺ ومرة عن أبيه عن النبي ﷺ ، ومرة عن عائشة عن النبي ﷺ ، فرد أيضا من أجل هذا الاختلاف. وكذلك حديث عائشة: «كان مما أنزل فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهو مما يقرأ في القرآن» لا تصح به حجة؛ لأنها أحالت على القرآن في الخمس رضعات فلم توجد فيه. ولذلك قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وليس العمل على هذا. وقال من ذهب إلى الأخذ بالخمس رضعات: إن هذا مما نسخ خطه وبقي حكمه كآية الرجم. وهذا لا يصح؛ لأن نسخ القرآن لا يكون إلا بأمر الله تعالى، ولا يصح إلا في حياة النبي ﷺ ، وأما بعد موته فلا يجوز أن يذهب من صدور الناس حفظ شيء من القرآن؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه حفظ كتابه العزيز فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقد أخبرت هي أن رسول الله ﷺ توفي والخمس رضعات تقرأ في القرآن، ولو كان ذلك لما سقط من القرآن، فلعلها أرادت أن رسول الله ﷺ توفي وهو مما يقرأ في القرآن المنسوخ، أي يعلم أن ذلك كان قرآنا فنسخ خطه وبقي حكمه كآية الرجم وكسائر ما نسخ خطه وحكمه وذهب من الصدر حفظه. وهذا محتمل إذ لم تقل إن رسول الله ﷺ توفي وهو قرآن، وإنما قالت: إنه توفي وهو مما يقرأ في القرآن، فاحتمل أن يكون أرادت أنه كان يذكر في القرآن المنسوخ خطه والله أعلم. فصل والرضاع يحرم بلبن المسلمات والمشركات الحرائر والإماء الأموات والأحياء من قبل الأم ومن قبل الفحل إن كان الوطء حلالا أو بوجه شبهة يلحق به الولد. واختلف إن كان الوطء حراما لا شبهة فيه كوطء الزنا، ومن تزوج من لا تحل له وهو عالم هل تقع الحرمة به من قبل الفحل أم لا على قولين. فكان مالك ﵀ -

стр. 480

يرى أن كل وطء لا يلحق به الولد فلا يحرم بلبنه، يريد من قبل فحله، ثم رجع إلى أنه يحرم. وإلى هذا ذهب سحنون وقال: ما علمت من قال من أصحابنا إنه لا يحرم إلا عبد الملك، وهو خطأ صراح. وقد «أمر النبي ﷺ سودة أن تحتجب من ولد ألحقه بأبيها لما رأى من شبهه بعتبة». قال ابن المواز: وإذا أرضعت بلبن الزنا صبيا فهو لها ابن ولا يكون ابنا للذي زنى بها. ولو كانت صبية فتزوجها الذي كان زنى بها لم أقض بفسخ نكاحه، وأحب إلي أن يتجنبه من غير تحريم. وأما ابنته من الزنا فلا يتزوجها وإن كان ابن الماجشون قد أجازه، ومكروهه بين «لقول رسول الله ﷺ لسودة في الولد الذي ألحقه بأبيها: احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة» فكيف يتزوجها عتبة لو كانت جارية؟. فصل وتقع الحرمة بلبن البكر والعجوز التي لم تلد وإن كان من غير وطء إذا كان لبنا ولم يكن ماء أصفر لا يشبه اللبن. وأما الرجل فلا تقع الحرمة برضاعه وإن كان له لبن، وما أظنه يكون. فقد أنكر ذلك مالك فقال: وإنما يحدث بهذا قوم نفاق. فصل ويستحب للأم أن ترضع ولدها، فإنه روي أن رسول الله ﷺ قال: «ليس لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه». ولذلك كانت المطلقة أحق برضاع ولدها بما ترضعه غيرها. ويكره الظؤرة من اليهوديات والنصرانيات لما يخشى من أن تطعمهم الحرام وتسقيهم الخمر. وقال ابن حبيب عن مالك: فإذا أمن ذلك فلا بأس به. ويتقى رضاع الحمقاء وذوات الطباع المكروهة، لما روي أن رسول الله ﷺ قال: «الرضاع يجر الطباع». قال عبد الملك: ولذلك كانت العرب تسترضع أولادها في أهل بيت السخاء أو بيت الوفاء أو بيت الشجاعة أو ما أشبه ذلك من الأخلاق الكريمة. وبالله التوفيق وهو الهادي إلى أقوم طريق.

стр. 481

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم كتاب طلاق السنة فصل في اشتقاق لفظ الطلاق الطلاق مأخوذ من قولك أطلقت الناقة فطلقت إذا أرسلتها من عقال وقيد، فكأن ذات الزوج موثقة عند زوجها فإذا فارقها أطلقها من وثاق. ويدلك على ذلك قول الناس هي في حبالك إذا كانت تحتك، يراد أنها مرتبطة عندك كارتباط الناقة في حبالها. ثم فرقوا بين الحركات من فعل الناقة وفعل المرأة والأصل واحد وقالوا طلقت الناقة بفتح اللام وقالوا طلقت المرأة بضم اللام، وقالوا أطلقت الناقة وطلقت المرأة. فصل والطلاق حل العصمة المنعقدة بين الزوجين، وهو أمر جعله الله بأيدي الأزواج وملكهم إياه دون الزوجات فقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وبالله التوفيق.

стр. 482

فصل وهو يلزم باللفظ مع النية في الحكم الظاهر والباطن؛ لأن الطلاق يفتقر إلى لفظ ونية. وقد اختلف إذا انفرد أحدهما دون الآخر. فأما إذا انفردت النية دون اللفظ فالصحيح أن الطلاق يلزم بذلك؛ لأن اللفظ بالطلاق عبارة عما في النفس منه، فإذا أجمع الرجل في نفسه على أنه قد طلق امرأته لزمه الطلاق فيما بينه وبين الله، وهو نص قول مالك ﵀ في سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق. وإن أظهر بلفظه ما أجمع عليه من الطلاق في نفسه حكم عليه به. وقد قيل: إن الطلاق لا يلزم بالنية حتى يلفظ به، وهو ظاهر قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في رواية أشهب عنه في كتاب التخيير والتمليك ليس يطلق الرجل بقلبه ولا ينكح بقلبه. وأما إذا انفرد اللفظ دون النية فالصحيح أن الطلاق لا يلزم بذلك إلا في الحكم الظاهر، إذ لا يصدق إذا لفظ بالطلاق أنه لم يرده ولا نواه. وقد وقع في كتاب التخيير والتمليك من المدونة ما ظاهره أن الطلاق يلزم باللفظ دون النية، وهو خلاف المنصوص فيه وفي غيره وبعيد في المعنى، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» وبالله التوفيق. فصل وهو على وجهين: مباح، ومحظور. فالمباح منه ما كان على الصفة التي أمر الله بها، والمحظور منه ما وقع بخلافها. والصفة التي أمر الله بها هي ما ذكر في كتابه حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقرأ ابن عمر " فطلقوهن لقبل عدتهن " معناه: في موضع يعتددن فيه، وهو أن يطلقها في طهر لم يمس فيه كما قال رسول الله ﷺ في «حديث عبد الله بن عمر إذ طلق امرأته

стр. 483

وهي حائض فأخبر عمر بن الخطاب ﵁ بذلك رسول الله ﷺ فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق قبل أن يمس". فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» والله أعلم. فصل فطلاق السنة الذي أمر الله به وعلمه عباده هو أن يطلق الرجل امرأته طاهرا من غير جماع طلقة واحدة ثم لا يتبعها طلاقا، فيكون أحق برجعتها شاءت أو أبت ما لم تنقض عدتها، لقول الله : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وبلوغ الأجل في هذه الآية المقاربة لا البلوغ حقيقة، بخلاف الآية التي في سورة البقرة قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] البلوغ في هذه الآية على وجهه، وأما في الآية التي قدمنا ذكرها فالمراد بذكر البلوغ فيها المقاربة، بدليل إجماعهم على أنها تبين من زوجها بانقضاء عدتها ولا يكون له إليها سبيل. وذلك كثير موجود في القرآن ولسان العرب أن يسمى الشيء باسم ما قرب منه، قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] معناه: إذا أردت قراءة القرآن. وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وقال النبي ﷺ : «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل». وفي الحديث «صلى رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل» فسمي المطر بالسماء لما كان نزوله منها. ومنه قوله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] فكني بالمجيء

стр. 484

من الغائط عن الحدث، ثم كثر استعمال ذلك حتى سمي الحدث بعينه غائطا لقرب ما بينهما. فصل وإنما نهي المطلق أن يطلق في الحيض؛ لأنه إذا طلق فيه طول عليها العدة وأضر بها؛ لأن ما بقي من تلك الحيضة لا يعتد به في أقرائها فتكون في تلك المدة كالمعلقة لا معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من زوج. وقد نهى الله عن إضرار المرأة بتطويل العدة عليها بقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق المرأة ثم يمهلها فإذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ولا حاجة له بها ثم طلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها لتطول العدة عليها، فنهى الله عن ذلك بهذه الآية. فصل وإنما نهي المطلق أن يطلق في طهر قد مسها فيه؛ لأنه إذا فعل ذلك لبس عليها العدة فلم تدر بما تعتد إن كانت تعتد بالوضع أو بالأقراء، لاحتمال أن تكون قد حملت من ذلك الوطء، فكره له أن يدخل عليها اللبس في العدة، وأمر أن لا يطلقها إلا في موضع تعرف عدتها ما هي لتستقبلها. فقول الله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي لقبل عدتهن. وقيل: إنما نهي عن ذلك لتكون مستبرأة فيكون على يقين من نفي الحمل إن أتت بولد وأراد أن ينفيه، كما كره له أن يبيع الأمة إذا وطئها قبل الاستبراء وإن كانت رفيعة تواضع لهذه العلة، وهذا أظهر والله أعلم. فصل وإنما منع من طلق امرأته حائضا فارتجعها أن يطلقها في الطهر الأول من

стр. 485

أجل أن ذلك يطول عليها العدة، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] فلا يجوز له أن يراجع ليطلق، وإنما يجوز له أن يراجع ليطأ أو يمسك. فإذا وطئ في ذلك الطهر لم يصح له أن يطلق فيه. فالطهر الأول مقصوده الوطء فلا يصح فيه الطلاق، والطهر الثاني هو مخير فيه بين الوطء والطلاق. وقد قيل: إنه منع من الطلاق في الطهر الأول عقوبة لا لعلة موجودة، لما أوقع الطلاق في موضع لا يجوز له، منع منه في موضع يجوز له. والأول هو الصحيح؛ لأن العلة في ذلك موجودة، على ما بيناه وبالله التوفيق. فصل ولا يجوز عند مالك أن يطلق عند كل طهر طلقة؛ لأنه عنده طلاق بدعة على غير السنة؛ لأن الطلقة الثانية والثالثة لا عدة لهما، ولم يبح الله تعالى الطلاق إلا للعدة فقال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وأجاز ذلك أشهب على ما روي عن ابن مسعود ما لم يرتجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية فلا يسعه ذلك؛ لأنه يطول عليها العدة ويضر بها. وقد نهى الله ﵎ عن ذلك فقال: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والصواب ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وهو الصحيح عن ابن مسعود أن طلاق السنة أن يطلق طلقة في أول الطهر إلى انقضاء العدة. وقد أنكر أحمد بن خالد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على سحنون إدخال الحديث الذي أدخل عن ابن مسعود في المدونة، وقال: ما خلق الله أشنع من هذا يدخل خلاف مذهبه، وما قد أنكره مالك، وقال: إنه لم يدرك أحدا يقتدى به من أهل بلده يرى ذلك. والحسن بن عمارة رجل مطعون فيه. فصل وكذلك لا يجوز عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه ذلك بدليل قول الله : ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وهي

стр. 486

الرجعة فجعلها بائنة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، إذ لو لم يقع ولم تلزمه لم تفته الزوجة ولا كان ظالما لنفسه. ولما ألزم رسول الله ﷺ عبد الله بن عمر الطلقة التي طلقها في الحيض فقال: مره فليراجعها، دل ذلك أيضا على أن الطلاق لسنته ولغير سنته، وهو مذهب جميع الفقهاء وعامة العلماء لا يشذ في ذلك عنهم إلا من لا يعتد بخلافه منهم. فصل وقد أجاز الشافعي ﵀ أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا في كلمة واحدة، واحتج لذلك بتطليق الملاعن زوجته بعد اللعان ثلاثا بحضرة رسول الله ﷺ فقال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال: فلو كان ذلك منكرا لأنكره رسول الله ﷺ . وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما طلق أجنبية قد حرمت عليه باللعان، ولعل النبي ﷺ أنكر ذلك كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية، وليس كل شيء كان نقل. واحتج أيضا بأشياء لا تقوم له بها حجة، منها طلاق عبد الرحمن بن عوف زوجته تماضر ثلاثا في مرضه، وطلاق أبي عمرو بن حفص زوجته فاطمة بنت قيس ثلاثا. ولا حجة له في شيء من ذلك؛ لأنهما لم يطلقا ثلاثا في كلمة واحدة، وإنما طلقا واحدة وكانت آخر ما بقي لهما من الثلاث. ومن حجته أيضا عموم «قول رسول الله ﷺ في حديث ابن عمر: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها، من غير أن يخص واحدة من ثلاث». ولا يكون هو أعلم بمراد رسول الله ﷺ بقوله هذا من المخاطبين به وهما عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر، فقد قالا جميعا: من طلق ثلاثا فقد عصى الله ورسوله. ومن حجته أن الزوج ترك إيقاع ما إليه إيقاعه في الطلاق الرجعي وأوقع طلاقا إليه إيقاعه، فيلزمه على هذا أن يجيز طلاق المرأة حائضا إذا أباحت له امرأته ذلك؛ لأنه إنما منع لئلا تطول عليها العدة، وهذا ما لا يقوله أحد. فمن طلق ثلاثا في كلمة واحدة فقد عصى ربه وتعدى حدوده وظلم نفسه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا. وقد روي «أن رسول الله ﷺ أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا جميعا فقام غضبانا، قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين

стр. 487

أظهركم». وكان علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄ يعاتبان الذي يطلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة، وهو قول مالك. فصل وكذلك طلاق المباراة الذي يجري عندنا ويطلق الناس به نساءهم طلاق بدعة، ولا ينبغي لأحد أن يفعله، وإنما يجوز منه ما كان على وجه الخلع بشيء تعطيه من مالها أو تتركه له من حقها أو تلتزمه من مؤنة حمل أو رضاع أو ما أشبه ذلك مما تجوز المخالعة به في الموضع الذي أجازه الله ﵎ فيه، وهو إذا كان النشوز من قبل المرأة ولم يكن منه في ذلك ضرر إليها. قال الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] فلا يجوز للرجل إن نشزت عليه امرأته أو أحدثت حدثا من الزنا أو غيره أن يضارها حتى تفتدي منه، ولا تعلق له في جواز ذلك بقول الله : ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]؛ لأن الاستثناء فيها منفصل غير متصل. ومعنى الآية: ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن أتين بفاحشة حل لكم أن تقبلوا منهن في الفداء ما طابت به أنفسهن. والفاحشة البينة هاهنا أن تشتم عرضه أو تبذأ عليه بلسانها أو تخالف أمره؛ لأن كل فاحشة نعتت في القرآن ببينة فهي من باب النطق، وكل فاحشة أتت فيه مطلقة لم تنعت ببينة فالمراد بها الزنا. ومن أهل العلم من رأى الاستثناء متصلا فأباح للرجل إذا نشزت عليه امرأته أن يضيق عليها حتى تفتدي منه. ومنهم من حمل الفاحشة البينة هاهنا على الزنا وجعل الاستثناء متصلا، فأباح للرجل إذا اطلع على زوجته بزنا أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه لقول الله : ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 488

فصل وكذلك الحلف بالطلاق مكروه. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق فإنهما من أيمان الفساق»، وقال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وروى زياد عن مالك أنه يؤدب من حلف بالطلاق. وقال مطرف وابن الماجشون: من اعتاد الحلف بالطلاق فذلك جرحة فيه وإن لم يعلم له حنث فيه. ومكروهه لوجهين: أحدهما: نهي النبي ﷺ عن الحلف به وعن الحلف بغير الله. والثاني: أنه قد يقع حنثه في حال الحيض أو دم النفاس أو في طهر قد مس فيه، وهذه أحوال لا يجوز إيقاع الطلاق فيها. فإن كانت الزوجة ممن لا تحيض أو يائسة من المحيض كره لمخالفته السنة خاصة. فصل ومن حلف بالطلاق فحنث في يمينه وامرأته حائض أو نفساء في دم نفاسها فإنه يجبر على رجعتها كما يجبر المطلق في الحيض على الرجعة ما لم تنقض العدة في مذهب مالك وأصحابه، حاشا أشهب فإنه يرى أن يجبر على الرجعة ما لم تطهر ثم تحيض ثم تطهر إلى الموضع الذي أبيح له فيه الطلاق. ومن أهل العلم من يرى أنه إنما يجبر على الرجعة ما لم تطهر من حيضتها التي طلقها فيها، وليس ذلك في المذهب. فإن أبى الارتجاع هدد، فإن أبى سجن، فإن أبى ضرب، ويكون ذلك كله قريبا في موضع واحد؛ لأنه على معصية. فإن تمادى ألزم الرجعة وكانت له زوجة. حكى ذلك ابن المواز عن ابن القاسم وأشهب. وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: إنه إذا أبى حكم عليه بالرجعة وألزم إياها ولم يذكر سجنا ولا ضربا. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يؤمر بالرجعة ولا يضرب عليها. والصحيح ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لأن الأوامر محمولة على الوجوب حتى يقترن بها ما يدل على أنها على الندب، وهذا قول المحققين من أهل العلم.

стр. 489

فصل واختلف إذا أجبر على الرجعة وألزم إياها ولم ينو ذلك ولا كانت له نية في مراجعتها هل له الوطء أم لا على قولين: أحدهما: أن ذلك له وهو الصحيح؛ لأنها ترجع إلى عصمته بالحكم شاء أو أبى، فيجوز له الوطء كالذي يجبر على النكاح ممن له الجبر عليه من أب أو وصي أو سيد، فيجوز له الوطء وإن كان النكاح قد غلب عليه بغير رضاه. وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي واحتج لذلك بمن نكح هازلا فألزم النكاح بالحكم أن الوطء يجوز له. وقال بعض البغداديين: ليس له الاستمتاع بها إلا أن ينوي رجعتها إذا أجبر على ذلك. والصحيح ما تقدم. فصل وهذا في التي دخل بها، وأما التي لم يدخل بها طلاقها جائز وإن كانت حائضا أو نفساء. وكره ذلك أشهب، وليس لكراهته وجه؛ لأن العلة في منع إيقاع الطلاق في الحيض تطويل العدة على المرأة؛ لأن الحيضة التي طلقها فيها لا يعتد بها من أقرائها، والله تعالى يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والتي لم يدخل بها لا عدة عليها ويطلقها متى شاء. فصل واختلف في الحامل إذا حاضت على حملها هل يجوز للزوج أن يطلقها في ذلك الحيض أم لا. وذكر عن أبي عمران الفاسي أن طلاقها فيه جائز؛ لأن الطلاق في الحيض إنما كره من أجل أنها لا تعتد بتلك الحيضة فتطول عليها العدة، وعدة هذه وضع الحمل فارتفعت العلة. وجرى لابن القصار في كتاب عيون الأدلة لما عورض بقول المخالف: لو كانت الحامل تحيض لحرم الطلاق فيه فقال: فكذلك نقول: إن الطلاق فيه حرام. ووجه هذا القول أنه طلاق وقع في حال نهي عن إيقاعه فلم يجز وإن لم يوجد فيه علة الإضرار بالتطويل، أصله إذا أباحت له المرأة ذلك.

стр. 490

فقد توجه قول أشهب في كراهته لطلاق التي لم يدخل بها في الحيض بهذا وبالله التوفيق. فصل وإنما يجبر على الرجعة من طلق طلاقا رجعيا. وأما من طلق طلاقا بائنا بخلع أو بغير خلع فلا يجبر على الارتجاع. وكان أبو المطرف بن جريج يفتي بالإجبار على الرجعة في طلاق المباراة، وكان غيره من شيوخ وقته مخالفا له في ذلك ويخطئونه فيه. وقوله يخرج على قول مطرف ورواية ابن وهب عن مالك فيمن خالع وأعطي أنها طلقة رجعية. فصل وطلاق المدخول بها وإن كان بائنا بخلع أو غيره فإنه لا يصح إيقاعه في الحيض ولا في دم النفاس للعلة التي قدمناها وهي التطويل في العدة وبالله التوفيق. فصل ولا يطلق السلطان على من به جنون أو جذام أو برص أو عنة أو عجز عن النفقة أو ما أشبه ذلك مما يحكم فيه بالفراق في الحيض ولا في دم النفاس، وكذلك لا يلاعن بين الزوجين في الحيض ولا في دم النفاس، فإن فعل ذلك فقد أخطأ لا يجبر في شيء من ذلك على الرجعة؛ لأنه طلاق بائن إلا في الذي يطلق عليه بعدم الإنفاق فإنه يجبر على الرجعة إن أيسر في العدة. هذا الذي يلزم على أصولهم ولا أعرف فيها رواية. وأما المولي فاختلف فيه قول مالك: هل يطلق عليه في الحيض أم لا على قولين، فإذا طلق عليه في الحيض على أحد قوليه فإنه يجبر على الرجعة، تطلق

стр. 491

عليه بالقرآن ويجبر على الرجعة بالسنة. وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أن تطليق الإمام على المجنون والمجذوم والمبروص إنما هي طلقة رجعية، وأن الموارثة بينهما قائمة ما دامت العدة لم تنقض، ولو صحوا في العدة من أدوائهم لكانت لهم الرجعة، وهو خلاف المعلوم من المذهب أن كل طلاق يحكم به الإمام فهو بائن إلا المولي والمطلق عليه لعدم الإنفاق. فعلى قوله: لو أخطأ الإمام فطلق على واحد منهم في الحيض يجبر على الرجعة إن صح فيها من دائه. وأما العنين فلا اختلاف أن تطليق الإمام عليه تطليقة بائنة؛ لأنه طلاق قبل الدخول لتقاررهما على عدم المسيس. فصل وأما كل نكاح يفسخ بعد البناء لفساده وإن فسخ بطلاق فإنه يفسخ متى عثر عليه وإن كان ذلك في الحيض أو دم النفاس، بخلاف ما كان في فسخه وإجازته خيار لأحد. وكذلك الأمة تعتق تحت العبد لا تختار في الحيض، فإن فعلت لم يجبر على الرجعة؛ لأنها طلقة بائنة. وقد روى عيسى عن ابن القاسم في المستخرجة ما يدل على أنها طلقة رجعية، وهي رواية ابن نافع عن مالك. فعلى هذا يجبر على الرجعة إن أعتق في العدة ولا يملك أحد زوجته في الحيض، فإن فعل فلا تختار فيه، وذلك بيدها حتى تطهر من حيضتها وإن انقضى الأجل. ولا يدخل في ذلك اختلاف قول مالك في مراعاة المجلس. وإن سبقت إلى الخيار في الحيض أجبر زوجها على الرجعة فيما دون الثلاث. فصل والعدة أوجبها الله وأمر بها حفظا للأنساب، وهي تنقسم على قسمين: عدة وفاة، وعدة طلاق. فإن كانت المرأة حاملا فعدتها وضع الحمل في الوفاة والطلاق جميعا لا اختلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، لقول الله :

стр. 492

﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، عموما إلا ما يروى عن بعض السلف أن المتوفى عنها زوجها وهي حامل تعتد أقصر الأجلين. فإن لم تكن حاملا فهاهنا تفترق عدة الوفاة من عدة الطلاق. فأما عدة الوفاة فأربعة أشهر وعشر، وهي لازمة في المدخول بها والتي لم يدخل بها لعموم قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فقيل: إنها في التي لم يدخل بها عبادة لا لعلة، وقيل: إنها لعلة، والعلة في ذلك الاحتياط للزوج إذ قد درج وانطوى بحجته، فلعله لو كان حيا لبين أنه قد دخل بها. ونظير ذلك أن من أثبت دينا على ميت لا يحكم له إلا بعد اليمين وإن لم يدع الورثة عليه أنه قد قبض أو وهب، بل لو أقر له الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم لم يحكم له القاضي به إلا بعد اليمين مخافة أن يطرأ وارث أو يطرأ عليه دين. هذه علة صحيحة في التي يوطؤ مثلها. ولما لم يكن في قدر ذلك حد يرجع إليه في الكتاب والسنة حمل الباب محملا واحدا وأوجب عليها العدة وإن كانت ممهورة. فصل ولم يختلف في التي قد دخل بها أنها لعلة وهي حفظ الأنساب، لكن تحديد الأربعة أشهر وعشر دون الاقتصار على ما يحصل به الاستبراء أو يعلم به براءة الرحم عبادة. والدليل على ذلك اختلاف قول مالك في الكتابية إذا مات عنها زوجها المسلم هل تعتد بأربعة أشهر وعشر أو ثلاث حيض؛ لأنه مبني على الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا. فإذا قلنا إنها غير مخاطبة بشرائع الإسلام فإنما عليها الاستبراء بثلاث حيض، هذا أيضا على مذهب من رأى أن الثلاث حيض كلها استبراء. وأما من ذهب إلى أن الحيضة الواحدة استبراء والاثنتان عبادة فلا يوجب عليها في الوفاة ولا في الطلاق إلا الاستبراء بحيضة واحدة إن كانت مدخولا بها، وإن لم تكن مدخولا بها فلا شيء عليها في الوفاة ولا في الطلاق. فأما إسقاط العدة عنها في الوفاة إذا لم يدخل بها فقد حكى

стр. 493

الرواية عن مالك ابن الجلاب. وأما استبراؤها بحيضة واحدة في الطلاق من المسلم فلا أعرف في ذلك نص رواية إلا أن مالكا قد قاله في الطلاق من الذمي، ولا فرق بين الموضعين. فصل وإن كان المتوفى عنها زوجها لم يدخل بها زوجها أو كانت في سن من لا تحيض من صغر أو كبر ويؤمن الحمل منها حلت بتمام الأربعة الأشهر والعشرة. وأما إن كانت قد دخل بها وهي من ذوات الأقراء فحاضت فيها حلت بتمامها. وأما إن لم تحض فيها فلا يخلو الأمر من وجهين: أحدهما: أن يكون مر بها فيها - أعني في العدة - وقت حيضتها فارتفعت عنها من غير عذر. والثاني: أن لا يمر بها فيها وقت حيضتها مثل أن تكون لا تحيض إلا من خمسة أشهر إلى مثلها أو من سنة إلى مثلها أو كان ارتفاعها من عذر. فأما إن لم تحض فيها ولم يكن لارتفاع حيضتها عذر فقول مالك وأكثر أصحابه ابن القاسم وغيره: إنها ريبة فلا تحل حتى تحيض أو يمر بها تسعة أشهر أمد الحمل في الأغلب. فإذا مر بها تسعة أشهر حلت إلا أن تكون بها ريبة تحس في البطن فتقيم حتى تذهب الريبة وتبلغ أقصى أمد الحمل. وقال أشهب وابن الماجشون وسحنون: إنها تحل بانقضاء العدة وإن لم تحض إذا لم يكن بها من الريبة أكثر من ارتفاع الحيض. وكذلك المستحاضة تجري في هذا المجرى. وقد روي عن مالك أن عدة المستحاضة في الوفاة أربعة أشهر وعشر للحرة، وثلاثة أشهر للأمة. وفي المسألة على هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرتابة والمستحاضة في الوفاة تتربص إلى تمام تسعة أشهر، والثاني: أنهما تحلان بتمام أربعة أشهر وعشر، والثالث: التفرقة بين المرتابة والمستحاضة، فتحل المستحاضة بتمام أربعة أشهر وعشر، وتتربص المرتابة إلى تمام تسعة أشهر. وأما إن لم يمر بها فيها وقت حيضتها أو كان لارتفاعها عذر فذهب مالك وأصحابه إلى أنها تحل بانقضاء العدة إذا لم يظهر بها حمل. وروى ابن كنانة عن مالك في سماع أشهب أنها لا تحل حتى تحيض أو تمر بها تسعة أشهر. وحكى ابن المواز أن مالكا رجع عن هذا القول.

стр. 494

فصل والعذر الذي لا يكون ارتفاع الحيض معه ريبة الرضاع باتفاق، والمرض باختلاف. قال أشهب: إن المرض كالرضاع لا يكون ارتفاع الحيض معه ريبة لا في الوفاة ولا في الطلاق، فتحل في الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وتعتد في الطلاق بالأقراء وإن تباعدت. وروى ابن القاسم عن مالك، وقال به ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ، أن ارتفاع الحيض مع المرض ريبة كالصحيحة خلاف المرضع فتتربص في الوفاة إلى تسعة أشهر، وفي الطلاق سنة؛ تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة. والفرق بين المرض والرضاع عندهم أن الرضاع تقدر على إزالته بدفع الولد عنها والمرض لا صنع لها فيه. وأيضا فإن الرضاع له أمد معلوم وحد محدود، والمرض لا حد له قد يطول الأعوام الكثيرة التي لا يلحق في مثلها الولد، فإذا جعلت عدتها الأقراء فإن تباعدت قد تكون عدتها أكثر مما يلحق به الولد، وذلك فاسد. فصل وأما عدة الطلاق فلا تجب قبل الدخول. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية. وأما إن كان قد دخل بها اعتدت بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، أو بثلاثة أشهر إن كانت في سن من لا تحيض من صغر أو كبر. قال الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] [واختلف في معنى قول الله : ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤]]، ما هذه الريبة، فروى أشهب عن مالك أنها ريبة ماضية في الحكم ليس في معاودة الحيض لهن. وذلك أن الله

стр. 495

تعالى لما بين عدة ذوات الأقراء وذوات الحمل وبقيت اليائسة عن المحيض والتي لم تحض ارتاب أصحاب النبي ﷺ في حكمها فأنزل الله: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وذهب ابن بكير وإسماعيل القاضي إلى أن المعنى في قَوْله تَعَالَى: إن ارتبتم في معاودة الحيض لهن وأنها ريبة مستقبلة، واحتجا لذلك بحجج يطول جلبها. من ذلك أن اليائس في كلام العرب إنما هو فيما لم ينقطع فيه الرجاء. ألا ترى أنك تقول يئست من المريض لشدة مرضه، ومن الغائب لبعد غيبته، ولا يصح أن تقول يئست من الميت الذي قد انقطع الرجاء منه، وأنه لو كان بمعنى اليائسة التي ذكر الله في كتابه وأوجب عليها في العدة ثلاثة أشهر هي التي لا ترتاب في معاودة الحيض لوجب إذا ارتفع عن المرأة الحيض وهي في سن من يشبه أن تحيض أن تعتد بالأقراء حتى تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض وإن بقيت عشرين عاما. وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو خطأ لا يصح من وجهين: أحدهما: أنها إن جاءت بولد لما لا تحمل له النساء من المدة وإن كانت العدة لم تنقض لم يلحق به الولد، فمحال أن تعتد من الزوج في مدة لا يلحق فيها به الولد. والوجه الثاني: مخالفة عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل وإلا اعتدت بعد التسعة أشهر بثلاثة أشهر ثم حلت، ولا مخالف له من الصحابة. ومن ذلك أن الريبة لو كانت في الحكم لكانت ماضية ولكان حقها أن تكون " أن ارتبتم " بفتح الألف من " أن ". فإذا قلت: إن اليائسة التي أوجب الله عليها العدة ثلاثة أشهر هي التي ترتاب فلا تدري لم لم تحض، فدليل هذا أن لا تجب عدة على من يعلم أنها ممن لا تحيض من صغر أو كبر ولا ترتاب في أمرها إلا أنه لما لم يكن في ذلك حد يرجع إليه حمل الباب في ذلك محملا واحدا. وقد ذهب ابن لبابة في كتابه إلى أن الصغيرة التي يئست في سن من تحيض ويؤمن الحمل عليها أنها لا عدة عليها وإن كان يوطأ مثلها، وكذلك الكبيرة التي انقطع عنها الحيض ويؤمن الحمل منها، وقال: إنه مذهب داود وإنه القياس؛ لأن العدة إنما هي لحفظ الأنساب، فإذا أمن الحمل فلا معنى للعدة، وهو شذوذ من القول. وإذا قلنا: إن اليائسة التي أوجب الله عليها العدة ثلاثة أشهر هي التي لا
следующие страницы →