Полный текст (1 626 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
عليه بالقرآن ويجبر على الرجعة بالسنة. وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أن تطليق الإمام على المجنون والمجذوم والمبروص إنما هي طلقة رجعية، وأن الموارثة بينهما قائمة ما دامت العدة لم تنقض، ولو صحوا في العدة من أدوائهم لكانت لهم الرجعة، وهو خلاف المعلوم من المذهب أن كل طلاق يحكم به الإمام فهو بائن إلا المولي والمطلق عليه لعدم الإنفاق. فعلى قوله: لو أخطأ الإمام فطلق على واحد منهم في الحيض يجبر على الرجعة إن صح فيها من دائه. وأما العنين فلا اختلاف أن تطليق الإمام عليه تطليقة بائنة؛ لأنه طلاق قبل الدخول لتقاررهما على عدم المسيس.
فصل
وأما كل نكاح يفسخ بعد البناء لفساده وإن فسخ بطلاق فإنه يفسخ متى عثر عليه وإن كان ذلك في الحيض أو دم النفاس، بخلاف ما كان في فسخه وإجازته خيار لأحد. وكذلك الأمة تعتق تحت العبد لا تختار في الحيض، فإن فعلت لم يجبر على الرجعة؛ لأنها طلقة بائنة. وقد روى عيسى عن ابن القاسم في المستخرجة ما يدل على أنها طلقة رجعية، وهي رواية ابن نافع عن مالك. فعلى هذا يجبر على الرجعة إن أعتق في العدة ولا يملك أحد زوجته في الحيض، فإن فعل فلا تختار فيه، وذلك بيدها حتى تطهر من حيضتها وإن انقضى الأجل. ولا يدخل في ذلك اختلاف قول مالك في مراعاة المجلس. وإن سبقت إلى الخيار في الحيض أجبر زوجها على الرجعة فيما دون الثلاث.
فصل
والعدة أوجبها الله وأمر بها حفظا للأنساب، وهي تنقسم على قسمين: عدة وفاة، وعدة طلاق. فإن كانت المرأة حاملا فعدتها وضع الحمل في الوفاة والطلاق جميعا لا اختلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، لقول الله :
стр. 492
﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، عموما إلا ما يروى عن بعض السلف أن المتوفى عنها زوجها وهي حامل تعتد أقصر الأجلين. فإن لم تكن حاملا فهاهنا تفترق عدة الوفاة من عدة الطلاق. فأما عدة الوفاة فأربعة أشهر وعشر، وهي لازمة في المدخول بها والتي لم يدخل بها لعموم قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فقيل: إنها في التي لم يدخل بها عبادة لا لعلة، وقيل: إنها لعلة، والعلة في ذلك الاحتياط للزوج إذ قد درج وانطوى بحجته، فلعله لو كان حيا لبين أنه قد دخل بها. ونظير ذلك أن من أثبت دينا على ميت لا يحكم له إلا بعد اليمين وإن لم يدع الورثة عليه أنه قد قبض أو وهب، بل لو أقر له الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم لم يحكم له القاضي به إلا بعد اليمين مخافة أن يطرأ وارث أو يطرأ عليه دين. هذه علة صحيحة في التي يوطؤ مثلها. ولما لم يكن في قدر ذلك حد يرجع إليه في الكتاب والسنة حمل الباب محملا واحدا وأوجب عليها العدة وإن كانت ممهورة.
فصل
ولم يختلف في التي قد دخل بها أنها لعلة وهي حفظ الأنساب، لكن تحديد الأربعة أشهر وعشر دون الاقتصار على ما يحصل به الاستبراء أو يعلم به براءة الرحم عبادة. والدليل على ذلك اختلاف قول مالك في الكتابية إذا مات عنها زوجها المسلم هل تعتد بأربعة أشهر وعشر أو ثلاث حيض؛ لأنه مبني على الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا. فإذا قلنا إنها غير مخاطبة بشرائع الإسلام فإنما عليها الاستبراء بثلاث حيض، هذا أيضا على مذهب من رأى أن الثلاث حيض كلها استبراء. وأما من ذهب إلى أن الحيضة الواحدة استبراء والاثنتان عبادة فلا يوجب عليها في الوفاة ولا في الطلاق إلا الاستبراء بحيضة واحدة إن كانت مدخولا بها، وإن لم تكن مدخولا بها فلا شيء عليها في الوفاة ولا في الطلاق. فأما إسقاط العدة عنها في الوفاة إذا لم يدخل بها فقد حكى
стр. 493
الرواية عن مالك ابن الجلاب. وأما استبراؤها بحيضة واحدة في الطلاق من المسلم فلا أعرف في ذلك نص رواية إلا أن مالكا قد قاله في الطلاق من الذمي، ولا فرق بين الموضعين.
فصل
وإن كان المتوفى عنها زوجها لم يدخل بها زوجها أو كانت في سن من لا تحيض من صغر أو كبر ويؤمن الحمل منها حلت بتمام الأربعة الأشهر والعشرة. وأما إن كانت قد دخل بها وهي من ذوات الأقراء فحاضت فيها حلت بتمامها. وأما إن لم تحض فيها فلا يخلو الأمر من وجهين: أحدهما: أن يكون مر بها فيها - أعني في العدة - وقت حيضتها فارتفعت عنها من غير عذر. والثاني: أن لا يمر بها فيها وقت حيضتها مثل أن تكون لا تحيض إلا من خمسة أشهر إلى مثلها أو من سنة إلى مثلها أو كان ارتفاعها من عذر. فأما إن لم تحض فيها ولم يكن لارتفاع حيضتها عذر فقول مالك وأكثر أصحابه ابن القاسم وغيره: إنها ريبة فلا تحل حتى تحيض أو يمر بها تسعة أشهر أمد الحمل في الأغلب. فإذا مر بها تسعة أشهر حلت إلا أن تكون بها ريبة تحس في البطن فتقيم حتى تذهب الريبة وتبلغ أقصى أمد الحمل. وقال أشهب وابن الماجشون وسحنون: إنها تحل بانقضاء العدة وإن لم تحض إذا لم يكن بها من الريبة أكثر من ارتفاع الحيض. وكذلك المستحاضة تجري في هذا المجرى. وقد روي عن مالك أن عدة المستحاضة في الوفاة أربعة أشهر وعشر للحرة، وثلاثة أشهر للأمة. وفي المسألة على هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرتابة والمستحاضة في الوفاة تتربص إلى تمام تسعة أشهر، والثاني: أنهما تحلان بتمام أربعة أشهر وعشر، والثالث: التفرقة بين المرتابة والمستحاضة، فتحل المستحاضة بتمام أربعة أشهر وعشر، وتتربص المرتابة إلى تمام تسعة أشهر. وأما إن لم يمر بها فيها وقت حيضتها أو كان لارتفاعها عذر فذهب مالك وأصحابه إلى أنها تحل بانقضاء العدة إذا لم يظهر بها حمل. وروى ابن كنانة عن مالك في سماع أشهب أنها لا تحل حتى تحيض أو تمر بها تسعة أشهر. وحكى ابن المواز أن مالكا رجع عن هذا القول.
стр. 494
فصل
والعذر الذي لا يكون ارتفاع الحيض معه ريبة الرضاع باتفاق، والمرض باختلاف. قال أشهب: إن المرض كالرضاع لا يكون ارتفاع الحيض معه ريبة لا في الوفاة ولا في الطلاق، فتحل في الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وتعتد في الطلاق بالأقراء وإن تباعدت. وروى ابن القاسم عن مالك، وقال به ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ، أن ارتفاع الحيض مع المرض ريبة كالصحيحة خلاف المرضع فتتربص في الوفاة إلى تسعة أشهر، وفي الطلاق سنة؛ تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة. والفرق بين المرض والرضاع عندهم أن الرضاع تقدر على إزالته بدفع الولد عنها والمرض لا صنع لها فيه. وأيضا فإن الرضاع له أمد معلوم وحد محدود، والمرض لا حد له قد يطول الأعوام الكثيرة التي لا يلحق في مثلها الولد، فإذا جعلت عدتها الأقراء فإن تباعدت قد تكون عدتها أكثر مما يلحق به الولد، وذلك فاسد.
فصل
وأما عدة الطلاق فلا تجب قبل الدخول. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية. وأما إن كان قد دخل بها اعتدت بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، أو بثلاثة أشهر إن كانت في سن من لا تحيض من صغر أو كبر. قال الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] [واختلف في معنى قول الله : ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤]]، ما هذه الريبة، فروى أشهب عن مالك أنها ريبة ماضية في الحكم ليس في معاودة الحيض لهن. وذلك أن الله
стр. 495
تعالى لما بين عدة ذوات الأقراء وذوات الحمل وبقيت اليائسة عن المحيض والتي لم تحض ارتاب أصحاب النبي ﷺ في حكمها فأنزل الله: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وذهب ابن بكير وإسماعيل القاضي إلى أن المعنى في قَوْله تَعَالَى: إن ارتبتم في معاودة الحيض لهن وأنها ريبة مستقبلة، واحتجا لذلك بحجج يطول جلبها. من ذلك أن اليائس في كلام العرب إنما هو فيما لم ينقطع فيه الرجاء. ألا ترى أنك تقول يئست من المريض لشدة مرضه، ومن الغائب لبعد غيبته، ولا يصح أن تقول يئست من الميت الذي قد انقطع الرجاء منه، وأنه لو كان بمعنى اليائسة التي ذكر الله في كتابه وأوجب عليها في العدة ثلاثة أشهر هي التي لا ترتاب في معاودة الحيض لوجب إذا ارتفع عن المرأة الحيض وهي في سن من يشبه أن تحيض أن تعتد بالأقراء حتى تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض وإن بقيت عشرين عاما. وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو خطأ لا يصح من وجهين: أحدهما: أنها إن جاءت بولد لما لا تحمل له النساء من المدة وإن كانت العدة لم تنقض لم يلحق به الولد، فمحال أن تعتد من الزوج في مدة لا يلحق فيها به الولد. والوجه الثاني: مخالفة عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل وإلا اعتدت بعد التسعة أشهر بثلاثة أشهر ثم حلت، ولا مخالف له من الصحابة. ومن ذلك أن الريبة لو كانت في الحكم لكانت ماضية ولكان حقها أن تكون " أن ارتبتم " بفتح الألف من " أن ". فإذا قلت: إن اليائسة التي أوجب الله عليها العدة ثلاثة أشهر هي التي ترتاب فلا تدري لم لم تحض، فدليل هذا أن لا تجب عدة على من يعلم أنها ممن لا تحيض من صغر أو كبر ولا ترتاب في أمرها إلا أنه لما لم يكن في ذلك حد يرجع إليه حمل الباب في ذلك محملا واحدا. وقد ذهب ابن لبابة في كتابه إلى أن الصغيرة التي يئست في سن من تحيض ويؤمن الحمل عليها أنها لا عدة عليها وإن كان يوطأ مثلها، وكذلك الكبيرة التي انقطع عنها الحيض ويؤمن الحمل منها، وقال: إنه مذهب داود وإنه القياس؛ لأن العدة إنما هي لحفظ الأنساب، فإذا أمن الحمل فلا معنى للعدة، وهو شذوذ من القول. وإذا قلنا: إن اليائسة التي أوجب الله عليها العدة ثلاثة أشهر هي التي لا
стр. 496
ترتاب في الحيض إذ ليست في سن من تحيض، وهو الذي ذهب إليه مالك في رواية أشهب عنه. فالتي ترتفع حيضتها بعد أن حاضت وهي في سن من تحيض محمولة [عليها إذا قعدت سبعة أشهر فلم تر فيها حيضا ولا ظهر بها حمل ولا كان لها عذر يمنعها من الحيض من مرض أو رضاع] على ما بيناه من الاختلاف في المرض؛ لأنها بمعنى اليائسة، وللسنة الثابتة في ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁. فلا تحل المرأة المطلقة ولا حمل بها إذا كانت في سن من تحيض أو قد حاضت مرة أو مرتين إلا بثلاثة قروء أو سنة بيضاء لا دم فيها، تسعة أشهر لا دم فيها استبراء ينزل بلوغها إليها دون أن ترى فيها دما بمنزلة اليائسة، ثم ثلاثة أشهر عدة، كما قال الله .
فصل
فإذا ارتفع عن المرأة الحيض واعتدت بالسنة ثم تزوجت فطلقها زوجها اعتدت بثلاثة أشهر كاليائسة عن المحيض وكان هذا شأنها ما لم تعتد بالأقراء. فإن اعتدت بالأقراء ثم طلقت ثانية فارتفع عنها الحيض اعتدت بتسعة أشهر استبراء وثلاثة أشهر عدة.
فصل
فإن كانت ممن لا تحيض إلا من سنة إلى سنة أو إلى أكثر من ذلك فإنها تتربص في عدتها سنة، فإن جاء فيها وقت حيضتها فلم تحض حلت بتمامها، وإن لم يأتها فيها وقت حيضتها انتظرت إلى أن يأتيها وقت حيضتها، فإن أتى وقتها ولم تحض فيها حلت مكانها، وإن حاضت على عادتها تربصت سنة أخرى، فإن جاء فيها وقت حيضتها ولم تحض حلت بتمامها. وإن لم يأتها فيها وقت حيضتها، انتظرت إلى أن يأتي وقتها، فإن أتى وقتها ولم تحض فيها حلت [مكانها. وإن
стр. 497
حاضت تربصت سنة أخرى. فإن مر بها فيها ودت حيضتها ولم تحض حلت] بتمامها. وإن لم تمر فيها وقت حيضتها تربصت حتى يأتي وقت حيضتها، فإن أتاها وقت حيضتها ولم تحض حلت مكانها، وإن حاضت كانت عدتها قد انقضت بالأقراء الثلاث. هذا قول محمد بن المواز ﵀ في كتابه ولا مخالف له من أصحابنا.
فصل
فيما تفترق فيه العدد من الأحكام
فعدة الوفاة مفارقة لعدة الطلاق، وتفترق أيضا عدة الطلاق البائن من عدة الطلاق الرجعي في كثير من الأحكام. فتحصيل القول في هذا أن العدة تنقسم على ثلاثة أقسام: عدة وفاة، وعدة طلاق رجعي، وعدة طلاق بائن. فأما عدة الوفاة فأمدها أربعة أشهر وعشر إن لم تكن حاملا، ووضع حملها إن كانت حاملا. قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فكان ظاهر هذا العموم في الحامل وغير الحامل، فخصص من ذلك الحامل بقوله : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وبقيت الآية محكمة فيما سوى الحامل. ومن أهل العلم من قال: إن قوله : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ناسخ لقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وليس ذلك بصحيح، لأن النسخ إنما يكون فيما يتعارض ولا يمكن الجمع بينه، فالصحيح أنها ليست بناسخة لها، وإنما هي مبينة لها ومخصصة لعمومها. وذهب ابن عباس إلى حمل الآية على عمومها في الحامل وغير الحامل، ولم ير في ذلك نسخا ولا تخصيصا، فأوجب على الحامل في العدة أقصى الأجلين باعتبار الآيتين. وأما قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]
стр. 498
، فإنها آية منسوخة بإجماع، نسخها قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وإن كانت قبلها في التلاوة، وهذا من الغريب؛ لأن حق الناسخ أن يكون بعد المنسوخ، فلا شك أنها نزلت بعدها، وإن كانت في التلاوة قبلها. ولا يجب للمرأة فيها نفقة ويجب لها فيها السكنى إن كانت الدار للميت أو كانت بكراء، وقد نقد الكراء فيجب عليها المكث فيها أو في غيرها إن لم تكن الدار للميت فأخرجت عنها حقا لله لحفظ الأنساب، فليس يحل أن تبيت في غيرها ولا أن تنتقل عنها إلا من أمر لا تستطيع القرار عليه. وكذلك الإحداد ليس لها أن تفعل ما لا يجوز للحادة أن تفعله إلا من ضرورة. وقد اختلف فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر للاستبراء إذا أحست من نفسها باتفاق أو تأخر عنها المحيض أو لم يأتها فيها وقت حيضتها على الاختلاف؛ إذ قيل: إنها تبرأ بالأربعة الأشهر والعشر في الوجهين، وقيل: إنها تتربص إلى تسعة أشهر في الوجهين جميعا، وقيل: إنها تتربص بالأربعة الأشهر والعشر إذا لم يأتها فيها وقت حيضتها، بخلاف التي تتأخر عنها، هل يجب عليها فيها الإحداد أم لا على قولين. وهذا الاختلاف داخل في وجوب المقام عليها في بيتها. ومن أهل العلم من جعل المسكن حقا لها فأجاز لها الانتقال من غير ضرورة والمبيت في غيره.
فصل
وأما العدة من الطلاق الرجعي فأمدها ثلاثة أقراء إن كانت ممن تحيض، أو ثلاثة أشهر إن كانت يائسة من المحيض، أو وضع حملها إن كانت حاملا. ولها النفقة فيها والسكنى حقا لله لحفظ النسب، وليس لها أن تنتقل عن بيتها ولا أن تخرج عنه إلا من ضرورة. قال الله : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، واختلف في الفاحشة المبينة ما هي، فقيل هي الخروج من بيتها قبل انقضاء عدتها، وقيل: هي البذاء على زوجها
стр. 499
وأحمائها، وقيل: إنما هي أن تأتي بفاحشة من زنى وتخرج لإقامة الحد عليها ولا إحداد عليها فيها.
فصل
وأما العدة من الطلاق البائن فأمدها أمد العدة من الطلاق الرجعي. وقد اختلف في وجوب النفقة والسكنى لها فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن لها السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك وجميع أصحابه. والثاني: أن لها النفقة والسكنى، والثالث: أنها لا نفقة لها ولا سكنى. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه من أن لها السكنى ولا نفقة لها. ودليلهم [من كتاب الله ] على سقوط النفقة لها قول الله : ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، لأن في ذلك دليلا على أن غير الحامل لا نفقة لها. وهو نص «قول النبي ﷺ في حديث فاطمة بنت قيس: " ليس لك عليه نفقة "؛ إذ طلقها ثلاثا فأرسل إليها شعيرا فسخطته فشكت ذلك إلى النبي ﷺ ». ودليلهم على وجوب السكنى لها قول الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، لأن المراد بذلك في اللائي قد بن من أزواجهن بدليل قول الله : ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] لأن غير البائن لها النفقة حاملا كانت أو غير حامل؛ إذ لم تخرج بعد من العصمة باتفاق.
فإن قيل: كيف يصح أن يكون المراد بذلك اللواتي قد بن عن أزواجهن وهن لم يتقدم لهن في السورة ذكر وإنما تقدم ذكر اللواتي لم يبن عن أزواجهن بدليل قوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١].
قيل عن ذلك جوابان: أحدهما: أنه وإن لم يتقدم لهن في السورة ذكر فقد تقدم لهن ذكر في سورة البقرة، وهو قوله : ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]،
стр. 500
فيعاد قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إليه؛ لأن القرآن كله كسورة واحدة في رد بعضه إلى بعض وتفسير بعضه ببعض. والثاني: أن نقول: إنه قد تقدم لهن في السورة ذكر؛ لأن قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] عام فيمن لم تطلق بعد، وفيمن طلقت طلقة، وفيمن طلقت طلقتين وبقيت فيها طلقة؛ لأنها تبين بالطلقة الواحدة للسنة. فيرجع قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إليها دون من سواها ممن عمه عموم اللفظ. واستدل من ذهب إلى أنها لا نفقة لها ولا سكنى، بما روي «عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله نفقة ولا سكنى». وهذا لا حجة فيه؛ لأنها إنما قالت ذلك تأويلا على النبي ﷺ إذ أمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم. وفي أمر النبي ﷺ إياها أن تعتد عند ابن أم مكتوم دليل على أنه نقلها عن العدة الواجبة عليها في بيت زوجها إلى حيث أمرها أن تعتد فيه بما ذكر من استطالتها بلسانها على أحمائها، فقد أوجب لها النبي ﷺ لها السكنى وجعله حقا عليها لله تعالى من حيث لم تشعر؛ إذ لو لم يوجبه عليها لما أمرها به في موضع ما ولقال لها: اعتدي حيث شئت، فلا سكنى لك. واستدل من ذهب إلى أن لها السكنى والنفقة بما روي من أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا ندع آية من كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: لها السكنى والنفقة. وتأول والله أعلم أن النبي ﷺ لما قال لها: لا نفقة لك من أجل أنها سخطت ما أرسل إليها به؛ إذ رأى أنه هو الواجب لها عليه لقول الله : ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وتأول أيضا أن النفقة التي أمر الله بها للحوامل بقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ليس من أجل الحمل إنما هو من أجل العدة؛ إذ لو كان من أجل الحمل لوجب له الرجوع بها عليه إذا ولد حيا وقد مات أخ لأمه فورثه، كما لو أنفق عليه في حياته ثم انكشف أن له مالا. واختلف الذين أوجبوا لها السكنى فيما يجب عليها فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجب عليها المقام فيه، وإنما هو حق لها إن شاءت أخذته وإن
стр. 501
شاءت تركته. والثاني: أنه حق لله تعالى فيلزمها أن لا تبيت إلا فيه، ولها أن تخرج في نهارها فتتصرف في حوائجها، وهو قول مالك وأصحابه. والثالث: أنها ليس لها أن تبيت عنه ولا أن تخرج بالنهار منه، قال ذلك من ذهب إلى أن النفقة لها فرأى أنه لا حاجة بها إلى الخروج، وأن المتوفى عنها زوجها إنما كان لها الخروج بالنهار لتبتغي من فضل الله؛ إذ لا نفقة لها. وهذا كله فيه نظر. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه. وكذلك اختلفوا أيضا في المبتوتة هل عليها إحداد في عدتها أم لا على قولين: أحدهما قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أنه لا حداد عليها وهو الصحيح. والثاني: أن عليها الإحداد قياسا على عدة الوفاة في استبرائها، وفي وجوب المبيت عليهما في بيتهما طول عدتها، وبالله التوفيق.
فصل
في بيان الأقراء ما هي
الأقراء هي الأطهار على مذهب أهل الحجاز، وهو مذهب مالك وأصحابه لا خلاف بينهم في ذلك. وذهب أهل العراق إلى أنها الحيض. والدليل على صحة قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي في مكان يعتددن فيه، كما قرأ ابن عمر فطلقوهن لقبل عدتهن وهي قراءة تساق على طريق التفسير. وبين النبي ﷺ أن ذلك أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه. فدل ذلك على أن الطهر الذي يطلقها فيه تعتد به، وأنه من أقرائها. ولو كانت الأقراء الحيض كما قال أهل العراق لكان المطلق في الطهر مطلقا لغير العدة، ومن جهة المعنى أن القرء مأخوذ مع قريت الماء في الحوض أي جمعته فيه. والرحم يجمع الدم في مدة الطهر ثم يمجه في مدة الحيض. وموضع الخلاف إنما هو هل تحل المرأة بدخولها في الدم الثالث أو بانقضاء آخره. فمن قال: إن الأقراء هي الأطهار يقول: إنما تحل بدخولها في الدم، ومن قال: إنها الحيض يقول: إنها لا تحل حتى تتم الحيض.
стр. 502
فصل
أو الطلاق للرجال، والعدة للنساء، والعبيد في الحدود على النصف من الأحرار؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والطلاق والعدة من الحدود لا من الحقوق، فوجب بذلك أن يكون العبيد فيه على النصف من الأحرار، فكان طلاق العبيد طلقتين؛ إذ لم تنقسم الطلقة الثانية، كانت زوجته حرة أو أمة. وكانت عدة الأمة حيضتين إذ لم ينقسم الطهر الثاني، حرا كان زوجها أو عبدا. وأما إن كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر فعدتها ثلاثة أشهر كالحرة سواء؛ إذ لا يتبين الحمل في أقل من ثلاثة أشهر.
وأما في الوفاة فعدتها شهران وخمس ليال، إلا أن تكون قد دخل بها وهي في سن من تحيض ويمكن أن تحمل، فتتربص حتى تمر بها ثلاثة أشهر مخافة أن يكون بها حمل، والحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر. وقال مالك مرة في المرأة المتوفى عنها زوجها، وهي ممن قد يئسن من المحيض: إنها تعتد بشهرين وخمسة أيام، وقال مرة: إنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر. ولا ينبغي أن يحمل ذلك على أنه اختلاف من قوله؛ لأنه إنما تكلم في الرواية الأولى عن من يؤمن الحمل منها، وفي الرواية الثانية على من الحمل لا يؤمن منها. ألا ترى أنه علل قوله بأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر. فينبغي أن تعتد الأمة في الطلاق إذا كانت في سن من لا تحيض، وأمن منها الحمل بشهر ونصف، نصف عدة الحرة. ولا أعرف لأحد من أصحابنا في ذلك نصا، وإنما اختلف أصحاب مالك باختلاف من قبله في استبراء الأمة في البيع إذ كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر، فقيل: استبراؤها شهر، وقيل: شهر ونصف، وقيل: شهران، وقيل: ثلاثة أشهر، وهو أصح الأقاويل؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، وهو مذهب مالك، وبالله التوفيق.
стр. 503
فصل
في التزويج في العدة
أوجب الله تعالى العدة حفظا للأنساب وتحصينا للفروج، ونهى عن عقد النكاح فيها نهي تحريم؛ لأن العقد لا يراد إلا للوطء، فكان ذلك ذريعة إلى اختلاط الأنساب، فقال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وهو انقضاء العدة، ونهى ﵎ عن المواعدة فيها فقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، والقول المعروف هو التعريض بالمواعدة دون الإفصاح بها. وذلك مثل أن يقول: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن يقدر أمر يكن وما أشبه ذلك. فالفرق من جهة المعنى بين المواعدة والقول المعروف أن العدة يستحب الوفاء بها، ويكره الخلف فيها، فإذا لم يصرح بالعدة، وإنما عرض بها فلم يأت بما يستحب له فعله، ولا يكره له تركه.
فصل
والكلام في هذا الباب في فصول ثلاثة: أحدها: ما يجوز في العدة من معنى الخطبة. والثاني: ما يكره له فيها والحكم فيمن أتاه. والثالث: ما يحرم عليه والحكم فيمن أتاه.
فصل
فأما الذي يجوز له فالتعريض بالعدة والمواعدة، وهو القول المعروف الذي ذكره الله تعالى في كتابه. وصفته أن يقول لها أو يقول كل واحد منهما لصاحبه: إن يقدر أمر يكن، وإني لأرجو أن أتزوجك، وإني فيك لمحب، وما أشبه ذلك.
стр. 504
فصل
وأما الذي يكره له فيها فوجهان: أحدهما: العدة، والثاني: المواعدة. فأما العدة فهي أن يعد أحدهما صاحبه بالتزويج دون أن يعده الآخر بذلك، وهي تكره ابتداء باتفاق مخافة أن يبدو للمواعد منهما فيكون قد أخلف العدة، فإن وقع وتزوجها بعد العدة مضى النكاح ولم يفسخ، ولا وقع به تحريم بإجماع.
فصل
وأما المواعدة فهي التي نهى الله عنها بقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فنهى أن يعد كل واحد منهما صاحبه؛ لأنها مفاعلة فلا تكون إلا من اثنين، وهي تكره ابتداء بإجماع. واختلف إذا وقعت ثم تزوجها بعد العدة هل يفسخ النكاح أم لا؟ على قولين: أحدهما رواية أشهب عن مالك في المدونة أنه يفسخ، والثاني رواية ابن وهب عنه فيها أنه لا يفسخ؛ لأنه استحب الفسخ فيها ولم يوجبه في العدة، فالعدة لا تؤثر في صحة العقد بعدها، والمواعدة تؤثر فيه؛ لأنها تشبه العقد على ما بيناه من كراهة الخلف في العدة.
فصل
واختلف أيضا على القول الذي يرى أن العقد يفسخ إن لم يعثر عليه حتى وطئ هل تحرم عليه للأبد أم لا؟ على قولين: فروى أشهب عن مالك أنها لا تحرم عليه، وروى عيسى عن ابن القاسم أنها تحرم عليه إذا كان الوعد شبيها بالإيجاب. فإن واعد وليها بغير علمها وهي مالكة أمر نفسها فهو وعد وليست بمواعدة، فلا يفسخ النكاح ولا يقع تحريم بإجماع.
فصل
وأما الذي يحرم عليه فيها فالعقد والوطء، فإن عقد النكاح فيها يفسخ متى عثر عليه دخل أو لم يدخل، وكان لها إن دخل الصداق المسمى، وأجزأتها عدة
стр. 505
واحدة عن الزوجين جميعا، خلاف ما روي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنها تعتد بقية عدتها من الأول، ثم تعتد من الآخر.
فصل
واختلف إذا فسخ النكاح هل تحرم عليه للأبد أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنها لا تحرم عليه وطئ أو لم يطأ، وهو قول ابن نافع وروايته عن عبد العزيز بن أبي سلمة، خلاف ظاهر ما حكى عنه سحنون في المدونة من قوله: قال مالك وعبد العزيز: هو بمنزلة من عقد في العدة ووطئ في العدة، وقد تؤول قوله في المدونة خلاف قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيها مثل رواية ابن نافع عنه، وهذا تأويل محتمل والأول أظهر. والثاني: أنها تحرم عليه إن وطئ في العدة، وهو قول المغيرة وغيره في المدونة. والثالث: أنها تحرم عليه إن وطئ كان وطؤه في العدة أو بعد العدة، وهو قول مالك في المدونة، وظاهر قول عبد العزيز فيها على ما بيناه. والرابع: أنها تحرم عليه بالعقد وإن لم يطأ، حكى هذا القول عبد الوهاب ولم يسم قائله. واختلف في القبلة والمباشرة في العدة هل تكون كالوطء فيها أم لا؟ على قولين: ففي المدونة: أنها كالوطء يقع التحريم المؤبد بها، وروى عيسى عن ابن القاسم: أنها لا تحرم بذلك، قال: لأن الوطء نفسه فيه من الاختلاف ما فيه، فكيف بالقبلة والمباشرة.
فصل
والعدة من الطلاق والوفاة في ذلك سواء إن كان الطلاق بائنا بخلع أو بتات. واختلف إذا كان رجعيا، ففي المدونة لغير ابن القاسم أن المتزوج متزوج في عدة، وقيل: إن مذهب ابن القاسم أن المتزوج فيها كالمتزوج في العصمة، لكون أسباب العصمة قائمة بينهما من الموارثة والنفقة وما أشبه ذلك، وأراه في أصل الأسدية. ويحتمل أن يقال في المسألة قول ثالث: إنه إن راجعها لم يكن متزوجا في عدة، وإن لم يراجعها حتى تنقضي العدة كان متزوجا في عدة، قياسا على قول أحمد بن ميسر في النصرانية تسلم تحت النصراني فتتزوج في العدة: إن النصراني إن لم يسلم حتى
стр. 506
تنقضي العدة كان متزوجا في عدة، وإن أسلم لم يكن متزوجا في عدة.
فصل
ولا يكون هو إن راجعها في بقية من عدتها بعد أن فرق بينها وبين الذي تزوجها، وقيل الاستبراء ناكحا في عدة.
فصل
والاستبراء بمنزلة العدة سواء في أن الوطء لا يجوز فيها بالملك ولا بالنكاح لما يلزم من حفظ الأنساب، وإنما يفترق ذلك في وجوب التحريم المؤبد. وافتراقه على ثلاثة أوجه: أحدها: يقع به التحريم باتفاق، أعني بين من رآه في حال من الأحوال. والثاني: لا يقع به التحريم باتفاق. والثالث: يختلف فيه على قولين.
فصل
فأما الذي يقع به التحريم باتفاق فالوطء بنكاح أو بشبهة نكاح أو بملك أو بشبهة ملك في عدة من نكاح أو من شبهة نكاح. وأما الذي لا يقع به التحريم باتفاق فالوطء بملك اليمين أو شبهة ملك]، في استبراء الإماء خاصة، أو في عدة من غير نكاح كعدة أم الولد يموت عنها سيدها أو يعتقها كان استبراؤهن من اغتصاب أو زنا أو بيع في الإماء أو هبة أو عتق. [وأما المختلف فيه فالوطء بنكاح أو شبهة نكاح في الاستبراء والعدة من غير النكاح أيضا، كأم الولد يموت عنها سيدها أو يعتقها، كان الاستبراء من اغتصاب أو من زنا أو من بيع في الإماء أو هبة أو موت أو عتق]. أعني وقد وطئ البائع أو الواهب أو الميت أو المعتق. وأما إن لم يطأ أحد منهم فلا اختلاف أن متزوجها قبل الاستبراء ليس متزوجا في عدة إلا أن بعض هذه المواضع أخف من بعض والاختلاف فيها
стр. 507
أقل، فأخفها متزوج الأمة في استبرائها من الزنا، ثم في استبرائها من الاغتصاب، ثم في استبرائها من البيع أو الهبة أو الموت، ثم في استبرائها من العتق بخروجها منه إلى الحرية، ثم في استبراء أم الولد من العتق، ثم في استبرائها من الموت؛ لأنه عدة على مذهب مالك، ثم في استبراء الحرة من الزنا، ثم في استبرائها من الاغتصاب.
فصل
وينبغي أن يكون تزويج الأمة حاملا من الزنا أخف من تزويجها في الاستبراء منه؛ لأن في تزويجها في الاستبراء منه اختلاط الأنساب، وليس ذلك في تزويجها حاملا. ألا ترى أنه قد أجاز بعض أهل العلم لمن زنت زوجته وهي حامل منه ظاهرة الحمل أن يطأها قبل الوضع لأمنه من خلط الأنساب. وقد جعل ابن القاسم في رواية أصبغ عنه تزويجها حاملا أشد من تزويجها في الاستبراء لرواية يرويها ابن وهب عن مالك مجردة في الحمل: أنه لا يتزوجها أبدا.
فصل
وكذلك متزوج النصرانية في عدة وفاة أو طلاق من النصراني يختلف في إيجاب التحريم به؛ لأنه استبراء وليس بعدة. ألا ترى أنه لا عدة عليها في الوفاة قبل الدخول، وعليها فيه بعد الدخول ثلاث حيض كالطلاق سواء، وقد كان مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يقول قديما: تجزئها حيضة واحدة. وأما متزوج النصرانية في عدة أو وفاة أو طلاق من زوجها المسلم فهو متزوج في عدة. ألا ترى أنها تجب عليها في الوفاة قبل الدخول. وقد روي عن مالك أنه لا عدة عليها في الوفاة قبل الدخول، وعليها بعده ثلاث حيض. فعلى هذه الرواية لم يرها عدة وجعلها استبراء، فيدخل الاختلاف في التحريم على قياس هذه الرواية، وبالله التوفيق.
فصل
واختلف أيضا إذا كانت العدة منه كالذي يتزوج المرأة تزويجا حراما لا يقر عليه فيفسخ نكاحه بعد الدخول فيتزوجها قبل الاستبراء، وكالذي يطلق المرأة ثلاثا
стр. 508
فيتزوجها في عدتها منه قبل زوج. فمن علل التحريم بالتعجيل قبل بلوغ الأجل مع اختلاط الأنساب لم يوجب التحريم عليه، ومن علل بالتعجيل من غير أن يضم إلى ذلك اختلاط الأنساب أوجب التحريم.
فصل
ولا يكون من وطئ زانيا بغير شبهة نكاح ولا ملك في عدة واستبراء واطئا في عدة يحرم به عليه نكاحها فيما يستقبل باتفاق، والله أعلم.
فصل
ومن زوج أمته من رجل وهو يطؤها قبل أن يستبرئها، أو أم ولده قبل أن يستبرئها، فلا يكون متزوجا في عدة، وهو كمن تزوج زوجة رجل في عصمته.
فصل
فإن أتت الزوجة في العدة بولد لأقل من ستة أشهر فهو للأول، وتحل بالوضع منهما جميعا. وكذلك إن أتت به لأكثر من ستة أشهر ما بينها وبين ما تلد لمثله النساء، وكان تزوجها قبل حيضة. وأما إن كانت أتت به لأكثر من ستة أشهر، وكان قد تزوجها بعد حيضة فالولد للآخر. واختلف هل تحل من الأول بوضع الحمل أم لا؟ إن كانت من أهل الأقراء وكانت العدة من طلاق. والصواب أنها لا تحل من الأول بوضع الحمل، ولا بد لها من استئناف ثلاث حيض بعد الوضع كما لو حبسها عن الحيض مرض أو رضاع، وهو اختيار محمد بن المواز. وفي المدونة دليل على القولين جميعا: قال في موضع إذا تزوجها في عدة الطلاق فأتت بولد: إن الوضع يجزئها من الزوجين، ولم يفرق بين أن يكون الولد من الأول أو الثاني، فإذا حملت الكلام على ظاهره من العموم استفدت منه أن الوضع يبرئها من الزوج الأول، وإن كان الولد من الثاني. وقال في موضع آخر: إذا تزوجها في عدة الوفاة بعد حيضة أو حيضتين فأتت بولد لستة أشهر فصاعدا: إن عدتها وضع الحمل، وهو آخر الأجلين. ففي قوله: وهو آخر الأجلين، دليل على أنه اعتبر انقضاء العدة من
стр. 509
الزوج الأول لما كان الحمل من الزوج الثاني. فإذا اعتبر ذلك في عدة الوفاة وجب أن يعتبره في عدة الطلاق، وإذا اعتبره في عدة الطلاق لم تبرأ بوضع الحمل ووجب أن تستأنف ثلاث حيض بعد الوضع؛ إذ الوضع ليس بآخر الأجلين لكون الأقراء غير داخلة في مدة الحمل والله أعلم.
قال في كتاب ابن المواز بعد ذكر الاختلاف المذكور: ولو كان الحمل من زنى لم يبرئها ذلك بحال من عدة لزمتها، معنى ذلك إذا تقارر الزوجان بالزنا وانتفى الولد بلا لعان أو أقرت المرأة بالزنا بعد اللعان، أو كان الزوج خصيا قائم الذكر تجب العدة على زوجته ولا يلحقه الولد على الاختلاف في ذلك، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الزوج إن نفى الولد والتعن انقضت العدة بوضع الحمل، وإن لم ينفه لحق به وانقضت العدة بوضعها أيضا؛ لأن فراشه قائم.
فصل
في المفقود
فقد الشيء تلفه بعد حضوره، وعدمه بعد وجوده، قال الله : ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف: ٧١] ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فالمفقود هو الذي يغيب وينقطع أثره ولا يعلم خبره. وهو على أربعة أوجه: مفقود في بلاد المسلمين، ومفقود في بلاد العدو، ومفقود في صف المسلمين في قتال العدو، ومفقود في حرب المسلمين في الفتن التي تكون بينهم.
فصل
فأما المفقود في بلاد المسلمين فالحكم فيه إذا رفعت المرأة أمرها إلى الإمام أن يكلفها إثبات الزوجية والمغيب، فإذا أثبتت ذلك عنده كتب إلى والي البلد الذي يظن أنه فيه أو إلى البلد الجامع إن لم يظن به في بلد بعينه مستبحثا عنه، ويعرفه في كتابه إليه باسمه ونسبه وصفته ومتجره، ويكتب هو بذلك إلى نواحي بلده. فإذا
стр. 510
ورد على الإمام جواب كتابه بأنه لم يعلم له خبر ولا وجد له أثر، ضرب لامرأته أجل أربعة أعوام إن كان حرا أو عامين إن كان عبدا، وينفق عليها فيها من ماله. وفي مختصر ابن عبد الحكم أن الأجل يضرب من يوم الرفع. وقال أبو بكر الأبهري: إنما ضرب لامرأة المفقود أجل أربعة أعوام؛ لأنه أقصى أمد الحمل. وهو تعليل ضعيف؛ لأن العلة لو كانت في ذلك هذا لوجب أن يستوي فيه الحر والعبد لاستوائهما في مدة لحوق النسب، ولوجب أن يسقط جملة في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها إذا فقد زوجها وقام عنها أبوها في ذلك.
وأيضا فقد قال: إنها لو أقامت عشرين سنة ثم رفعت أمرها لضرب لها أجل أربعة أعوام، وهذا يبطل تعليله إبطالا ظاهرا. وقيل: إنما ضرب لها أجل أربعة أعوام؛ لأنها المدة التي تبلغ المكاتبة في بلد الإسلام مسيرا ورجوعا. وهذا يبطل على القول بأن الأجل إنما يضرب بعد الكشف والبحث، وإنما يشبه أن يقال على مذهب من يرى ضرب الأجل من يوم الرفع، وفيه أيضا نظر، وإنما أخذت بالأربعة الأعوام بالاجتهاد؛ لأن الغالب أن من كان حيا لا تخفى حياته مع البحث عنه أكثر من هذه المدة، ووجب الاقتصار عليها؛ لأن الزيادة فيها والنقصان منها خرق الإجماع؛ لأن الأمة في المفقود على قولين: أحدهما: أن زوجته لا تتزوج حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله. والثاني: أنه يباح لها التزويج إذا اعتدت بعد تربص أربعة أعوام، فلا يجوز إحداث قول ثالث.
والذي ذكر أبو بكر الأبهري من أن أكثر مدة الحمل أربعة أعوام هو ظاهر ما في كتاب العتق الثاني من المدونة، ومذهب الشافعي. وذهب ابن القاسم إلى أن أكثره خمسة أعوام. وروى أشهب عن مالك سبعة أعوام على ما روي أن امرأة ابن عجلان ولدت مرة لسبعة أعوام. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن أقصاه عامان، واختاره الطحاوي استدلالا بقول الله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرا، فلا يصح أن يخرجا منها ولا واحد منهما. فلما خرجت عنها سائر الأقوال لم يبق إلا القول الذي لم يخرج قائلوه بهما عنها، فكان هو أولاها بالصواب.
стр. 511
فإن قال قائل: إذا كان الحمل والفصال لا يخرجان عن ثلاثين شهرا وكان أكثر مدة الحمل عامين أفيكون الفصال ستة أشهر وأبدان الصبيان لا تقوم بها ويحتاجون في الرضاع إلى أكثر منها؟
فالجواب عن ذلك أنه قد يحتمل أن تكون الستة الأشهر أدنى مدة الفصال، وأن يكون المولود إذا ألطف له في الغذاء استغنى عن الرضاع بعد الستة الأشهر، وهو الظاهر فيما روي عن ابن عباس من قوله: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، فإذا وضعت لستة أشهر فحولان كاملان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. فعلى قياس قوله: إذا وضعت في عامين فرضاعه ستة أشهر. ويحتمل أن يكون الله تعالى قد جعل مدة الفصال والحمل ثلاثين شهرا لا أكثر منها على ما في الآية التي تلوناها مما قد يحتمل أن تكون مدة الفصال قد ترجع إلى ستة أشهر، ثم زاد الله تعالى في مدة الرضاع تمام الحولين لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، ولقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وبقي مدة الحمل على ما في الآية الأولى فلم يخرجه عن الثلاثين شهرا، وأخرج منه مدة الفصال إذا كان الحمل أكثر من ستة أشهر.
والجواب الأول عندي أظهر؛ لأنه يعضد ما روي عن ابن عباس، فنقول على قياسه: إن أقل مدة الفصال ستة أشهر وأكثرها عامان، كما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها عامان، وأن للمرأة أن تنقص من الحولين في رضاع ولدها ما بينها وبين ستة أشهر إذا لم تنقص من الثلاثين شهرا بين الحمل والرضاع شيئا. وقد قيل: إنه إنما ضرب له أربعة أعوام؛ لأنه جهل إلى أي جهة سار من الأربع جهات، وهذا لا معنى له، فإن لم يأت حتى انقضت اعتدت عدة الوفاة، قيل بإحداد وقيل بغير إحداد، ثم تزوجت إن شاءت على ما روي في ذلك عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵃، ولا مخالف
стр. 512
لهم من الصحابة إلا رواية أخرى جاءت عن علي بن أبي طالب ﵁ أنها لا تتزوج حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله، تعلق بها أهل المشرق والشافعي في أحد قوليه. والصحيح عن علي بن أبي طالب مثل ما روي عن عمر بن الخطاب ومن ذكرنا معه، وهو الصواب الذي ذهب إليه مالك، لقول رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار»، ولقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»، فهذا هو الأصل في الحكم بقطع العصمة بين المرأة وزوجها إذا فقد، وإباحة النكاح لها مع جواز حياته من طريق الأثر. وأما من طريق النظر فإذا وجب أن يفرق بين الرجل وامرأته من أجل العنة والإيلاء، وهي لم تفقد إلا الوطء فهو في المفقود أوجب لفقدها للوطء والعشرة والتفقد، وبالله التوفيق.
فصل
فإذا ضرب الإمام لامرأة المفقود الأجل بعد البحث عن خبره وانقضى فاعتدت فقد بانت منه في الحكم الظاهر، وكان لها أن تتزوج إن شاءت ما لم ينكشف خطأ ذلك الحكم بمجيئه أو علم حماته، وليس لها أن تبقى على عصمة الزوج؛ لأنها أبيحت للأزواج ووجب الفراق بينها وبين زوجها بالحكم فهو ماض لا ينتقض إلا بانكشاف خطئه.
ألا ترى أنها لو ماتت بعد العدة لم يوقف له ميراثه منها وإن كان لو أتى في هذه الحال كان أحق بها. فلو بلغ هو من الأجل ما لا يحيا إلى مثله من السنين وهي حية لم ترث منه، وإنما يكون لها الرضا بالمقام على العصمة ما لم ينقص الأجل المضروب، وأما إذا انقضى واعتدت فليس ذلك لها. وكذلك إن مضت بعد العدة. فإن رضيت بالمقام على العصمة قبل تمام
стр. 513
الأجل ثم بدا لها فرفعت أمرها استؤنف لها الأجل من أوله. وحكى ابن حبيب في الواضحة أنه إذا اعتدت بعد ضرب الأجل ثم لم تتزوج حتى بلغ من السنين ما لا يحيا إلى مثلها فموت أنها ترثه، وهو بعيد.
فصل
فإن انكشف أمر المفقود بإتيانه أو علم حياته أو موته قبل انقضاء الأجل والعدة انتقض ذلك الحكم باتفاق، وعملت على ما ينكشف من أمره، فاعتدت من يوم وفاته إن علم موته، وبقيت على عصمته إن علمت حياته. وكذلك إن انكشف بعد انقضاء الأجل والعدة أنه مات قبل ذلك ينتقض ذلك الحكم وتعتد من يوم وفاته. فإن كانت قد تزوجت فيها كان متزوجها متزوجا في عدة. وأما إن انكشف أنه مات بعد انقضاء الأجل والعدة أو أنه حي ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الحكم ماضٍ لا ينتقض، فلا يكون له إليها سبيل، ولا يكون لها منه ميراث. حكى هذا القول ابن عيشون في مختصره عن ابن نافع، وهو بعيد؛ لأن الحاكم إذا حكم باجتهاد ثم بان له أو لغيره أنه أخطأ في حكمه خطأ متفقا عليه نقض ذلك الحكم بإجماع. فلو قيل على قياس هذا: إن المفقود أحق بزوجته أبدا وإن تزوجت ودخل بها الزوج كالمنعي لها لكان له وجه في القياس، ولكنهم لم يقولوا ذلك، فأين هذا من قول ابن نافع؟ إلا أنه يشبه ما روي عن مالك فيمن خرص الخارص عليه من نخله أربعة أوسق فجذ منها خمسة أوسق: أنه يعمل على ما خرص عليه لا على ما وجد. والصحيح أن عليه الزكاة؛ لأنه قد انكشف خطأ الخارص فوجب الرجوع إلى الحق.
والقول الثاني: أن الحكم ينتقض ما لم تتزوج، فيكون أحق بها إن انكشف أنه حي، ويكون لها منه ميراثها إن انكشف أنه مات وتعتد من يوم وفاته.
والقول الثالث: أن الحكم ينتقض وإن تزوجت ولم يدخل بها الزوج، فترد إلى الزوج الأول إن كان حيا وينفسخ النكاح، ويكون لها ميراثها إن كان ميتا. ثم ينظر في النكاح، فإن كان قد وقع بعد موته وانقضاء عدتها منه ثبت ولم يفسخ، وإن
стр. 514
كان وقع في العدة أو قبل الولاة فسخ. وهذان القولان لمالك ومرويان عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وقد روي عنه أيضا أن زوجها إن جاء وقد تزوجت خير في زوجته أو في صداقها، وذلك والله أعلم ما لم يدخل بها الزوج، كمن استحق سلعة وهي قائمة بيد المشتري، هو مخير إن شاء أن يأخذ سلعته وإن شاء أن يأخذ ثمنها، وهو في القياس بعيد؛ لأن السلعة له أن يبيعها فكان له أن يجيز بيعها ويأخذ الثمن، والزوجة ليس له أن يزوجها فلا يجوز له أن يجيزها ويأخذ الصداق. وقد ذكر مالك في موطئه أنه أدرك الناس ينكرون الذي روي عن عمر بن الخطاب في ذلك، ولم يختلفوا أنه إن أتى وقد دخل بها الزوج فلا سبيل له إليها، وأنه إن انكشف أنه مات بعد دخول الزوج بها أنها لا ميراث لها منه ولا يفرق بينها وبين الزوج الذي دخل بها، وبالله التوفيق.
فصل
وإذا ردت إليه زوجته وإن كان ذلك بعد أن تزوجت على القول الذي يرى فيه أنها لا تفوته إلا بالدخول فهي ترجع إليه على العصمة الأولى وتكون عنده على جميع الطلاق أو على ما بقي منه إن كان طلقها قبل أن يفقد؛ لأن ذلك الحكم كله ينتقض بما انكشف من أمره وعلم من حياته. وأما إذا لم ترد إليه لفواتها وإمضاء الحكم الظاهر إما بالانقضاء وإما بالتزويج وإما بالدخول على الاختلاف المذكور في ذلك، فيحسب عليه ذلك الفراق طلقة الذي ألزم إياه بالحكم. فإن تزوجها بعد ذلك كانت عنده على طلقتين. واختلف متى تقع الطلقة عليه، فقيل: إنها تقع عليه بالدخول أو بالعقد على الاختلاف في ذلك، وقيل: بل إنها إنما تقع عليه يوم أبيحت للأزواج، ويكشف ذلك العقد أو الدخول. وفائدة هذا الاختلاف أنه إذا كان الزوج قد طلقها قبل أن يعقد طلقتين ثم فقد فأجل واعتدت ثم تزوجت، وقدم زوجها الأول بعد أن دخل بها هل يحلها هذا الزوج لزوجها القادم؟ فمن قال: إن الطلقة الثالثة وقعت عليه بدخول الزوج الثاني بها، لم ير أن يحلها للأول إلا زوج ثان،
стр. 515
وإلى هذا ذهب ابن حبيب. ومن قال: إن الطلقة الثالثة وقعت عليها يوم أبيحت للأزواج وكشف ذلك دخول هذا الزوج بها أو عقده عليها، رأى أنه يحلها، وإلى هذا ذهب أشهب ووقع قوله في السليمانية وهو الصواب؛ لأن الطلقة الثالثة لو وقعت عليها بدخول الزوج بها أو بعقده عليها لوجب عليها أن تعتد من حينئذ، وهذا ما لا يقوله أحد. وأما من ذهب إلى أنها لا ترد إلى الزوج الأول إذا لم يقدم حتى تنقضي العدة، وإن لم تتزوج فيرى أن هذا الزوج يحلها له؛ لأنها تزوجت عنده بعد وجوب الطلقة الثالثة عليه، وهذا بين.
فصل
فإن قدم الزوج بعد أن دخل بها الزوج الذي تزوجها وبنى بها على القول الذي يرى أنها تفوت بالدخول، فأقر الزوج أنه لم يطأ لم تحل لواحد منهما؛ لأنها قد حرمت على الأول بما ظهر من دخوله بها، وعلى الثاني بإقراره أن الأول أحق بها وأنها زوجته.
فصل
وأما ماله فموقوف لا يورث عنه حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله. واختلف في حد ذلك فروي عن ابن القاسم سبعون سنة، وقاله مالك وإليه ذهب عبد الوهاب، واحتج له بقول رسول الله ﷺ : «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين»؛ إذ لا معنى لقوله إلا الإخبار بما يتعلق به الحكم، والله أعلم.
وروي عن مالك ثمانون سنة وتسعون سنة، وقال أشهب: مائة سنة. وحكى الداودي عن محمد بن عبد الحكم مائة وعشرون سنة، وهو مذهب أبي حنيفة، فإن فقد وهو ابن سبعين سنة على مذهب من يرى السبعين ضرب له عشرة أعوام، وكذلك إن فقد وهو ابن ثمانين أو تسعين على مذهب من يرى ذلك أو
стр. 516
ما دونه حد المفقود. وأما إن فقد وهو ابن مائة عام على مذهب من يرى ذلك أو ما دونه حد المفقود فقيل: إنه يضرب له عشرة أعوام، وقيل: إنه يتلوم له العام والعامين. وأما إن فقد وهو ابن مائة وعشرين سنة فيتلوم له العام ونحوه، ولا اختلاف في ذلك.
واختلف إن فقد قبل أن يدخل بزوجته هل لها نفقة في الأربعة الأعوام أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا نفقة لها، وهو قول المغيرة في كتابه، قال: لأني لا أدري ما عنده وما حاله في غيبته إلا أن يكون قد فرض لها قبل ذلك نفقة فيكون سبيلها في النفقة سبيل المدخول بها. والصواب أن لها النفقة؛ لأنه كالغائب، ولم يختلف أن من غاب عن زوجته قبل دخوله بها غيبة بعيدة أن النفقة تفرض لها عليه في ماله إن سألت ذلك، وإنما اختلف في الغيبة القريبة. وظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة أن لها النفقة إذ لم يفرق فيه بين قرب الغيبة وبعدها.
فصل
واختلف إذا انقضى الأجل واعتدت هل يقضى لها بصداقها أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن الماجشون: أنه لا يقضى لها بشيء منه حتى يأتي وقت لو قدم لم يكن له إليها سبيل، يريد فيقضى لها حينئذ بنصف صداقها إلا أن ينكشف أنه مات قبل ذلك أو يبلغ من السنين ما لا يحيا إلى مثلها فيقضى لها بجميعه، وإن كانت قد تزوجت، قاله ابن الماجشون. وقال ابن وهب: لا يقضى لها إن كانت تزوجت إلا بنصفه. ولكلا القولين وجه من النظر. والثاني: أنه يقضى لها بنصفه، فإن بلغ من السنين ما لا يحيا إلى مثلها تزوجت أو لم تتزوج على أصل ابن الماجشون، أو ثبتت وفاته ما بينه وبين أن تبين منه بالدخول أو التزويج على الاختلاف المعلوم قضي لها ببقيته. حكى هذا القول ابن الجلاب في كتاب التفريع، وحكاه ابن سحنون أيضا في كتابه، والثالث: أنه يقضى لها بجميعه، وهو
стр. 517
قول مالك في سماع عيسى. واختلف على هذا القول: إن قدم بعد أن تزوجت ودخل بها الزوج هل ترد نصفه أم لا؟ وفي سماع عيسى أنها لا ترد شيئا، وفي سماع سحنون أنها ترد نصفه. وأما إن لم يقدم ولا علمت حياته ولا موته حتى بلغ من السنين ما لا يحيا إلى مثلها، فلا ترد من الصداق شيئا، وإن كانت قد تزوجت ودخل بها الزوج، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه. وإجماعهم على هذا يقضي بصحة قول ابن الماجشون المتقدم، وهذا إذا كان الصداق حالا. وأما إن كان مؤجلا فاختلف في ذلك كالاختلاف في قضاء ما لم يحل من ديونه.
فصل
وأما المفقود في بلاد الحرب فحكمه حكم الأسير لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يعلم موته، أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله في قول أصحابنا كلهم، حاشا أشهب فإنه حكم له بحكم المفقود في المال والزوجة جميعا. واختلف فيمن قلع في البحر إلى بلاد الحرب ثم فقد فقيل: إنه كالمفقود في بلاد المسلمين لإمكان أن تكون الريح قد ردته إلى بلاد المسلمين إلا أن يعلم أنه صار في بعض جزائر الروم ثم فقد بعد ذلك، وقيل: إنه كالمفقود في بلاد الحرب.
فصل
وأما المفقود في صف المسلمين في قتال العدو ففي ذلك أربعة أقوال:
أحدها رواية ابن القاسم عن مالك في سماع عيسى: أنه يحكم له بحكم الأسير، فلا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله.
стр. 518
والثاني رواية أشهب عن مالك أنه يحكم له بحكم المقتول بعد أن يتلوم له سنة من يوم يرفع أمره إلى السلطان ثم تعتد امرأته وتتزوج ويقسم ماله، وإن كان لم يتكلم في الرواية على قسم ماله فهو المعنى والله أعلم. وسواء كانت المعركة في بلاد الحرب أو في بلاد المسلمين إذا أمكن أن يؤسر فيخفى أمره، فحمله ابن القاسم في رواية عيسى عنه على أنه أسير، وحمله مالك في رواية أشهب عنه على أنه قتيل. وأما إن كانوا بموضع لا يخفى أسره إن أسر فحكمه حكم المفقود في حرب المسلمين في الفتن التي تكون بينهم، فيحتمل أن يحمل قول ابن القاسم على أن المعركة كانت بموضع يخفى فيه أسره إن أسر، وقول مالك على أنها كانت بموضع لا يخفى فيه أسره إن أسر، فلا تكون على هذا التأويل رواية عيسى مخالفة لرواية أشهب.
والقول الثالث: أنه يحكم له بحكم المفقود في جميع الأحوال، فيضرب له أجل أربعة أعوام ثم تعتد امرأته وتتزوج ولا يقسم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله، حكى هذا القول ابن المواز وعابه.
والقول الرابع: أنه يحكم له بحكم المقتول في الزوجة فتعتد بعد التلوم وتتزوج، وبحكم المفقود في ماله فلا يقسم حتى يعلم بموته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله. ذهب إلى هذا أحمد بن خالد وحكى أنه قول الأوزاعي، وتأول رواية أشهب عن مالك على ذلك، وهو بعيد.
فصل
وأما المفقود في حرب المسلمين في الفتن التي تكون بينهم ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنه يحكم له بحكم المقتول في زوجته وماله، فتعتد امرأته ويقسم ماله، قيل من يوم المعركة قريبة كانت أو بعيدة، وهو قول سحنون، وقيل: بعد
стр. 519
التلوم له على قدر ما ينصرف من هرب أو انهزم. فإن كانت المعركة على بعد من بلاده مثل إفريقية من المدينة ضرب لامرأته أجل سنة ثم تعتد وتتزوج ويقسم ماله. وقيل: إن العدة داخلة في التلوم، اختلف في ذلك قول ابن القاسم. والصواب أن العدة داخلة في التلوم؛ لأنه إنما تلوم له مخافة أن يكون حيا، فإذا لم يوجد له خبر حمل أمره على أنه قتل في المعركة فاعتدت امرأته من ذلك اليوم وقسم ماله على ورثته يومئذ. وإن كانت بموضع لا يظن أن له بقاء لقربه واتضاح أمره اعتدت امرأته من ذلك اليوم. وقيل: إن الأندلس كلها كبلدة واحدة، فلا يتلوم له وتعتد امرأته من ذلك اليوم وتتزوج إن شاءت ويقسم ماله، وإنما يضرب له أجل سنة إذا كانت المعركة بعيدة مثل إفريقية من مصر، ومصر من المدينة، قاله عيسى بن دينار.
والثاني رواية أشهب عن مالك أنه يضرب له أجل سنة ثم تعتد امرأته وتتزوج ولا يقسم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله، وهو قول الأوزاعي وتأويل أحمد بن خالد على رواية أشهب. والتأويل الصحيح فيها أنه يقسم ماله بعد السنة، وهو قول ثالث في المسألة، وهذا كله إذا شهدت البينة العدلة أنه شهد المعترك. فأما إن كانوا إنما رأوه خارجا في جملة العسكر ولم يروه في المعترك فحكمه حكم المفقود في زوجته وماله باتفاق، والله أعلم.
стр. 520
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
كتاب إرخاء الستور
فصل
ما جاء في إرخاء الستور
إرخاء الستور كناية عن تخلية الرجل مع امرأته وخلوته بها، وإن لم يكن ثم غلق باب ولا إرخاء ستر. وأصل هذا الباب قول الله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
فصل
فإذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها وقد سمى لها صداقا فليس لها إلا نصفه، نصف العاجل ونصف الآجل إن كان فيه آجل، لا تستوجب جميعه إلا بالموت أو الدخول، أو ما يقوم مقام الدخول بها عند مالك من طول المقام معها والالتذاذ بها.
فصل
فالصداق المسمى يجب للمرأة بعقد النكاح وجوبا غير مستقر، ويستقر لها نصفه بالطلاق وجميعه بالموت أو الدخول. هذا الذي يصح أن يعبر به عن وجوب
стр. 521
الصداق. وأما من قال: إن الصداق يجب جميعه بالعقد ويسقط عنه نصفه بالطلاق قبل الدخول فلا يستقيم؛ لأن الحقوق إذا تقررت لأربابها لا تسقط إلا بما يصح به إسقاطها من بيع أو هبة أو صدقة أو ما أشبه ذلك. فلو وجب للمرأة الصداق بعقد النكاح لما سقط جميعه بالفسخ والارتداد ولا نصفه بالطلاق، أصله إذا وقع الطلاق أو الفسخ أو الارتداد بعد الدخول. وكذلك قول من قال: إن الصداق يجب نصفه بالعقد، ونصفه الثاني بالدخول، والاستمتاع لا يصح؛ لأنه لو وجب نصفه بالعقد لما بطل بالفسخ أو الارتداد، ولو لم يجب النصف الثاني إلا بالدخول أو الاستمتاع لما وجب إذا مات أحدهما قبل الدخول؛ لأن الموت لا يوجب في الذمة حقا لم يكن واجبا.
فصل
وأما إن كان لم يسم لها صداقا وطلقها قبل البناء فليس لها إلا المتعة، وإن مات عنها لم يكن لها إلا الميراث ولا صداق لها في مذهب مالك وأصحابه إذا مات عنها قبل الدخول ولم يفرض لها.
فصل
وحد المسيس الذي يوجب الصداق جميعه التقاء الختانين، وهو يوجب سبعة أحكام: يوجب الصداق، ويوجب الغسل، ويوجب الحد، ويحصن الزوجين، ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها، ويفسد الحج، ويفسد الصوم.
فصل
وإن طلقها قبل البناء فأقرا بالمسيس وجب للمرأة صداقها كاملا ولزمتها العدة، فإن عرفت لهما خلوة أو ظهر بها حمل كانت له الرجعة وتوارثا إن مات أحدهما في العدة، وإن لم تعرف لهما خلوة ولا ظهر بها حمل لم يكن له رجعتها؛ لأنها قد بانت منه في ظاهر الأمر فيتهمان على التزويج بغير ولي ولا صداق ولا يتوارثان. وإن أنكرا المسيس ولم يدعه أحدهما لم يكن لها إلا نصف الصداق، ولم
стр. 522
يجب عليها عدة إلا أن يعلم بينهما خلوة فتجب عليها العدة ولا يكون للزوج فيها الرجعة ولا لأحدهما من صاحبه ميراث.
فصل
فإن اختلفا فيه ولم يعلم بينهما خلوة فادعته المرأة على زوجها وأنكر لزمته اليمين إن أشبه ما ادعته، فإن حلف برئ من نصف الصداق، وإن نكل عن اليمين حلفت هي واستوجبت جميعه ولزمتها العدة ولم يكن للزوج رجعة. وإن ادعاه الزوج وأنكرته هي لم يصدق عليها في العدة ولا في الرجعة وكان قد أقر لها بجميع الصداق، فإن شاءت أخذت جميعه، وإن شاءت أخذت نصفه. وقال سحنون: ليس لها أن تأخذ جميعه إلا بعد أن تكذب نفسها وترجع إلى تصديق الزوج. فإن كذبت نفسها ورجعت إلى تصديق الزوج لزمتها العدة. وقول سحنون ليس بخلاف لما في المدونة لابن القاسم في كتاب الرهون مثله ولأشهب في هذا الكتاب.
فصل
وإنما لها أن ترجع إلى تصديقه ما دام باقيا على قوله. ولو أنه رجع إلى تصديقها قبل أن ترجع إلى تصديقه لم يكن لها شيء، وإن رجعت إلى قوله بعد رجوعه إلى قولها لم يجب عليه يمين. وكذلك لا يمين عليها إن رجع إلى قولها بعد رجوعها إلى قوله وتأخذ جميع الصداق منه دون يمين.
وتحصيل هذا أن من سبق منهما إلى الرجوع إلى قول صاحبه صدق، إن كانت هي التي سبقت بالرجوع إلى قوله وجب لها الصداق دون يمين، أقام على قوله أو نزع عنه. وإن كان هو الذي سبق بالرجوع إلى قولها سقط عنه نصف الصداق، ولم يجب عليه يمين، أقامت على قولها أو نزعت عنه. وقد قيل: إن لها أن تأخذ ما أقر لها به، وإن كانت مقيمة على الإنكار، وهذا القول أحد قولي سحنون
стр. 523
في نوازله من كتاب الاستلحاق، وقيل: إنه لا يحكم لها بأخذ ما أقر لها به إن رجعت إلى قوله: وصدقته إلا أن يشاء أن يدفع ذلك إليها، قاله ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب النكاح، وقاله أيضا في سماع عيسى من كتاب الدعوى في الورثة ولا فرق.
فصل
وأما إذا اختلفا في المسيس ولم يبن بها إلا أنه قد دخل بها وأرخيت الستور عليها، فاختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال: القول قولها في المسيس حيث ما أخذ الزوجين الغلق كان ذلك في بيتها أو بيته على ظاهر قول عمر بن الخطاب: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق. وبذلك قال مطرف وابن الماجشون وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ. ومرة قال: إن كان دخوله عليها وخلوته بها في بيته صدقت عليه، وإن كان في بيتها صدق عليها في قول سعيد بن المسيب، وبذلك قال ابن القاسم.
وفي المسألة قول ثالث لعيسى بن دينار أن القول قول الزوج إذا أنكر المسيس حيث ما أخذ الزوجين الغلق كان ذلك في بيته أو في بيتها، لا تصدق المرأة في دعواها عليه ما لم يكن دخوله عليها وخلوه بها دخول اهتداء وهو البناء، وقول رابع لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - من رواية ابن وهب عنه، أنها إن كانت ثيبا فالقول قولها، وإن كانت بكرا نظر إليها النساء، فإن رأين بها أثر افتضاض صدقت عليه، وإن لم يرين بها شيئا من ذلك لم يكن لها إلا نصف الصداق. حكى هذه الرواية عن مالك عبد الوهاب.
فصل
وأما إن دخل بها دخول اهتداء وهو البناء فلم يختلف قول مالك ولا أحد من أصحابه أن القول قول المرأة في دعوى المسيس إذا أنكر الزوج.
فصل
ولا توجب الخلوة وإن كانت خلوة بناء على مذهب مالك وجميع أصحابه الصداق إلا مع دعوى المسيس، وإنما هي شبهة توجب أن يكون القول قولها،
стр. 524
كالرهن واليد ومعرفة العفاص والوكاء وشبه ذلك. وعلى ذلك حمل ابن حبيب قول عمر بن الخطاب ﵁ إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق. وظاهره خلاف ذلك أن إرخاء الستور يوجب الصداق وإن لم يكن ثم مسيس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله، وطئ أو لم يطأ، ادعته المرأة أو لم تدعه، إذا لم يكن ثم مانع من الوطء من حيض أو إحرام أو صوم أو ما أشبه ذلك.
فصل
وإذا وجب أن يكون القول قول المرأة في دعوى المسيس فهل تحلف أو تصدق دون يمين، اختلف في ذلك. ففي كتاب ابن المواز أن القول قولها مع يمينها، وكذلك في كتاب ابن الجهم، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الحدود في الذي يغيب على المرأة غصبا، ويثبت ذلك عليه فتدعي المسيس. وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يمين عليها قياسا على رواية أشهب عن مالك في كتاب الغصب في الأمة الفارهة تتعلق برجل وهي تدمي تدعي أنه غصبها نفسها أن القول قولها دون يمين، وذلك بعيد؛ لأنه إنما جعل القول قولها دون يمين لما بلغته من فضيحة نفسها مع كونها تدمي. ووجه ذلك أنه أقام الشبهتين مقام شاهدين فأسقط عنها اليمين؛ إذ لو انفردت واحدة منهما كانت كالشاهد يوجب لها اليمين. والصحيح ما حكى ابن حبيب في الواضحة أن عليها اليمين، فالزوجة أحرى أن يجب عليها اليمين؛ إذ لا عار عليها في دعوى المسيس على زوجها، سواء كانت المرأة بكرا أو ثيبا، يتيمة أو ذات أب، حرة أو مملوكة، مسلمة أو نصرانية، كبيرة أو صغيرة، إذا كانت قد بلغت مبلغا يوطأ مثلها، لا يجب لها الصداق إلا بدعواها المسيس. فإن أقرت أنه لم يمسها جاز عليها قولها ولم يكن لها إلا نصف الصداق إلا أن يقر الزوج بالمصاب وتنكره هي وهي أمة أو مولى عليها، فإن مطرفا وسحنونا قالا: لا يقبل قولها في طرح نصدق الصداق، وللولي أو السيد أن يأخذ ذلك منه بإقراره به.
стр. 525
فصل
فإن كانت صغيرة لم تبلغ المحيض على الصحيح من الأقوال أنها لا تستحق الصداق دون يمين، فإن ادعت المسيس حلف الزوج وأدى نصف الصداق إلى أن تبلغ، فإذا بلغت حلفت وأخذت النصف الثاني، فإن نكلت عن اليمين لم يحلف الزوج ثانية. وإن نكل الزوج أولا عن اليمين أدى جميع الصداق ولم يكن له أن يحلفها إذا بلغت، كحكم الصغير يقوم له بحقه شاهد. وقد قيل: إنه لا يمين عليها إذا كانت صغيرة بخلاف الكبيرة، وهو بعيد؛ إذ لا فرق بين الكبيرة والصغيرة إلا فيما ذكرناه من أن الصغيرة تؤخذ باليمين حين تبلغ، وبالله التوفيق.
فصل
وإيجاب اليمين عليها أظهر لما قدمناه من أن الخلوة دليل على صدقها كالشاهد واليد ومعرفة العفاص والوكاء، وليس كالبينة التامة. ومن صدقها في دعواها المسيس جعل الخلوة كالبينة التامة، وهو قول أحمد بن المعدل فيما حكى عنه عبد الحق في كتابه الكبير، وهو قول بعيد ما له عندي وجه إلا مراعاة قول من يوجب لها جميع الصداق بالخلوة وإن تقاررا على عدم المسيس.
فصل
والعدة تجب على الزوجة بأحد وجهين: إما بخلوة تعرف، وإما بإقرارهما على أنفسهما بالمسيس وإن لم تعرف له خلوة بها. وتجب للزوج الرجعة بأحد وجهين: إما بتقاررهما على الوطء مع خلوة تعرف أو بادعاء الوطء إذا أنكرت في كل موضع تصدق فيه المرأة عليه في دعوى الوطء إذا أنكر. وهذا أصل حيث ما كان القول قول المرأة في دعوى الوطء كان القول قول الزوج في الرجعة وفي دعواه دفع الصداق إليها. فهذا تلخيص هذا الباب، وبالله التوفيق.
стр. 526
فصل
في الرجعة
الأصل في الرجعة قول الله : ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، أي يحدث في النفوس الندم على الفرقة وإرادة الرجعة: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وبلوغ الأجل هاهنا المقاربة لا البلوغ على الحقيقة، وكذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، بخلاف قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، نهى الأولياء إذا انقضت العدة وأرادت الرجوع إلى زوجها أن يعضلوها عن الرجوع إليه؛ لأن بلوغ الأجل هو انقضاء العدة، وإذا انقضت العدة لم يكن للزوج رجعة بإجماع، فسمى المقاربة بلوغا على عادة العرب في تسمية الشيء باسم ما قرب منه. قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن. وقال ﷺ : «إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم». وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أي قاربت الصباح. وفي الحديث: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح على أثر سماء كانت من الليل؛» فسمى المطر سماء لما كان نزوله من السماء. وهذا كثير في لسان العرب.
стр. 527
فصل
فالرجعة يملكها الزوج في كل طلاق نقص عدده عن الثلاث ما لم يكن معه فداء أو ما لم يكن على وجه المباراة أو الفدية وإن لم يكن معه فداء على مذهب ابن القاسم إذا كانت الزوجة مدخولا بها ما دامت في عدتها. والعدة ثلاثة أقراء، والأقراء الأطهار على مذهب مالك وأهل المدينة. فإذا رأت المرأة أول قطرة من دم الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وبانت من زوجها وحلت للأزواج.
قال أشهب: إلا أنه استحب أن لا تعجل حتى تعلم أنها حيضة مستقيمة تتمادى بها فيها؛ لأنها ربما رأت المرأة الدم الساعة والساعتين واليوم ثم ينقطع، فيجب عليها الرجوع إلى بيتها ويكون لزوجها عليها الرجعة. ومثل ذلك في سماعه عن مالك من كتاب طلاق السنة. وكان يمضي لنا عند من اختلفنا إليه من الشيوخ أن قول أشهب تفسير لقول ابن القاسم، والصحيح أنه خلاف له؛ لأن أقل الحيض لا حد له عند ابن القاسم، وقد يكون يوما وساعة ولمعة إذا كان قبله طهر فاصل [وبعده طهر فاصل]. فإذا رأت المرأة أول قطرة من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج ولم يكن للزوج عليها رجعة. ولا معنى لاستحباب تربصها على مذهبه حتى يتمادى بها الدم أياما؛ إذ لو انقطع بعد ساعة أو ساعتين لما كان للزوج عليها الرجعة ولا وجب عليها الرجوع إلى بيتها؛ إذ لا يخلو إذا انقطع ثم عاد أن يعود على قرب أو بعد، فإن عاد على قرب قبل أن يمضي من الأيام ما يكون طهرا فاصلا كان مضافا إلى الدم الأول وما بينهما من الأيام ملغى، وعلم أن الدم الأول هو أول الحيضة الثالثة وأن العدة قد انقضت به. وإن عاد على بُعد بَعد أن يمضي من الأيام ما يكون طهرا فاصلا كان هذا الدم حيضة رابعة وعلم أن ذلك الدم الأول هي الحيضة الثالثة وأن العدة قد انقضت بها، وإنما يلزم التربص عن النكاح على مذهب من يوقت لأقل الحيض وقتا ولا يرى ما دون ذلك
стр. 528
حيضة تعتد به المرأة في أقرائها، كابن الماجشون الذي يقول: إن أقل الحيض خمسة أيام، ومحمد بن مسلمة الذي يقول: أقل الحيض ثلاثة أيام، فلا بد على مذهب ابن الماجشون إذا رأت قطرة من الحيض أن تتربص عن النكاح حتى تمكث في الدم خمسة أيام، وعلى مذهب محمد بن مسلمة ثلاثة أيام، لاحتمال أن ينقطع عنها الدم قبل بلوغ الحد فلا يعود إليها إلا بعد مدة يكون طهرا فاصلا فيكون هذا الدم الذي عاد هو أول الحيضة الثالثة والدم الأول دم علة وفساد. وعلى مذهبهما تقضي الصلاة التي تركت فيها.
فصل
وإنما كانت له الرجعة ما لم تنقض العدة؛ لأن العصمة بين الزوجين لا تنقطع بما دون الثلاث إذا لم يكن معه فداء ما لم تنقض العدة. ألا ترى أن أسباب الزوجية كلها قائمة بينهما من النفقة والسكنى والموارثة ما عدا الوطء. وارتفاع الوطء هو التأثير الذي حصل في النكاح بإيقاع الطلاق، فإذا هو راجعها صلح ذلك الثلم برجعته وعادت إلى ما كانت عليه من عصمته.
فصل
والرجعة تكون بالنية مع القول أو ما يقوم مقام القول فيما لا يصح فعله إلا بعد المراجعة، مثل الوطء والقبلة والمباشرة باللذة وما أشبه ذلك، قاله في كتاب ابن المواز وهو بيان لما في المدونة خلافا للشافعي في قوله: إن الرجعة لا تكون إلا بالقول. وأما الدخول عليها والنظر إليها والأكل معها فيجري على اختلاف قول مالك في جواز ذلك له قبل المراجعة، فيكون فعل ذلك رجعة إذا نوى بها الرجعة على القول الذي منع منه، ولا يكون رجعة على القول الذي أجازه وأجاز غسلها إن ماتت قبل المراجعة.
стр. 529
فصل
فإذا انفردت النية في ذلك دون القول أو ما يقوم مقامه في الوطء وما ضارعه لم تكن رجعة، قاله في كتاب ابن المواز. والصحيح أن الرجعة تصح بمجرد النية؛ لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس. فإذا نوى في نفسه أنه قد راجعها واعتقد ذلك في ضميره فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أظهر لنا بلفظه ما قد أضمر من ذلك في قلبه حكمنا عليه به. ويجري على هذا الاختلاف في لزوم الطلاق بمجرد النية دون اللفظ. ولو انفرد اللفظ دون النية لما صحت له بذلك رجعة فيما بينه وبين الله تعالى، وإن حكمنا عليه بما ظهر من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية إلا على مذهب من رأى أن الطلاق لا يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من المدونة إلا أنه بعيد في المعنى.
فصل
وقد اختلف هل يجوز له الوطء إذا ألزم الرجعة على القول الذي يرى أنها لا تصح له فيما بينه وبين الله. وكذلك اختلف أيضا في جواز الوطء لمن طلق في الحيض فأبى من الارتجاع فحكم عليه بالرجعة وألزم إياها. وقد ذكرت ذلك في موضعه.
فصل
وأما الوطء دون النية فلا يكون رجعة في الباطن ولا في الحكم الظاهر. وقال الليث بن سعد: الوطء رجعة وإن لم ينو به الرجعة، يريد والله أعلم في الحكم الظاهر، ولا يصدق أنه لم يرد بذلك الرجعة، وهو الأظهر قياسا على مبتاع الأمة بالخيار أن وطأه في أيام الخيار اختيار، وإن زعم أنه لم يختر لم يصدق؛ لأنه مخير في ارتجاع زوجته في العدة كما هو مخير في اختيار الجارية التي ابتاعها بالخيار. وقد يفرق بينهما بأن المبتاع لو حبس الجارية حتى مضت أيام الخيار وتباعدت عد
стр. 530
بذلك مختارا والزوج لو تمادى على إمساكها حتى انقضت عدتها لبانت منه بخلاف انقضاء أيام الخيار، فدل أن وطأه أضعف من وطء المختار، وهو تفريق لا يسلم من الاعتراض.
فصل
فإن ادعى بعد العدة أنه راجعها في العدة بقول أو نية لم يصدق في ذلك إلا أن يعلم أنه كان يخلو في العدة أو يبيت معها فيصدق أن خلوته بها ومبيته معها إنما كان لمراجعته إياها. وكذلك إذا وطئها في العدة وقال: إنه أراد بوطئها الرجعة فيصدق في ذلك. وهذا هو معنى قولهم إن الوطء رجعة إذا أراد به الرجعة، أي أنه يصدق في إرادة الرجعة بما ظهر من الوطء.
فصل
فمن وطئ ولم يرد بوطئه الرجعة فقد وطئ وطئا حراما خلافا لأبي حنيفة؛ لأنها جارية إلى البينونة. أصلها الكتابية إذا أسلمت بعد الدخول فإن أراد مراجعتها فيما بقي من العدة راجعها بالقول والإشهاد دون الوطء؛ إذ لا يصح وطؤها إلا بعد الاستبراء من الماء الفاسد. فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها بانت منه ولم يحل له ولا لغيره نكاحها حتى ينقضي استبراؤها من ذلك الماء الفاسد بثلاث حيض.
فصل
واختلف إن تزوجها هو ودخل بها قبل تمام الاستبراء هل يكون ناكحا في عدة وتحرم عليه أبدا أم لا؟ على قولين: فمن علل التحريم بتعجيل النكاح قبل بلوغ أجله خاصة من غير أن يضم إلى ذلك اختلاط الأنساب أوجب التحريم لوجود العلة، ومن علل التحريم بتعجيل النكاح قبل أوانه في موضع تختلط فيه الأنساب لم يوجب التحريم؛ لأن الماء ماؤه فليس فيه اختلاط الأنساب. وعلى هذا المعنى اختلفوا فيمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها قبل زوج في عدتها.
следующие страницы →