← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فصل في الرجعة الأصل في الرجعة قول الله : ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، أي يحدث في النفوس الندم على الفرقة وإرادة الرجعة: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وبلوغ الأجل هاهنا المقاربة لا البلوغ على الحقيقة، وكذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، بخلاف قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، نهى الأولياء إذا انقضت العدة وأرادت الرجوع إلى زوجها أن يعضلوها عن الرجوع إليه؛ لأن بلوغ الأجل هو انقضاء العدة، وإذا انقضت العدة لم يكن للزوج رجعة بإجماع، فسمى المقاربة بلوغا على عادة العرب في تسمية الشيء باسم ما قرب منه. قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن. وقال ﷺ : «إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم». وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أي قاربت الصباح. وفي الحديث: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح على أثر سماء كانت من الليل؛» فسمى المطر سماء لما كان نزوله من السماء. وهذا كثير في لسان العرب.

стр. 527

فصل فالرجعة يملكها الزوج في كل طلاق نقص عدده عن الثلاث ما لم يكن معه فداء أو ما لم يكن على وجه المباراة أو الفدية وإن لم يكن معه فداء على مذهب ابن القاسم إذا كانت الزوجة مدخولا بها ما دامت في عدتها. والعدة ثلاثة أقراء، والأقراء الأطهار على مذهب مالك وأهل المدينة. فإذا رأت المرأة أول قطرة من دم الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وبانت من زوجها وحلت للأزواج. قال أشهب: إلا أنه استحب أن لا تعجل حتى تعلم أنها حيضة مستقيمة تتمادى بها فيها؛ لأنها ربما رأت المرأة الدم الساعة والساعتين واليوم ثم ينقطع، فيجب عليها الرجوع إلى بيتها ويكون لزوجها عليها الرجعة. ومثل ذلك في سماعه عن مالك من كتاب طلاق السنة. وكان يمضي لنا عند من اختلفنا إليه من الشيوخ أن قول أشهب تفسير لقول ابن القاسم، والصحيح أنه خلاف له؛ لأن أقل الحيض لا حد له عند ابن القاسم، وقد يكون يوما وساعة ولمعة إذا كان قبله طهر فاصل [وبعده طهر فاصل]. فإذا رأت المرأة أول قطرة من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج ولم يكن للزوج عليها رجعة. ولا معنى لاستحباب تربصها على مذهبه حتى يتمادى بها الدم أياما؛ إذ لو انقطع بعد ساعة أو ساعتين لما كان للزوج عليها الرجعة ولا وجب عليها الرجوع إلى بيتها؛ إذ لا يخلو إذا انقطع ثم عاد أن يعود على قرب أو بعد، فإن عاد على قرب قبل أن يمضي من الأيام ما يكون طهرا فاصلا كان مضافا إلى الدم الأول وما بينهما من الأيام ملغى، وعلم أن الدم الأول هو أول الحيضة الثالثة وأن العدة قد انقضت به. وإن عاد على بُعد بَعد أن يمضي من الأيام ما يكون طهرا فاصلا كان هذا الدم حيضة رابعة وعلم أن ذلك الدم الأول هي الحيضة الثالثة وأن العدة قد انقضت بها، وإنما يلزم التربص عن النكاح على مذهب من يوقت لأقل الحيض وقتا ولا يرى ما دون ذلك

стр. 528

حيضة تعتد به المرأة في أقرائها، كابن الماجشون الذي يقول: إن أقل الحيض خمسة أيام، ومحمد بن مسلمة الذي يقول: أقل الحيض ثلاثة أيام، فلا بد على مذهب ابن الماجشون إذا رأت قطرة من الحيض أن تتربص عن النكاح حتى تمكث في الدم خمسة أيام، وعلى مذهب محمد بن مسلمة ثلاثة أيام، لاحتمال أن ينقطع عنها الدم قبل بلوغ الحد فلا يعود إليها إلا بعد مدة يكون طهرا فاصلا فيكون هذا الدم الذي عاد هو أول الحيضة الثالثة والدم الأول دم علة وفساد. وعلى مذهبهما تقضي الصلاة التي تركت فيها. فصل وإنما كانت له الرجعة ما لم تنقض العدة؛ لأن العصمة بين الزوجين لا تنقطع بما دون الثلاث إذا لم يكن معه فداء ما لم تنقض العدة. ألا ترى أن أسباب الزوجية كلها قائمة بينهما من النفقة والسكنى والموارثة ما عدا الوطء. وارتفاع الوطء هو التأثير الذي حصل في النكاح بإيقاع الطلاق، فإذا هو راجعها صلح ذلك الثلم برجعته وعادت إلى ما كانت عليه من عصمته. فصل والرجعة تكون بالنية مع القول أو ما يقوم مقام القول فيما لا يصح فعله إلا بعد المراجعة، مثل الوطء والقبلة والمباشرة باللذة وما أشبه ذلك، قاله في كتاب ابن المواز وهو بيان لما في المدونة خلافا للشافعي في قوله: إن الرجعة لا تكون إلا بالقول. وأما الدخول عليها والنظر إليها والأكل معها فيجري على اختلاف قول مالك في جواز ذلك له قبل المراجعة، فيكون فعل ذلك رجعة إذا نوى بها الرجعة على القول الذي منع منه، ولا يكون رجعة على القول الذي أجازه وأجاز غسلها إن ماتت قبل المراجعة.

стр. 529

فصل فإذا انفردت النية في ذلك دون القول أو ما يقوم مقامه في الوطء وما ضارعه لم تكن رجعة، قاله في كتاب ابن المواز. والصحيح أن الرجعة تصح بمجرد النية؛ لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس. فإذا نوى في نفسه أنه قد راجعها واعتقد ذلك في ضميره فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أظهر لنا بلفظه ما قد أضمر من ذلك في قلبه حكمنا عليه به. ويجري على هذا الاختلاف في لزوم الطلاق بمجرد النية دون اللفظ. ولو انفرد اللفظ دون النية لما صحت له بذلك رجعة فيما بينه وبين الله تعالى، وإن حكمنا عليه بما ظهر من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية إلا على مذهب من رأى أن الطلاق لا يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من المدونة إلا أنه بعيد في المعنى. فصل وقد اختلف هل يجوز له الوطء إذا ألزم الرجعة على القول الذي يرى أنها لا تصح له فيما بينه وبين الله. وكذلك اختلف أيضا في جواز الوطء لمن طلق في الحيض فأبى من الارتجاع فحكم عليه بالرجعة وألزم إياها. وقد ذكرت ذلك في موضعه. فصل وأما الوطء دون النية فلا يكون رجعة في الباطن ولا في الحكم الظاهر. وقال الليث بن سعد: الوطء رجعة وإن لم ينو به الرجعة، يريد والله أعلم في الحكم الظاهر، ولا يصدق أنه لم يرد بذلك الرجعة، وهو الأظهر قياسا على مبتاع الأمة بالخيار أن وطأه في أيام الخيار اختيار، وإن زعم أنه لم يختر لم يصدق؛ لأنه مخير في ارتجاع زوجته في العدة كما هو مخير في اختيار الجارية التي ابتاعها بالخيار. وقد يفرق بينهما بأن المبتاع لو حبس الجارية حتى مضت أيام الخيار وتباعدت عد

стр. 530

بذلك مختارا والزوج لو تمادى على إمساكها حتى انقضت عدتها لبانت منه بخلاف انقضاء أيام الخيار، فدل أن وطأه أضعف من وطء المختار، وهو تفريق لا يسلم من الاعتراض. فصل فإن ادعى بعد العدة أنه راجعها في العدة بقول أو نية لم يصدق في ذلك إلا أن يعلم أنه كان يخلو في العدة أو يبيت معها فيصدق أن خلوته بها ومبيته معها إنما كان لمراجعته إياها. وكذلك إذا وطئها في العدة وقال: إنه أراد بوطئها الرجعة فيصدق في ذلك. وهذا هو معنى قولهم إن الوطء رجعة إذا أراد به الرجعة، أي أنه يصدق في إرادة الرجعة بما ظهر من الوطء. فصل فمن وطئ ولم يرد بوطئه الرجعة فقد وطئ وطئا حراما خلافا لأبي حنيفة؛ لأنها جارية إلى البينونة. أصلها الكتابية إذا أسلمت بعد الدخول فإن أراد مراجعتها فيما بقي من العدة راجعها بالقول والإشهاد دون الوطء؛ إذ لا يصح وطؤها إلا بعد الاستبراء من الماء الفاسد. فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها بانت منه ولم يحل له ولا لغيره نكاحها حتى ينقضي استبراؤها من ذلك الماء الفاسد بثلاث حيض. فصل واختلف إن تزوجها هو ودخل بها قبل تمام الاستبراء هل يكون ناكحا في عدة وتحرم عليه أبدا أم لا؟ على قولين: فمن علل التحريم بتعجيل النكاح قبل بلوغ أجله خاصة من غير أن يضم إلى ذلك اختلاط الأنساب أوجب التحريم لوجود العلة، ومن علل التحريم بتعجيل النكاح قبل أوانه في موضع تختلط فيه الأنساب لم يوجب التحريم؛ لأن الماء ماؤه فليس فيه اختلاط الأنساب. وعلى هذا المعنى اختلفوا فيمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها قبل زوج في عدتها.

стр. 531

فصل واختلف في الإشهاد على الرجعة هل هو واجب أو مستحب، فذهب عبد الوهاب إلى أنه مستحب قياسا على الإشهاد في البيع. وذهب ابن بكير وغيره إلى أنه واجب لقول الله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والأمر على الوجوب حتى يقترن به ما يدل على أنه ليس على الوجوب، ولم يقترن به ما يدل على ذلك كما اقترن في الأمر بالإشهاد على البيع، وذلك قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. فصل وإنما يجب الإشهاد عند من أوجبه أو يستحب عند من لم يوجبه لتحصين الفروج وما يتعلق بالرجعة من أحكام النكاح كالموارثة ولحوق النسب وغير ذلك، وليس مشترطا في صحة الرجعة عند من أوجبه، وإنما هو فرض على حياله يأثم تاركه بتركه. والصحيح إن شاء الله أنه مندوب إليه وليس بواجب؛ إذ لو وجب لافتقرت الرجعة إليه ولما صحت دونه. فصل في المتعة المتعة إنما أمر المطلق بها تطييبا لنفس المرأة عما يرد عليها من ألم الطلاق وتسلية لها على الفراق. فصل والمطلقات في المتعة ينقسمن على ثلاثة أقسام: مطلقة قبل الدخول وقبل

стр. 532

التسمية، ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، ومطلقة بعد الدخول وقبل التسمية أو بعد التسمية. فأما المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فإن الله ﵎ قد نص في كتابه على إمتاعها فقال: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] معناه ولم تفرضوا لهن فريضة ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أمر بالمتاع، والأمر على الوجوب ما لم يقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب. وقد اقترن بهذا الأمر قرائن تدل على أن المراد به الندب، من ذلك تخصيصه بها المحسنين من غير المحسنين بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ولا يعلم المحسنين من غير المحسنين غير الله تعالى؛ لأن الإحسان فيما بين العبد وخالقه. فلما علق تعالى المتعة بصفة لا يعلمها غيره دل على أن الله لم يوجب الحكم بها على الحكام؛ إذ لم يجعل لهم طريقا إلى تمييز المأمور بها من غيره، وقيل للمطلق: متع إن كنت من المحسنين فكان حقا عليه أن يمتع ولا يخرج نفسه من جملة المحسنين. وأيضا فإنها غير مقدرة ولا معلومة، والفرائض لا بد أن تكون مقدرة معلومة. وأيضا فإن الله ﵎ لما خص المطلق قبل الدخول وقبل التسمية برفع الحرج عنه دون غيره ممن طلق بعد الدخول أو قبل الدخول وبعد التسمية بقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، دل ذلك على أنه إنما خصها بالذكر من أجل أنها تطلق ولا يجب لها بالطلاق شيء بسبب من تحرج عن الطلاق في هذه الحال لهذا الوجه والله أعلم. فلو وجب لها المتاع إذا طلقت في هذه الحال كما يجب للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية نصف الصداق وكما يجب للمطلقة بعد الدخول جميعه لما تحرج أحد عن طلاقها في هذه الحال كما لم يتحرج عن طلاقها في سائر الأحوال، ولما كان لتخصيصها برفع الحرج عن المطلق لها في هذه الحال دون غيرها من الأحوال معنى، والله أعلم.

стр. 533

فإن قيل: يحتمل أن يكون تحرج من طلاقها في هذه الحال من لا يعلم وجوب المتعة لها. قيل له: لو كان الأمر على ذلك لكانت التلاوة: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ولهن المتاع، كما قال في الآية التي بعدها: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ومن أهل العلم من أوجب المتاع لها وقال الآية عامة في أولها وآخرها؛ لأن كل مؤمن محسن، فكأنه قال متاعا بالمعروف حقا على المحسنين المطلقين؛ لأن الإيمان إحسان. قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصل ت: ٣٣] وهذا بعيد؛ لأن الإحسان التفضل وفعل المعروف، فلا ينطلق اسم الإحسان على كل مؤمن؛ لأن منهم المسيء في أفعاله وإن كان محسنا في إيمانه. فصل وأما المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية فإن الله ﵎ ذكرها عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فأوجب لها نصف الفريضة ولم يأمر لها بالمتاع، فدل على أنه لم يجعل لها متاعا واجبا ولا مندوبا إليه، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه. ومن أهل العلم من أوجب لها المتاع بعموم قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ إذ لم يفرق بين أن يكون سمى لها صداقا أو لم يسم، ولعموم قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقال هي من المطلقات فلها المتاع مع نصف الصداق كما للمدخول بها المتاع مع جميع الصداق. ولو لم يكن لها المتاع من أجل أن لها نصف الصداق لوجب أن لا يكون للمدخول بها متاع من أجل أن لها

стр. 534

جميع الصداق؛ لأن نصف الصداق للتي لم يدخل بها كجميعه للتي دخل بها. وهذا غير صحيح؛ لأن المدخول بها قد وجب لها الصداق بالوطء وجوبا مستقرا لا يسقطه فسخ ولا ارتداد، والتي لم يدخل بها لم يجب لها بالعقد شيء من الصداق وجوبا مستقرا، ولو وجب لها نصفه وجوبا مستقرا لما سقط بالفسخ أو الارتداد. فلما أوجبه الله تعالى لها ولم يكن واجبا قبل ولم يأمر لها بالمتاع دل على أن لا شيء لها سواه، وهذا بين والحمد لله. ومن أهل العلم من استحسن للزوج المتاع في هذه، ولم يوجبه لها للاحتمال، فهذه ثلاثة أقوال. فصل وأما المطلقة بعد الدخول وقد سمي لها الصداق أو لم يسم لها فلأهل العلم فيها قولان: أحدهما: أن المتعة لها واجبة على الزوج يؤخذ بها ويجبر عليها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقال كل مؤمن متق ولا تخصيص في الآية. والثاني: أنه يؤمر بها ويندب إليها ولا يجبر عليها فيقال له: متع إن كنت من المتقين على ما بيناه من قبل في قوله: إن كنت من المحسنين. وهو قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه. فصل وقد اختلف في متعة هذه المطلقة وفي التي طلقت قبل الدخول ولم يسم لها صداق أيهما أوجب على أربعة أقوال: أحدها: أنهما سواء في إسقاط الوجوب، وهذا مذهب مالك وجميع أصحابه. والثاني: أنهما سواء في ثبوت الوجوب لهما ووجوب الحكم بهما. والثالث: أن المتعة للمدخول بها أوجب من التي لم يدخل بها؛ لأن الله أوجب لها المتاع بغير لفظ الأمر المحتمل للوجوب والندب فقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، واستدل أيضا من ذهب إلى ذلك بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فنص على إمتاعهن وهن

стр. 535

مدخول بهن. والرابع: أن المتعة للتي لم يدخل بها ولم يسم لها أوجب؛ لأن الله تعالى نص في كتابه على المتعة لها بالأمر، والأمر على الوجوب، ولم ينص على المتعة للمدخول بها إلا في تخيير النبي ﷺ أزواجه، وذلك حكم خص به النبي دون المؤمنين، بدليل إجماعهم على أنه لا يجب على أحد أن يخير زوجته، وإنما جعل الله لها المتعة بظاهر عموم اللفظ في قوله وللمطلقات، وليس ما وجب بالظاهر والعموم كما نص عليه بالأمر الذي يقتضي الوجوب. ولكل قول منها حظ من النظر، وأبينها وأصحها، ما ذهب إليه مالك وجميع أصحابه. فصل فإذا قلنا: إن المتعة تسلية للمرأة على فراق زوجها فلا متعة في كل فراق تختاره المرأة من غير سبب يكون للزوج في ذلك، كامرأة العنين والمجذوم والمجنون تختار فراق زوجها، وكالأمة تعتق تحت العبد فتختار نفسها، ولا في كل نكاح مفسوخ، قاله ابن القاسم. وقال ابن المواز: إذا فسخ [بغير طلاق] وظاهر قول ابن القاسم أنه لا متعة فيه فسخ قبل الطلاق بطلاق أو بغير طلاق أو طلق هو قبل الفسخ. وقد اختلف في المملكة والمخيرة. فقال ابن خويز منداد: لا متعة لها؛ لأنها مختارة للطلاق. ومعلوم أن من اختارت فراق زوجها فلم تشفق لذلك ولا حزنت له فلا يحتاج الزوج إلى تسليتها وتطييب نفسها. وروى ابن وهب عن مالك أن لها المتعة. ووجه ذلك أن الطلاق فيهما إنما هو من الزوج الذي جعل ذلك إليها، ولعلها تحتشم من اختياره وهو قد عرضها للفراق فتختار نفسها وهي كارهة لذلك مريدة للبقاء مع زوجها. وأما المختلعة والمبارئة والمصالحة فلا متعة لهن باتفاق؛ لأنهن رغبن في فراق أزواجهن واشترينه بما بذلن إليه فلا يحتاج إلى تسليتهن. وكذلك الملاعنة لا متعة لها.

стр. 536

فصل والمتعة سواء في الطلاق البائن والرجعي إن لم يرتجع حتى تبين منه بانقضاء العدة فلا يجب عليه المتاع حتى تنقضي العدة. وقد اختلف إن لم يمتع حتى ماتت المرأة هل يجب عليه المتاع لورثتها على قولين: أحدهما: أنه يجب ذلك عليه لورثتها؛ لأنه حق لها يورث عنها، وهو مذهب ابن القاسم. والثاني: أنه لا يجب لها إلا ما دامت باقية، فإن ماتت لم يجب لورثتها؛ لأن المراد بذلك عينها تسلية لها عن الفراق. وأما إن مات الزوج قبل أن يمتع فالمتاع ساقط عنه ولا يؤخذ ذلك لها من ماله؛ لأنه ليس بدين ثابت عليه. وللعبد أن يمتع امرأته وليس للسيد أن يمنعه من ذلك؛ لأنه من حقوق النكاح الذي أذن له فيه، ولا حد للمتعة، وإنما هي على قدر حال الزوجين. وقد قال ابن عمر: أعلاها رقبة وأدناها كسوة أو نفقة. فصل في الخلع أباح الله ﵎ لعباده المؤمنين النكاح فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وأمر بحسن العشرة فيه فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وملك الأزواج أمر الزوجات بما جعل إليهم من الطلاق، ونهاهم أن يعتدوا فيما جعل إليهم من ذلك فقال: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإن أحب الرجل المرأة

стр. 537

أمسكها وإن كرهها فارقها، ولا يحل له إذا كرهها أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه وإن أتت بفاحشة من زنا أو نشوز أو بذاء لقول الله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم فيه. ومن أهل العلم من أباح للرجل إذا اطلع على زوجته بزنا أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه لقول الله : ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، وتأول أن الفاحشة المبينة هو الزنا هاهنا، وجعل الاستثناء متصلا، ومنهم من تأول أن الفاحشة المبينة البغض والنشوز والبذاء باللسان، فأباح للزوج إذا أبغضته زوجته ونشزت عليه وبذأت بلسانها عليه أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه. ومنهم من حمل الفاحشة على العموم فأباح ذلك للزوج كانت الفاحشة التي أتت بها زنا أو نشوزا أو بذاء باللسان أو ما كانت. والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀؛ لأنه إذا ضيق عليها حتى تفتدي منه فقد أخذ مالها بغير طيب نفس منها، ولم يبح الله ذلك إلا عن طيب نفسها فقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، والآية التي احتجوا بها لا حجة لهم فيها؛ لأن الفاحشة المبينة من جهة النطق أن تبذأ عليه وتشتم عرضه وتخالف أمره؛ لأن كل فاحشة أتت في القرآن منعوتة بمبينة فهي من جهة النطق، وكل فاحشة أتت فيه مطلقة فهي الزنا، والاستثناء المذكور فيها منفصل. فمعنى الآية: لكن إن نشزن عليكم وخالفن أمركم حل لكم ما ذهبتم به من أموالهن، ومعناه إذا كان ذلك عن طيب أنفسهن، ولا يكون ذلك عن طيب أنفسهن إلا إذا لم يكن منهم إليهن ضرر ولا تضييق. فعلى هذا التأويل تتفق آي القرآن ولا تتعارض. وقد قيل في تأويل الآية غير هذا، وهذا أحسن.

стр. 538

وذهب إسماعيل القاضي إلى أن الخلع يجوز، ويسوغ للزوج ما أخذ منها على الطلاق إذا كان النشوز والكراهة منها. وإذا خافا أن لا يقيما حدود الله فاشتركا في المخافة جميعا؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وليس قوله بخلاف لما حكيناه عن مالك وأصحابه من أن الخلع لا يجوز للزوج وإن كرهته المرأة ونشزت عليه وأضرت به إذا فارقها على بعض ذلك؛ لأنه إنما حمل المخافة على بابها، فأباح الفدية قبل وقوع ما خافاه مخافة أن يقع. فإذا كره كل واحد منهما صاحبه فخاف هو إن أمسكها أن لا يقيم حدود الله فيها من أجل كراهته إياها، وخافت هي أن لا تقوم بما يلزمها من حقه فخالعته مخافة الإثم والحرج فقد أعطته مالها على الطلاق طيبة به نفسها إذ لم يضطرها إلى ذلك باضطرار كان منه إليها. فصل وأما ابن بكير فإنه حمل الخوف المذكور في الآية على العلم، إلا أنه ذهب إلى أن الخطاب فيها إنما هو للولاة كآية التحكيم سواء، فقال: تقدير الكلام فإن خفتم يا ولاة، أن لا يقيم الزوجان حدود الله فيما بينهما فلا جناح عليكم فيما أخذتم من مالها وفرقتم بينهما. فالاختلاف بينه وبين ابن بكير إنما هو في تأويل الآية في الموضع الذي يجوز فيه الخلع من الذي لا يجوز فيه، لا اختلاف [في المذهب] أن الزوج لا يجوز له أن يأخذ من زوجته شيئا على طلاقها إلا إذا كان النشوز من قبلها ولم يكن منه في ذلك ضرر إليها؛ إذ ليس له أن يعارضها على نشوزها عليه بالإضرار لها والتضييق عليها حتى تفتدي منه لقول الله : ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، وإنما له أن يعظها، فإن اتعظت وإلا

стр. 539

هجرها في المضجع، فإن اتعظت وإلا ضربها ضربا غير مبرح، فإن أطاعته فلا يبغي عليها سبيلا لقول الله : ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤]، فإن بذلت له شيئا على الفداء حل له أن يقبله إذا لم يتعد أمر الله فيها. فصل وأما إذا كان النشوز من قبله ولم ترض ذلك من فعله فالواجب عليه أن يفارقها إلا أن يصطلحا [بأن يعطيها] على الرضا بالإثرة والبقاء معه عليها أو تعطيه على أن لا يطلقها وتبقى معه على الإثرة أو على ترك الإثرة، وذلك الصلح الذي قال الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. فصل وأما إذا كان النشوز من قبلهما جميعا وأضر كل واحد منهما بصاحبه فلا يجوز للزوج أن يأخذ منها شيئا على الطلاق على ما بيناه. فصل فإن تداعيا في ذلك وتفاقم الأمر بينهما وارتفعا إلى الحاكم حكم بينهما حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها. قال الله في كتابه حيث يقول: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] الآية معناه عند أهل العلم علمتم ذلك وخفتم تزايده. فإن تبين لهما أن الضرر من قبل الزوج فرقا بينهما بغير غرم تغرمه المرأة، ويكون لها نصف صداقها إن كان ذلك قبل الدخول وجميعه إن كان بعد الدخول؛ لأن حكم نصف الصداق قبل الدخول

стр. 540

كجميعه بعد الدخول. وإن تبين لهما أن الضرر من قبل المرأة أقراها تحته وائتمناه على غيبها وأذنا له في تأديبها كما أمره الله تعالى. وإن تبين لهما أن كل واحد منهما مضر بصاحبه فرقا بينهما بغرم بعض الصداق: نصفه إن كان إضرار كل واحد منهما بصاحبه متكافئا، وأكثر من النصف إن كان الإضرار منها أكثر، وأقل من النصف إن كان الإضرار منها أقل. هذا قول ربيعة في المدونة، ومثله في كتاب ابن المواز، وهو مذهب مالك وأصحابه. وقال ابن أبي زيد: إنه إن تبين لهما أن الضرر والنشوز من قبل المرأة جاز للزوج ما أخذا له منها على الفراق، وإن كان ذلك أكثر مما أصدقها، قاله ابن الماجشون في المبسوط، ظاهره أحبت أو كرهت إذا أحب هو الفراق. ومعنى ذلك عندي على ما في المدونة إن طاعت به. وبالله التوفيق. فصل فإن قال قائل: إذا كان الزوج لا يجوز له أن يأخذ من زوجته شيئا على فراقه إياها إذا أضر كل واحد منهما بصاحبه فكيف يجوز له أن يأخذ ما حكم به الحكمان من صداقها إذا تبين لهما أن كل واحد منهما مضر بصاحبه وقد نص الله ﵎ في كتابه على أن حكم الحاكم لا يحل مال أحد لأحد فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وسأل عن الفرق بين الموضعين. فالجواب عن ذلك أن الزوج في الخلع قد اختار الطلاق وأجبر الزوجة على أخذ مالها بما كان من ضرره إليها، وذلك ما لا يجوز له، لقول الله : ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، وفي حكم الحكمين لم يختر الطلاق بل أجبره عليه الحكمان كما أجبرا الزوجة على إعطاء المال، وساغ له أخذه عوضا عن إخراج الزوجة عن ملكه حكما من الله .

стр. 541

فصل وحكم الحكمين بين الزوجين لا إعذار فيه إلى أحدهما؛ لأنهما لا يحكمان بالشهادة القاطعة، وإنما يحكمان بما خلص إليهما من علم أحوالهما بعد النظر والكشف. فصل والخلع معاوضة عن البضع تملك به المرأة نفسها ويملك الزوج به العوض عليها ملكا تاما لا يفتقر إلى حيازة؛ لأنه خرج على عوض، بخلاف الهبة والصدقة وما أشبه ذلك مما خرج على غير عوض. هذا هو المشهور في المذهب. وقد وقع في كتاب محمد بن المواز ما يدل على خلافه، وذلك أنه قال: إذا كان على الزوج دين فأحال به على الزوجة فيما خالعها به، فماتت قبل أن يقبض المحال دينه أن له أن يرجع على الزوج بدينه، فلم يحكم له بحكم الديون الثابتة في الذمة؛ إذ جعل له الرجوع على الزوج ولم يجعلها حوالة ثابتة كالحوالة على الديون إلا أن العوض الذي تأخذه المرأة به ليس بمال، وإنما هو راحة نفسها وتخليصها من ملك الزوج، فلا يحكم له به إلا مع سلامة الحال. فإن كان في ذلك حق لآخرين نظر في ذلك بحسب قوته وضعفه، فمنه ما يقدم على الخلع أو منه ما يختلف في تقديمه على الخلع أو تقديم الخلع عليه. فأما ما يقدم على الخلع، فحق السيد في مال أمته المأذون لها في التجارة، وفي مال المكاتبة، لا اختلاف في المذهب أن الأمة المأذون لها في التجارة أو المكاتبة إذا اختلعت من زوجها أن خلعها لا يجوز إلا بإذن السيد لقوة حقها. واختلف في المديانة إذا اختلعت هل يجوز خلعها دون إذن الغرماء أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنها أعطته مالها فيما لا حظ لهم فيه بخلاف النكاح. والثاني: أن ذلك جائز كالنكاح. وجه القول الأول في الفرق بين الخلع والنكاح، أن النكاح مما تمس الحاجة إليه كالطعام والشراب، فقد دخل الغرماء معه على ذلك، والخلع ليس مما تمس الحاجة إليه، وإنما يقع نادرا

стр. 542

لعارض يعرض فتريد المرأة أن تخلص نفسها من الزوج بسببه فلم يدخل الغرماء معه على ذلك كما لو جنت جناية فيها قصاص فصالحت على نفسها بمال أعطته وعليها دين، فقد قال في كتاب الصلح من المدونة ليس لمن أحاط الدين بماله إذا جنى جناية فيها القصاص أن يصالح فيسقط القصاص عن نفسه بأموال غرمائه. وقد قيل: إن معنى قوله ليس له ذلك ابتداء، فإذا وقع نفذ ومضى. فعلى هذا التأويل إذا خالعت المديانة نفذ فعلها ومضى. إلا أنه تأويل بعيد، والصواب أنه لا يجوز إلا أن يجيزه الغرماء، وإنما وقع في هذا التأويل من تأوله؛ لأن ظاهره معارض لما وقع في كتاب الرهون من أن المرتهن أحق بما ارتهن في جناية العمد والخطأ من الغرماء. ومعنى ما وقع فيه من ذلك أنه العمد الذي لا قصاص فيه والخطأ الذي لا تحمله العاقلة. فإذا حمل على هذا صحت المسائل وسلمت من التعارض ولم يحتج إلى ذلك التأويل البعيد. فصل والفرق بين العمد الذي فيه القصاص وبين العمد الذي لا قصاص فيه هو أن العمد الذي لا قصاص فيه دين أوجبه الحق عليه لم يدخله هو على نفسه باختياره، فكان للمجروح مخاصمة الغرماء كسائر الديون. والعمد الذي فيه القصاص ليس بمال، وإنما للمجروح القصاص. فإن بذل له فيه مالا كان قد استهلك أموال غرمائه باستنقاذ نفسه من القصاص، وذلك ما لا يجوز له إلا بإذن غرمائه. فصل وكذلك اختلف في خلع المريضة والحامل المثقل، قيل: إن خلعها جائز على ورثتها إذا خالعت بخلع مثلها، روى ذلك ابن وهب عن مالك. فعلى هذه الرواية غلب الخلع على حق الورثة. وقيل: إن خلعها لا يجوز من غير تفصيل، وهو ظاهر قول مالك في المدونة وفي كتاب ابن المواز. وقيل: إن ذلك لا يجوز إن كانت خالعت بأكثر من ميراثه منها، ويجوز إن كانت خالعت بمثل ميراثه منها فأقل، وهو قول ابن القاسم. واختلف أيضا متى ينظر فيه إن كان يوم الخلع أو يوم

стр. 543

الموت، فقال ابن القاسم يوم الخلع، وقال ابن نافع وأصبغ يوم الموت، على ما يأتي في مسائلهم. فعلى هذين القولين غلب حق الورثة على الخلع. فصل والخلع مأخوذ من الاختلاع وهو نزع الشيء عن الشيء، من ذلك الحديث أن رسول الله ﷺ لم يزد غرماء معاذ على أن خلع لهم ماله، يريد أخرجه عن جميعه. وله عبارات هي الخلع، والصلح، والمبارأة، والفدية، وكلها تئول إلى معنى واحد وهو بذل العوض عن الطلاق، إلا أن اختلافها يرجع إلى اختلاف صفات وقوعها. فالخلع بذل جميع المال على الطلاق. والصلح بذل بعضه، والافتداء بذل جميع الحق الذي أعطاها. والمبارأة ترك ما لها عليه من الحق على الطلاق، أو ترك كل واحد منهما ما له على صاحبه على الطلاق. وحكمها كلها سواء في أنها طلقة واحدة بائنة إذا لم يسميا شيئا من الطلاق. فصل ويجوز الخلع على جميع أعداد الطلاق إلا أنه يكره فيما زاد على الواحدة، فإن وقع نفذ ومضى. وإن خالعته على أن يطلقها ثلاثا فطلقها واحدة لم تكن لها حجة؛ لأنها قد نالت بالواحدة ما كانت تنال بالثلاث من ملكها أمر نفسها. فصل وإن وقع الخلع دون تسمية طلاق فهي واحدة بائنة خلافا للشافعي في قوله: إن الخلع فسخ بغير طلاق. وحجته أن الله ذكر الخلع بعد قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فدل ذلك على أن الخلع ملغى غير محسوب. وهذا لا حجة فيه؛ لأن

стр. 544

ذكر الفدية حكم على حياله، فلا فرق بين أن يذكر بين ذكر الطلقتين والطلقة الثالثة أو في غير ذلك الموضع. وقد بين ذلك النبي ﷺ بقوله لثابت بن قيس بن شماس: " هي واحدة ". وهذا نص في موضع الخلاف. وذهب أبو ثور إلى أنها طلقة رجعية، وذلك بعيد؛ لأنها إنما بذلت المال على إزالة الضرر، ولا يزول الضرر عنها إلا بملكها نفسها. وقد اختلف إذا بارأها على أن يعطيها أو على أن لا تعطيه ولا يعطيها، فقيل هي طلقة رجعية، وهو قول مطرف، وقيل هي طلقة بائنة، وهو قول ابن القاسم، وقيل هي ثلاث تطليقات وهو قول ابن الماجشون. فصل ويجوز الخلع على ما أعطاها وعلى أكثر من ذلك وأقل منه لقول الله : ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولو كان كما يقول بعض الناس: إنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها في الخلع أكثر مما أعطاها لكان، فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه؛ لأن القائل لو قال لا تشتم فلانا إلا أن يشتمك فإن شتمك فلا جناح عليك فيما فعلت به، ولم يقل منه أو من ذلك لكان قد أباح له أن يشتمه وأن يفعل به ما شاء من ضرب وغيره. فصل ويجوز الخلع بالغرر والمجهول؛ لأنه ظاهر عموم قول الله : ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وإذ ليس طريقه طريق المبايعات التي تبتغى فيها الأثمان، وإنما المبتغى فيه تخليص الزوجة من ملك الزوج، فلا يضر الجهل بالعوض. ألا ترى أن النكاح لما لم يكن طريقه طريق المبايعات المحضة وكان المبتغى فيه المكارمة والاتصال جاز على عبد غير موصوف وعلى شوار بيت غير موصوف وما أشبه ذلك من الغرر اليسير الذي لا يذهب جملة فيبقى البضع بلا صداق؛ لأن الصداق حق لله تعالى، فلا يجوز إسقاطه. والخلع لا حق لله فيه فجاز

стр. 545

بالغرر الكثير من جميع جهاته وإن ذهب جملة فبقي الخلع بلا عوض. وقد قيل: إن الخلع بالغرر والمجهول لا يجوز. والمشهور ما قدمناه، وأجازه ابن القاسم في المدونة بالعبد الآبق والبعير الشارد وما أشبه ذلك، ومنع منه بالتزام نفقة الولد أكثر من حولي الرضاع وما أشبه ذلك، فقيل: إنه قد فرق بين المسألتين، وقيل: إنه خلاف من قوله. ولم يجز الصلح من دم العمد على غرر، فقيل: إن ذلك على القول الذي منع من الخلع بالغرر، وقيل: إنه فرق بين الخلع والصلح عن دم العمد، هو ظاهر ما في المدونة. والفرق بين الخلع ودم العمد أن دم العمد قد قيل: إن لولي الدم أن يعفو على أخذ الدية، فإذا كان له أن يأخذها فكأنه قد ملكها ووجبت له فلا يصالح عنها إلا بمعلوم. ويلزم على هذا أن لا يجوز الصلح إلا بما يصح به بيع الدية. وهذا أصل مختلف فيه هل يكون من ملك أن يملك كالمالك قبل أن يملك في الأحكام الجارية عليه أم لا؟ على قولين. كتاب الحضانة فصل في الحضانة الأصل في الحضانة كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وإجماع الأمة. فأما الكتاب فغير ما آية، منها قوله في الأبوين: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وفي الأمهات قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالأم أحق برضاعة ابنها وكفالته إلى أن يستغني عنها بنفسه. وقال تعالى حاكيا عن أخت موسى ﷺ أنها قالت لآسية امرأة فرعون: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣]، وقال في مريم بنت عمران: (وَكَفَلَهَا

стр. 546

زَكَرِيَّاءُ)، ويقرأ (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاء)، بتشديد الفاء. فمن قرأ وكفلها زكرياء قال معناه كفلها الله إياه، أي أوجب له كفالتها بالقرعة التي أخرجها له والآية التي أظهرها لخصومه فيها. وذلك أن زكرياء وخصومه فيها لما تنازعوا أيهم يكفلها تساهموا بقداحهم فرموا بها في نهر الأردن فقام قدح زكريا ثابتا في الماء، لم يجر كأنه في طين وجرى بقداح الآخرين، فجعل الله ذلك علما بأنه أحق المتنازعين فيها. وقيل: بل صعد قدح زكرياء في النهر وانحدرت قداح الآخرين، فكانت قداحهم التي استهموا بها أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، فذلك قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وكان زكرياء قد قال لهم: أنا أحق بها منكم؛ لأن عندي أختها أو خالتها على اختلاف في ذلك؛ لأنه قيل: إن زوجته أم يحيى كانت خالة مريم، وقيل: بل كانت أختها، فحكم الله بها لزكرياء لموضع أختها أو خالتها. وعلى هذا أتى شرعنا؛ لأن «النبي ﷺ قضى بابنة حمزة بن عبد المطلب لجعفر بن أبي طالب؛ إذ تنازع فيها علي بن أبي طالب وجعفر وزيد بن حارثة، فقال علي: هي ابنة عمي وعندي بنت رسول الله ﷺ فأنا أحق بها، وقال جعفر: هي ابنة عمي وعندي خالتها فأنا أحق بها، وقال زيد: هي ابنة أخي وتجشمت لها السفر وكان قد خرج عنها حين أصيب حمزة فأقدمها». وعلى هذا مذهبنا أن الحاضنة إذا كان زوجها وليا من أولياء المحضون فهي أحق به من سائر الأولياء وإن كان زوجها أبعد منهم. فصل وإنما كفلها زكرياء؛ لأنها كانت يتيمة توفيت أمها بعد موت أبيها وهي صغيرة. فصل وأما السنة فمنها «قوله ﷺ للمرأة المطلقة من أبي الطفيل حين قالت له: إن

стр. 547

ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وأنا له الفداء، فزعم أبوه أنه ينتزعه مني، فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي» وقضاؤه بابنة حمزة لجعفر لموضع خالتها أسماء بنت عميس. فصل وأما الإجماع فلا خلاف بين أحد من الأمة في إيجاب كفالة الأطفال الصغار؛ لأن الإنسان خلق ضعيفا مفتقرا إلى من يكفله ويربيه حتى ينفع نفسه ويستغني بذاته، فهو من فروض الكفاية لا يحل أن يترك الصغير دون كفالة ولا تربية حتى يهلك ويضيع. وإذا قام به قائم سقط عن الناس. ولا يتعين ذلك على أحد سوى الأب وحده، ويتعين على الأم في حولي رضاعه إذا لم يكن له أب ولا مال تستأجر له منه أو كان لا يقبل ثدي سواها فتجبر على رضاعه. فصل وإنما اختلف الناس في الأولى من الأولياء إذا اختلفوا في كفالته، وتشاحوا في ذلك. والأولياء الذين لهم الحضانة عصبته من الرجال، وقرابته من النساء من قبل الأم ومن قبل الأب، وأوصياؤه من الرجال والنساء. فصل فقراباته من النساء يستوجبن الحضانة بوصفين: أحدهما: أن يكن ذوات رحم منه. والثاني: أن يكن محرمات عليه. فإن كن ذوات رحم منه ولم يكن محرمات عليه كبنت الخالة وبنت العمة وما أشبههما لم يكن لهن حق في الحضانة. وكذلك إن كن محرمات عليه ولم يكن ذوات رحم منه كالمحرمات عليه بالصهر والرضاع وما أشبههن لم يكن لهن في الحضانة حق. وأما عصبته من الرجال فإنهم يستوجبون الحضانة بمجرد التعصيب كانوا من ذوي رحمه المحرم كالجد والعم والأخ وابن الأخ، أو من ذوي رحمه الذي ليس

стр. 548

بمحرم كابن العم وإن سفل، أو لم يكونوا من ذوي رحمه كالمولى المعتق. وأما أوصياؤه من الرجال والنساء فإنهم يستوجبون الحضانة بمجرد الولاية كانوا مقدمين من قبل الأب أو من قبل السلطان. فصل وهي، أعني الحاضنة، مرتبة فيهم بحسب الحنان والرفق لا يراعى في ذلك قوة الولاية، كالنكاح وولاء الموالي، والصلاة على الجنائز، وولاء الميراث، فقد يحضن من لا يرث كالوصي والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، وقد يرث من لا يحضن مثل الزوج والزوجة، أعني زوج المحضونة وزوجته، إن كان رجلا، والمولاة المعتقة. فالمقدم منهم في الحضانة من يعلم بمستقر العادة أنه أشفق على المحضون وأرأف به وأقوم بمنافعه، وهي الأم لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الأم أحق بالحضانة من الأب ومن سائر الأولياء من الرجال والنساء؛ لقول النبي ﷺ : «أنت أحق به ما لم تنكحي»، إلا أنه قد روي عنه ﷺ أنه أسهم بينهما. وروي عنه أنه خير الابن بين أبويه فقضى به لمن اختار منهما. وفي بعض الآثار «أن النبي ﷺ قال لهما: " استهما عليه "، فأبى الأب من ذلك، فخير النبي ﷺ الابن بينهما» وفي بعضها أن رسول الله ﷺ قال لهما: " إن شئتما خيرتماه ". وذهب أبو جعفر الطحاوي إلى أن لا يحمل شيء من هذه الآثار على التعارض وأن يستعمل جميعها، فيدعو الإمام الأبوين إلى الاستهام عليه، فإن أجابا إلى ذلك أسهم بينهما، وإن أبيا أو أحدهما قال لهما: " إن شئتما خيرتماه "، فإن أبيا ذلك أو أحدهما حكم به للأم، وهو وجه حسن يصح به استعمال الآثار كلها، واستعمال جميعها أولى من طرح بعضها. فصل وكما تكون الأم أحق من الأب فإن قراباتها أحق من قرابات الأب لا اختلاف

стр. 549

بين أهل العلم في ذلك. واختلفوا هل تكون قراباتها سوى الأم أو أم الأم أحق من الأب على قولين، فروى ابن وهب عن مالك أن الأب أحق من الخالة، والمشهور في المذهب أن قرابات الأم أحق من الأب. فعلى هذا إن لم تكن الأم أو كانت ولها زوج أجنبي فأمها وهي الجدة، فإن لم تكن فأم أمها أو أم أبيها، فإن اجتمعتا جميعا فأم الأم أحق من أم الأب. فإن لم تكن واحدة منهما فأم أم أمها، أو أم أم أبيها، أو أم أبي أمها، أو أم أبي أبيها، فإن اجتمع الأربع فأم أم الأم، ثم أم أب الأم وأم أم الأب بمنزلة سواء. ثم أم أب الأب. وعلى هذا الترتيب أمهاتهن ما علون. فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الأم وهي الخالة، فإن اجتمع أخت الأم لأبيها وأمها وأختها لأبيها وأختها لأمها فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب؛ لأن الأم أمس رحما. فإن لم تكن منهن واحدة فأخت الجدة وهي خالة الأم وخالة الخالة، فإن اجتمع أيضا أخت الجدة لأبيها وأمها وأختها لأمها وأختها لأبيها، فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب؛ لأن الأم أمس رحما من الأب على ما بيناه. فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الجد للأم وهي عمة الأم وعمة الخالة. فإن اجتمع أيضا أخت الجد للأم لأبيه وأمه وأخته لأمه وأخته لأبيه، فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب. وعلى هذا الترتيب ما بعد النسب من الأم وارتفع. فصل فإن انقطعت قرابات الأم فقيل: إن الأب أحق من جميع قراباته؛ لأنهن إنما يدلين به فهو أحق منهن، وقيل: إنهن أحق منه؛ لأنه وإن كن يدلين به فإنه لا يحضن ويستنيب في الحضانة غيره من النساء، فقراباته أحق. حكى هذين القولين عبد الوهاب، وجعل في المدونة بعض قراباته أحق منه وهو أحق من بعضهن، فجعل الجدات من قبله أحق منه، وجعله هو أحق من سائر قراباته.

стр. 550

فصل وترتيب قرابات الأب من النساء في الحضانة كترتيب قرابات الأم على ما بيناه، فأحق الناس بالحضانة من قراباته أمه، فإن لم تكن أم أو كان لها زوج فأم أمه أو أم أبيه، فإن اجتمعتا فأم أمه أحق من أم أبيه. فإن لم تكن واحدة منهما فأم أم أمه أو أم أم أبيه، أو أم أم أبي أبيه أو أم أبي أمه. فإن اجتمع جميعهن فأم أم أمه أولى، ثم أم أبي أمه وأم أم أبيه بمنزلة سواء، ثم أم أم أبي أبيه. وعلى هذا الترتيب تكون أمهاتهن ما علون. فإن لم تكن واحدة منهن فبنت الأبوين أو بنت أحدهما وهي الأخت، فإن اجتمع الأخوات فالشقيقة أحق ثم التي للأم ثم التي للأب. فإن لم تكن واحدة منهن. فأخوات الأب وهن العمات للأب وللأم، وللأم دون الأب، وللأب دون الأم. فإن اجتمعن فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب؛ لأن الأم أمس رحما من الأب على ما بيناه في الخالات. فإن لم تكن واحدة منهن فأخوات الجد وهن عمات الأب وعمات العم للأب والأم، وللأم دون الأب، وللأب دون الأم. فإن اجتمعن أيضا فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب. فإن لم تكن واحدة منهن فأخوات الجدة للأب والأم وللأم دون الأب وللأب دون الأم، وهن خالات الأب، فإن اجتمعن فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب، وهن على هذا الترتيب ما بعد النسب من الأب وارتفع. فإن لم تكن منهن واحدة فبنات الإخوة وبنات الأخوات للأب والأم وللأم دون الأب وللأب دون الأم وإن سفلوا الأقرب فالأقرب. وذهب ابن حبيب في الواضحة إلى أنه لا حضانة لبنات الأخوات، وهو بعيد خارج عما أصلناه؛ لأنهن ذوات رحم محرمات عليه، فلا فرق بينهن وبين سائر قراباته في وجوب الحضانة لهن. فإن اجتمعتا جميعا بنت الأخ وبنت الأخت قدمت بنت الأخ عليها في الحضانة مراعاة للخلاف الذي حكيناه، وهما في القياس سواء في المنزلة، ينظر الإمام في ذلك فيقضي به لأحرزهما وأكفاهما. فإن لم تكن منهن واحدة أو كانت ولها زوج أجنبي رجعت الحضانة إلى العصبة، ولا شيء فيها لبنات العمات ولا لبنات الخالات؛ لأنهن غير محرمات.

стр. 551

فصل وأحق الناس بالحضانة من العصبة الأخ، ثم الجد، ثم ابن الأخ، ثم العم، هكذا في كتاب ابن المواز. فيحتمل أن يريد أن الجد وإن علا أحق من ابن الأخ ومن العم، ويحتمل أن يريد أن أحق الناس بالحضانة من العصبة الأخ ثم الجد الأدنى ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم وإن سفل الأقرب فالأقرب، ثم أبو الجد، ثم عم العم ثم ابن عم العم وإن سفل الأقرب فالأقرب، ثم جد الجد ثم ولده، ثم والد جد الجد ثم ولده على هذا الترتيب أبدا. فترتيب الحضانة في العصبة ليس يجري على ميراث المال ولا على ميراث الولاء والصلاة على الجنائز؛ لأن الجد وإن علا أرفع مرتبة في الميراث من الأخ إذ لا ينقص معهم من الثلث شيئا، ولأن بني الإخوة والأعمام وبنيهم لا شيء لهم مع الجد وإن علا في ميراث المال، وابن الأخ في ميراث الولاء أحق من الجد. فصل وأحق الناس بالحضانة على مذهب ابن القاسم في المدونة بعد الأم الجدة للأم وإن علت، فإن اجتمعت الجدات فعلى الترتيب الذي وصفناه [ثم الخالة فإن اجتمعت الخالات فعلى الترتيب الذي وصفناه]، ثم خالة الأم فإن اجتمعن فعلى الترتيب الذي وصفناه ثم عمة الأم، فإن اجتمعت عماتها فعلى الترتيب الذي وصفناه. ثم الجدة للأب وإن علت، فإن اجتمع الجدات للأب فعلى الترتيب الذي وصفناه، ثم الأخت فإن اجتمعت الأخوات فعلى الترتيب الذي وصفناه، ثم العمة، ثم عمة الأب، ثم خالة الأب، ثم بنات الإخوة، ثم بنات الأخوات. وقيل: لا حضانة لبنات الأخوات، وقيل: إنهن أحق من بنات الإخوة، وقيل: إنهن بمنزلة سواء، ينظر الإمام في أحرزهن وأكفاهن.

стр. 552

فصل وقد تقدم أن الحاضنة إذا كان لها زوج أجنبي سقطت حضانتها، فإن كان زوجها ذا رحم من المحضون فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون محرما عليه، والثاني: أن لا يكون محرما عليه. فإن كان محرما عليه فسواء كان ممن له الحضانة كالعم والجد للأب أو ممن لا حضانة له كالخال والجد للأم لا تأثير له في إسقاط الحضانة. وأما إن كان غير محرم عليه فلا يخلو أن يكون ممن له حضانة كابن العم أو ممن لا حضانة له كابن الخال. فإن كان ممن له الحضانة فهي أحق به ما لم يكن للمحضون حاضنة أقرب إليه منها فارغة من زوج. وإن كان زوجها أبعد من الولي الآخر. وإن كان ممن لا حضانة له فإنه تسقط حضانتها بكل حال كالأجنبي سواء. وذهب ابن وهب إلى أن الزوج يسقط حضانة الحاضنة وإن كان ذا رحم من المحضون. فصل واختلف بماذا يسقط الزوج الأجنبي حضانة زوجته، فقيل بالدخول وقيل بالحكم عليه بأخذ الولد منه. وعلى هذا يأتي اختلافهم فيمن طلق امرأته وله منها ولد فتزوجت ولم يعلم بتزويجها حتى طلقها الزوج أو مات عنها أو علم بذلك ولم تطل المدة، هل له أن يأخذ الولد منها بعد خلوها من الزوج أم لا؟ فأما إن علم بتزويجها ولم يعجل بأخذ الولد منها حتى طالت المدة ثم طلقها الزوج أو مات عنها؛ فليس له أن يأخذ الولد منها؛ لأنه يعد بذلك تاركا لحقه فيه على الاختلاف في السكوت هل هو بمنزلة الإقرار أم لا؟ فصل واختلف أيضا فيما يسقط من حضانتها بذلك، فقيل: إنه تسقط به حضانتها جملة، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل: إنما تسقط حضانتها في جهة من حضن المحضون في حال تزويجها، وقيل: إنه إنما تسقط حضانتها في حال تزويجها، فإن طلقها الزوج أو مات عنها رجعت في ولدها. وعلى هذه الثلاثة الأقوال تأتي

стр. 553

مسائلهم فمن قال: إن حضانتها تسقط جملة. فيأتي على مذهبه أن الحضانة لا تعود إليها أبدا وإن مات الحاضن للولد وهي فارغة من الزوج بموت أو طلاق. ومن قال: إن حضانتها إنما تسقط في جهة من حضن الولد في حال تزويجها فيأتي على مذهبه أن الحضانة لا تعود إليها وإن طلقها الزوج أو مات عنها ما دام الحاضن للولد على حضانته، فإن سقطت حضانته بموت أو ما أشبه ذلك مما تسقط به حضانتها وهي فارغة من زوج؛ رجعت الحضانة إليها. ومن قال: إن حضانتها إنما تسقط في حال تزويجها يقول: إنها ترجع في ولدها فتأخذه متى ما مات الزوج أو طلقها. وجه القول الأول أن تزويجها رضا منها بإسقاط حقها فيه. ووجه القول الثاني: أن تزويجها رضا منها بإسلام الولد إلى الذي يحضنه في حال تزويجها وليس برضا منها بإسقاط حقها فيه جملة. ووجه القول الثالث: أن تزويجها ليس برضا منها بترك الولد؛ لأن النكاح مما تمس الحاجة إليه كالطعام والشراب، فأشبه ما إذا مرضت وضعفت عن الحضانة أن الولد يؤخذ منها لهذه العلة، فإذا ارتفعت العلة عادت الحضانة إليها وأخذت ولدها. فصل وهذه الثلاثة الأقوال إنما تتصور على مذهب من يرى أن الحضانة من حق الحاضن. وأما على مذهب من يرى أنها من حق المحضون، وهو مذهب ابن الماجشون، فلها أن تأخذ الولد متى ما خلت من الزوج. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم في السكنى وأجر الحضانة، فمن رأى أن الحضانة من حق الحاضن لم ير له أجرة ولا كراء في سكناه معه؛ لأنه لا يستقيم أن يكون من حقه أن يكفله ويؤويه إلى نفسه ويجب له بذلك حق. ومن رأى أن الحضانة من حق المحضون أوجب للحاضن أجرة على حضانته إياه وكذلك سكناه معه، وهذا بين. ولا اختلاف في أن على الأب النفقة والكسوة وأجر الرضاع إن كان رضيعا. واختلف قول مالك إذا وجد الأب من يرضعه له باطلا أو بدون ما يساوي رضاعه، قال في المدونة: إن من حق الأم أن ترضعه بأجرة مثلها، فقيل: إن ذلك من أجل حقها في حضانته، وقيل: إن ذلك من أجل رفقها به في إرضاعه وأن لبنها أنفع له على ما روي أن ما

стр. 554

من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه. فمن علل ذلك بحقها في الحضانة يقول: إن الأب إن وجد من يرضعه له عند أمه باطلا لم يكن لها حجة. ومن علل بالعلة الأخرى فحجتها باقية. وروى ابن وهب عن مالك أن الأم إن لم ترد أن ترضعه باطلا أو بما وجد كان له أن يدفعه إلى من يرضعه باطلا أو بما وجد. ومعنى ذلك إذا أرضعته عند أمه ولم تخرجه من حضانتها. وهذا القول أشبه بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]، وأما إن أبت الأم أن ترضعه فيستأجر له الأب من يرضعه وليس عليه أن يكون في ذلك عند أمه. فعلى هذا تحمل الروايات الواردة في هذا إن شاء الله تعالى. فصل وإذا قلنا: إن الحضانة من حق الحاضن فهل يملك الحاضن إسلامه إلى من شاء من الأولياء أم لا؟ في ذلك اختلاف. قيل: إن للحاضن أن يسلم الولد إلى من شاء من الأولياء وإن كان غيره أحق به منه، وهو ظاهر ما في المدونة؛ لأنه قال: إن المرأة إذا صالحت زوجها على أن يكون الولد عنده جاز ذلك وكان أحق بالولد، فظاهره وإن كان له جدة أو خالة؛ إذ لم يشترط ذلك. وقيل: إنه لا يملك ذلك، وإنما هو حقه، فإن شاء أخذه وإن شاء تركه، فإن تركه كان لمن يجب له بعده، كشفعاء في الشفعة ليس لمن كان منهم أحق بها أن يسلمها لمن شاء، وإنما هو حقه إن شاء أخذه وإن شاء تركه، فإن تركه كان لمن يجب له بعده. فصل واختلف في حد الحضانة فقيل إلى البلوغ، وقيل إلى الإثغار، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وبالله التوفيق.

стр. 555

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كتاب الأيمان بالطلاق ما جاء في الأيمان بالطلاق الأصل في وجوب الأيمان بالطلاق قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، يريد عقد اليمين وعقد النذر وسائر العقود اللازمة في الشرع. فصل والأيمان تنقسم على ثلاثة أقسام: مباحة، ومكروهة، ومحظورة. فالمباحة اليمين بالله تعالى وبجميع أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ لأن الله تعالى أذن في الحلف باسمه لعباده وشرعه لهم في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]، وقال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧]، وما روي أن عيسى ابن مريم كان يقول لبني إسرائيل: إن موسى كان ينهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين أو صادقين،

стр. 556

ظاهره أن شرعه خلاف شرع موسى وخلاف شرعنا في إباحة الحلف بالله دون كراهية. ويحتمل أن يكون إنما كره لهم اليمين بالله صادقين مخافة أن يكثر ذلك منهم؛ فيكون ذريعة إلى حلفهم بالله على ما لم يعلموه يقينا أو يواقعوا الحنث كثيرا، أو يقصروا في الكفارة فيقعوا في الحرج، لا أن ترك اليمين بالله على الصدق أفضل من الحلف بها؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ باليمين باسمه في ثلاثة مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، «وكان ﷺ كثيرا ما يحلف لا والذي نفسي بيده، لا ومقلب القلوب». ولا وجه لكراهة اليمين بالله على الصدق؛ لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شك أن في ذكر الله تعالى على وجه التعظيم له أجرا عظيما. فصل واليمين بالله هي التي أمر الله بحفظها، وجعل لغو اليمين فيها، وأوجب الكفارة على من حلف بها فحنث بقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قيل معناه فحنثتم، [ويحتمل أن يكون معناه:

стр. 557

فحنثتم]، أو أردتم الحنث على القول بجواز الكفارة قبل الحنث على ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، أو يفعل الذي هو خير ويكفر عن يمينه، ثم قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]»، وبالله التوفيق. فصل ويسقط الكفارة عمن حلف بهذه اليمين فحنث فيها الاستثناء بمشية الله تعالى إذا وصل ذلك بآخر كلامه وقصد به حل يمينه بإجماع أهل العلم. قال رسول الله ﷺ : «من حلف بالله فقال: إن شاء الله ثم لم يفعل الذي حلف عليه لم يحنث». فصل وأما اليمين المكروهة فهي اليمين بغير الله تعالى، قال رسول الله ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وهي على وجهين: أحدهما: أن يوجب على نفسه شيئا من الأشياء إن فعل فعلا أو إن لم يفعله، كقوله علي كذا وكذا إن فعلت كذا وكذا أو إن لم أفعله. والوجه الثاني: أن يحلف بحق شيء من الأشياء أن يفعل كذا وكذا أو أن لا يفعله، كقوله وأبي لأفعلن كذا وكذا وما أشبه ذلك. فأما ما يوجب الرجل على نفسه بشرط أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله فإن ذلك ينقسم على ثلاثة أقسام: منها ما يلزمه باتفاق، ومنها ما لا يلزمه باتفاق، ومنها ما يختلف فيه.

стр. 558

فصل فأما ما يلزمه باتفاق فاليمين بالطلاق، لا اختلاف بين أحد من العلماء أن الرجل إذا حلف بطلاق امرأته على نفسه أو على غيره أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله أن اليمين لازمة له وأن الطلاق واقع عليه في زوجته إذا حنث في يمينه؛ لأن الحالف بالطلاق أن لا يفعل فعلا وأن يفعله إنما هو مطلق على صفة ما، فإذا وجدت الصفة التي علق بها طلاق امرأته لزمه ذلك، إلا ما روي عن أشهب في الحالف على امرأته بطلاقها أن لا تفعل فعلا فتفعله قاصدة لتحنيثه أنه لا شيء عليها، وهو شذوذ، وإنما الاختلاف المعلوم فيمن قال لعبده أنت حر إن فعلت كذا وكذا ففعله. فصل ولا يكون لغو في اليمين بالطلاق؛ لأن الله تعالى لم يذكره إلا في اليمين بالله . وأما الاستثناء فيه بمشيئة الله فإن رده إلى الطلاق لم ينفعه، وإن رده إلى الفعل نفعه عند ابن الماجشون وأشهب، ولم ينفعه عند ابن القاسم. وقول ابن الماجشون وأشهب أظهر قياسا على الاستثناء في اليمين بالله أنه إن رده إلى اسم الله تعالى لم ينفعه وإن رده إلى الفعل الذي حلف عليه نفعه. فصل وأما إن كان استثناؤه بمشيئة مخلوق فله استثناؤه باتفاق؛ لأن ذلك من تمام الصفة التي علق بها الطلاق. فصل وأما ما لا يلزمه باتفاق فما يوجب على نفسه بشرط أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله مما ليس لله بطاعة ولا يتقرب به إليه، كان مباحا أو معصية، كقوله في المعصية: علي ضرب فلان إن لم أفعل كذا وكذا، وفي المباح علي المشي إلى السوق إن لم أفعل كذا وكذا وما أشبه ذلك ما عدا الطلاق؛ فإن اليمين به تلزمه وإن

стр. 559

كان من المباح الذي ليس لله فيه طاعة ولا معصية للمعنى الذي قدمت ذكره وهو أن الحالف به مطلق على صفة ما. فصل وأما الوجه الثالث المختلف فيه فهو يمينه بكل ما فيه طاعة وقربة أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله من صلاة أو صيام أو مشي إلى بيت الله أو غزو أو حج أو ما أشبه ذلك، فذهب مالك وأصحابه إلى أن ذلك يلزمه باليمين إذا حنث فيها كما يلزمه بالنذر. وهذا أصل مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وقد شذت له مسائل يسيرة عنه، وخالفه في هذا الأصل جماعة من العلماء على اختلاف كثير في ذلك عنهم. فصل فإن استثنى في ذلك بمشيئة مخلوق نفعه الاستثناء، وإن استثنى فيه بمشيئة الخالق جرى ذلك على الاختلاف المذكور، ولا لغو يمين في ذلك أيضا. فصل وأما الوجه الثاني من وجوه اليمين بغير الله فهو أن يحلف بحق شيء من الأشياء أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله، كقوله وأبي لأفعلن كذا وكذا، أو والنبي أو ومكة أو والصلاة والزكاة والطلاق لا أفعله وما أشبه ذلك، فهذا كله ليس بيمين ولا كفارة فيه على من حلف بشيء من الأشياء وحنث فيه، إلا أنه يكره ذلك له، لنهي رسول الله ﷺ عن اليمين بغير الله، ولأن الحالف بالشيء قاصد إلى تعظيم المحلوف به، والله أحق من قصد إلى تعظيمه. وقد اختلف في قول الله : والطور، والسماء، والطارق، والنجم، والتين، والزيتون، وما أشبه ذلك من الأيمان الواردة في القرآن، فقيل: إن ذلك من المجاز وأن المعنى فيه ورب الطور ورب السماء والطارق ورب النجم وما أشبه ذلك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقيل: إن ذلك على الحقيقة لا

стр. 560

مجاز فيه، وهو أصح إن شاء الله؛ لأن الله تعالى هو المقسم بهذه الأشياء، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ترفيعا لها على ما سواها وتنبيها على آثار الصنعة فيها، فلا حجة لمخلوق بهذا في إجازة الحلف بغير الله تعالى. فصل وأما المحظورة فهي أن يحلف بالطواغيت وباللات والعزى أو بوثن من الأوثان التي تعبد من دون الله، أو بكنيسة من الكنائس، أو ببيعة من البيع، وما أشبه ذلك؛ لأن الحالف بالشيء قصد إلى تعظيمه، وتعظيم هذه الأشياء كفر بالله تعالى. فصل فيما ينقسم إليه الطلاق من الوجوه والطلاق ينقسم على قسمين: طلاق مطلق، وطلاق مقيد بصفة. فأما الطلاق المطلق فهو قول الرجل لامرأته: أنت طالق وما أشبه ذلك من صريح الطلاق وكناياته. وقد اختلف في صريحه ما هو على ثلاثة أقوال: أحدها: أن صريحه لفظ الطلاق خاصة، وأن كناياته ما عدا ذلك، مثل قوله خلية وبرية وحبلك على غاربك وما أشبه ذلك وهو مذهب عبد الوهاب. والثاني: أن هذه الألفاظ كلها صريح الطلاق، وبعضها أبين من بعض، وهو مذهب أبي الحسن بن القصار. والثالث: أن صريح الطلاق ما ذكره الله في كتابه وهو الطلاق والسراح والفراق، وهو مذهب الشافعي. واختلف بماذا يلزم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزم بمجرد [النية دون القول، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب الأيمان بالطلاق. والثاني: أنه يلزم بمجرد القول دون نية]. والثالث: أنه لا يلزم إلا باجتماع القول والنية، وهذا فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم الظاهر فلا اختلاف بين أهل العلم أن الرجل يحكم عليه بما أظهر من صريح القول بالطلاق أو كناياته، ولا يصدق أنه لم ينوه ولا

стр. 561

أراده إن ادعى ذلك على مذهب من يرى أن الطلاق لا يلزم بمجرد القول حتى تقترن به النية. وأما الطلاق المقيد بصفة فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يقيد ذلك بلفظ الشرط، والثاني: أن يقيده بلفظ الوجوب. فأما إذا قيده بلفظ الشرط مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا، أو إن لم أفعله، فإن الفقهاء يسمون ذلك يمينا بالطلاق على المجاز لما فيه من معنى اليمين بالله تعالى، وهو أن الطلاق يجب عليه بالشرط كما تجب الكفارة على الحالف بالله تعالى بالحنث، فاستويا جميعا في القصد إلى الامتناع مما يجب به الطلاق أو الكفارة دون القصد إلى الطلاق أو الكفارة. ومن ذلك أيضا أنه ينعقد في المستقبل من الأزمان كما تنعقد الأيمان بالله تعالى ويكون في الماضي [إما واقع وإما ساقط كاليمين بالله التي تكون في الماضي]، إما لغو أو حالف على صدق لا تجب فيه كفارة، وإما غموس أعظم من أن تكون فيه كفارة. ويأثم إذا حلف على الغيب أو على الكذب أو على الشك كما يأثم في اليمين بالله إذا حلف على شيء من ذلك وليس بحقيقة، وإنما حقيقة اليمين بالطلاق قول الرجل وحق الطلاق لا فعلت كذا وكذا. فصل فيما تنقسم إليه اليمين بالطلاق من الوجوه وهو - أعني اليمين بالطلاق على ما ذكرته من المجاز - ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحلف بالطلاق على نفسه، والثاني: أن يحلف به على غيره، والثالث: أن يحلف به على مغيب من الأمور. فأما الأول وهو حلفه بالطلاق على نفسه فهو ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا فيقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا. والثاني: أن يحلف به على أن يفعل فعلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا. فأما الوجه الأول وهو أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله

стр. 562

وتركه. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه تركه. والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله. فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه فلا خلاف في أنه لا طلاق عليه إلا إن فعل ذلك الفعل. مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن ضربت عبدي أو دخلت الدار أو ركبت الدابة أو ما أشبه ذلك إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقول: امرأتي طالق إن وطئتك فإن لها تفصيلا وفيها اختلاف مذكور في الأمهات، وسيأتي تحصيل القول عليه في كتاب الإيلاء. وأما إذا كان مما لا يمكنه تركه فقيل: إنه يعجل عليه الطلاق، وهو قول سحنون، وقيل: إنه لا طلاق عليه حتى يفعل ذلك الفعل كالوجه الأول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة. مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن أكلت أو شربت أو صمت أو صليت وما أشبه ذلك. وأما إذا كان مما لا يمكنه فعله فقيل: إنه لا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل: إن الطلاق يعجل عليه؛ لأنه يعد نادما، وهو قول سحنون، وروي مثله عن ابن القاسم. مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن مسست السماء أو ولجت في سم الخياط وما أشبه ذلك. وأما الوجه الثاني: وهو أن يحلف بالطلاق أن يفعل فعلا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله وتركه، والثاني: أن يكون مما لا يمكنه فعله في الحال، والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله على حال. فصل فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه، مثل قوله: أنت طالق إن لم أدخل الدار أو إن لم أضرب عبدي وما أشبه ذلك فإنه يمنع من الوطء؛ لأنه على حنث ولا يبر إلا بفعل ذلك الشيء. فإن رفعت امرأته أمرها ضرب له أجل المولي وطلق عليه عند انقضائه إلا أن يبر بفعل ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه أو تحب البقاء معه بغير وطء. فإن اجترأ ووطئ سقط أجل الإيلاء واستؤنف لها ضربه إن رفعت ذلك. ولا يقع عليه طلاق بترك ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه؛ لأنه طلاق لا يكشفه إلا الموت. وإن أراد أن يحنث نفسه بالطلاق دون أن يطلق عليه الإمام بالإيلاء، كان ذلك له إلا أن يضرب أجلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا إلى وقت كذا وكذا فلا يكون له أن يحنث نفسه بالطلاق ويطأ إلى الأجل على اختلاف من قول

стр. 563

ابن القاسم، ويضرب له أجل الإيلاء على القول الذي يقول: لا يطأ إذا كان الأجل أكثر من أربعة أشهر، فهذا حكم هذا القسم إلا في مسألتين: أحدهما: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها. والثانية: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحبلها. فأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أطلقها ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن الطلاق يعجل عليه ساعة حلف. ووجه ذلك أنه حمله على التعجيل والفور، فكأنه قال: أنت طالق إن لم أطلقك الساعة. والثاني: أن الطلاق لا يعجل عليه إلا أن ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه على الوطء. والثالث: أنه لا يطلق عليه إن رفعته امرأته ويضرب له أجل الإيلاء، فإن طلقها وإلا طلق عليه بالإيلاء عند انقضاء أجله، ولم يمكن من الوطء؛ لأنه لا يجوز له من أجل أنه على حنث. وإن اجترأ فوطئ سقط عنه الإيلاء واستؤنف ضربه له ثانية إن رفعت امرأته أمرها إلى السلطان. وفائدة ضرب أجل الإيلاء على هذا القول وإن لم يمكن من الفيء بالوطء رجاء أن ترضى في خلال الأجل بالبقاء معه على العصمة دون وطء. وأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها فإنه يطأ أبدا حتى يحبلها؛ لأن بره في إحبالها. وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك له أن يطأها؛ لأن بره في وطئها، فإن وقف عن وطئها كان موليا عند مالك والليث فيما روي عنهما. وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب. فصل وأما إذا كان ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله في الحال، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج، وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يمنع من الوطء الآن وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من المدونة، ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من العتبية. والثاني: أنه لا يمنع من الوطء حتى يمكنه فعل ذلك الفعل. والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى فوات ذلك الفعل. والرابع: أنه لا يمنع منه حتى يفوت فعل ذلك الفعل.

стр. 564

فصل فإذا قلنا: إنه يطأ حتى يمكنه فعل ذلك الفعل فأمسك عن الوطء بإمكان الفعل له ثم فات الوقت، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يرجع إلى الوطء أبدا. والثاني: أنه يطلق عليه. والثالث: أنه يرجع إلى الوطء حتى يمكنه الفعل مرة أخرى. وقد زدنا هذه الأوجه بيانا في كتاب الإيلاء. وأما إذا كان الفعل مما لا يمكنه فعله على حال لعدم القدرة عليه، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أمس السماء وإن لم ألج في سم الخياط وما أشبه ذلك، أو لمنع الشرع منه مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أقتل فلانا أو إن لم أشرب الخمر وما أشبه ذلك فإنه يعجل عليه الطلاق إلا أن يجترئ على الفعل الذي يمنعه منه الشرع فيفعله قبل أن يعجل عليه الطلاق فإنه يبر في يمينه ويأثم في فعله، ولا اختلاف في هذا الوجه. فصل وأما القسم الثاني وهو أن يحلف بالطلاق على غيره فإنه ينقسم أيضا على وجهين: أحدهما: أن يحلف عليه أن لا يفعل فعلا. والثاني: أن يحلف عليه ليفعلنه. فأما إذا حلف عليه أن لا يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعل فلان كذا وكذا فهو كالحالف على فعل نفسه سواء في جميع الوجوه، وقد تقدم تفسير ذلك. وأما إذا حلف أن يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل فلان كذا وكذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالحالف على فعل نفسه أن يفعل فعلا يمنع من الوطء ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير تفصيل. والثاني: أنه يتلوم له على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه. واختلف هل يطأ في هذا التلوم أم لا؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب له أجلا؛ لأن التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء. والثالث الفرق بين أن يحلف على حاضر أو غائب، وهو الذي يأتي على ما في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق.

стр. 565

فصل وأما القسم الثالث وهو أن يحلف بالطلاق على مغيب من الأمور فإن كان مما له طريق إلى معرفته لم يعجل عليه بالطلاق حتى يعرف صدقه من كذبه، كالقائل: امرأتي طالق إن لم يجئ فلان غدا، فإن مضى الأجل ولم يعلم صدقه من كذبه حمل من ذلك ما تحمل. وإن كان مما لا طريق له إلى معرفته عجل عليه الطلاق ولم يستأن به. واختلف إن غفل عن الطلاق عليه حتى جاء على ما حلف عليه فيتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يطلق عليه. والثاني: أنه لا يطلق عليه. والثالث: أنه إن كان حلف على غالب ظنه لأمر توسمه مما يجوز له في الشرع لم تطلق عليه، وإن كان حلف على ما ظهر عليه بكهانة أو تنجيم أو على الشك أو على تعمد الكذب طلق عليه. فصل وأما الوجه الثاني وهو أن يقيد طلاقه بالصفة بلفظ الوجوب، وهو أن يقول: امرأتي طالق إن كان كذا وكذا فإنه ينقسم على أربعة أقسام: أحدها: أن تكون الصفة آتية على كل حال. والثاني: أن تكون الصفة غير آتية على كل حال. والثالث: أن تكون مترددة بين أن تأتي وبين أن لا تأتي من غير أن يغلب أحد الوجهين على الآخر أو يكون الأغلب منهما أنها لا تأتي. والرابع: أن تكون مترددة بين أن تأتي أو لا تأتي والأغلب منهما أنها تأتي. فالأول يعجل عليه فيها الطلاق باتفاق. والثاني يتخرج على قولين. والثالث لا يعجل عليه الطلاق باتفاق. والرابع يختلف فيه عنى قولين منصوصين.
следующие страницы →