Полный текст (1 626 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أراده إن ادعى ذلك على مذهب من يرى أن الطلاق لا يلزم بمجرد القول حتى تقترن به النية.
وأما الطلاق المقيد بصفة فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يقيد ذلك بلفظ الشرط، والثاني: أن يقيده بلفظ الوجوب. فأما إذا قيده بلفظ الشرط مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا، أو إن لم أفعله، فإن الفقهاء يسمون ذلك يمينا بالطلاق على المجاز لما فيه من معنى اليمين بالله تعالى، وهو أن الطلاق يجب عليه بالشرط كما تجب الكفارة على الحالف بالله تعالى بالحنث، فاستويا جميعا في القصد إلى الامتناع مما يجب به الطلاق أو الكفارة دون القصد إلى الطلاق أو الكفارة.
ومن ذلك أيضا أنه ينعقد في المستقبل من الأزمان كما تنعقد الأيمان بالله تعالى ويكون في الماضي [إما واقع وإما ساقط كاليمين بالله التي تكون في الماضي]، إما لغو أو حالف على صدق لا تجب فيه كفارة، وإما غموس أعظم من أن تكون فيه كفارة. ويأثم إذا حلف على الغيب أو على الكذب أو على الشك كما يأثم في اليمين بالله إذا حلف على شيء من ذلك وليس بحقيقة، وإنما حقيقة اليمين بالطلاق قول الرجل وحق الطلاق لا فعلت كذا وكذا.
فصل
فيما تنقسم إليه اليمين بالطلاق من الوجوه
وهو - أعني اليمين بالطلاق على ما ذكرته من المجاز - ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحلف بالطلاق على نفسه، والثاني: أن يحلف به على غيره، والثالث: أن يحلف به على مغيب من الأمور. فأما الأول وهو حلفه بالطلاق على نفسه فهو ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا فيقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا. والثاني: أن يحلف به على أن يفعل فعلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا. فأما الوجه الأول وهو أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله
стр. 562
وتركه. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه تركه. والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله. فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه فلا خلاف في أنه لا طلاق عليه إلا إن فعل ذلك الفعل. مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن ضربت عبدي أو دخلت الدار أو ركبت الدابة أو ما أشبه ذلك إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقول: امرأتي طالق إن وطئتك فإن لها تفصيلا وفيها اختلاف مذكور في الأمهات، وسيأتي تحصيل القول عليه في كتاب الإيلاء. وأما إذا كان مما لا يمكنه تركه فقيل: إنه يعجل عليه الطلاق، وهو قول سحنون، وقيل: إنه لا طلاق عليه حتى يفعل ذلك الفعل كالوجه الأول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن أكلت أو شربت أو صمت أو صليت وما أشبه ذلك. وأما إذا كان مما لا يمكنه فعله فقيل: إنه لا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل: إن الطلاق يعجل عليه؛ لأنه يعد نادما، وهو قول سحنون، وروي مثله عن ابن القاسم. مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن مسست السماء أو ولجت في سم الخياط وما أشبه ذلك. وأما الوجه الثاني: وهو أن يحلف بالطلاق أن يفعل فعلا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله وتركه، والثاني: أن يكون مما لا يمكنه فعله في الحال، والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله على حال.
فصل
فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه، مثل قوله: أنت طالق إن لم أدخل الدار أو إن لم أضرب عبدي وما أشبه ذلك فإنه يمنع من الوطء؛ لأنه على حنث ولا يبر إلا بفعل ذلك الشيء. فإن رفعت امرأته أمرها ضرب له أجل المولي وطلق عليه عند انقضائه إلا أن يبر بفعل ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه أو تحب البقاء معه بغير وطء. فإن اجترأ ووطئ سقط أجل الإيلاء واستؤنف لها ضربه إن رفعت ذلك.
ولا يقع عليه طلاق بترك ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه؛ لأنه طلاق لا يكشفه إلا الموت. وإن أراد أن يحنث نفسه بالطلاق دون أن يطلق عليه الإمام بالإيلاء، كان ذلك له إلا أن يضرب أجلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا إلى وقت كذا وكذا فلا يكون له أن يحنث نفسه بالطلاق ويطأ إلى الأجل على اختلاف من قول
стр. 563
ابن القاسم، ويضرب له أجل الإيلاء على القول الذي يقول: لا يطأ إذا كان الأجل أكثر من أربعة أشهر، فهذا حكم هذا القسم إلا في مسألتين: أحدهما: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها. والثانية: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحبلها. فأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أطلقها ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن الطلاق يعجل عليه ساعة حلف. ووجه ذلك أنه حمله على التعجيل والفور، فكأنه قال: أنت طالق إن لم أطلقك الساعة. والثاني: أن الطلاق لا يعجل عليه إلا أن ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه على الوطء. والثالث: أنه لا يطلق عليه إن رفعته امرأته ويضرب له أجل الإيلاء، فإن طلقها وإلا طلق عليه بالإيلاء عند انقضاء أجله، ولم يمكن من الوطء؛ لأنه لا يجوز له من أجل أنه على حنث. وإن اجترأ فوطئ سقط عنه الإيلاء واستؤنف ضربه له ثانية إن رفعت امرأته أمرها إلى السلطان. وفائدة ضرب أجل الإيلاء على هذا القول وإن لم يمكن من الفيء بالوطء رجاء أن ترضى في خلال الأجل بالبقاء معه على العصمة دون وطء.
وأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها فإنه يطأ أبدا حتى يحبلها؛ لأن بره في إحبالها. وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك له أن يطأها؛ لأن بره في وطئها، فإن وقف عن وطئها كان موليا عند مالك والليث فيما روي عنهما. وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب.
فصل
وأما إذا كان ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله في الحال، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج، وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يمنع من الوطء الآن وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من المدونة، ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من العتبية. والثاني: أنه لا يمنع من الوطء حتى يمكنه فعل ذلك الفعل. والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى فوات ذلك الفعل. والرابع: أنه لا يمنع منه حتى يفوت فعل ذلك الفعل.
стр. 564
فصل
فإذا قلنا: إنه يطأ حتى يمكنه فعل ذلك الفعل فأمسك عن الوطء بإمكان الفعل له ثم فات الوقت، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يرجع إلى الوطء أبدا. والثاني: أنه يطلق عليه. والثالث: أنه يرجع إلى الوطء حتى يمكنه الفعل مرة أخرى. وقد زدنا هذه الأوجه بيانا في كتاب الإيلاء. وأما إذا كان الفعل مما لا يمكنه فعله على حال لعدم القدرة عليه، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أمس السماء وإن لم ألج في سم الخياط وما أشبه ذلك، أو لمنع الشرع منه مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أقتل فلانا أو إن لم أشرب الخمر وما أشبه ذلك فإنه يعجل عليه الطلاق إلا أن يجترئ على الفعل الذي يمنعه منه الشرع فيفعله قبل أن يعجل عليه الطلاق فإنه يبر في يمينه ويأثم في فعله، ولا اختلاف في هذا الوجه.
فصل
وأما القسم الثاني وهو أن يحلف بالطلاق على غيره فإنه ينقسم أيضا على وجهين: أحدهما: أن يحلف عليه أن لا يفعل فعلا. والثاني: أن يحلف عليه ليفعلنه. فأما إذا حلف عليه أن لا يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن فعل فلان كذا وكذا فهو كالحالف على فعل نفسه سواء في جميع الوجوه، وقد تقدم تفسير ذلك. وأما إذا حلف أن يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل فلان كذا وكذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالحالف على فعل نفسه أن يفعل فعلا يمنع من الوطء ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه يتلوم له على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه. واختلف هل يطأ في هذا التلوم أم لا؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب له أجلا؛ لأن التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء. والثالث الفرق بين أن يحلف على حاضر أو غائب، وهو الذي يأتي على ما في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق.
стр. 565
فصل
وأما القسم الثالث وهو أن يحلف بالطلاق على مغيب من الأمور فإن كان مما له طريق إلى معرفته لم يعجل عليه بالطلاق حتى يعرف صدقه من كذبه، كالقائل: امرأتي طالق إن لم يجئ فلان غدا، فإن مضى الأجل ولم يعلم صدقه من كذبه حمل من ذلك ما تحمل. وإن كان مما لا طريق له إلى معرفته عجل عليه الطلاق ولم يستأن به. واختلف إن غفل عن الطلاق عليه حتى جاء على ما حلف عليه فيتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يطلق عليه. والثاني: أنه لا يطلق عليه. والثالث: أنه إن كان حلف على غالب ظنه لأمر توسمه مما يجوز له في الشرع لم تطلق عليه، وإن كان حلف على ما ظهر عليه بكهانة أو تنجيم أو على الشك أو على تعمد الكذب طلق عليه.
فصل
وأما الوجه الثاني وهو أن يقيد طلاقه بالصفة بلفظ الوجوب، وهو أن يقول: امرأتي طالق إن كان كذا وكذا فإنه ينقسم على أربعة أقسام: أحدها: أن تكون الصفة آتية على كل حال. والثاني: أن تكون الصفة غير آتية على كل حال. والثالث: أن تكون مترددة بين أن تأتي وبين أن لا تأتي من غير أن يغلب أحد الوجهين على الآخر أو يكون الأغلب منهما أنها لا تأتي. والرابع: أن تكون مترددة بين أن تأتي أو لا تأتي والأغلب منهما أنها تأتي. فالأول يعجل عليه فيها الطلاق باتفاق. والثاني يتخرج على قولين. والثالث لا يعجل عليه الطلاق باتفاق. والرابع يختلف فيه عنى قولين منصوصين.
стр. 566
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد نبيه الكريم
كتاب التخيير والتمليك
ما جاء في التخيير والتمليك
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، وكان سبب نزول هذه الآية فيما روي «عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها سألته شيئا من متاع الدنيا إما زيادة في النفقة وإما غير ذلك من عرض الدنيا، فاعتزل رسول الله ﷺ نساءه شهرا، فأمره الله أن يخيرهن بهذه الآيات بين الصبر عليه والرضا بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن إن لم يرضين بالذي يقسم لهن». وقيل: إن ذلك كان من أجل «غيرة كانت عائشة ﵂ غارتها، فبدأ ﷺ بعائشة وكانت أحبهن إليه، فقال لها: " إني ذاكر لك أمرا ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك "، قالت: وقد علم أن أبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، فخيرها وقرأ عليها القرآن فقالت له: هل بدأت بأحد من نسائك قبلي؟ قال: " لا "، قالت: ففي أي هذا أستأمر أبويَّ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبرهن بذلك، فقال النبي ﷺ : إني لم أبعث معنتا، وإنما بعثت معلما ومبشرا، وإني لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. ورئي الفرح في وجه رسول الله ﷺ باختيار
стр. 567
عائشة ﵂ الله ورسوله والدار الآخرة، ثم تتبع سائر نسائه فجعل يقرأ عليهن من القرآن ويخيرهن ويخبرهن بما فعلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فتتابعن على ذلك، فقصره الله عليهن جزاء على فعلهن، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]»، وهن التسع نسوة أمهات المؤمنين التي توفي عنهن رسول الله ﷺ : عائشة، وحفصة، وزينب، وميمونة، وصفية، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة، وجويرية؛ واختارت واحدة منهن نفسها وهي بنت الضحاك العامري، كذا وقع في المدونة. وقيل: إنه لم يكن عند النبي ﷺ حين خير أزواجه إلا التسع نسوة التي توفي عنهن، وهو الصحيح والله أعلم. وسيأتي في الجامع بيان هذا، وبالله التوفيق.
فصل
وهذا التخيير الذي أمر الله به نبيه ﷺ وخير به أزواجه ليس فيه تمليكهن الطلاق ولا جعله الأمر إليهن في الفراق، وإنما خيرهن بين أن يخترنه والدار الآخرة ويمسكهن أو يخترن الحياة الدنيا فيمتعهن ويسرحهن، كمن قال لامرأته: إن كنت راضية بالمقام معي على ما أنت عليه فابقي، وإن كنت لا ترضين بذلك فأعلميني أطلقك، إلا أنه من النبي ﷺ لأزواجه إخبار لا حلف فيه؛ لأن الله ﵎ أمره به، فأشبه التخيير في وجوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها. وأما من غير النبي ﷺ فليس ذلك بتمليك ولا تخيير ولا فيه شبه منه، وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته.
فصل
وقد اختلف الصحابة ﵃ ومن بعدهم من التابعين وفقهاء المسلمين فيمن ملك امرأته أو خيرها اختلافا كثيرا؛ إذ لم يرد في ذلك نص في القرآن يرجع إليه، ولا روي عن النبي ﷺ في ذلك أثر يعول عليه. فمنهم من جعل
стр. 568
قضاء الزوجة [في ذلك بتاتا. ومنهم من جعله واحدة رجعية. ومنهم من جعله واحدة بائنة. ومنهم من جعله على ما قضت به]، من واحدة أو ثلاث، ومنهم من جعله على ما نواه الزوج مع يمينه، ومنهم من قال: ليس لها من الطلاق شيء وإن خيرها زوجها أو ملكها، ومنهم من فرق بين قولها: أنا منك طالق أو أنت مني طالق، ومنهم من رأى الخيار فراقا والتمليك طلاقا قبلت أو ردت، روي ذلك عن جماعة من السلف، وعن ربيعة أنه قاله في التمليك. وهذا القول أضعف الأقاويل؛ لأن السنة ترد ذلك والإجماع على أن أزواج النبي ﷺ اخترنه إذ خيرهن فلم يكن ذلك فراقا. ومنهم من فرق بين التخيير والتمليك فلم ير التخيير شيئا ورأى التمليك واحدة بائنة، وهو مذهب أبي حنيفة. ولا حجة لأحد منهم على مذهبه من جهة الرأي إلا ويعارضها مثلها؛ إذ ليس في ذلك في الكتاب والسنة نص يجب التسليم له.
فصل
وذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أن التمليك يفترق من التخيير بما رواه عن عبد الله بن عمر في موطئه حدث عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: إذا ملك الرجل امرأته فالقضاء ما قضت إلا أن ينكر عليها فيقول: لم أرد إلا واحدة فيحلف على ذلك ويكون أملك لها ما دامت في عدتها، وهذا أبين ما قيل في ذلك؛ لأن الله ﵎ جعل أمر الزوجة إلى الزوج وملكه أن يطلقها ما شاء من الطلاق. فإذا قال الرجل لامرأته: أمرك بيدك، فقد جعل بيدها ما كان بيده من طلاقها. هذا ظاهر اللفظ. ويحتمل أن يريد به واحدة واثنتين وثلاثا، فإن كانت له نية في ذلك قبلت منه مع يمينه، وإن لم تكن له نية فالقضاء ما قضت به من واحدة أو ثلاث؛ لأنه الظاهر من لفظه ذلك. وذهب في التخيير إلى أنه لا يكون إلا ثلاثا في المدخول بها، فإن اختارت ثلاثا فهي ثلاث، وإن اختارت واحدة أو اثنتين فلا يكون شيئا؛ لأنه إذا خيرها فإنما خيرها في أن تقيم معه في العصمة أو تخرج عنها، ولا تخرج
стр. 569
عن العصمة إلا بالثلاث. هذا مفهومه عنده من قصد التخيير. وإن كانت غير مدخول بها كان حكمها حكم المملكة في المناكرة إن زادت على واحدة؛ لأنها تبين منه وتخرج عن عصمته بما دون الثلاث. وتابع مالكا على ذلك جميع أصحابه إلا ابن الماجشون فقال: إن المخيرة إذا قضت بواحدة أو ثلاث فهي ثلاث.
فصل
وعند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن الرجل إذا ملك امرأته أمرها أو خيرها فليس له أن يرجع عن ذلك. واختلف قوله في الحد الذي يكون إليه أمر المملكة والمخيرة بيدها، فكان أول زمنه يقول ذلك بيدها ما لم ينقض المجلس الذي ملكها أو خيرها فيه، فإن تفرقا منه سقط ما كان بيدها من ذلك إلا أن تقيده بالقبول في المجلس، وهو قول جل أهل العلم. ووجه أن هذا التمليك أمر يقتضي الجواب فوجب أن يكون ذلك بيدها ما داما في المجلس، كالمبايعة إذا قال الرجل للرجل: إن شئت سلعتي فهي لك بكذا وكذا، فهذا لا اختلاف فيه أن ذلك إنما يكون له ما داما في المجلس لم يتفرقا عنه. ثم قال مالك ﵀ في آخر زمانه: إن أمر المملكة والمخيرة بيدها وإن تفرقا من المجلس ما لم يوقفها السلطان أو تتركه يطأها. ووجه هذا القول أمر خطير يحتاج فيه إلى الاستخارة والاستشارة فافتقر إلى المهلة. وقد «قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂ عند تخييره إياها: ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك» وهذا يدل على أن الأمر بيدها بعد انقضاء المجلس لو أحبت الاستئمار.
فصل
واختلاف قول مالك ﵀ في هذا إنما هو إذا واجهها الزوج بالتمليك أو بالخيار أو من فوض الزوج ذلك إليه لاقتضاء ذلك منها الجواب. وأما إذا كتب إليها بذلك كتابا أو أرسل إليها رسولا أو جعل أمرها بيدها إن تزوج عليها أو غاب عنها مدة أو أضر بها أو ما أشبه ذلك فلم يختلف قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن ذلك بيدها وإن لم تقض فيه ساعة وجب لها التمليك، قيل بيمين، وقيل بغير يمين، ما
стр. 570
لم يطل ذلك حتى يتبين أنها راضية بإسقاط حقها. والطول في ذلك أكثر من شهرين على ما في سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك، إلا أن يكون الزوج حاضرا حين وجب لها التمليك فتمنعه نفسها فيكون ذلك بيدها وإن طال الأمر، كالأمة تعتق تحت العبد فلا ينقطع خيارها بطول المدة ما منعته نفسها؛ لأن امتناعها منه دليل على أنها باقية على حقها. وروى يحيى عن ابن وهب أن حقها يسقط إذا لم تقض فيه ساعة وجب لها التمليك حتى انقضى المجلس الذي وجب لها فيه قياسا على التمليك الذي تواجه به المملكة، وهو قول أشهب في سماع عبد الملك بن الحسن من الكتاب المذكور، وظاهر ما في سماع عيسى من كتاب النكاح في رسم شهد.
فصل
والتمليك ينقسم على ثلاثة أقسام: تمليك مطلق، وتمليك مفوض، وتمليك مقيد. فأما المطلق وهو أن يقول: أمرك بيدك فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يواجهها الزوج بذلك أو من يملكه ذلك. والثاني: أن لا يواجهها به هو ولا من فوض ذلك إليه، وإنما كتب إليها بذلك كتابا أو أرسل به إليها رسولا. وقد تقدم الكلام على هذا. وأما التمليك المفوض فهو أن يقول لها أمرك بيدك إن شئت أو إذا شئت أو متى شئت [أو متى ما شئت، أربعة ألفاظ بها يكون التفويض. وهي تختلف باختلاف معانيها. فأما متى شئت أو متى ما شئت]، فلا يختلف أن الأمر بيدها ما لم توقف، وإنما يختلف هل يقطع ذلك الوطء أم لا يقطعه على قولين، فيقطعه على مذهب ابن القاسم ولا يقطعه على مذهب أصبغ. وأما إن شئت أو إذا شئت فيختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها قول مالك أن ذلك كالتمليك المطلق سواء. والثاني قول ابن القاسم أن الأمر يكون بيدها ما لم توقف بخلاف مذهبه في التمليك المطلق. والثالث قول أصبغ أنه إن قال، إن شئت كان الأمر بيدها في المجلس، وإن قال: إذا شئت كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطع ذلك الوطء عنده في إذا بخلاف قوله إن. واختلف قول ابن القاسم إذا قال: أنت طالق إن
стр. 571
شئت، فله في المدونة أن ذلك تفويض والأمر إليها حتى توقف، وله في الواضحة أنه لا قضاء لها إلا في المجلس بخلاف قوله: أمرك بيدك إن شئت، وهو الصحيح. وقد تأول بعض الناس على ما لابن القاسم في المدونة أن أمرك بيدك إن شئت ليس بتفويض بخلاف قوله: أنت طالق إن شئت ووجه ذلك بتوجيه بعيد لا وجه له، حكى ذلك أبو النجاء في كتابه.
فصل
وأما التمليك المقيد بصفة، فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: أن لا يكون مشترطا عليه في أصل عقد النكاح. والثاني يكون مشترطا عليه في عقد النكاح. فأما إذا لم يكن مشترطا عليه في عقد النكاح فإنه ينقسم على الأقسام التي قسمنا عليها الطلاق المقيد بصفة فيما ذكرناه في كتاب الأيمان بالطلاق، ويجري الحكم فيه على ذلك في الأقسام كلها، فما كان منها في الطلاق يمينا بالطلاق فهو في التمليك يمين بالتمليك، أو ما لم يكن منها في الطلاق يمينا فلا يكون في التمليك يمينا، وما وجب منها تعجيل الطلاق فيه وجب تعجيل التمليك فيه وكان للمرأة القضاء بما ملكت فيه من ساعتها، وما لم يجب فيه تعجيل الطلاق لم يجب فيه تعجيل التمليك، وما دخل فيها على الحالف بالطلاق الإيلاء دخل فيه على الحالف بالتمليك الإيلاء أيضا، حاشا يمينه بالتمليك على زوجته أن تفعل فعلا أو ألا تفعله، فإن الحكم في ذلك أن توقف من ساعتها، فإما أن تفعل ذلك الفعل إن كان قال لها: أمرك بيدك إن فعلت كذا وكذا أو تقول: لا أفعله إن كان قال لها: أمرك بيدك إن لم تفعلي كذا وكذا فيجب لها التمليك، أو تخالف ذلك فيسقط ما جعل لها منه قياسا على قوله في الكتاب أمرك بيدك إن أعطيتني كذا وكذا. وللزوج أن يناكر الزوجة في جميع ما يجب لها التمليك من ذلك إن قضت بأكثر من طلقة بنية يدعيها.
стр. 572
فصل
وأما إذا كان ذلك مشترطا عليه في عقد النكاح فينقسم ذلك أيضا على الأقسام المذكورة ويكون الحكم فيها سواء إلا في وجهين: أحدهما: أن الزوج لا يناكرها، والثاني: أن التمليك لا يلزم إذا قيد بشرط يعلم أنه لا يكون أصلا باتفاق، وذلك مثل أن تشترط إن تزوج عليها فأمرها بيدها إن مس السماء وما أشبه ذلك. لأنها اشترطت ما لا منفعة لها فيه.
فصل
والمناكرة تجب للزوج بثلاثة أوصاف: أحدها: أن لا يكون التمليك مشترطا عليه، والثاني: أن يدعي نية اعتقدها عند التمليك، والثالث: أن يناكرها في الحال، فإن لم يفعل حتى طال الأمر لم يكن له مناكرتها، ولا يدخل في ذلك اختلاف قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في المملكة، قاله أبو بكر بن عبد الرحمن.
فصل
وإذا خير الرجل امرأته أو ملكها فقد جعل إليها ما كان بيده من الطلاق، فإن أجابته في المجلس أو بعده ما لم توقف أو تتركه يطأها على أحد قولي مالك فلا تخلو إجابتها إياه من عشرة أوجه: أحدها: أن تفصح بالطلاق واحدة أو ثلاثا. الثاني: أن تجيب بشيء من كناياته. والثالث: أن تجيب بشيء يحتمل أن تريد به الطلاق وأن لا تريد به الطلاق. والرابع: أن تجيب بما يحتمل أن تريد به الثلاث وأن تريد به الواحدة والاثنتين. والخامس: أن تجيب بما ليس من معنى الطلاق في شيء. والسادس: أن لا تجيب بشيء وتفعل فعلا يشبه الجواب. والسابع: أن تقيد الاختيار بشرط. والثامن: أن تقيد القبول. والتاسع: أن تفوض الأمر إلى غيرها. والعاشر: أن تفصح باختيار زوجها.
стр. 573
فصل
فأما إذا أفصحت بالطلاق فهو على ما أفصحت به، فإن أفصحت بالثلاث مثل أن تقول: قد طلقت نفسي ثلاثا أو قبلت نفسي أو اخترت نفسي أو حرمت عليك أو برئت منك أو بنت منك؛ فهذا تكون به مطلقة ثلاثا في التخيير وفي التمليك قبل الدخول أو بعده، [إلا أن يناكرها في الخيار قبل الدخول وفي التمليك قبل الدخول وبعده]، فيكون ذلك له إذا ادعى نية، ولا تسأل في ذلك عن شيء، ولا تصدق إن ادعت أنها لم ترد به الطلاق أو أنها لم ترد بذلك الثلاث. وكذلك إذا قالت: طلقت نفسي واحدة أو اثنتين لا تسأل عن شيء ولا تصدق إن ادعت أنها لم ترد الطلاق، ويكون كما قال في التمليك، إلا أن ينكر عليها فيما زادت على الواحدة، ولا يكون في التخيير شيئا. وأما إذا أجابت بشيء من كنايات الطلاق مثل أن تقول: قد خليت سبيلك أو تركتك أو فارقتك أو رددتك إلى أهلك وما أشبه ذلك فيحمل قولها في ذلك على ما يحمل عليه قول الزوج ابتداء فيما يكون من الطلاق وما ينوى فيه مما لا ينوى.
وأما إذا أجابت بما يحتمل أن تريد به الطلاق وأن لا تريد به الطلاق مثل أن تقول: قد قبلت أمري أو قد اخترت أو قد شئت أو قد رضيت فهذه تسأل عما أرادت بذلك، فما قالت قبل منها وجرى الحكم في التخيير والتمليك على حسب ذلك.
وأما إذا أجابت بما يحتمل أن تريد به الثلاث أو تريد به الواحدة أو الاثنتين ففي ذلك ثلاثة ألفاظ: أحدها: أن تقول قد طلقت نفسي. والثاني: أن تقول أنا طالق. والثالث: أن تقول قد اخترت الطلاق. فأما إذا قالت قد طلقت نفسي فاختلف في ذلك على خمسة أقوال: أحدها: أنها تسأل في المجلس وبعده في التخيير والتمليك كم أرادت بذلك؟ فإن لم تكن لها نية فهي ثلاث إلا أن يناكرها في التمليك. وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. والثاني: أنها تسأل أيضا في المجلس وبعده في التخيير والتمليك أيضا، فإن لم تكن لها نية فهي واحدة تلزم
стр. 574
في التمليك وتسقط في الخيار. والثالث: أنها لا تسأل لا في التخيير ولا في التمليك، وهي واحدة تلزم في التمليك وتسقط في الخيار. فإن قالت في المجلس أردت ثلاثا فهي ثلاث إلا أن يناكرها في التمليك، وهو قول ابن القاسم في الواضحة. والرابع: أنها لا تسأل في التخيير ولا في التمليك وهي ثلاث إلا أن تقول في المجلس: أردت واحدة فتسقط في الخيار، وهو قول أصبغ في الواضحة. والخامس: أنها لا تسأل في التمليك وهي واحدة إلا أن تريد أكثر من ذلك فيكون للزوج أن يناكرها، وتسأل في التخيير فإن قالت: أردت ثلاثا صدقت وكانت ثلاثا، وإن قالت أردت واحدة أو اثنتين أو لم تكن لي نية أو افترقا من المجلس قبل أن تسأل سقط خيارها. وأما إن قالت أنا طالق فلا تسأل في تمليك ولا تخيير، وتكون واحدة تلزم في التمليك وتسقط في الخيار، إلا أن تقول في المجلس نويت ثلاثا فيلزم في الخيار، ويكون في التمليك للزوج أن يناكرها، ولا أحفظ في هذا نص خلاف.
وأما إن قالت قد اخترت الطلاق فالذي أرى فيه على أصولهم أنها تسأل في التمليك والتخيير؛ لأن هذه الألف واللام قد يراد بها الجنس فتكون ثلاثا، ويراد بها العهد وهو الطلاق السني المشروع فتكون واحدة. فإذا احتمل اللفظ الوجهين وجب أن تسأل أيهما أرادت، فإن قالت لم تكن لي نية كانت ثلاثا على قول أصبغ في الواضحة. ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول قد طلقت نفسي ولا نية لها أنها واحدة. ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد وهو الطلاق الذي ملكت إياه فيكون ثلاثا. وقد كان ابن زرب يتوقف عن الجواب في هذه المسألة إذ لم يجد فيها في المدونة والعتبية شيئا إلى أن وجد في زعمه في العتبية ما دله على
стр. 575
أنها تكون واحدة إلا أن تريد بذلك ثلاثا. وهذا الاختلاف الواقع بين ابن القاسم وابن وهب في الذي يحلف غريمه بالطلاق ليدفعن إليه حقه إلى أجل، فيقول صاحب الحق أردت ثلاثا، ويقول الغريم أردت واحدة. قال فلو كانت هذه اللفظة لا تقع إلا على ثلاث تطليقات عند ابن القاسم لما قال القول قول صاحب الحق ولقال هي ثلاث قال صاحب الحق: إنه نواها أو لم يقل. ولو كانت لا تقع أيضا عند ابن وهب إلا على ثلاث تطليقات لما قال القول قول الغريم. ولا دليل له فيما استدل به من ذلك على مذهبه؛ لأن اللفظ قد يراد بها الواحدة وقد يراد بها الثلاث على ما بيناه، فجعلها ابن القاسم ثلاثا على نية المحلوف له، وجعلها ابن وهب واحدة على نية الحالف، ولا إشكال في المسألة مع وجود النية بواحدة أو ثلاث، وإنما الإشكال عند عدمها. والصحيح على مذهب ابن القاسم في المدونة ما ذكرته. واستدل على مذهبه في ذلك بقول الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وبحديث زبراء قالت: فقلت هو الطلاق ثم الطلاق ثم الطلاق ففارقته ثلاثا. فأما الآية فلا متعلق له فيها، وأما الحديث فله فيه وجه من التعلق. قال اللخمي:
فإن قائل قائل: لأي شيء لا يكون التخيير ثلاثا إذا قالت قد اخترت الطلاق ولم تنو شيئا إذ لا خيار لها إلا في الثلاث؟
قيل له: يلزمك أن تقول هذا في قولها في التخيير قد طلقت نفسي ولا نية لها [أنها ثلاث؛ إذ لا خيار لها إلا في الثلاث. وهذا محال أن يجعل قولها قد طلقت نفسي ولا نية لها] ثلاثا.
قلت: ما هو بمحال، وأصبغ يرى أنها ثلاث في التمليك فكيف في الخيار، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
стр. 576
وأما إذا أجابت بما ليس من معنى الطلاق، مثل أن تقول أنا أشرب الماء وأنا أضرب عبدي وما أشبه ذلك فهذا يسقط خيارها ولا تصدق إذا ادعت أنها أرادت بذلك الطلاق. وأما إذا لم تجب بشيء وفعلت فعلا يشبه الجواب مثل أن تنقل متاعها أو تخمر رأسها وما أشبه ذلك فإنها تسأل ما أرادت بذلك، فإن قالت لم أرد بذلك الفراق صدقت، وإن قالت أردت بذلك الطلاق صدقت فيما قالت منه، فإن قالت أردت الثلاث كان في الخيار ثلاثا، وكان له في التمليك أن يناكرها إن ادعى نية. وإن قالت أردت بذلك الفراق ولم تكن لي نية في عدد الطلاق، فعلى قول محمد بن المواز هي في التمليك واحدة رجعية. وفي التفسير ليحيى عن ابن القاسم أنها ثلاث. فإن سكت ولم ينكر عليها فعلها ولا سألها عما أرادت حتى افترقا من المجلس فقالت بعد افتراقهما منه أردت بذلك ثلاثا فذلك لها إلا أن يناكرها بنية يدعيها وقت القول ويحلف على ذلك، قال أصبغ بيمينين: يمين أنه لم يعلم أن ما فعلته يلزمه به البتة ولا رضي بذلك، ويمين أنه نوى واحدة.
وقال ابن المواز: يجمع ذلك في يمين واحدة. وفي العشرة ليحيى عن ابن القاسم أن انتقالها وسكوته على ذلك دون أن يسألها في المجلس عما تريد بانتقالها يوجب عليه طلاق البتات بكل حال، ولا يناكرها إن قالت أردت الثلاث، ولا تصدق إن قالت أردت واحدة. وأما إذا قيدت الإجابة بشرط فإن الشرط ينقسم على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون الشرط يحتمل أن يكون وأن لا يكون. والثاني: أن يكون محتملا أيضا والأغلب منه أن يكون. والثالث: أن يكون مما يعلم أنه لا بد أن يكون في المدة التي يمكن أن يبلغا إليها. والرابع: أن يكون مما يعلم أنه لا يكون. فأما الوجه الأول وهو مثل أن تقول قد اخترت نفسي إن دخلت على ضرتي أو إن قدم فلان وما أشبه ذلك ففيه قولان: أحدهما قول ابن القاسم في المدونة أن الأمر يرجع إليها فتقضي أو ترد. والثاني قول سحنون أن ذلك رد لما جعل لها ولا قضاء لها. وأما الوجه الثاني وهو مثل أن تقول: قد اخترت نفسي إذا حاضت فلانة فتكون طالقا مكانها على مذهب ابن القاسم، وعلى مذهب أشهب يرجع الأمر إليها فتقضي أو
стр. 577
ترد. وأما الوجه الثالث وهو مثل أن تقول قد اخترت نفسي إذا جاء العيد أو أهل الهلال وما أشبه ذلك فإنها تكون طالقا مكانها. وأما الوجه الرابع وهو أن تقول: قد اخترت نفسي إن مسست السماء فإنه يكون ردا لما جعل إليها ولا يكون لها أن تقضي، لا يختلف أصحابنا في جملة هذه الأقسام، ولهم في تفاصيلها اختلاف كثير على ما هو مذكور في الأمهات، فليس هذا موضع ذكره. وأما إذا قيدت القول بذلك مثل أن تقول: قد قبلت لأنظر في أمري فهذا يكون الأمر بيدها وإن انقضى المجلس حتى توقف بلا اختلاف.
وأما إذا فوضت الأمر إلى غيرها فذلك أن تقول: قد شئت إن شاء فلان أو قد فوضت أمري إلى فلان ففي ذلك قولان: أحدهما: أن ذلك جائز إن كان فلان حاضرا أو قريب الغيبة. قال في سماع عيسى مثل اليومين والثلاثة، وقال في الواضحة أصبغ عن ابن القاسم مثل اليوم وما أشبهه، وإن كان بعيد الغيبة رجع الأمر إليها. والثاني قول أصبغ: إنه ليس لها أن تحول الأمر إلى غيرها وإن كان حاضرا، ويرجع الأمر إليها فتقضي أو ترد. وقول أصبغ هذا يأتي على رواية علي بن زياد عن مالك في كتاب الخيار من المدونة، فتأمل ذلك. وأما الوجه العاشر وهو أن تفصح باختيارها زوجها فلا كلام فيه.
فصل
هذا تفسير ألفاظ المرأة في الاختيار. وأما تقسيم ألفاظ الرجل في الطلاق فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص، وظاهر، ومحتمل. فالنص ما نص على عدد الطلاق فيه، والظاهر ما لا ينوى فيه مع قيام البينة عليه لادعائه خلاف ظاهر لفظه، وذلك ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يأتي بلفظ ظاهره الطلاق [فيقول لم أرد به الطلاق. والثاني: أن يأتي بلفظ ظاهره الثلاث فيقول لم أرد الثلاث. فأما إذا أتي بلفظ ظاهره الطلاق، فيقول لم أرد به الطلاق]، وقد حضرته البينة فلا يصدق قبل الدخول ولا بعده. وذلك مثل أن يقول: امرأتي طالق ثم يقول لم أرد به الطلاق، وإنما أردت أنها طالق من وثاق وما أشبه ذلك، فإنه لا يصدق إلا أن يأتي بما يدل
стр. 578
على صدقه فيما ادعى من النية، وذلك مثل أن يكون الكلام خرج على سؤال إطلاقه إياها من وثاق كانت فيه. واختلف إن علم أنها كانت في وثاق هل يكون ذلك دليلا على صدقه أم لا؟ على قولين. وإن أتى مستفتيا صدق على كل حال إلا على مذهب من يرى أن مجرد اللفظ دون النية يوجب الطلاق. والقولان قائمان من المدونة. فإن أتى بلفظ ظاهره الثلاث فيقول لم أرد به الثلاث فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما لا يصدق فيه قبل الدخول ولا بعده، وذلك مثل أن يقول أنت بائنة. والثاني يصدق قبل الدخول ولا يصدق بعده، وذلك مثل أن يقول أنت خلية أو برية أو حبلك على غاربك وما أشبه ذلك.
وأما المحتمل فهو ما ينوى فيه بكل حال، وإن لم تكن له نية حكم على أظهر محتملاته. وذلك ينقسم على خمسة أقسام: أحدها: لفظ يحتمل أن يراد به الطلاق، ويحتمل أن لا يراد به الطلاق، [والأظهر أن لا يراد به الطلاق]، فيحمل عليه إن لم تكن له نية. والثاني: لفظ يحتمل أن يراد به الطلاق ويحتمل أن لا يراد به الطلاق، والأظهر أن يراد به الطلاق، فيحمل عليه إن لم تكن له نية. والثالث: لفظ يحتمل أن يراد به الثلاث ويحتمل أن يراد به الواحدة، والأظهر منه أن يراد به [واحدة قبل الدخول وبعده فيحمل عليه إن لم تكن له نية. والرابع: لفظ يحتمل أن يراد به الثلاث ويحتمل أن يراد به الواحدة والأظهر أنه يراد به] الثلاث قبل الدخول وبعده، فيحمل عليه إن لم تكن له نية. والخامس: لفظ يحتمل أن يراد به الثلاث ويحتمل أن يراد به الواحدة والأظهر منه قبل الدخول الواحدة وبعد الدخول الثلاث، فيحمل على ذلك إن لم تكن له نية.
فالأول مثل أن يقول لامرأته: لست لي بامرأة أو ما أنت لي بامرأة. والثاني مثل أن يقول لامرأته: لا نكاح بيني وبينك أو لا ملك لي عليك. والثالث مثل أن يقول لامرأته: قد طلقتك أو أنت طالق أو ما أشبه ذلك. والرابع مثل أن يقول لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. والخامس مثل أن يقول لامرأته: قد خليت سبيلك أو قد خليتك أو قد فارقتك. وهذا تقسيم صحيح
стр. 579
ليس يشذ عنه شيء من ألفاظ الطلاق إلا رواية عيسى عن ابن القاسم فيمن قال لأهل امرأته: شأنكم بها أنها قبل الدخول واحدة إلا أن ينوي ثلاثا، وبعد الدخول ثلاثا ولا ينوى. وما يوجد من الاختلاف في المذهب في بعض ألفاظ الطلاق إنما هو لاختلافهم في ذلك اللفظ من أي قسم هو من الأقسام التي ذكرناها، فقد روي عن أشهب في سرحتك أنها واحدة في المدخول بها، فيأتي من القسم الثالث على مذهبه. فافهم هذا وتدبره تجده صحيحا إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
стр. 580
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
كتاب الظهار
الظهار تشبيه الرجل وطء من تحل له من النساء بوطء من تحرم عليه منهن تحريما مؤبدا بنسب أو صهر أو رضاع. وكانت العرب تكني عن ذلك بالظهر فتقول: امرأتي علي كظهر أمي، ولذلك سمي ظهارا؛ لأنه مأخوذ من الظهر، وإنما اختص الظهر بالتحريم في الظهار دون البطن والفرج وسائر الأعضاء وإن كانت أولى بالتحريم منه؛ لأن الظهر موضع الركوب، والمرأة مركوبة عند الغشيان. فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فإنما أراد أن ركوبها للنكاح عليه حرام كركوب أمه للغشيان، فأقام الركوب مقام النكاح؛ لأن الناكح راكب، وأقام الظهر مقام الركوب؛ لأنه موضع الركوب. وهذا من لطيف الاستعارة للكناية. وهو على أربعة أوجه: تشبيه جملة بجملة، وبعض ببعض، وبعض بجملة، وجملة ببعض. وهي كلها سواء في الحكم، إلا أن يكون البعض الذي شبه من زوجته أو شبه به زوجته مما ينفصل عنها أو عن المشبه بها من ذوات المحارم كالكلام أو الشعر، فيجري ذلك على الاختلاف فيمن طلق ذلك من زوجته. وله صريح، وكناية. فصريحه عند ابن القاسم وأشهب وروايتهما عن مالك أن يذكر الظهر في ذات محرم. وكناياته عند ابن القاسم أن لا يذكر الظهر في ذات محرم أو يذكر الظهر في غير ذات محرم. ومن كناياته عند أشهب أن لا يذكر الظهر في غير ذات محرم. ومن صريحه عند ابن الماجشون أن لا يذكر الظهر في ذات محرم، وليس من كناياته عنده أن يذكر الظهر في غير ذات محرم، فلا كناية عنده للظهار. والفرق بين
стр. 581
الصريح من الظهار وكناياته فيما يوجبه الحكم أن كنايات الظهار إن ادعى أنه أراد به الطلاق صدق أتى مستفتيا أو حضرته البينة، وأن صريح الظهار لا يصدق إن ادعى أنه أراد به الطلاق إذا حضرته البينة، ويؤخذ من الطلاق بما أقر به ومن الظهار بما لفظ به، فلا يكون له إليها سبيل وإن تزوجها بعد زوج حتى يكفر كفارة الظهار. وقد قيل: إنه يكون ظهارا على كل حال ولا يكون طلاقا وإن نواه وأراده، وهي رواية أشهب عن مالك وأحد قولي ابن القاسم.
فصل
وكان الظهار في الجاهلية طلاقا وفي أول الإسلام إلى أن أنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢]. فأخبر تعالى أن لفظ الظهار الذي كانوا يطلقون به نساءهم منكر من القول وزور. والمنكر من القول هو الذي لا تعرف حقيقته، والزور الكذب، وإنما قال تعالى فيه: إنه كذب؛ لأنهم صيروا به نساءهم كأمهاتهم، وهن لا يصرن كأمهاتهم ولا كذوي محارمهم؛ لأن ذوي المحارم لا يحللن له أبدا، وليس كذلك الأجنبيات. فأخرجه الله من باب الطلاق إلى باب الكفارة، ثم أعلمنا كيف يكون الحكم في ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤].
стр. 582
فصل
ونزلت سورة قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها إلى آخر باب الظهار في امرأة من الأنصار اختلف في اسمها، فقيل: خولة، وقيل: خويلة، وفي نسبها فقيل: إنها بنت ثعلبة، وقيل: بنت الصامت، وقيل: بنت الدليح، [وقيل: بنت خويلد].
فصل
وكانت مجادلة هذه المرأة رسول الله ﷺ في زوجها أوس بن الصامت مراجعتها إياه في أمره وما كان من قوله لها: أنت علي كظهر أمي ومحاورتها إياه في ذلك. وذلك أنها «أتت رسول الله ﷺ وعائشة تغسل شق رأسه فقالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، وأكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي إليه، ثم قالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي ونفضت له بطني وظاهر مني، فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، فكلما قال لها ذلك رسول الله ﷺ هتفت وصاحت وقالت: إلى الله أشكو فاقتي، فنزل الوحي وقد قامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها عائشة أن اسكتي. فلما قضى الوحي قال لها رسول الله ﷺ : ادعي لي زوجك، فتلا عليه رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] ... إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فقال له رسول الله ﷺ : أتستطيع أن تعتق رقبة؟، فقال: لا. قال: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال: يا رسول الله، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات خشين أن يعشو بصري، قال: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟، قال: لا يا رسول الله، إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله ﷺ فأطعم ستين مسكينا
стр. 583
وراجعها». والأحاديث في هذه القصة كثيرة، وفي بعضها «أن أوس بن الصامت لما ظاهر من امرأته قالت له: والله ما أراك إلا قد أثمت في شأني لبست جدتي وأفنيت شبابي وأكلت مالي، حتى إذا كبرت سني ورق عظمي واحتجت إليك فارقتني. قال: فما أكرهني بذلك اذهبي إلى رسول الله ﷺ فانظري هل تجدين عنده شيئا في أمرك، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها: " ما أراك إلا قد بنت منه "، فقالت: إلى الله أشكو فاقتي إلى زوجي، فقالت عائشة: سبحان من وسع سمعه الأصوات، فإني لأرجل رأس رسول الله ﷺ أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذ نزل الوحي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] الآيات إلى آخره، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة» إلى آخر الحديث.
فصل
فالظهار تحريم ترفعه الكفارة، وهو حرام. والدليل على تحريمه أن الله سماه منكرا من القول وزورا، والزور: الكذب، والكذب حرام بإجماع. ووصف نفسه في آخر الآية بالعفو والغفران، ولا يغفر ولا يعفو إلا عن المذنبين. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جماعة العلماء، حاشا مجاهد؛ فإنه أوجب الكفارة عن المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقول الله : ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣].
فصل
وقد اختلفوا في العودة الموجبة على المظاهر الكفارة على ستة أقوال:
أحدها: إرادة الوطء والإجماع عليه، وهو قول مالك في موطئه، أنه إذا أراد الوطء وأجمع عليه فقد وجبت عليه الكفارة وإن مات أو طلقها.
стр. 584
والثاني: أنه إرادة الوطء والإجماع عليه مع استدامة العصمة، فمتى انفرد أحدهما دون الآخر لم تجب الكفارة. فإن أجمع على الوطء ثم قطع العصمة بطلاق فلم يستدمها أو انقطعت بموت سقطت الكفارة، وإن كان قد عمل بعضها سقط عنه سائرها. وكذلك إن استدام العصمة ولم يرد الوطء ولا أجمع عليه لم تجب عليه الكفارة، بل لا تجزئه إن فعلها وهو غير عازم على الوطء ولا مجمع عليه. هذا قول مالك في المدونة، وعليه جماعة أصحابه، وهو أصح الأقاويل وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن؛ لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله؛ لقول الله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، ما لم تنقطع العصمة أو ترجع نيته عن إرادة الوطء إلا أن يطأها، فإن وطئ لزمته الكفارة وترتبت في ذمته ككفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها، إلا أن الحالف بالله مخير بين أن يقدم الكفارة قبل الحنث أو يحنث قبل الكفارة، والظهار لا يجوز أن يطأها قبل الكفارة لقول الله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
والثالث: أن العودة الوطء نفسه. وقد روي هذا القول عن مالك، حكى الثلاثة الأقوال عنه عبد الوهاب. فعلى هذا القول: لا تجزئه الكفارة قبل الوطء، وإن أراد الوطء وأجمع عليه واستدام العصمة، وله أن يطأ قبل الكفارة مرة، فإذا وطئ وجبت عليه الكفارة إن أراد الوطء ثانية واستدام العصمة، فإن رجعت نيته عن الوطء وانقطعت العصمة بموت أو فراق سقطت عنه الكفارة ما لم يطأها ثانية. وقد حكى هذا القول أصبغ في العتبية عن أهل المشرق ومن يرتضى من أهل المدينة.
والرابع: قول الشافعي ومن قال بقوله إن العودة استدامة العصمة وترك الفراق، وأنه متى ظاهر من زوجته ولم يطلقها طلاقا متصلا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة، وهو قول فاسد، يدل على فساده القرآن واللغة، على أن أصحابه يدعون له علم اللغة. لأن الله ﵎ قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣]، وثم توجب التراخي عند جميع أهل اللغة، لا اختلاف بينهم أن الرجل إذا قال: لقيت زيدا ثم عمرا، أن المفهوم من قوله لقي عمرا بعد زيد بزمان. والعصمة لم تنفصل بالظهار، فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنا، هذا محال. وقوله: هذا خطأ أيضا
стр. 585
من وجه آخر؛ لأنه إنما أوجب عليه الكفارة بترك الطلاق، فيكون معنى قَوْله تَعَالَى على مذهبه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣]، بمعنى ثم لم يطلقوا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣] إيجاب، ولم يطلقوا نفي. ولو صح ذلك لكان الإيجاب نفيا والنفي إيجابا وهذا محال. وقوله خطأ أيضا من وجه ثالث، وهو أن قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] يوجب أن يحدث منهم شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان قبل لم يحدث منه شيء بعد لا فعل ولا قول، فيستحيل معنى قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣] لأن العائد إنما يعود لشيء كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار، وإنما فارق به المسيس، فهو المعنى المقصود بالعودة إليه والله أعلم.
وقد احتج بعض أصحاب الشافعي له في أن العودة تركها زوجة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، فسمى تعالى بقاءهم في النار وإقرارهم فيها إعادة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكونوا تحاملوا للخروج كاضطراب المجلود فتأخذه المقامع فترده إلى حالته الأولى. ولو صح بما احتج به أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة؛ لأن الله ﵎ إنما أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعا منها بالظهار ولا منفصلا عنها. وروي عن ابن نافع أن الكفارة تصح مع استدامة العصمة وإن لم ينو المصاب ولا أراده، وهو شاذ خارج عن أقاويل العلماء لا وجه له إلا مراعاة قول من أوجب عليه الكفارة بمجرد استدامة العصمة، وهو وجه ضعيف. كيف تصح له الكفارة وينحل بها الظهار وهو لم يرد بها التحلل؛ إذ قد فعلها وهو لا يريد المصاب.
والخامس: أن العودة أن يعود فيتكلم بالظهار مرة أخرى، وهو مذهب داود وأهل الظاهر، وروي مثله عن بكير بن الأشج، وهو قول فاسد بين الفساد لبعده من النظر وخلافه للآثار. وحديث المظاهر على عهد رسول الله ﷺ قد رواه بكير بن
стр. 586
الأشج وغيره، وكلهم ذكر أنه ظاهر مرة واحدة فأمره رسول الله ﷺ بالكفارة، فليس معنى قول الله : ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أن يرجعوا إلى نفس القول بالظهار؛ لأن القول الأول لا يخلو من أن يكون أوجب الظهار أو لم يوجبه. فإن كان أوجبه فالثاني تأكيد له، وإن كان لم يوجبه فالثاني لا يوجبه أيضا لأنه مثله، وإنما معنى قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أي يعودون في تحريم ما حرموه على أنفسهم من أزواجهم بتظاهرهم وهو الوطء فيتحللونه بإرادة الوطء والإجماع عليه.
والسادس: ما ذهب إليه ابن قتيبة أن المعنى في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدونه طلاقا.
فصل
وقد قيل: إن الآية فيها تقديم وتأخير، وتقديرها والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ثم يعودون لما قالوا.
فصل
واختلف في قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فحمله أكثر أهل العلم على عمومه فقالوا: لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا يمس حتى يكفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وقال الحسن وعطاء والزهري وقتادة: ليس على عمومه، والمراد به الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، وإنما نهي عن الجماع. واختلف الذين حملوا الآية على عمومها في الوطء وما دونه إن قبل أو باشر في خلال الكفارة قبل أن يتمها، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله ولا شيء عليه، وقال مطرف: يبتدئ الكفارة.
стр. 587
فصل
والامتناع مما عدا الوطء على مذهب مطرف واجب، وعلى مذهب أصبغ وسحنون مستحب، وعلى مذهب الحسن ومن قال بقوله مباح. وأما الوطء فلا خلاف في وجوب الامتناع منه إلا على مذهب من يرى أن العودة الوطء فإنه أباح له الوطء مرة. وقد تقدم ذكر ذلك.
فصل
وأصل الظهار في ذوات المحارم، فإذا ظاهر بشيء من ذوات المحارم وهو مظاهر سمي [مظاهرا، سمى] الظهر أو لم يسمه، أراد بذلك الظهار أو لم تكن له نية. فإن أراد بذلك الطلاق ولم يرد به الظهار فقول ابن القاسم في رواية عيسى عنه من كتاب الأيمان بالطلاق أنه يكون طلاقا بتاتا ولا ينوى في واحدة ولا اثنتين. وقال سحنون: ينوى فيما أراده من الطلاق، وهو الأظهر؛ لأنه لفظ بما ليس من ألفاظ الطلاق، فوجب أن يوقف الأمر على ما نوى بذلك. هذا نص قول ابن القاسم أنه إذا ظاهر بذات محرم وأراد بذلك الطلاق أنه طلاق سمى الظهر أو لم يسمه.
ومساواته في هذا الوجه بين أن يسمي الظهار أو لا يسميه إنما يصح على مذهبه فيما بينه وبين الله تعالى إذا أتى مستفتيا. وأما إذا حضرته البينة وطولب بحكم الظهار فإن كان قد سمى الظهر حكم عليه بالظهار؛ لأن البينة قد حضرته بالإفصاح به، ولم يصدق في طرح الكفارة عن نفسه وقضي عليه بالطلاق لإقراره أنه نواه وأراده، وكان من حق المرأة إن تزوجها بعد زوج أن تمنعه نفسها حتى يكفر كفارة الظهار. وإن كان لم يسم الظهر لم يحكم عليه بالظهار وصدق أنه لم يرد الظهار إذا لم يصرح به. وهذا أصل من أصولهم أن من ادعى نية مخالفة لظاهر لفظه لا يصدق فيها. وقول ابن الماجشون: أنه يكون ظهارا، ولا يكون طلاقا وإن نواه وأراده. وحجته أن الذي ظاهر على عهد النبي ﷺ وأنزل الله فيه
стр. 588
الكفارة قد أراد الطلاق على ما كانوا يعرفونه في الجاهلية فلم يكن ذلك طلاقا، فألزمه ابن الماجشون الظهار بمجرد اللفظ دون النية وإن أتى مستفتيا فيما بينه وبين الله. ويلزمه مثل ذلك في الطلاق، وهو قول مالك في المدونة فيمن قال لامرأته: أنت طالق، وقال: أردت من وثاق.
والاختلاف في هذا قائم من المدونة. ولم يلزمه ابن الماجشون الطلاق وهو قد أراده بلفظ أنت علي كظهر أمي؛ إذ ليس هو من ألفاظ الطلاق؛ لأن الله قد أخرجه عن أن يكون من ألفاظه. فمن لفظ على مذهبه بحرف ليس من حروف الطلاق وأراد به الطلاق لم يلزمه طلاق، وهو قول مطرف في الثمانية وروايته عن مالك. وقال أشهب: إلا يلزمه الطلاق إلا أن يريد أنها طالق إذا فرغت من اللفظ، لا طالق بنفس اللفظ، وهو قول لا وجه له. وروى أشهب، عن مالك أنه يكون طلاقا إن لم يسم الظهر وظهارا إن سماه. وهذا الاختلاف كله إن نوى الطلاق. وأما إن لم تكن له نية أو نوى الظهار فهو ظهار سمى الظهر أو لم يسمه. وقد فسر بعض الشيوخ ما في المدونة برواية أشهب عن مالك، وحكى أبو إسحاق التونسي أنه مذهب ابن القاسم في كتاب ابن المواز. والصواب أن تفسير ما في المدونة برواية عيسى عن ابن القاسم، وعلى رواية أشهب عول أبو بكر الأبهري فقال: إن صريح الظهار ظهار وإن نوى به الطلاق، كما أن صريح الطلاق طلاق وإن نوى به الظهار. وهذا لا يصح على مذهب ابن القاسم في رواية عيسى عنه، بل يخالف في الطرفين فيقول: إن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق، وقال: أردت بذلك الظهار يلزمه الظهار بما أقر من نيته والطلاق بما أظهر من لفظه، وقد بينا مذهبه في الظهار.
فصل
وأما الظهار بالأجنبية فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن الماجشون: أنه لا يكون مظاهرا بالأجنبية سمى الظهار أو لم يسمه، أراد بذلك الظهار أو لم يرده، وتكون امرأته بتظاهره منها بالأجنبية طالقا إلا أن يريد بقوله مثل فلانة في هوانها عليه ونحو هذا. فينوى في ذلك ولا يلزمه شيء. وقد رأيت لبعض
стр. 589
الشيوخ أنه قال: معنى قول ابن الماجشون إنه لا يكون مظاهرا بالأجنبية إذا لم تكن له نية وأراد الطلاق. وأما إن قال: أردت بذلك الظهار فإن الظهار يلزمه إن تزوجها بعد زوج يؤخذ بالطلاق بقوله وبالظهار بنيته. والصحيح من مذهبه أن الظهار لا يلزمه بالأجنبية وإن نواه وأراده، كما لا يلزمه الطلاق بذوات المحارم وإن نواه وأراده؛ إذ لا فرق بين الموضعين.
والثاني رواية أبي زيد عن أشهب أنه يكون مظاهرا بالأجنبية سمى الظهر أو لم يسمه. والثالث قول ابن القاسم في المدونة: أنه إن سمى الظهر فهو مظاهر إلا أن يريد بذلك الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق، ولا يصدق أنه أراد الظهار بذلك إلا إن أتى مستفتيا. فإن لم يأت مستفتيا وحضرته البينة ألزم الطلاق بما شهد به عليه من لفظه، والظهار بما أقر به على نفسه من نيته، وإن تزوجها بعد زوج لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار، وهو الذي يأتي على مذهبه ولا أعرف في ذلك نصا.
فصل
والظهار ينقسم على قسمين: ظهار مطلق غير مقيد، وظهار مقيد كالطلاق سواء. فأما الظهار المطلق فهو قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وأما الظهار المقيد فإنه ينقسم على الأقسام التي قسمنا عليها الطلاق المقيد بصفة فيما ذكرناه في كتاب الأيمان بالطلاق، ويجري الحكم فيه على ذلك في الأقسام كلها. فما كان منها في الطلاق يمينا بالطلاق فهو في الظهار يمين بالظهار، [وما لم يكن في الطلاق يمينا بالطلاق فلا يكون في الظهار يمينا بالظهار]، وما وجب منها تعجيل الطلاق فيه [وجب تعجيل الظهار فيه] ولم يكن له الوطء إلا بعد الكفارة. وما لم يجب فيه تعجيل الطلاق لم يجب فيه تعجيل الظهار. وما دخل فيه على الحالف بالطلاق الإيلاء دخل فيه على الحالف بالظهار الإيلاء أيضا. فتدبر ذلك وقس عليه إن شاء الله.
стр. 590
فصل
وقد قلنا: إن الظهار تحريم ترفعه الكفارة، فإذا وجب بإطلاقه أو بحصول الصفة التي قيده بها فلا يسقطه زوال العصمة ويعود عليه بعد الطلاق ثلاثا إن تزوجها، بخلاف ما إذا طلقها قبل حصول الصفة التي علق الظهار بها، فهذا إن كان الطلاق ثلاثا ثم تزوجها بعد زوج سقط عنه الظهار، وإن كان الطلاق أقل من ثلاث - واحدة أو اثنتين - رجع عليه الظهار ووقع عليه بحصول الصفة. وما لم يتزوجها في الوجهين جميعا بعد الطلاق فلا شيء عليه إلا أن يكون قد وطئ بعد وجوب الظهار عليه فتكون الكفارة قد لزمته وترتبت في ذمته.
فصل
والظهار يكون من كل من يحل وطؤها بنكاح أو بملك يمين وإن كان الوطء ممتنعا في الحال لعارض لا يؤثر في صفحة الملك أو النكاح مثل الحيض والنفاس والصغر والصوم والاعتكاف؛ لقول الله : ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] فعم جميع النساء التي يحللن له بالملك والنكاح؛ لأن أمة الرجل من نسائه التي أحل الله له وطأها. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠]، وأجمع أهل العلم أن من وطئ أمة حرمت عليه أمها وابنتها لقول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
فصل
فإن كان الوطء ممتنعا على كل حال كالرتقاء والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الجماع أو العنين أو الخصي المقطوع الذكر ففي لزوم الظهار في ذلك اختلاف. فمن ذهب إلى أن الظهار يتعلق بالوطء وما دونه ألزمه الظهار، ومن ذهب
стр. 591
إلى أنه إنما يتعلق بالوطء خاصة دون ما دونه من دواعيه لم يلزمه الظهار. هذا على اختلافهم في تأويل قول الله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] هل هو محمول على عمومه في الوطء وما دونه أو مخصص في الوطء خاصة دون ما دونه. وقد تقدم ذكر ذلك. وقد أجرى اللخمي قول الرجل لامرأته قبلتك أو ملامستك علي كظهر أمي على هذا الاختلاف، فانظر في ذلك. وأما إن امتنع الوطء لعارض يؤثر في صحة الملك كالكتابة أو عقد العتق إلى أجل، أو في صحة النكاح كالشروط التي تفسد النكاح ويجب فسخه بها لم يلزمه الظهار فيها بقوله هي علي كظهر أمي إلا أن يريد في المملوكة نكاحا فاسدا أو المعتقة إلى أجل إن تزوجها، أو في المكاتبة إن عجزت أو تزوجها.
فصل
وقد اختلف من هذا المعنى في مسألة وهي إذا أسلم المجوسي وله زوجة مجوسية فظاهر منها ثم أسلمت بالقرب، فقال ابن القاسم: إن الظهار يلزمه؛ لأنها لما أسلمت بالقرب وبقيت معه على العصمة دل ذلك على أن ظهاره منها وقع في حال العصمة، إلا أنه كان ممنوعا منها لعارض لم يؤثر في صحة النكاح، فأشبه الحيض والاعتكاف. وقال أشهب: إن الظهار لا يلزمه، قال ابن يونس: لأنها كانت حينئذ غير زوجة. وذلك غير صحيح؛ لأنها لو كانت غير زوجة لم ترجع إليه إلا بنكاح جديد، بل هي في ذلك الوقت زوجة إلا أن لها أن تختار فراقه باختيار دينها وثبوتها عليه، فليس كون الفراق بيدها مما يمنع وقوع الظهار عليها. ألا ترى أن الرجل لو قال لامرأته: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك ثلاثا فتزوج عليها ثم ظاهر منها أن الظهار يلزمه.
فصل
وانظر على مذهب ابن القاسم إن ظاهر منها بفور إسلامه في حين لو أسلمت لبقيت معه على النكاح فعرض عليها الإسلام فأبت فوقعت الفرقة بينهما ثم أسلمت فتزوجها هل يرجع عليها الظهار أم لا؟ فإن قلت إن إسلامه لا يقطع العصمة إلا أن
стр. 592
يطول الأمد أو توقف فتأبى الإسلام، وهو الظاهر من قول ابن القاسم، وقع عليها الظهار ولم يقربها إن تزوجها بعد الإسلام حتى يكفر، وإن قلت إن حالها في ذلك الوقت مترقب لا يقال: إنها زوجة ولا إنها غير زوجة لم يقع عليها الظهار. وأما أن يقال: إنها بإسلام الزوج غير زوجة على ما علل به ابن يونس قول أشهب فلا يصح لما قدمناه.
فصل
وقد رأيت لبعض القرويين أن الرجل إذا ظاهر من مكاتبته فعجزت أن الظهار يلزمه قياسا على هذه المسألة. وقاله أيضا فيمن ظاهر من معتقته إلى أجل أو من أمة له فيها شرك فتزوجها بعد عتقها، وهو غلط بين؛ لأن المكاتبة والمعتقة إلى أجل والتي له فيها شرك لسن من نسائه؛ إذ ليس هن من ملك يمينه ولا أزواجه، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣].
فصل
والظهار ليس بطلاق إلا أنه يضارع الطلاق في بعض الوجوه واليمين بالله على ترك الوطء في بعض الوجوه. فيضارع الطلاق في أنه يقع بيمين وبغير يمين، وفي أن الاستثناء فيه بمشيئة الله غير عامل إلا أن يكون بيمين ويرد الاستثناء إلى الفعل على أحد القولين. ويضارع اليمين بالله على ترك الوطء في سقوطه بالكفارة قبل الوطء، وفي لزوم الكفارة بالحنث بالوطء. وإن كان. ذلك ممنوعا في الظهار على الصحيح من الأقوال، بخلاف اليمين بالله على ترك الوطء؛ إذ لا اختلاف أن الحنث في اليمين بالله تعالى مباح قبل الكفارة، وإنما اختلفوا في جواز الكفارة قبل الحنث.
стр. 593
فصل
فإذا وجب عليه الظهار بقول أو فعل لم يسقطه عنه زوال العصمة بانقطاع جميع الملك، ويرجع عليه إن تزوجها بعد زوج بلا خلاف. وأما إن طلقها ثلاثا بعد يمينه بالظهار وقبل الحنث ثم تزوجها بعد زوج فلا يعود عليه الظهار.
فصل
واختلف إذا ظاهر من زوجته وهي أمة بيمين ثم اشتراها قبل أن يحنث باليمين هل تعود عليه اليمين أم لا؟ فذهب بعض الشيوخ إلى أن اليمين لا تعود عليه؛ لأنه ملك يمين لا ملك عصمة، فهو غير الملك الأول كملك العصمة بعد الطلاق ثلاثا. قال: إلا أن يبيعها ثم يتزوجها فإنه تعود عليه اليمين؛ لأنه بقي له فيها طلقتان، واليمين تعود عليه ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء. وذهب بعضهم إلى أن اليمين بالظهار تعود إليه إذا اشتراها كما لو طلقها واحدة وقد كان ظاهر منها بيمين أنها تعود عليه إن تزوجها. والذي أقول به أنه إن ورث جميعها أو اشترى جميعا في صفقة واحدة فاليمين باقية عليه لا تسقط عنه؛ إذ لم تحرم عليه بخروجها من عصمة النكاح إلى ملك اليمين، ولا أقول: إنها تعود عليه؛ إذ لا يكون العود إلا بعد المفارقة. وأما إذا ورث بعضها أو اشترى بعضها فحرمت عليه بذلك ثم اشترى بقيتها فحلت له بالملك فاليمين لا تعود عليه؛ لأن ملك اليمين غير ملك العصمة، وملك اليمين من ملك العصمة أبعد من ملك العصمة الثانية من ملك العصمة الأولى.
فصل
وأما من ظاهر من أمته بيمين ثم باعها ثم اشتراها فإن اليمين ترجع عليه على مذهب ابن القاسم؛ لأنه يتهم في إسقاط اليمين عن نفسه، وإن بيعت عليه في الدين أو اشتراها ممن بيعت عليه في الدين، وإنما لا تعود عليه اليمين إذا رجعت إليه بميراث بمنزلة. من حلف بجزية عبده ألا يفعل فعلا فباعه ثم اشتراه. والاختلاف الذي في تلك يدخل في هذه.
стр. 594
فصل
فإن وطئ المظاهر بعد وجوب الظهار عليه بقول أو فعل أدب جاهلا كان أو عالما وترتبت الكفارة في ذمته ولم يسقطها عنه موت ولا فراق على مذهب من رأى العودة الإجماع على الوطء مع استدامة العصمة. وهو المشهور في المذهب وأما على مذهب من رأى أن العودة الوطء نفسه فلا تجب عليه الكفارة بأول وطء، وله أن يطأ مرة فإذا وطئ لم يكن له أن يطأ مرة ثانية حتى يكفر. وقد روي هذا القول عن مالك. وقد ذكر أصبغ في العتبية أنه قول أهل المشرق وبعض من يرتضى من أهل المدينة.
وروي عن مجاهد أنه إذا وطئ قبل أن يشرع في الكفارة لزمته كفارة أخرى؛ إذ من مذهبه أن المظاهر تلزمه الكفارة بمجرد لفظ الظهار، وإن ماتت المرأة أو طلقها. فانظر هل يقال مثل هذا على ما روي عن مالك أن الكفارة تلزم المظاهر بمجرد الإجماع على الوطء. وقد روي عن غير مجاهد أن المظاهر إذا وطئ قبل الكفارة سقطت عنه الكفارة؛ لأنه قد فات موضعها لقول الله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فيأتي فيمن وطئ قبل الكفارة أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يجب عليه شيء وتسقط الكفارة، والثاني: أن الكفارة لا تجب عليه إلا مع إرادة العودة واستدامة العصمة، والثالث: أن الكفارة تجب عليه وتترتب في ذمته أراد العودة أو لم يردها وإن ماتت أو طلقها. والرابع: أنه تجب عليه كفارتان، وبالله التوفيق.
стр. 595
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله
كتاب الإيلاء
فصل
في معرفة اشتقاق اسم الإيلاء
الإيلاء والتألي هو الامتناع من فعل الشيء أو تركه باليمين على ذلك، يقال من ذلك آلى يولي إيلاء وآلية وتألى تأليا وائتلاء وائتلى يأتلي ائتلاء. قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁. وذلك أن الله ﵎ لما أنزل عذر عائشة وبراءتها مما كانت قذفت به حلف أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أن لا ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان ابن خالته، وعلى غيره من قرابته لما كانوا خاضوا فيه وتكلموا به في ابنته عائشة ﵂، فأنزل هذه الآية، فقال أبو بكر الصديق ﵁ لما نزلت: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إليهم النفقة وقال لا أقطعها عنهم أبدا. وقال رسول الله ﷺ في التألي: «تألى أن لا يفعل خيرا» في الذي حلف أن لا يضع عن صاحبه ولا يقيله في تمر كان باعه منه فوضع فيه. قال الشاعر في الإيلاء:
فآليت لا آتيك إن كنت مجرما ... ولا أبتغي جارا سواك مجاورا
стр. 596
فهذا هو الإيلاء في اللغة. وهو في الشرع على ما هو عليه في اللغة إلا أنه قد تعرف في الشرع في الحلف على اعتزال الزوجات وترك جماعهن حيث ذكره الله في كتابه ونص على الحكم فيه. وأصل ذلك أن الرجل كان في الجاهلية إذا كره المرأة وأراد تقييدها أن لا تنكح زوجا غيره حلف عليها أن لا يقربها فيتركها لا أيما ولا ذات بعل إضرارا بها، وفعل ذلك في أول الإسلام، فحد الله للمولي من امرأته حدا لا يتجاوزه، وخيره بين أن يفيء فيرجع إلى وطء امرأته أو يعزم على طلاقها فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧].
فصل
معنى الكلام للذين يحلفون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر. والتربص التوقف والتنظر. وترك ذكر أن يعتزلوا في التلاوة اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه. ومثل هذا في القرآن كثير، من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] معناه فأفطر فعدة من أيام أخر. وقوله: " فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فانفلق " معناه فضرب فانفلق. ومن ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]؛ لأن المعنى في ذلك لكان هذا القرآن أو لما آمنوا به، فحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وذلك أن «الكفار قالوا للنبي ﷺ : باعد لنا بين جبال مكة حتى نجعل بينها بساتين أو قرب لنا الشام فإن متجرنا إليها، أو أحي لنا فلانا وفلانا حتى نسألهم إن كان ما تقول حقا، فأنزل الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]» فحذف الجواب لدلالة
стр. 597
الكلام عليه. وقد قيل: إن الجواب مقدم، وهو قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، الآية. والأول أولى أن الجواب محذوف على عادة العرب في حذف ما يستغنى عنه من الكلام إيجازا واختصارا. وقال الفراء: معنى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]: على نسائهم. وكذا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠] أن معنى ذلك من أزواجهم، فأقام " على " مقام " من " في الموضع الواحد، و" من " مقام " على " في الموضع الآخر. وما قدمته، أولى من أن المعنى في الآية إضمار أن يعتزلوا لدلالة الكلام عليه مع ورود الآية على سبب يقتضيه وهو ما كانوا يفعلونه من الحلف على اعتزال نسائهم إضرارا بهن.
فصل
والفيء الرجوع. يقال: فاء فلان يفيء فيئا وفيئة مثل الجيئة، وفاء الظل يفيء فيأ وفيوءا. وقيل في الأول فيوءا. فمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي: فإن رجعوا إلى ما كانوا حلفوا عليه ألا يفعلوه من وطء نسائهم ففعلوه.
فصل
واختلف في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] هل المراد بذلك في الأربعة الأشهر أو بعدها. وعلى هذين التأويلين يأتي الاختلاف الواقع بين أهل العلم في حكم المولي بعد انقضاء الأجل، فذهب مالك ﵀ في المشهور عنه وجميع أصحابه إلى أنه يقع عليه طلاق وإن مرت له سنة حتى يوقف، فإما فاء وإما طلق.
[ويروى هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة، وأبي الدرداء]. قال سهيل بن أبي صالح عن أبيه: سألت اثني عشر من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول: ليس
стр. 598
عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف؛ فإما فاء وإما طلق. وهو مذهب أهل المدينة وقول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ لأن المعنى عندهم في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي بعد الأربعة الأشهر، وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك والمشهور عنه ما قدمناه من أن الأربعة الأشهر توسعة وأن الإيقاف بعدها.
وروي عنه أن الفيء في الأربعة الأشهر توسعة فإذا انقضت طلق عليه ولم يؤمر بالفيئة بعدها، وهو قول ابن شبرمة. وروي مثله عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول وابن شهاب، حكى الروايتين عن مالك ابن خويز منداد في كتاب أحكام القرآن له. وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إذا وقف بعد انقضاء الأربعة الأشهر فقال أنا أفيء أمهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل بانت منه بانقضاء عدتها، وهي قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير جارية على قياس.
فصل
فإن وقف على المشهور عنه فلم يفئ ولا طلق؛ طلق عليه الإمام طلقة يملك فيها الرجعة. وقال غير هؤلاء يحبس حتى يفيء أو يطلق. وقال أهل العراق: يقع على المولي بانقضاء أجل الإيلاء طلقة بائنة، وهو قول ابن مسعود من الصحابة وزيد بن ثابت. وروي مثله عن عثمان وعلي، فجعل هؤلاء قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] على أن المراد بذلك قبل تمام الأربعة الأشهر.
فصل
وقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] معناه على قولهم غفور لهم فيما اجترموا من الحلف على ترك وطء نسائهم وتحنيث أنفسهم بالفيء إلى ذلك، رحيم بهم وبغيرهم من عباده المسلمين. وقيل: إنما معنى غفور فيما بعد الأربعة الأشهر؛ لأن الله تعالى قد أباح للمولي التربص أربعة أشهر، والغفران إنما يكون فيما هو محظور لم تتقدم فيه إباحة. وهذا التأويل يشد مشهور قول مالك ومن تابعه عليه في أن
стр. 599
المولي لا يقع عليه طلاق ما لم يوقف وإن مكث سنة أو أكثر. وقيل: إن الفيء يسقط عنه الكفارة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وهو مذهب الحسن والنخعي وغيرهما ممن يرى أن كل حانث في يمين هو في المقام عليها حرج فلا كفارة عليه في حنثه، وأن كفارتها الحنث فيها. والذي عليه جمهور الفقهاء وعامة العلماء إيجاب الكفارة على من حنث في يمينه برا كان الحنث فيها أو غير بر.
فصل
وقوله : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] عزيمة الطلاق على مذهب مالك ومن قال بقوله إيقاعه، كما أن عزيمة النكاح في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] إيقاع عقده. والدليل على ذلك أيضا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وسميع لا يكون إلا في النطق؛ لأن الكلام هو الذي يسمع. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، وأما انقضاء أجل الإيلاء فليس بمسموع إنما هو معلوم، فلو كان عزم الطلاق في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] هو وقوعه بانقضاء أجل الإيلاء كما قال أهل العراق لما كانت الآية مختومة بذكر إخبار الله عن نفسه أنه سميع عليم، كما لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعة الله في مراجعة وطء زوجته بذكر الخبر عن الله أنه شديد العقاب؛ إذ لم يكن موضع وعيد على معصية، وإنما كان موضع وعد منه بالرحمة والغفران لمنيب أناب إلى طاعته، فذلك ختم الآية التي فيها القول بصفة نفسه أنه سميع عليم؛ لأنه للكلام سميع وبالفعل عليم، فقال تعالى وإن عزم المولون على طلاق من آلوا منهن فإن الله سميع لطلاقهم إياهن عليم بما آتوا إليهن مما يحل لهم ويحرم عليهم.
стр. 600
فصل
والإيلاء يكون بثلاثة أشياء: أحدها اليمين على ترك الوطء، والثاني ما كان بمعنى اليمين على ترك الوطء، والثالث اليمين بالطلاق التي يكون الحالف فيها على حنث.
فصل
فأما اليمين على ترك الوطء فإنه ينقسم على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يحلف على ذلك بالله أو بما كان في معنى اليمين بالله مما يوجبه على نفسه إن وطئ كالصلاة والصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة، أو طلاق غير المولى منها أو عتق بعينه أو بغير عينه. والثاني: أن يحلف على ذلك بطلاق المولى منها. والثالث: أن يحلف على ذلك بما ينعقد عليه بالحنث فيه حكم ولا يلزمه بمجرده شيء. فأما إذا حلف على ذلك باليمين بالله أو بما كان في معناه مما ذكرناه فإنه على وجهين: أحدهما: أن يقول: والله لا أطأ امرأتي [أو علي صدقة أو مشي أو ما أشبه ذلك إن وطئتها أبدا أو إلى كذا وكذا مما هو أكثر من أربعة أشهر]. والثاني: أن يقول: والله لا أطأها حتى أفعل كذا وكذا. فأما الوجه الأول فإنه مول من يوم حلف ويوقف إذا حل الأجل؛ فإما فاء بالوطء وإما طلق عليه. وأما الوجه الثاني فإنه لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك الفعل الذي حلف أن لا يطأ حتى يفعله مما يمكنه فعله. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه فعله ليمنع الشرع منه أو عدم القدرة عليه. فأما إذا كان مما يمكنه فعله فإن كان مما لا مؤنه فيه فليس بمول إلا أنه لا يترك، ويقال له طأ امرأتك إن كنت صادقا أنك لست بمول. وإن كان إنما يتكلف فيه مؤنة فإنه مول أيضا من يوم حلف ويوقف، فإذا حل الأجل ويخير بين أن يفيء بالوطء أو يبر بفعل الشيء الذي حلف أن لا يطأ حتى يفعله، فإن أبى من ذلك طلق عليه وأما إذا كان الفعل مما لا يمكنه فعله لمنع الشرع منه أو عدم القدرة عليه فإنه
следующие страницы →