Полный текст (1 626 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فهذا هو الإيلاء في اللغة. وهو في الشرع على ما هو عليه في اللغة إلا أنه قد تعرف في الشرع في الحلف على اعتزال الزوجات وترك جماعهن حيث ذكره الله في كتابه ونص على الحكم فيه. وأصل ذلك أن الرجل كان في الجاهلية إذا كره المرأة وأراد تقييدها أن لا تنكح زوجا غيره حلف عليها أن لا يقربها فيتركها لا أيما ولا ذات بعل إضرارا بها، وفعل ذلك في أول الإسلام، فحد الله للمولي من امرأته حدا لا يتجاوزه، وخيره بين أن يفيء فيرجع إلى وطء امرأته أو يعزم على طلاقها فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧].
فصل
معنى الكلام للذين يحلفون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر. والتربص التوقف والتنظر. وترك ذكر أن يعتزلوا في التلاوة اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه. ومثل هذا في القرآن كثير، من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] معناه فأفطر فعدة من أيام أخر. وقوله: " فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فانفلق " معناه فضرب فانفلق. ومن ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]؛ لأن المعنى في ذلك لكان هذا القرآن أو لما آمنوا به، فحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وذلك أن «الكفار قالوا للنبي ﷺ : باعد لنا بين جبال مكة حتى نجعل بينها بساتين أو قرب لنا الشام فإن متجرنا إليها، أو أحي لنا فلانا وفلانا حتى نسألهم إن كان ما تقول حقا، فأنزل الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]» فحذف الجواب لدلالة
стр. 597
الكلام عليه. وقد قيل: إن الجواب مقدم، وهو قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، الآية. والأول أولى أن الجواب محذوف على عادة العرب في حذف ما يستغنى عنه من الكلام إيجازا واختصارا. وقال الفراء: معنى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]: على نسائهم. وكذا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠] أن معنى ذلك من أزواجهم، فأقام " على " مقام " من " في الموضع الواحد، و" من " مقام " على " في الموضع الآخر. وما قدمته، أولى من أن المعنى في الآية إضمار أن يعتزلوا لدلالة الكلام عليه مع ورود الآية على سبب يقتضيه وهو ما كانوا يفعلونه من الحلف على اعتزال نسائهم إضرارا بهن.
فصل
والفيء الرجوع. يقال: فاء فلان يفيء فيئا وفيئة مثل الجيئة، وفاء الظل يفيء فيأ وفيوءا. وقيل في الأول فيوءا. فمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي: فإن رجعوا إلى ما كانوا حلفوا عليه ألا يفعلوه من وطء نسائهم ففعلوه.
فصل
واختلف في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] هل المراد بذلك في الأربعة الأشهر أو بعدها. وعلى هذين التأويلين يأتي الاختلاف الواقع بين أهل العلم في حكم المولي بعد انقضاء الأجل، فذهب مالك ﵀ في المشهور عنه وجميع أصحابه إلى أنه يقع عليه طلاق وإن مرت له سنة حتى يوقف، فإما فاء وإما طلق.
[ويروى هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة، وأبي الدرداء]. قال سهيل بن أبي صالح عن أبيه: سألت اثني عشر من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول: ليس
стр. 598
عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف؛ فإما فاء وإما طلق. وهو مذهب أهل المدينة وقول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ لأن المعنى عندهم في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي بعد الأربعة الأشهر، وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك والمشهور عنه ما قدمناه من أن الأربعة الأشهر توسعة وأن الإيقاف بعدها.
وروي عنه أن الفيء في الأربعة الأشهر توسعة فإذا انقضت طلق عليه ولم يؤمر بالفيئة بعدها، وهو قول ابن شبرمة. وروي مثله عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول وابن شهاب، حكى الروايتين عن مالك ابن خويز منداد في كتاب أحكام القرآن له. وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إذا وقف بعد انقضاء الأربعة الأشهر فقال أنا أفيء أمهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل بانت منه بانقضاء عدتها، وهي قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير جارية على قياس.
فصل
فإن وقف على المشهور عنه فلم يفئ ولا طلق؛ طلق عليه الإمام طلقة يملك فيها الرجعة. وقال غير هؤلاء يحبس حتى يفيء أو يطلق. وقال أهل العراق: يقع على المولي بانقضاء أجل الإيلاء طلقة بائنة، وهو قول ابن مسعود من الصحابة وزيد بن ثابت. وروي مثله عن عثمان وعلي، فجعل هؤلاء قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] على أن المراد بذلك قبل تمام الأربعة الأشهر.
فصل
وقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] معناه على قولهم غفور لهم فيما اجترموا من الحلف على ترك وطء نسائهم وتحنيث أنفسهم بالفيء إلى ذلك، رحيم بهم وبغيرهم من عباده المسلمين. وقيل: إنما معنى غفور فيما بعد الأربعة الأشهر؛ لأن الله تعالى قد أباح للمولي التربص أربعة أشهر، والغفران إنما يكون فيما هو محظور لم تتقدم فيه إباحة. وهذا التأويل يشد مشهور قول مالك ومن تابعه عليه في أن
стр. 599
المولي لا يقع عليه طلاق ما لم يوقف وإن مكث سنة أو أكثر. وقيل: إن الفيء يسقط عنه الكفارة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وهو مذهب الحسن والنخعي وغيرهما ممن يرى أن كل حانث في يمين هو في المقام عليها حرج فلا كفارة عليه في حنثه، وأن كفارتها الحنث فيها. والذي عليه جمهور الفقهاء وعامة العلماء إيجاب الكفارة على من حنث في يمينه برا كان الحنث فيها أو غير بر.
فصل
وقوله : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] عزيمة الطلاق على مذهب مالك ومن قال بقوله إيقاعه، كما أن عزيمة النكاح في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] إيقاع عقده. والدليل على ذلك أيضا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وسميع لا يكون إلا في النطق؛ لأن الكلام هو الذي يسمع. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، وأما انقضاء أجل الإيلاء فليس بمسموع إنما هو معلوم، فلو كان عزم الطلاق في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] هو وقوعه بانقضاء أجل الإيلاء كما قال أهل العراق لما كانت الآية مختومة بذكر إخبار الله عن نفسه أنه سميع عليم، كما لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعة الله في مراجعة وطء زوجته بذكر الخبر عن الله أنه شديد العقاب؛ إذ لم يكن موضع وعيد على معصية، وإنما كان موضع وعد منه بالرحمة والغفران لمنيب أناب إلى طاعته، فذلك ختم الآية التي فيها القول بصفة نفسه أنه سميع عليم؛ لأنه للكلام سميع وبالفعل عليم، فقال تعالى وإن عزم المولون على طلاق من آلوا منهن فإن الله سميع لطلاقهم إياهن عليم بما آتوا إليهن مما يحل لهم ويحرم عليهم.
стр. 600
فصل
والإيلاء يكون بثلاثة أشياء: أحدها اليمين على ترك الوطء، والثاني ما كان بمعنى اليمين على ترك الوطء، والثالث اليمين بالطلاق التي يكون الحالف فيها على حنث.
فصل
فأما اليمين على ترك الوطء فإنه ينقسم على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يحلف على ذلك بالله أو بما كان في معنى اليمين بالله مما يوجبه على نفسه إن وطئ كالصلاة والصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة، أو طلاق غير المولى منها أو عتق بعينه أو بغير عينه. والثاني: أن يحلف على ذلك بطلاق المولى منها. والثالث: أن يحلف على ذلك بما ينعقد عليه بالحنث فيه حكم ولا يلزمه بمجرده شيء. فأما إذا حلف على ذلك باليمين بالله أو بما كان في معناه مما ذكرناه فإنه على وجهين: أحدهما: أن يقول: والله لا أطأ امرأتي [أو علي صدقة أو مشي أو ما أشبه ذلك إن وطئتها أبدا أو إلى كذا وكذا مما هو أكثر من أربعة أشهر]. والثاني: أن يقول: والله لا أطأها حتى أفعل كذا وكذا. فأما الوجه الأول فإنه مول من يوم حلف ويوقف إذا حل الأجل؛ فإما فاء بالوطء وإما طلق عليه. وأما الوجه الثاني فإنه لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك الفعل الذي حلف أن لا يطأ حتى يفعله مما يمكنه فعله. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه فعله ليمنع الشرع منه أو عدم القدرة عليه. فأما إذا كان مما يمكنه فعله فإن كان مما لا مؤنه فيه فليس بمول إلا أنه لا يترك، ويقال له طأ امرأتك إن كنت صادقا أنك لست بمول. وإن كان إنما يتكلف فيه مؤنة فإنه مول أيضا من يوم حلف ويوقف، فإذا حل الأجل ويخير بين أن يفيء بالوطء أو يبر بفعل الشيء الذي حلف أن لا يطأ حتى يفعله، فإن أبى من ذلك طلق عليه وأما إذا كان الفعل مما لا يمكنه فعله لمنع الشرع منه أو عدم القدرة عليه فإنه
стр. 601
يوقف إذا حل الأجل، فإما فاء بالوطء وإما طلق عليه، ولم يمكن من البر بما لا يبيحه له الشرع من قتل أو شرب خمر وما أشبه ذلك.
فصل
وأما إذا حلف على ذلك بطلاق المولى منها فلا يخلو من أن يكون الطلاق ثلاثا أو ما دون الثلاث واحدة أو اثنتين. فإن كان ما دون الثلاث واحدة أو اثنتين وقف إذا حل الأجل وقيل له: فئ على أن تنوي في مصابك الرجعة وإن لم تكن مدخولا بها؛ لأنها تصير مدخولا بها بالتقاء الختانين فيخرج من الاختلاف هذا الوجه، فإن أبى من ذلك طلق عليه بالإيلاء فإن ارتجع في المدخول بها وصدق رجعته بوطء ينوي بباقية الرجعة صحت رجعته وبقيت عنده على طلقتين، وإن لم يرتجع حتى انقضت العدة فتزوجها رجع عليه الإيلاء من يوم تزوجها ما لم تنقض الثلاث بثلاث تطليقات. وإن كان الطلاق ثلاثا ففي ذلك اختلاف كثير، تحصيله أن في ذلك قولين: أحدهما: أنه مول والثاني: أنه ليس بمول. فإذا قلت: إنه مول فلا يطلق عليه حتى يحل أجل الإيلاء. واختلف على هذا القول في حكمه إذا حل الأجل على أربعة أقوال: أنه يطلق عليه ولا يمكن من الفيء؛ لأنها تبين منه بالتقاء الختانين فيصير النزع حراما، وهو مذهب ابن الماجشون على أصله فيمن طلع عليه الفجر في رمضان وهو يطأ امرأته أنه يقضي ذلك اليوم؛ لأن إخراج الفرج من الفرج وطء. والثاني: أنها لا تطلق عليه إلا أن يأتي الفيء، فإن لم يأباه وأراد الفيء مكن من التقاء الختانين لا أكثر، روي هذا القول عن مالك، ويكون النزع على مذهبه هذا واجبا وليس بحرام، كما لو طلق امرأته ثلاثا في تلك الحال. والثالث: أنه يمكن من جميع لذته حتى يفترأ وينزل، ولا ينزل فيها مخافة أن يكون الولد ولد زنا، وهو قول أصبغ. والرابع: أنه يمكن من الفيء بوطء كامل ولا يقع عليه الحنث إلا بتمامه، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية وظاهر قوله في المدونة، وما يوجد له من خلاف ذلك فقد قيل: إنه من إصلاح سحنون. وإذا قلت: إنه غير مول ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يعجل عليه الطلاق من يوم حلف وهو
стр. 602
قول مطرف. والثاني: أن الطلاق لا يعجل عليه حتى ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه.
فصل
وأما إذا حلف على ذلك بما ينعقد عليه بالحنث فيه حكم فاختلف هل يكون به موليا أم لا؟ على قولين قائمين في المدونة: أحدهما: أنه لا يكون موليا، والثاني: أنه يكون به موليا. وذلك مثل أن يقول: إن وطئت امرأتي فكل عبد اشتريته من الفسطاط فهو حر، ووالله لا أطأ امرأتي في هذه السنة إلا يوما واحدا أو مرة واحدة، والله لا أطأ إحدى امرأتي ولا نية له. ومن ذلك أيضا أن يقول: إن وطئت امرأتي فهي علي كظهر أمي أو إن وطئتها فوالله لا أطأها على مذهب من يقول في الحالف بالطلاق ثلاثا إن لا يطأ أنه يمكن من الوطء. وأما على مذهب من يرى أنه لا يمكن من الوطء أصلا فتطلق عليه إذا انقضى أجل الإيلاء وإذا قامت به امرأته على الاختلاف الذي ذكرناه فهو مول على كل حال. وأما على مذهب من يرى أنه يمكن من التقاء الختانين لا أكثر فيتخرج ذلك على الاختلاف فيمن حلف أن يعزل عن امرأته هل يكون موليا أم لا فهذا الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة.
فصل
ولا يكون الحالف بترك الوطء موليا إلا بشرط أن يكون حلفه في حال الغضب إرادة الضرر، فإن لم يكن على وجه الضرر وكانت يمينه على وجه الإصلاح كالذي يحلف أن لا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها أو حتى يبرأ من مرضه وما أشبه ذلك لم يكن موليا عند مالك وأصحابه. وقال ذلك علي بن أبي طالب ﵁. وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومن تبعهما إلى أنه مول بكل حال، وحجتهم عموم قول الله في الآية وأنه لم يخص فيها غاضبا من راض ولا محسنا من مسيء. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يكون موليا إلا من حلف بالله تعالى. وهذا لا يصح إلا على مذهب من يرى أن الأيمان كلها بغير الله غير لازمة؛ لقول
стр. 603
النبي ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وهو بعيد. والثاني قلنا فيه: إنه ما كان بمعنى اليمين على ترك الوطء، وهو المظاهر يترك الكفارة ضررا؛ لأن الوطء يوجب عليه كفارة الظهار ولم تكن واجبة قبل، كما يوجب الوطء الكفارة، على من حلف أن لا يطأ ولم تكن واجبة قبل. والثالث قلنا فيه: إنه اليمين بالطلاق التي يكون الحالف فيها على حنث، وهو أن يقول الرجل: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا. وهو ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أدخل الدار وما أشبه ذلك. والثاني: أن يكون ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله في الحال ويمكنه في وقت آخر، وذلك مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج وهو في أول السنة حيث لا يجد سبيلا إلى الحج. والثالث: أن يكون ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله، لعدم الإمكان، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أمس السماء أو إن لم أشرب الخمر أو ألج في سم الخياط وما أشبه ذلك.
فصل
فأما الوجه الأول فيمنع فيه من الوطء من وقت اليمين. فإن طالبته امرأته بذلك ضرب له أجل الإيلاء ووقف عند تمامه فإما فاء بفعل ذلك وإما طلق عليه وليس له أن يفيء بالوطء؛ لأنه ممنوع منه لكونه على حنث، فإن اجترأ ووطئ سقط ما مضى من أجل الإيلاء واستؤنف ضربه مرة أخرى إن قامت بذلك المرأة وطلبته. فإن فاء بفعل ذلك الفعل سقط عنه الإيلاء ولم يلزمه الطلاق، وإن طلق لم تلزمه طلقة أخرى بفوات ذلك الفعل المحلوف عليه إن كان مما يفوت في حياته على مذهب ابن القاسم، خلافا لابن المواز في قوله: إنه يقع عليه طلقة أخرى بفوات الفعل؛ لأن فواته كانقضاء الأجل. فإن أبى من ذلك طلق عليه الإمام بالإيلاء. وإن طلق عليه الإمام به فارتجع لم تصح رجعته إلا أن يفيء بفعل ذلك الفعل قبل
стр. 604
انقضاء العدة، بخلاف ما إذا طلق هو دون أن يطلق عليه الإمام بالإيلاء [لأنه إذا طلق فقد حنث نفسه وانحلت عنه اليمين. وإذا طلق الإمام عليه بالإيلاء فاليمين باقية عليه] فإن تزوجها بعد انقضاء العدة رجع عليه الإيلاء وكان لها أن توقفه؛ لأنه ممنوع من الوطء لكونه على حنث، ويضرب له أجل الإيلاء ثانية ويوقف عند تمامه، فإما فاء بفعل ذلك الفعل وإما طلق، فإن طلق انحلت عنه اليمين، وإن لم يفعل طلق عليه الإمام ثانية بالإيلاء وبقيت عليه اليمين، فإن ارتجع لم تصح رجعته أيضا إلا أن يفيء بفعل ذلك الفعل، وإن تزوجها بعد انقضاء العدة رجع عليه الإيلاء وكان لها أن توقفه فإن وقفته ضرب له أجل الإيلاء فإذا انقضى وقف أيضا فإن أبى أن يفيء أو يطلق طلق عليه الإمام بالإيلاء ثالثة وانحلت يمينه فلم تعد عليه لانقضاء ذلك الملك. فهذا حكم هذا الوجه إلا في مسألتين: إحداهما أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها. أو الثانية: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطأها، وقد ذكرت الحكم فيها في كتاب الأيمان بالطلاق.
فصل
وأما الوجه الثاني ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنه يمنع من الوطء من يوم حلف، وإن كان الفعل غير ممكن له في الحال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة ورواية عيسى عنه في العتبية أنه يقال له أحرم واخرج وإن كان ذلك في المحرم قال غير ابن القاسم في المدونة إذا تبين ضرره بها، ولابن القاسم في مراعاة الضرر مثله في الظهار. والثاني: أنه لا يمنع من الوطء حتى يمكنه الفعل بمجيء إبان الخروج إلى الحج. والثالث: أنه لا يمنع منه حتى يخشى فواته. والرابع: أنه لا يمنع منه حتى يفوته جملة. فإن طالبته امرأته بالوطء إذا يمنع منه على مذهب من يرى المنع منه في ذلك الموضع ضرب له أجل الإيلاء، فإن ضرب له على القول الأول حين حلف، أو على القول الثاني حينه أمكنه الخروج فخرج فأدرك الحج قبل انقضاء أجل الإيلاء فحج بر وسقط عنه الإيلاء، وإن لم يحج طلق عليه بالإيلاء
стр. 605
عند انقضاء أجله. وإن انقضى أجل الإيلاء قبل وقت الحج لم تطلق عليه حتى يأتي وقت الحج، فإن أتى وقت الحج فحج بر وسقط عنه الإيلاء. وإن ضرب له أجل الإيلاء على القول الثالث حين خشي الفوات فخرج فأدرك الحج بإسراع السير بر وسقط عنه الإيلاء، وإن لم يدرك الحج طلق عليه بالإيلاء إن كان قد انقضى أجله أو عند انقضائه إن كان لم ينقض بعد. وإن ضرب له أجل الإيلاء على القول الرابع بعد فوات الحج فخرج من العام المقبل لم يطلق عليه بانقضاء أجل الإيلاء حتى يأتي وقت الحج، فإن أتى وقت الحج [فحج بر وسقط عنه الإيلاء، وإن أتى وقت الحج فلم يحج طلق عليه بالإيلاء.
وإن لم يخرج حتى انقضى أجل الإيلاء] طلق عليه به. وإن لم تطالبه المرأة باليمين وترك هو الحج في ذلك العام ثم قامت عليه في العام الثاني استؤنف لها الحكم فيه كالعام الأول، وجرى ذلك على الاختلاف المذكور فيه، يتمادى في القول الأول على الامتناع من الوطء ويضرب له أجل المولي. وإن قامت قبل أن يمكنه الخروج ويرجع في القول الثاني إلى الوطء حتى يمكنه الخروج فيضرب له حينئذ أجل الإيلاء، وهو قول أشهب، ويرجع في القول الثالث إلى الوطء حتى يخشى فوات الحج فيضرب له حينئذ أجل الإيلاء. وقد روي عن ابن القاسم أنه إذا لم يحج ذلك العام حنث ووقع عليه الطلاق. ووجه هذا القول أنه حمل يمينه على أن يحج في ذلك العام. فعلى هذا القول: لا يدخل عليه الإيلاء؛ لأنه أجل مؤقت يحنث بمضيه فله أن يطأ؛ لأنه على بر. وقد قيل ليس له أن يطأ ويدخل عليه الإيلاء على هذا القول ويطلق عليه به إن انقضى قبل أن يفوته الحج.
فصل
وأما الوجه الثالث فيعجل عليه فيه الطلاق ولا يضرب له فيه أجل الإيلاء؛ لأن الفيء لا يقدر عليه فيما لا يمكنه فعله ولا يمكن منه فيما لا يجوز له مما يمنعه الشرع منه، غير أنه إن بادر وفعل بر في يمينه وسقط عنه الطلاق وباء بالإثم.
стр. 606
فصل
ويختلف ما يكون المولي به فائيا باختلاف أيمانه، فما كان منها لا يقدر على إسقاطه عن نفسه قبل الحنث لم يكن له أن يفيء فيه إلا بالجماع، وما كان منها يقدر أن يسقطه عن نفسه قبل الحنث ظاهرا وباطنا قبلت منه الفيئة بإسقاط اليمين عن نفسه [وما كان منها يقدر أن يسقطه عن نفسه في الظاهر ولا يعلم حقيقة ذلك في الباطن إلا من قبله فيختلف هل يقبل منه الفيئة بإسقاط اليمين عن نفسه] في الظاهر على قولين. فإن كان للمولي عذر يمنعه من الجماع من مرض أو سفر أو حيض أو دم نفاس أو ما أشبه ذلك لم تخل يمينه من الثلاثة الأوجه المذكورة: أحدها: أن يكون مما لا يقدر على إسقاطه قبل الحنث، مثل أن تكون يمينه بعتق غير معين أو صدقة شيء بغير عينه أو ما أشبه ذلك.
والثاني: أن يكون مما يقدر على إسقاطه قبل الحنث ظاهرا فيعلم بذلك أن اليمين قد انحلت عنه بفعل ما حلف به، وذلك مثل أن يحلف بعتق عبد بعينه أن لا يطأ امرأته أو بطلاق امرأة له أخرى ثلاثا وما أشبه ذلك. والثالث: أن يقدر على إسقاط اليمين عن نفسه في الباطن من غير أن يعلم ذلك في الظاهر إلا من قبله، وذلك مثل أن تكون يمينه بالله تعالى أو ما تكون كفارته كفارة يمين بالله تعالى. فإذا كانت يمينه لا يقدر على إسقاطها عن نفسه قبل الحنث كحلفه بعتق غير معين أو ما أشبه ذلك من صدقة أو مشي أو صيام أو ما أشبه ذلك، فالفيئة له بالقول إلى أن يزول العذر فيوقف، فإما أن يفيء وإما أن يطلق؛ إذ لا تسقط عنه اليمين ولا ينحل عنه الإيلاء يما يعتق ويتصدق به قبل الوطء إذا لم يكن ذلك بعينه. هذا هو المشهور الذي يوجبه النظر والقياس. وقد روي عن مالك فيمن آلى بعتق غير معين فأعتق لذلك رقبة قبل الحنث أنه يجزئه وقع ذلك في كتاب الظهار من المدونة، ومثله في كتاب ابن المواز، وهو بعيد.
وأما إن كانت يمينه بعتق عبد بعينه أو صدقة شيء بعينه أو ما أشبه ذلك من المعينات فلا يقبل منه فيئة بالقول دون أن يعتق العبد الذي حلف بعتقه أو يتصدق
стр. 607
بالشيء الذي حلف بالصدقة به؛ لأنه إذا أعتق ذلك العبد وتصدق بذلك الشيء سقطت عنه اليمين وانحل عنه الإيلاء، ولأن فيئته التي يسألنا أن ننظره إليها توجب عليه ذلك. هذا قول أصحابنا كلهم حاشا ابن الماجشون فإنه يرى الفيئة بالقول إذا كان له عذر يمنعه من الوطء وإن كانت اليمين مما يقدر على إسقاطها، وإنما نقول بقولهم: إن الفيئة لا تكون إلا بإسقاط اليمين إذا طلق عليه بالإيلاء فارتجع، ولا يرى السفر عذرا.
وأما إن كانت يمينه بالله تعالى فاختلف هل تقبل منه فيئة بالقول دون أن يكفر أو لا تقبل منه حتى يكفر. فقيل: إنها لا تقبل منه دون أن يكفر لسقوط اليمين عنه بالكفارة قبل الحنث، وقيل: إنها تقبل منه دون أن يكفر؛ لأنا لا ندري إن كفر هل نوى بكفارته تلك اليمين أم لا؟
فصل
وقال جماعة من أهل العلم: الفيء الجماع إلا أن يكون له عذر يمنعه منه فيكون له الفيء باللسان إذا أشهد على ذلك. وقال آخرون: الفيئة له بالقول على كل حال. وهذان القولان إنما يتصوران عندي على مذهب من يرى أن الطلاق يقع على المولي بانقضاء أجل الإيلاء إن لم يفئ فيه.
فصل
وأما إن لم تكن يمينه على ترك الوطء ففيئته فعل الشيء الذي حلف أن يفعله على مذهب مالك وأصحابه إذا كان قادرا على ذلك الفعل. واختلف إذا لم يكن قادرا عليه في الحال على ما تقدم ذكره وتحصيل الاختلاف فيه. وأما إن لم يكن قادرا عليه بحال فيعجل عليه الطلاق ولا يضرب له أجل الإيلاء حسب ما مضى القول فيه.
فصل
واختلف أهل العلم في حد المدة التي يكون الحالف بترك الوطء فيها موليا
стр. 608
على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يكون موليا إلا من حلف أن لا يطأ زوجته على التأبيد أو أطلق اليمين ولم يقيدها بمدة مخصوصة مؤقتة وإلا فليس بمول، حكى هذا القول أهل الخلاف عن ابن عباس: أنه لا يكون موليا إلا أن يحلف على أكثر من أربعة أشهر ولو بيوم، وهو مذهب مالك ومن تبعه. وقد تأول على هذا المذهب أنه لا يكون موليا حتى يزيد على الأربعة أشهر أكثر مما يتلوم به عليه إذا قال أنا أفيء، وهو غلط؛ لأن التلوم إنما يكون إذا وقف فقال: أنا أفيء ولم يفعل. وأما إذا وقف فأبى أن يفيء فإن الطلاق يعجل عليه ولا معنى للتلوم عليه. فمن حق المرأة أن يوقف لها زوجها المولي وإن لم يزد على الأربعة الأشهر [إلا يوما واحدا؛ إذ لعله يأبى الفيء فتطلق عليه. والثالث: أن يكون موليا من حلف على أربعة أشهر] فصاعدا، ولا يكون موليا إن حلف على أقل منها، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل العراق. والرابع: أنه يكون موليا إذا حلف على كثير من الأوقات أو قليل أن لا يجامع فتركها أربعة أشهر من غير جماع، وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة من أهل الكوفة.
فصل
والإيلاء ينقسم على ثلاثة أقسام: قسم يكون فيه موليا من يوم حلف، وقسم لا يكون فيه موليا إلا من يوم ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه، وقسم اختلف فيه فقيل: إنه مول من يوم حلف، وقيل: من يوم ترفعه إلى السلطان. فأما الذي يكون فيه موليا من يوم حلف فهو الذي يحلف على ترك الوطء. وأما الذي لا يكون فيه موليا إلا من يوم ترفعه فهو الذي يحلف بطلاق امرأته أن يفعل فعلا. وأما الوجه الثالث المختلف فيه فهو الإيلاء الذي يدخل على الظهار، وبالله التوفيق.
стр. 609
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
كتاب اللعان
الأصل في اللعان كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة. فأما كتاب الله تعالى فهو قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦] ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، يقول الله : والذين يقذفون من الرجال أزواجهم من النساء فيرمونهن بالزنا ولم يكن لهم شهداء يشهدون لهم بصحة ما رموهن به من الفاحشة إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أي يحلف أحدهم أربع شهادات أيمان بالله إنه لمن الصادقين فيما رمى به زوجته من الفاحشة. ويدرأ عنها العذاب أي حد الزنا الرجم إن كانت ثيبا والجلد إن كانت بكرا؛ لأن العذاب معرف بالألف واللام معرفة، فالمراد به الحد المعلوم الذي أوجبه الله على الزناة في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
فصل
فإذا نكلت المرأة عن اللعان حدت حد الزنا، وكذلك الزوج إذا نفى حمل امرأته أو قذفها برؤية أو بغير رؤية على الاختلاف في ذلك إن نكل عن اللعان حد
стр. 610
حد القذف. واختلف الفقهاء المتأخرون من القرويين إذا نكلت المرأة عن اللعان بعد لعان الزوج ثم أرادت أن ترجع إلى اللعان هل يكون ذلك لها أم لا؟ فمنهم من رأى ذلك لها وقال لا يكون نكولها عن اللعان أقوى من إقرارها بالزنا، وهي لو أقرت به ثم رجعت قبل رجوعها. ومنهم من لم ير ذلك لها لما تعلق به من حق الزوج.
والأول أصح. وانظر هل يدخل هذا الاختلاف في الزوج إذا نكل عن اللعان ثم أراد أن يرجع إليه هل يكون له ذلك أم لا، فقد قيل: إنه يدخل في ذلك، والصحيح أنه لا يدخل فيه. والفرق بين الرجل والمرأة في ذلك أن نكول المرأة عن اللعان كالإقرار منها على نفسها بالزنا، ولها أن ترجع عن الإقرار به. ونكول الرجل عن اللعان كالإقرار منه على نفسه بالقذف فليس له أن يرجع عن الإقرار به. وزعم العراقيون أن المرأة إذا نكلت عن اللعان لم تحد وحبست، وكذلك عندهم إذا نكل الزوج عن اللعان حبس ولم يحد، وتركوا قول الله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، وقد تأول لهم متأول أن العذاب هو السجن، لقول الله : ﴿إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ولم يعرف ما احتج به؛ لأن العذاب الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية هو غير السجن وليس بمعين، وإنما قالت كذا وكذا، هم يحكمون بالنكول في الحقوق بغير يمين من الطالب، وجعلوه بمنزلة الإقرار والملاعن قد تقدمت أيمانه على ما ادعى، ثم لا يحكمون على المرأة بنكولها وقد أنزل الله فيها من القرآن ما أنزل فتركوا فيما ذهبوا إليه في هذا النص والقياس جملة، إلا أنهم زعموا أن الحدود لا تؤخذ قياسا.
فصل
وأما السنة فما ثبت في الآثار الصحاح من ملاعنة النبي ﷺ بين عويمر العجلاني وزوجه، وبين هلال بن أمية الواقعي وزوجه أيضا. وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين أن اللعان بين الزوجين من شرعنا، وأن الأحكام تتعلق به على الاختلاف الحاصل بينهم في بعض وجوه تفاصيله.
стр. 611
فصل
وكان سبب نزول آية اللعان فيما روي عن ابن عباس ﵁، «أن الله ﵎ لما قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، قال سعد بن عبادة: هكذا أنزلت يا رسول الله، لو رأيت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله ما آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم، قالوا: لا تسلمه يا رسول الله، فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ أحد منا أن يتزوجها، فقال سعد: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي. والله لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء وإني لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته، فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له، وقد رأى بعينيه وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا معها رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به وثقل ذلك عليه جدا حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك بما آتيتك به والله يعلم إني لصادق وما قلت إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا. قال: فاجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد يجلد هلال فتبطل شهادته في المسلمين، فهم رسول الله ﷺ بضربه، فبينما هو كذلك يريد أن يأمر بجلده ورسول الله ﷺ مع أصحابه إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي ينزل عليه حتى فرغ فأنزل الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، فقال رسول الله ﷺ : أبشر يا هلال فإن الله قد جعل لك فرجا، فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله. فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا إليها. فجاءت، فلما اجتمعا عند
стр. 612
رسول الله ﷺ قيل لها فكذبته، فقال رسول الله: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب، فقال هلال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما قلت إلا حقا، فقال رسول الله ﷺ : لاعنوا بينهما وقال لهلال: يا هلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فقيل له عند الخامسة يا هلال اتق الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة اتقي الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة حتى ظننا أنها سترجع ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقضى أن الولد لها وأن لا يدعى لأب وأن لا ترمى ولا يرمى ولدها» ويروى «أن رسول الله ﷺ لما لاعن بين العجلاني وزوجته قال لهما: حسابكما على الله واحد منكما كاذب لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو لما استحللت من فرجها، ون كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منه. ثم قال: انظروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا. قال فجاءت به على النعت المكروه فقال رسول الله ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لها ولي شأن».
فصل
فالحكم باللعان واجب على ما ورد به القرآن وحكم به الرسول ﷺ ، أنزله الله في كتابه وجعله شرعة لعباده رحمة بهم؛ إذ كان الأزواج لا يجرون مجرى غيرهم من سائر الناس الذين أوجب الله عليهم الجلد برمي المحصنات إلا أن يأتوا على ذلك بأربعة شهداء؛ إذ كان لا ضرر عليهم في أنفسهم فيما عاينوه، والزوج
стр. 613
يلزمه إظهار ما رأى؛ لأنه يخاف أن يلحقه نسب ليس منه، فجعل له إذا أنكر حملا لم يعرف له سببا أن ينكره، وجعل له إذا عاين الزنا وشاهده من زوجته أن يخبر به، ثم جعل له المخرج من ذلك باللعان لضرورته إليه، ولم يجعل ذلك لغيره إذ لا ضرورة به إلى ذلك.
فصل
واللعان على مذهب مالك وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم يكون بين كل زوجين إلا أن يكونا كافرين، كانا حرين أو عبدين أو محدودين أو ذمية تحت مسلم على ظاهر قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ولم يخص حرا من عبد ولا محدودا من غير محدود ولا كافرا من مسلم، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه في قولهم: إنه لا يلاعن العبد ولا المحدود في القذف، قالوا: لأن المراد من الآية من تجوز شهادته من الأزواج؛ لأن الله استثناهم من الشهداء بقوله: ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فسماهم شهداء بذلك؛ إذ المستثنى من جنس المستثنى منه، وقال: فشهادة أحدهم، فدل على أن اللعان شهادة، والعبد والمحدود لا تجوز شهادتهما. وليس ذلك بصحيح؛ لأن الاستثناء منقطع، والمعنى فيه ولو لم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين وليس من الشهادة بسبيل، وإنما أخذ من باب المشاهدة بالعين والقلب فسمي شهادة لهذه العلة، ولذلك قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في أحد أقواله: إن من قال لامرأته يا زانية ولم يقل رأيت ولا نفى حملا إنه يحد ولا يلاعن؛ لأن ذلك أحد من المشاهدة. فالرجل يقول في لعانه أشهد بالله لقد رأيتها تزني وأشهد بالله ما هذا الولد مني، فالأول مأخوذ من باب المشاهدة بالنظر، والثاني من باب المشاهدة بالقلب.
فشهادة الرجل على ما يدعي مشاهدته ومعرفته، وشهادة المرأة أيضا على ما تدعي علمه ومعرفته وهي عالمة بصدقه أو كذبه، فكل واحد منهما موكل إلى علمه، وإن كان أحدهما كاذبا لا محالة وكيف يصح أن يشبه اللعان بالشهادة ويقاس عليها والعدل لا تقبل شهادته لنفسه ولو حلف مائة يمين؛ لأنه خصم، ولا تجوز شهادته أيضا لغيره عند بعض العلماء إذا حلف
стр. 614
عليها لاتهامه فيها. ومن الدليل أيضا على أن المحدود والعبد يلاعنان أن كل من حكم عليه بيمين أو حكم له بها فالبر والفاجر والعبد والمسلم والذمي فيها سواء، فكذلك يجب في اللعان. وهو الظاهر من قول الله في القرآن أيضا، فإن المعنى الذي فرق الله به بين الزوج والأجنبي في القذف وهو ضرورته إلى نفي الولد الذي ينكره ولا يعرف له سببا يستوي فيه الحر والعبد والمحدود وغير المحدود. وقد نقض أبو حنيفة وأصحابه أصلهم في هذا بقولهم: إن الفاسق المعلم بالفسق يلاعن وشهادته لا تجوز، وكذلك الأعمى يلاعن وشهادته عندهم لا تجوز، فبطل مذهبهم وصح مذهب مالك ومن تابعه، وإنما اللعان حكم على حياله شرعه الله رحمة لعباده فلا يحمل على الشهادة ولا يقاس عليها.
فصل
واللعان على ستة أوجه، ثلاثة منها متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها. فأما الثلاثة الأوجه التي يتفق على وجوب اللعان فيها، فأحدها: أن ينفي حملا لم يكن مقرا به ويدعي الاستبراء. والثاني: أن يدعي رؤية لا مسيس بعدها في غير ظاهرة الحمل. والثالث: أن ينكر الوطء جملة فيقول: لم أطأها قط أو منذ مدة كذا وكذا لما لا يلحق في مثله الأنساب. وأما الوجوه الثلاثة التي يختلف في وجوب اللعان فيها، فأحدها: أن يقذف زوجته ولم يدع رؤية. والثاني: أن ينفي حملا ولا يدعي استبراء. والثالث: أن يدعي رؤية لا مسيس بعدها في حامل بينة الحمل؛ لأن ابن الجلاب حكى عن مالك في هذه المسألة ثلاث روايات: إحداها إيجاب الحد ولا لعان. والثانية إيجاب اللعان وثبوت النسب. والثالثة إيجاب اللعان وسقوط النسب.
واختلف في التعريض قول ابن القاسم، فمرة رآه كالتصريح بالقذف وأوجب اللعان فيه، وهو قوله في كتاب القذف من المدونة وظاهر قوله في اللعان منها. ومرة قال يحد في التعريض ولا يلاعن، وهو قول أشهب في كتاب ابن المواز أنه يحد في التعريض ولا يلاعن إلا أن يكون تعريضا يشبه التصريح. وأما مثل قوله وجدتها مع رجل عريانين في لحاف أو وجدتها تحته فلا يلاعن في هذا ويؤدب، ولو قاله لأجنبية لتحد إلا في قوله رأيتها تقبل رجلا. فإن رجع لها أقيم عليه في التعريض
стр. 615
فقال رأيتها تزني لاعن، قاله عبد الملك، وهو عندي تفسير لقول من لم ير في التعريض اللعان.
فصل
وأصل اللعان إنما جعل لنفي الولد، فيلاعن الرجل بمجرد نفي الحمل دون قذف في مذهبنا. والمخالف في هذا بعض أصحاب الشافعي، وهو بعيد؛ إذ قد تكون مغلوبة على نفسها. وله أن يلاعنها وهي حامل، وقد قيل: ليس له أن يلاعنها حتى تضع، روي ذلك عن مالك، وهو قول ابن الماجشون ومذهب أبي حنيفة. ويرده الأثر فإن «رسول الله ﷺ لاعن بين العجلاني وزوجته وقال: إن جاءت به على نعت كذا فلا أراه إلا قد صدق عليها وإن جاءت به على نعت كذا فلا أراه إلا قد كذب عليها». ويلاعن من ادعى رؤية لما يخاف أن يلحق به من الولد بإجماع إذا لم تك ظاهرة الحمل. وأما من قذف زوجته ولم يدع رؤية ولا نفى حملا فالأصح من الأقاويل أنه يحد ولا يلاعن. ومن أوجب اللعان فيه جعل العلة في ذلك دفع الحد عن نفسه مع أنه ظاهر القرآن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] لم يذكر نفي حمل ولا رؤية زنا، وهذا ليس ببين؛ لأن الحكم إنما هو لمعاني الألفاظ لا لظواهرها.
فصل
فإذا لاعن على الرؤية وادعى الاستبراء انتفى الولد بإجماع. وأما إن لم يدع الاستبراء فاختلف هل ينتفي الولد بذلك اللعان أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الولد ينفيه اللعان على كل حال وإن ولد لأقل من ستة أشهر وهو أحد قولي مالك في المدونة. والثاني: أنه لا ينفيه بحال وإن ولد لأكثر من ستة أشهر ويلحق به وهو قول عبد الملك وأشهب. والثالث التفرقة بين أن يولد لأقل من خمسة أشهر أو لأكثر منها، وهو القول الثاني لمالك في المدونة. فيأتي على هذا في جملة المسألة ثلاثة أقوال، وفي كل طرف منها قولان، إذا ولدته لأقل من ستة أشهر قولان وإذا ولدته لأكثر من ستة أشهر قولان. وهذا على مذهب من يتأول أن قوله في المدونة ألزمه
стр. 616
مرة ومرة لم يلزمه ومرة ينافيه وإن كانت حاملا راجع إلى قولين ويجعل قوله ومرة لم يلزمه ومرة ينفيه وإن كانت حاملا، شيئا واحدا. ومن الناس من يحملها على ثلاثة أقوال على ظاهرها، فيقول معنى قوله ينفيه وإن كانت حاملا أنه ينفيه بلعان ثان وإن لم يدع استبراء، فيقول في لعانه أشهد بالله ما حملها هذا مني. فيأتي على هذا في الطرف الواحد ثلاثة أقوال وفي الطرف الثاني قولان. وسواء كان الزوج عالما مقرا به أو لم يكن. وهذا بين في كتاب ابن المواز، وظاهر قول المخزومي في المدونة. وقد تأول بعض الناس قوله وهو مقر بالحمل أي بالوطء. وقد تأول بعض الشيوخ أن الاختلاف الواقع في قول مالك ﵀ في المدونة إنما هو إذا لم يعلم الزوج بحملها ولا كان مقرا به، وإنما علم أنها كانت حاملا بما انكشف من وضعها قبل ستة أشهر، وهو تأويل بعيد لما حكيناه من وجوه الاختلاف في ذلك لمالك ﵀ في كتاب ابن المواز، فاعلمه. فإن ادعى الاستبراء بعد أن ولدته وقال ليس الولد مني قد كنت استبرئت كان ذلك له في الوجوه كلها باتفاق وسقط نسب الولد، قيل بذلك اللعان وهو قول أشهب، وقيل بلعان ثان وهو قول أصبغ وعبد الملك، وفي المدونة ما يدل على القولين جميعا.
فصل
وقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الولد المولود على فراش الرجل إذا نفاه لا ينتفي منه بلعان ولا بما سواه، لقول رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وروي عن الشعبي أنه قال: خالفني إبراهيم وابن معقل وموسى في ولد الملاعنة فقالوا تلحقه به فقلت ألحقه به بعد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم ختم بالخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فكتبوا فيها إلى المدينة فكتبوا أن يلحق به، وهو شذوذ من القول، ولا حجة لقائله فيما احتج به من قول رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر؛» لأنه إنما ورد في المدعي بالزنا
стр. 617
ما ولد على فراش غيره على ما جاء في حديث عتبة. وأما نفي أولاد الزوجات فليس من ذلك في شيء؛ لأن رسول الله ﷺ قد قضى في ذلك بالملاعنة، ورد الولد الملاعن به إلى أمه دون المولود على فراشه، وبالله التوفيق.
فصل
وقد اختلف في الاستبراء فعن مالك فيه روايتان: إحداهما أنه حيضة وهو أكثر المذهب، والثاني: أنه ثلاث حيض وهو مذهب ابن الماجشون وحكاه عبد الوهاب.
فصل
ويجب بتمام لعان الزوج ثلاثة أحكام: أحدها سقوط نسب الولد، والثاني ترك الحد عن الزوج، والثالث رجوعه على المرأة إلا أن تلاعن. واختلف في الفرقة بماذا تجب، فالمشهور عن مالك وأصحابه أنها تجب بتمام لعان المرأة بعد الزوج. فعلى هذا إذا مات الزوج بعد أن التعن وقبل أن تلتعن المرأة أنها ترثه التعنت أو لم تلتعن، وهو قول ربيعة ومطرف واختيار ابن حبيب. وقد قيل: إنها تجب بتمام لعان الزوج وإن لم تلتعن المرأة، وهو مذهب الشافعي وظاهر قول مالك في موطئه وقول عبد الله بن عمرو بن العاص في المدونة وهو قول أصبغ في العتبية في الذي يتزوج المرأة في عدتها فتأتي بولد فيلاعن أحد الزوجين أنها تحرم للأبد على الذي لاعنها ولم تلاعنه. فعلى هذا إذا مات أحد الزوجين بعد تمام لعان الزوج أنهما لا يتوارثان، وهو قوله في المدونة إن ماتت المرأة ورثها الزوج وإن مات الزوج ورثته الزوجة إن لم تلاعن. فيأتي على هذا أن الفرقة تجب بتمام لعان الزوج إن التعنت المرأة. فاحفظ أنها مسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال.
فصل
والفرقة في اللعان فسخ بغير طلاق، وهي مؤبدة لا يتراجع الزوجان بعده أبدا. هذا مذهب مالك وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم. والدليل على ذلك قول
стр. 618
النبي ﷺ للزوج بعد تمام اللعان: «لا سبيل لك إليها؛» لأن ظاهره التأبيد إذ لم يقيد ذلك بشرط يحلها له به "؛ لأن التحريم إذا أطلق من غير تقييد محمول على التأبيد. ألا ترى أن المطلقة ثلاثا لولا قول الله فيها ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، لم تحل له أبدا بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
فصل
فإذا قلنا: إنه فسخ وليس بطلاق فيلزم على هذا إذا لاعنها قبل الدخول لا يكون لها شيء من الصداق لا نصف ولا غيره، وكذلك في كتاب ابن الجلاب، وهو خلال قول مالك في موطئه وخلاف ما في المدونة. ووجه هذا أنا لا نعلم صدق الزوج فلعل الولد منه، وإنما أراد طلاقها وتحريمها باللعان للأبد لئلا يكون عليه صداق. فلما اتهم في ذلك ألزم نصف الصداق. وقد وقع في كتاب ابن الجلاب في الذي يشتري زوجته قبل البناء أنه يجب لها عليه نصف الصداق، وهو خلاف المعروف في المذهب، وقوله في المدونة: إن الملاعنة لا متعة لها صحيح على هذا التعليل، فتعليل سقوط المتعة في اللعان بأنه فسخ وإن الله لم يوجبها إلا على المطلقين أصح من العلة التي عللها في المدونة.
فصل
وبتمام اللعان تقع الفرقة بين الزوجين وإن لم يفرق الإمام بينهما. وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم اختلافا كثيرا. فمذهب مالك ما ذكرناه، وقال الشافعي: إن الفرقة تقع بتمام لعان الزوج ولا تحل له أبدا. وقال أبو حنيفة وبعض أصحابه: إن الفرقة لا تقع بين الزوجين حتى يفرق الإمام بينهما، فإذا فرق الإمام بينهما لم تحل له حتى يكذب نفسه، فإن كذب نفسه جلد الحد وكان خاطبا من الخطاب. وقيل: إنه إن أكذب نفسه جلد الحد وردت إليه امرأته. وقيل: اللعان
стр. 619
تطليقة بائنة، وهو قول عبيد الله بن الحسن. وقيل: إن اللعان لا ينقص شيئا من العصمة، وهو قول عثمان البتي، وطائفة من أهل البصرة أخذوا ذلك عنه. ولابن نافع في تفسير ابن مزين أنه استحب للملاعن أن يطلق ثلاثا عند الفراق من اللعان من غير أن يأمره الإمام بذلك كما فعل عويمر، فإن لم يفعل أغنى عن ذلك ما مضى من سنة المتلاعنين أنهما لا يتناكحان أبدا. وذهب ابن لبابة إلى أنه إن لم يطلق طلق عليه الإمام ثلاثا ولم يمنعه من مراجعتها من بعد زوج. وقيل: إنه ظاهر الحديث فلا يعدل عنه إلا بكتاب أو سنة أو إجماع. هذا معنى كلامه مختصرا. وقيل: إن فراق اللعان ثلاث تطليقات، وتحل له بعد زوج. ولم أر هذا القول إلا أنه أخبرني بعض أصحابنا أنه في كتاب ابن شعبان.
فصل
واللعان يجب في كل نكاح يلحق فيه الولد وإن كان فاسدا أو حراما لا يقران عليه، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه.
فصل
ولا يكون اللعان إلا عند الإمام في المسجد وبمحضر من الناس؛ لأن اللعان الذي كان في زمن النبي ﷺ إنما كان عنده في المسجد وبمحضر من الناس، وذلك مروي في الأحاديث الصحاح. من ذلك حديث مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موطئه في ملاعنة العجلاني زوجته. «قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي ﷺ ».
فصل
ويستحب أن يكون اللعان في دبر الصلاة وبعد صلاة العصر؛ لأنه أشد الأوقات في اليمين، لما جاء أن الأيمان بعد صلاة العصر ليس له توبة، وليس ذلك بلازم أعني في دبر الصلاة.
стр. 620
فصل
وفي صفة اللعان اختلاف كثير بين أصحاب مالك غيرهم، إلا أنه اختلاف متقارب، فمن أراد الوقوف عليه تأمله في موضعه، وسيأتي الكلام عليه في موضعه من الكتاب.
فصل
واختلف فيمن قذف أربع نسوة له في كلمة واحدة، فقال أبو بكر الأبهري: لست أعرفها منصوصة، والذي يجب على مذهبنا أن يلاعن لكل واحدة؛ لأن اللعان بمنزلة الشهادة، ولو أتى بالشهود للزم أن يقيم الشهادة على كل واحدة منهن منفردة. ويحتمل أن يكون يجزئه لعان واحد، قياسا على القذف إذا قذف جماعة في كلمة واحدة، وعلى الظهار إذا ظاهر منهن في كلمة واحدة أنه تجزئه كفارة واحدة. ثم قال وقد حكى الإصطخري عن إسماعيل القاضي أن جماعة ادعت على رجل دينا فحلف لهم يمينا واحدة. فعلى هذا يجب أن يكتفي بلعان واحد لهن كلهن.
стр. 621
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الصرف
ما جاء في تحريم الربا في الصرف
الربا في الصرف وفي جميع البيوع وفيما تقرر في الذمة من الدين، حرام محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛ لأن قوله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣١] وعيد، والنهي إذا قرن به الوعيد علم أن المراد به التحريم. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، يريد نهي تحريم لأنه عطف على ما نص على تحريمه، إلا أن الاحتجاج بهذه الآية على تحريم الربا إنما يصح على مذهب من يرى أن ما أخبر الله تعالى به من شرائع من قبلنا من الأنبياء لازم لنا، إلا أن يأتي في شرعنا ما ينسخه عنا، وإلى هذا ذهب مالك ﵀، لأنه قد احتج في
стр. 622
موطئه بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، يريد في التوراة، وهو الصحيح، لقول النبي ﵇: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزغ إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، فإن الله ﵎ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]» والخطاب بهذا إنما هو لموسى ﵊، وهذا بين، وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال، أحدها: أنها لازمة لنا جملة من غير تفصيل، بدليل قول الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. (والثاني) أنها غير لازمة لنا جملة من غير تفصيل أيضا، بدليل قول الله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. (والثالث) أنها غير لازمة لنا إلا شريعة إبراهيم ﵇ لقول الله : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، أي الزموها (والرابع) أنها غير لازمة لنا إلا شريعة عيسى ﵇ لأنها آخر الشرائع المتقدمة، وكل شريعة ناسخة للتي قبلها، وهذا القول أضعف الأقوال، لأن شريعة عيسى إذا كانت ناسخة لما قبلها من الشرائع فشريعتنا ناسخة لشريعة عيسى، وهذا بين، والله
стр. 623
أعلم، وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، يقول الله : الذين يربون في تجارتهم في الدنيا لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، أي يصرعه من الجنون. ويروى: إن لأكلة الربا علما يعرفون به يوم القيامة أنهم أكلة الربا، يأخذهم خبل يشبه الخبل الذي يأخذهم في الآخرة بالجنون الذي يكون في الدنيا، ويروى «أن رسول الله ﷺ حدث عن ليلة الإسراء فكان في حديثه أنه أتى على سابلة فرعون حيث ينطلق بهم إلى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، فإذا رأوها قالوا: ربنا لا تقومن الساعة؛ لما يرون من عذاب الله، قال: وإذا أنا برجال بطونهم كالبيوت، يقومون فيقعون ببطونهم وظهورهم، فيأتي عليهم آل فرعون فيثردونهم ثردا، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء أكلة الربا، ثم تلا هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]»، وفي البخاري عن النبي ﷺ ، أنه قال: «رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيت في النهر آكل الربا».
وأما السنة فمنها ما رواه ابن مسعود أن رسول الله ﷺ «لعن آكل الربا وموكله
стр. 624
وشاهده وكاتبه»، وقال: هم سواء، ومن ذلك تحريمه التفاضل بين الذهبين والورقين. وأن لا يباع من ذلك شيء غائب بناجز، وما أشبه ذلك كثير. وأما الإجماع فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن الربا محرم في الجملة وإن اختلفوا في تفصيل مسائله وتبيين أحكامه وتعيين شرائطه، على ما يأتي في مواضعه إن شاء الله، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى أقوم طريق.
فصل
في معنى الربا، وأصل الربا الزيادة والإضافة، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد وعظم، وأربى فلان على فلان: إذا زاد عليه، يربي إرباء، وكان ربا الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الدين، فإذا حل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذه، وإلا زاده في الحق وزاده في الأجل، فأنزل الله في ذلك ما أنزل، فقيل للمربي: مرب، للزيادة التي يستزيدها في دينه لتأخيره به إلى أجل.
فصل
فمن استحل الربا فهو كافر حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، قال الله : ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، يريد: عاد إلى الربا باستحلاله، لأن الخلود في النار من صفات الكافرين. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي إن لم تفعلوا وتقبلوا ذلك وتقروا به، فأذنوا بحرب؛ أي فاعلموا أنكم محاربون من الله ورسوله لأنكم مشركون.
стр. 625
فصل
وأما من باع بيعا أربى فيه غير مستحل للربا، فعليه العقوبة الموجعة إن لم يعذر بجهل، ويفسخ البيع ما كان قائما، في قول مالك وجميع أصحابه، والحجة في ذلك «أن رسول الله ﷺ أمر السعدين أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، أو كل أربعة بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله ﷺ : أربيتما فردا».
فصل
فإن فات البيع فليس له إلا رأس ماله، قبض الربا أو لم يقبضه، فإن كان قبضه رده إلى صاحبه، وكذلك من أربى ثم تاب فليس له إلا رأس ماله، وما قبض من الربا وجب عليه أن يرده إلى من قبضه منه، فإن لم يعلمه تصدق به عليه لقول الله : ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] الآية. وأما من أسلم وله ربا فإن كان قبضه فهو له، لقول الله : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولقول رسول الله ﷺ : «من أسلم على شيء فهو له»، وأما إن كان الربا لم يقبضه فلا يحل له أن يأخذه، وهو موضوع عن الذي هو عليه، ولا خلاف في هذا أعلمه لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، نزلت هذه الآية في قوم أسلموا ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوه عليهم، وكانوا قد اقتضوا بعضه منهم وبقي بعض،
стр. 626
فعفا الله لهم عما كانوا اقتضوه، وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه، وقيل: نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة، كانا يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله الآية بتحريم اقتضاء ما كان بقي لهما من الربا لم يقتضياه. وقال رسول الله ﷺ في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: «ألا إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب».
فصل
وفي هذا ما يدل على إجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب على ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف، لأن مكة كانت دار حرب وكان بها العباس بن عبد المطلب مسلما، إما من قبل بدر - على ما ذكره ابن إسحاق من أنه اعتذر إلى النبي ﷺ لما أسر يوم بدر، وأمره أن يفتدي، فقال له: إني كنت مسلما ولم أخرج لقتالك إلا كرها، فقال له النبي ﷺ : «أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك» أو من قبل فتح خيبر - إن لم يصح ما ذكره ابن إسحاق، على ما دل عليه حديت الحجاج بن علاط من إقراره للنبي ﷺ بالرسالة وتصديقه ما وعده الله به، وقد كان الربا يوم فتح خيبر محرما على ما روي «أن رسول الله ﷺ أتي بقلادة وهو بخيبر من غنائمها فيها ذهب وخرز، فأمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وبيع وحده وقال: الذهب بالذهب وزنا بوزن». فلما لم يرد رسول الله ﷺ ما كان من رباه بعد إسلامه: إما من قبل بدر، وإما من قبل فتح خيبر، إلى أن ذهبت الجاهلية بفتح مكة، وإنما وضع منه ما كان قائما لم يقبض، دل ذلك على إجازته، إذ حكم له بحكم ما كان من الربا قبل تحريمه، وبحكم الربا بين أهل الذمة والحربيين إذا
стр. 627
أسلموا. وحديث الحجاج بن علاط الذي دل على أن العباس كان مسلما حين فتح خيبر، وما روى أنس بن مالك عنه أنه قال للنبي ﷺ حين فتح خيبر: إن لي بمكة أهلا ومالا، وقد أردت أن آتيهم، فإن أذنت لي أن أقول فعلت، فأذن له رسول الله ﷺ في ذلك، فأتى مكة وأشاع بها أن أصحاب محمد قد استبيحوا، وأني جئت لآخذ مالي فأبتاع من غنائمهم، ففرح بذلك المشركون واختفى من كان بها من المسلمين، فأرسل العباس بن عبد المطلب غلامه إلى الحجاج يقول له: ويحك ما جئت به؟ فما وعد الله به ورسوله خير مما جئت به، فقال له: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له ليخل لي معه بيتا، فإن الخبر على ما يسره، فلما أتاه الغلام بذلك، قام إليه فقبل ما بين عينيه! ثم أتاه الحجاج بن علاط فخلا به في بعض بيوته وأخبره أن رسول الله ﷺ قد فتحت عليه خيبر وجرت فيها سهام المسلمين، واصطفى رسول الله ﷺ منها صفية لنفسه، وأن رسول الله ﷺ أباح له أن يقول ما شاء ليستخرج ماله، وسأله أن يكتم ذلك عليه ثلاثا حتى يخرج، ففعل، فلما أخبر بذلك بعد خروجه، فرح المسلمون ورجع ما كان بهم من كآبة على المشركين، والحمد لله رب العالمين. نقلت الحديث على المعنى واختصرت منه كثيرا لطوله، وبالله التوفيق.
واحتج الطحاوي لإجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب بحديث النبي ﷺ : «أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، الحديث»، وإنما اختلف أهل العلم فيمن أسلم وله ثمن خمر أو خنزير لم يقبضه: فقال أشهب والمخزومي: هو له حلال سائغ بمنزلة ما لو كان قبضه، وقال ابن دينار وابن أبي حازم: يسقط الثمن عن الذي هو عليه كالربا، وأكثر مذاهب أصحابنا على قول أشهب والمخزومي.
стр. 628
فصل
وقد اختلف في لفظ الربا الوارد في القرآن: هل هو من الألفاظ العامة التي يفهم المراد بها وتحمل على عمومها حتى يأتي ما يخصها، أو من الألفاظ المجملة التي لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها؟ على قولين، والذي يدل عليه قول عمر بن الخطاب ﵁: كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي رسول الله ﷺ ولم يفسرها لنا، أنها من الألفاظ المجملة المفتقرة إلى البيان والتفسير، ولم يرد عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: إن رسول الله ﷺ توفي قبل أن يفسرها، أنه ﷺ لم يفسر آية الربا ولا بين المراد بها، وإنما أراد - والله أعلم - أنه لم يعم جميع وجوه الربا بالنص عليها، للعلم الحاصل أنه ﷺ قد نص على كثير منها، من ذلك: تحريمه ﷺ التفاضل بين الذهبين والورقين، وأن يباع من ذلك شيء غائب بناجز، ونهيه ﷺ عن بيع وسلف، وعن بيع ما ليس عندك، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع الملامسة والمنابذة، وعن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وما أشبه ذلك، لأن هذه الأحاديث تحمل على البيان والتفسير لما أجمل الله في كتابه من ذكر الربا وما لم ينص عليه ﷺ من وجوه الربا، فإنه أحال فيه على طرق ذلك، أدلة الشرع وبين وجوهها، وما توفي ﷺ إلا بعد أن كمل الدين وبعد أن بين كل ما بالمسلمين الحاجة إلى بيانه، قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
стр. 629
فصل
ومما يدل على ما تأولنا عليه حديثه، قوله ﵁: إنكم تزعمون أنا نعلم أبواب الربا، ولأن أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون لي مثل مصر وكورها، ولكن من ذلك أبواب لا تخفى على أحد: أن تباع الثمرة وهي معصفة لم تطب، وأن يباع الذهب بالورق والورق بالذهب نسيئا، فأخبر ﵁ أن من وجوه الربا ما هو بين جلي، لنص النبي ﷺ عليه؛ وباطن خفي لعدم النص فيه، وتمنى أن تكون جميع وجوه الربا ظاهرة جلية يعلمها بنص النبي ﷺ عليها، ولا يفتقر إلى طلب الأدلة في شيء منها، والله لما أراد أن يمتحن عباده ويبتليهم فرق بين طرق العلم، فجعل منه ظاهرا جليا، وباطنا خفيا؛ ليعلم الباطن الخفي بالاجتهاد والنظر من الظاهر الجلي، فيرفع بذلك الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
فصل
والربا على وجهين: ربا في النقد، وربا في النسيئة، فأما الربا في النقد فلا يكون إلا في الصنف الواحد من نوعين، (أحدهما): الذهب والورق، (والثاني) ما كان من الطعام مدخرا مقتاتا أو مصلحا للقوت أصلا للمعاش غالبا، في قول بعضهم، وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي الصنفين، فأما في الصنف الواحد فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز واحد باثنين من صنفه
стр. 630
إلى أجل، من جميع الأشياء، طعاما كان أو غيره، وأما في الصنفين فهو في نوعين: أحدهما الذهب والفضة، (والثاني) الطعام كله، كان مما لا يدخر، أو مما يدخر
فصل
وباب الصرف من أضيق أبواب الربا، فالتخلص من الربا على من كان عمله الصرف عسير، إلا لمن كان من أهل الورع والمعرفة بما يحل فيه ويحرم منه، وقليل ما هم؛ ولذلك كان الحسن يقول: إن استسقيت ماء فسقيت من بيت صراف فلا تشربه، وكان أصبغ يكره أن يستظل بظل الصيرفي، قال ابن حبيب: لأن الغالب عليهم الربا، وقيل لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أتكره أن يعمل الرجل بالصرف؟ قال: نعم، إلا أن يكون يتقي الله في ذلك.
فصل
ومما بين النبي ﷺ من وجوه الربا أن الذهب بالذهب والورق بالورق لا يباع إلا مثلا بمثل يدا بيد، وأن الذهب بالورق لا يباع إلا يدا بيد، ذكر مالك ﵀ في موطئه عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري، أنه التمس صرفا بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني وأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر بن الخطاب يسمع فقال عمر بن الخطاب: لا، والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء».
فصل
فلا يجوز في الصرف ولا في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مواعدة ولا
стр. 631
خيار ولا كفالة ولا حوالة، ولا يصح، إلا بالمناجرة الصحيحة، لا يفارق صاحبه وبينه وبينه عمل، قال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز» وقال عمر بن الخطاب ﵁: وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء. والرماء هو الربا.
فصل
والنظرة في الصرف تنقسم على ثلاثة أقسام، أحدها: أن ينعقد الصرف بينهما على أن ينظر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه، وإن قل، فهذا إذا وقع فسخ جميع الصرف باتفاق لانعقاده على فساد. (والثاني) أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة، ثم يؤخر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه، فهذا ينتقض الصرف فيما وقع فيه التأخير باتفاق، وإن كان درهما انتقض صرف دينار واحد ما بينه وبين أن يكون الذي وقع فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينارين، كذا أبدا على هذا الترتيب، واختلف هل يجوز من الصرف ما حصلت فيه المناجزة ولم يقع فيه تأخير أم لا؟ على قولين (أحدهما): إن ذلك لا يجوز، لأنهما متهمان على القصد لذلك والعقد عليه، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقول محمد بن المواز. (والثاني) أن ذلك يجوز ولا يفسخ، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز. والقسم الثالث أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة فيتأخر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان أو غلط أو سرقة من
стр. 632
الصراف، أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه أو أحدهما؛ فهذا يمضي الصرف فيما وقع فيه التناجز ولا ينتقض باتفاق؛ واختلف هل ينتقض فيما حصل فيه التأخير إن تجاوز النقصان، مثل أن يصرف منه دينارا بدراهم، فيجد من الدراهم درهما ناقصا فيقول: أنا أتجاوزه، فلا ينتقض من الصرف شيء؟ على قولين، (أحدهما) قول ابن القاسم: إن ذلك لا يجوز وينتقض من الصرف صرف دينار واحد، إلا أن يكون العدد الذي نقص أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينارين، كذا أبدا على هذا المثال والترتيب، (والثاني) قول أشهب: إن الصرف يجوز ولا ينتقض منه شيء إن تجاوز النقصان، كالدانق إذا رضي به، وقد روي عن ابن القاسم مثل قول أشهب في النقصان اليسير كالدانق والدانقين، وقاله أصبغ في الدرهم من الألف درهم، وذلك لأن الموازين قد تختلف في مثل هذا المقدار، وما تختلف عليه الموازين لا اختلاف عندي في جواز تجاوزه، وليس ما روي عن ابن القاسم في هذا اختلافا من قوله وإنما المعنى في ذلك أن الدانق والدانقين مرة رأى أن الموازين تختلف عليه، فأجاز التجاوز عنه، ومرة رأى أن الموازين لا تختلف عليه فلم يجز التجاوز عنه.
فصل
وأما إن أراد أن يرجع بالنقصان فيأخذه، فلا يجوز إلا على مذهب من أجاز البدل في الصرف، ورأى أن الغلبة على التأخير فيه بالنسيان والغلط والسرقة والتدليس وما أشبه ذلك، لا يبطل الصرف ولا يفسده، فإن وجد فيما صارفه فيه بعد الافتراق زائفا أبدله، وإن وجد ناقصا أخذه، وإن استحق منه شيء، أخذ
стр. 633
عوضه، وهذا كله على مذهبهم في المجلس ما لم يفترقا على معرفة ذلك.
فصل
فإن قال قائل: وإذا كان التأخير على وجه الغلبة يبطل الصرف عند مالك ولا يجوز أن يتجاوز النقصان، فكيف جاز أن يتجاوز الزائف وهو كالناقص إذ لم يصارفه إلا على جياد، فقبضه الزائف كلا قبض؛ فالجواب عن ذلك أن الدنانير والدراهم في الصرف على مذهب مالك وجمهور أصحابه، إن عينت تعينت، وإن لم تعين فإنها تتعين إما بالقبض وإما بالمفارقة، فلذلك جاز الرضا بالزيوف، لوقوع الصرف عليها بتعيينها بأحد الوجهين، وعلى هذا يأتي اختلافهم إذا استحقت الدراهم ساعة صارفه، هل يلزمه أن يعطيه ما كان عنده صرفه مما بقي في يده لم يستحق، أم لا يلزمه ذلك، فمن رأى أنها تتعين بالقبض لم يلزمه ذلك، إلا أن يشاء، فيكون صرفا مستقبلا، ومن رأى أنها لا تتعين إلا بالمفارقة ألزمه ذلك، بخلاف البيوع التي لا يتعين العين فيها إلا أن يعين، فيتعين على اختلاف، ومن أجاز البدل، فمذهبه أن الدنانير والدراهم في الصرف لا تتعين إلا أن تعين وأن الغلبة فيه على التأخير لا تفسد الصرف، وقد تقدم ذكر ذلك.
فصل
وقد تقدم أنه لا يجوز في الصرف خيار ولا مواعدة ولا حوالة ولا رهن ولا كفالة، فأما الخيار فلا اختلاف أن الصرف به فاسد، كانا جميعا بالخيار أو أحدهما، لعدم المناجزة بينهما بسبب الخيار، وأما المواعدة فتكره، فإن وقع ذلك وتم الصرف بينهما على المواعدة لم يفسخ عند ابن القاسم، وقال
стр. 634
أصبغ: يفسخ، فلعل قول ابن القاسم إذا لم يتراوضا على السوم، وإنما قال له: اذهب معي أصرف منك، وقول أصبغ إذا راوضه على السوم فقال له: اذهب معي أصرف منك ذهبك بكذا وكذا، وأما الحوالة إذا صرف وأحال على الصراف من يقبض منه، فلا يجوز على مذهب ابن القاسم إلا أن يقبض هو صرفه ويدفعه إلى من أحاله، وأما إن قبضه المحال، فلا يجوز وإن كان بحضرته قبل أن يفارقه، بخلاف الوكالة إذا صار، ثم وكل على قبض الدراهم فقبضها الوكيل بحضرتهما قبل أن يفارقه الذي وكله، جاز، وبخلاف الحوالة برأس المال في الإقالة من الطعام، وذهب سحنون وأشهب إلى أنه إن قبض المحال قبل أن يفارقه الذي أحاله بحضرة ذلك، جاز، كالإحالة برأس المال في الإقالة من الطعام، وكالوكالة إذا قبض الوكيل قبل أن يفترقا، وأما إذا ذهب الموكل أو المحيل قبل أن يقبض الوكيل أو المحال، فالصرف منتقض لا يجوز في الحوالة باتفاق، وفي الوكالة على اختلاف؛ لأن أبا زيد روى عن ابن القاسم في الرجلين يصرفان الدراهم تكون بينهما بدينار من رجل، فيذهب أحدهما ويتخلف الآخر على قبض الدينار - أن ذلك جائز، ونحوه في سماع أصبغ، إلا أن يفرق بين المسئلتين بسبب الاشتراك في الدراهم أو الدنانير، وذلك بعيد، لأنه قد ساوى في المدونة بينهما، وأما الوكالة على قبض رأس المال في الإقالة من الطعام، فإنها تجوز وإن افترقا إذا قبض الوكيل قبل أن يفارق المسلم إليه، وأما الحمالة فإن كانت بالدنانير إن استحقت الدراهم أو بالدراهم إن استحقت الدنانير، جاز ذلك، وإلا لم يجز، وكذلك الرهن، وبالله التوفيق.
стр. 635
كتاب السلم
القول في السلم وأصل جوازه وتقسيم وجوهه وتبيين الصحيح منه من الفاسد
السلم- وإن سمي سلما فهو بيع من البيوع، لأن البيع نقل الملك عن عوض، كما أن المصارفة والمراطلة والمعاوضة والمبادلة وما أشبه ذلك من الأسماء التي اختصت ببعض البيوع وتعرفت بها دون سائرها - بيوع كلها في الحقيقة. والأموال التي تنتقل الأملاك فيها بالمعاوضة عليها على ثلاثة أوجه: عين حاضرة مرئية، وعين غائبة غير مرئية، وسلم ثابت في الذمة.
فصل
فأما العين الحاضرة المرئية فلا اختلاف بين أهل العلم في جواز بيعها، وأما العين الغائبة فبيعها عندنا على الصفة جائز لازم، خلافا للشافعي في قوله: إن بيعها على الصفة غير جائز، وخلافا لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في قوله بأن ذلك جائز وليس بلازم، وسيأتي القول على هذا في موضعه من كتاب بيع الغرر، إن شاء الله. وأما السلم الثابت في الذمة، فيجوز عندنا في كل ما يضبط بالصفة،
следующие страницы →