← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الأنواع ويكون على مذهب محمد بن عبد الحكم للمكري أن يلزم المكتري الركوب إلى البلد الذي ادعى إن كان اختلافهما في جملة المسافة، وأن يلزمه الركوب بالنوع الذي ادعى إن كان اختلافهما في الأنواع. فصل واختلف أيضا إذا نكلا جميعا، فذهب ابن القاسم إلى أن ينزل نكولهما جميعا بمنزلة حلفهما جميعا، وهو قول شريح في كتاب الخيار من المدونة: إن حلفا ترادا، وإن نكلا ترادا، وذهب ابن حبيب إلى أنهما إن نكلا كان القول قول البائع، وحكى نحو ذلك عن مالك في مسألة الوكيل، هكذا أتت الرواية عنه مجملة دون تبيين، وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى ذلك بعد أن يحلف، ووجه ما ذهب إليه أن اليمين التي نكل عنها إنما هي قوله: إني ما أكريت إلى مكان كذا وكذا، وما أكريت بكذا وكذا، وأما زيادته في يمينه ولقد أكريت إلى موضع كذا وكذا ولقد أكريت بكذا وكذا، فلم ينكل عنه إذ لم يجب عليه اليمين بذلك ولا كلف إياه، وإنما هو أمر طاع بالحلف عليه رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين على ما قدمناه. فوجب أن لا يعتبر بنكوله عن يمين لم تجب عليه، ولا يستحق بها ما حلف، ولا يصح أن يكون القول قول من نكل عن اليمين إذا ردها على صاحبه فنكل عنها، إلا إذا كانت يمينا واجبة عليه لو حلف بها لاستحق بيمينه ما حلف عليه، كمن أقام شاهدا على حقه فنكل عن اليمين، فردها على المدعى عليه فنكل عن اليمين، فإن المدعي يأخذ ما ادعى بلا يمين؛ لأنه لو حلف لأخذ ما ادعى بيمينه، أو كمن وجب له على المدعى عليه اليمين فنكل عنها فردها على المدعي فنكل عن اليمين، فإن المدعى عليه تسقط عنه الدعوى دون يمين؛ لأنه لو حلف لسقطت عنه يمينه، وأما من نكل عن يمين غير واجبة عليه، فلا يستحق بنكوله ما نكل عنه إذا نكل صاحبه، أصل ذلك من ادعى على رجل دعوى فقال المدعى عليه للمدعي: أنا أبرئك باليمين احلف وخذ ما ادعيت، فقال المدعي: لا أحلف

стр. 807

قد رددت عليك اليمين، احلف أنت وابرأ، فقال: لا أحلف ونكل عن اليمين، لم يستحق المدعي ما نكل عنه، وهو لو حلف عليه لاستحق، إذ لم تجب عليه اليمين التي نكل عنها، فأحرى أن لا يستحق في مسألتنا بنكوله ما نكل عنه إذا نكل صاحبه إذ ما نكل عنه لم يجب عليه، وإذ لو حلف عليه لما استحقه وهذا بين. فصل فإذا قلنا: معنى ما ذهب إليه ابن حبيب أن القول قول البائع مع يمينه، فهو أظهر من قول ابن القاسم؛ لأن البائع إذا نكل أولا عن اليمين، فمن حجته أن يقول إذا نكل المبتاع، أنا أحلف لقد بعت سلعتي بكذا وكذا؛ لأنني في ذلك مدع على المبتاع، فلما نكل عن اليمين وجب لي أن أحلف وآخذ على حكم المدعي والمدعى عليه، ولو كان من حقي أن أحلف وآخذ ما حلفت عليه لم أنكل عن اليمين، فإن نكل البائع على هذا عن اليمين بعد نكول المبتاع حلف المبتاع وأخذ السلعة لما حلف عليه، وهذا كله بين؛ لأن البائع في التمثيل مدع على المبتاع أنه ابتاع بعشرة، فلما نكل عن اليمين وجب أن يحلف هو ويستحق العشرة، والمبتاع مدع على البائع أنه باع بثمانية، فلما نكل عن اليمين وجب أن يحلف هو ويستحق السلعة بثمانية، وكذلك على هذا إذا اختلف المتكاريان في عدد الكراء أو في نوعه وجملة المسافة، أو في غايتها فنكلا عن اليمين يكون القول قول المكري مع يمينه، فإن نكل عن اليمين، كان القول قول المكتري مع يمينه إلا في اختلافهما في جملة المسافة، فيأتي على هذا أنه إن نكل كل واحد منهما عن الحلف على تكذيب قول صاحبه، حلف كل واحد منهما على ما ادعى واستحقه على صاحبه، فلزم المكتري أن يمضي مع المكري إلى البلد الذي حلف عليه، ولزم المكري أن يمضي مع المكتري إلى البلد الذي حلف عليه أيضا، فلو قال قائل: إن معنى قول ابن القاسم إن نكلا ترادا، أما وإن كل واحد منهما نكل عن اليمين قبل نكول صاحبه، وبعد نكوله وأبى من اليمين جملة، لقلت له: ما أبعدت في التأويل، ولقد قلت قولا

стр. 808

وسطا نفيت به الاعتراض عن ابن القاسم والاختلاف بينه وبين ابن حبيب، وحمل الروايات على الاتفاق ما أمكن، أولى من حملها على الخلاف. لا سيما إذا كان في حملها على ظاهرها من الخلاف اعتراض على أحد القولين، كمسألتنا هذه. وأما من حمل قول ابن حبيب على ظاهره في أن القول قول البائع بلا يمين إذا نكلا عن اليمين يعد قوله مثل قول أهل العراق في القضاء بالنكول دون رد اليمين ولم يمكنه الجمع بين مذهبه ومذهب ابن القاسم، فالتأويل الأول أظهر، والله أعلم. فصل واختلف إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة وأتى أحدهما بأشبه مما أتى به صاحبه، هل يتحالفان ويتفاسخان، أو يكون القول قول من أتى منهما بالأشبه، فالمشهور من المذهب الصحيح من الأقوال أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولا ينظر في ذلك إلى الأشبه من غيره، وذهب ابن وهب إلى أن القول قول من أتى منهما بما يشبه، وقاله ابن حبيب في بعض مسائله، منها إذا ادعى أحدهما حلالا والآخر حراما، ومنها إذا اختلفا في صفة النقد، وقاله ابن القاسم في سماع عيسى في الكرى، يقول: أكريت منك إلى المدينة، ويقول المكتري: اكتريت منك إلى مكة، وذلك في أيام الحج، وقاله أيضا في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات في الذي يبيع الأرض وفيها الماء، فيقول: أنا بعت الأرض دون الماء بشرط وبيان، ويقول المبتاع: بل اشتريت الأرض بمائها، وأقام ذلك القاضي أبو الوليد الباجي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - من كتاب الرواحل والدواب من المدونة، ولا يصح ما ذهب إليه من ذلك؛ لأن الذي في المدونة إنما هو مع الفوات. فصل فأما مسألة الكراء والأرض والماء والاختلاف في صفة النقد فيجري ذلك على الاختلاف، وأما مسألة الاختلاف في الحلال والحرام، ففيه تفصيل، وذلك

стр. 809

أن السلعة لا تخلو من أن تكون قائمة أو فائتة، فإن كانت قائمة وكان اختلافهما لا يؤدي إلى اختلاف في الثمن ولا في المثمون، فإن القول قول من يدعي الصحة والحلال منهما، وإن كان اختلافهما يؤدي إلى اختلاف في الثمن والمثمون جرى ذلك على اختلافهم في مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، فيكون القول قول مدعي الصحة على مذهب من يراعي دعوى الأشباه مع القيام، إلا أن يكون العرف الحرام، فيكون القول قول مدعي الحرام، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن القول قول من ادعى العرف منهما، فإن كان الناس يتعاملون بالحلال والحرام أحلفا وفسخ الأمر بينهما، فلم ير في هذه الرواية لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام، وبناها على مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، ويتحالفان ويتفاسخان على مذهب من لا يراعي دعوى الأشباه، كذا أتت الرواية أنهما يتحالفان ويتفاسخان، والذي ينبغي أن يكون القول قول مدعي الفساد بائعا كان أو مبتاعا، فإن حلفا انفسخ البيع ولا معنى ليمين صاحبه؛ لأن البيع يفسخ حلف أو نكل إذا حلف مدعي الفساد فإن نكل، حلف مدعي الصحة وثبت البيع، وأما إن كانت السلعة قد فاتت وكان اختلافهما لا يؤدي إلى اختلاف في الثمن ولا في المثمون، أو يؤدي إلى اختلاف في قلة الثمن وكثرته، أو في صفته دون نوعه، فإن القول قول مدعي الحلال منهما وإن كان اختلافهما في الأنواع، جرى ذلك على الاختلاف في مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، هذا الذي يتحصل عندي في هذه المسألة على أصولهم. فصل وقد كنا ذكرنا في أول المسألة أن المتكاريين إذا اختلفا في جملة المسافة، أو في نوع الكراء، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان من غير تفصيل، ومضى القول في حكم التحالف والتفاسخ في ذلك، وكذلك يتحالفان ويتفاسخان أيضا إذا اختلفا في عدد الكراء قبل الركوب أو بعد الركوب بشيء يسير لا ضرر فيه في

стр. 810

الرجوع عليهما تعد أو لم نقد إلا على مذهب أشهب الذي يرى التحالف والتفاسخ في القيام والفوات، فيتحالفان ويتفاسخان ركب أو لم يركب نقد أو لم ينقد، وكذلك الحكم إذا اختلفا في صفة الكراء إلا ما حكيناه، عن ابن حبيب من مراعاة العرف في اختلافهما في صفة النقد، وقلنا: إن ذلك من قوله يأتي على مراعاة الأشباه مع القيام في موضع التحالف والتفاسخ، وكذلك يتحالفان ويتفاسخان أيضا إذا اختلفا في غاية المسافة قبل الركوب أو بعد الركوب بشيء يسير لا ضرر فيه عليهما في الرجوع منه نقد أو لم ينقد على مذهب ابن القاسم، وقال غيره: إذا نقد فالقول قول المكري، وعلى قول أشهب يتحالفان ويتفاسحان ركب أو لم يركب نقد أو لم ينقد. فصل وأما إن اختلفا في عدد الكراء أو في صفته بعد أن سارا من الطريق ما عليهما في الرجوع منه ضرر .. فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد أشبه ما قال المكري أو لم يشبه، فإن نكل عن اليمين، كان القول قول المكري - أشبه ما قال أو لم يشبه. وإن لم يشبه ما قال المكتري وأشبه ما قال المكري، كان القول قوله، وإن لم يشبه ما قال أيضا تحالفا وكان عليه كراء المثل ولم يفسخ الكراء لما عليهما من الضرر في الرجوع، وكذلك إن نكلا جميعا، وأما إن حلف أحدهما ونكل الآخر، فالقول قول الحالف منهما مع يمينه، وإن لم يشبه كانت الراحلة بعينها أو لم تكن على مذهب ابن القاسم، وقال غيره في المدونة ليس الراحلة بعينها كالضمون يريد أن المضمون ينفسخ الكراء فيه بينهما إذا تحالفا ولا يلزمه أن يبلغه إلى المسافة بخلاف المعين. فصل وأما إن كان اختلافهما في غاية المسافة بعد الركوب الكثير بلغا إلى الغاية التي اتفقا عليها أو لم يبلغا وقبل النقد فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه، (أحدها)

стр. 811

أن يشبه قولهما جميعا أو يشبه قول المكتري ولا يشبه قول المكري، (والثاني) أن لا يشبه قول واحد منهما، (والثالث) أن يشبه قول المكري دون المكتري، فأما الوجه الأول وهو أن يشبه قولهما جميعا، أو قول المكتري دون المكري، فإنهما يحلفان جميعا وينفسخ الكراء في الغاية التي اختلفا فيها ونقض الكراء على الجميع، فيكون للمكري منه ما ناب الغاية التي اتفقا عليها ويركب المكتري إليها إن كان اختلافهما قبل الوصول إليها، بخلاف المتكاريين في وجيبة كراء الدار، وكذلك الحكم إن نكلا جميعا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف منهما، فإن كان المكتري هو الذي نكل عن اليمين، كان الكراء كله للمكري فيما أقر به من المسافة، وإن كان المكري هو الذي نكل، كان للمكتري الركوب إلى حيث ادعى، وأما الوجه الثاني وهو أن لا يشبه قول واحد منهما، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في المسافة التي اختلفا فيها، ويكون للمكري في المسافة التي اتفقا عليها كراء مثلها، وكذلك الحكم أيضا إن نكلا جميعا؛ فإن نكل أحدهما وحلف الآخر، كان القول قول الحالف منهما وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد مكنه من دعواه بنكوله عن اليمين، وأما الوجه الثالث وهو أن يشبه قول المكري دون المكتري فالقول قوله مع يمينه على دعوى المكتري، فإن نكل المكري عن اليمين كان القول قول المكتري ويركب إلى حيث ادعى وإن لم يشبه؛ لأن المكري قد مكنه من ذلك بنكوله. فصل وأما إن كان اختلافهما في ذلك بعد النقد فلا يخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يشبه قولهما جميعا أو قول المكري الذي انتقد، (والثاني) أن لا يشبه قول واحد منهما، (والثالث) أن يشبه قول المكتري ولا يشبه قول المكري، فأما الوجه الأول وهو أن يشبه قولهما أو قول المكري الذي انتقد، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل حلف المكتري وكان القول قوله في الركوب بما نقد إلى الغاية التي ادعى، وأما الوجه الثاني وهو أن لا يشبه قول واحد منهما، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في

стр. 812

المسافة التي اختلفا فيها ويكون للمكري في المسافة التي اتفقا عليها كراء مثلها، فإن كان ذلك أكثر مما قبض وفاه المكتري الزيادة، وإن كان أقل مما قبض رد الزيادة، وكذلك إن نكلا جميعا، فإن حلف أحدهما ونكل الأخر، كان القول قول الحالف منهما، وأما الوجه الثالث وهو أن يشبه قول المكتري ولا يشبه قول المكري، فإنهما يتحالفان على مذهب ابن القاسم ويفض الكراء المنقود على المسافتين، فما ناب المسافة التي اتفقا عليها، كان للمكري، وما ناب المسافة التي اختلفا فيها صرفه المكري على المكتري، وكذلك إن نكلا جميعا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف منهما. فصل وعلى هذا فقس اختلافهما في الوجهين جميعا الكراء وغاية المسافة القول قول المكري أبدا في غاية المسافة أشبه أو لم يشبه على مذهب ابن القاسم. وفيما قبض من الكراء أنه إنما قبضه إلى الغاية التي يقر بها، والقول قول المكتري أنه لم يكتر إلا بكذا وكذا لما يقر به وفي أنه إنما اكتري به إلى الغاية التي يدعيها إن كان لم ينقدها ويفض الكراء على الغايتين جميعا عليه من ذلك ما ناب الغاية الأولى، ومن أتى منهما بما لا يشبه لم يصدق وكان القول قول صاحبه إن أتى بما يشبه إلا المكري في غاية المسافة على ما قدمناه، وإن أتيا جميعا بما لا يشبه حلفا وكان على المكتري كراء المثل في المسافة الأولى، وكذلك إن نكلا جميعا، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف منهما أشبه أو لم يشبه، ولا بد من ركوب المكتري إلى الغاية الأولى للضرر الداخل عليه في فسخ الكراء دونها في الطريق، ولو كان اختلافهما قبل الركوب أو بعد ركوب شيء يسير لا ضرر عليهما في الرجوع منه، تحالفا وانفسخ الكراء في الجميع، والله أعلم وبه التوفيق. فصل في الإقالة في الكراء وما يجوز منها مما لا يجوز. الإقالة في الكراء

стр. 813

المضمون كالإقالة في العروض المسلم فيها يعتبر الفساد فيها في وجهين: أحدهما: أن تنعقد الإقالة بمجردها على ما لا يجوز، والثاني: أن تكون الإقالة بمجردها لا مكروه فيها إلا أنك إذا أضفتها إلى الصفة الأولى، ظهر المكروه فيها، فاتهما على القصد إلى ذلك والعمل عليه، فمنعا من ذلك حماية للذرائع، وأما الكراء المعين، فاختلف في الإقالة فيه على قولين، أحدهما: أن ذلك كالسلم الثابت في الذمة يعتبر فيها الوجهان جميعا، والثاني: أن ذلك كالإقالة من العروض المعينات لا يعتبر فيها إلا انعقادها بمجردها على ما لا يجوز. فصل وبيان هذه الجملة: أن الرجل إذا اكترى كراء مضمونا ثم تقايل مع صاحبه على زيادة فلا يخلو ذلك من وجهين، أحدهما: أن تكون الزيادة من قبل المكتري، والثاني: أن تكون الزيادة من قبل المكري، فأما الوجه الأول، وهو أن تكون الزيادة من قبل المكتري، فإن ذلك ينقسم على قسمين، أحدهما: أن يكون ذلك قبل النقد، والثاني: أن يكون بعد النقد قبل الافتراق والغيبة على النقد أو بعده، إذ لا فرق في زيادة المكتري إذا نقد قبل أن يغيب المكري على النقد أو لا يغيب، وفي كل وجه من هذين الوجهين ست مسائل، إذ لا تخلو الزيادة أن تكون ذهبا أو ورقا أو عرضا نقدا، فهذه ثلاث مسائل، أو تكون مؤجلة فهذه ثلاث مسائل أخر تتمة ست مسائل، فيأتي اثنا عشر سؤالا في زيادة المكتري، وكذلك تنقسم الزيادة من المكري إلى قسمين، إلا أن أحدهما أن يكون ذلك قبل النقد أو بعده وقبل الغيبة عليه، إذ لا فرق في زيادة المكري بين أن يكون لم ينقد أو قد انتقد ولم يغب على النقد، والثاني: أن يكون ذلك بعد النقد والغيبة عليه، وفي كل وجه من هذين الوجهين ست مسائل أيضا على التقسيم المذكور في زيادة المكتري. فصل فإذا استقال المكتري المكري في الكراء المضمون قبل النقد بزيادة، فإن كانت الزيادة مؤجلة، فلا يجوز باتفاق؛ لأن الكراء تحول من الكراء الذي وجب له

стр. 814

على المكتري إلى الركوب الذي عليه وإلى الزيادة المؤجلة، فيدخله فسخ الدين في الدين إن كانت الزيادة عرضا، وإن كانت دنانير دخله عرض وذهب بذهب إلى أجل، وإن كانت دراهم، دخله الصرف المتأخر، وإن كانت الزيادة دنانير معجلة أو عروضا معجلة، جاز ذلك، وإن كانت الزيادة دراهم معجلة والكراء بدنانير، لم يجز ذلك على مذهب ابن القاسم، إلا أن يكون أقل من صرف دينار، وقيل: إن ذلك جائز وإن كان أكثر من صرف دينار، وذلك يأتي على مذهب من يجيز البيع والصرف ويرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وقيل: إن ذلك لا يجوز وإن كان أقل من صرف دينار وذلك يأتي على مذهب من يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها، وهو قول أشهب وابن نافع، فيدخله الصرف المتأخر على مذهبهما، وذهب الفضل إلى أن الصرف المتأخر لا يدخله على مذهبهما، إلا أن يكون الكراء مؤجلا لم يحل، ولا فرق عندي في الكراء المضمون بين أن يحل أو لا يحل؛ لأنه وإن حل فلا يمكن المكتري قبضه إلا شيئا فشيئا، وذهب ابن لبابة إلى أن الإقالة في الكراء المضمون قبل النقد لا يجوز أصلا، وشبه ذلك بالإقالة من السلعة الغائبة قبل النقد. وقوله على قياس القول بأن انحلال الذمم بمنزلة انعقادها. فصل وإن كان استقاله بزيادة بعد النقد قبل أن يغيب عليه أو بعد أن غاب عليه وكانت الزيادة ذهبا، فلا تجوز إلا أن تكون مقاصة من الكراء الذي نقد على ما نص عليه في المدونة، وإن كانت دراهم فعلى الثلاثة الأقوال المتقدمة: الجواز، والمنع، والفرق بين أن تكون الدراهم أقل من صرف دينار أو أكثر. وإن كانت عروضا جاز أن تكون معجلة ومؤجلة؛ لأن المكتري باع الركوب الذي وجب له والعرض الذي دفع معجلا أو مؤخرا بالكراء الذي يسترجعه، وذلك جائز، فهذا وجه القول في الاثنتي عشرة مسألة في استقالة المكتري بزيادة.

стр. 815

فصل وأما إن كان المكتري هو المستقيل بزيادة ولم ينتقد أو انتقد ولم يغب على النقد، فذلك جائز، إن كانت الزيادة معجلة دنانير كانت أو دراهم أو عروضا؛ لأن المكتري باع الركوب الذي وجب له على المكري بالزيادة التي أخذها معجلة وبالكراء الذي استرجعه من المكري إن كان قد نقده إياه أو بسقوطه عن ذمته إن كان لم ينقده إياه، فلا وجه من المكروه في ذلك، وإن كانت الزيادة مؤجلة لم تجز على حال ودخله فسخ الدين في الدين. فصل وأما إن كان المكري هو المستقيل بزيادة بعد أن انتقد وغاب على النقد، فلا يجوز على حال كانت الزيادة معجلة أو مؤخرة ما كانت وتدخله الزيادة في السلف؛ لأنهما يتهمان على إظهار الكراء والإقالة ليجيزا بينهما السلف على الزيادة إلا أن يكون قد سار من الطريق ما يرفع التهمة عنهما، فيجوز إن كانت الزيادة نقدا، ولا يجوز إن كانت إلى أجل؛ لأنه يكون من الدين بالدين، ألا ترى أن المكتري تحول من الركوب الذي كان له على المكري في ذمته إلى زيادة مؤجلة، فهذا وجه القول في الاثنتي عشرة مسألة التي في استقالة المكري بزيادة. فصل قال في المدونة: وهذا خلاف البيوع، يريد أن الكراء المضمون بخلاف السلم الثابت في الذمة في جواز الإقالة في الكراء بعد الركوب والمنع منها في

стр. 816

السلم بعد قبض السلم بزيادة معجلة يزيدها المسلم إليه والمكري بعد أن انتقد وغاب على النقد خلاف مذهب أشهب في مساواته بين الوجهين، ويحتمل أن يريد أن الكراء المعين بخلاف بيع السلع المعينات في أن الإقالة بزيادة المكري بعد الغيبة على النقد لا تجوز كانت الزيادة معجلة أو مؤجلة، بخلاف الإقالة في السلع المعينات بعد الغيبة على الثمن بزيادة معجلة أو مؤجلة، وهذا على القول الذي حكم فيه للكراء المعين بحكم الكراء المضمون، ويحتمل أن يريد أن حكم الكراء المضمون الثابت في الذمة بخلاف البيع في السلع المعينات في أنه لا يجوز لمن أكرى كراء مضمونا أن يستقيل بعد النقد بزيادة معجلة ولا مؤجلة، إلا أن يكون قد سار من الطريق ما يرفع التهمة عنهما، فيجوز بزيادة معجلة، ويجوز لمن باع سلعة أن يستقيل بعد أن غاب على النقد بزيادة مؤخرة ومعجلة. فصل وأما إن كان الكراء في دابة معينة؛ فإن ذلك ينقسم على وجهين: (أحدهما) أن يكون الكراء مؤخرا بشرط أو عرف أو حكم. (والثاني) أن يكون الكراء نقدا بشرط أو عرف، فأما الوجه الأول وهو أن يكون الكراء مؤخرا فإن ذلك ينقسم على وجهين، (أحدهما) أن يكون المكتري هو المستقيل بزيادة. (والثاني) أن يكون المكري هو المستقيل بزيادة، ففي كل وجه من هذين الوجهين ست مسائل على ما ذكرناه في الكراء المضمون. فصل فإن استقاله المكتري بزيادة وكانت الزيادة عرضا، جاز ذلك نقدا ولم يجز إلى أجل، فإن كانت الزيادة ذهبا والكراء بذهب لم يجز إلا إلى محل أجل الكراء على المقايضة ولا يجوز نقدا لأنه يدخله "ضع وتعجل"، ولا إلى أجل سوى

стр. 817

محل أجل الكراء، وإن كانت الزيادة دراهم لم يجز نقدا ولا إلى أجل؛ لأنه يدخله الصرف المتأخر وهذا كله على مذهب ابن القاسم الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وعلى مذهب أشهب أيضا الذي يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها، ويجيز التحول من الدين في كراء شيء بعينه، وأما على مذهب من يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها ويقول بقول ابن القاسم إن من كان له دين على رجل، لا يجوز له أن يحوله في ركوب دابة بعينها؛ فلا تجوز الإقالة على حال؛ لأن المكري تحول من الكراء الواجب له على المكتري هي ركوب لا يتنجز قبضه، فيدخله فسخ الدين في الدين. فصل فإن استقاله المكتري بزيادة وكانت الزيادة عرضا جاز إن كان معجلا ولم يجز إن كان مؤجلا؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين، وكذلك إن كانت الزيادة ذهبا والكراء بذهب، يجوز إن كانت معجلة ولا يجوز إن كان مؤجلة؛ لأنه إن كانت معجلة فالمكتري تحول من الركوب الذي له على المكري إلى الكراء الذي عليه وإلى الذهب الذي يزيده إياها المكري معجلة، فلم يكن بذلك بأس، وإن كانت مؤجلة دخله فسخ الدين في الدين؛ لأن المكتري تحول من الركوب الذي له على المكري إلى الكراء الذي له عليه، وإلى الزيادة المؤجلة التي يزيده إياها، وهذا على مذهب ابن القاسم الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقاد، وعلى مذهب أشهب أيضا الذي يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها ويجيز التحول من الدين في كراء شيء بعينه، وأما على مذهب من يرى انحلال الذمم كانعقادها ولا يجيز التحول من الدين في كراء شيء بعينه، فلا تجوز الإقالة بحال، وإن لم يزد أحدهما صاحبه شيئا؛ لأن كل واحد منهما يتحول بماله على صاحبه في شيء لا يتنجز قبضه.

стр. 818

فصل وأما الوجه الثاني، وهو أن يكون الكراء نقدا بشرط أو عرف، فإنه ينقسم على وجهين: (أحدهما) أن يكون لم ينقد، (والثاني) أن يكون قد نقد غاب على النقد أو لم يغب إن كان المكتري هو المستقيل بزيادة، وإن كان البائع هو المستقيل بزيادة قلت فيه: إنه ينقسم على وجهين: (أحدهما) أن يكون لم ينقد أو نقد ولم يغب على النقد. (والثاني) أن يكون قد نقد وغاب على النقد، وتتفرع هذه الأربعة الأقسام على أربعة وعشرين سؤالا على التفسير الذي قسمناه في الكراء المضمون وشرحنا وجوهه، فما كان منها لا يجوز بفسخ الكراء في زيادة مؤجلة يزيدها المكتري للمكري فلا يجوز أيضا في الكراء المعين، كذلك ما كان منها لا يجوز بفسخ الركوب المضمون في زيادة مؤجلة يزيدها المكري للمكتري قبل النقد، وما كان منها لا يجوز لزيادة يزيدها المكري للمكتري معجلة أو مؤجلة بعد الغيبة على النقد، فيتخرج ذلك على قولين على ما أصلناه في أول الباب وأحكمنا القول فيه، وبالله التوفيق. فصل وحكم الإقالة في كراء الدار كحكم الإقالة في كراء الراحلة المعينة في جميع الوجوه حاشا وجه واحد سأذكره إن شاء الله، فإذا اكترى الرجل الدار ثم استقال منها أو أقال بزيادة ما كانت وممن كانت، فعلى القول بأن كراء الدار كالسلم الثابت في الذمة المضمون، لاقتضاء المنافع شيئا شيئا يعتبر الفساد في ذلك باجتماع الصفقتين من طريق التهمة حماية للذرائع كبيوع الآجال، وفي الإقالة بمجردها، وعلى القول: إن ذلك كالسلع المعينات لا يعتبر الفساد في ذلك إلا في الإقالة بمجردها أن تنعقد على ما لا يجوز من فسخ الدين في الدين، أو الصرف المتأخر أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز في البيوع، وبيان هذه الجملة، أن الرجل إذا اكترى الدار

стр. 819

ثم تقابل مع صاحبه على زيادة، فلا تخلو الزيادة أن تكون من المكتري أو من المكري، فإن كانت من المكتري فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكون الكراء مؤجلا، (والثاني) أن يكون الكراء بنقد ولم ينقد. (والثالث) أن يكون بنقد وقد نقد غاب على النقد أو لم يغب ذلك سواء، وفي كل وجه من هذه الأوجه الثلاثة ست مسائل؛ إذ لا تخلو الزيادة أن تكون ذهبا أو ورقا أو عروضا معجلة، فهذه ثلاث مسائل أخر تتمة ست مسائل، فيتحصل في زيادة المكتري على هذا التفريع ثماني عشرة مسألة، وفي زيادة الكري مثلها أيضا؛ لأن ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكون الكراء مؤجلا، (والثاني) أن يكون بنقد فلم ينقد أو نقد ولم يغب على النقد، (والثالث) أن يكون قد نقد وغاب على النقد، وفي كل وجه منها ست مسائل أيضا على حسبما ذكرناه في زيادة المكتري فأما إن كانت الزيادة من المكري والكراء مؤجلا بدنانير فلا يجوز أن يزيده دنانير نقدا، ولا إلى دون الأجل؛ لأنه ضع وتعجل، ولا إلى أبعد من الأجل؛ لأنه بيع وسلف، ويجوز إلى أجل على المقاصة، ولا يجوز أن يزيده دراهم نقدا ولا إلى أجل، ويجوز أن يزيده عروضا نقدا لا إلى أجل، وهذا كله على مذهب ابن القاسم الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وأما على مذهب من يرى انحلالها كانعقادها ويقول بقول ابن القاسم إن كان له دين على رجل، لا يجوز أن يحوله في كراء دار، فلا تجوز له الإقالة على حال عنده؛ لأن المكري تحول من الكراء الواجب له على المكتري إلى كراء دار، فيدخله فسخ الدين في الدين ويجوز أن يزيده دنانير، وأما إن كانت الزيادة من المكتري أيضا والكراء بنقد ولم ينقد، فلا يجوز أن يزيده شيئا إلى أجل؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين، ويجوز أن يزيده دنانير معجلة أو عروضا معجلة على القول بأن انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وإن زاده دراهم نقدا تخرج ذلك على ثلاثة أقوال، قد ذكرناها في استقالة المكتري في الكراء المضمون؛ وأما إن كانت الزيادة من المكتري أيضا وقد نقد الكراء فإن زاده ذهبا لم يجز إلا أن تكون مقاصة من الكراء، وإن زاده دراهم تخرج ذلك أيضا على

стр. 820

ثلاثة أقوال، وإن زاده عروضا، جاز أن تكون معجلة ومؤجلة؛ لأن المكتري باع الركوب الذي وجب له بالذي دفع معجلا أو مؤخرا بالكراء الذي يسترجعه وذلك جائز، وأما إن كانت الزيادة من المكري والكراء مؤجل، فإن كانت الزيادة معجلة جاز ذلك كانت دنانير أو دراهم أو عروضا على القول بأن انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وإن كانت مؤجلة لم يجز على حال ويدخله فسخ الدين في الدين، وكذلك إن كان الكراء نقدا ولم ينقد أو نقد ولم يغب على النقد يجوز أن تكون الزيادة معجلة ما كانت على حال، ولا يجوز أن تكون مؤجلة وأما إن كانت الزيادة من المكتري بعد أن انتقد وغاب على النقد، فعلى القول بأن الكراء في الإقالة كالسلم الثابت في الذمة لا يجوز ذلك ما كانت الزيادة على حال، وإن كان قد مضى بعض المدة بخلاف كراء الدابة، إذا كان قد سار من المسافة ما تسقط التهمة به، وعلى القول بأنه كالسلع المعينات يجوز إن كانت الزيادة معجلة، ولا يجوز إن كانت مؤجلة. فصل وحكم الإقالة في كراء الأرض كحكم الإقالة في كراء الدار، إلا أن تكون غير مأمونة، فإن تقايلا فيها والزيادة من المكري في الموضع الذي تصح فيه الإقالة على أن الزيادة منه لم يجز أن ينقد الزيادة وتكون موقوفة عينا كانت أو عرضا إلا أن تكون الأرض مأمونة؛ لأن المكري يحصل في الإقالة مكتريا، فإن لم ترو الأرض انفسخ الكراء الأول ولم تصح الزيادة. فصل فتنحصر مسائل الإقالة في الكراء إلى ستين مسألة تنتهي إليها لا تزيد عليها: أربعة وعشرون في الكراء المضمون، وست وثلاثون في الكراء المعين على ما بان بما قسمناه ولخصنا القول فيه وأحكمناه، وبالله التوفيق.

стр. 821

كتاب كراء الدور الكراء: اشتراء المنافع، فهو بيع من البيوع يحله ما يحل البيوع ويحرمه ما يحرم البيوع، ولا يجوز فيه الغرر والمجهول. والكراء في الدور والرباع جائز عند جميع العلماء بجميع الأثمان المعلومة، وهو يكون على وجهين، أحدهما: أن يعقده المتكاريان لمدة معينة معلومة، والثاني: أن يسميا الكراء ويتفقا عليه ولا يتواجبان على مدة معينة معلومة. فصل فأما الوجه الأول، وهو أن يعقد الكراء لمدة معينة معلومة، فإن ذلك جائز بالنقد وإلى أجل قبض الدار أو لم يقبضها إلى سنة، قال ابن حبيب: أو سنتين كالبيع؛ لأن الدور مأمونة، فإن بعد الأجل فوق ذلك، لم يكن بالكراء بأس دون نقد. فصل فإذا عقد الكراء لمدة معينة معلومة لزمهما جميعا ولم يكن للمكتري أن

стр. 822

يخرج، ولا لصاحب الدار أن يخرجه قبل تمام المدة، إلا أن يشترط المكتري أن يخرج متى شاء فيجوز ذلك ما لم ينقد بشرط ولا طواعية؛ لأنه كراء الخيار فلا يجوز فيه النقد بشرط ولا طواعية. فصل وهذه المدة تتعين بأربعة ألفاظ، (أحدها) أن يقول: أكري منك هذه الدار أو هذا الحانوت شهر كذا أو سنة كذا، (والثاني) أن يقول: أكري منك ذلك هذا الشهر أو هذه السنة، فإن قال: هذا الشهر وكان ذلك أول الهلال، لزمهما الكراء في ذلك الشهر على الهلال كل تسعة وعشرين يوما أو ثلاثين يوما، وإن كان ذلك في بعض الشهر لزمهما الكراء في ثلاثين يوما من يوم عقداه بقران بقية أيام هذا الشهر ثم يكملان عليهما تمام ثلاثين يوما من الشهر الذي يليه، وكذلك إن قال: هذه السنة وهما في أول الشهر لزمهما الكراء في اثني عشر شهرا متصلة على الأهلة كان ذلك في أول شهر المحرم أو غيره من الشهور، ولا يقع الكراء على ما بقي من السنة، إذا قال: أكري منك هذه السنة كل شهر بكذا وكذا وقد مضى بعضها إلا ببيان، يبين ذلك رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الصيام فيمن قال: لله علي صيام هذه السنة لسنة ست وثمانين، وقد مضى بعضها، أن عليه صيام اثني عشر شهرا، وروايته عنه في كتاب الأيمان بالطلاق فيمن قال: امرأته طالق ثلاثا، إن فعلت كذا وكذا هذه السنة، أنه إن كان قد نوى ما بقي من السنة فله نيته، وإن لم ينو شيئا فليستقبل اثني عشر شهرا من يوم حلف. وإن كان ذلك في بعض شهر، عد بقية أيام هذا الشهر ثم إحدى عشر شهرا على الأهلة، ثم أكمل على ما كان بقي من الشهر تمام ثلاثين يوما، هذا قولهم في الكراء والأيمان والعدد التي تكون

стр. 823

بالشهور والأيام، واستحب ابن القاسم في العدد والأيمان، إن كان قد مضى بعض يوم أن يلغي ذلك اليوم، واختلف فيه قول مالك ﵁ فكان قوله أولا أن تعتد المرأة من الساعة التي توفي فيها زوجها، إلى مثلها فتنقضي عدتها، ثم قال بعد ذلك بإلغاء بقية ذلك اليوم، واختلاف قوله داخل في الكراء أيضا، فعلى قوله الأول يلزم المتكاريين الكراء من الساعة التي عقدا فيها الكراء إلى مثلها من الشهر أو من السنة، وعلى قوله الذي رجع إليه لا يلزم المتكاريين الكراء إذا عقداه وقد مضى من النهار بعضه إلا بغروب الشمس؛ لأن الليلة أول اليوم وهي مقدمة على النهار، (والثالث) أن يقول: أكري منك هذه الدار شهرا أو سنة، فإن السنة أو الشهر متعينان من يوم عقد الكراء بمنزلة قوله هذا الشهر أو هذه السنة، سواء على التفسير الذي قدمناه في ذلك مما يعد بالأيام أو يكون على الأهلة، إلا في وجه واحد، فإنه فرق في كتاب ابن المواز فيه بينهما، فقال: إنه إذا قال أكريك شهرا بكذا فسكن شهرا ودخل في ثان فخرج قبل تمامه، فعليه بحساب ما أكرى ولو كان بعينه، لكان عليه في الثاني كراء المثل، وقيل: إن كان أقل لم ينقض، وإن كان كراء المثل أكثر، حلف وأخذه على اختلاف في اليمين؛ لأنها يمين تهمة. (والرابع) أن يقول أكتري منك إلى وقت كذا وكذا. فصل فإذا انعقد الكراء لمدة معينة بأحد هذه الألفاظ، لزمهما جميعا ولم يكن لأحدهما الخروج إلا أن يشترطه على صاحبه ولا ينقد فيجوز على ما قدمناه. فصل فأما الوجه الثاني وهو أن يتفقا على الكراء ويسمياه دون أن يتواجبا على مدة

стр. 824

يعينانها، فذلك مثل أن يقول: أكري منك الشهر بكذا أو السنة بكذا أو في كل شهر بكذا أو في كل سنة بكذا أو كل شهر بكذا، أو كل سنة بكذا، أو في الشهر بكذا أو في السنة بكذا، فإنه إذا وقع الكراء على هذا كان للمكتري أن يخرج متى شاء وللمكري أن يخرجه متى شاء، كان ذلك في أول الشهر أو آخره أو وسطه، ويؤدي من الكراء بحسبما سكن ولا يلزم واحدا منهما الكراء في الشهر الأول ولا فيما بعده إلا أن يقع فيها بينهما شرط أن لا يخرج أو لا يخرجه أو يعجل الكراء، فهو كالاشتراط قاله ابن حبيب، وهو مذهب ابن القاسم، وذهب ابن الماجشون إلى أنه يلزمه الكراء في الشهر الأول إذا قال: الشهر بكذا أو في كل شهر بكذا، وكذلك على مذهبه للسنة الأولى إذا قال: السنة بكذا أو في كل سنة بكذا، وروى ابن أبي أويس عن مالك في البيوت التي تكرى شهرا بشهر فيخرج قبل ذلك أن كراء ذلك الشهر عليه وإنما يكون عليه بحساب ما سكن إذا تكارى كل يوم بدرهم. فصل ففي كراء الدور مشاهرة على هذا ثلاثة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم: إنه لا يلزمه الشهر الأول ولا ما بعده وله أن يخرج متى شاء ويلزمه من الكراء بحساب ما سكن، والثاني: قول ابن الماجشون: إنه يلزمه الشهر الأول ولا يلزمه ما بعده، والثالث: رواية ابن أبي أويس عن مالك أنه يلزم كراء الشهر بسكنى بعضه كان أول الشهر أو لم يكن، وكذلك الثلاثة الأقوال داخلة في كراء الدور مساناة مثل أن يقول: السنة بكذا، أو في كل سنة بكذا أو ما أشبه ذلك لا يلزمهما الكراء في أول سنة ولا فيما بعدها على مذهب ابن القاسم ويلزمهما الكراء في أول سنة على مذهب ابن الماجشون لا فيما بعدها ويلزمهما الكراء في كل سنة بسكنى بعضها على رواية ابن أبي أويس عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فتدبر ذلك.

стр. 825

فصل ويجوز الكراء في الدور السنين ذوات العدد، والحد في ذلك ما لا تتغير الدار إلى مثله، وذلك يختلف باختلاف إتقان بنيانها، فإن اكتراها من المدة إلى ما لا يؤمن تغير الدار فيها، جاز العقد ولم يجز النقد ولا ينفسخ الكراء المنعقد لمدة معينة بفوت أحد المتكاريين، وقد اختلف؛ هل يحل الكراء المؤجل على المكتري بموته إذا مات قبل استيفاء السكنى أو لا؟ على قولين للمتأخرين جاريين على أصل مختلف فيه بين المتقدمين من أصحاب مالك ﵏ تعالى، وإنما ينتقض الكراء بين المتكاريين باستحقاق الدار أو استحقاق منافعها المكتراة، أو انهدام جميع بنيانها، فإن انهدم بعض بنيانها، ففي ذلك تفصيل وتقسيم، وهو أن الهدم في الدار المكتراة ينقسم على قسمين: (أحدهما) أن يكون يسيرا، (والثاني) أن يكون كثيرا، فأما إن كان يسيرا فإنه على ثلاثة أوجه: (أحدها) أن يكون لا مضرة فيه على الساكن ولا ينقص من قيمة كراء الدار شيئا كالشرفات ونحوها، فهذا لا خلاف فيه أن الكراء للمكتري لازم ولا يحط عنه منه شيء (والثاني) أن يكون لا مضرة فيه على الساكن إلا أنه ينقص من قيمة كراء الدار، فهذا يلزمه السكنى ويحط عنه ما حط ذلك من قيمة الكراء إن لم يصلحه رب الدار ولا يلزمه إصلاحه، فإن سكت وسكن لم يكن له شيء. (والثالث) أن يكون فيه مضرة على الساكن من غير أن يبطل من منافع الدار شيئا يلزمه الإصلاح كالعطل وشبهه، فهذا اختلف فيه على قولين، (أحدهما) قول ابن القاسم: إن رب الدار لا يلزمه الإصلاح إلا أن يشاء، فإن أبى كان المكتري بالخيار بين أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج، فإن سكت وسكن لزمه جميع الكراء. (والثاني) قول غيره: إن رب الدار يلزمه الإصلاح، فإن سكت وسكن لزمه جميع الكراء، وأما إن كان الهدم

стр. 826

كثيرا فلا يلزم رب الدار الإصلاح بإجماع وهو أيضا على ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يعيب السكنى وينقص من قيمة الكراء ولا يبطل شيئا من المنافع، مثل: أن تكون الدار مبلطة مجصصة فيذهب بتبليطها وتجصيصها، فهذا يكون المكتري بالخيار بين أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج إلا أن يصلح ذلك رب الدار، فإن سكت وسكن لزمه جميع الكراء على مذهب ابن القاسم في المدونة خلاف مذهبه في رواية عيسى عنه، وقد قيل: إن الحكم في هذا الوجه كالبيت ينهدم من الدار ذات البيوت وهو بعيد. (والثاني) أن يبطل اليسير من منافع الدار كالبيت ينهدم منها شيء وهي ذات بيوت، فهذا يلزمه السكنى ويحط عنه ما ناب البيت المنهدم من الكراء. (الثالث) أن يبطل أكثر منافع الدار أو منفعة البيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها وما أشبه ذلك، فهذا يكون المكتري فيه مخيرا بين أن يسكن بجميع الكراء، أو يخرج، فإن أراد أن يسكن على أن يحط عنه ما ينوب ما انهدم من الكراء، لم يكن ذلك له إلا أن يرضى بذلك رب الدار، فإن رضي بذلك جرى جوازه على الاختلاف في جواز جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، فإن بنى المكري الدار قبل أن يخرج المكتري منها لزمه الكراء ولم يكن له أن يخرج وإن بناها بعد أن خرج، لم يكن عليه الرجوع إليها إلا أن يشاء وإن سكت وسكن الدار مهدومة لزمه جميع الكراء على مذهب ابن القاسم في المدونة خلاف رواية عيسى عنه في العتبية. فصل ويجوز أن يكري الرجل داره من مسلم ونصراني إلا أنه إذا أكراها من نصراني فلا يخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكريها منه على أن يسكنها أو يبيع فيها ما يشاء من الأشربة الحلال. (والثاني) أن يكريها منه على أن يبيع فيها خمرا أو

стр. 827

ما لا يجوز من الحرام. (والثالث) أن يكريها منه كراء مبهما، فأما إذا أكراها منه على أن يسكنها أو يبيع فيها ما يشاء من الأشربة الحلال، فالكراء جائز، فإن صرفها المكتري إلى بيع الخمر وما أشبه ذلك من الحرام، فلم يمنعه من ذلك، تصدق بجميع الكراء قاله ابن حبيب، قال بعض المتأخرين: وهذا إن كان أكراه ليسكن؛ لأن السكنى في الدار خلاف بيع الخمر فيها، فإذا لم يمنعه، فكأنه فسخ الأول في الثاني ولو كان أكراه ليبيع فيها الأشربة الحلال، فباع فيها الخمر والحرام فلم يمنعه من ذلك لما وجب عليه أن يتصدق إلا بما زادت قيمة كرائها على أن يباع فيها الخمر على الكراء الذي كان أكراها به؛ وهذه تفرقة لا وجه لها، كأنه أيضا قد فسخ الأول في الثاني، وإن كان يشبهه في أنه بيع شراب، فالصواب أنه إذا علم فلم يمنعه تصدق بجميع الكراء، وإذا لم يعلم تصدق بما بين الكراءين من غير تفصيل بين أن يكون أكرى منه للسكنى أو لبيع الأشربة الحلال، ولا اختلاف إذا لم يعلم ببيعه فيها الخمر، في أنه لا يجب عليه أن يتصدق إلا بما زادت قيمة كرائها على أن يباع فيها الخمر على الكراء الذي أكراها به، كان أكراها لبيع الأشربة الحلال أو للسكنى، وأما إن كان أكراها منه على أن يبيع فيها خمرا، وما أشبه ذلك، فالكراء فاسد يفسخ إن عثر عليه قبل السكنى، فإن لم يعثر عليه حتى فات بانقضاء أمد الكراء تصدق بجميع الكراء على المساكين كان أقل من القيمة أو أكثر، قيل: لأنه لا يحل للمكري كثمن الخمر، وقيل: أدبا له لا من أجل أنه حرام كعين الخمر، وظاهر ما في سماع سحنون من كتاب السلطان أن الثمن يترك له ولا يتصدق به؛ لأنه قال فيه: فإن فات مضى، إلا أن يريد بقوله: يمضي إذا فات أنه لا يرد إلى القيمة بعد الفوات، وذلك محتمل، وإن لم يبع المكتري فيه خمرا وصرفه للسكنى أو لسائر الأشياء المباحة في الكراء، فقال ابن حبيب: يسوغ الكراء للمكري إلا أن يكون يزيد في كرائها لبيع الخمر على كرائها لغير الخمر، فيتصدق بالزيادة،

стр. 828

والقياس أن يكون فيه القيمة على ما صرفها إليه بالغة ما بلغت سائغة للمكري؛ لأن العقد كان فاسدا، فيصحح بالقيمة إذا فات بصرفها إلى وجه مباح، وأما إذا كان أكراها منه كراء مبهما، فقال ابن حبيب: ذلك جائز، وإن علم أنه يبيع فيها خمرا، وله أن يمنعه من ذلك، وقال ابن القاسم في المدونة: الكراء فاسد إن علم أنه يبيع فيها خمرا، وقد تقدم الحكم فيه واتفقا في العنب أنه لا يجوز أن يبيعها ممن يعلم أنه يعصرها خمرا، والفرق بينهما عند ابن حبيب أن العنب يغيب المبتاع عليه فلا يقدر البائع على منعه من عصره بخلاف بيع الخمر في داره، واختلف إذا وقع فقيل يفسخ فيه البيع وقيل يباع على المبتاع والله أعلم. فصل واختلف في كراء بيوت مكة؛ فكان سفيان الثوري لا يرى أن تكرى ولا يرى على من سكنها بأسا أن يمسك الكراء، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ وأكثر أصحابه؛ لأنهم ذهبوا إلى أن مكة فتحت عنوة، وذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أنها مؤمنة والأمان كالصلح، فرأى أهلها مالكين لرباعهم، وأجاز بيعها وكراءها، ولا خلاف عند مالك وأصحابه في أنه افتتحت عنوة، فقيل: إنه ﵇ من على أهلها بها. فلم تقسم ولا سبى أهلها لما عظم الله من حرمتها، وقيل: إنها أقرت للمسلمين، وعلى هذا يأتي اختلافهم في جواز كرائها، فالظاهر من مذهب ابن القاسم في المدونة إجازة ذلك، والظاهر من قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب الحج المنع في ذلك، وحكى الداودي عنه أنه كره كراءها في أيام الموسم، وقال اللخمي: اختلف قوله في كراء دور مكة وبيعها؛ فمنع من ذلك مرة، وحكى أبو جعفر الأبهري عنه أنه كره بيعها وكراءها، فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ

стр. 829

ذلك؛ فيتحصل عنه في ذلك أربع روايات: الجواز والمنع والكراهة وكراهة كرائها في أيام الموسم خاصة، وقد روي عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها» وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: «مكة كلها مباح لا تباع رباعها ولا تؤجر بيوتها» ". وبالله التوفيق.

стр. 830

كتاب كراء الأرضين قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، وقال ﵎: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصل ت: ٣٩]، ومثل هذا في القرآن كثير. فصل فلما كان النبات الذي يخرج من الأرض وينبت فيها ليس بمقدرة آدمي، ولا

стр. 831

لزارعه فيه عمل ولا كسب، وإنما الله ﵎ هو الذي يخرجه من الأرض وينبته فيها، وينقله بقدرته من حال إلى حال حتى يصير إلى حد الانتفاع به رحمة منه تعالى بعباده؛ لم يجز لذلك كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يؤكل، ولا بشيء من الطعام وإن لم يخرج منها؛ لأنه إن كان الذي أكري به طعاما، فإنما أعطى المكتري صاحب الأرض طعاما على أن يأخذ ما ينبته الله تعالى في أرضه من الطعام بعلاجه وعمله، فيدخله الطعام بالطعام إلى أجل مع التفاضل فيما لا يصح فيه التفاضل؛ وبيع الغرر والمزابنة، وهي المحاقلة التي نهى عنها النبي ﵇؛ وإن لم يكن طعاما وكان مثل الكتان والقطن وما أشبه ذلك، دخلته المزابنة، وكان ذلك من المخابرة التي نهى عنها النبي ﵇؛ لأنها مأخوذة من الخبر وهو حرث الأرض، فالمخابرة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها. وجاز بما سوى ذلك من الدنانير والدراهم والعروض والحيوان المعينة والموصوفة. هذا هو قول مالك ﵀ وأكثر أصحابه. فصل وقد اختلف أهل العلم في كراء الأرض اختلافا كثيرا لتعارض ظواهر الآثار الواردة عن النبي ﵇ في ذلك. من ذلك نهيه ﷺ عن كراء المزارع، روي ذلك عنه من رواية رافع بن خديج بألفاظ مختلفة، وروي عنه من رواية «جابر بن عبد الله أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "من كانت له

стр. 832

أرض فليزرعها أو ليزرعها ولا يؤاجرها». ولم يختلف عن جابر في هذا، واختلف فيه عن رافع بن خديج اختلافا كثيرا: فروي عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه أو ليدعها»، كنحو حديث جابر؛ وروي عنه عن النبي ﵇ أنه قال: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا طعام». فدليل هذا إجازة كرائها بما عدا الطعام من الأثمان المعلومة؛ وروي عنه، عن النبي ﵇ أنه قال: «إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، أو رجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، أو رجل استكرى بذهب أو فضة». فظاهر هذا أن كراءها لا يجوز إلا بالذهب والفضة. ومن ذلك نهيه ﷺ عن المحاقلة والمخابرة وهي كراء الأرض بالطعام وبما يخرج منها ومن ذلك نهيه ﷺ عن المزارعة، وهي كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، وإعطاؤه يهود خيبر الأرض والنخل على أن يعملوها ويزرعوها على شطر ما يخرج منها، معارض في الظاهر لنهيه عن المزارعة، فقالت طائفة منهم: لا يجوز كراء الأرض أصلا بذهب ولا فضة ولا بشيء من الأشياء؛ لأنهم حملوا ما روي عن النبي ﵇ من النهي عن كراء المزارع على العموم واطرحوا ما خالف ظاهره من الآثار، وهو مذهب طاوس، وإليه ذهب ابن عمر ﵁ بآخرة روي عنه أنه كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج كان يحدث «أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع فترك كراءها» وهذا يبعد في النظر لأن الخاص يقضي

стр. 833

على العام. فما روي عن النبي ﷺ من كراء الأرض بالدنانير والدراهم يخصص عموم نهيه عن كراء المزارع؛ وقال آخرون: لا يجوز كراء الأرض إلا بالدنانير والدراهم خاصة، واحتجوا بما «روي عن النبي ﵇ من رواية رافع بن خديج أنه قال: " إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، ورجل استكرى بذهب أو فضة»، وقالوا: لا يجوز أن يتعدى هذا الحديث لما فيه من البيان، وليس كما قالوا؛ لأن البيان في الحديث إنما هو في إجازة كراء الأرض بالذهب والفضة، وأما في المنع من كرائها بكل ما عدا ذلك فلا؛ لأن لفظة "إنما" لا ترد إلا على سبب، فهي تنفي الحكم عن السبب الذي وردت من أجله وتحققه في المنصوص عليه، ولا تدل على نفيه عما سواه. والدليل على ذلك قول رسول الله ﷺ : «إنما الولاء لمن اعتق»، فنفى ﷺ بقوله هذا أن يكون الولاء لمن باع، واشترط الولاء على المشتري المعتق؛ لأن ذلك كان سببه وحقق به أن الولاء للمعتق، ولم يكن في قوله بيان أن غير المعتق لا ولاء له؛ ألا ترى أن الولاء يكون لولد المعتق وعصبته وإن كانوا غير معتقين. ومثل ذلك أيضا قولهم: إنما النبي محمد، وإنما الكريم يوسف، وإنما الشجاع عمرو، فلا ينفي ذلك النبوة عن غير النبي ﵇، ولا الكرم عن غير يوسف، ولا الشجاعة عن غير عمرو؛ وإنما تحقق ذلك لهم وتنفيه عمن كان سببا لوروده، فكذلك مسألتنا. وقال آخرون: يجوز كراء الأرض بكل شيء إذا كان معلوما عدا الطعام، وحجتهم ما روى رافع بن خديج عن

стр. 834

النبي ﷺ أنه قال: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا طعام». وهذا أيضا لا يصح في النظر؛ لأنهم أجازوا كراء الأرض بما يخرج منها من غير الطعام، وقد ثبت «أن رسول الله ﷺ : نهى عن المخابرة» وهي كراء الأرض بما يخرج منها؛ لأنه يدخله ما نهى عنه ﷺ من المزابنة والغرر؛ لأنه إذا أكرى الأرض بكتان أو قطن فقد أعطى الكتان أو القطن فيما تخرج له الأرض من ذلك، وذلك الغرر والمزابنة التي لا تجوز. وقال آخرون: يجوز كراء الأرض بالدنانير والدراهم والعروض والطعام وكل شيء إذا كان معلوما، وإنما لا يجوز الجزء مما يخرج منها؛ لأنه غرر، فهي المزارعة التي نهى عنها النبي ﵇، وهذا هو مذهب الشافعي، وهو ظاهر قول مالك في كتاب المساقاة من الموطأ؛ لأنه قال فيه: ولا ينبغي أن يساقي الأرض البيضاء وذلك أنه يحل لصاحبها كراؤها بالدنانير والدراهم وما أشبه ذلك من الأثمان المعلومة، إلا أن ذلك ليس بمعلوم من مذهبه، وحجة من ذهب إلى هذا ما روي «عن رافع بن خديج أنه سئل عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال: لا بأس بذلك، إنما كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يكرون الأرض بما على الماذيانات وأقبال الجداول فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلذلك زجر عنه النبي ﷺ ، قال: " فأما شيء مضمون معلوم فلا». وقد روي مثل هذا القول عن الليث بن سعد، وهو غير صحيح أيضا «لنهي النبي ﵇ عن المحاقلة والمخابرة»: وهو استكراء الأرض بالحنطة وبما يخرج منها كان طعاما أو لم يكن. وقال آخرون: يجوز كراء الأرض بالدنانير والدراهم والعروض والطعام والجزء مما يخرج منها، وحجتهم في إجازة كراء الأرض بالجزء

стр. 835

مما يخرج منها، إعطاء رسول الله ﷺ يهود خيبر الأرض والنخل على شطر ما يخرج من ذلك، وتأولوا في المحاقلة أنها اشتراء الزرع بالحنطة وذلك لا يصح؛ لأن النص عن النبي ﷺ قد ورد من رواية رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع والطعام، وحديث المساقاة يمكن تأويله على ما تأوله عليه مالك ﵀ من أن الأرض كانت يسيرة بين أضعاف السواد. وقال آخرون: يجوز كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، ولا يجوز بشيء مضمون مما يخرج منها، وهو مذهب الليث بن سعد. وحجة هؤلاء «حديث ابن عمر في إعطاء رسول الله ﷺ يهود خيبر النخل والأرض على أن يعملوها ويزرعوها بشطر ما يخرج منها» وقالوا: إنه حديث صحيح أصح من أحاديث رافع بن خديج؛ لأنها مضطربة المتون؛ وقال ابن نافع من أصحاب مالك: لا تكرى الأرض بقمح ولا شعير ولا سلت، وتكرى بما سوى ذلك على أن يزرع فيها خلاف ما تستكرى به. وقال ابن كنانة: يجوز أن تكرى الأرض بكل شيء إذا زرع فيها لم ينبت، واختاره عيسى بن دينار، وذلك كله معترض؛ فالقول في هذه المسألة ما قدمناه عن مالك وجمهور أصحابه أن كراء الأرض لا يجوز بشيء مما يخرج منها وينبت فيها - كان طعاما أو لم يكن، لنهي رسول الله ﷺ عن المخابرة، وهي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها مما يزرع فيها، ولا بشيء من الطعام وإن لم يخرج منها؛ لنهيه ﷺ عن المحاقلة، وهي استكراء الأرض بالحنطة، وكذلك جميع الطعام لأنه في معنى الحنطة، وقد روي ذلك عن النبي ﵇ نصا من رواية رافع بن خديج أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا طعام». ويجوز مما عدا هذين الوجهين من الدنانير والدراهم والعروض المعينة المعلومة والثابتة في الذمة الموصوفة؛ لأن ما روي عن النبي ﷺ من النهي عن كراء المزارع ليس على عمومه؛ لأنه خرج على سبب النهي، فهو مقصور على سببه، وذلك أن الناس كانوا على عهد

стр. 836

رسول الله ﷺ يكرون المزارع بالثلث والربع وبما على الماذيانات وأقبال الجداول، فخرج نهيه ﷺ عن كراء المزارع على ذلك فقصر عليه، وقيل في سبب النهي غير ذلك: «روي عن زيد بن ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتى رسول الله ﷺ رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ : "إن كان هذا شانكم فلا تكروا المزارع». فسمع رافع قوله: لا تكروا المزارع، فحدث به. فصل وقد اختلف أهل العلم في اللفظ العام المستقل بنفسه الوارد على سبب، هل يقصر على سببه أو يحمل على عمومه على قولين، الأصح منهما عند أهل النظر أن يحمل على عمومه ولا يقصر على سببه؛ لأن الحجة إنما هي في قول صاحب الشرع ليس في السبب؛ لأن السبب لو انفرد لم تكن فيه حجة؛ ولو انفرد لفظ النبي ﷺ لوجبت به الحجة؛ وأما نهيه ﷺ عن كراء المزارع، فالأصح فيه أن يقصر على سببه ولا يحمل على عمومه، إذ قد خص بقوله ﷺ : «إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، ورجل أكرى بذهب أو ورق». وقد قال جماعة من أهل العلم: إن اللفظ العام إذا خص منه شيء عاد مجملا. وسقط الاحتجاج بعمومه وإن كان ليس هذا بمذهب مالك ولا أصحابه، فإنه يؤيد قصر النهي على سببه، وقد حكى أبو بكر الأبهري في كتابه أن مذهب مالك ﵀ أن يقصر اللفظ العام الوارد على سببه ولا يحمل على عمومه. فصل فإذا قصر نهيه ﷺ عن كراء المزارع، على كرائها بالثلث والربع والماذيانات وأقبال الجداول لم يمنع مانع من كرائها بالدنانير والدراهم والعروض التي لا تنبتها الأرض مع النص الوارد عن النبي ﵇ في كرائها

стр. 837

بالدنانير والدراهم، ولو لم يقصر النهي على سببه وحمل على عمومه فيما بعد الدنانير والدراهم المخصوصة منه بالنص عليها، لخصصت العروض التي لا تنبت الأرض منه أيضا بالقياس على الدنانير والدراهم لأن القياس على الخصوص جائز يخصص به العموم، ومثل هذا قول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]؛ فكان هذا عاما في كل زان وزانية، كانا حرين أو عبدين، ثم خص من ذلك الإماء بقوله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ثم خص من ذلك العبيد بالقياس على الإماء بعلة الرق الجامعة بينهما؛ فكذلك ما عاد إلى مسألتنا؛ فإن نهي النبي ﷺ عن كراء المزارع عام خص من ذلك الكراء بالدنانير والدراهم بالنص، ثم خص من ذلك الكراء بالعروض التي لا تنبتها الأرض بالقياس على الدنانير والدراهم، بالعلة الجامعة بينهما، وهي أن الكراء بالعروض المعلومة التي لا تنبتها الأرض كراء بثمن معلوم لا غرر فيه ولا مزابنة ولا محاقلة ولا مخابرة، فجاز أصله الكراء بالدنانير والدراهم. فصل فما ذهب إليه مالك ﵀ في كراء الأرض أصح أقاويل أهل العلم في ذلك؛ لأنه استعمل الأحاديث المروية عن النبي ﵇ في هذا الباب، ولم يحمل شيئا منها على التعارض، بل جعل بعضها مركبة على بعض ومبينة لها، ولم يطرح شيئا منها، واستعمال الآثار عند أهل العلم أولى من طرحها ما أمكن ذلك ووجد السبيل إليه.

стр. 838

فصل في حد جواز كراء الأرض وجواز النقد ووجوبه اعلم أن الأرضين تنقسم على ثلاثة أصناف: أرض نيل، وأرض مطر، وأرض تسقى بالأنهار والعيون والآبار. فصل والكلام في حكم هذه الأرضين على ثلاثة أوجه: أحدها: جواز عقد الكراء فيها. والثاني: جواز النقد فيها. والثالث: وجوب النقد فيها. فأما جواز عقد الكراء فيها، فإنه جائز على مذهب ابن القاسم في المدونة فيها كلها من غير تفصيل، كانت مأمونة أو غير مأمونة للسنين الكثيرة. وتنقسم في جواز النقد فيها - عنده - على قسمين: مأمونة، وغير مأمونة، فما كان منها مأمونا كأرض النيل وأرض المطر المأمونة وأرض السقي بالأنهار والعيون الثابتة والآبار المعينة، فالنقد فيها للأعوام الكثيرة جائز، وما كان منها غير مأمون فلا يجوز النقد فيه إلا بعد أن تروى وتمكن من الحرث، كانت في أرض النيل أو المطر أو السقي بالعيون والآبار، وتنقسم في وجوب النقد فيها على قسمين: أحدهما: أرض النيل، والثاني؛ أرض السقي والمطر؛ فأما أرض النيل فيجب النقد فيها عنده إذا رويت؛ لأنها لا تحتاج إلى السقي فيما يستقبل، فبالري يكون المكتري قابضا لما اكترى، وأما أرض السقي والمطر فلا يجب على المكتري فيها دفع الكراء حتى يتم الزرع ويستغنى عن الماء؛ وكذلك إن كانت أرضا تزرع

стр. 839

بطونا فلا يلزمه نقد الكراء في البطن حتى تسلم وتستغني عن الماء، ووافق ابن الماجشون ابن القاسم على مذهبه في أرض النيل أن النقد يجب فيها إذا رويت، وفي أرض المطر وأرض السقي غير المأمون أن النقد لا يجب فيها حتى يتم الزرع ويستغنى عن الماء؛ وخالفه في أرض السقي إذا كان مأمونا فجعله مثل أرض النيل يجب الكراء فيه نقدا، إذا رويت؛ فأرض النيل لا اختلاف في وجوب الكراء فيها بالري وأرض المطر، والسقي غير المأمون لا اختلاف أن الكراء لا يجب فيها حتى يسلم الزرع ويستغني عن الماء، واختلف في أرض السقي المأمون فجعله ابن الماجشون كأرض النيل، وجعله ابن القاسم كأرض المطر والسقي غير المأمون؛ وتنقسم الأرضون على مذهب ابن الماجشون في جواز عقد الكراء فيها والنقد على أربعة أقسام: أحدها: أرض النيل المأمونة. والثاني: أرض السقي بالأنهار والآبار. والثالث: أرض السقي بالعيون. والرابع: أرض المطر. فأما أرض النيل المأمونة فيجوز الكراء فيها للأعوام الكثيرة بالنقد وبغير النقد - قرب إبان شربها وريها - هذا قوله في المدونة. فأما أرض السقي بالأنهار والآبار، فيجوز الكراء فيها للعشرة الأعوام لا أكثر، والنقد فيها على مذهبه جائز، قاله الفضل. وأما أرض السقي بالعيون، فلا يجوز كراؤها، إلا للثلاثة الأعوام والأربعة، ولا ينقد إلا سنة بسنة، يريد أنه ينقد السنة الثانية قبل تمام الأولى بيسير وإن لم ترو الأرض، هذا قوله ومذهبه في الواضحة.

стр. 840

وأما أرض المطر فلا يجيز الكراء فيها إلا لعام واحد، قرب إبان ريها، ولا يجوز النقد فيها حتى تروى ريا مبلغا له أو لأكثره مع رجاء وقوع غيره، قاله في المدونة، هذا الذي حصلت من مذهبه، وبالله التوفيق. فصل في بيان مذهب ابن القاسم وغيره في الكتاب فيمن حرث أرض رجل فتداعيا في ذلك هذه مسألة تنقسم على قسمين: أحدهما: أن يقوم رب الأرض على الذي حرثها في إبان الزرع. والثاني: أن يقوم عليه في ذلك بعد الإبان. فأما القسم الأول وهو أن يقوم عليه في ذلك وهو في الإبان، فلا يخلو الذي حرث الأرض من أربعة أوجه: أحدها: أن يصدق رب الأرض في أنه حرثها بغير إذنه. والثاني: أن يصدقه في أنه لم يكرها منه إلا أنه يدعي أنه حرثها بعلمه وهو حاضر لا يغير ولا ينكر. والثالث: أن يدعي عليه أنه أكراها منه. والرابع: أن يدعي عليه أنه أكراها منه وأنه حرثها بعلمه وهو حاضر. فأما الوجه الأول وهو أن يصدقه في أنه حرثها بغير علمه، فإن لصاحب الأرض أن يأخذ أرضه ويأمر الزارع بقلع زرعه فيقلعه إن كانت له فيه منفعة، ولا يجوز لرب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا كالبنيان؛ لأنه يدخله بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، وقد قيل: إن ذلك جائز؛ لأنه في أرض مبتاعة وبالعقد يدخل في ضمانه فيرتفع الغرر في ذلك، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي؛ فإن لم

стр. 841

تكن له فيه منفعة لم يكن للزارع أن يقلعه لقول رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». ويبقى لصاحب - الأرض لقول رسول الله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق». وأما الوجه الثاني وهو أن يصدقه في أنه لم يكر منه إلا أنه يدعي أنه حرثها بعلمه فلم يغير عليه ذلك ولا أنكر، فإن اليمين يلزم رب الأرض: ما علم بحرثه إياها إن لم يكن للذي حرث الأرض على ذلك بينة؛ فإن حلف رب الأرض على ذلك، كان له أن يأخذ أرضه ويكون الحكم في الزرع على ما تقدم، وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرث الأرض على ذلك ولم يقلع زرعه وكان عليه في الأرض كراء مثلها، وكذلك إذا كانت للذي حرث الأرض بينة على حرثه إياها بعلمه ومعرفته. وأما الوجه الثالث: وهو أن يدعي عليه أنه أكراها منه، فالقول قول صاحب الأرض مع يمينه ما أكراها منه، فإن حلف على ذلك، استحق أرضه وكان الحكم في الزرع على ما تقدم، وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرث الأرض لقد أكراها منه بكذا وكذا، كان الذي ادعى من الكراء قليلا لا يشبه، أو كثيرا أكثر من كراء المثل؛ وإنما كان القول قوله، وإن كان الذي ادعى من الكراء لا يشبه؛ لأن رب الأرض قد مكنه من ذلك بنكوله، هذا هو المشهور في المذهب خلاف ما وقع في كتاب القراض من المدونة إذا ادعى صاحب المال أنه دفع إليه المال على سبيل البضاعة، وادعى العامل أنه دفع إليه على سبيل القراض، فنكل صاحب المال عن اليمين، فقال: إن العامل يحلف إذا كان مثله يستعمل في القراض وإنما وجب

стр. 842

أن يحلف وإن كان الذي أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل؛ لأنه إن نكل عن اليمين وجب أن يقلع زرعه. وأما الوجه الرابع، وهو أن يدعي عليه أنه أكراها منه وحرثها بعلمه ومعرفته، فالقول قول صاحب الأرض يحلف على الوجهين جميعا إن لم يكن للذي حرث الأرض بينة على ذلك، فإن حلف، كان مخيرا بين أن يأخذ منه الكراء الذي أقر به، وبين أن يأخذ أرضه ويأمر الزارع بقلع زرعه؛ وهذا إذا كان للزارع في قلعه منفعة، وأما إذا لم يكن له في قلعه منفعة وكان الحكم يوجب بقاءه لصاحب الأرض، فلا يجوز أن يتركه للمكتري بما أقر به من الكراء، أو بكراء المثل؛ لأنه بيع له بما يأخذ من الكراء، وقد تقدم القول إذا كان للزارع في قلعه منفعة فأراد رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا، وإن نكل عن اليمين حلف الذي حرث الأرض لقد أكراها بكذا وكذا، قل أو كثر كان يشبه أو لا يشبه، وقد تقدم وجه ذلك؛ فإن نكل عن اليمين أخذ رب الأرض أرضه وإن أبى رب الأرض أن يحلف على الوجهين جميعا، وقال: أحلف ما علمت بحرثه إياها ولا أحلف ما أكريت منه، لم يكن ليمينه على هذا معنى، إلا أن ينكل الذي حرث الأرض عن اليمين؛ لأنه إن حلف لقد أكريتها بكذا وكذا أدى ما حلف عليه وإن لم يشبه ذلك كراءها؛ لأن رب الأرض قد مكنه من ذلك بنكوله على أن يحلف ما أكريتها منه، حلف ما علم بحرثه إياها أو لم يحلف، فإن نكل الذي حرث الأرض عن اليمين، قيل لرب الأرض ههنا: احلف أنك ما علمت بحرثه إياها وخذ أرضك واقلع الزرع إن شئت. فصل وإن أبى رب الأرض أن يحلف على الوجهين جميعا وقال: أحلف ما أكريت منه، ولا أحلف ما علمت بحرثه إياها، لم يمكن من اليمين على ذلك عند ابن القاسم؛ لأنه إذا نكل عن أن يحلف ما علمت بحرثه إياها، وجب أن يحلف الذي حرث الأرض بالله لقد علم بحرثي إياها، وإذا حلف على ذلك كان بمنزلة إذا أقام

стр. 843

على ذلك بينة أو أقر له به رب الأرض، وإذا أقر بذلك رب الأرض أو قامت للذي في حرث الأرض بذلك بينة كانت شبهة توجب أن يكون القول قول الذي حرث الأرض أنه اكتراها منه بكذا وكذا إذا كان يشبه أن يكون ذلك كراء مثلها، فيحلف الذي حرث الأرض إذا نكل رب الأرض عن اليمين أنه ما علم بحرثه إياها على الوجهين جميعا: يقول: بالله لقد علم بحرثي إياها، ولقد اكتريتها منه بكذا وكذا إذا أشبه أن يكون ما ادعى كراءها، فإن لم يشبه أن يكون ذلك كراءها لم يصدق في ذلك، وحلف رب الأرض ما أكراها منه واستحق كراء مثلها، ولم يكن له أن يقلع زرعه إذا حلف الذي حرث الأرض أنه حرثها بعلمه ومعرفته، فإن لم يحلف على ذلك ونكل عنه، كان لصاحب الأرض أن يأخذ أرضه ويقلع الزرع. فصل فإن كانت للذي حرث الأرض بينة على أنه حرث الأرض بعلمه ومعرفته ولم تكن له بينة على الكراء، كان القول قوله مع يمينه في الكراء إذا أتى بما يشبه، فإن لم يأت بما يشبه، لم يصدق وحلف رب الأرض أنه ما أكرى منه، وكان عليه كراء المثل، فإن نكل رب الأرض عن اليمين، كان القول قول الذي حرث الأرض، وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن رب الأرض قد مكنه من دعواه بنكوله، وإن كان الذي أقر به الذي حرث الأرض من الكراء، كراء المثل فأكثر، لم يكن عليه في هذا الوجه يمين، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة ومساواته فيها بين أن تكون للذي حرث الأرض بينة على علمه ومعرفته، أو يأبى اليمين في أن القول قول الذي حرث الأرض مع يمينه في الكراء، إذا أشبه، إنما يريد إذا نكل عن اليمين - على أنه ما حرثها بعلمه ومعرفته بخاص؛ وأما إذا نكل عن اليمين على أنه لم يكرها منه، فالقول قول الذي حرث الأرض وإن لم يشبه. ولا اختلاف في هذا بينهم، إلا ما يقوم من مسألة كتاب القراض، وقد ذكرناها؛ وأما غير ابن القاسم في المدونة، فلم ير حرثه الأرض بعلم ربها شبهة توجب أن يكون القول قوله في مبلغ الكراء، وجعل قول رب الأرض مع يمينه أنه ما أكرى منه أرضه؛ فإذا حلف على ذلك، استحق كراء

стр. 844

المثل، وإن كان الذي أقر به المكتري من الكراء أكثر من كراء المثل، فلا يكون على واحد منهما يمين، وسواء على قول غيره هذا - علم أو لم يعلم - فلا يحلف على مذهبه إن لم يعلم بحرثه الأرض، وإنما يحلف أنه ما أكراها منه ويستحق كراء المثل، ولو نكل عن اليمين على ذلك، لحلف الذي حرث الأرض، وإن أتى بما لا يشبه. فصل وأما القسم الثاني، وهو أن يقوم عليه في ذلك بعد الإبان، فإن صدقه أنه لم يكن منه فله كراء المثل دون يمين ادعى عليه أنه حرثها بعلمه ومعرفته، أو لم يدع ذلك عليه؛ وأما إن ادعى عليه أنه أكراها منه ولم يدع عليه أنه حرثها بعلمه ومعرفته، فإن رب الأرض يحلف أنه ما أكراها منه ويأخذ منه كراء المثل؛ وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرثها على ما ادعاه من الكراء؛ وأما إن ادعى عليه أنه أكراها منه وأنه حرثها بعلمه ومعرفته، فيحلف على الوجهين جميعا؛ فإن حلف أخذ كراء المثل؛ وإن نكل عن اليمين على الوجهين جميعا، أو على أنه لم يكر منه، حلف الذي حرث الأرض على ما ادعى من الكراء، وإن كان الذي أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل، فلا يمين على واحد منهما، وإن نكل رب الأرض أن يحلف ما حرثها بعلمه ومعرفته، حلف الذي حرث على مذهب ابن القاسم: لقد حرثها بعلمه ومعرفته، ولقد أكريتها منه بكذا وكذا، إذا أشبه ذلك، فإن لم يشبه، حلف رب الأرض أنه ما أكرى منه وأخذ كراء المثل، وعلى قول غيره يحلف رب الأرض ما أكراها منه ويأخذ كراء المثل.

стр. 845

فصل في المغارسة المغارسة تنقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون على وجه الإجارة، مثل أن يقول له: اغرس لي هذه الأرض كرما أو تينا أو فرسكا أو ما أشبه ذلك، ولك كذا وكذا، فهذا إن كانت الغروس من عند رب الأرض، فلا إشكال في جوازه، سمى له عدد ما يغرس في الأرض أو لم يسمه؛ لأن ذلك معروف عند الناس، ولا بد أن يصف قدر الغروس في الصغر والكبر؛ لأن المشقة في ذلك مختلفة، إلا أن يدخلا في ذلك على عرف فيستغنى به عن الصفة؛ وأما إن كانت الغروس من عند الغارس فيدخل في ذلك ما دخل مسألة الذي استأجر الأجير على أن يبني له دارا على أن الآجر والجص من عند البناء؛ لأنه يجتمع في ذلك إجارة وسلم، والإجارة والسلم أحكامها مختلفة، إذا كان الأجير بعينه؛ لأن السلم لا بد فيه من ضرب الأجل وتعجيل رأس ماله، والأجير بعينه لا يجوز أن ينقد إجارته إلا بعد شروعه في العمل الذي قد ضرب له الأجل؛ فلا يجوز استئجار الأجير بعينه على الغرس بشرط أن تكون الغروس من عنده إذا كانت لها قيمة إلا بثلاثة شروط، وهي: تعجيل الإجارة، والشروع في العمل، وأن يكون الغرس لا يتم إلا في مدة طويلة يستحق فيها ما تعجل من الغروس في جنب ما تأخر منها؛ وأما إذا أستأجره على الغرس إجارة ثابتة في ذمته على أن الغروس من عنده، ولها قيمة، فذلك جائز؛ لأن حكم الإجارة الثابتة في الذمة حكم السلم، فإن قدم إليه إجارته وضرب للغرس أجلا، مثل أن يقول: أستأجرك على غرس هذه الأرض في شهر كذا بكذا وكذا، والغروس من عندك جاز، وهو معنى قول غير ابن القاسم في المدونة إذا كان ذلك على وجه القبالة ولم يشترط عمل رجل بعينه، فلا بأس بذلك إذا قدم نقده. والوجه الثاني: أن تكون المغارسة على وجه الجعل مثل أن يقول له: اغرس لي هذه الأرض أصولا تينا أو كرما أو ما أشبه ذلك، ولك في كل ثمرة تنبت كذا وكذا، فهذا جائز على حكم الجعل المحض.
следующие страницы →