Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
قال: ولا يقطع شعرا من رأسه ولا جسده.
ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا فرق بين قطع الشعر بالموسى أو بغير ذلك، أو زواله بنتف ونحوه، ولا بين شعر الرأس والبدن، لما في ذلك من الرفاهية التي حال المحرم ينافيها، والله أعلم.
قال: ولا يقطع ظفرا إلا أن ينكسر.
ش: لا يقطع ظفرا إجماعا، لأنه يترفه به، فمنع منه كإزالة الشعر، فإن انكسر فله قطع ما انكسر بالإجماع أيضا، لأنه يؤذيه ويؤلمه، أشبه الصيد الصائل عليه، والله أعلم.
قال: ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء.
ش: لا ينظر في المرآة لإصلاح شيء زينة كتسوية شعر ونحوه، قال أحمد؛ لا بأس [أن ينظر] في المرآة، ولا يزيل شعثا، ولا ينفض عنه غبارا، وذلك لزوال الشعثة والغبرة اللتين هما من صفات المحرم.
стр. 1297
١٥٦٨ - وفي الترمذي عن ابن عمر ﵁ «أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : من الحاج؟ قال: «الشعث التفل» قال: وأي الحج أفضل؟ قال: «العج والثج» قال: وما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» وله أن ينظر في المرآة لا لزينة.
١٥٦٩ - وقد روى مالك في الموطأ أن ابن عمر نظر في المرآة لشكوى بعينه وهو محرم.
١٥٧٠ - وعن ابن عباس أيضا أنه أباح ذلك، رواه البخاري وعلى كل حال فالمنع من ذلك منع أدب، لا فدية فيه قاله أبو محمد.
стр. 1298
(تنبيه) : «الشعث» البعيد العهد بتسريح شعره وغسله.
«التفل» التارك للطيب واستعماله، و «العج» رفع الصوت بالتلبية] . و «الثج» سيلان دماء الهدي، والله أعلم.
قال: ولا يأكل من الزعفران ما يجد ريحه.
ش: إذ المقصود من الطيب ريحه، وهو موجود، فلا فرق بين ما مسته النار وغيره، لوجود المقتضي للمنع وهو الرائحة، وذكر الزعفران على سبيل التمثيل، فيساويه كل مأكول فيه طيب وجد ريحه، والله أعلم.
قال: ولا يدهن بما فيه طيب.
ش: كدهن البنفسج والورد ونحوهما، لوجود الطيب الممنوع منه شرعا، والله أعلم.
قال: ولا ما لا طيب فيه.
ش: لا يدهن بما لا طيب فيه، كالزيت، والشيرج، ونحوهما، على أنص الروايتين، واختيار الخرقي، لأنه يزيل الشعثة والغبرة، وعلى هذا اعتمد أحمد ﵀ قال في رواية أبي داود: الزيت الذي يؤكل لا يدهن به المحرم رأسه. فذكرت له حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ ادهن بزيت غير مقتت؛» فسمعته يقول: الأشعث الأغبر. (والرواية
стр. 1299
الثانية) : يجوز ذلك، سأله الأثرم: يدهن بالزيت والشيرج؟ قال: نعم، يدهن به إذا احتاج إليه. وذلك لما استدل به أبو داود ﵀ على أحمد.
١٥٧١ - وهو ما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عمر «أن النبي ﷺ كان يدهن بدهن غير مقتت» ، يعني غير مطيب، وفي رواية: «كان يدهن بالزيت - وهو محرم - غير المقتت» . رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخي، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد، وقد روى عنه الناس.
١٥٧٢ - وعن ابن عباس قال: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل بالزيت والسم، رواه البخاري. وهنا
стр. 1300
شيئان «أحدهما» منع أحمد إنما هو في الرأس، فلذلك خص أبو محمد في مقنعه ومغنيه الروايتين بذلك، أما البدن فيجوز عنده دهنه بلا نزاع، وجعل ذلك في الكافي احتمالا، وقدم إجراء الروايتين فيهما، وهذه طريقة الأكثرين، القاضي في تعليقه، وأبي الخطاب وصاحب التلخيص، وأبي البركات وغيرهم، فلعلهم نظروا إلى تعليل أحمد بالشعث، وذلك موجود في البدن، وإن كان في الرأس أكثر.
(الثاني) : حيث قيل بالمنع فإن الفدية تجب كغيره، على ظاهر كلام عامة الأصحاب، ولذلك قال القاضي في تعليقه: إنه ظاهر كلام الإمام أحمد، لأنه منع منه، وهو اختيار الخرقي انتهى. ولم يوجب أبو محمد الفدية على الروايتين، وقد ذكر ذلك أيضا القاضي في تعليقه لكنه جعل المنع بمعنى الكراهة، فقال: ويحتمل أن يكون منع على طريق الكراهة من غير فدية.
(تنبيه) : «المقتت» المطيب بالقت، وهو الذي تطبخ فيه الرياحين حتى يطيب والله أعلم.
стр. 1301
قال: ولا يتعمد لشم الطيب.
ش: كما إذا جلس عند العطار للشم، أو دخل البيت حال تجميره لذلك، إذ المقصود من الطيب الرائحة، فإذا تعمد شم الطيب فقد وجد الممنوع منه شرعا وهو الطيب، ولو لم يتعمد الشم فشم - كما إذا جلس عند العطار لحاجة ونحو ذلك - فلا شيء عليه، لأن ذلك يشق الاحتراز منه، والله أعلم.
قال: ولا يغطي شيئا من رأسه.
ش: لما تقدم من حديث ابن عمر «ولا العمامة ولا البرنس» «وحديث ابن عباس في المحرم الذي وقصته ناقته «لا تخمروا رأسه» والمنهي عنه يحرم فعل بعضه، بدليل الحلق. وكلام الخرقي يشمل التغطية بمعتاد - كالعمامة والبرنس ونحوهما -[وغيره] كما لو عصبه أو طينه بطين، أو جعل عليه دواء ونحوه. وهو كذلك. نعم يستثنى من ذلك ما لو حمل على رأسه طبقا ونحوه ولو قصد به الستر، لأنه لا يقصد له غالبا، ولم يستثنه ابن عقيل مع الستر، ويستثنى أيضا الستر بيديه، وتلبيد الشعر بغسل أو نحوه، وستر بعضه بطيب الإحرام.
١٥٧٣ - لأن النبي ﷺ لبد رأسه، وكان وبيص الطيب في مفرقه ﷺ ، والله أعلم.
стр. 1302
قال: والأذنان من الرأس.
ش: فلا يجوز تغطيتهما كبقية أبعاض الرأس.
١٥٧٤ - لأنه يروى عن النبي ﷺ «الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجه من طرق.
стр. 1303
١٥٧٥ - وعن الصنابحي أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه» وذكر الحديث إلى أن قال: «فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه» رواه مالك في الموطأ، والنسائي وابن ماجه فقوله: «حتى تخرج من أذنيه» دليل على دخولهما في مسماه.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يحرم عليه تغطية وجهه. وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار القاضي في تعليقه، و [في] جامعه، وأبي محمد وغيرهما، لأن الأشهر والأكثر
стр. 1304
في الرواية في المحرم «ولا تخمروا رأسه» ومفهومه جواز [تخمير] ما عدا ذلك.
١٥٧٦ - وقد خمر عثمان وجهه، ذكره مالك في الموطأ.
١٥٧٧ - ورواه عنه أيضا وعن زيد، وابن الزبير، وابن عباس، [وجابر] وسعد ﵃؛ النجاد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (والرواية الثانية) لا يجوز.
стр. 1305
١٥٧٨ - لأن في رواية في الصحيح «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» .
١٥٧٩ - وعن نافع، أن ابن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس، فلا يخمره المحرم. رواه مالك في الموطأ أي من حكم الرأس، والله أعلم.
قال: والمرأة إحرامها في وجهها.
ش: المرأة إحرامها في وجهها، فلا تغطيه ببرقع، ولا نقاب ولا غيرهما.
لأن في حديث ابن عمر ﵁ الذي في الصحيح «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين» وفي حديثه الذي في السنن أنه «سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب» .
١٥٨٠ - وروى النجاد بإسناده عن نافع عنه قال: «إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه» .
(تنبيهان) : «أحدهما» : يجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه، ولا يمكن تغطية
стр. 1306
محل الرأس إلا بتغطية جزء من الوجه، ولا كشف [جميع] الوجه إلا بكشف جزء من الرأس، فإذا المحافظة على ستر الرأس أولى، قاله أبو محمد، لأنه عورة يجب ستره مطلقا.
«الثاني» : «القفاز» بالضم والتشديد، قال الجوهري: [هو] شيء يعمل لليدين، يحشى بقطن، ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد. وقال صاحب المطالع: هو غشاء الأصابع مع الكف، معروف يكون من جلد وغيره. ونحو هذا قال صاحب التلخيص؛ قال: معمول لليد كالمعمول لأيدي البازبازية ونحو ذلك قال ابن الزاغوني، وقال ابن دريد وابن الأنباري: ضرب من الحلي. ثم قال ابن دريد: لليدين. وقال الآخر: وللرجلين. والله أعلم.
стр. 1307
قال: فإن احتاجت سدلت على وجهها.
ش: إذا احتاجت المرأة لستر وجهها حذارا من رؤية الرجال سدلت على وجهها ثوبا ونحوه.
١٥٨١ - لما روي «عن عائشة ﵂ قالت: كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها [من رأسها] على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» . رواه أبو داود وابن ماجه.
١٥٨٢ - وعلى هذا يحمل ما روى مالك في الموطأ عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر.
ثم شرط القاضي في الساتر كونه متجافيا عن وجهها، بحيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها ثم ارتفع بسرعة فلا شيء عليها، كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي، وخالفه في ذلك أبو محمد، فقال: لم أر هذا الشرط عن أحمد، ولا
стр. 1308
هو في الخبر، بل الظاهر من الخبر خلافه والله أعلم.
قال: لا تكتحل بكحل أسود.
ش: لأن في حديث جابر الطويل - وسيأتي إن شاء الله تعالى - قال: «وقدم علي من اليمن، فوجد فاطمة ﵂ ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟ قالت: أبي. فقال النبي ﷺ «صدقت صدقت» فدل هذا على أنها قبل الإحلال ممنوعة من ذلك. وتقييده بالأسود لأنه الذي تحصل به الزينة، فيخرج ما ليس للزينة، كالذي يتداوى به، فلا تمنع منه.
١٥٨٣ - لما روى نبيه بن وهب «أن عمر بن عبيد الله بن معمر اشتكى عينيه وهو محرم، فأراد أن يكحلها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يضمدها بالصبر، وحدثه عن عثمان عن النبي ﷺ [أنه كان يفعله» ] رواه مسلم وغيره، ولفظ النسائي: عن النبي ﷺ «للمحرم إذا اشتكى عينه أن يضمدها بالصبر» » فيلحق بذلك ما في معناه مما ليس فيه زينة.
стр. 1309
وظاهر كلام الخرقي أن المنع من ذلك على سبيل التحريم، بل قد يقال: ظاهر كلامه وجوب الفدية، وقد أقره على ذلك أبو الحسن بن الزاغوني، فقال: [هو] كالطيب واللباس، وجعله أبو البركات مكروها، وكذلك أبو محمد، ولم يوجب فيه فدية، وسوى في ذلك بين الرجل والمرأة، والله أعلم.
قال: وتجتنب كل ما يجتنب الرجل إلا في اللباس، وتظليل المحمل.
ش: لأن حكم الرسول ﷺ [على المحرم] بأمر، يدخل فيه النساء، وإنما استثني اللباس، وتظليل المحمل، لحاجتها إلى السترة إذ هي عورة، [وقد] قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم [على] أن المرأة ممنوعة مما منع منه الرجل إلا بعض اللباس، وأجمعوا على أن للمحرمة لبس القميص، والدرع، والسراويلات، والخمر، والخفاف، وقد تقدم حديث ابن عمر «ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب» إلى آخره، والله أعلم.
قال: ولا تلبس القفازين.
стр. 1310
ش: يستثنى من جواز اللباس لها القفازان فإنها تمنع منهما كما يمنع الرجل، لما تقدم في حديث ابن عمر «ولا تلبس القفازين» وتقدم ثم أيضا معناهما، والله أعلم.
قال: ولا الخلخال وما أشبهه.
ش: أي من الحلي كالسوار ونحوه، لأن ذلك يتخذ للزينة ويدعو إلى نكاحها، أشبه الطيب، وقد قال أحمد: المعتدة والمحرمة يتركان الطيب [والزينة] ، ولهما ما عدا ذلك.
وظاهر كلام الخرقي وأحمد في هذا النص أن المنع من ذلك على سبيل التحريم، ونص [أحمد] في رواية حنبل على الجواز، فقال: تلبس المحرمة الحلي والمعصفر. وعلى هذا جمهور الأصحاب. لما تقدم من حديث ابن عمر «ولتلبس بعد ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر، أو خز، أو حلي» وحمل أبو محمد كلام الخرقي على الكراهة، كقوله في الكحل، وجزم بأنه لا فدية فيه، والله أعلم.
قال: ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بمقدار ما تسمع رفيقتها.
ش: لما كان مفهوم كلام الشيخ أنه يباح لها ما يباح للرجل، استثنى من ذلك رفع صوتها بالتلبية، فإنها لا ترفع إلا
стр. 1311
بمقدار ما تسمع رفيقتها، حذارا من الفتنة بصوتها، ولهذا لم يشرع في حقها أذان ولا إقامة.
١٥٨٤ - وعن سليمان بن يسار أنه قال: «السنة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال» .
وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها، وظاهر إطلاق الخرقي تحريم الزيادة على ذلك، وهو ظاهر إطلاق الشيخين وغيرهما، والله أعلم.
قال: ولا يتزوج المحرم ولا يزوج، فإن فعل فالنكاح باطل.
ش: هذه المسألة قد ذكرها الخرقي هنا وفي النكاح، وقد تكلمنا عليها في النكاح ولله الحمد، فلا حاجة إلى
стр. 1312
إعادتها، ونزيد هنا بأنه إذا خالف وفعل فلا فدية عليه بلا خلاف نعلمه، لأنه عقد فسد لأجل الإحرام، أشبه شراء الصيد، والله أعلم.
قال: فإن وطىء المحرم في الفرج فأنزل أو لم ينزل فقد فسد حجهما.
ش: مجرد النكاح لا يفسد الإحرام بلا ريب، بل إذا وطىء فيه، أو وطىء مطلقا في الفرج فقد فسد حجه اتفاقا، قاله ابن المنذر، فقال: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع. انتهى وقد قضى بهذا الصحابة.
١٥٨٥ - فقال مالك في الموطأ: بلغني أن عمر، وعليا، وأبا هريرة سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم [بالحج] فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج من قابل والهدي.
١٥٨٦ - قال: وقال علي: وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا، حتى يقضيا حجهما.
стр. 1313
١٥٨٧ - وعن ابن عمر وابن عباس نحو ذلك، رواه الأثرم في سننه (ولا فرق بين) أن ينزل أو لا ينزل، لإطلاق الصحابة، (ولا بين) أن يكون الوطء قبل الوقوف أو بعده، لإطلاقهم أيضا، (ولا بين) [أن يكون] الوطء قبل الوقوف أو بعده، لإطلاقهم أيضا، (ولا بين) [أن يكون] الوطء في القبل أو الدبر، من آدمي أو بهيمة، لأنه وطء محرم، يجب الاغتسال، أشبه وطء الآدمية في القبل، يتخرج أن لا يفسد الحج بوطء البهيمة، كما لا تجب الكفارة على الصائم في نهار رمضان في قول. (ولا فرق: بين العامد والساهي، على المنصوص المشهور المختار للأصحاب، حتى أن الشيخين [وجماعة] لم يذكروا خلافا. وخرج القاضي في الروايتين رواية بعدم الفساد مع النسيان، قال: من قوله في رواية أبي طالب في الصائم: إذا وطىء ناسيا لم يفسد صومه.
(قلت) : وقد يخرج من رواية عدم وجوب الكفارة ثم، وهو أولى، إذ إيجاب الكفارة [ثم] هو نظير إفساد الحج، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 1314
وأيضا هذه الرواية هي أشهر ثم من القول الذي خرج منه القاضي، وهذا التخريج لازم لأبي محمد، لأنه المخرج في البهيمة أنه لا يفسد الحج بوطئها، لكنه لم ينص على محل التخريج، انتهى.
وحكم الجاهل بالتحريم والمكره حكم الناسي قاله أبو محمد، والله أعلم.
قال: وعليه بدنة إن كان استكرهها، وإن كانت طاوعته فعلى كل واحد منهما بدنة.
ش: لا يخلو الواطىء المحرم من أن يكون استكره الموطوءة أو طاوعته، فإن طاوعته فعلى كل واحد منهما بدنة، على المشهور من المذهب، والمختار للأصحاب، لأنها أحد المجامعين، أشبهت الرجل.
١٥٨٨ - وقد ثبت الأصل بما في الموطأ عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة.
١٥٨٩ - وعنه أيضا أنه قال: أهد ناقة ولتهد ناقة.
стр. 1315
١٥٩٠ - قال أحمد في رواية أبي طالب: على كل واحد هدي أكرهها أو لم يكرهها، هكذا قال ابن عباس. (وعن أحمد) أنه قال: أرجو أن يجزئها هدي واحد. وخرج ذلك القاضي في روايتيه من قوله في الصوم: لا كفارة وإن طاوعت. وعلى هذه [الرواية] لا يجب مع الإكراه إلا بدنة واحدة بطريق الأولى، وذلك على المذهب على المشهور من الروايتين، إذ المكره لا ينسب له فعل، فوجوده كالعدم. (وعنه) : عليها بدنة كالرجل، وقد تقدم نصه على ذلك، واعتماده على قول ابن عباس، وقد تقدم نصه على ذلك، واعتماده على قول ابن عباس، وعلى هذه يتحملها الزوج عنها على المشهور، لأن ذلك حصل [بسبب] فعله وعدوانه، وظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب أنها تستقر عليها، وحكم النائمة حكم المكرهة، والله أعلم.
قال: فإن وطئها دون الفرج فلم ينزل فعليه دم، فإن أنزل فعليه بدنة وقد فسد حجه.
ش: إذا وطىء دون الفرج فلا يخلو إما أن ينزل أو لا. فإن لم ينزل لم يفسد نسكه بلا نزاع، ووجب عليه دم، لأنه فعل محرم، لم يفسد النسك، أشبه الحلق، ثم هل هو شاة أو
стр. 1316
بدنة؟ على روايتين أشهرهما الأول، وإن أنزل وجبت بدنة بلا ريب، لأنه وطء اقترن به الإنزال، أشبه الوطء في الفرج. وهل يفسد النسك؟ فيه روايتان أشهرهما عنه - وهي اختيار الخرقي وأبي بكر والقاضي في روايتيه - يفسد، لما تقدم، ولأن الصحابة أطلقوا الإصابة.
(والثانية) - واختارها أبو محمد - لا يفسد، لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلم يفسد النسك، كما لو لم ينزل، والإصابة في كلام الصحابة ﵃ كناية عن الوطء في الفرج، والله أعلم.
قال: وإن قبل فلم ينزل فعليه دم، فإن أنزل فعليه بدنة، وعن أبي عبد الله ﵀ رواية أخرى: إن أنزل فسد حجه.
ش: إذا قبل أو مس فلم ينزل فعليه دم لما تقدم.
١٥٩١ - وقد روى الأثرم بإسناده عن عبد الرحمن بن الحارث أن عمر بن عبيد الله قبل عائشة بنت طلحة محرما، فسأل فأجمع له على أن يهريق دما والظاهر أنه لم ينزل وإلا لذكر. (وإن أنزل)
стр. 1317
فعليه بدنة لأنه نوع مباشرة أشبه المباشرة فيما دون الفرج، وفل يفسد نسكه؟ فيه روايتان، توجيههما يفهم مما تقدم.
واعلم أن الخرقي ﵀ جزم [ثم] بالفساد، وحكى الروايتين هنا، وتبعه على ذلك صاحب التلخيص، [وعاكسه] ابن أبي موسى فيما أظن، فحكى [الروايتين] في الوطء دون الفرج. وجزم في القبلة بعدم الفساد، وجعل القاضي والشيخان الروايتين في الجميع، وهو أوجه من جهة النقل، إذ أحمد قد نص على الفساد بالقبلة، وإذا أردت جمع الطرق كان في المسألتين ثلاثة أقوال، ونظير ذلك لو باشر في الصيام، على ما حكاه أبو البركات تجب الكفارة، لا تجب، تجب بالوطء [دون الفرج دون القبلة وهي المشهورة، واختيار الخرقي هنا أيضا، ولا شك أن الوطء] دون الفرج أبلغ من القبلة ونحوها، واللذة به أزيد، فاقتضى زيادة في الواجب، والله أعلم.
قال: وإن نظر فصرف بصره فأمذى فعليه دم.
стр. 1318
ش: ظاهر هذا أنه إذا أمذى بمجرد النظر كان عليه دم، وعلى ذلك شرح ابن الزاغوني، لأنه إنزال يؤثر في فساد الصوم، فأوجب الكفارة، دليله إنزال المني، وظاهر كلام أبي الخطاب، وصاحب التلخيص، والشيخين - بل صريحه - أنه لا يجب والحالة هذه شيء، لأن ذلك يوجد كثيرا، لا سيما من الشبان، فالوجوب به فيه حرج. والله أعلم.
قال: فإن كرر النظر حتى أمنى فعليه بدنة.
ش: هذا إحدى الروايتين، لأن نوع استمتاع ممنوع منه، أشبه القبلة ونحوها (والثانية) - وهي المنصوصة - عليه شاه، لأنه إنزال لا عن مباشرة، أشبه الإنزال بالفكر انتهى. ولو كرر النظر فمذى فاتفق الأصحاب هنا فيما علمت أنه يجب عليه شاة، ويفهم ذلك مما تقدم من كلام الخرقي بطريق التنبيه.
وفهم من كلام الخرقي أيضا أنه متى لم ينزل بالنظر فلا شيء عليه، وهو كذلك، وقد بقي عليه من أنواع الاستمتاع الفكر، إذا أنزل به، ولا نزاع أنه لا شيء عليه إذا غلبه، وكذلك إن استدعاه، على أشهر الوجهين، وقد يقال: إنه مقتضى كلام الخرقي.
(تنبيه) : فساد النسك هنا بمنزلة وجوب الكفارة في الصوم، لأن ذلك الأمر الأغلظ فيهما، ووجوب الكفارة هنا بمنزلة فساد الصوم ثم، لأنه الأخف فيهما، فالوطء [في الفرج] موجب للفساد والكفارة في البابين، والوطء دون الفرج
стр. 1319
مع الإنزال موجب لفساد الصوم [بلا ريب] والكفارة على الأشهر، وهنا موجب للكفارة بلا ريب [وكذلك] لفساد النسك على الأشهر.
والقبلة ونحوها مع الإنزال موجب للفساد ثم بلا ريب أيضا، [غير] موجب للكفارة على الأشهر. وهنا موجب للكفارة لا الفساد على الأشهر.
وتكرار النظر بشرطه يفسد ثم، ويوجب الكفارة هنا، ولا يقتضي كفارة ثم، ولا فسادا هنا، والإنزال بالفكر المستدعى لا يوجب كفارة ثم، ولا فسادا هنا، وهل يفسد ثم، ويوجب الكفارة هنا؟ فيه وجهان، والله أعلم.
قال: وللمحرم أن يتجر.
١٥٩٢ - ش: لما روى أبو داود عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] [قال] : كانوا لا يتجرون بمنى، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات.
١٥٩٣ - وفي الصحيح عنه قال: كان ذو المجاز، وعكاظ متجر الناس
стр. 1320
في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج، والله أعلم.
قال: ويصنع الصنائع كلها.
ش: لأن ذلك في معنى التجارة، والله أعلم.
قال: ويرتجع زوجته، وعن أبي عبد الله أحمد ﵀ رواية أخرى في الارتجاع أن لا يفعل ذلك.
ش: الرواية الأولى اختيار أبي محمد، والقاضي في روايتيه، إذ الرجعية زوجة، والرجعة إمساك، قال سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولهذا لا يفتقر إلى الولي، ولا إلى الشهود.
(والثانية) : هي الأشهر عن أحمد، واختيار القاضي في التعليق في مواضع، لأنه عقد يتوصل به إلى استباحة بضع مقصود، فمنع منه الإحرام، دليله عقد النكاح. ولا يرد شراء الأمة [إذ] المقصود منه الملك، لا
стр. 1321
استباحة البضع، ولا المظاهر إذا كفر في حال الإحرام، فإنه يتوصل إلى إباحة، لكن ذلك ليس بعقد.
وقد أورد على هذا أن الرجعية مباحة فلا استباحة، فأجاب القاضي: الاستباحة تتعلق بها، وإن قلنا هي مباحة، فإنه لو تركها حتى مضت العدة حرم وطؤها، فرجعتها تبيح الوطء بعد مضي [مدة] العقد، والله أعلم.
قال: وله أن يقتل الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور.
١٥٩٤ - ش: في الصحيحين [وغيرهما] من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور " وفي رواية: " خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام» .
١٥٩٥ - – وعن عائشة ﵂ قالت: «أمر رسول الله ﷺ – بقتل خمس من الفواسق في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» . متفق عليه.
وقد شمل كلام الخرقي وكلام غيره من الأصحاب صغار هذه، وعموم الحديث [أيضا] يقتضيه، وإذا قيل: إن فسقهن لأذاهن فلا ينبغي أن يدخل في ذلك إلا من وجد فيه حقيقة الأذى، أو تأهله لذلك.
стр. 1322
(تنبيه) : المراد بالغراب [الغراب] الأبقع بلا ريب، وهو الذي في بطنه وظهره بياض، وغراب البين عندنا كذلك، نظرا لعموم الأحاديث الصحيحة ولأنه يعدو على الناس، ويحرم أكله، فهو كالأبقع، ويخرج من ذلك غراب الزرع لجواز أكله، وعدم أذاه. وقيل: المراد في الحديث الأبقع فقط، حملا للمطلق على المقيد، إذ في مسلم «والغراب الأبقع» و «الحدأة» بكسر الحاء والهمزة، «والعقور» العضوض، فعول بمعنى فاعل، أي العاقر، واختلف فيه، فقيل: هو كل سبع يعقر، نظرا لجانب اللفظ.
١٥٩٦ - ويؤيده «أن النبي ﷺ دعى على عتبة بن أبي لهب فقال: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» فافترسه الأسد.
стр. 1323
وقيل: هو الكلب المألوف، نظرا لجانب العرف، إذ الظاهر في اللام أنها لمعهود ذهني، و «الحرم» ضبطه جماعة بفتح الحاء والراء وهو الحرم المشهور، وضبطه القاضي في المشارق بضم الحاء والراء، جمع حرام، كقوله : ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] قال: والمراد به المواضع المحرمة. قال النووي: والأول أظهر.
وتمسية هؤلاء فواسق قيل: لخروجهن عن السلامة منهن
стр. 1324
إلى الأذى، وقيل: لخروجهن عن الحرمة إلى الأمر بقتلهن. وقيل: سمي الغراب فاسقا لتخلفه عن نوح، [وخروجه] عن طاعته، وأصل الفسوق الخروج، يقال: فسقت الرطبة، إذا خرجت عن قشرها، والله أعلم.
قال: وكل ما عدا عليه، أو آذاه، ولا فداء عليه.
ش: أي يجوز قتله، ويحتمل أن يريد بذلك كل ما عدا على المحرم في نفسه أو ماله، وإن لم يكن من طبعه الأذى، ولا نزاع في ذلك، لأنه إذا هو الجاني على نفسه، ويحتمل أن يريد ما في طبعه الأذى وإن لم يوجد [منه] كسباع البهائم، وجوارح الطير، كالنمر، والفهد، والبازي، والعقاب، ونحو ذلك. والزنبور، والبق، والبراغيث، وشبهها من الحشرات المؤذية، إذ قوله ﷺ : «خمس من الفواسق يقتلن» من باب ترتيب الحكم على الوصف، فحيث وجد الفسق ترتب الحكم، ثم إنه ﷺ أكد ذلك بأن عدد أنواعا، تنبيها على ما في معناها [كالعقرب] .
стр. 1325
١٥٩٧ - وفي رواية أحمد ذكر الحية تنبيها على ما يشاركها في الأذى باللسع كالبرغوث والزنبور.
والفأرة تنبيه على ما آذى بالنقب والتقريض كابن عرس ونحوه.
والغراب والحدأة تنبيه على ما يؤذي بالاختطاف كالصقر.
والكلب العقور تنبيه على كل عاد كالنمر ونحوه، والاحتمالان صحيحان [على المذهب] لكن ظاهر كلامه [هو] الأول.
وقد يقال عليه: إن ظاهر كلامه منع قتل ما عدا الخمسة المذكورة ما لم تعد عليه، ويرجحه أن في مسلم «يقتل خمس فواسق» » بالإضافة من غير تنوين، وهي إضافة بمعنى [من] أي من الفواسق. وتخصيص هذه الخمسة بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداها، ويرجح ذلك رواية ابن عمر السابقة، والله أعلم.
[صيد الحرم ونباته]
قال: وصيد الحرم حرام على الحلال والمحرم.
стр. 1326
ش: هذا إجماع من أهل العلم، ولله الحمد.
١٥٩٨ - وقد دل عليه ما روى أبو هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسول الله ﷺ مكة، قام في الناس، فحمد الله ثم أثنى عليه، ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا تحل لأحد من بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدي وإما أن يقتل» فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا. فقال رسول الله ﷺ «إلا الإذخر» فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ «اكتبوا لأبي شاه» متفق عليه واللفظ لمسلم، وفي لفظ: لا يختلى خلاه» .
١٥٩٩ - وفي الصحيحين أيضا عن ابن عباس نحوه.
وقد شمل كلام الخرقي الصيد من آبار الحرم وعيونه، ونحو ذلك، وهو إحدى الروايتين، لعموم «لا ينفر صيدها» . والثانية - وهي ظاهر كلام ابن أبي موسى - يباح ذلك، لأن الإحرام لا يحرمه، أشبه الحيوان الأهلي.
(تنبيه) : «الخلا» مقصور الحشيش الرطب. واختلاؤه قطعه و «الإذخر» بذال معجمة حشيشة طيبة الريح، تسقف بها البيوت فوق الخشب، والله أعلم.
стр. 1327
قال: وكذلك شجره ونباته، إلا الإذخر، وما زرعه الإنسان.
ش: أي يحرمان على الحلال والمحرم؛ أي قطعهما إلا الإذخر، وما زرعه الإنسان، فإن يباح أخذهما، وهذه الجملة مجمع عليها، قاله ابن المنذر، وقد تقدم قوله ﷺ : «لا يختلى شوكها» و «لا يختلى خلاه» وفي حديث ابن عباس «لا يعضد شوكها» أي لا يقطع، والإذخر قد تقدم استثناؤه، وما زرعه الآدمي – كالبقول – فالحاجة داعية إلى أخذه، ويتضرر زراعه بتركه [فهو] كالإذخر وأولى.
[وقول الخرقي: و] ما زرعه الإنسان. يحتمل اختصاصه بالزرع دون الشجر، ويحتمل أن يعم جميع ما يزرع، فيدخل الشجر، وهما وجهان للأصحاب (أحدهما) – وهو اختيار أبي الخطاب، وابن عقيل، وأبي البركات – له أخذ ما غرسه من الشجر، قياسا على الزرع، (والثاني) - وهو اختيار القاضي - ما نبت أصله في الحرم لا يباح أخذه، لعموم الحديث، وما نقل من الحل إلى الحرم يباح أخذه، نظرا إلى أصله.
وقد دخل في عموم كلام الخرقي الشوك، والعوسج،
стр. 1328
واليابس من الشجر والحشيش، وقد استثنى الشوك والعوسج ونحوهما جمهور الأصحاب، نظرا لأذاه، فهو كسباع البهائم، ومنع أبو محمد من استثنائه أخذا بصريح الحديث، واتفق الكل فيما علمت على استثناء اليابس، لأنه بمنزلة الميت، والله أعلم.
[الإحصار في الحج]
قال: وإن أحصر بعدو نحر ما معه من الهدي وحل.
ش: الحصر والمنع، يقال: حصره العدو فهو محصور، وأحصر بالمرض فهو محصر، هذا هو الأشهر قاله غير واحد، وقيل: يجوز فيهما حصر وأحصر، وهو ظاهر القرآن، ولا نزاع بين العلماء أن من منعه عدو عن الوصول إلى البيت أن له التحلل في الجملة، لقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية: قال أبو محمد: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية.
١٦٠٠ - «وعن ابن عمر ﵄: خرجنا مع رسول الله ﷺ معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ وحلق رأسه» .
١٦٠١ - وعن مسور ومروان - في حديث عمرة الحديبية والصلح - أن النبي ﷺ لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: «قوموا
стр. 1329
فانحروا ثم احلقوا» رواهما البخاري وغيره.
ويشترط لجواز الحل أن لا يجد طريقا آمنا، فإن وجد طريقا آمنا لزمه سلوكه، وإن بعد وخاف الفوات، وإذا جاز له التحلل فلا يتحلل إلا بنحر الهدي إن قدر عليه، أو ببدله إن عجز عنه، وهو الصيام، للآية الكريمة، إذ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي فالواجب ما استيسر من الهدي، أو فعليكم ما استيسر من الهدي، [أو فأهدوا ما استيسر من الهدي] ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولأن النبي ﷺ كذا فعل، نحر وأمر أصحابه أن ينحروا، وفعله خرج بيانا للأمر المشروع.
وقول الخرقي: وإن حصر أي عن البيت، بدليل قوله بعد في المريض [ولو حصر] في الحج عن عرفة وحدها لم يكن له التحلل، ولزمه المضي إلى البيت، فيتحلل بعمرة، ولا شيء
стр. 1330
عليه [على] المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين و «الثانية» له التحلل كما لو صد عن البيت، ويحتملها إطلاق الخرقي.
وقوله: وإن حصر [بعدو] يشمل في الحج وفي العمرة، وقبل الوقوف وبعده، وفي الحج الصحيح والفاسد، وهو كذلك، ويشمل إذا أحاط العدو به من جميع الجوانب، وكذلك أطلق غيره، قال صاحب التلخيص: ويحتمل عندي أنه ليس له التحلل والحال هذه، لأنه لا يتخلص منه فهو كالمرض، ويشمل الحصر العام والخاص، كما لو حصر هو وحده، بأن أخذته اللصوص، أو حبس وحده، نعم يشترط لذلك أن يكون مظلوما، فلو حبس بحق يلزمه ويمكنه أداؤه لم يكن له التحلل، ويشمل العدو الكافر والمسلم، ولا يتحقق الحصر به إلا إن احتاج في دفعه إلى قتال أو بذل مال كثير، فإن كان يسيرا والعدو مسلما فهل يجب الدفع ولا يتحلل، أو لا يجب فيتحلل؟ فيه وجهان.
وقوله: نحر ما معه من الهدي. ظاهره في الموضع الذي حصر فيه، وهو منصوص أحمد، ومختار الأصحاب، لأن النبي ﷺ لما أحصر نحر وقال لأصحابه: «قوموا فانحروا»
стр. 1331
وكان ذلك بالحديبية، وهي من الحل، قال مالك ﵀[في الموطأ] : إذا أحصر بعدو يحلق في أي موضع كان [ولا قضاء عليه] لأن رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا، وحلوا من كل شيء قبل الطواف بالبيت. مختصر ويشهد لهذا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فأخبر سبحانه أن الهدي حبس عن بلوغ محله.
وعن أحمد ﵀ رواية أخرى: ليس له نحره إلا في الحرم، فيبعث به، ويواطئ رجلا على نحره في وقت يتحلل فيه، لظاهر قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي مكانه الذي يجب نحره فيه.
١٦٠٢ - وعن عمرو بن سعيد النخعي، أنه أهل بعمرة، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ، فخرج أصحابه إلى الطريق، عسى أن يلقوا من يسألونه، فإذا هم بابن مسعود، فقال لهم: ليبعث بهدي أو بثمنه، واجعلوا بينكم وبينه أمارا يوما ما، فإذا ذبح الهدي فليحل، وعليه قضاء عمرته. وقال في المغنى: هذا والله
стр. 1332
أعلم فيمن حصره خاص أما من حصره عام فلا ينبغي أن يقال، لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل، لتعذر وصول الهدي إلى محله، وعلى هذا حكى الرواية في الكافي.
١٦٠٣ - ويشهد لذلك قول ابن عباس ﵁: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عدو أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله. رواه البخاري انتهى، ولا يرد
стр. 1333
على [هذا] فعل الرسول ﷺ وأصحابه، لأن الظاهر أن البعث تعذر عليهم.
وعن أحمد ﵀ رواية ثالثة: لا يجزئه الذبح إلا يوم النحر، إذ هذا وقت ذبحه، كذا أطلق الرواية في التلخيص، وقيدها في الكافي بما إذا ساق هديا. انتهى.
ويجب أن ينوي بذبحه التحلل به، لأن الهدي يكون لغيره، فلزمته النية طلبا للتمييز.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجب الحلاق. وهو إحدى الروايتين. «والثانية» يجب، وهو اختيار القاضي في التعليق وغيره، وبناهما أبو محمد في الكافي على أنه نسك أو إطلاق من محظور. فإن قلنا: نسك. وجب وتوقف الحل عليه، ولا يحصل إلا بثلاثة أشياء النحر مع النية والحلق، وإن قلنا: إطلاق من محظور لم يتوقف الحل عليه، فيحصل بالنحر مع النية.
стр. 1334
وقول الخرقي: وحل. ظاهره أن الحل مترتب على النحر، وقد تقدم، وسيأتي ما هو أصرح من ذلك، ولا ريب أن ذلك هو المذهب لما تقدم.
١٦٠٤ - وقال ابن عباس ﵁: «أحصر رسول الله ﷺ ، فحلق رأسه ونحر هديه، وجامع نساءه، حتى اعتمر عاما قابلا» . [رواه البخاري] . وعنه في المحرم بالحج: لا يحل إلا يوم النحر ليتحقق الفوات، لاحتمال زوال الحصر، والله أعلم.
قال: وإن لم يكن معه هدي، ولا يقدر عليه، صام عشرة أيام ثم حل.
ش: إذا لم يكن معه هدي لزمه أن يشتري هديا [إن أمكنه] للآية الكريمة، ويجزئه شاة أو سبع بدنة.
١٦٠٥ - لما روي عن علي وابن عباس ﵄ أنهما قالا: ما استيسر من الهدي [هو شاة] . رواه مالك في الموطأ عن علي مسندا، وعن ابن عباس مرسلا.
стр. 1335
١٦٠٦ - وفي الموطأ أيضا عن ابن عمر: لو لم أجد إلا أن أذبح شاة فكان أحب إلي من أن أصوم. مختصر. فإن عجز عن الشراء سقط عنه، ولزمه صيام عشرة أيام، لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل، فينتقل إليه كدم التمتع، ولا يحل إلا بعد الصيام، كما لا يحل إلا بعد نحر الهدي، إجراء للبدل مجرى المبدل، والله أعلم.
قال: وإن منع من الوصول إلى البيت بمرض أو ذهاب نفقة، بعث بهدي إن كان معه ليذبح بمكة، وكان على إحرامه حتى يقدر على البيت.
ش: إذا منع من الوصول إلى البيت بمرض أو ذهاب نفقة [أو نحو ذلك] لم يكن له التحلل في المشهور من الروايتين، والمختار للأصحاب.
١٦٠٧ - لما روى أيوب السختياني، عن رجل من أهل البصرة [كان قديما] أنه قال: خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والناس، فلم يرخص لي أحد أن
следующие страницы →