Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وكان ذلك بالحديبية، وهي من الحل، قال مالك ﵀[في الموطأ] : إذا أحصر بعدو يحلق في أي موضع كان [ولا قضاء عليه] لأن رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا، وحلوا من كل شيء قبل الطواف بالبيت. مختصر ويشهد لهذا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فأخبر سبحانه أن الهدي حبس عن بلوغ محله.
وعن أحمد ﵀ رواية أخرى: ليس له نحره إلا في الحرم، فيبعث به، ويواطئ رجلا على نحره في وقت يتحلل فيه، لظاهر قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي مكانه الذي يجب نحره فيه.
١٦٠٢ - وعن عمرو بن سعيد النخعي، أنه أهل بعمرة، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ، فخرج أصحابه إلى الطريق، عسى أن يلقوا من يسألونه، فإذا هم بابن مسعود، فقال لهم: ليبعث بهدي أو بثمنه، واجعلوا بينكم وبينه أمارا يوما ما، فإذا ذبح الهدي فليحل، وعليه قضاء عمرته. وقال في المغنى: هذا والله
стр. 1332
أعلم فيمن حصره خاص أما من حصره عام فلا ينبغي أن يقال، لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل، لتعذر وصول الهدي إلى محله، وعلى هذا حكى الرواية في الكافي.
١٦٠٣ - ويشهد لذلك قول ابن عباس ﵁: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عدو أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله. رواه البخاري انتهى، ولا يرد
стр. 1333
على [هذا] فعل الرسول ﷺ وأصحابه، لأن الظاهر أن البعث تعذر عليهم.
وعن أحمد ﵀ رواية ثالثة: لا يجزئه الذبح إلا يوم النحر، إذ هذا وقت ذبحه، كذا أطلق الرواية في التلخيص، وقيدها في الكافي بما إذا ساق هديا. انتهى.
ويجب أن ينوي بذبحه التحلل به، لأن الهدي يكون لغيره، فلزمته النية طلبا للتمييز.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجب الحلاق. وهو إحدى الروايتين. «والثانية» يجب، وهو اختيار القاضي في التعليق وغيره، وبناهما أبو محمد في الكافي على أنه نسك أو إطلاق من محظور. فإن قلنا: نسك. وجب وتوقف الحل عليه، ولا يحصل إلا بثلاثة أشياء النحر مع النية والحلق، وإن قلنا: إطلاق من محظور لم يتوقف الحل عليه، فيحصل بالنحر مع النية.
стр. 1334
وقول الخرقي: وحل. ظاهره أن الحل مترتب على النحر، وقد تقدم، وسيأتي ما هو أصرح من ذلك، ولا ريب أن ذلك هو المذهب لما تقدم.
١٦٠٤ - وقال ابن عباس ﵁: «أحصر رسول الله ﷺ ، فحلق رأسه ونحر هديه، وجامع نساءه، حتى اعتمر عاما قابلا» . [رواه البخاري] . وعنه في المحرم بالحج: لا يحل إلا يوم النحر ليتحقق الفوات، لاحتمال زوال الحصر، والله أعلم.
قال: وإن لم يكن معه هدي، ولا يقدر عليه، صام عشرة أيام ثم حل.
ش: إذا لم يكن معه هدي لزمه أن يشتري هديا [إن أمكنه] للآية الكريمة، ويجزئه شاة أو سبع بدنة.
١٦٠٥ - لما روي عن علي وابن عباس ﵄ أنهما قالا: ما استيسر من الهدي [هو شاة] . رواه مالك في الموطأ عن علي مسندا، وعن ابن عباس مرسلا.
стр. 1335
١٦٠٦ - وفي الموطأ أيضا عن ابن عمر: لو لم أجد إلا أن أذبح شاة فكان أحب إلي من أن أصوم. مختصر. فإن عجز عن الشراء سقط عنه، ولزمه صيام عشرة أيام، لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل، فينتقل إليه كدم التمتع، ولا يحل إلا بعد الصيام، كما لا يحل إلا بعد نحر الهدي، إجراء للبدل مجرى المبدل، والله أعلم.
قال: وإن منع من الوصول إلى البيت بمرض أو ذهاب نفقة، بعث بهدي إن كان معه ليذبح بمكة، وكان على إحرامه حتى يقدر على البيت.
ش: إذا منع من الوصول إلى البيت بمرض أو ذهاب نفقة [أو نحو ذلك] لم يكن له التحلل في المشهور من الروايتين، والمختار للأصحاب.
١٦٠٧ - لما روى أيوب السختياني، عن رجل من أهل البصرة [كان قديما] أنه قال: خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والناس، فلم يرخص لي أحد أن
стр. 1336
أحل، وأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر، حتى حللت بعمرة.
١٦٠٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: من حبس بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، فإن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها، أو الدواء صنع ذلك وافتدى. رواهما مالك في موطئه.
١٦٠٩ - وعن ابن عباس ﵄: لا حصر إلا حصر العدو. رواه الشافعي [في مسنده] وأيضا ما تقدم من حديث ضباعة بنت الزبير، فإن النبي ﷺ أمرها بالاشتراط خوفا من حبسها بالمرض، ولو كان المرض مبيحا للتحلل لم تكن حاجة إلى الاشتراط، ويفارق حصر العدو [لأنه ثم إذا تحلل تخلص من العدو] وهنا لا يتخلص بالتحلل مما وقع فيه.
стр. 1337
و [الرواية] الثانية - ولعلها أظهر -: له التحلل، لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إذ أحصر إن كان يستعمل للمنع بالعدو والمرض فهو شامل لهما، وإن كان للمرض - وهو الأشهر حتى قال الأزهري: إنه كلام العرب، وعليه أهل اللغة وقال الزجاج: إنه الرواية عن العرب. - فالآية إنما وردت في حصر المريض، واستفيد حصر العدو بطريق التنبيه، وبورود الآية بسببه.
١٦١٠ - «وروى الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل» قال عكرمة: فسمعته يقول ذلك، فسألت ابن عباس وأبا هريرة ﵃ عما قال فصدقاه» . رواه الخمسة وحسنه الترمذي، وزاد أبو داود في رواية أو مرض» لا يقال:
стр. 1338
هذا متروك الظاهر، لأنه لا يحل بمجرد ذلك. لأنا نقول: هذا مجاز سائغ، إذ من أبيح له التحلل فقد حل، لا يقال: فابن عباس قد خالف ذلك، وهو يضعف ما روي عنه من التصديق، لأنا نقول: غايته أن يكون مخالفا لروايته، ومخالفة الراوي لظاهر الحديث [لا] يقدح فيه، على المشهور من قولي العلماء، وأصح الروايتين عن أحمد، وحمله على الحل بالفوات، أو على الاشتراط بعيد جدا، وما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ فقد تقدم عن ابن مسعود ما يخالفه، وحديث ضباعة في الاشتراط فيه فائدة غير الحل، وهو عدم وجوب شيء، وكونه لا يتخلص من الأذى الذي به ممنوع، فإنه يتخلص من مشقة الإحرام، ثم رجوعه إلى بلده أخف عليه من بقائه على الإحرام حتى يقدر على البيت، ثم يرجع إلى بلده.
فعلى هذه الرواية حكمه حكم من حصر بعدو، وينحر الهدي، أو يصوم إن لم يجد الهدي ثم يحل، وعلى المشهور
стр. 1339
إن كان ساق هديا بعث به ليذبح بمكة، ثم إن فاته الحج تحلل بعمرة كغير المريض.
(تنبيهان) : «أحدهما» حيث تحلل المحصر بعدو أو مرض ونحوه فلا قضاء عليه على إحدى الروايتين، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي وابنه [أبي الحسين] وغيرهما، لما تقدم عن ابن عباس: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ. الحديث، ولأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمر من حل معه بالحديبية أن يقضوا، والظاهر أنه لو وقع لنقل.
«والرواية الثانية» يجب القضاء، لأن النبي ﷺ لما تحلل قضى من قابل.
١٦١١ - «وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ؟! إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت، وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء، حتى يحج عاما قابلا، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا» . رواه البخاري وغيره. (وأجيب) بأنه لا نزاع في القضاء، إنما النزاع في وجوبه، وقول ابن عمر يحمل على من تحلل من حج واجب، فإنه لا نزاع في قضاء ذلك نظرا للوجوب السابق.
стр. 1340
(التنبيه الثاني) : «عرج» [بفتح الراء] يعرج إذا أصابه شيء في رجليه فجمع ومشى مشية العرجان، وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: [عرج] بالكسر قاله المنذري، وقال الزمخشري: «عرج» بالفتح إذا تعارج، وعرج بالكسر إذا كان خلقة، والله أعلم.
قال: وإن قال: أنا أرفض إحرامي وأحل. فلبس المخيط، وذبح الصيد، وعمل ما يعمله الحلال، كان عليه في كل فعل فعله دم [وكان على إحرامه] .
ش: [يعني] إذا قال الممنوع من البيت بمرض ونحوه: أنا أترك إحرامي وأحل. فإن إحرامه لا يرتفض بهذا، لأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد، فلا يخرج منها بالرفض، بخلاف سائر العبادات، وإذا يلزمه فداء كل جناية جناها على إحرامه، لبقائه في حقه، ولا يلزمه بالرفض شيء، لأنها نية لم تؤثر، والله أعلم.
قال: وإن كان وطىء فعليه للوطء بدنة، مع ما يجب عليه من الدماء.
ش: كما لو وطىء من غير رفض، لبقاء الإحرام، وقد فهم من فحوى كلام الخرقي أن المحرم لو رفض إحرامه من غير حصر لم يرتفض، والله أعلم.
стр. 1341
قال: ويمضي في حج فاسد.
ش: يعني من وطىء فقد فسد حجه كما تقدم، ويجب عليه أن يمضي فيه فيفعل ما يفعله من حجه صحيح من الوقوف والمبيت بمزدلفة، والرمي، وغير ذلك، ويجتنب ما يجتنبه من حجه صحيح من الوطء ثانيا، وقتل الصيد وغيرهما، حتى لو جنى جناية على هذا النسك الفاسد، لزمه فداؤها، لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو شامل للصحيح والفاسد، وقد يقال الفاسد ليس بحج، إذ الحقائق الشرعية إنما تحمل على صحيحها، دون فاسدها، والمعتمد. في ذلك قول الصحابة؛ عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس ﵃ وقد تقدم ذلك عنهم، والله أعلم.
قال: ويحج من قابل والله أعلم بالصواب.
ش: لما [تقدم عن] الصحابة أيضا.
(تنبيه) : إن كان ما فسد واجبا قبل الإحرام كحجة الإسلام، والمنذورة، والقضاء أجزأت الحجة من قابل عن ذلك، وإن كان تطوعا فبالإحرام وجب تمامه، فإذا أفسده وجب قضاؤه، والله أعلم.
стр. 1342
[باب ذكر الحج ودخول مكة]
نبدأ وبالله التوفيق قبل الشروع في ذلك بحديث جابر في صفة حج النبي ﷺ ، فإنه حديث عظيم، يعرف منه غالب المناسك.
١٦١٢ - «قال جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين. فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بابن أخي، سل عما شئت. فسألته - وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة، فقام في ساجة ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ . فقال بيده، فعقد تسعا، فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: إن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ -
стр. 1343
ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال «اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي» فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت مد بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك له لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ شيئا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵊، فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه
стр. 1344
وبين البيت، فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله ﷺ ، كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أبدأ بما بدأ الله» فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، ووحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، [سعى] حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر الطواف عند المروة قال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة» [فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه الهدي] فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله
стр. 1345
ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه [واحدة] في الأخرى، وقال «دخلت العمرة في الحج» مرتين «لا بل لأبد أبد» وقدم علي بن أبي طالب من اليمن ببدن [رسول الله ﷺ ] فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، قال: وكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة، للذي صنعت. مستفتيا لرسول الله ﷺ – فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: «صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟» قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ . قال: «فإن معي الهدي، قال: فلا تحل» قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به على من اليمن، والذي أتى به رسول الله ﷺ مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم الروية توجهوا إلى منى، وأهلوا بالحج، فركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، فأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر
стр. 1346
الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: «إن دماءكم، وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي [موضوع، ودماء الجاهلية تحت قدمي] وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم
стр. 1347
تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت، ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ ، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى «أيها الناس السكينة السكينة» كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء [بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح] بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله، ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن العباس، وكان رجلا حسن الشعر، أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ [يده] على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق
стр. 1348
الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده [من الشق] الآخر [على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق] ينظر حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على بئر زمزم، فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلوا فشرب منه» . رواه أبو داود، وابن ماجه، [ومسلم] وهذا لفظه، وله في رواية أخرى «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف» » .
стр. 1349
(تنبيه) : محمد بن علي بن حسين هو الباقر، والذي فعله معه جابر من وضع كفه بين ثدييه ونحره تأنيسا به، ورقا عليه، أو تبركا بالذرية الطاهرة، «ومرحبا» كلمة تقال عند المسرة للقادم، ومعناها: صادفت رحبا، أي سعة. «والساجة» الطيلسان، ويقال لها أيضا «الساج» وقيل: هي الخضر خاصة وفي رواية أبي داود «نساجة» بكسر النون، ضرب من الملاحف المنسوجة، وقوله: بشر كثير. قيل حضر معه حجة الوداع أربعون ألفا. «والمشجب» بكسر الميم وبالشين المعجمة، وباء موحدة بعد الجيم [عيدان تضم رءوسها] ، ويفرج بين قوائهما، توضع الثياب عليها، وقد تعلق عليها الأسقية، لتبريد الماء، «واستثفري» بالثاء المثلثة، وقد تقدم معناه، وفي أبي داود «واستفذري» بذال معجمة، قيل: مأخوذ من «الذفر» وهو كل ريح ذكية من طيب أي تستعمل طيبا يزيل هذا الشيء عنها، «والقصوى» بفتح القاف ممدود وقيل ومقصور - ناقة رسول الله ﷺ [والقصواء هي
стр. 1350
الناقة التي قطع طرف أذنها. فقيل: كانت ناقته [ ﷺ ] كذلك وقيل - وهو المشهور: إنما كان [هذا] لقبا لها، لأنها كانت لا تكاد تسبق، كان عندها أقضى الجري.
وقوله في الصفا: فرقي عليه. أي صعد، بكسر القاف على الأشهر.
وقوله: محرشا على فاطمة. التحريش الإغراء بين القوم والبهائم، وتهييج بعضهم على بعض، وهو ههنا ذكر ما يوجب عتابه لها.
ويوم التروية هو [اليوم] الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده، وقيل: لأن قريشا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحجاج تسقيهم وتطعمهم، فيروون منه. وقيل: لأن الإمام يروي للناس فيه من أمر المناسك. وقيل: لأن إبراهيم تروى فيه في ذبح
стр. 1351
ولده. «والمورك» بكسر الراء المرفقة التي تكون عند قادمة الرحل، يضع الراكب رجله عليها، يستريح من وضع رجليه في الركاب، شبه المخدة الصغيرة و «الوسامة» الحسن الوضيء الثابت «والإفاضة» الدفع في السير، قيل: أصلها الصب، فاستعيرت لذلك «والبضعة» بفتح الباء القطعة من اللحم. «وحبل المشاة» بفتح الحاء المهملة، أي صفهم ومجتمعهم في مشيهم، وقيل: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقوله: «كلما أتى حبلا» الحبل المستطيل [من الرمل] وقيل: الحاج دون الحبال.
وقوله: ينكتها. بالتاء ثالث الحروف، هذه الرواية، وروي: ينكبها. بالباء الموحدة، قال المنذري: وهو الصواب أي يميلها إليهم، يشهد الله عليهم.
وقوله: «بكلمة الله» قيل: قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقيل: إباحة الله الزواج، وإذنه فيه.
وقوله: «تكرهونه» قيل: أن لا يستخلين مع الرجال، وليس المراد الزنا، لأنه حرام مع من يكرهه أو [من] لا يكرهه، «مبرح» أي غير مؤثر ولا شاق. «والظعن» بضم العين المهملة وسكونها، جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج، فإذا لم تكن فيه فليست بظعينة.
وتحريكه في بطن محسر: قال الشافعي: يجوز أنه فعله لسعة الموضع، أو لأنه مأوى الشياطين.
стр. 1352
١٦١٣ - و «حصى الخذف» قال الشافعي: أصغر من الأنملة طولا وعرضا، وقال عطاء: مثل طرف الإصبع.
١٦١٤ - و «الناس» في قوله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قيل: آدم، وقيل: إبراهيم، وقيل: سائر العرب. والله أعلم.
قال: وإذا دخل المسجد الحرام فالاستحباب له أن يدخل من باب بني شيبة.
ش: اقتداء بالنبي ﷺ .
١٦١٥ - فعن ابن عمر ﵄، قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى» . متفق عليه. وعلى هذا استمر فعل الأمة سلفا بعد سلف، والله أعلم.
стр. 1353
قال: فإذا رأى البيت رفع يديه.
١٦١٦ - ش: لما روي عن ابن جريج «أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتكريما، وتعظيما [ومهابة، وزد من شرفه وكرمه - ممن حجه واعتمره - تشريفا، وتعظيما، وتكريما] وبرا» رواه الشافعي في مسنده، والله أعلم.
قال: وكبر.
ش: إشعارا بعظمة الرب .
١٦١٧ - وفي حديث ابن عباس قال: «طاف رسول الله ﷺ على بعير،
стр. 1354
كلما أتى على] الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر» . رواه البخاري والرائي للبيت آت على الركن، والله أعلم.
[طواف التحية وتقبيل الحجر الأسود]
قال: ثم أتى الحجر الأسود - إن كان - فاستلمه إن استطاع وقبله.
ش: لما تقدم في حديث جابر: «حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن» .
١٦١٨ - «وعن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر، ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» . رواه الجماعة.
وقوله: ثم أتى الحجر الأسود إن كان. أي إن كان الحجر في مكانه، [أما إن لم يكن الحجر في مكانه] والعياذ بالله - كما وقع ذلك في زمن الخرقي ﵀، لما أخذته القرامطة - فإنه يقف مقابلا لمكانه، ويستلم الركن، عملا بما استطاع، والله أعلم.
стр. 1355
قال: فإن لم يستطع قام حياله، ورفع يديه، وكبر الله تعالى وهلله.
ش: إذا لم يستطع الاستلام والتقبيل المندوبين وأمكنه الاستلام بشيء في يده فعل.
١٦١٩ - لأن النبي ﷺ طاف على بعير يستلم الركن بمحجنه، وإن لم يمكنه قام حياله، ورفع يديه مشيرا بهما إليه، وكبر الله وهلله.
١٦٢٠ - لما روي «عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال له «يا عمر إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر» رواه أحمد.
١٦٢٠ - م - وله أيضا عن ابن عباس: «طاف رسول الله ﷺ على بعير، كلما أتى [على] الركن أشار إليه بشيء في يده [وكبر» ] .
١٦٢١ - وقال بعض الأصحاب: يقول إذا استلمه «بسم الله، والله أكبر، إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا
стр. 1356
لسنة نبيك محمد ﷺ » لأن ذلك يروى عن النبي ﷺ .
(تنبيه) : والاستلام مسح الحجر باليد، أو بالقبلة، افتعال من السلام وهو التحية، ولذلك أهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا، أي أن الناس يحيونه، قاله الأزهري، وقال القتيبي والجوهري: افتعال من السلام وهي الحجارة، واحدها «سلمة» بكسر اللام، يقول: استلمت الحجر. إذا لمسته، كما يقول: اكتحلت من الكحل، وقيل: افتعال من المسالمة، كأنه فعل ما يفعله المسالم [انتهى. وقيل: الاستلام] أن يحيى نفسه عند الحجر بالسلام لأن الحجر لا يحييه، كما يقال: اختدم. إذا لم يكن له خادم، وقال ابن الأعرابي: هو مهموز الأصل، ترك همزه، مأخوذ من المسالمة وهي الموافقة، وقيل: من الملاءمة وهي السلاح، كأنه خص نفسه بمس الحجر. انتهى.
стр. 1357
و «المحجن» عصا محنية الرأس. والله أعلم.
قال: واضطبع بردائه.
١٦٢٢ - ش: لما روى يعلى بن أمية «أن النبي ﷺ طاف مضطبعا، وعليه رداؤه» . رواه ابن ماجه، والترمذي، وأبو داود، وأحمد ولفظه: «لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له أخضر» . والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر [سمي بذلك لإبداء الضبعين، وهما ما تحت الإبط، وهل يسير إلى آخر الطواف أو إلى آخر الرمل؟ فيه روايتان، والله أعلم] . قال: ورمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعا.
ش: كذلك قال جابر: رمل ثلاثا، ومشى أربعا.
١٦٢٣ - وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر «أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا، ومشى أربعا» ، لا يقال: فالرسول [إنما] فعل هذا لإظهار الجلد للكفار.
стр. 1358
١٦٢٤ - كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم وقد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين، ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم، ولا أجلد من هؤلاء. قال ابن عباس ﵄: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم» . وقد زال ذلك. لأنا نقول: قد فعل ذلك رسول الله ﷺ في حجة الوداع، كما ثبت في حديث جابر وغيره، بعد زوال ذلك المعنى.
١٦٢٥ - وقد جاء عن ابن عباس ﵄ قال: «رمل رسول الله ﷺ في حجته وفي عمره كلها، وأبو بكر، وعمر، والخلفاء» . رواه أحمد.
١٦٢٦ - وعن أسلم: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: فيم الرملان، والكشف عن المناكب، وقد أطأ الله تعالى الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ لكن مع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله مع رسول الله ﷺ . رواه أبو داود.
стр. 1359
(تنبيه) : «الرمل» قال الجوهري: الرمل الهرولة، وقال الأزهري: الإسراع، وفسر الأصحاب الرمل بإسراع المشي، مع تقارب الخطا من غير وثب، «والوهن» الضعف، «والجلد» القوة والصبر. «والأشواط» جمع شوط، والمراد به المرة الواحدة من الطواف بالبيت، و «أطأ» مهد وثبت، والهمزة بدل من الواو، مثل (أقت) من وقت. والله أعلم.
قال: كل ذلك من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود.
ش: أي ما تقدم من أن الرمل في الثلاثة الأشواط، والمشي في الأربعة يكون من الحجر إلى الحجر. لما تقدم من حديثي جابر وابن عمر.
١٦٢٧ - وفي الصحيح عن جابر «أن رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه» .
١٦٢٨ - وكذلك في حديث ابن عمر في الصحيح: رمل من الحجر إلى الحجر. وهذان يقدمان على حديث ابن عباس: أنه لم
стр. 1360
يرمل بين الركنين، لتأخرهما عنه، واحتمال أن ذلك مختص بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم. يؤيد هذا عمل جلة الصحابة على ما قلناه.
وقد فهم من مجموع ما تقدم أن الداخل للبيت أول ما يبدأ بالطواف، ما لم تقم الصلاة ونحو ذلك، اقتداء بفعل رسول الله ﷺ وفعل أصحابه، إذ هو تحية المسجد، كما أن الصلاة تحية بقية المساجد، وقال صاحب التلخيص تبعا لابن عقيل: أول ما يبدأ بتحية المسجد، اعتمادا على عموم «إذا دخل أحدكم المسجد» الحديث. وجعلا الطواف تحية الكعبة، والاعتماد على الأول. والله أعلم.
قال: ولا يرمل في جميع طوافه إلا هذا.
стр. 1361
ش: لا يرمل في طواف الزيارة، ولا طواف الوداع [ولا غيرهما] إلا في الطواف أول ما يقدم مكة، وهو طواف القدوم، أو طواف العمرة، لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما رملوا في ذلك، هذا اختيار الشيخين وغيرهما، وزعم القاضي وصاحب التلخيص أنه لو ترك الرمل في القدوم، أتى به في الزيارة، وأنه لو رمل في القدوم ولم يسع عقبه، فإذا طاف للزيارة رمل، حذارا من أن يكون التابع - وهي السعي - أكمل من المتبوع لوجود الرمل فيه، والله أعلم.
قال: وليس على أهل مكة رمل.
ش: قال أحمد: ليس على أهل مكة رمل عند البيت، ولا بين الصفا والمروة، وذلك لأن الرمل [في الأصل] كان لإظهار الجلد، وذلك معدوم في أهل مكة، وحكم من أحرم من مكة حكم أهلها.
(تنبيه) : يسن الاضطباع لمن يسن له الرمل، والله أعلم.
قال: ومن نسي الرمل فلا إعادة عليه.
ش: لأنه هيئة فلا تجب إعادته، كهيئات الصلاة، ولا فرق في ذلك بين العامد والناسي، بناء على أنه سنة.
стр. 1362
وظاهر كلام الخرقي أن من تركه عامدا عليه الإعادة، وقد يحمل على استحباب الإعادة، ليأتي بما فعله رسول الله ﷺ [وأصحابه] وليخرج من الخلاف، فإن بعض العلماء أوجب في تركه دما، والله أعلم.
[شروط صحة الطواف وسننه]
قال: ويكون طاهرا في ثياب طاهرة.
ش: يشترط للطائف أن يكون طاهرا من الحدث والخبث، في ثياب صفتها أنها طاهرة في المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين.
١٦٢٩ - لما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه النسائي والترمذي وهذا لفظه، وحكم المشبه حكم المشبه به، فيثبت له ما يثبت له.
стр. 1363
١٦٣٠ - وقد عمل على هذا الصحابة فقال ابن عمر: أقلوا من الكلام، فإنما أنتم في صلاة. رواه النسائي.
١٦٣١ - وفي الصحيح «أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂[لما حاضت] «فعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» » .
١٦٣٢ - وفي حديث أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يطوف بالبيت عريان» والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
(والرواية الثانية) : أن ذلك واجب، يجبر بالدم، وليس بشرط، لإطلاق: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ومن طاف
стр. 1364
وهو كذلك فقد طاف به، ولأن الطواف فعل من أفعال الحج، فلم تكن الطهارة شرطا فيه، كالسعي، والوقوف.
وأجيب بأن هذين لا تجب لهما الطهارة، والطواف تجب له الطهارة، وعن الآية بأن الطواف والحالة هذه منهي عنه، فلا يدخل تحت الأمر.
(تنبيه) : نص أحمد الذي أخذ منه الرواية الثانية فيما إذا تركه ناسيا قال: يهريق دما [وقال: الناسي أهون] . فأخذ من ذلك القاضي ومن بعده رواية الوجوب، فيجبر [بالدم] مطلقا. وأجرى أبو حفص العكبري النص على ظاهره، فقال: لا يختلف قوله إذا تعمد أنه لا يجزئه، واختلف قوله في الناسي على قولين، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ليس في كلامه تصريح بالاشتراط ولا عدمه، إنما يدل على الوجوب، والله أعلم.
قال: ولا يستلم ولا يقبل من الأركان إلا الأسود واليماني.
ش: أما كونه لا يستلم الركن العراقي ولا الشامي - وهما اللذان يليان الحجر -.
١٦٣٣ - «فلقول ابن عمر ﵄: لم أر رسول الله ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانين» . متفق عليه.
стр. 1365
١٦٣٤ - وعن أبي الطفيل قال: كنت مع ابن عباس، ومعاوية لا يمر بركن إلا استلمه، فقال له ابن عباس: إن النبي ﷺ لم يكن يستلم إلا الحجر الأسود، والركن اليماني. فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا. رواه الترمذي وغيره.
١٦٣٥ - وفي أبي داود «أن ابن عمر قال: إني لأظن رسول الله ﷺ لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد البيت، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك» .
وأما كونه لا يقبلهما؛ فلعدم ورود ذلك.
وأما كونه يستلم الأسود واليماني؛ فلما تقدم من حديث ابن
стр. 1366
عمر وابن عباس ﵃.
١٦٣٦ - وعن عبيد بن عمير «أن ابن عمر ﵄ كان يزاحم على الركنين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنك تزاحم على الركنين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحمه. فقال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مسحهما كفارة للخطايا» وسمعته يقول: «من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه، كان كعتق رقبة» وسمعته يقول: «لا يرفع قدما، ولا يحط قدما إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة» رواه النسائي والترمذي.
стр. 1367
وأما كونه يقبلهما، أما الأسود فلما تقدم، ولا نزاع فيه، وأما اليماني فظاهر كلام الخرقي أنه يقبله.
١٦٣٧ - لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يقبل الركن اليماني، ويضع خده عليه» . رواه الدارقطني.
١٦٣٨ - وعنه أيضا قال: «كان النبي ﷺ إذا استلم الركن اليماني قبله» رواه البخاري في تاريخه.
وقال أحمد في رواية الأثرم: يضع يده. فقيل له: ويقبل؟ فقال: يقبل الحجر الأسود. وعلى هذا الأصحاب، القاضي، والشيخان، وجماعة، لأن المعروف المشهور في الصحاح والمسانيد إنما هو تقبيل الأسود. وحديث ابن عباس ﵄ قال ابن المنذر: لا يصح.
стр. 1368
(وفي المذهب) قول ثالث أنه يقبل يده إذا مسه تنزيلا له منزلة بين منزلتين، والله أعلم.
قال: ويكون الحجر داخلا في الطواف، لأن الحجر من البيت.
ش: أي يكون طوافه خارجا عن الحجر، فلو طاف في الحجر، أو على جداره لم يجزئه، لما علل به الخرقي من أن الحجر من البيت، والله سبحانه قد أمر بالطواف بالبيت [جميعه بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ومن ترك بعضه لم يطوف به، إنما طاف ببعضه.
١٦٣٩ - والدليل على أن الحجر من البيت ما «روت عائشة ﵂ قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأدخلني في الحجر فقال لي: «صلي فيه إن أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة منه، وإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي.
стр. 1369
١٦٤٠ - وعنها أيضا «قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، أمن البيت هو؟ قال: «نعم» قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ فقال: «إن قومك قصرت بهم النفقة» قالت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: «فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الحجر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض» متفق عليه.
(تنبيه) : المشي على شاذروان البيت كالمشي على الجدار، لأنه من البيت، نعم لو مس الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح، لأن معظمه خارج من البيت، وقدر الشاذروان ستة أذرع، قاله في التلخيص، وقال ابن أبي الفتح نحو سبعة أذرع، والله أعلم.
стр. 1370
قال: ويصلي ركعتين خلف المقام.
ش: أي إذا فرغ من الطواف صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، لما تقدم من حديث جابر، وقد بين النبي ﷺ مستنده في ذلك، وهو قوله سبحانه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] والمستحب أن يقرأ فيهما بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لما تقدم من حديث جابر، ولو قرأ فيهما بغير ذلك، أو لم يصلهما خلف المقام فلا بأس.
١٦٤١ - وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه ركعهما بذي طوى، وهما أيضا سنة.
١٦٤٢ - لقول النبي ﷺ «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة» الحديث.
следующие страницы →