Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
قولين، واتفق الفريقان على وجوب الأرش عند تعذر الرد، على مقتضى قول المجد، والله أعلم.
[الانتفاع بالمرهون]
قال: ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء إلا ما كان مركوبا أو محلوبا، فيركب ويحلب بقدر العلف.
ش: نماء الرهن ملك للراهن، إذ النماء تابع للملك.
٢٠٢٨ - وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه، وعليه غرمه» رواه الشافعي والدارقطني وحسن إسناده، وروي مرسلا عن سعيد، وناهيك بمراسيله،
стр. 1892
قال الشافعي ﵀: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه ونقصه، انتهى، وإذا كان النماء للراهن فلا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، لا من الأصل، ولا من النماء.
٢٠٢٩ - لقول النبي ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» نعم إن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع، ولم يكن الدين عن قرض جاز لوجود طيب النفس.
٢٠٣٠ - وإن كان الدين عن قرض لم يجز، حذارا من «قرض جر منفعة» .
стр. 1893
وهل يستثنى مما تقدم إذا كان الرهن مركوبا أو محلوبا أو لا؟ فيه روايتان (إحداهما) لا، فلا ينتفع المرتهن من ذلك بشيء إلا بإذن مالكه، كما تقدم للحديث.
٢٠٣١ - وعن إبراهيم النخعي - وذكر له قوله ﷺ : «الرهن محلوب ومركوب» - فقال: إن كانوا ليكرهون أن يستمتعوا من الرهن بشيء. رواه البيهقي.
(والثانية) : - وهي المشهورة، والمعمول عليها في المذهب - للمرتهن أن يركب ما يركب، ويحلب ما يحلب، بمقدار العلف، متحريا للعدل في ذلك.
٢٠٣٢ - لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب
стр. 1894
بنفقته إذا كان محلوبا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي، وقول الشافعي ﵀: يشبه قول أبي هريرة أن من رهن ذات ظهر ودر لم يمنع الراهن ظهرها ودرها، لأن له رقبتها.
٢٠٣٣ - يرده ما في المسند «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته» فجعل المنفق هو المرتهن، فيكون هو المنتفع، ثم قوله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته» أي بسبب نفقته، وهو إشارة إلى أن الانتفاع عوض النفقة، وذلك إنما يتأتى في المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه ليسا بسبب المعاوضة، وإنما ذلك بسبب الملك، ولأن ذلك محض مصلحة، من غير مفسدة، ومبنى الشرع على ذلك، وبيانه أن منفعة الركوب لو تركت لذهبت مجانا، وكذلك اللبن لو ترك لفسد، وبيعه أولا
стр. 1895
فأولا ربما تعذر، ثم هذا الحيوان لا بد له من نفقة، فأخذها من مالكه ربما أضر به، وربما تعذر أخذها منه، فإن بيع بعض الرهن فيها فقد يفوت الرهن بالكلية، فجوز الشارع للمرتهن الإنفاق والاستيفاء بقدره، إذ لا حرج عليه في ذلك، بل فيه دفع الحرج عنه، وحفظ الرهن، وإذا تحصل المصلحة من الطرفين. انتهى.
ويدخل في المحلوب إذا كانت أمة مرضعة، فإن للمرتهن أن يسترضعها بقدر نفقتها، كما أشار إليه أبو بكر في التنبيه، ونص عليه ابن حمدان، وهل يلحق بالمركوب والمحلوب ما يخدم من عبد أو أمة؟ فيه روايتان (أشهرهما) لا، قصرا للنص على مورده، كما أشار إليه الإمام في رواية الأثرم، إذ الأصل المنع مطلقا.
٢٠٣٤ - لقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» خرج منه ما تقدم (والثانية) نعم، قياسا على ما تقدم، لفهم العلة وهو ذهاب المنفعة.
إذا عرف هذا فشرط الاستيفاء أن يكون بقدر العلف، مع تحري العدل، ولا ينهك ولا يعجف بالركوب والحلاب، حذارا من الضرر المنفي شرعا، ثم إن فضل من اللبن شيء عن النفقة ولم يمكن بقاؤه إلى وقت حلول الدين، فإن المرتهن يبيعه إن أذن له في ذلك، أو الحاكم إن لم يؤذن
стр. 1896
له، ويجعل ثمنه رهنا، وإن فضل من النفقة شيء رجع به على الراهن، قاله أبو بكر، وابن أبي موسى، وغيرهما، وظاهر كلامهم الرجوع هنا، وإن لم يرجع إذا أنفق على الرهن في غير هذه الصورة، لكن ينبغي إذا أنفق متطوعا أنه لا يرجع بلا ريب.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط لجواز الإنفاق والاستيفاء - فيما تقدم - تعذر النفقة من المالك بامتناعه أو غيبته، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب في الهداية، وأبي البركات، وطائفة، وصرح به أبو محمد في المغني، نظرا لإطلاق الحديث، وشرط أبو بكر في التنبيه امتناع الراهن من النفقة، والقاضي في الجامع الصغير، وأبو الخطاب في خلافه وصاحب التلخيص وغيرهم غيبة الراهن، وابن عقيل في التذكرة إذا لم يترك له راهنه نفقة، وينبغي أن يكون هذا محل وفاق.
(تنبيه) : قوله ﷺ : «لا يغلق الرهن» في رواية «من صاحبه» الحديث أي لا يستحقه المرتهن، يقال: غلق الرهن إذا لم يوف الراهن الحق، فاستحق المرتهن الرهن، قال زهير:
стр. 1897
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
فأخبر النبي ﷺ أن الرهن لا يغلق، وقد جاء ذلك صريحا في حديث مرسل.
٢٠٣٥ - فروى البيهقي في سننه بسنده إلى معاوية بن عبد الله بن جعفر، قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن» وإن رجلا رهن دارا بالمدينة إلى أجل، فلما جاء الأجل قال الذي ارتهن: هي لي. فقال رسول الله ﷺ : لا يغلق الرهن» انتهى.
٢٠٣٦ - وقال معمر: قلت للزهري: يا أبا بكر قوله: «الرهن لا يغلق» قال: يقول: إن لم آتك إلى كذا وكذا فهو لك. والله أعلم.
- قال: وغلة الدار وخدمة العبد، وحمل الشاة وغيرها، وثمرة الشجرة المرهونة من الرهن.
стр. 1898
ش: نماء الرهن كأجرة الدار والعبد، وما يكتسبه باصطياد ونحوه وثمرة الشجرة وولد الأمة ونحو ذلك تبع للرهن، فيكون مرهونا كالأصل، لأنه حكم ثبت في العين بعقد المالك، فدخل فيه النماء والمنافع كالملك، ولا يرد قوله ﷺ : له غنمه لأنا نقول بموجبه، وأن الغنم مال للراهن، ولا يمنع ذلك من تعلق حق المرتهن به كالأصل.
ومقتضى كلام الخرقي ﵀ جواز إجارة المرهون في الجملة، مع بقائه على الرهنية واللزوم، لقوله: وغلة الدار. ولا غلة للدار إلا بالإجارة، وهذا اختيار أبي محمد، وإحدى الروايتين عن أحمد ﵀ نص عليها في رواية ابن منصور، فقال: له أن يكريه بإذن الراهن، وتكون الأجرة للراهن.
(والثانية) : يزول لزوم الرهن بذلك، أومأ إليها في رواية ابن منصور أيضا، في رجل ارتهن دارا فأكراها من صاحبها، فلا تكون رهنا حتى ينقضي ذلك، فإذا انقضى كراه رجعت إليه وصارت رهنا، ونحوه نقل ابن ثواب، وهذا اختيار أبي بكر في الخلاف، قال: إن منافع الرهن تعطل، ومبنى الخلاف على ما أشار إليه أبو الخطاب في
стр. 1899
الانتصار، أن مقصود الرهن هل هو الاستيفاء من ثمنه، عند تعذر الاستيفاء من الغريم، والاختصاص به دون بقية الغرماء، وذلك لا ينافي إجارته، أو ذلك مع استحقاق حبسه، وكونه تحت اليد على الدوام، والإجارة تخرجه عن يده.
وفي المذهب قول ثالث: إن أجر المرتهن بإذن الراهن فالرهن بحاله، لعدم خروجه عن يد المرتهن وتصرفه، وإن أجر الراهن بإذن المرتهن، خرج من الرهن، لخروجه إلى يد الراهن، وإلى هذا القول ميل أبي الخطاب، ومنصوص أحمد مما يدل على ذلك، ومحل الخلاف إذا اتفقا على الإيجار، أما إن امتنع أحدهما من الإيجار فإن منافعه تعطل على المذهب، واختار ابن حمدان أنها لا تعطل، فيجبر من أبى منهما على الإيجار، والحكم في إعارته كالحكم في إجارته، والله أعلم.
[مؤونة الرهن]
قال: ومؤونة الرهن على الراهن.
ش: مؤونة الرهن من طعام، وكسوة، ومسكن، وغير ذلك على الراهن، لأنه ملكه، فكان ذلك عليه كبقية الأملاك، وقد تقدم قوله ﷺ : «له غنمه، وعليه غرمه» والمؤونة من الغرم، والله أعلم.
стр. 1900
قال: وإن كان عبدا فمات فعليه كفنه.
ش: لأن الكفن من الغرم وهو عليه، والله أعلم.
قال: وإن كان مما يخزن فعليه كراء مخزنه.
ش: لأنه من مؤونته، وهي عليه لما تقدم، والله أعلم.
[تلف الشيء المرهون]
قال: والرهن إذا تلف بغير جناية من المرتهن، رجع المرتهن بحقه عند محله، وكانت المصيبة فيه من راهنه، وإن كان تعدى المرتهن، أو لم يحرزه ضمن.
ش: الرهن أمانة في يد المرتهن، لما تقدم من قول النبي ﷺ : «لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه، وعليه غرمه» وهذا يدل على أن الغرم على الراهن لا المرتهن، وهذا هو المذهب المعروف. ونقل أبو طالب عن أحمد إذا ضاع الرهن عند المرتهن لزمه. وظاهرها لزوم الضمان له مطلقا، لكن تأول ذلك القاضي على ما إذا تعدى، وأبى ذلك ابن عقيل، جريا على الظاهر.
٢٠٣٧ - وبالجملة استدل لهذه الرواية بما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: الرهن بما فيه رواه الدارقطني والبيهقي، لكنه ضعيف، بل قيل: إنه موضوع. على أنه يحتمل أنه محبوس بما
стр. 1901
فيه، وبما روي «عن عطاء أن رجلا رهن فرسا فنفق في يده، فقال رسول الله ﷺ للمرتهن: «ذهب حقه» رواه الدارقطني أيضا وغيره، وهو ضعيف أيضا مع إرساله،
стр. 1902
وقد قال أحمد: مرسلات سعيد صحاح، وأما الحسن وعطاء فهي أضعف المرسلات، لأنهما كانا يأخذان عن كل.
٢٠٣٨ - قال الشافعي: ومما يدلك على وهن هذا عند عطاء إن كان رواه أن عطاء يفتي بخلافه، ويقول فيما ظهر هلاكه أمانة، وفيما خفي هلاكه: يترادان الفعل. انتهى.
ويتفرع على المذهب أن المصيبة فيه كأنها حصلت من راهنه، فلو تلف أن نقص كان ذلك على راهنه، وحق المرتهن بحاله، يرجع به عند محله، هذا كله إذا لم يتعد المرتهن ولم يفرط، أما إن تعدى - بأن استعمل الرهن - أو فرط - بأن لم يحرزه حرز مثله ونحو ذلك - فإنه يضمن، كما يضمن المودع ونحوه، والله أعلم.
- قال: وإن اختلفا في القيمة فالقول قول المرتهن مع يمينه.
ش: حيث لزم المرتهن الضمان، فاختلف هو والراهن في قيمة العين، وهي تالفة أو ناقصة بأن يدعي الراهن مثلا أن قيمتها ثلاثون، ويدعي المرتهن أن قيمتها عشرون، ولا بينة بما قال واحد منهما، فالقول في ذلك قول المرتهن، لأنه
стр. 1903
غارم، ومنكر للزيادة، والقول قول المنكر مع يمينه، والله أعلم.
قال: وإن اختلفا في قدر الحق فالقول قول الراهن مع يمينه، إذا لم يكن لواحد منهما بما قال بينة.
ش: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق الذي به الرهن، مثل أن يقول الراهن: رهنتك هذا على ألف.
فيقول المرتهن: بل على ألفين. فإذا القول قول الراهن مع يمينه، سواء أقر بالألف الأخرى أو أنكرها، لأنه منكر للرهن بالزيادة التي يدعيها المرتهن، والقول قول المنكر، وكما لو اختلفا في أصل الرهن، وهذا مع عدم البينة، أما إن وجدت، فإن الحكم لها، لأنها تبين الحق وتظهره.
وقول الخرقي: إذا لم يكن لواحد منهما بما قال بينة. الشرط راجع لهذه الصورة والتي قبلها، والله أعلم.
قال: والمرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء حتى يستوفي حقه، حيا كان الراهن أو ميتا.
ش: لا يختلف المذهب فيما نعلمه أن المرتهن أحق بثمن
стр. 1904
الرهن إلى أن يستوفي حقه من بقية الغرماء، في حياة الراهن لترجح حقه على حق غيره، والراجح مقدم، وبيانه أن حقه قد تعلق بالعين والذمة، وحق غيره إنما تعلق بالذمة فقط، فعلى هذا إذا حجر على الراهن لفلس فإن المرتهن يقدم بثمن الرهن، فإن كان وفق حقه فلا كلام، وإن نقص ضرب مع الغرماء بالنقص، وإن زاد رد الفاضل على الغرماء.
أما مع موت الراهن. وضيق التركة عن جميع الديون، فهل المرتهن أسوة الغرماء، لأن التركة انتقلت إلى الورثة، وتعلق حق الغرماء بها تعلقا واحدا، أو يقدم بثمن الرهن كما في حال الحياة، إذ التركة إنما تنتقل إلى الورثة بصفة ما كانت للموروث، وهذا هو المعروف عند الأصحاب؟ على روايتين منصوصتين، ولا يرد على الخرقي إذا جنى العبد المرهون، فإن حق المجني عليه يقدم على الراهن، لأن المجني عليه في الحقيقة ليس غريما للراهن، إذ حقه متعلق بعين الرهن فقط، لا بذمة الراهن، مع أن الخرقي قد ذكر حكم ذلك، والله أعلم.
стр. 1905
[باب المفلس]
قال:
باب المفلس ش: المفلس في عرف الفقهاء من فلسه الحاكم بالحجر عليه، وسببه أن يكثر دينه على ماله، ويطلب ذلك الغرماء، على ما يأتي إن شاء الله تعالى، والفلس في اللغة ذهاب المال غير الفلوس، قال ابن فارس: يقال: أفلس الرجل. إذا صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم، وقيل: هو العدم، يقال: أفلس بالحجة إذا عدمها، وقيل: هو من قولهم: تمر مفلس. إذا خرج منه نواه، فهو خروج الإنسان من ماله، وعلى هذا سمي المفلس مفلسا، وإن كان له مال يضيق عن دينه، لأن ماله مستحق للصرف، أشبه من لا مال له، أو باعتبار ما يؤول إليه، لأنه يؤول إلى أنه لا شيء له.
٢٠٣٩ - وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله إن المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم فرد عليه،
стр. 1906
ثم طرح في النار» فأخبرت الصحابة ﵃ عن المفلس في عرفهم ولغتهم، وهو الذي لا شيء له، فقال ﷺ : هذا الفلس كلا فلس، إنما الفلس المعتبر، الذي معه الحسرة العظيمة، والفقر الدائم، هو فلس الآخرة، حتى إن فلس الدنيا عنده بمنزلة الغنى.
٢٠٤٠ - ونحو هذا قوله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس» والله أعلم.
قال: وإذا فلس الحاكم رجلا فأصاب أحد الغرماء عين ماله فهو أحق به.
ش: إذا ثبت على شخص دين حال ببينة أو إقرار، وماله أقل منه - قال ابن حمدان: أو قدره، ولا كسب له، ولا ما ينفق عليه منه، أو خيف تصرفه فيه. انتهى - فسأل
стр. 1907
غرماؤه - قال في التلخيص: أو بعضهم ودينهم أكثر من ماله، وحكى ابن حمدان ذلك قولا. انتهى - الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم، لأن النبي ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله [في دينه.
٢٠٤١ - فروى البيهقي في سننه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه «أن النبي ﷺ حجر على معاذ بن جبل ماله، وباعه] في دين كان عليه، وكان معاذ شابا حليما سمحا، من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئا، فلم يزل يدان، حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي ﷺ فكلم غرماءه، فلو تركوا أحدا من أجل أحد لتركوا معاذا من أجل رسول الله ﷺ فباع لهم رسول الله ﷺ يعني ماله، حتى قام معاذ بغير شيء» .
стр. 1908
٢٠٤٢ - وكذلك حجر عمر ﵁ على الأسيفع، أسيفع جهينة.
فإذا حجر الحاكم عليه - وهو معنى تفليسه له - ترتب بذلك أحكام (أحدها) تعلق حق غرمائه بماله، فلا يقبل إقراره عليه، ولا يصح تصرفه المستأنف فيه، إلا بالعتق على رواية، وخرج بقيد «المستأنف» الرد بالعيب فيما اشتراه قبل الحجر، والفسخ لخيار مشترط كذلك، فإن تصرفه في ذلك صحيح، لكن هل يتقيد بالأحظ؟ وفي التلخيص أنه قياس المذهب بناء على إجبار المفلس على اكتساب المال بما لا منة عليه فيه، أو لا يتقيد بذلك، وهو المشهور، لعدم استقرار العقد إذا؟ فيه قولان، وبقيد «المال» التصرف في الذمة، وكذلك التصرف في البضع، وفي الدم، وفي
стр. 1909
النسب، (والحكم الثاني) بيع الحاكم ماله، وقسم ثمنه بين غرمائه لما تقدم، (الثالث) : انقطاع المطالبة عنه ما دام كذلك، لظهور عسرته، ووجوب إنظاره إلى ميسرته.
(الرابع) : أن من وجد من الغرماء متاعه بعينه عنده فهو أحق به من بقية الغرماء، بمعنى أن له فسخ البيع، وأخذ سلعته، بشروط تذكر إن شاء الله تعالى، وهذه مسألة الكتاب.
٢٠٤٣ - وذلك لما روى أبو هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، أو إنسان قد أفلس فهو أحق به» وفي رواية متاعه بعينه متفق عليهما.
стр. 1910
٢٠٤٤ - ومن ثم قضى بذلك عثمان ﵁، رواه عنه البيهقي، ولقد بالغ إمامنا ﵀ في اتباع السنة كما هو دأبه، فقال: لو أن حاكما حكم أنه أسوة الغرماء، ثم رفع إلى رجل يرى العمل بالحديث، رد حكم الحاكم. ومقتضى كلام الخرقي أن الفسخ والرجوع لا يفتقر إلى حكم حاكم، وهو كذلك، لثبوت ذلك بالنص، فهو كخيار المعتقة ومن ثم أجاز أحمد نقض حكم من حكم بخلاف ذلك، وعموم كلامه يشمل البيع، والقرض، والدابة، والأرض المؤجرة إذا أفلس المستأجر قبل مضي مدة لمثلها أجر، وكذلك الصداق، كأن يصدق امرأة عينا، ثم يستحق الرجوع فيها أو في نصفها، بأن ينفسخ النكاح لسبب من جهتها كردتها، أو من جهته - كطلاقه - وقد أفلست فإنه يرجع في عين ماله بشرطه.
стр. 1911
وقوة كلام المصنف يقتضي أن الرجوع في عين المال مختص ببيع ونحوه وجد قبل الفلس، فيخرج ما وجد بعده فلا يرجع فيه، وهو أحد الوجوه، لدخوله على بصيرة أو تفريطه، (والثاني) : يرجع أيضا، لإطلاق الخبر، (والثالث) : يفرق بين العلم بالفلس وعدمه، وهو حسن.
(تنبيه) : «الأسيفع» تصغير «أسفع» والسفعة في اللون السواد، والله أعلم.
قال: إلا أن يشأ تركه، ويكون أسوة الغرماء.
стр. 1912
ش: يعني أن البائع إذا وجد ماله بعينه عند من أفلس، فإنه يخير، إن شاء رجع فيه لما تقدم، وإن شاء لم يرجع، وكان أسوة الغرماء، لأن الشارع جعله أحق به وأولى به، ولم يحتم ذلك عليه، وظاهر كلام المصنف أنه لو بذل له الغرماء الثمن، لم يلزمه القبول، لأنه لم يستثن ذلك، ونص عليه أحمد، لظاهر الخبر، ودفعا للمنة عنه، [نعم إن بذلوا الثمن للمفلس فبذله له امتنع عليه الفسخ، لزوال سببه وهو عجزه عن أخذ الثمن] ، ومن ثم لو أسقط الغرماء حقوقهم، أو وهب له مال بحيث يمكن أداء الثمن زال الفسخ، والله أعلم.
قال: فإن كانت السلعة قد تلف بعضها، أو مزيدة بما لا تنفصل زيادتها، أو نقد بعض ثمنها، كان البائع فيها كأسوة الغرماء.
ش: قد تقدم أن أحد الغرماء إذا وجد متاعه بعينه عند من فلسه الحاكم أنه أحق به، لكن ذلك بشروط (أحدها) أن يكون المتاع باقيا بحاله، لم يتلف بعضه، فإن تلف بعضه - كأن تلف بعض الدار، أو الثوب، أو الثمرة المبيعة
стр. 1913
مع الشجرة، أو قطعت بعض أطراف العبد، ونحو ذلك - فلا رجوع للبائع، بل يكون أسوة الغرماء، نظرا للخبر، فإنه لم يجد المتاع بعينه، فلو تعدد المبيع، كعبدين أو ثوبين، فتلف أحدهما فهل يمتنع الرجوع رأسا، أو يرجع في الموجود، ويضرب مع الغرماء بقسط التالف من الثمن؟ فيه روايتان، ولعل مبناهما أن العقد هل يتعدد بتعدد المبيع أم لا؟ وحكم انتقال البعض ببيع ونحوه حكم التلف، نعم إن عاد المنتقل إلى ملك المفلس فهل هو كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد؟ فيه وجهان مشهوران، وحكى أبو محمد وجها ثالثا: إن عاد بسبب جديد - كبيع أو هبة، ونحوهما فكالذي لم يعد، وإن عاد بفسخ كالإقالة، والرد بالعيب - فكالذي لم يزل، وجعل أبو محمد من صور تلف البعض إذا استأجر أرضا للزرع، فأفلس بعد مضي مدة لمثلها أجرة، تنزيلا للمدة منزلة المبيع، ومضي بعضها بمنزلة تلف بعضه، وقال القاضي، وصاحب التلخيص: له الرجوع، ويلزمه تبقية زرع المفلس بأجرة المثل، ثم هل يضرب بها
стр. 1914
مع الغرماء - وهو المحكي عن القاضي - أو يقدم بها عليهم - وهو الذي في التلخيص -؟ على وجهين.
وقد فهم من كلام الخرقي بطريق التنبيه فيما إذا تلف المبيع جميعه، فإنه لا رجوع، وكذلك لو انتقل عنه، وفهم من كلامه أيضا أن نقص الصفات - كالهزال، ونسيان صناعة ونحو ذلك - لا يمنع الرجوع، وهو كذلك، لأن المتاع موجود بعينه، وإذا أخذ إنما يأخذ بجميع حقه، واختلف في وطء البكر، وجرح العبد، هل هو من فقد الصفات فلا يمنع الرجوع - وبه قطع أبو بكر - أو من فقد الأجزاء فيمنع؟ على وجهين، أما وطء الثيب فبمنزلة فقد الصفات على المشهور، وأجرى ابن أبي موسى فيه الوجهين، وإذا قيل بالرجوع مع الجرح، فإن كان الجرح مما لا أرش
стр. 1915
له، كالحاصل بفعل بهيمة أو المفلس، ونحو ذلك فلا شيء له مع الرجوع، وإن كان مما له أرش كالحاصل بفعل أجنبي، نظر ما نقص من قيمته، فرجع بقسطه من الثمن، قاله أبو محمد، وقياس جعله من باب فقد الصفات، أنه لا شيء له مطلقا.
(تنبيه) : إذا خلط المبيع أو بعضه بما لا يتميز منه - كأن كان زيتا فخلطه بمثله، ونحو ذلك - فقال أبو محمد: يسقط حقه من الرجوع، لأنه لم يجد عين ماله، [وقد يقال: إنه ينبني على الوجهين في أن الخلط هل هو بمنزلة الإتلاف أم لا؟ ولا نسلم أنه لم يجد عين ماله] ، بل وجده حكما.
(الشرط الثاني) : أن لا يزيد المتاع زيادة متصلة، كالسمن، وتعلم صناعة، ونحو ذلك، على اختيار الخرقي، والشيرازي، ولم يعتبر ذلك الإمام في رواية الميموني، بل جوز للبائع الرجوع بالزيادة مجانا، ومناط ذلك أن المبيع مع الزيادة المتصلة هل خرج عن أن يكون بعينه أم لا؟ وخرج من كلام الخرقي الزيادة المنفصلة، فإنها لا تمنع الرجوع في الجملة، بلا خلاف نعلمه بين الأصحاب، لوجود المتاع بعينه، ثم هل تكون الزيادة للمفلس في الجملة
стр. 1916
ويحتمله كلام الخرقي، لمنعه من الرجوع مع الزيادة المتصلة، وهو اختيار ابن حامد، والقاضي في روايتيه، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وأبي محمد، لأنها نماء ملكه - أو للبائع - وهو اختيار أبي بكر، والقاضي في الجامع، تمسكا بإطلاق أحمد - في رواية حنبل - في ولد الجارية، ونتاج الدابة، أنه للبائع، وهو محمول - عند ابن أبي موسى، وابن حامد، والقاضي، وأبي محمد - على ما إذا باعها حاملا؟ على قولين، فعلى الأول لو كانت الزيادة ولد الأمة فهل يمتنع الرجوع مطلقا، لتعذر التفرقة الممنوع منها شرعا - وهو قول ابن أبي موسى - أو لا يمتنع إلا إن امتنع البائع من دفع القيمة، - أما إن دفع قيمة الولد فله الرجوع، - أو لا يمتنع مطلقا، بل تباع الأم وولدها، ويصرف للبائع ما خص الأم من الثمن، على أنها ذات ولد؟ على ثلاثة أوجه.
ويدخل في قول الخرقي: أو مزيدة بما لا تنفصل زيادتها. ما إذا زادت بصناعة، كقصارة، ونحو ذلك، وهو أحد الوجهين، واختيار ابن أبي موسى، (والثاني) - وقال صاحب التلخيص: إنه المذهب - لا يمنع ذلك الرجوع،
стр. 1917
ثم هل تسلم للبائع مجانا، - كالزيادة المتصلة على المنصوص - أم عليه الأجرة؟ فيه وجهان، وقد تحرز الخرقي بقوله: مزيدة بما لا تنفصل زيادتها. عما إذا كان المتاع بابا فسمر فيه مسامير، أو نحو ذلك، فإن الزيادة تنفصل، ويرجع البائع في عين ماله.
(الشرط الثالث) : أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا، فإن قبض منه شيئا سقط حقه في الرجوع.
٢٠٤٥ - لأن في الحديث في رواية لأبي داود «أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها، عند رجل قد أفلس، ولم يقبض من ثمنها شيئا فهي له، فإن كان قضاه من ثمنها شيئا فما بقي فهو أسوة الغرماء» وفي معنى قبض البعض الإبراء منه، والله أعلم.
стр. 1918
قال: ومن وجب له حق بشاهد فلم يحلف لم يكن للغرماء أن يحلفوا معه ويستحقوا.
ش: لأنهم غير مدعين، واليمين إنما هي على المدعي مع شاهده.
стр. 1919
٢٠٤٦ - لقوله ﷺ : «البينة على المدعي» واليمين لا تدخلها النيابة ومقتضى قول الخرقي أن المفلس إذا حلف صح حلفه، وهو كذلك، وأنه إذا لم يحلف لم يجبر، وهو كذلك، لاحتمال قيام شبهة عنده تمنعه من اليمين، والله أعلم.
[الديون المؤجلة هل تحل بالتفليس]
قال: وإذا كان على المفلس ديون مؤجلة لم تحل بالتفليس.
ش: هذا المذهب المشهور، حتى إن القاضي جعله رواية واحدة، لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه، وعنه: يحل. حكاها أبو الخطاب، دفعا للضرر عن ربه، (وعنه) : إن وثق لم يحل، لزوال الضرر، وإلا حل، نقلها ابن منصور، فإن قلنا بحلوله فهو كبقية الديون الحالة، وإن قلنا بعدم حلوله، فإنه لا يوقف لربه شيء، ولا يرجع على الغرماء به إذا حل، نعم إذا حل قبل القسم شارك الغرماء، [وإن حل بعد قسمة البعض شاركهم أيضا، وضرب بجميع دينه، وباقي الغرماء] ببقية ديونهم، والله أعلم.
стр. 1920
قال: وكذلك في الدين الذي على الميت، إذا وثق الورثة.
ش: أي لا يحل بالموت إذا وثق الورثة بأقل الأمرين، من قيمة التركة، أو الدين، بكفيل مليء، أو رهن يفي بالحق، لأن الأجل حق للميت، فورث عنه كبقية حقوقه.
٢٠٤٧ - قال ﷺ : «من ترك حقا أو مالا فلورثته» هذا هو المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين (والثانية) وهي
стр. 1921
اختيار ابن أبي موسى: يحل. لأن ذمة الميت قد خربت، أو في حكم الخراب، لتعذر المطالبة، والورثة لم يلتزموا الدين، ولا رضي صاحبه بذممهم، وتعلقه بالتركة فيه ضرر على الميت، لأن ذمته مرتهنة بدينه.
٢٠٤٨ - كما في الترمذي وحسنه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»
стр. 1922
وعلى رب الدين، لاحتمال تلف التركة، ولا نفع فيه للورثة، لعدم تصرفهم في التركة إن قيل بتعلق الدين بها، انتهى، فإن لم يوثق الورثة حل على المشهور والمجزوم به للشيخين وغيرهما، لغلبة الضرر، وظاهر كلام أبي الخطاب في الانتصار أن الوارث لا يلزمه التوثيق إذا كانت ذمته مليئة، وإنما يلزمه إذا كان على غير مليء.
(تنبيهان) : «أحدهما» فعلى المذهب إن لم يكن له وارث فهل يحل الدين، أو لا وينتقل المال إلى بيت المال، ويضمن للغرماء؟ فيه احتمالان ذكرهما في الانتصار، «الثاني» لا خلاف نعلمه أن دين الميت المؤجل لا يحل بموته، وكذلك لا يحل دين المفلس المؤجل بفلسه، والله أعلم.
قال: وكل ما فعله المفلس في ماله قبل أن يوقفه الحاكم فجائز.
стр. 1923
ش: معنى إيقاف الحاكم هو تفليسه، لأنه بالتفليس أوقفه عن التصرف في ماله، ويحتمل أن يريد بإيقاف الحاكم له إظهار الحجر عليه، بالمناداة عليه بأن فلانا قد حجر الحاكم عليه فلا تعاملوه، وبالجملة ما فعله المفلس قبل تفليس الحاكم له في ماله، - من بيع، أو قضاء بعض الغرماء، ونحو ذلك - فهو جائز، لأنه رشيد غير محجور عليه، فنفذ تصرفه كغيره.
ومفهوم كلام الخرقي أن ما فعله في ماله بعد الحجر عليه لا يجوز، أي لا يصح وهو كذلك، وقد تقدم، ويدخل في عموم المفهوم عتقه لبعض أرقائه، وهو إحدى الروايتين، واختيار أبي الخطاب، وأبي محمد، (والثانية) - وهي اختيار أبي بكر في التنبيه، والقاضي والشريف -: ينفذ، وإنما قيد ذلك بالمال لأن تصرفه في الذمة يصح مطلقا، لكن لا يشارك أصحابه بعد الحجر عليه الغرماء، والله أعلم.
قال: وينفق على المفلس، وعلى من تلزمه مؤونته من
стр. 1924
ماله، إلى أن يفرغ من قسمته بين غرمائه.
ش: ينفق على المفلس من ماله، لأن ملكه باق.
٢٠٤٩ - وقد قال ﷺ : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وكذلك ينفق على من تلزمه مؤونته للحديث، وشرط أبو محمد للنفقة عليه وعلى من تلزمه مؤونته أن لا يكون له صناعة تفي بذلك، والواجب من النفقة أدنى نفقة مثله بالمعروف، وحكم الكسوة حكم النفقة، والله أعلم.
قال: ولا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها.
ش: لأن حاجته داعية إلى ذلك، فأشبه النفقة، والكسوة، ولابن حمدان احتمال أن من أدان ما اشترى به مسكنا، أنه يباع، ولا يترك له، ولو كان المسكن عين ماله بعض الغرماء أخذه بالشروط السابقة، وقد تقدم ذلك للخرقي، وحكم الخادم المحتاج إليه حكم الدار، وقد خرج من كلام الخرقي إذا كان له داران، فإن إحداهما تباع، لغناه عنها، وكذلك
стр. 1925
لو كانت له دار واسعة، لا يسكنها مثله، ويشترى له مسكن مثله والله أعلم.
قال: ومن وجب عليه دين فذكر أنه معسر به حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بمعسرته.
ش: من وجب عليه دين فإن كان مؤجلا لم يطالب به ولم يلازم به، وإن كان حالا فطولب به وله مال ظاهر أمر بوفائه، وإن لم يكن له مال ظاهر فذكر أنه معسر، فإن صدقه الغريم أو لم يصدقه وقامت بينة - كما سيأتي - بذلك لم يتعرض له لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، وإن لم يصدقه ولم تقم بينة بذلك، فإن علم له مال، أو كان دينه ثبت عن مال - كالبيع والقرض - والغالب بقاؤه، أو من غير مال كالضمان ونحوه وأقر أنه مليء، فالقول قول غريمه مع يمينه أنه لا يعلم عسرته بدينه، وفي الرعاية أنه يحلف أنه موسر بدينه، ولا يعلم إعساره به، فإن نكل عن اليمين حلف المفلس وخلي سبيله، وإن
стр. 1926
حلف حبس المدين ليظهر حاله إلى أن يقيم بينة - ولو بعد يوم -[تشهد بتلف أو إعساره هذا هو التحقيق، وفاقا للمجد وغيره، وفي التلخيص أنها لا بد وأن تشهد بالتلف، وظاهر كلامه: والإعسار. وكذا في الرعاية، قال:] تشهد بذهابه وإعساره، لا أنه لا يملك شيئا، ثم إن شهدت بالإعسار اعتبر خبرتها بباطنه وإن شهدت بالتلف لم يعتبر ذلك، إذ التلف يطلع عليه كل أحد، بخلاف الإعسار، وهل يحلف مع بينته؟ فيه قولان، والتحقيق منهما - وقطع به أبو محمد في الكافي، وأبو البركات، وصححه ابن حمدان - أنها إن شهدت بالتلف فطلب منه اليمين على عسرته وجب عليه ذلك، لأن اليمين على أمر محتمل، خلاف ما شهدت به البينة، وإن شهدت بالإعسار فلا، لما فيه من تكذيب البينة، وإن لم يعلم له مال، ولم يكن دينه عن مال، كعوض النكاح وغيره، ولم يقر بالملاءة به، أو عن مال والغالب ذهابه، فالقول قوله مع يمينه، لترجحة جانبه، إذ الأصل عدم المال، ومن ثم يرجح جانب غريمه فيما إذا ثبت له مال إذ الأصل
стр. 1927
بقاؤه، والخرقي ﵀ لم يفرق بين حالة وحالة والمعروف التفرقة.
وقد علم من كلام الخرقي أن البينة تسمع على الإعسار وهو كذلك.
٢٠٥٠ - لحديث قبيصة بن المخارق - وقد تقدم في الزكاة - «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة» والله أعلم.
قال: وإذا مات فتبين أنه كان مفلسا لم يكن لأحد من الغرماء أن يرجع في عين ماله.
ش: هذا الشرط الرابع في رجوع البائع في عين ماله، وهو أن يكون المفلس حيا، فإن مات فلا رجوع له، سواء مات بعد الحجر عليه أو قبله فتبين فلسه.
стр. 1928
٢٠٥١ - لأن في بعض ألفاظ الحديث: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن النبي ﷺ : «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء» رواه مالك في الموطأ وأبو داود، ولا يعترض بأنه مرسل، إذ المرسل عندنا حجة مع أن أبا داود قد رواه أيضا فوصله فقال: عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ولفظه «وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه، اقتضى منه شيئا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء» . وقول الشافعي: إنه موجود في حديث أبي بكر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه انتهى بالقول فهو أحق به، وأنه يشبه أن يكون ما زاد من قوله: وإن مات. إلى آخره من رأيه لا روايته الظاهر خلافه، وتركه الزيادة إن ثبت
стр. 1929
فلعله لعدم الحاجة إلى ذكرها إذا، مع كون الحكم لا يختل بتركها، أو لنسيانها.
٢٠٥٢ - واعتراضه بحديث ابن خلدة قاضي المدينة الذي رواه الطيالسي، قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس فأصاب رجل متاعه بعينه، فقال أبو هريرة: هذا الذي قضى رسول الله ﷺ أن من أفلس أو مات فأدرك رجل متاعه بعينه فهو أحق به، إلا أن يدع الرجل وفاء. يجاب عنه بضعفه، قال ابن المنذر: إنه مجهول الإسناد، وقال ابن عبد البر: يرويه أبو المعتمر، عن ابن خلدة، وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم وهذا الشرط أهمله صاحب التلخيص انتهى.
وقد بقي من شروط رجوع البائع فيما تقدم شروط، ولم يتعرض لها الخرقي (منها) ما هو متفق عليه، ومنها ما
стр. 1930
هو مختلف فيه (أحدها) أن لا يتغير المبيع تغيرا يزيل اسمه، كأن كان حنطة فصار دقيقا، أو دقيقا فصار خبزا، أو زيتا فصار صابونا، أو غزلا فصار ثوبا، أو ثوبا فصار قميصا ونحو ذلك، لأن المبيع لم يبق بعينه، واختلف فيما إذا كان بذرا فصار زرعا، أو بيضا فصار فراخا ونحو ذلك، هل يسلك به سبيل الزيادة المتصلة كالجنين إذا صار ولدا، فيجري في الرجوع فيه الخلاف السابق، وهو رأي القاضي، وصاحب التلخيص فيه، أو سبيل ما تقدم مما تغير اسمه بصناعة، فيمتنع الرجوع فيه، وهو ظاهر كلام أبي محمد؟ على قولين (الشرط الثاني) : أن لا يتعلق بالمبيع حق الغير، كأن يجده مرهونا، لئلا يزال الضرر بالضرر، ولأن الحديث «من وجد متاعه عند رجل قد أفلس» وهذا لم يجده عند المفلس، واختلف فيما إذا كان عبدا فجنى، هل يكون تعلق الجناية به مانعا من الرجوع فيه، كما في الرهن، إذ حق الجاني مقدم على حق الراهن، والمقدم على المقدم مقدم، أو ليس بمانع، لأن تعلق الجناية لا يمنع التصرف في الجاني بخلاف الرهن؟ على وجهين، وكذلك اختلف فيما إذا كان شقصا مشفوعا هل يمنع تعلق الشفعة به من الرجوع فيه،
следующие страницы →