← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

حلف حبس المدين ليظهر حاله إلى أن يقيم بينة - ولو بعد يوم -[تشهد بتلف أو إعساره هذا هو التحقيق، وفاقا للمجد وغيره، وفي التلخيص أنها لا بد وأن تشهد بالتلف، وظاهر كلامه: والإعسار. وكذا في الرعاية، قال:] تشهد بذهابه وإعساره، لا أنه لا يملك شيئا، ثم إن شهدت بالإعسار اعتبر خبرتها بباطنه وإن شهدت بالتلف لم يعتبر ذلك، إذ التلف يطلع عليه كل أحد، بخلاف الإعسار، وهل يحلف مع بينته؟ فيه قولان، والتحقيق منهما - وقطع به أبو محمد في الكافي، وأبو البركات، وصححه ابن حمدان - أنها إن شهدت بالتلف فطلب منه اليمين على عسرته وجب عليه ذلك، لأن اليمين على أمر محتمل، خلاف ما شهدت به البينة، وإن شهدت بالإعسار فلا، لما فيه من تكذيب البينة، وإن لم يعلم له مال، ولم يكن دينه عن مال، كعوض النكاح وغيره، ولم يقر بالملاءة به، أو عن مال والغالب ذهابه، فالقول قوله مع يمينه، لترجحة جانبه، إذ الأصل عدم المال، ومن ثم يرجح جانب غريمه فيما إذا ثبت له مال إذ الأصل

стр. 1927

بقاؤه، والخرقي ﵀ لم يفرق بين حالة وحالة والمعروف التفرقة. وقد علم من كلام الخرقي أن البينة تسمع على الإعسار وهو كذلك. ٢٠٥٠ - لحديث قبيصة بن المخارق - وقد تقدم في الزكاة - «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة» والله أعلم. قال: وإذا مات فتبين أنه كان مفلسا لم يكن لأحد من الغرماء أن يرجع في عين ماله. ش: هذا الشرط الرابع في رجوع البائع في عين ماله، وهو أن يكون المفلس حيا، فإن مات فلا رجوع له، سواء مات بعد الحجر عليه أو قبله فتبين فلسه.

стр. 1928

٢٠٥١ - لأن في بعض ألفاظ الحديث: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن النبي ﷺ : «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء» رواه مالك في الموطأ وأبو داود، ولا يعترض بأنه مرسل، إذ المرسل عندنا حجة مع أن أبا داود قد رواه أيضا فوصله فقال: عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ولفظه «وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه، اقتضى منه شيئا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء» . وقول الشافعي: إنه موجود في حديث أبي بكر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه انتهى بالقول فهو أحق به، وأنه يشبه أن يكون ما زاد من قوله: وإن مات. إلى آخره من رأيه لا روايته الظاهر خلافه، وتركه الزيادة إن ثبت

стр. 1929

فلعله لعدم الحاجة إلى ذكرها إذا، مع كون الحكم لا يختل بتركها، أو لنسيانها. ٢٠٥٢ - واعتراضه بحديث ابن خلدة قاضي المدينة الذي رواه الطيالسي، قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس فأصاب رجل متاعه بعينه، فقال أبو هريرة: هذا الذي قضى رسول الله ﷺ أن من أفلس أو مات فأدرك رجل متاعه بعينه فهو أحق به، إلا أن يدع الرجل وفاء. يجاب عنه بضعفه، قال ابن المنذر: إنه مجهول الإسناد، وقال ابن عبد البر: يرويه أبو المعتمر، عن ابن خلدة، وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم وهذا الشرط أهمله صاحب التلخيص انتهى. وقد بقي من شروط رجوع البائع فيما تقدم شروط، ولم يتعرض لها الخرقي (منها) ما هو متفق عليه، ومنها ما

стр. 1930

هو مختلف فيه (أحدها) أن لا يتغير المبيع تغيرا يزيل اسمه، كأن كان حنطة فصار دقيقا، أو دقيقا فصار خبزا، أو زيتا فصار صابونا، أو غزلا فصار ثوبا، أو ثوبا فصار قميصا ونحو ذلك، لأن المبيع لم يبق بعينه، واختلف فيما إذا كان بذرا فصار زرعا، أو بيضا فصار فراخا ونحو ذلك، هل يسلك به سبيل الزيادة المتصلة كالجنين إذا صار ولدا، فيجري في الرجوع فيه الخلاف السابق، وهو رأي القاضي، وصاحب التلخيص فيه، أو سبيل ما تقدم مما تغير اسمه بصناعة، فيمتنع الرجوع فيه، وهو ظاهر كلام أبي محمد؟ على قولين (الشرط الثاني) : أن لا يتعلق بالمبيع حق الغير، كأن يجده مرهونا، لئلا يزال الضرر بالضرر، ولأن الحديث «من وجد متاعه عند رجل قد أفلس» وهذا لم يجده عند المفلس، واختلف فيما إذا كان عبدا فجنى، هل يكون تعلق الجناية به مانعا من الرجوع فيه، كما في الرهن، إذ حق الجاني مقدم على حق الراهن، والمقدم على المقدم مقدم، أو ليس بمانع، لأن تعلق الجناية لا يمنع التصرف في الجاني بخلاف الرهن؟ على وجهين، وكذلك اختلف فيما إذا كان شقصا مشفوعا هل يمنع تعلق الشفعة به من الرجوع فيه،

стр. 1931

لتعلق حق الشفيع به ابتداء، وهو اختيار أبي الخطاب، أو لا يمنع، لأن بالرجوع يعود كما كان، فيزول الضرر، وهو اختيار ابن حامد، أو إن طالب الشفيع امتنع الرجوع، لتأكد حق الشفيع بالطلب [وإن لم يطالب] رجع؟ على ثلاثة أوجه: (الشرط الثالث) أن يكون ثمن العين المبيعة حالا، فإن كان مؤجلا فلا رجوع للبائع، قاله أبو بكر في التنبيه، وصاحب التلخيص فيه، لعدم تمكنه من مطالبة الثمن إذا الذي العجز عنه سبب الرجوع، والمنصوص عن أحمد في رواية الحسن بن ثواب - وعليه الجمهور - أن هذا ليس بشرط، لكن المنصوص أن المتاع يوقف إلى الأجل، ثم عند انقضائه يخير البائع بين الأخذ والترك، إعمالا لحقيهما، حق البائع في الرجوع، وحق المفلس في الأجل، وابن أبي موسى يقول: يؤخذ في الحال لعدم الفائدة في

стр. 1932

الوقف (الشرط الرابع) العجز عن أخذ الثمن، فلو تجدد للمفلس مال بعد الحجر وقبل الرجوع فلا رجوع، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. (الخامس) كون البائع حيا، فلا رجوع للورثة، لظاهر الحديث، وحكى الآمدي رواية [أخرى] أن هذا ليس بشرط، فترجع الورثة، وهو ظاهر كلام الشيخين، لعدم اشتراطهم [ذلك] وعلى هذا مجموع الشرائط تسعة أو ثمانية أو سبعة، والله أعلم. قال: ومن أراد سفرا وعليه حق يستحق قبل مدة سفره فلصاحب الحق منعه. ش: كمن أراد السفر من أهل مصر إلى الحجاز، وعليه دين يحل في أول المحرم ونحو ذلك لما يلحق الغريم من الضرر بتأخير حقه، والضرر منفي شرعا قال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» وإن كان الدين لا يستحق إلا بعد مدة السفر،

стр. 1933

كما إذا كان قدومه في أواخر المحرم، والدين يحل في أول ربيع، ونحو ذلك، فإن كان السفر للجهاد منع، لما فيه من المخاطرة بالنفس، فلا يؤمن فوات النفس، وإن كان لغير الجهاد فروايتان (إحداهما) له منعه، لاحتمال التأخير بحدوث حادث أو غيره، فيلحق الغريم الضرر (والثانية) : وهي ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي - ليس له منعه، لأن الأصل بل والغالب عدم الضرر، إذ الأصل عدم الحادث، وحيث قيل بالمنع فذلك معتبر بتوثيق برهن يفي بالحق، أو كفيل مليء، فيزول المنع لزوال الضرر إذا. (تنبيه) : محل الخلاف على مقتضى كلام أبي محمد في السفر الطويل والله أعلم.

стр. 1934

[كتاب الحجر] الحجر في اللغة المنع [والتضييق] ومنه سمي الحرام حجرا، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أي حراما محرما، ويسمى العقل حجرا لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] أي عقل، وهو في الشرع منع خاص وهو: منع الصبي، والمجنون، والسفيه، من التصرف في مالهم مطلقا، ومنع العبد، والمكاتب، والمريض والراهن والولي، ونحوهم من تصرف خاص، ثم الحجر تارة لحق نفسه، كالحجر على الصبي، والمجنون، والسفيه، وهذا الذي عقد الباب لأجله، وتارة لحظ غيره، وهو ما عدا ذلك. والأصل في مشروعية الحجر قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] الآية وأضيفت الأموال إلى الأولياء لأنهم القائمون عليها،

стр. 1935

المدبرون لها، وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] الآية، وإذا ثبت الحجر على هذين، ثبت على المجنون بطريق التنبيه. والله أعلم. قال: ومن أونس منه رشد دفع إليه ماله إذا كان قد بلغ. ش: هذا مما لا خلاف فيه في الجملة، وقد حكاه ابن المنذر إجماعا، ويشهد له قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] ، ولأن الحجر كان لمعنى، فيزول بزوال ذلك المعنى، وهل يعتبر مع ذلك حكم الحاكم؟ أما في المجنون فلا يعتبر لظهوره، وأما في غيره فثلاثة أوجه (ثالثها) يعتبر في حجر السفيه دون الصبي، وهو الصحيح عند الشيخين وغيرهما. وقوة كلام الخرقي يقتضي أنه إنما حكم على الصبي، وحكم المجنون والسفيه حكمه، فيدفع إلى المجنون إذا عقل، وإلى السفيه إذا رشد، وحكم حاكم على الصحيح، وقد يقال: إن كلامه يشمل الثلاثة، إذ الرشد لا بد منه فيها، وإذا تقدير كلامه: ومن أونس منه رشد دفع إليه ماله، فإن كان صبيا فإذا بلغ، وفيه شيء.

стр. 1936

ومفهوم كلام الخرقي ﵀ أنه لا يدفع المال قبل البلوغ والرشد، وهو صحيح ولو صار شيخا، لأن الله تعالى شرط للدفع ذلك، والمشروط عدم عند عدم شرطه. ٢٠٥٣ - وروى الجوزجاني في كتابه المترجم قال: كان القاسم بن محمد يلي أمر شيخ من قريش، ذي أهل ومال، فلا يجوز له أمر في ماله دونه، لضعف عقله. ويستفاد من كلامه بطريق الإشارة أنه يحجر على الصبي ونحوه، وقد تقدم ذلك والله أعلم. [علامات البلوغ في حق الغلام والجارية] (تنبيه) : البلوغ يحصل في حق الغلام والجارية بالاحتلام، وهو خروج المني الدافق بلذة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] . ٢٠٥٤ - وقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم» .

стр. 1937

وبنبات الشعر الخشن حول ذكر الرجل، وفرج المرأة، وحول الفرجين إن كان خنثى. ٢٠٥٥ - لأن النبي ﷺ لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وأمر بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت ألحق بالذرية، وقال له النبي ﷺ : «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» . ٢٠٥٦ - وعن عمر ﵁، أنه كتب إلى عامله أن لا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه الموسى.

стр. 1938

٢٠٥٧ - وباستكمال خمس عشرة سنة «لأن ابن عمر ﵄ قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» . متفق عليه. ٢٠٥٨ - وفي مسند الشافعي ﵁ أن عمر بن عبد العزيز أخبر بذلك، فكتب إلى عامله: أن لا تفرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة. ٢٠٥٩ - وتزيد الجارية بالحيض لقول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» . وأما الحمل فهو دليل إنزالها، فيحكم ببلوغها إذا ولدت منذ ستة أشهر، لأنه اليقين، إذ الولد إنما يخلق من مائهما، قال : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] .

стр. 1939

قال صاحب التلخيص فيه: فإن كانت ممن لا توطأ كأن طلقها زوجها، وأتت بولد لأكثر مدة الحمل من حين طلاقه، فيحكم ببلوغها قبل المفارقة. (تنبيه) : هل الإنزال من أحد فرجي الخنثى المشكل علم على بلوغه؟ فيه وجهان. (أحدهما) : لا، لأن لا يكون إلا من أحدهما وهو مشكوك فيه، والثاني نعم، قال في التلخيص: لأن الاعتبار عندنا بالانتقال، وهذا مختار أبي محمد، لكنه لا يعتبر هذا [البناء، وفي الحيض] أيضا، فأما إن حاض وأنزل فإنه يحكم ببلوغه عند القاضي، وصاحب التلخيص وقيل: لا. والله أعلم. قال: وكذلك الجارية وإن لم تنكح. ش: حكم الجارية حكم الغلام، عند الخرقي، وأبي محمد، فيدفع إليها مالها إذا رشدت وبلغت، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] الآية، ومنصوص الإمام أحمد. في رواية أبي طالب أنه لا يدفع إليها بعد بلوغها ورشدها، حتى تتزوج وتلد، أو يمضي عليها حول في بيت زوجها، وهذا

стр. 1940

مختار أبي بكر والقاضي، والشيرازي، وابن عقيل في التذكرة. ٢٠٦٠ - لما روى سعيد بن منصور في سننه، عن شريح أنه قال: عهد إلي عمر بن الخطاب ﵁ أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولا أو تلد ولدا. وعلى هذا إن لم تتزوج فقال القاضي: عندي أنها يدفع إليها مالها إذا عنست، أي كبرت وبرزت للرجال. قال أبو محمد: ويحتمل دوام الحجر عليها مطلقا. والله أعلم. قال: والرشد الصلاح في المال. ش: هذا المشهور المعروف في المذهب، اتباعا لتفسير ابن عباس ﵁.

стр. 1941

٢٠٦١ - فإنه قال في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] : يعني صلاحا في أموالهم. ولأن العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام، فلا تعتبر في الابتداء كالزهد في الدنيا، فعلى هذا إذا كان مصلحا لماله، دفع إليه ماله، وإن كان مفسدا لدينه، كمن يترك الصلاة، أو يمنع الزكاة، أو يغتاب الناس، ونحو ذلك، نعم إن كان فسقه يلزم منه تبذير المال، كمن يشتري الخمر، أو المغنيات، ونحو ذلك - فليس برشيد، لا لفسقه، بل لعدم حفظه، وذهب ابن عقيل إلى أن الرشد الصلاح في المال وفي الدين، قال: وهو الأليق بمذهبنا وقولنا، بحسب الذرائع، واستدل لذلك بالآية الكريمة، فإنها نكرة في سياق الشرط فتعم والله أعلم، قال: فإن عاوده السفه حجر عليه. ش: إذا فك الحجر عن المحجور عليه بشرطه، فعاود السفه أو جن أعيد الحجر عليه، نظرا إلى دوران الحكم مع العلة.

стр. 1942

٢٠٦٢ - ويروى أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعا، فقال علي ﵁: لآتين عثمان ليحجر عليك. فأتى عبد الله بن جعفر الزبير، فقال: قد ابتعت بيعا، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان، فيسأله الحجر علي. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى علي عثمان، فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه. فقال الزبير: أنا شريكه في البيع. فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير. (تنبيه) : الذي يحجر هنا هو الحاكم لا غير، ولا ينفك الحجر إلا بحكمه على الصحيح والله أعلم. قال: فمن عامله بعد ذلك فهو المتلف لماله. ش: من عامل السفيه بعد الحجر عليه ببيع أو قرض، أو غيرهما لم تصح معاملته لأنه محجور عليه، أشبه المجنون،

стр. 1943

ثم ما أخذ منه يجب انتزاعه إن كان باقيا، أو بدله إن كان تالفا، وما أخذه السفيه رد على مالكه إن كان باقيا، وإن كان تالفا فهو من ضمان مالكه، علم بالحجر أو لم يعلم، إذ مع العلم هو المتلف لما له، حيث دفعه لمن ليس من أهل الدفع، وسلطه عليه، ومع عدم العلم هو المفرط، حيث عامل من لم يعرف، واختار ابن عقيل وجوب الضمان على السفيه، لكونه من أهل الضمان، سيما مع عدم العلم بالحجر، (وخرج) بقيد المعاملة شيئان (أحدهما) ما قبضه السفيه بإذن مالكه، لكن من غير أن يسلطه عليه، كما لو أودعه، أو أعاره فأتلف ذلك، أو تلف بتفريطه، فقال القاضي: يضمن، نظرا إلى أن المالك لم يسلطه على ذلك، بخلاف القرض ونحوه، وقيل: لا يضمن، لأن المالك مفرط، حيث دفع المال لفاقد الأهلية، ولعل منشأ الخلاف هل يصح استحفاظه أم لا؟ لكن مقتضى كلام أبي البركات أن محل الخلاف فيما أتلفه، أما ما تلف بتفريطه فإنه من ضمان مالكه بلا نزاع، لأنه مفرط، حيث دفعه في غير حرز، (الثاني) : ما أخذه بغير اختيار صاحبه، وأتلفه،

стр. 1944

كأن غصب أو جنى، فإن عليه ضمانه، لانتفاء التفريط من المالك، والله أعلم. [إقرار المحجور عليه] قال: وإن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا، أو طلق زوجته لزمه ذلك. ش: إذا أقر المحجور عليه لسفه بما يوجب حدا، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، أو قصاصا كالقتل العمد، أو قطع اليد ونحو ذلك لزمه ذلك، لأنه تصرف في غير مال، والحجر إنما وقع على المال، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، وكذلك إذا طلق زوجته صح طلاقه، لكونه غير مال، وبطريق الأولى إذا خالع، وحكم المفلس حكم السفيه، والله أعلم. قال: وإن أقر بدين لم يلزمه في حال حجره.

стр. 1945

ش: لئلا يزول معنى الحجر، وقياسا على الصبي والمجنون، ومقتضى كلام الخرقي ﵀ وغيره من الأصحاب أنه يلزمه ما أقر به بعد فك الحجر عنه، لأنه مكلف، وإنما منع من إعمال ما أقر به الحجر، وقد زال، فيلزمه ما أقر به، واختار أبو محمد أنه لا يلزمه مطلقا، إذ المنع من نفوذ إقراره في حال الحجر عليه حفظ ماله، ودفع الضرر عنه، ونفوذه بعد فك الحجر عليه يلزم منه تأخير الضرر عليه إلى أكمل حالتيه وحكم ما يوجب الدين - كجناية الخطأ والغصب، ونحو ذلك - حكم الدين والله سبحانه أعلم.

стр. 1946

[كتاب الصلح] ش: الصلح يتنوع أنواعا، صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، وصلح بين المتخاصمين في غير مال، أو في المال وهو المراد هنا، والأصل فيه [عموم] قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] . ٢٠٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما» رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وأجمعت الأمة على جواز الصلح في الجملة والله أعلم.

стр. 1947

[شروط جواز الصلح] قال: والصلح الذي يجوز هو أن يكون للمدعي حق لا يعلمه المدعى عليه، فيصطلحان على بعضه، فإن كان يعلم ما عليه فجحده فالصلح باطل. ش: الصلح على الإنكار جائز في الجملة، لعموم قوله ﷺ : «الصلح بين المسلمين جائز» ولأن الشريعة جاءت بجلب المصالح، ودرء المفاسد، وهذا كذلك، إذ المدعي يأخذ عوض حقه الثابت له في اعتقاده، والمدعى عليه يدفع ما يدفعه لدفع الشر عنه، واليمين، وحضور مجالس الحكام، إلى غير ذلك، ويتفرع على هذا أن الإنسان إذا ادعى حقا يعتقد ثبوته على إنسان، فأنكره لاعتقاده أنه لا حق عليه، ثم صالحه عنه بعوض، جاز، لما تقدم من أن المدعي يأخذ عوض حقه، والمدعى عليه يدفع ذلك افتداء ليمينه، ودفع الخصومة عنه. ٢٠٦٤ - وفي الصحيح «أن رجلين اختصما في مواريث درست بينهما، فقال النبي ﷺ : «استهما وتوخيا، وليحلل كل منكما

стр. 1948

صاحبه» مختصر من حديث طويل، ويكون هذا الصلح بيعا في حق المدعي، لاعتقاده أن الذي يأخذه عوض ماله، حتى إنه إن وجد بما أخذه عيبا فله رده، وإن كان شقصا تثبت فيه الشفعة وجبت فيه، اللهم إلا أن يكون المأخوذ بعض العين المدعاة، فلا رد له ولا شفعة فيه، لأنه يزعم أنه أخذ بعض حقه وترك بعضا، ويكون إبراء في حق المدعى عليه، فلا يرد ما صالح عنه بعيب، ولا يؤخذ منه بشفعة، لاعتقاده أنه لم يزل ملكه عنه، وأن الذي دفعه إنما هو لافتداء اليمين، وقطع الخصومة. وإن كان المدعى عليه يعلم ما عليه فجحده ثم صالح عنه، فالصلح باطل في حقه، لأنه توصل بإنكاره إلى هضم الحق، وأكل مال الغير بالباطل، وهذا صلح حلل حراما في الظاهر، وكذلك لو ادعى المدعي شيئا لا يعتقد أنه له، ثم صالح عنه، فالصلح أيضا باطل في حقه، لأنه أكل للمال بدعواه الباطلة الكاذبة، والله أعلم.

стр. 1949

قال: ومن اعترف بحق فصالح على بعضه لم يكن ذلك صلحا، لأنه هضم للحق. ش: من اعترف بحق وصالح على بعضه فله حالتان (إحداهما) أن يمتنع من الأداء إلا بالمصالحة، فهذا ليس بصلح صحيح، لما علل به المصنف من أنه هاضم للحق، آكل لمال الغير بامتناعه المحرم. (الحالة الثانية) أن يكون باذلا، وتقع المصالحة، كأن يقول: صالحني بخمسين عن المائة التي لك علي، أو على نصف دارك، ونحو هذا، فهل فيه روايتان، المشهور منهما وهو مختار القاضي، وابن عقيل وغيرهما، ومقتضى كلام الخرقي - أنه لا يصح، لأنه صالح عن بعض ماله ببعض، (والثانية) يصح، لأن معنى الصلح الاتفاق والرضا، وقد حصل هذا من غير هضم للحق، ولا امتناع من أداء الواجب، وحقيقة هذا أن المدعي يرضى بترك بعض حقه وأخذ البعض، فصار كما لو قال: أبرأتك من نصف المائة، فأعطني نصفها، أو وهبتك نصف داري. ونحو هذا، وهذا غير ممنوع منه بالاتفاق، قال

стр. 1950

أبو البركات: وكذلك يخرج في قوله: أبرأتك من كذا على أن توفيني الباقي. واعلم أن مقتضى كلام الخرقي ﵀ أنه لا يسمى الصلح على الإقرار صلحا، وكذلك ابن أبي موسى، وسماه القاضي وطائفة من أصحابه صلحا، وصورته الصحيحة عندهم أن يعترف له بعين فيعاوضه عنها، أو يهبه بعضها، أو بدين فيبرئه من بعضه، ونحو ذلك فيصح إن لم يكن بشرط، ولا امتناع من أداء الحق بدونه، قال أبو محمد: والخلاف في التسمية، أما المعنى فمتفق عليه، وهو فعل ما عدا وفاء الحق وإسقاطه، على وجه يصح، والله أعلم. قال: وإذا تداعى نفسان جدارا معقودا ببناء كل واحد منهما، تحالفا وكان بينهما. ش: لاستوائهما في الدعوى بلا مرجح، والله أعلم. قال: وكذلك إن كان محلولا من بنائهما. ش: أي تحالفا وكان بينهما، لما تقدم، وصفة اليمين - قال أبو محمد -: أن يحلف كل واحد منهما - على نصف الحائط - أنه لو ولو حلف كل واحد منهما على جميع الحائط أنه له دون صاحبه جاز، وكان بينهما، قلت: والذي

стр. 1951

ينبغي أن تجب اليمين على حسب الجواب والله أعلم. قال: وإن كان معقودا ببناء أحدهما كان له مع يمينه. ش: لأنه ترجح بالعقد ببنائه دون صاحبه، واليمين في جنبة أقوى المتداعيين، لكن شرط هذا العقد أن لا يمكن إحداثه عادة، عند القاضي وأبي البركات، وظاهر كلام الخرقي الإطلاق، والله أعلم.

стр. 1952

[كتاب الحوالة والضمان] ش: الحوالة مشتقة من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، ولها شبه بالمعاوضة، من حيث إنها دين، وشبه بالاستيفاء، من حيث إنه يبرأ بها المحيل، ولترددها بين ذلك ألحقها بعض الأصحاب بالمعاوضة، وبعضهم بالاستيفاء، واختار أبو محمد أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره، إذ لو كانت بيعا للزم بيع الدين بالدين، ولما جاز التفرق قبل القبض، لأنه بيع مال الربا بجنسه، ولجازت بين جنسين كالبيع، قال: وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله (والضمان) يأتي إن شاء الله تعالى بيانه، والألف واللام فيه للجنس، فيشمل ضمان المال، وضمان النفس، والأصل في جواز الحوالة في الجملة الإجماع. ٢٠٦٥ - وسنده ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن

стр. 1953

النبي ﷺ قال: «مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع» . قال: ومن أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق فرضي، فقد برئ المحيل أبدا. ش: من أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق فرضي بالحوالة، برئ المحيل، سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل أو فلس، أو غير ذلك، أما مع استيفاء الحق فواضح، إذ وضع الحوالة انتقال الحق من ذمة المحيل، إلى ذمة المحال عليه، وإذا يبرأ المحيل، وأما مع تعذره فلأنه مفرط، حيث لم يشترط اليسار. ٢٠٦٦ - ويروى أن حزنا جد سعيد بن المسيب كان له على علي ﵁ دين، فأحاله به، فمات المحال به عليه، فأخبره فقال: اخترت علينا أبعدك الله. فأبعده بمجرد احتياله، ولم يخبره أن له الرجوع، وهذا هو المشهور في المذهب، وبه قطع أبو البركات وغيره، قال أبو محمد: وعن أحمد ما يدل على أن المحال عليه إذا كان مفلسا، ولم

стр. 1954

يعلم المحتال بذلك، فله الرجوع، قال: وبه قال جماعة من أصحابنا، إذ الفلس عيب في المحال عليه، فكان له الرجوع، كما لو اشترى سلعة فوجدها معيبة. ويستثنى من كلام الخرقي إذا شرط المحتال ملاءة المحال عليه، فإنه إذا بان معسرا يرجع على المحيل بلا خلاف نعلمه في المذهب اعتمادا على الشرط، وخرج من كلام الخرقي إذا لم يرض المحتال، ثم بانت عسرة المحال عليه، فإن المحتال يرجع على المحيل، بلا خلاف، لأنه لا تلزمه الحوالة على غير مليء لمفهوم الحديث، ومن هنا يتبين لك أن الرضا مسقط لرجوع المحتال على المحيل، لا أنه شرط لصحة الحوالة، إذ الحوالة تصح بدونه، لكن لصحتها شروط (أحدها) : رضا المحيل اتفاقا، (الثاني) : تماثل الحقين، وقد أشار الخرقي إلى ذلك، والتماثل في الجنس، كدراهم بدراهم، وفي الصفة، كناصرية بناصرية، وفي الحلول أو التأجيل، كحال بحال، ومؤجل بمؤجل، بشرط اتفاق الأجلين فإن أحاله بناصرية على دمشقية أو بالعكس، لم يصح عند أبي محمد، وكذلك عند من ألحقها بالمعاوضة، إذ اشتراط التفاوت فيهما ممتنع كالقرض، وأما من ألحقها بالاستيفاء فقال: إن كان تفاوتا يجبر على أخذه عند بذله كالجيد عن الرديء - صحت وإلا فلا. (الشرط

стр. 1955

الثالث) أن يكون بمال معلوم كالمثليات لا بما لا يصح السلم فيه كالجوهر ونحوه، وفيما يصح السلم فيه غير المثلي كالمذروع والمعدود - وجهان، وفي الحوالة بإبل الصدقة على من عليه مثلها وجهان، وإن أحال بإبل الدية على إبل القرض صح إن قيل برد المثل في القرض، وإن قيل برد القيمة لم يصح، لاختلاف الجنس، وفي العكس كأن أحال المقرض بإبل الدية - لا يصح مطلقا، لأنا وإن قلنا يجب المثل فللمقرض مثل ما أقرض في صفته، وقيمته [ومن عليه الدية لا] يلزمه ذلك (الرابع) الديون على أربعة أقسام، دين سلم، ودين كتابة، وما عداهما وهو قسمان، مستقر، وغير مستقر، كثمن المبيع في مدة الخيار، [ونحو ذلك] ، فلا تصح الحوالة بدين السلم، ولا عليه، وهل يجري هذا الحكم على رأس ماله بعد الفسخ؟ فيه وجهان، وتصح بدين الكتابة – على الصحيح دون عليه، ويصحان في سائر الديون، مستقرها وغير مستقرها، وقيل: لا تصح

стр. 1956

على غير مستقر بحال، وإليه ذهب أبو محمد، وجماعة من الأصحاب، وقيل: ولا بما ليس بمستقر، وهو اختيار القاضي في المجرد، وتبعه أبو الخطاب والسامري، والله أعلم. قال: ومن أحيل بحقه على مليء فواجب عليه أن يحتال. ش: نص أحمد ﵀ على ذلك، اتباعا لظاهر الأمر في الحديث، وفسر المليء في رواية إسماعيل العجلي بأن يكون بماله، وقوله، وبدنه، قلت: فالمال أن يقدر على الوفاء، والقول أن لا يكون مماطلا، والبدن أن يمكن حضوره إلى

стр. 1957

مجلس الحكم، هذا الذي يظهر لي في التفسير، فإن امتنع من القبول أجبر على ذلك، لكن هل تبرأ ذمة محيله قبل أن يجبره الحاكم؟ فيه روايتان، (إحداهما) نعم، فلو هلك المحال عليه معسرا فلا شيء له، وهي التي صححها القاضي يعقوب. (والثانية) : لا، لكن تنقطع المطالبة بمجرد الحوالة، ويصير بمثابة من بذل ما عليه من دين، فامتنع صاحبه من القبض، فإن الحاكم يجبره على القبض، ولا تبرأ ذمة الغريم قبل ذلك. وفهم من كلام الخرقي ﵀ أنه لا يعتبر رضا المحتال، ولا المحال عليه، وهو الصحيح، أما المحتال فللحديث، وأما المحال عليه فلأن للإنسان أن يستوفي حقه بنفسه وبوكيله، والمحتال قد أقامه المحيل مقام الوكيل، والله أعلم. قال: ومن ضمن عنه حق بعد وجوبه عليه، أو قال: ما أعطيته فهو علي فقد لزمه ما صح أنه أعطاه. ش: الضمان مشتق عند أبي محمد من الضم، فهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، ورد بأن لام

стр. 1958

الكلمة في الضم ميم، وفي الضمان نون، وشرط صحة الاشتقاق وجود حروف الأصل في الفرع، ويجاب بأنه من الاشتقاق الأكبر، وهو المشاركة في أكثر الأصول، مع ملاحظة المعنى، وعند القاضي من التضمن فذمة الضامن تتضمن الحق، وعند ابن عقيل: من الضمن، فذمة الضامن في ضمن ذمة المضمون عنه، والخلاف في الاشتقاق، أما المعنى فواحد، وعرفه أبو البركات بأنه التزام الإنسان في ذمته دين المديون، مع بقائه [عليه] ، وليس بمانع، لدخول كل من لم يصح تبرعه، ولا جامع، لخروج ضمان ما لم يجب، والأعيان المضمونة، ودين الميت إن برئ بمجرد الضمان عنه، على رواية.

стр. 1959

وهو جائز في الجملة بالإجماع، وسنده قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] . ٢٠٦٧ - قال ابن عباس: الزعيم الكفيل. ٢٠٦٨ - وقول النبي ﷺ : «الزعيم غارم» إلى غير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا عدنا إلى لفظ الخرقي ﵀ فقوله: ومن ضمن عنه حق بعد وجوبه عليه فقد لزمه. أي لزم الضامن ذلك الحق، وذلك لما تقدم من قول النبي ﷺ : «الزعيم غارم» رواه أبو داود، والترمذي وحسنه.

стр. 1960

وقوة كلام الخرقي تقتضي أنه لا بد من رضا الضامن، وهو واضح، إذ الإنسان لا يلزمه عقد لم يلتزمه، لكن لا بد مع رضاه من أن يصح تبرعه، ومقتضى كلامه أنه لا يعتبر رضا المضمون له، ولا رضا المضمون عنه، ولا معرفتهما، لحديث أبي قتادة، وقال القاضي: تعتبر معرفتهما. وقيل: تعتبر معرفة المضمون له، دون المضمون عنه وقوله أو قال: ما أعطيته فهو علي. فهذه مسألة ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب، ومذهبنا الصحة فيهما، فما ثبت أنه أعطاه - ولو في المستقبل - فإنه يلزمه، للآية الكريمة، إذ حمل البعير مجهول، وغير واجب حينئذ. وقول الخرقي: ما أعطيته. قال أبو محمد: مراده الاستقبال، دفعا للتكرار، ولأنه عطفه على الأول، فدل على أنه غيره، إذ العطف يقتضي المغايرة، واحتمل أن مراده الماضي، ويكون فائدة المسألة بيان صحة ضمان المجهول، وقد حكى الأصحاب في نحو هذا اللفظ، هل هو

стр. 1961

للماضي أو للمستقبل وجهين، ذكرهما ابن أبي موسى، وكذلك النحاة قالوا: الفعل الماضي الواقع صلة لموصول، أو لنكرة موصوفة، يحتمل أن يحمل على الماضي، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ويحتمل أن يحمل على المستقبل، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] أي يتوبوا، ويرجح الأول إعمال الحقيقة والله أعلم. قال: ولا يبرأ المضمون عنه إلا بأداء الضامن. ش: لا يبرأ المضمون عنه بنفس الضمان، بل يثبت الحق في ذمة الضامن، مع بقائه في ذمة المضمون عنه، لقول النبي ﷺ : «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» . ٢٠٦٩ - وفي المسند «عن جابر ﵁ قال: توفي صاحب لنا، فأتينا به النبي ﷺ ليصلي عليه، فخطا خطوة ثم قال: «أعليه دين» ؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فقال: الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : «وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما؟» قال: نعم. فصلى عليه،

стр. 1962

ثم قال بعد ذلك: «ما فعل الديناران» ؟ قال: إنما مات أمس. قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : «الآن بردت جلدته» فأخبر ﷺ أنه حينئذ أي حين القضاء بردت جلدته. وعن أحمد ﵀ رواية أخرى أن المضمون عنه إذا كان ميتا برئ بمجرد الضمان عنه، استدلالا بقوله ﷺ في حديث جابر: «وبرئ الميت منهما» ويجاب عنه بأن هذا ليس إخبارا منه ﷺ ببراءته، وإنما هو استفهام من أبي

стр. 1963

قتادة، في أنه هل ضمن متبرعا لا ليرجع، ولهذا أجابه بنعم. (تنبيه) : حكى أبو الخطاب وأبو محمد وغيرهما هذه الرواية في الميت مطلقا، وخصها أبو البركات بالميت المفلس والله أعلم. قال: فمتى أدى رجع به عليه، سواء قال له: اضمن عني أو لم يقل. ش: إذا أدى الضامن الدين لم يخل من أحوال، (الأول) ضمن بإذنه وأدى بإذنه، (والثاني) ضمن بإذنه وأدى بغير إذنه (الثالث) بالعكس، ولا خلاف عندنا أنه يرجع في هذه الصور الثلاث، (الرابع) ضمن وقضى بغير إذنه، لكن نوى الرجوع فعنه لا يرجع، لأن أبا قتادة لو استحق الرجوع لصار له دين على الميت، وإذا لم يصل النبي ﷺ عليه، لعدم فائدة الضمان إذا، إذ ذمة الميت لم تزل مشغولة بدين، (وعنه) وهي اختيار الخرقي، والقاضي، وأبي الخطابي، والشريف، وابن عقيل، والشيرازي وابن

стр. 1964

البنا، وغيرهم - يرجع، لأنه قضاء مبرئ من واجب عليه، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وهو شامل لما إذا أرضعت بأمره أو بلا أمره، وأما حديث أبي قتادة فإنما قضى متبرعا، لعلمه أنه لا وفاء له، وقصده أن النبي ﷺ يصلي عليه، بل قد يقال: في حديث أبي قتادة دليل على أن غير المتبرع يرجع، لقوله ﷺ له: «وجب حق الغريم» أي عليك «وبرئ الميت منهما» (الحال الخامس) إذا ذهل عن قصد الرجوع وعدمه، وظاهر كلام الخرقي - وتبعه صاحب الوجيز - أنه يرجع، وإذا المقتضي للرجوع هو تأدية الواجب عن الغير والمسقط له هو قصد التبرع وقد عرفت من هذا (حالا سادسا) وهو إذا نوى التبرع، فلا يرجع بلا ريب، وهذه الصور تستثنى من عموم كلام الخرقي، والله أعلم. [الكفالة بالنفس] قال: ومن تكفل بنفس لزمه ما عليها إن لم يسلمها. ش: الكفالة بالنفس صحيحة، في قول الجمهور، حتى

стр. 1965

قيل: إنه إجماع، لقول الله تعالى - حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وفيه نظر، إذ الظاهر أن المراد بالموثق اليمين، ولأن النفس يجب تسليمها بعقد، فوجب تسليمها بالكافلة كالمال، فعلى هذا إن لم يسلم النفس مع بقائها لزمه ما عليها، لعموم قوله ﷺ : «الزعيم غارم» وقياسا على الكفالة بالمال. ومقتضى كلام الخرقي ﵀ أنه لا بد من رضا الكفيل، وهو واضح، وأنه لا يشترط لصحتها رضا المكفول به، وهو أحد الوجهين ككفالة المال، والوجه الآخر يشترط، لئلا يفوت معنى الكفالة، إذ معناها حضور المكفول به، وإذا كان بلا إذنه لم يلزمه الحضور. وشرط صحة الكفالة بالنفس أن تكون بالمال، فلا تصح الكفالة ببدن من عليه حد أو قصاص، وتخصيص الخرقي الكفالة بالنفس يخرج منه الكفالة بالعين وهو واضح في
следующие страницы →