Полный текст (4 333 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الحياة، ونظرا إلى أن الأكثر والأشهر في الروايات ذكر الرأس فقط، وهذا إذا كان المحرم رجلا، أما إن كان امرأة فحكمها بعد الموت حكمها في الحياة، لا تمنع من لبس المخيط، وتغطي رأسها لا وجهها، والله أعلم.
قال: وإن سقط من الميت شيء غسل وجعل معه في أكفانه.
ش: إذا سقط من الميت شيء أو كان ساقطا - كبعض أعضائه - فإنه يغسل، ويجعل في أكفانه، لأن بعضه جزء من أجزائه، [فأعطي حكم كله، ولما فيه من جمع أجزاء الميت] في موضع واحد، وأنه أولى، والله أعلم.
قال: وإن كان شاربه طويلا أخذ وجعل معه في أكفانه.
ش: أما أخذه فلأن ذلك يراد للتنظيف، ويسن في حياته، من غير ضرر فيه، فكذلك بعد وفاته، وأما جعله معه فلما تقدم، وفي معنى أخذ الشارب قلم الظفر، لأنه في معناه، وعنه يكره قلم الظفر، لأنه من الجملة، ولهذا ينجس بالموت، بخلاف الشعر.
واقتصار الخرقي على ذكر أخذ الشارب يقتضي أنه لا يختن، ونص عليه أحمد، وحذارا من إزالة بعض أعضائه، ولأن المقصود من الختان التطهير من النجاسة، وقد زال ذلك، والجنة لا بول فيها ولا تغوط.
стр. 877
ويقتضي كلامه أيضا أن عانته لا تؤخذ، وهي اختيار أبي محمد، حذارا من كشف العورة ومسها، وهتك حرمة الميت، ونص أحمد - في رواية صالح - على أخذها.
١١١٦ - محتجا بأن سعد بن أبي وقاص ﵁ غسل ميتا، فدعى بموسى. ولأنه من الفطرة، أشبه قلم الظفر، وهذا مختار الجمهور، والقاضي في التعليق، وأبي الخطاب وصاحب التلخيص، وغيرهم، ثم قال القاضي في شرح المذهب: تزال بنورة، نظرا إلى الأسهل، وحذارا من المس، وقال أحمد: تأخذ بموسى أو بمقراض، نظرا لقصة سعد، والنورة ربما أتلفت الجسد، وخير أبو الخطاب في الهداية بينهما. والله أعلم.
[حكم التعزية]
قال: ويستحب تعزية أهل الميت.
١١١٧ - ش: عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من عزى مصابا فله مثل أجره» .
١١١٨ - وعن أبي برزة، أن رسول الله ﷺ قال: «من عزى ثكلى كسي بردافي الجنة» رواهما الترمذي.
стр. 878
«تنبيه» «ثكلى» المرأة تفقد ولدها ومن يعز عليها، والله أعلم.
[البكاء على الميت]
قال: والبكاء عليه] غير مكروه، إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة.
ش: إذا تجرد البكاء عن الندب والنياحة لم يكره.
١١١٩ - لما «روى أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا. فقال: «انزل في قبرها» رواه البخاري.
стр. 879
١١٢٠ - «وعن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى، فأتاه النبي ﷺ يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخلوا عليه، وجده في غشية، فقال: «قد قضى؟» فقالوا: لا يا رسول الله. فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: «ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم» .
١١٢١ - «وعن جابر ﵁ قال: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أبكي، فجعلوا ينهوني ورسول الله ﷺ لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ : «تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» متفق عليهما.
١١٢٢ - «وعن عائشة ﵂، أن سعد بن معاذ لما مات، حضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر، من بكاء عمر، وأنا في حجرتي» رواه أحمد.
أما إن كان مع البكاء ندب - وهو تعداد محاسن الميت،
стр. 880
نحو: واسيداه، وارجلاه، ونحو ذلك، أو نوح - فإنه يحرم، لما اشتمل عليه من ذلك.
١١٢٣ - ففي الترمذي وغيره عن أبي موسى ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه، واسيداه، إلا وكل الله به ملكين يلهزانه، ويقولان: أهكذا كنت؟» .
١١٢٤ - «وعن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة أن لا ننوح» . مختصر، متفق عليه.
١١٢٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ النائحة، والمستمعة» . رواه أبو داود، وقال أحمد - في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] إنه النياحة، وقد ورد ذلك مرفوعا.
١١٢٦ - «فعن أسماء بنت يزيد قالت: قالت امرأة من النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: «لا تنحن» مختصر، رواه الترمذي.
стр. 881
وقيل: إذا تجرد الندب والنياحة عن اللطم، ونتف الشعر، وذكر الميت بما ليس فيه، ونحو ذلك، كره ولم يحرم، وهو ظاهر كلام الخرقي، وقيل عن أحمد ما يحتمل الإباحة، واختاره الخلال وصاحبه.
١١٢٧ - لأنه روي عن واثلة بن الأسقع، وأبي وائل أنهما كانا يستمعان النوح ويبكيان، رواه حرب، والمذهب الأول.
١١٢٨ - وعليه حمل أبو محمد ما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وفي رواية «ليعذب ببكاء الحي عليه» وفي رواية «بما نيح عليه» فحمله على بكاء معه ندب أو نياحة، وقيل: بل ما ورد محمول على من أوصى
стр. 882
بذلك، وهو قول الخطابي، وابن حامد من أصحابنا كقول طرفة:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وقيل: بل يحمل على من أوصى بذلك، وقيل: محمول على من عادتهم وسنتهم النوح، ولم يوصهم بترك ذلك. اختاره أبو البركات [لتفريطه، أما مع الوصية باجتناب ذلك فلا، وهذا قول صاحب التلخيص] وقد حمل ذلك على ظاهره راويا الحديث عمر وابنه ﵄، وأنكرت ذلك عائشة ﵂.
стр. 883
١١٢٩ - ففي الصحيحين عنها أنها قالت: يرحم الله عمر وابنه، ما حدث رسول الله ﷺ أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ولكن قال: «إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» وقالت: حسبكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن أبي مليكة: فما قال ابن عمر شيئا.
١١٣٠ - وقالت أيضا: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكن نسي أو أخطأ. وفي رواية وهم - إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية [يبكي عليها] فقال: «إنه ليبكى عليها لتعذب في قبرها» .
١١٣١ - وعن ابن عباس نحو هذا، وقال: والله أضحك وأبكى. انتهى.
ولا بأس باليسير من الكلام في صفة الميت، إذا كان صدقا، ولم يخرجه مخرج النوح، قال أحمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة، في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح.
стр. 884
١١٣٢ - والذي «حكي عن فاطمة ما رواه أنس قال: لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه» . رواه البخاري.
«تنبيه» «يقارف» .
١١٣٣ - «في مسند أحمد أن رقية لما ماتت، قال النبي ﷺ : «لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله» فلم يدخل عثمان بن عفان ﵁ القبر» ، «والوزر» الإثم والذنب المثقل للظهر، والمراد: لا يحمل أحد من المذنبين ذنب أحد، «واللهز» الدفع في الصدر بجميع الكف، والله أعلم.
[صنع طعام لأهل الميت]
قال: ولا بأس أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم، ولا يصلحون هم طعاما للناس.
ش: أما إباحة ذلك لغير أهل الميت:
١١٣٤ - فلما روي «عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل، قال النبي ﷺ «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم
стр. 885
ما يشغلهم» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه.
وأما عدم إباحته لهم فلما علل به ﷺ ، من أنهم في شغل بمصابهم.
١١٣٥ - وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه أحمد.
وظاهر كلام الخرقي أنه يباح لغير أهل الميت صنيع الطعام، ولا يباح لأهل الميت، وقال غيره: ويسن لغير أهل الميت، ويكره لأهله، والله أعلم.
[موت المرأة وفي بطنها جنين]
قال: والمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، فلا يشق بطنها، وتسطو القوابل عليه فيخرجنه.
ش: المذهب المنصوص - والذي عليه الأصحاب - أن المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، أن بطنها لا يشق، لأن في الشق هتك حرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة، إذ الغالب
стр. 886
والظاهر أن الولد لا يعيش، واحتج أحمد - في رواية أبي داود - بما روت عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» رواه أبو داود، وابن ماجه، ورواه ابن ماجه من رواية أم سلمة، وزاد «في الإثم» وتوقف أحمد عن ذلك في رواية الأثرم، ولم يجزم بحجية [الحديث] بل قال: قيل: كسر عظم الميت ككسر عظم الحي. وحكى أبو الخطاب في الهداية ومن بعده احتمالا بالشق، إذا غلب على الظن أن الولد يعيش لأن حفظ حرمة الحي أولى، وكما لو خرج بعضه حيا، وتعذر إخراج باقيه من غير شق، [فإنه يشق] .
فعلى الأول تسطو عليه القوابل، أي يدخلن أيديهن في فرجها. فيخرجنه إن غلب على ظنهن حياته، بحركته مع قرب ولادتها، ونحو ذلك.
فإن لم تقدر عليه النساء، أو لم يوجدن فهل يسطو عليه الرجال؟ فيه روايتان (إحداهما) : لا يسطون ويترك حتى يموت، اختاره القاضي،
стр. 887
وصاحب التلخيص، وأبو محمد، وغيرهم، ويحتمله كلام الخرقي، لما فيه من هتك حرمتها مع الرجال، مع بعد احتمال الحياة (والثانية) : - وهي المنصوصة عنه، واختيار أبي بكر، وأبي البركات - يسطون، لأن ذلك يحتمل في حق الأحياء، فالأموات أولى، ولم يقيد أحمد الرجل بالمحرم، وقيده ابن حمدان بذلك، وحيث تعذر إخراجه فإنها تترك حتى يتيقن موته، قال أحمد: ينتظرنها ما دام حيا، والله أعلم.
[حضور صلاة الجنازة مع صلاة أخرى]
قال: وإذا حضرت الجنازة، وصلاة الفجر، بدئ بالجنازة.
ش: لأنا إذا قدمنا الجنازة فعلناها في غير وقت نهي، أو في وقت اختلف فيه، أما إن أخرناها، فإننا نفعلها في وقت نهي بلا نزاع، فكانت البداءة بها أولى، وكذلك إذا حضرت [الجنازة] وصلاة العصر، بدئ بالجنازة بطريق الأولى، إذ وقت النهي إنما يدخل بفعل الصلاة على المذهب، بخلاف الفجر، فإن وقت النهي فيها يدخل بطلوع الفجر على المذهب، والله أعلم.
قال: وإن حضرت وصلاة المغرب بدئ بالمغرب.
ش: إذا حضرت الجنازة وصلاة المغرب، بدئ بالمغرب، لتأكد المغرب، ولكراهة تأخيرها، ولا محذور في تأخير الجنازة، إذ لا نهي بعد الغروب، وكذا إذا حضرت وصلاة الظهر أو العشاء، بدئ بالعشاء والظهر، لتأكدهما. والله أعلم.
стр. 888
[صلاة الجنازة على مرتكب الكبيرة]
قال: ولا يصلي الإمام على الغال، ولا على من قتل نفسه.
ش: الغال هو الذي يكتم الغنيمة أو بعضها، فلا يصلي الإمام عليه، ولا على من قتل نفسه عمدا. على المنصوص، والمذهب بلا ريب.
١١٣٦ - لما روى جابر بن سمرة ﵁، «أن النبي ﷺ جاءوه برجل قد قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه» . رواه مسلم وغيره.
١١٣٧ - وفي السنن عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: «توفي رجل من جهينة يوم خبير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود، ما يساوي درهمين» . رواه الخمسة إلا الترمذي واحتج به أحمد، فامتنع ﷺ من الصلاة عليه، وهو الإمام، وأمر غيره بالصلاة عليه، وكذلك روي عنه ﷺ –
стр. 889
فيمن قتل نفسه، قال أحمد وسئل: من قتل نفسه يصلى عليه؟ - قال: - أما الإمام فلا يصلي عليه، وأما الناس فيصلون عليه، «هكذا فعل النبي ﷺ بالذي قتل نفسه، لم يصل عليه، وأمرهم أن يصلوا عليه» ، وإذًا يلحق به غيره من الأئمة، إذ ما ثبت في حقه ﷺ ، ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل يخصه، وجعل أبو البركات ترك صلاة الإمام استحبابا، من باب الردع والزجر، وعدى ذلك إلى كل معصية ظاهرة، مات عنها صاحبها من غير توبة.
(تنبيه) الإمام هنا هو أمير المؤمنين خاصة، قاله الخلال وغيره، ونقل عنه حرب أن الإمام هو الوالي، وأن إمام كل قرية واليهم، وخطأ الخلال حربا، وقال: إن الذي عليه العمل من قوله هو الأول. قاله أبو البركات: وهذا تحكم، والصحيح تصويبه، وجعل ذلك رواية.
قال: وإذا حضرت جنازة رجل وامرأة، وصبي، جعل الرجل مما يلي الإمام، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما.
ش: لا خلاف في المذهب أن الرجل الحر يلي الإمام، لشرفه بالذكورية، والحرية، والتكليف، ثم بعده هل يقدم الصبي لشرفه بالحرية، وهو اختيار الخلال، أو العبد البالغ، لشرفه بالتكليف، وهو اختيار القاضي في التعليق، وأبي محمد، وظاهر كلام الخرقي؟ فيه روايتان منصوصتان، ثم [من] بعد الصبي المرأة، لشرفه بالذكورية، فيقدم عليها،
стр. 890
نص عليه أحمد في رواية صالح، وأبي الحارث.
١١٣٨ - ويشهد له ما «روى عمار مولى بني هاشم، قال: شهدت جنازة صبي وامرأة، فقدم الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه، وفي القوم أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وأبو قتادة، وأبو هريرة ﵃، فقلنا لهم: فقالوا: السنة» . وقال الخرقي: يؤخر الصبي عن المرأة، لشرف المرأة بالتكليف، وهذا الذي نصبه القاضي في التعليق، ولم يذكر به نصا، والخنثى يقدم على المرأة لاحتمال ذكوريته، والله أعلم.
قال: وإن دفنوا في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما، ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب.
ش: لا إشكال أن جهة القبلة في الدفن هي الجهة الفاضلة، فيقدم الأفضل ثم الذي يليه إليها، على ما تقدم في تقديمهم إلى الإمام، ويشهد لذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 891
وقد تضمن كلام الخرقي أنه يجوز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وهو صحيح، نص عليه أحمد والأصحاب.
١١٣٩ - لما روى هشام بن عامر قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقلنا، يا رسول الله، الحفر علينا لكل إنسان شديد. فقال: «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد» قالوا: فمن نقدم يا رسول الله؟ قال: «قدموا أكثرهم قرآنا» وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد» . رواه النسائي، والترمذي بنحوه وصححه.
فإن اختلفت أنواعهم - كرجال ونساء - قدم إلى القبلة من [يقدم] إلى الإمام عند الصلاة عليه، هذا كله مع الضرورة، لكثرة الموتى ونحو ذلك، أما مع [عدم] الضرورة فالذي عليه عامة الأصحاب أنه لا يدفن في القبر إلا واحد، لأن «النبي ﷺ كان يدفن كل واحد في قبر» ، وعلى ذلك استمر فعل الصحابة، ومن بعدهم من السلف والخلف، ونقل عنه أبو طالب إذا ماتت امرأة وقد ولدت ولدا ميتا، فدفن معها، جعل بينها وبينه حاجز من تراب، أو يحفر له في ناحية منها، وإن لم يدفن معها فلا بأس، فظاهر هذا جواز
стр. 892
دفن الاثنين في قبر من غير ضرورة بلا كراهة، وهو ظاهر إطلاق الخرقي، ويحتمل أن يختص كلام أحمد [بما] إذا كانا أو أحدهما ممن لا حكم لعورته لصغره، كحالة النص.
وحيث دفن في القبر اثنان فأكثر جعل بين كل اثنين حاجز من تراب، ليجعل كأن كل واحد منهما منفرد بقبر، والله أعلم.
قال وإذا ماتت نصرانية وهي حامل من مسلم، دفنت بين مقبرة المسلمين والنصارى.
ش: لأنها إن دفنت في مقبرة المسلمين تأذوا بعذابها، وإن دفنت في مقبرة النصارى تأذى الولد بعذابهم، فتدفن وحدها، وقد حكى هذا أحمد عن واثلة بن الأسقع.
فإن قيل: فالولد على كل حال يتأذى بعذابها؟ (قيل) : هذا محل ضرورة، وهو أخف من عذاب المجموع. انتهى، ويجعل ظهرها إلى القبلة، على جنبها الأيسر، لأن الولد إذًا يكون إلى القبلة، على جنبه الأيمن، لأن وجهه إلى ظهرها. والله أعلم.
стр. 893
قال: ويخلع النعال إذا دخل المقابر.
ش: يستحب خلع النعال في المقبرة، ويكره المشي فيها إذًا.
١١٤٠ - لما «روى بشير مولى رسول الله ﷺ [قال: (بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ ] مر بقبور المشركين، فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا» ثلاثا، ثم مر بقبور المسلمين فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا» ثم حانت من رسول الله ﷺ نظرة، فإذا رجل يمشي عليه نعلان، فقال له: «يا صاحب السبتيتين ألقهما» فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما، فرمى بهما) » . رواه أبو داود، والنسائي، واحتج به أحمد في رواية حنبل وغيره، وقال: هذا أمر من النبي ﷺ وصححه في رواية محمد بن الحكم، ونقل عنه ما يدل على جواز ذلك من غير كراهة.
стр. 894
ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يخلع ما عدا النعال من الخفاف، والتمشكات، وغيرهما، ولذلك قال القاضي: لا تتعدى الكراهة إلى التمشكات، ولا إلى غيرها، قصرا للنص على موضعه، وقيل بتعديه إلى التمشكات، لأنه في معنى النعل، لا إلى الخف؛ لأن في الخلع مشقة، ولهذا كان أحمد يلبس الخفاف في المقابر.
(تنبيه) السبتية نسبة إلى السبت، جلود مدبوغة بالقرض، يتخذ منها النعال، والله أعلم.
[زيارة القبور]
قال: ولا بأس أن يزور الرجال المقابر.
ش: تستحب للرجال زيارة القبور، على المنصوص، والمشهور عند الأصحاب.
١١٤١ - لما روى بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا» رواه مسلم وغيره.
стр. 895
وقيل: يباح ولا يستحب، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأن في رواية أحمد والنسائي عن بريدة «ونهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا» وهو الغالب في الأمر بعد الحظر، لا سيما وقد قرنه بما هو مباح، وهو ادخار لحوم الأضاحي، والانتباذ في كل سقاء.
قال: ويكره للنساء. والله أعلم.
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ قال: لا تخرج المرأة إلى المقابر، ولا [إلى] غيرها.
١١٤٢ - وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ لعن زوارات القبور» رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه.
١١٤٣ - وروي أيضا من حديث حسان، وابن عباس ﵃ -
стр. 896
وهذا النهي خاص بالنساء، وذلك النهي والأمر يحتمل أنهما خاصان بالرجال، ويحتمل أنهما لهما، ويحتمل أن هذا الحديث بعد الإذن في الزيارة، وإذا دار الأمر بين الحظر والإباحة، فأقل الأحوال الكراهة، بل لو قيل بالحظر لم يكن بعيدا، لا سيما والمرأة قليلة الصبر، فالظاهر تهييج حزنها، برؤية قبور أحبتها، فقد يقع منها ما لا ينبغي.
١١٤٤ - وقد روي عن عبد الله بن عمرو قال: «بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذ بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف، حتى انتهت إليه، فإذا هي فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال لها: «ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟» فقالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم. قال: «لعلك بلغت معهم الكدى؟» قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. فقال: «لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك» رواه أحمد، والنسائي، وهذا لفظه، وقد صحح وضعف. وحسن.
стр. 897
والرواية الثانية: يباح لها ذلك، قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وذلك لعموم حديث بريدة ﵁.
١١٤٥ - وعن عبد الله بن أبي مليكة «أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها» . رواه الأثرم في سننه، واحتج به أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث، ففهمت دخولهن في العموم.
واعلم أن الخلاف السابق حكاه أبو الخطاب في الهداية، والشيخان وغيرهم في الكراهة، وحكاه صاحب التلخيص في التحريم، ولعله أوفق لنص أحمد، وجمع ابن حمدان الطريقتين، فحكى ثلاث روايات، الإباحة، والكراهة، والتحريم.
وعلى جميع الروايات متى علمت من نفسها أنها متى زارت بدا منها ما لا يجوز، لم تجز لها الزيارة قولا واحدا.
стр. 898
[آداب زيارة القبور]
«تنبيهان» (أحدهما) يقول الزائر لها، والمار عليها:
١١٤٦ - ما روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر ليلتها إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» .
١١٤٧ - وعن بريدة قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر وكان قائلهم يقول: «السلام على أهل الديار - وفي لفظ - السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» رواهما مسلم. ويخير في السلام بين التنكير والتعريف، للأحياء والأموات؛ لأن السنة وردت بذلك، وقال ابن عقيل: في الأحياء التنكير، وفي الأموات التعريف. ورد بالسنة، وبأن أحمد نص في رواية أبي طالب في السلام على الأحياء معرفا، ونص في السلام على الأموات على التعريف والتنكير.
(الثاني) : «الهجر» بالفتح الهذيان، وهو النطق بما لا يفهم، «والكدى» جمع كدية وهي الأرض الصلبة، لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبة، والله أعلم.
стр. 899
[كتاب الزكاة]
ش: الزكاة في اللغة النماء، والزيادة، والتطهير، قال الواحدي: الأظهر أنها مشتقة من: زكى الزرع يزكو زكاء بالمد إذا زاد. قال: والزكاة أيضا الصلاح يقال: رجل زكي - أي زائد الخير - من قوم أزكياء: وزكى القاضي الشهود. إذا بين زيادتهم في الخير، فسمي المال المخرج زكاة؛ لأنه يزيد في المخرج منه، ويقيه الآفات. وفي عرف الشرع اسم لإخراج شيء مخصوص، من مال مخصوص، على وجه مخصوص.
وهي مما علم وجوبها من دين الله بالضرورة، وقد قال عز من قائل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] .
١١٤٨ - وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن «أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» مختصر متفق عليه.
стр. 900
[في آي وأخبار سوى هذين] ، وأجمع الصحابة على وجوبها، وعلى قتال مانعيها، والله أعلم.
[زكاة الإبل]
قال: وليس فيما دون خمس من الإبل سائمة صدقة.
ش: اعلم أن الذي تجب فيه الزكاة في الجملة أربعة أنواع (بهيمة الأنعام) ، وهي الإبل والبقر، والغنم (والخارج) من الأرض، (والأثمان) ، (وعروض التجارة) ، وأكثر هذه، وأعمها عند العرب، بهيمة الأنعام، وأنفس بهيمة الأنعام عندهم الإبل، فلذلك بدأ بها الخرقي، وقد انعقد الإجماع على وجوب الزكاة في الإبل في الجملة، وأن أقل نصاب الإبل خمس، فما دون الخمس لا شيء فيها، وقد جاءت السنة مصرحة بذلك.
١١٤٩ - ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» مع ما يأتي إن شاء الله تعالى، والذود: ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل، وقيل: ما بين الثنتين إلى التسع، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والله أعلم.
قال: فإذا ملك خمسا من الإبل، فأسامها أكثر السنة ففيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه.
ش: هذا أيضا مجمع عليه بحمد الله تعالى.
стр. 901
١١٥٠ - والأصل في الباب ما «روى أنس بن مالك ﵁، [أن أبا بكر الصديق ﵁] لما استخلف كتب له، حين وجهه إلى البحرين هذا الكتاب، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر «محمد» سطر، «ورسول» سطر، «والله» سطر، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة، التي فرضها رسول الله ﷺ والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين، إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة، وصدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين، إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان
стр. 902
بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليس عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ابنة لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين، أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين [درهما] أو شاتين فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن البون فإنه يقبل منه وليس معه شيء، وفي رواية «ابن لبون ذكر» رواه البخاري. قال الحميدي: في عشرة مواضع من كتابه، بإسناد واحد مقطعا، والنسائي، وأبو داود، وأحمد، وقال في رواية ابن مشيش - وسئل أي الأحاديث أثبت عندك في الصدقات؟ فقال -: ما أصح حديث ثمامة بن أنس يرويه حماد بن سلمة وقال في رواية الميموني: لا أعلم في الصدقة أحسن
стр. 903
منه. انتهى، وهو أصل عظيم يعتمد، وقد قال فيه: «إن في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، في كل خمس شاة» .
«تنبيه» وهذا الشاة. .
وقول الخرقي: فأسامها. نص في أن من شرط وجوب الزكاة في الإبل أن تكون سائمة، فلا تجب الزكاة في المعلوفة، وهو صحيح، لا إشكال فيه، لأن في الحديث السابق «وصدقة الغنم في سائمتها» أي يجب في سائمتها، أو الواجب في سائمتها، فجعل ﷺ الوجوب مختصا بالسائمة، والإبل في معنى الغنم.
١١٥١ - مع أن في السنن عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «في كل سائمة إبل في كل أربعين بنت لبون» ولأن المعلوفة مال غير معد للنماء، أشبه ثياب البذلة،
стр. 904
والمشترط السوم في أكثر السنة، إقامة للأكثر مقام الكل، إذ اعتباره في جميع الحول يمنع الوجوب إلا نادرا.
ويستثنى من كلام الخرقي العوامل، فإن الزكاة لا تجب فيهن وإن كن سائمة، نص عليه أحمد في رواية جماعة، وقال: أهل المدينة يرون فيها الصدقة، وليس عندهم في هذا أصل.
١١٥٢ - وقد روى الحارث الأعور عن علي، قال زهير - وهو ابن
стр. 905
معاوية -: أحسبه عن النبي ﷺ فذكر حديثا وفيه «وليس على العوامل شيء» رواه أبو داود، لكن الحارث فيه كلام.
стр. 906
١١٥٣ - وقد روي أيضا من حديث ابن عباس، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رواهما الدارقطني.
والمعنى في ذلك أن القصد منها الانتفاع بظهرها، لا الدر والنسل، أشبهت البغال والحمير.
وقوله: فأسامها. ظاهره أنه وجد منه فعل السوم، فيكون من مذهبه اشتراط نية السوم، وهو أحد الوجهين، والوجه الآخر: لا يشترط، فلو سامت بنفسها، أو أسامها غاصب، وقلنا بوجوب الزكاة في المغصوب، وجبت الزكاة.
«تنبيه» السائمة عبارة عمن رعت المباح، والله أعلم.
قال: فإذا صارت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين، ففيها ابنة لبون، إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، إلى ستين، [فإذا
стр. 907
بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون، إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين] ففيها حقتان، طروقتا الفحل، إلى عشرين ومائة.
ش: هذا كله مجمع عليه بحمد الله، وما تقدم من كتاب أبي بكر نص فيه.
وقول الخرقي: فإن لم يكن فيها بنت مخاض - يعني في إبله - فابن لبون. يعني إن وجده في إبله، فشرط إجزاء ابن اللبون عدم بنت المخاض في إبله، ووجود ابن اللبون، أما إن عدمه فإنه يلزمه شراء بنت مخاض، وهذا ظاهر ما تقدم «فإن لم تكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه» ولأن العدول عن بنت المخاض كان للرفق به، ومع الشراء قد زال الرفق، فيرجع إلى الأصل، وحكم وجودها معيبة في إبله حكم ما لو عدمها، إذ الممنوع منه شرعا كالمعدوم حسا، ولهذا قال في الحديث «على وجهها» أي على الوجه الشرعي، أما إن وجدها أعلى من الواجب عليه، فإنه لا يجزئه إخراج ابن اللبون، بل يخير بين إخراجها، وبين شراء بنت مخاض، على صفة الواجب، كما هو ظاهر الخبر وكلام الخرقي.
стр. 908
«تنبيه» : بنت المخاض من الإبل وابن المخاض ما استكمل سنة، ثم هو كذلك إلى آخر الثانية، سمي بذلك لأن أمه من المخاض أي الحوامل، والمخاض اسم الحوامل، لا واحد له من لفظه، وليس [كون] أمها من المخاض شرطا فيها، وإنما ذكر ذلك اعتبارا بغالب حالها، وكذلك بنت اللبون، إذ الغالب أن من بلغت سنة تكون أمها حاملا، ومن بلغت سنتين تكون أمها ذات لبن.
«وبنت اللبون» وابن اللبون ما استكمل الثانية، ثم هو كذلك إلى تمام الثالثة سمي بذلك لأن أمه ذات لبن.
«والحقة» والحق ما استكمل الثالثة، ثم هو كذلك إلى آخر الرابعة، سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل، أو يركبه الفحل، ولهذا قال: «طروقة الفحل» أي يطرقها ويركبها «والجذعة» والجذع ما استكمل الرابعة، ثم هو كذلك إلى آخر الخامسة، سمي بذلك لأنه يجذع إذا سقط سنه.
وقول الخرقي: فابن لبون ذكر. تبع فيه لفظ الحديث، وإلا فابن لبون هو ذكر، وهو تأكيد، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
١١٥٤ - وقول النبي ﷺ : «ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان»
стр. 909
وهو كثير، وتنبيه لرب المال والمصدق، ليطيب رب المال نفسا بالزيادة المأخوذة منه، إذا علم أنه كان قد أسقط عنه ما كان بإزائه من فضل الأنوثة، وليعلم المصدق أن هذا مقبول من رب المال. والله أعلم.
قال: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
ش: ظاهر هذا أنها إذا زادت واحدة على العشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، وهو المشهور من الروايتين، والمختار للأصحاب، لظاهر كتاب أبي بكر الصديق ﵁ «فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون» وبالواحدة قد حصلت الزيادة.
١١٥٥ - وفي كتاب الصدقات الذي كتبه النبي ﷺ وكان عند آل عمر وفيه «فإذا زادت واحدة - أي على التسعين - ففيها حقتان، إلى عشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون» رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، ورواه أبو داود عن سالم [مرسلا] ،
стр. 910
وفيه «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون» .
(والرواية الثانية) : لا يتغير الفرض إلى مائة وثلاثين، فيجب حقة وبنتا لبون. نقلها عنه القاضي البرثي، واحتج له بحديث ثمامة بن أنس.
стр. 911
١١٥٦ - وبحديث عمرو بن حزم، وقال: هو عن كتاب وهو صحيح، وفي هذا النقل عنه نظر، لأن حديث أنس المشهور ليس فيه ذلك، بل أحمد قد احتج به في رواية النيسابوري على الرواية الأولى، وأما حديث عمرو بن حزم فلعل فيه ذلك، لكن لم أرهم نقلوا ذلك، وقد يستدل لهذه الرواية
стр. 912
بأن في بعض ألفاظ حديث ابن عمر رواه أحمد «فإذا كثرت
стр. 913
الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون» والواحدة لا تكثر بها الإبل.
١١٥٧ - وفي سنن ابن بطة عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ التي كتب في الصدقة، وهي عند آل عمر وقال فيه: «فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان، طروقتا الفحل، حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة، ففيها حقة وبنتا لبون» ويجاب بأن هاتين الروايتين فيهما إجمال وما تقدم يفسرهما.
وعلى كلتا الروايتين متى بلغت الفريضة مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، لأن المائتين أربع خمسينات، وخمس أربعينات هذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر، وابن حامد، وأبي محمد، والقاضي، قال في الروايتين: [إنه] الأشبه. وقال الآمدي: إنه ظاهر المذهب. ويحتمله كلام أحمد في
стр. 914
رواية صالح وابن منصور وذلك لظاهر حديث أبي بكر، إذ فيه «في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة» وعن الزهري قال: نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، أقرأنيه سالم بن عبد الله بن عمر. وفيه «فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت أخذت» .
ونقل علي بن سعيد عن أحمد: يأخذ من المائتين أربع حقاق. فمن الأصحاب من فسر ذلك بأن فيها أربع حقاق بصفة التخيير، ويكون القصد أن تسعين ومائة [فيها] ثلاث حقاق وبنت لبون، فإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق، ومنهم من أقره على ظاهره، وقال: تتعين الحقاق، إلا أن لا يكون فيها إلا بنات لبون فتجزئ بنات اللبون وهذا قول ابن عقيل.
وظاهر كلام أحمد تتعين الحقاق مطلقا، نظرا لحظ الفقراء، إذ هي أنفع لهم، لكثرة درها ونسلها.
هذا كله إذا لم يكن المال ليتيم، فإن كان ليتيم أو مجنون تعين على الولي إخراج الأدون المجزئ من الفرضين اعتمادا
стр. 915
على أن ذلك هو الأحظ، وإنما يتصرف في ماله بذلك، والله أعلم.
قال: ومن وجبت عليه حقة وليست عنده، وعنده ابنة لبون أخذت منه ومعها شاتان أو عشرون درهما، ومن وجبت عليه ابنة لبون، وليست عنده، وعنده حقة، أخذت منه وأعطي الجبر من شاتين أو عشرين درهما والله أعلم.
ش: قد تقدم هذا مصرحا به في حديث أبي بكر [الصديق]﵁، وكذلك إذا وجبت عليه ابنة مخاض، فعدمها ووجد ابنة لبون، [فإنه] يدفعها ويأخذ شاتين أو عشرين درهما، [وكذلك إن وجب عليه حقة وليست عنده، وعنده جذعة، فإنها تؤخذ منه ومعها شاتان أو عشرون درهما] ، وكل هذا في حديث أبي بكر ﵁، وليس له أن ينزل عن بنت مخاض أصلا، إذا هي أدنى أسنان الإبل المجزئة في الزكاة، وللمالك أن يصعد إلى [الثنية] بلا جبران؛ لأنها أعلى.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجبر بشاة وعشرة دراهم، وهو أحد الوجهين
следующие страницы →