Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
رِزْقُوَيْهِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ [أَبُو] الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُجَدَّدُ مَا خُرِّبَ مِنْهَا» ".
стр. 1087
وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ كَالنَّصِّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ هَذَا الْإِسْنَادُ، وَلَكِنْ فِي شُرُوطِ عُمَرَ عَلَيْهِمْ: " وَلَا يُجَدَّدُ مَا خُرِّبَ مِنْ كَنَائِسِنَا ".
قَالُوا: وَلِأَنَّ تَجْدِيدَهَا بِمَنْزِلَةِ إِحْدَاثِهَا وَإِنْشَائِهَا فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ بِنَاءٌ لَا يُمْلَكُ إِحْدَاثُهُ، فَلَا يُمْلَكُ تَجْدِيدُهُ كَالْبِنَاءِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْبَانِي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِدَامَةَ فَلَا يَمْلِكُ التَّجْدِيدَ، وَهَؤُلَاءِ يَمْلِكُونَ الِاسْتِدَامَةَ فَمَلَكُوا التَّجْدِيدَ، قِيلَ: لَا يَلْزَمُ هَذَا فَإِنَّهُ لَوْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِوَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ، فَلَوِ انْهَدَمَ الْحَائِطُ فَبَنَاهُ صَاحِبُهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمُسْتَعِيرُ تَجْدِيدَ الْمَنْفَعَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ الذِّمِّيُّ دَارًا عَالِيَةَ الْبُنْيَانِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ ذَلِكَ، فَلَوِ انْهَدَمَتْ فَأَرَادَ بِنَاءَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، بَلْ يُسَاوِي بِهَا بُنْيَانَ جِيرَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَحُطُّهَا عَنْهُ.
وَأَيْضًا لَوْ فَتَحَ الْإِمَامُ بَلَدًا فِي بِيعَةٍ خَرَابٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ بِنَاؤُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا انْهَدَمَ جَمِيعُهَا زَالَ الِاسْمُ عَنْهَا، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ: لَا دَخَلْتُ دَارًا، فَانْهَدَمَتْ جَمِيعُهَا وَدَخَلَ بَرَاحَهَا لَمْ يَحْنَثْ لِزَوَالِ الِاسْمِ.
فَلَوْ قُلْنَا: يَجُوزُ بِنَاؤُهَا إِذَا انْهَدَمَتْ كَانَ فِيهِ إِحْدَاثُ بِيعَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بِيعَةٌ أَصْلًا.
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ: لَمَّا أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهَا تَضَمَّنَ إِقْرَارُنَا لَهُمْ جَوَازَ
стр. 1088
رَمِّهَا وَإِصْلَاحِهَا وَتَجْدِيدِ مَا خُرِّبَ مِنْهَا، وَإِلَّا بَطَلَتْ رَأْسًا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ لَا يَبْقَى أَبَدًا، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهَا.
قَالَ الْمَانِعُونَ: نَحْنُ نُقِرُّهُمْ فِيهَا مُدَّةَ بَقَائِهَا كَمَا نُقِرُّ الْمُسْتَأْمَنَ مُدَّةَ أَمَانِهِ. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّا أَقْرَرْنَاهُمُ اتِّبَاعًا لَا تَمْلِيكًا، فَإِنَّا مَلَكْنَا رَقَبَتَهَا بِالْفَتْحِ وَلَيْسَتْ مِلْكًا لَهُمْ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " جَوَازَ رَمِّ الشَّعَثِ وَمَنْعِ بِنَائِهَا إِذَا اسْتُهْدِمَتْ قَالَ: لِأَنَّ فِي كِتَابِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ لِعِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ: " وَلَا نُجَدِّدُ مَا خُرِّبَ مِنْ كَنَائِسِنَا ". وَرَوَى كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُجَدَّدُ مَا خُرِّبَ مِنْهَا» ".
قَالَ: وَلِأَنَّ هَذَا بِنَاءُ كَنِيسَةٍ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوِ ابْتُدِئَ بِنَاؤُهَا، وَفَارَقَ رَمَّ مَا شَعِثَ مِنْهَا فَإِنَّهُ إِبْقَاءٌ وَاسْتِدَامَةٌ وَهَذَا إِحْدَاثٌ.
قَالَ: وَقَدْ حَمَلَ الْخَلَّالُ قَوْلَ أَحْمَدَ: " لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا مَا انْهَدَمَ مِنْهَا " أَيْ: إِذَا انْهَدَمَ بَعْضُهَا، " وَمَنَعَهُ مِنْ بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ " عَلَى مَا إِذَا انْهَدَمَتْ كُلُّهَا، فَجَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
стр. 1089
[فَصْلٌ حُكْمُ تَرْمِيمِ الْكَنِيسَةِ وَزِيَادَةِ الْبِنَاءِ فِيهَا]
٢١٦ - فَصْلٌ
[حُكْمُ تَرْمِيمِ الْكَنِيسَةِ وَزِيَادَةِ الْبِنَاءِ فِيهَا]
وَفِي " النِّهَايَةِ " لِلْجُوَيْنِيِّ: قَالَ الْأَصْحَابُ: إِذَا اسْتَرَمَّتْ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ مَرَمَّتِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ قَائِلُونَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَمِّرُوهَا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لِلْمُسْلِمِينَ مَا يَفْعَلُونَ، فَإِنَّ إِظْهَارَ الْعِمَارَةِ قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِحْدَاثِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَهُمْ إِظْهَارُ الْعِمَارَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْكِتْمَانَ، قَالَ: لَوْ تَزَلْزَلَ جِدَارُ الْكَنِيسَةِ أَوِ انْتَقَضَ مُنِعُوا مِنَ الْإِعَادَةِ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ ظَاهِرَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْمِهِ بُدٌّ فَالْوَجْهُ أَنْ يَبْنُوا جِدَارًا ثَالِثًا إِذَا ارْتَجَّ الثَّانِي، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ تُبْنَى سَاحَةُ الْكَنِيسَةِ.
قَالَ: وَهَذَا إِفْرَاطٌ لَا حَاصِلَ لَهُ، فَإِنَّا فَرَعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ وَجَوَّزْنَا الْعِمَارَةَ إِعْلَانًا.
فَلَوِ انْهَدَمَتِ الْكَنِيسَةُ فَهَلْ يَجُوزُ إِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا - وَإِنْ هُدِّمَتْ - فَالْعَرْصَةُ كَنِيسَةٌ، وَالتَّحْوِيطُ عَلَيْهَا هُوَ الرَّأْيُ حَتَّى يَسْتَتِرُوا بِكُفْرِهِمْ، فَإِنْ مَنَعْنَا الْإِعَادَةَ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهَا فَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا فِي خَطِّهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَصَحُّهَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ كَنِيسَةٌ جَدِيدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْأُولَى، وَإِنْ أَبْقَيْنَاهُمْ عَلَى كَنِيسَتِهِمْ فَالْمَذْهَبُ أَنْ نَمْنَعَهُمْ مِنْ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ فِيهَا، فَإِنَّهُ بِمَثَابَةِ إِظْهَارِ
стр. 1090
الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ، وَأَبْعَدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي تَجْوِيزِ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ضَرْبِ النَّاقُوسِ، قَالَ: لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْكَنِيسَةِ، قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
[فَصْلٌ نَقْلُ الْكَنِيسَةِ مِنْ مَكَانٍ لِآخِرِ]
٢١٧ - فَصْلٌ
[نَقْلُ الْكَنِيسَةِ مِنْ مَكَانٍ لِآخِرِ]
هَذَا حُكْمُ إِنْشَاءِ الْكَنَائِسِ وَإِعَادَتِهَا، فَلَوْ أَرَادُوا نَقْلَهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَإِخْلَاءِ الْمَكَانِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَصَرَّحَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِالْمَنْعِ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ إِنْشَاءٌ لِكَنِيسَةٍ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَالَّذِي يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ مَنَعْنَا إِعَادَةَ الْكَنِيسَةِ إِذَا انْهَدَمَتْ مَنَعْنَا نَقْلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّهَا إِذَا لَمْ تَعُدْ إِلَى مَكَانِهَا الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تُنْشَأُ فِي غَيْرِهِ؟ وَإِنْ جَوَّزْنَا إِعَادَتَهَا فَكَانَ نَقْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِكَوْنِهِمْ يَنْقُلُونَهَا إِلَى مَوْضِعٍ خَفِيٍّ لَا يُجَاوِرُهُ مُسْلِمٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا رَيْبٍ، فَإِنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، وَقَدْ نَاقَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ جِوَارَ جَامِعِ دِمَشْقَ إِلَى بَقَاءِ الْكَنَائِسِ الَّتِي هِيَ خَارِجَ الْبَلَدِ؛ لِكَوْنِهِ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ النَّقْلُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَتِهِمْ وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِشْغَالُ رِقْبَةِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِجَعْلِهَا دَارَ كُفْرٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَادُوا جَعْلَهَا خَمَّارَةً أَوْ بَيْتَ فِسْقٍ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَعَلْنَا مَكَانَ
стр. 1091
الْأُولَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَتُقَامُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ، وَمَكَّنَّاهُمْ مِنْ نَقْلِ الْكَنِيسَةِ إِلَى مَكَانٍ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ، فَهَذَا ظَاهِرُ الْمَصْلَحَةِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَلَوِ انْتَقَلَ الْكُفَّارُ عَنْ مَحَلَّتِهِمْ وَأَخْلَوْهَا إِلَى مَحَلَّةٍ أُخْرَى، فَأَرَادُوا نَقْلَ الْكَنِيسَةِ إِلَى تِلْكَ الْمَحَلَّةِ وَإِعْطَاءَ الْقَدِيمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَبْنِيَةِ وَدُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
٢١٨ - فَصْلٌ
[حُكْمُ أَبْنِيَةِ وَدُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
هَذَا حُكْمُ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، فَأَمَّا حُكْمُ أَبْنِيَتِهِمْ وَدُورِهِمْ فَإِنْ كَانُوا فِي مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُجَاوِرُهُمْ فِيهَا مُسْلِمٌ تُرِكُوا وَمَا يَبْنُونَهُ كَيْفَ أَرَادُوا، وَإِنْ جَاوَرُوا الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمَكَّنُوا مِنْ مُطَاوَلَتِهِمْ فِي الْبِنَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الْجَارُ مُلَاصِقًا أَوْ غَيْرَ مُلَاصِقٍ، بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَارِ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَا يُحْدِثُونَ بِنَاءً يَطُولُونَ بِهِ بِنَاءَ الْمُسْلِمِينَ ". وَهَذَا الْمَنْعُ لِحَقِّ الْإِسْلَامِ لَا لِحَقِّ الْجَارِ، حَتَّى لَوْ رَضِيَ الْجَارُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِرِضَاهُ أَثَرٌ فِي الْجَوَازِ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَنْعُ مُعَلَّلًا بِإِشْرَافِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى الْإِشْرَافِ جَازَ، بَلْ لَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى.
وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ الْمَذْهَبِ وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ سُكْنَى الدَّارِ الْعَالِيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ تَمْلِيكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنَّ
стр. 1092
الْمَانِعِينَ مِنْ تَعْلِيَةِ الْبِنَاءِ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: " «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» ". وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِعْلَاءَ رُتْبَةٍ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ مَمْنُوعُونَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَلِهَذَا يُمْنَعُونَ مِنْ صُدُورِ الْمَجَالِسِ وَيُلْجَئُونَ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، فَإِذَا مُنِعُوا مِنْ صُدُورِ الْمَجَالِسِ - وَالْجُلُوسُ فِيهَا عَارِضٌ - فَكَيْفَ يُمَكَّنُونَ مِنَ السُّكْنَى اللَّازِمَةِ فَوْقَ رُءُوسِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَإِذَا مُنِعُوا مِنْ وَسَطِ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ - وَالْمُرُورُ فِيهِ عَارِضٌ - فَأُزِيلُوا مِنْهُ إِلَى أَضْيَقِهِ وَأَسْفَلِهِ كَمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ اضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» " فَكَيْفَ يُمَكَّنُونَ أَنْ يَعْلُوا فِي السُّكْنَى الدَّائِمَةِ رِقَابَ الْمُسْلِمِينَ؟ هَذَا مِمَّا تَدْفَعُهُ أُصُولُ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدُهُ.
وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: " إِنَّهُمْ إِذَا مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يَجِبْ نَقْضُهَا ". إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ مِلْكِهِمْ عَلَيْهَا فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مَنْ سُكْنَاهَا فَوْقَ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ فَمَرْدُودٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي " وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَلَكِنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْإِمْلَاءِ " أَنَّهُ إِذَا مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ
стр. 1093
ذَلِكَ أُقِرَّ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِجَوَازِ سُكْنَاهَا، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَتَعْلِيلُهُمْ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ السُّكْنَى وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ فِي الْعُلُوِّ لَيْسَتْ فِي نَفْسِ الْبِنَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي السُّكْنَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا بَنَاهَا الْمُسْلِمُ وَبَاعَهُمْ إِيَّاهَا فَقَدْ أَرَاحَهُمْ مِنْ كُلْفَةِ الْبِنَاءِ وَمَشَقَّتِهِ وَغَرَامَتِهِ، وَمَكَّنَهُمْ مِنْ سُكْنَاهَا وَعُلُوِّهِمْ عَلَى رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ هَنِيئًا مَرِيئًا، فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ! ! أَيُّ مَفْسَدَةٍ زَالَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِذَلِكَ؟ ! بِحَيْثُ إِنَّهُمْ إِذَا تَعِبُوا وَقَاسَوُا الْكُلْفَةَ وَالْمَشَقَّةَ فِي التَّعْلِيَةِ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعِبَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَصَلِيَ بِحَرِّهِ جَازَتْ لَهُمُ السُّكْنَى وَزَالَتْ مَفْسَدَةُ التَّعْلِيَةِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْعَاقِلِ الْمُنْصِفِ فَسَادُ ذَلِكَ.
ثُمَّ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِهِ عَلَى أُصُولِ مَنْ يُحَرِّمُ " الْحِيَلِ " فَيَمْنَعُهُ مِنْ تَعْلِيَةِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا بَاعَ الدَّارَ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ جَازَ لَهُ سُكْنَاهَا وَزَالَتْ بِذَلِكَ مَفْسَدَةُ التَّعْلِيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ إِذَا مُنِعُوا مِنْ مُسَاوَاةِ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ وَزِيِّهِمْ وَمَرَاكِبِهِمْ وَشُعُورِهِمْ وَكُنَاهُمْ، فَكَيْفَ يُمَكَّنُونَ مِنْ مُسَاوَاتِهِمْ بَلْ مِنَ الْعُلُوِّ عَلَيْهِمْ فِي دُورِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ؟
وَطَرْدُ قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ سُكْنَى الدَّارِ الْعَالِيَةِ إِذَا مَلَكُوهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَنْ يَجُوزَ لِبَاسُ الثِّيَابِ الَّتِي مُنِعُوا مِنْهَا إِذَا مَلَكُوهَا مِنْ مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِمَّا نَسَجُوهُ وَاسْتَنْسَجُوهُ وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ.
وَالْعَجَبُ أَنَّهُمُ احْتَجُّوا لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَنْعِ الْمُسَاوَاةِ بِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ
стр. 1094
مِنْ مُسَاوَاةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الزِّيِّ وَاللِّبَاسِ وَالرُّكُوبِ، ثُمَّ يُجَوِّزُونَ عُلُوَّهُمْ فَوْقَ رُءُوسِ الْمُسْلِمِينَ بِشِرَاءِ الدُّورِ الْعَالِيَةِ مِنْهُمْ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّعْلِيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ حُقُوقِ الدِّينِ لَا مِنْ حُقُوقِ الْجِيرَانِ، وَهَذَا فَرْعٌ تَلَقَّاهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْ نَصِّهِ فِي " الْإِمْلَاءِ " بِإِقْرَارِهِمْ عَلَى مِلْكِ الدَّارِ الْعَالِيَةِ، وَتَلَقَّاهُ أَصْحَابُ أَحْمَدَ عَنْهُمْ، وَلَمْ أَجِدْ لِأَحْمَدَ بَعْدَ طُولِ التَّفْتِيشِ نَصًّا بِجَوَازِ تَمَلُّكِ الدَّارِ الْعَالِيَةِ فَضْلًا عَنْ سُكْنَاهَا، وَنُصُوصُهُ وَأُصُولُ مَذْهَبِهِ تَأْبَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ
أَحَدُهَا: لَوْ كَانَ لِلذِّمِّيِّ دَارٌ فَجَاءَ مُسْلِمٌ إِلَى جَانِبِهِ فَبَنَى دَارًا أَنْزَلَ مِنْهَا لَمْ يُلْزَمِ الذِّمِّيُّ بِحَطِّ بِنَائِهِ وَلَا مُسَاوَاتِهِ، فَإِنَّ حَقَّ الذِّمِّيِّ أَسْبَقُ.
وَثَانِيهَا: لَوْ جَاوَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِأَبْنِيَةٍ أَقْصَرُ مِنْ أَبْنِيَتِهِمْ، ثُمَّ انْهَدَمَتْ دُورَهُمْ فَأَرَادُوا أَنْ يُعَلُّوهَا عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَلْ لَهُمْ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الِانْهِدَامِ أَمْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِالْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الذِّمِّيِّ فِي الدَّارِ مَا دَامَتْ قَائِمَةً، فَإِذَا انْهَدَمَتْ فَإِعَادَتُهَا إِنْشَاءٌ جَدِيدٌ يُمْنَعُ فِيهِ مِنَ التَّعْلِيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَثَالِثُهَا: لَوْ مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ، وَأَقْرَرْنَاهُمْ عَلَى مِلْكِهَا فَانْهَدَمَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ وَجْهًا أَنَّ لَهُمْ إِعَادَتَهَا عَالِيَةً اعْتِبَارًا بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ
стр. 1095
شَاذٌّ بَعِيدٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنْشَاءٌ وَبِنَاءٌ مُسْتَأْنَفٌ فَلَا يَمْلِكُ فِيهِ التَّعْلِيَةَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى دِمْنَةً مِنْ مُسْلِمٍ كَانَ لَهُ فِيهَا دَارٌ عَالِيَةٌ.
وَرَابِعُهَا: لَوْ وَجَدْنَا دَارَ ذِمِّيٍّ عَالِيَةً وَدَارَ مُسْلِمٍ أَنْزَلَ مِنْهَا، وَشَكَكْنَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَمْ يُعْرَضْ لَهُ فِيهَا، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يُقَرُّ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيَةَ مَفْسَدَةٌ وَقَدْ شَكَّكْنَا فِي شَرْطِ الْجَوَازِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ جَوَازِ سُكْنَى الدَّارِ الْعَالِيَةِ إِذَا مَلَكُوهَا مِنْ مُسْلِمٍ، وَعَلَى مَا نَصَرْنَاهُ فَالْمَنْعُ ظَاهِرٌ.
وَخَامِسُهَا: لَوْ كَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ جَارٌ مِنْ ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ دَارُهُ فِي غَايَةِ الِانْحِطَاطِ، فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُكَلَّفُونَ حَطَّ بِنَائِهِمْ عَنْ دَارِهِ أَوْ مُسَاوَاتِهِ، وَاسْتَشْكَلَهُ الْجُوَيْنِيُّ فِي " النِّهَايَةِ " وَلَا وَجْهَ لِاسْتِشْكَالِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي تَمَلُّكِ الذِّمِّيِّ بِالْإِحْيَاءِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]
٢١٩ - فَصْلٌ
فِي تَمَلُّكِ الذِّمِّيِّ بِالْإِحْيَاءِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الذِّمِّيِّ، هَلْ يُمَلَّكُ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا يُمَلَّكُ الْمُسْلِمُ؟ فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَابْنِ هَانِئٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ عَلَى أَنَّهُ يُمَلَّكُ بِهِ كَالْمُسْلِمِ.
стр. 1096
قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ: إِنْ أَحْيَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَوَاتًا مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ فِيهِ قَوْلًا حَسَنًا، يَقُولُونَ: لَا يُتْرَكُ الذِّمِّيُّ أَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضَ الْعُشْرِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ قَوْلًا عَجِيبًا؛ يَقُولُونَ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ.
قَالَ: وَسَأَلْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى قُلْتُ: إِنْ أَحْيَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَوَاتًا؟
قَالَ: هُوَ عُشْرٌ، وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَبِهَذَا قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ.
стр. 1097
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ إِلَى الْمَنْعِ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْذًا مِنِ امْتِنَاعِ شُفْعَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِجَامِعِ التَّمْلِيكِ لِمَا يَخُصُّ الْمُسْلِمِينَ.
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَتَضَمَّنُ انْتِزَاعَ مِلْكِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ قَهْرًا، وَالْإِحْيَاءُ لَا يُنْزَعُ بِهِ مِلْكُ أَحَدٍ، وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأُمُورٍ؛ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : " «مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» ". فَأَضَافَ عُمُومَ الْمَوَاتِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ لِلْكُفَّارِ.
стр. 1098
وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الدَّارِ، وَالدَّارُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْهَا أَنَّ إِضَافَةَ الْأَرْضِ إِلَى الْمُسْلِمِ إِمَّا إِضَافَةُ مِلْكٍ وَإِمَّا إِضَافَةُ تَخْصِيصٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَتَمَلُّكُ الْكَافِرِ بِالْإِحْيَاءِ مُمْتَنِعٌ، وَبِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ بِالْإِحْيَاءِ فِي أَرْضِ الْكُفَّارِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا، فَأَحْرَى أَلَّا يُمَلَّكَ الذِّمِّيُّ فِي
стр. 1099
أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» ". وَبِأَنَّ الْإِحْيَاءَ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَمَلَكَ بِهِ الذِّمِّيُّ كَسَائِرِ أَسْبَابِهِ، قَالُوا: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ " «مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» " فَلَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا لَفْظُهُ: " «عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هُوَ لَكُمْ» ". مَعَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ.
قَالُوا: وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا اللَّفْظُ لَمْ يُمْنَعْ تَمَلُّكُ الذِّمِّيِّ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا يُتَمَلَّكُ بِالِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ مَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَلَكُوا الْأَرْضَ مَلَكُوهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَعَادِنِ وَالْمَنَافِعِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الذِّمِّيُّ بَعْضَ ذَلِكَ.
وَإِقْرَارُ الْإِمَامِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جَارٍ مَجْرَى إِذْنِهِ لَهُمْ فِيهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِعِمَارَةِ الْأَرْضِ وَتَهْيِئَتِهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَكَثْرَةِ فِعْلِهَا، وَلَا نَقْصَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ.
стр. 1100
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُسْلِمِ لَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْيَاءِ فِي دَارِ الْعَهْدِ فَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ لَا يَمْلِكَانِ بِالْإِحْيَاءِ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنَّهُمَا كَالذِّمِّيِّ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالذِّمِّيِّ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّا لَا نُقِرُّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا نُقِرُّ الذِّمِّيَّ.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نَمْنَعُ كَنَائِسَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْزِلُوهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ]
٢٢٠ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نَمْنَعُ كَنَائِسَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْزِلُوهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ "
هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا رِقَابَهَا كَمَا يَمْلِكُونَ دُورَهُمْ؛ إِذْ لَوْ مَلَكُوا رِقَابَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْزِلُوهَا إِلَّا بِرِضَاهُمْ كَدُورِهِمْ، وَإِنَّمَا مُتِّعُوهَا إِمْتَاعًا، وَإِذَا شَاءَ الْمُسْلِمُونَ نَزَلُوهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهَا مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا مَلَكُوا الْأَرْضَ لَمْ يَسْتَبْقُوا الْكَنَائِسَ وَالْبِيَعَ عَلَى مِلْكِ الْكُفَّارِ بَلْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِمْ كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، فَإِذَا نَزَلَهَا الْمَارَّةُ بِاللَّيْلِ أَوِ النَّهَارِ فَقَدْ نَزَلُوا فِي نَفْسِ مِلْكِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؟ قِيلَ: فَائِدَتُهُ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَهَّمُونَ بِإِقْرَارِهِمْ فِيهَا أَنَّهَا كَسَائِرِ دُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمُ الَّتِي لَا يَجُوزُ دُخُولُهَا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، فَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكًا لَهُمْ لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِينَ الصَّلَاةُ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَرِضَاهُ صَلَاةٌ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَهِيَ حَرَامٌ وَفِي صِحَّتِهَا نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ صَلَّى
стр. 1101
الصَّحَابَةُ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، فَعَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُهَا وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُصَوَّرَةِ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَغَيْرُ الْمُصَوَّرَةِ فَلَا تُكْرَهُ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى.
وَمَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِيهَا احْتَجَّ بِأَنَّهَا مِنْ مَوَاطِنِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ فَهِيَ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ مِنَ الْحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ، وَبِأَنَّهَا مِنْ أَمَاكِنِ الْغَضَبِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَرْضِ بَابِلَ، وَقَالَ: " «إِنَّهَا مَلْعُونَةٌ» " فَعَلَّلَ مَنْعَ الصَّلَاةِ فِيهَا بِاللَّعْنَةِ، وَهَذِهِ كَنَائِسُهُمْ هِيَ مَوَاضِعُ اللَّعْنَةِ
стр. 1102
وَالسُّخْطَةِ وَالْغَضَبِ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا، كَمَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: " اجْتَنِبُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أَعْيَادِهِمْ فَإِنَّ السُّخْطَةَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ "، وَبِأَنَّهَا مِنْ بُيُوتِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَلَا يُتَعَبَّدُ اللَّهُ فِي بُيُوتِ أَعْدَائِهِ.
وَمَنْ لَمْ يَكْرَهْهَا قَالَ: قَدْ صَلَّى فِيهَا الصَّحَابَةُ وَهِيَ طَاهِرَةٌ وَهِيَ مِلْكٌ مِنْ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَضُرُّ الْمُصَلِّي شِرْكُ الْمُشْرِكِ فِيهَا، فَذَلِكَ شِرْكٌ فِيهَا وَالْمُسْلِمُ يُوَحِّدُ فَلَهُ غُنْمُهُ وَعَلَى الْمُشْرِكِ غُرْمُهُ.
стр. 1103
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا؛ فَذَلِكَ لِأَنَّ الصُّوَرَ تُقَابِلُ الْمُصَلِّيَ وَتُوَاجِهُهُ وَهِيَ كَالْأَصْنَامِ إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُجَسَّدَةٍ، فَهِيَ شِعَارُ الْكُفْرِ وَمَأْوَى الشَّيْطَانِ، وَقَدْ كَرِهَ الْفُقَهَاءُ الصَّلَاةَ عَلَى الْبُسُطِ وَالْحُصْرِ الْمُصَوَّرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَهِيَ تُمْتَهَنُ وَتُدَاسُ بِالْأَرْجُلِ فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ فِي الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ؟ !
стр. 1104
[الْفَصْلُ الْثاني مَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُنْكَرِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مِمَّا نُهُوا عَنْهُ] [ فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُؤْوِي فِيهَا وَلَا فِي مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا]
الْفَصْلُ الثَّانِي
[فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُنْكَرِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مِمَّا نُهُوا عَنْهُ]
٢٢١ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُؤْوِي فِيهَا وَلَا فِي مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا "
الْجَاسُوسُ: عَيْنُ الْمُشْرِكِينَ وَأَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ شُرِطَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَلَّا يُؤْوُهُ فِي كَنَائِسِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ، فَإِنْ فَعَلُوا انْتُقِضَ عَهْدُهُمْ وَحَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَهَلْ يُحْتَاجُ ثُبُوتُ ذَلِكَ إِلَى اشْتِرَاطِ إِمَامِ الْعَصْرِ لَهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ أَوْ يَكْفِي شَرْطُ عُمَرَ ﵁؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لِلْفُقَهَاءِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْإِمَامِ لَهُ إِذْ أَنَّ شَرْطَ عُمَرَ ﵁ كَانَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا شَامِلًا لِلْإِمَامَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ: " وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي الْإِمَامَ - أَنَّ مَنْ ذَكَرَ كِتَابَ اللَّهِ أَوْ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ دِينَ اللَّهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي، أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا
стр. 1105
عَنْ دِينِهِ، أَوْ قَطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، أَوْ أَعَانَ أَهْلَ الْحَرْبِ بِدَلَالَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ آوَى عَيْنًا لَهُمْ، فَقَدْ نُقِضَ عَهْدُهُ وَأُحِلَّ دَمُهُ وَبَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ".
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي شَرْطُ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِمْ أَبَدًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ تَجْدِيدُ اشْتِرَاطِ الْإِمَامِ شَرْطًا فِي ذَلِكَ لَمَا جَازَ إِقْرَارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْيَوْمَ وَمُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
وَفِي اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ اكْتِفَاءً بِشَرْطِ عُمَرَ ﵁.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نَكْتُمُ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ]
٢٢٢ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نَكْتُمُ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ "
هَذَا أَعَمُّ مِنْ إِيوَاءِ الْجَاسُوسِ، فَمَتَى عَلِمُوا أَمْرًا فِيهِ غِشٌّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَكَتَمُوهُ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، وَبِذَلِكَ أَفْتَيْنَا وَلِيَّ الْأَمْرِ بِانْتِقَاضِ عَهْدِ النَّصَارَى لَمَّا سَعَوْا فِي إِحْرَاقِ الْجَامِعِ وَالْمَنَارَةِ وَسُوقِ السِّلَاحِ، فَفَعَلَ بَعْضُهُمْ وَعَلِمَ بَعْضُهُمْ وَكَتَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ وَلِيَّ الْأَمْرِ.
وَبِهَذَا مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَاقِضِي الْعَهْدِ، فَإِنَّ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَبَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ لَمَّا حَارَبُوهُ وَنَقَضُوا عَهْدَهُ عَمَّ الْجَمِيعَ
стр. 1106
بِحُكْمِ النَّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ قَدْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَرَضِيَ الْبَاقُونَ وَكَتَمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُطْلِعُوهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِأَهْلِ مَكَّةَ لَمَّا نَقَضَ بَعْضُهُمْ عَهْدَهُ وَكَتَمَ الْبَاقُونَ وَسَكَتُوا وَلَمْ يُطْلِعُوهُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرَى الْجَمِيعَ عَلَى حُكْمِ النَّقْضِ وَغَزَاهُمْ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ.
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّدَّةِ وَالْمُبَاشِرِ فِي الْجِهَادِ كَذَا، وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ سَوَاءٌ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْبُغَاةِ يَسْتَوِي فِيهِ رَدْؤُهُمْ وَمُبَاشِرَتُهُمْ، وَهَذَا هُوَ مَحْضُ الْفِقْهِ وَالْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْمُبَاشِرِينَ إِنَّمَا وَصَلُوا إِلَى الْفِعْلِ بِقُوَّةِ رَدْئِهِمْ فَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي السَّبَبِ، هَذَا بِالْفِعْلِ وَهَذَا بِالْإِعَانَةِ وَهَذَا بِالْحِفْظِ وَالْحِرَاسَةِ، وَلَا يَجِبُ الِاتِّفَاقُ وَالِاشْتِرَاكُ فِي عَيْنِ كُلِّ سَبَبٍ سُبِّبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نَضْرِبُ نَوَاقِيسَنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا]
٢٢٣ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نَضْرِبُ نَوَاقِيسَنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا "
لَمَّا كَانَ الضَّرْبُ بِالنَّاقُوسِ هُوَ شِعَارَ الْكُفْرِ وَعَلَمَهُ الظَّاهِرَ اشْتُرِطَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بَيْعَةً، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا، وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا ". ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَتَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: " لَيْسَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يُحْدِثُوا فِي مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْمُسْلِمُونَ بَيْعَةً وَلَا كَنِيسَةً وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ بِنَاقُوسٍ إِلَّا فِيمَا كَانَ لَهُمْ صُلْحًا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا الْخَمْرَ
стр. 1107
فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ "
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: " السَّوَادُ فَتْحٌ بِالسَّيْفِ، فَلَا تَكُونُ فِيهِ بَيْعَةٌ وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ بِنَاقُوسٍ، وَلَا تُتَّخَذُ فِيهِ الْخَنَازِيرُ، وَلَا يُشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرُ، وَلَا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ فِي دُورِهِمْ ".
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: " وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا بَيْعَةً وَلَا كَنِيسَةً لَمْ تَكُنْ، وَلَا يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، وَلَا يَرْفَعُوا صَلِيبًا، وَلَا يُظْهِرُوا خِنْزِيرًا، وَلَا يَرْفَعُوا نَارًا، وَلَا شَيْئًا مِمَّا يَجُوزُ لَهُمْ، وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، السُّلْطَانُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْإِحْدَاثِ إِذَا كَانَتْ بِلَادُهُمْ فُتِحْتَ عَنْوَةً، وَأَمَّا الصُّلْحُ فَلَهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ يُوَفَّى لَهُمْ بِهِ. وَقَالَ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَلَا يُظْهِرُونَ خَمْرًا ".
وَقَالَ الْخَلَّالُ: فِي " الْجَامِعِ " أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُفْيَانَ
стр. 1108
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ [جَنَّادٍ] ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ ﵁: " إِنَّ أَحَقَّ الْأَصْوَاتِ أَنْ تُخْفَضَ أَصْوَاتُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ ".
وَقَالَ [الْفِرْيَابِيُّ] : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَنْ لَا يُضْرَبَ بِالنَّاقُوسِ خَارِجًا مِنَ الْكَنِيسَةِ ".
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ " شُرُوطِ عُمَرَ " حَدَّثَنَا طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: إِذَا نُقِّسَ بِالنَّاقُوسِ اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّحْمَنِ فَتَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ فَتَأْخُذُ بِأَقْطَارِ الْأَرْضِ فَلَا تَزَالُ تَقُولُ: (قُلْ هُوَ أَحَدٌ) حَتَّى
стр. 1109
يَسْكُنَ غَضَبُ الرَّبِّ .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: لِلنَّصَارَى أَنْ يُظْهِرُوا الصَّلِيبَ أَوْ يَضْرِبُوا بِالنَّاقُوسِ؟ قَالَ: " لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِي صُلْحِهِمْ ".
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ: " وَلَا يُتْرَكُوا أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يُظْهِرُوا خَمْرًا وَلَا نَاقُوسًا ".
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ: " وَلَا يُتْرَكُوا أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يُظْهِرُوا خَمْرًا وَلَا نَاقُوسًا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ بَنَاهَا الْمُسْلِمُونَ " قِيلَ لَهُ: يَضْرِبُونَ الْخِيَامَ فِي الطَّرِيقِ يَوْمَ الْأَحَدِ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَدِينَةً صُولِحُوا
стр. 1110
عَلَيْهَا فَلَهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ ".
وَقَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَإِذَا أَبْقَيْنَاهُمْ عَلَى كَنِيسَتِهِمْ فَالْمَذْهَبُ أَنَّا نَمْنَعُهُمْ مِنْ صَوْتِ النَّوَاقِيسِ، فَإِنَّ هَذَا بِمَثَابَةِ إِظْهَارِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ، وَأَبْعَدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي تَجْوِيزِ تَمْكِينِهِمْ مِنْ صَوْتِ النَّوَاقِيسِ فَإِنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الْكَنِيسَةِ، وَقَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، انْتَهَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي " كِتَابِ الشُّرُوطِ ": " وَلَا نَضْرِبُ بِالنَّاقُوسِ إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا " فَهَذَا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ؛ إِذِ النَّاقُوسُ يُعَلَّقُ فِي أَعْلَى الْكَنِيسَةِ كَالْمَنَارَةِ وَيُضْرَبُ بِهِ فَيُسْمَعُ صَوْتُهُ مِنْ بُعْدٍ، فَإِذَا اشْتُرِطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ بِهِ خَفِيًّا فِي جَوْفِ الْكَنِيسَةِ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ صَوْتٌ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَلِذَلِكَ عَطَّلُوهُ بِالْكُلِّيَّةِ إِذْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ مَقْصُودُهُمْ، وَكَانَ هَذَا الِاشْتِرَاطُ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى تَرْكِهِ.
وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْأَذَانِ نَاقُوسَ النَّصَارَى وَبُوقَ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ دَعْوَةٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَوْحِيدُهُ وَعُبُودِيَّتُهُ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ إِعْلَاءً لِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَإِظْهَارًا لِدَعْوَةِ الْحَقِّ وَإِخْمَادًا لِدَعْوَةِ الْكُفْرِ، فَعَوَّضَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَذَانِ عَنِ النَّاقُوسِ وَالطُّنْبُورِ كَمَا عَوَّضَهُمْ دُعَاءَ الِاسْتِخَارَةِ عَنِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ، وَعَوَّضَهُمْ بِالْقُرْآنِ وَسَمَاعِهِ عَنْ قُرْآنِ الشَّيْطَانِ وَسَمَاعِهِ وَهُوَ الْغِنَاءُ وَالْمَعَازِفُ، وَعَوَّضَهُمْ بِالْمُغَالَبَةِ بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْبَهَائِمِ عَنِ الْغَلَّابَاتِ الْبَاطِلَةِ كَالنَّرْدِ وَالشَّطْرَنْجِ وَالْقِمَارِ، وَعَوَّضَهُمْ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ عَنِ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ، وَعَوَّضَهُمُ الْجِهَادَ عَنِ السِّيَاحَةِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ، وَعَوَّضَهُمْ بِالنِّكَاحِ عَنِ السِّفَاحِ
стр. 1111
وَعَوَّضَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الْحَلَالِ عَنِ الرِّبَا، وَعَوَّضَهُمْ بِإِبَاحَةِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ عَنِ الْخَبِيثِ مِنْهَا، وَعَوَّضَهُمْ بِعِيدِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ عَنْ أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَعَوَّضَهُمْ بِالْمَسَاجِدِ عَنِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَالْمَشَاهِدِ، وَعَوَّضَهُمْ بِالِاعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ عَنْ رِيَاضَاتِ أَهْلِ الْبَاطِلِ مِنَ الْجُوعِ وَالسَّهَرِ وَالْخَلْوَةِ الَّتِي يُعَطَّلُ فِيهَا دِينُ اللَّهِ، وَعَوَّضَهُمْ بِمَا سَنَّهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَنْ كُلِّ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُظْهِرُ عَلَيْهَا صَلِيبًا]
٢٢٤ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُظْهِرُ عَلَيْهَا صَلِيبًا "
لَمَّا كَانَ الصَّلِيبُ مِنْ شَعَائِرِ الْكُفْرِ الظَّاهِرَةِ كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ إِظْهَارِهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: " وَلَا يَرْفَعُوا صَلِيبًا، وَلَا يُظْهِرُوا خِنْزِيرًا، وَلَا يَرْفَعُوا نَارًا، وَلَا يُظْهِرُوا خَمْرًا، وَعَلَى الْإِمَامِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ [عَمْرِو بْنِ] مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُمْنَعَ النَّصَارَى فِي الشَّامِ أَنْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، وَلَا يَرْفَعُوا صَلِيبَهُمْ فَوْقَ كَنَائِسِهِمْ، فَإِنْ قُدِرَ عَلَى مَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ [التَّقَدُّمِ] إِلَيْهِ فَإِنَّ [سَلَبَهُ] لِمَنْ وَجَدَهُ ".
стр. 1112
وَإِظْهَارُ الصَّلِيبِ بِمَنْزِلَةِ إِظْهَارِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّهُ مَعْبُودُ النَّصَارَى كَمَا أَنَّ الْأَصْنَامَ مَعْبُودُ أَرْبَابِهَا، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا يُسَمَّوْنَ عُبَّادَ الصَّلِيبِ.
وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّصْلِيبِ عَلَى أَبْوَابِ كَنَائِسِهِمْ وَظَوَاهِرِ حِيطَانِهَا، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ إِذَا نَقَشُوا ذَلِكَ دَاخِلَهَا.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا مِمَّا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ]
٢٢٥ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا مِمَّا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ "
لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شِعَارِ الْكُفْرِ مُنِعُوا مِنْ إِظْهَارِهِ، قَالَ أَبُو الشَّيْخِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ ضَمْرَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ " أَنِ امْنَعُوا النَّصَارَى مِنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فِي كَنَائِسِهِمْ، فَإِنَّهَا أَبْغَضُ الْأَصْوَاتِ إِلَى اللَّهِ وَأَوْلَاهَا أَنْ تُخْفَضَ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: " وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ فِي دُورِهِمْ ".
стр. 1113
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَاشْتُرِطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُسْمِعُوا الْمُسْلِمِينَ شِرْكَهُمْ وَلَا يُسْمِعُونَهُمْ ضَرْبَ نَاقُوسٍ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ عُزِّرُوا "؛ انْتَهَى.
فَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ الَّتِي مُنِعُوا مِنْهَا مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى دِينِهِمْ وَإِظْهَارِ شِعَارِهِ كَأَصْوَاتِهِمْ فِي بُحُوثِهِمْ وَمُذَاكَرَتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُخْرِجُ صَلِيبًا وَلَا كِتَابًا فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ]
٢٢٦ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُخْرِجُ صَلِيبًا وَلَا كِتَابًا فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ "
فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى عَدَمِ إِظْهَارِهِمْ ذَلِكَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ وَفِي صَلَوَاتِهِمْ، فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ إِظْهَارِهِ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِخْرَاجِهِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَفِي مَنَازِلِهِمْ، بَلِ الْمَمْنُوعُ مِنْهُ فِيهَا رَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ وَوَضْعُ الصَّلِيبِ عَلَى أَبْوَابِ الْكَنَائِسِ.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَأَلَّا نُخْرِجَ بَاعُوثًا وَلَا شَعَانِينَ وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا]
٢٢٧ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَأَلَّا نُخْرِجَ بَاعُوثًا وَلَا شَعَانِينَ، وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرُ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ "
فَأَمَّا الْبَاعُوثُ فَقَدْ فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ فَقَالَ: " يَخْرُجُونَ كَمَا نَخْرُجُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى " وَمِنْ هُنَا قَالَ أَحْمَدُ فِي
стр. 1114
رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ: " وَلَا يُتْرَكُوا أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يُظْهِرُوا لَهُمْ خَمْرًا، وَلَا نَاقُوسًا ".
فَإِنَّ اجْتِمَاعَهُمُ الْمَذْكُورَ هُوَ غَايَةُ الْبَاعُوثِ وَنِهَايَتُهُ، فَإِنَّهُمْ يَنْبَعِثُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ.
وَلَيْسَ مُرَادُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَنْعَ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْكَنِيسَةِ إِذَا تَسَلَّلُوا إِلَيْهَا لِوَاذًا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ إِظْهَارُ اجْتِمَاعِهِمْ كَمَا يُظْهِرُ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يَضْرِبُونَ الْخِيَامَ فِي الطَّرِيقِ يَوْمَ الْأَحَدِ؟ قَالَ: " لَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَدِينَةً صُولِحُوا عَلَيْهَا فَلَهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ "، فَإِنَّ ضَرْبَ الْخِيَامِ عَلَى الطَّرِيقِ يَوْمَ عِيدِهِمْ هُوَ مِنْ إِخْرَاجِ الْبَاعُوثِ وَإِظْهَارِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ، فَإِذَا اخْتَفَوْا فِي كَنَائِسِهِمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ فِيهَا مَا لَمْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ.
وَأَمَّا الشَّعَانِينُ فَهِيَ أَعْيَادٌ لَهُمْ أَيْضًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَاعُوثِ أَنَّهُ الْيَوْمُ وَالْوَقْتُ الَّذِي يَنْبَعِثُونَ فِيهِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِاحْتِشَادِ.
وَقَوْلُهُمْ: " وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا " لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ شِعَارِ الْكُفْرِ، فَهَذَا يَعُمُّ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ بِقِرَاءَتِهِمْ وَبِالنَّوْحِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إِظْهَارُ النِّيرَانِ مَعَهُمْ إِمَّا بِالشَّمْعِ أَوِ السُّرُجِ أَوِ الْمَشَاعِلِ وَنَحْوِهَا.
стр. 1115
فَأَمَّا إِذَا أَوْقَدُوا النَّارَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَلَمْ يُظْهِرُوهَا لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُمْ فِيهَا، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْيَادَهُمْ زُورًا، وَالزُّورُ لَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي " تَفْسِيرِهِ ": حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْخَرَّارُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَقِيلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] عِيدُ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الشَّعَانِينُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الزُّورُ عِيدُ الْمُشْرِكِينَ ".
стр. 1116
[فَصْلٌ حُكْمُ حُضُورِ أَعْيَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
٢٢٨ - فَصْلٌ
[حُكْمُ حُضُورِ أَعْيَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
وَكَمَا أَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إِظْهَارُهُ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ مُمَالَاتُهُمْ عَلَيْهِ وَلَا مُسَاعَدَتُهُمْ وَلَا الْحُضُورُ مَعَهُمْ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي كُتُبِهِمْ، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ [الْحَسَنِ] بْنِ مَنْصُورٍ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْضُرُوا أَعْيَادَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ وَزُورٍ، وَإِذَا خَالَطَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ أَهْلَ الْمُنْكَرِ بِغَيْرِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ كَانُوا كَالرَّاضِينَ بِهِ الْمُؤْثِرِينَ لَهُ، فَنَخْشَى مِنْ نُزُولِ سُخْطِ اللَّهِ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ فَيَعُمُّ الْجَمِيعَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُخْطِهِ.
ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قَالَ: لَا يُمَالِئُونَ أَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَلَا يُخَالِطُونَهُمْ، وَنَحْوُهُ عَنِ الضَّحَّاكِ.
стр. 1117
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَلْعُونِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَهُمْ» ". وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ.
وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي (بَابِ كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِ
стр. 1118
الذِّمَّةِ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ يَوْمَ [نَيْرُوزِهِمْ] وَمَهْرَجَانِهِمْ) عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: " لَا تَعَلَّمُوا رَطَانَةَ الْأَعَاجِمِ، وَلَا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَإِنَّ السُّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ".
وَبِالْإِسْنَادِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْوَلِيدِ - أَوْ أَبِي الْوَلِيدِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: " مَنْ مَرَّ بِبِلَادِ الْأَعَاجِمِ فَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ وَمَهْرَجَانَهُمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ كَذَلِكَ حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ " الصَّحِيحِ ": قَالَ لِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ سَمِعَ [سُلَيْمَانَ] بْنَ أَبِي زَيْنَبَ [وَعَمْرَو] بْنَ الْحَارِثِ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ سَلَمَةَ، سَمِعَ أَبَاهُ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: " اجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي عِيدِهِمْ " ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
стр. 1119
وَذَكَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: " مَنْ مَرَّ بِبِلَادِ الْأَعَاجِمِ فَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ وَمَهْرَجَانَهُمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ كَذَلِكَ، حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
стр. 1120
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَجُوزُ شُهُودُ أَعْيَادِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قَالَ: الشَّعَانِينُ وَأَعْيَادُهُمْ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ " (بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ خُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ) وَذَكَرَ عَنْ مُهَنَّا قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ شُهُودِ هَذِهِ الْأَعْيَادِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَنَا بِالشَّامِ مِثْلَ دَيْرِ أَيُّوبَ وَأَشْبَاهِهِ، يَشْهَدُهُ الْمُسْلِمُونَ؟ يَشْهَدُونَ الْأَسْوَاقَ وَيَجْلِبُونَ فِيهِ الضَّحِيَّةَ وَالْبَقَرَ وَالْبُرَّ وَالدَّقِيقَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، يَكُونُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِيَعَهُمْ.
قَالَ: " إِذَا لَمْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ بِيَعَهُمْ وَإِنَّمَا يَشْهَدُونَ السُّوقَ فَلَا بَأْسَ ".
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: " سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الرُّكُوبِ فِي السُّفُنِ الَّتِي تَرْكَبُ فِيهَا النَّصَارَى إِلَى أَعْيَادِهِمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ نُزُولِ السُّخْطَةِ عَلَيْهِمْ بِشِرْكِهِمُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ.
стр. 1121
قَالَ: وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى النَّصْرَانِيِّ فِي عِيدِهِ مُكَافَأَةً لَهُ، وَرَآهُ مِنْ تَعْظِيمِ عِيدِهِ وَعَوْنًا لَهُ عَلَى كُفْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبِيعُوا مِنَ النَّصَارَى شَيْئًا مِنْ مَصْلَحَةِ عِيدِهِمْ، لَا لَحْمًا وَلَا أَدَمًا وَلَا ثَوْبًا، وَلَا يُعَارُونَ دَابَّةً، وَلَا يُعَانُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِيدِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شِرْكِهِمْ وَعَوْنِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَنْبَغِي لِلسَّلَاطِينِ أَنْ يَنْهَوُا الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ أَعْلَمْهُ اخْتُلِفَ فِيهِ ".
هَذَا لَفْظُهُ فِي " الْوَاضِحَةِ ".
وَفِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: مَنْ أَهْدَى لَهُمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ بِطِّيخَةً بِقَصْدِ تَعْظِيمِ الْعِيدِ فَقَدْ كَفَرَ.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُجَاوِرُهُمْ بِالْخَنَازِيرِ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ]
٢٢٩ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُجَاوِرُهُمْ بِالْخَنَازِيرِ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ "
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْمُجَاوَرَةِ؛ أَيْ: بَيْعِ الْخُمُورِ بِحَضْرَتِهِمْ، وَلَا تَكُونُ الْخَنَازِيرُ مُجَاوِرَةً لَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: لَا نَتَعَدَّى بِهَا عَلَيْهِمْ جَهْرَةً، بَلْ إِذَا أَتَيْنَا بِهَا إِلَى بُيُوتِنَا أَتَيْنَا بِهَا خِفْيَةً بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إِخْفَاءَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَلَّا يَظْهَرُوا بِهِمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا لَا يَظْهَرُونَ بِسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ.
стр. 1122
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُجَاوِزُ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَانَا]
٢٣٠ - فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُجَاوِزُ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَانَا "
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالزَّايِ وَالرَّاءِ، مِنَ الْمُجَاوَزَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ، فَإِنْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَالْمَعْنَى اشْتِرَاطُ دَفْنِهِمْ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، لَا تُجَاوِرُ قُبُورُهُمْ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا قُبُورَهُمْ، بَلْ تَنْفَرِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْعَذَابِ وَالْغَضَبِ، فَلَا تَكُونُ هِيَ وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِمَا يَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ.
وَإِنْ كَانَ بِالْمُعْجَمَةِ فَهُوَ مِنَ الْمُجَاوَزَةِ، وَعَادَةُ النَّصَارَى فِي أَمْوَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يُوقِدُونَ الشُّمُوعَ وَيَزُفُّونَ بِهَا الْمَيِّتَ، وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَةِ كُتُبِهِمْ، وَقَدْ مَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ تُتْبَعَ جَنَائِزُهُمْ بِنَارٍ خَوْفًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
وَعَلَى رِوَايَةِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا أَمْوَاتَهُمْ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا فِي الطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَ الْمَوَاضِعَ الْخَالِيَةَ الَّتِي لَا يَرَاهُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ: إِنْ كَانَتِ الرَّايَةُ بِالزَّايِ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ جَنَائِزِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ يُشْبِهُ مَعْنَى هَذَا فِيمَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ دَاوُدَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «رُبَّ
стр. 1123
جِنَازَةٍ مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَنْ شَهِدَهَا» ".
قَالَ: فَهَذِهِ جَنَائِزُ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنَ الدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ " قِيلَ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» " قُلْتُ: الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " السُّنَنِ ".
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ]
٢٣١ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ "
أَيْ: لَا نَبِيعُهُ ظَاهِرًا بِحَيْثُ يَرَاهُ الْمُسْلِمُونَ؛ إِذْ بَيْعُهُ ظَاهِرًا مِنَ الْمُنْكَرِ الْعَظِيمِ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْبَلَدِ وَخَارِجِ الْبَلَدِ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄: فِي هَذَا تَغْلِيظٌ فِي خَرْقِ مَتَاعِهِمْ وَكَسْرِ أَوَانِيهِمْ.
стр. 1124
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ قَدْ أَثْرَى فِي تِجَارَةِ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ " أَنِ اكْسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وَشَرِّدُوا كُلَّ مَاشِيَةٍ لَهُ ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثَنَا عُمَرُ الْمُكَتِّبُ، ثَنَا حَذْلَمٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ [زَكَّارٍ] قَالَ: نَظَرَ عَلِيٌّ إِلَى زُرَارَةَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْقَرْيَةُ؟ قَالُوا: قَرْيَةٌ تُدْعَى زُرَارَةَ، يُلْحَمُ فِيهَا وَيُبَاعُ الْخَمْرُ. فَقَالَ: أَيْنَ الطَّرِيقُ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: بَابُ الْجِسْرِ. قَالَ قَائِلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خُذْ لَكَ سَفِينَةً تَجُوزُ فِيهَا، قَالَ: تِلْكَ سُخْرَةٌ وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي السُّخْرَةِ، وَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَى بَابِ الْجِسْرِ، فَقَامَ يَمْشِي حَتَّى أَتَاهَا، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالنِّيرَانِ أَضْرِمُوا فِيهَا، فَإِنَّ الْخَبِيثَ يَأْكُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَأُضْرِمَتْ فِي عَرْشِهَا.
стр. 1125
قَالَ: وَقَدْ قَضَى ابْنُ عَبَّاسٍ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَا يُبَاعُ فِيهِ خَمْرٌ ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ السَّوَادِ حِينَئِذٍ ".
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ " لَا يُحْمَلُ الْخَمْرُ مِنْ رُسْتَاقٍ إِلَى رُسْتَاقٍ ".
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُرَغِّبُ فِي دِينِنَا وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًا]
٢٣٢ - فَصْلٌ
قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُرَغِّبُ فِي دِينِنَا وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًا "
هَذَا مِنْ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ أَنْ يَنْتَقِضَ الْعَهْدُ بِهِ، فَإِنَّهُ حِرَابُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الْحِرَابِ بِالْيَدِ، كَمَا أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ جِهَادٌ بِالْقَلْبِ وَبِاللِّسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ بِالْيَدِ.
следующие страницы →