← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

قَالَ: وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى النَّصْرَانِيِّ فِي عِيدِهِ مُكَافَأَةً لَهُ، وَرَآهُ مِنْ تَعْظِيمِ عِيدِهِ وَعَوْنًا لَهُ عَلَى كُفْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبِيعُوا مِنَ النَّصَارَى شَيْئًا مِنْ مَصْلَحَةِ عِيدِهِمْ، لَا لَحْمًا وَلَا أَدَمًا وَلَا ثَوْبًا، وَلَا يُعَارُونَ دَابَّةً، وَلَا يُعَانُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِيدِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شِرْكِهِمْ وَعَوْنِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَنْبَغِي لِلسَّلَاطِينِ أَنْ يَنْهَوُا الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ أَعْلَمْهُ اخْتُلِفَ فِيهِ ". هَذَا لَفْظُهُ فِي " الْوَاضِحَةِ ". وَفِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: مَنْ أَهْدَى لَهُمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ بِطِّيخَةً بِقَصْدِ تَعْظِيمِ الْعِيدِ فَقَدْ كَفَرَ. [فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُجَاوِرُهُمْ بِالْخَنَازِيرِ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ] ٢٢٩ - فَصْلٌ قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُجَاوِرُهُمْ بِالْخَنَازِيرِ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْمُجَاوَرَةِ؛ أَيْ: بَيْعِ الْخُمُورِ بِحَضْرَتِهِمْ، وَلَا تَكُونُ الْخَنَازِيرُ مُجَاوِرَةً لَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: لَا نَتَعَدَّى بِهَا عَلَيْهِمْ جَهْرَةً، بَلْ إِذَا أَتَيْنَا بِهَا إِلَى بُيُوتِنَا أَتَيْنَا بِهَا خِفْيَةً بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إِخْفَاءَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَلَّا يَظْهَرُوا بِهِمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا لَا يَظْهَرُونَ بِسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ.

стр. 1122

[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُجَاوِزُ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَانَا] ٢٣٠ - فَصْلٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُجَاوِزُ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَانَا " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالزَّايِ وَالرَّاءِ، مِنَ الْمُجَاوَزَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ، فَإِنْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَالْمَعْنَى اشْتِرَاطُ دَفْنِهِمْ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، لَا تُجَاوِرُ قُبُورُهُمْ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا قُبُورَهُمْ، بَلْ تَنْفَرِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْعَذَابِ وَالْغَضَبِ، فَلَا تَكُونُ هِيَ وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِمَا يَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ. وَإِنْ كَانَ بِالْمُعْجَمَةِ فَهُوَ مِنَ الْمُجَاوَزَةِ، وَعَادَةُ النَّصَارَى فِي أَمْوَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يُوقِدُونَ الشُّمُوعَ وَيَزُفُّونَ بِهَا الْمَيِّتَ، وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَةِ كُتُبِهِمْ، وَقَدْ مَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ تُتْبَعَ جَنَائِزُهُمْ بِنَارٍ خَوْفًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. وَعَلَى رِوَايَةِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا أَمْوَاتَهُمْ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا فِي الطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَ الْمَوَاضِعَ الْخَالِيَةَ الَّتِي لَا يَرَاهُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ: إِنْ كَانَتِ الرَّايَةُ بِالزَّايِ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ جَنَائِزِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ يُشْبِهُ مَعْنَى هَذَا فِيمَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ دَاوُدَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «رُبَّ

стр. 1123

جِنَازَةٍ مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَنْ شَهِدَهَا» ". قَالَ: فَهَذِهِ جَنَائِزُ أَهْلِ الذِّمَّةِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنَ الدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ " قِيلَ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» " قُلْتُ: الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " السُّنَنِ ". [فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ] ٢٣١ - فَصْلٌ قَوْلُهُمْ: " وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ " أَيْ: لَا نَبِيعُهُ ظَاهِرًا بِحَيْثُ يَرَاهُ الْمُسْلِمُونَ؛ إِذْ بَيْعُهُ ظَاهِرًا مِنَ الْمُنْكَرِ الْعَظِيمِ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْبَلَدِ وَخَارِجِ الْبَلَدِ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄: فِي هَذَا تَغْلِيظٌ فِي خَرْقِ مَتَاعِهِمْ وَكَسْرِ أَوَانِيهِمْ.

стр. 1124

ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ قَدْ أَثْرَى فِي تِجَارَةِ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ " أَنِ اكْسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وَشَرِّدُوا كُلَّ مَاشِيَةٍ لَهُ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثَنَا عُمَرُ الْمُكَتِّبُ، ثَنَا حَذْلَمٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ [زَكَّارٍ] قَالَ: نَظَرَ عَلِيٌّ إِلَى زُرَارَةَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْقَرْيَةُ؟ قَالُوا: قَرْيَةٌ تُدْعَى زُرَارَةَ، يُلْحَمُ فِيهَا وَيُبَاعُ الْخَمْرُ. فَقَالَ: أَيْنَ الطَّرِيقُ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: بَابُ الْجِسْرِ. قَالَ قَائِلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خُذْ لَكَ سَفِينَةً تَجُوزُ فِيهَا، قَالَ: تِلْكَ سُخْرَةٌ وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي السُّخْرَةِ، وَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَى بَابِ الْجِسْرِ، فَقَامَ يَمْشِي حَتَّى أَتَاهَا، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالنِّيرَانِ أَضْرِمُوا فِيهَا، فَإِنَّ الْخَبِيثَ يَأْكُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَأُضْرِمَتْ فِي عَرْشِهَا.

стр. 1125

قَالَ: وَقَدْ قَضَى ابْنُ عَبَّاسٍ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَا يُبَاعُ فِيهِ خَمْرٌ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ السَّوَادِ حِينَئِذٍ ". وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ " لَا يُحْمَلُ الْخَمْرُ مِنْ رُسْتَاقٍ إِلَى رُسْتَاقٍ ". [فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نُرَغِّبُ فِي دِينِنَا وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًا] ٢٣٢ - فَصْلٌ قَوْلُهُمْ: " وَلَا نُرَغِّبُ فِي دِينِنَا وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًا " هَذَا مِنْ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ أَنْ يَنْتَقِضَ الْعَهْدُ بِهِ، فَإِنَّهُ حِرَابُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الْحِرَابِ بِالْيَدِ، كَمَا أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ جِهَادٌ بِالْقَلْبِ وَبِاللِّسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ بِالْيَدِ.

стр. 1126

وَلَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى الْبَاطِلِ مُسْتَلْزِمَةً - وَلَا بُدَّ - لِلطَّعْنِ فِي الْحَقِّ، كَانَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى دِينِهِمْ وَتَرْغِيبِهِمْ فِيهِ طَعْنًا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وَلَا رَيْبَ أَنَّ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنَ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ وَالسَّيْفِ، فَأَوْلَى مَا انْتَقَضَ بِهِ الْعَهْدُ الطَّعْنُ فِي الدِّينِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ، فَالشَّرْطُ مَا زَادَهُ إِلَّا تَأْكِيدًا وَقُوَّةً. [فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا نَتَّخِذُ مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ] ٢٣٣ - فَصْلٌ قَوْلُهُمْ: " وَلَا نَتَّخِذُ مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ " يَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ لَا يَتَمَلَّكُونَ رَقِيقًا مِنْ سَبْيِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، فَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَرَقَّ الْإِمَامُ السَّبْيَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمْ مِنْ كَافِرٍ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا، صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بَيْعُهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيْعُهُمْ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. فَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَالَ فِي " الْجَوَاهِرِ ": إِنِ اشْتَرَى الْكَافِرُ بَالِغًا عَلَى دِينِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ شِرَائِهِ إِذَا كَانَ يَسْكُنُ بِهِ فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُبَاعُ لِمَنْ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِمَا يُخْشَى مِنْ إِطْلَاعِهِ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1127

وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا عَلَى دِينِهِ يَعِي الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ؛ لِمَا يُرْجَى مِنْ إِسْلَامِهِ سُرْعَةَ إِجَابَتِهِ إِذَا دُعِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْسَخْ فِي نَفْسِهِ الْكُفْرُ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ. فَإِنْ بِيعَ مِنْهُ فُسِخَ الْبَيْعُ وَتَحَرَّجَ فِيهِ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُمْنَعُ مِنْ شِرَائِهِ؛ لِأَنَّا لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِسْلَامِهِ إِذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَالِغًا عَلَى غَيْرِ دِينِ مُشْتَرِيهِ - وَلَهَا صُورَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَهُودِيٌّ يُبَاعُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسُهُ - فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ بِالْمَنْعِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ فَيَكُونُ إِضْرَارًا بِالْمَمْلُوكِ وَاتِّخَاذًا لِلسُّبُلِ إِلَى دِينِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُمْنَعُ؛ إِذِ الْمَنْعُ لَيْسَ بِحَقِّ اللَّهِ بَلْ بِحَقِّ الْعَبْدِ، فَلَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ تُجَّارٌ، فَيُتَدَارَكُ بَعْدُ بِالْمَنْعِ مِنْ أَذِيَّتِهِ دُونَ فَسْخِ الْبَيْعِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مِنَ الصَّقَالِبَةِ أَوِ الْمَجُوسِ أَوِ السُّودَانِ، فَهَلْ لَهُ شِرَاؤُهُ؟ حَكَى الْمَازِرِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ. [الْأَوَّلُ:] الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ، وَأُطْلِقَ الْجَوَازُ فِي الصَّغِيرِ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ - قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ -.

стр. 1128

وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ فِي الصَّغِيرِ وَالْجَوَازُ فِي الْكَبِيرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ " الْعَيْنِيَّةِ ". وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الشُّرُوطِ الْمَشْرُوطَةِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: " وَلَا نَتَّخِذُ شَيْئًا مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ " قَالُوا: وَهَذَا فِعْلٌ ظَاهِرٌ مُنْتَشِرٌ عَنْ عُمَرَ أَقَرَّهُ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ رَقِيقٌ جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ كَافِرٍ كَالْحَرْبِيِّ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا اشْتَرَى مُسْلِمٌ عَبْدًا كَافِرًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ ذَمِّيٍّ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ رُجِيَ إِسْلَامُهُ، وَإِذَا مُنِعَ مِنْهُمْ مَنَعُوهُ مِنْ إِسْلَامٍ إِنْ رَغِبَ فِيهِ، وَلِهَذَا مَنَعْنَا الْكَافِرَ مِنْ حَضَانَةِ اللَّقِيطِ. [فَصْلٌ فِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ الْكَافِرِ] ٢٣٤ - فَصْلٌ [فِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ الْكَافِرِ] فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِمْ لِكَافِرٍ وَبَيْنَ جَوَازِ الْمُفَادَاةِ بِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْمَالِ وَالْمُسْلِمِ؟ قِيلَ: أَمَّا الْمُفَادَاةُ بِهِمْ بِمُسْلِمٍ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَسْرِ الْكُفَّارِ أَرْجَحُ مِنْ بَقَاءِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْتَظِرُونَ إِسْلَامَهُ، بِخِلَافِ بَيْعِهِ لَهُمْ فَإِنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَا يُرْجَى لَهُ بِإِقَامَتِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَالِحِ. وَأَمَّا مُفَادَاتُهُ بِمَالٍ فَهَذَا فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِنْ مَنَعْنَا ذَلِكَ فَلِأَنَّ مُفَادَاتَهُ بِمَالٍ بِيعَ مِنْهُ لَهُمْ.

стр. 1129

قَالَ: وَإِنْ جَوَّزْنَاهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَيْعِ الْمُسْلِمِ لَهُ مِنَ الْكَافِرِ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْفِدَاءِ بِالْمَالِ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَى الْمَالِ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَتَكُونُ مَصْلَحَةُ الْمُفَادَاةِ أَرْجَحَ مِنْ بَقَاءِ الْعَبْدِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُسْلِمِ الْمَالِكِ لَهُ مِنْ كَافِرٍ، فَإِنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. ذِكْرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: أَيُبَاعُ السَّبْيُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: لَا، يُرْوَى فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ الْعَبْدَ النَّصْرَانِيَّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: لَا يَبْتَاعُونَ مِنْ سَبْيِنَا، قِيلَ لَهُ: فَيَكُونُ عَبْدًا لِنَصْرَانِيٍّ فَيُشْتَرَى مِنْهُ فَيُبَاعُ لِلنَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَكَرِهَ أَنْ يُبَاعَ الْمَمْلُوكُ النَّصْرَانِيُّ إِذَا كَانَ مِنْ سَبْيِ الْمُسْلِمِينَ لِلنَّصَارَى. وَقَالَ [الْمَرْوَذِيُّ] : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ يَشْتَرِي أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ سَبْيِنَا؟ قَالَ: لَا، إِذَا صَارُوا إِلَيْهِمْ يَئِسُوا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا كَانُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ تُبَاعُ الْجَارِيَةُ النَّصْرَانِيَّةُ مِنَ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: لَا، إِذَا بَاعَهَا فَقَدْ أَيِسْنَا مِنْ إِسْلَامِهَا.

стр. 1130

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْتَرُوا شَيْئًا مِنْ سَبْيِنَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَارُوا إِلَيْهِمْ نَشَئُوا عَلَى كُفْرِهِمْ. وَيُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ فِي عَهْدِهِ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ شِرَاءِ سَبَايَانَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ وَلَهَا وَلَدٌ، أَيَبِيعُهَا مَعَ وَلَدِهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ فَإِنْ بَاعَهَا وَحْدَهَا دُونَ وَلَدِهَا لِلنَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: لَا يَبِيعُهَا لِلنَّصْرَانِيِّ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مِمَّا سَبَى الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا. قُلْتُ لِأَبِي: فَمِنْ أَيْنَ يَشْتَرُونَ؟ قَالَ: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ يَنْهَى أَنْ تُبَاعَ النَّصْرَانِيَّةُ مِنَ النَّصْرَانِيِّ. وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَيْسَ لِنَصْرَانِيٍّ وَلَا أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ سَبْيِنَا شَيْئًا، وَلَا يُبَاعَ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَعَلَّهُ يُسْلِمُ، وَهَذَا يُدْخِلُهُ فِي دِينِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا وَأَبَى الْإِسْلَامَ؟ قَالَ: لَا يُبَاعُ إِلَّا مِنْ مُسْلِمٍ لَعَلَّهُ يُسْلِمُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَتْرُكُوهُ أَنْ يُدْخِلُوهُ فِي دِينِهِمْ، وَلَا يُبَاعُ

стр. 1131

شَيْءٌ مِنْ سَبْيِنَا مِنْهُمْ نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ، هُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ: لَا يُبَاعُ الرَّقِيقُ مِنْ يَهُودِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٍّ وَلَا مَجُوسِيٍّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ، وَذَاكَ لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ أَقَامَ عَلَى الشِّرْكِ، وَكَتَبَ فِيهِ عُمَرُ يَنْهَى عَنْهُ أُمَرَاءَ الْأَمْصَارِ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِي الْحَارِثِ وَالْمَيْمُونِيِّ. قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قُلْتُ: فَإِنْ بَاعَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَمْلُوكَهُ يَرُدُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ يَرُدُّهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ رَقِيقُهُمْ؟ قَالَ: مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَتَنَاسَلُوا، فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرُوا مِنَّا فَلَا. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يُبَاعُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا.

стр. 1132

[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَأَلَّا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَقْرِبَائِنَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ] ٢٣٥ - فَصْلٌ قَوْلُهُمْ: " وَأَلَّا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَقْرِبَائِنَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ " فَهَذَا أَيْضًا يَقْتَضِي انْتِقَاضَ عَهْدِهِمْ بِهِ، فَإِنَّهُ مَشْرُوطٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَيْضًا مُحَارَبَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْمَنْعِ مِنَ الدُّخُولِ فِي دِينِهِ، فَالْأَوَّلُ دُعَاءٌ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْكُفْرِ وَتَرْغِيبٌ فِيهِ، وَهَذَا مَنْعٌ لِمَنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ مِنْهُ وَالْعُدُولَ عَنْهُ.

стр. 1133

[الْفَصْلُ الْثالث مَا يَتَعَلَّقُ بِتَغْيِيرِ لِبَاسِهِمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَرْكَبِ وَاللِّبَاسِ وَنَحْوِه] [ فَصْلٌ قَوْلُهُم نُلْزِمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا وَأَلَّا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لُبْسِ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ وَلَا فِي مَرَاكِبِهِمْ] الْفَصْلُ الثَّالِثُ [فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَغْيِيرِ لِبَاسِهِمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَرْكَبِ وَاللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ] ٢٣٦ - فَصْلٌ وَقَوْلُهُمْ: " وَأَنْ نُلْزِمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا وَأَلَّا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ وَلَا فِي مَرَاكِبِهِمْ " هَذَا أَصْلُ الْغِيَارِ، وَهُوَ سُنَّةٌ سَنَّهَا مَنْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَجَرَى عَلَيْهَا الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بِهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ فِي سِيَاقِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ الْغِيَارِ لِأَهْلِ الْمِلَلِ الَّذِينَ خَالَفُوا شَرِيعَتَهُ صَغَارًا وَذُلًّا وَشُهْرَةً وَعَلَمًا عَلَيْهِمْ؛ لِيُعْرَفُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ وَلِبَاسِهِمْ وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ: " وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ تُجَزَّ نَوَاصِيَهُمْ، وَأَلَّا يَلْبَسُوا لُبْسَةَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُعْرَفُوا ".

стр. 1134

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُهُ. قَالَ: " وَهَذَا مَذْهَبُ التَّابِعِينَ وَأَصْحَابِ الْمَقَالَاتِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ". ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ [الْفِرْيَابِيِّ] : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

стр. 1135

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ ". قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: " هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي الْغِيَارِ، وَأَشْبَهُ بِمَعْنَاهُ وَأَوْجَهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ لِمَا يَنْطِقُ لَفْظُهُ بِمَعْنَاهُ وَمَفْهُومِهِ بِمَا يَقْتَضِي فَحْوَاهُ مِنْ قَوْلِهِ: " «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» " فَأَهْلُ الذِّمَّةِ أَعْظَمُ خِلَافًا لِأَمْرِهِ وَأَعْصَاهُمْ لِقَوْلِهِ، فَهُمْ أَهْلٌ أَنْ يُذَلُّوا بِالتَّغْيِيرِ عَنْ زِيِّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَعَزَّهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ مِنَ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَذَلَّهُمْ وَصَغَّرَهُمْ وَحَقَّرَهُمْ حَتَّى تَكُونَ سِمَةُ الْهَوَانِ عَلَيْهِمْ فَيُعْرَفُوا بِزِيِّهِمْ. وَدَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ الْغِيَارِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» " وَمَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَشَبَّهُ بِالْمُسْلِمِ فِي زِيِّهِ فَيُعْرَفُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَالْكَافِرُ يَتَشَبَّهُ بِزِيِّ الْكَافِرِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ كَافِرٌ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْبَرَ الْكَافِرُ عَلَى التَّشَبُّهِ بِقَوْمِهِ لِيَعْرِفَهُ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» ". وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتُقْرِأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفَتْ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» ".

стр. 1136

وَقَدْ نَهَى أَنْ يُبْدَأَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَأَمَرَ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ لَهُ: " وَعَلَيْكُمْ ". وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ زِيٌّ يُعْرَفُونَ بِهِ حَتَّى يُمْكِنَ اسْتِعْمَالُ السُّنَّةِ فِي السَّلَامِ فِي حَقِّهِمْ، وَيَعْرِفُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ يَسْتَحِقُّ السَّلَامَ أَوْ ذِمِّيٌّ لَا يَسْتَحِقُّهُ؟ وَكَيْفَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْأَمْصَارِ " أَنْ تُجَزَّ نَوَاصِيَهُمْ " يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ، " وَأَلَّا يَلْبَسُوا لُبْسَةَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُعْرَفُوا ". قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِ السَّلَامِ فَائِدَةٌ مِنْ فَوَائِدِ الْغِيَارِ وَفَوَائِدُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَقُومُ لَهُ وَلَا يُصَدِّرُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يُقَبِّلُ يَدَهُ، وَلَا يَقُومُ لَدَى رَأْسِهِ، وَلَا يُخَاطِبُهُ بِأَخِي وَسَيِّدِي وَوَلِيِّي وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يُدْعَى لَهُ بِمَا يُدْعَى بِهِ لِلْمُسْلِمِ مِنَ النَّصْرِ وَالْعِزِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ أَوْقَافِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْ زَكَوَاتِهِمْ، وَلَا يَسْتَشْهِدُهُ تَحَمُّلًا وَلَا أَدَاءً، وَلَا يَبِيعُهُ عَبْدًا مُسْلِمًا، وَلَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَوْلَا النَّهْيُ لَعَامَلَهُ بِبَعْضِ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمُسْلِمِ. فَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلِ فَفِي شُرُوطِ عُمَرَ

стр. 1137

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَأَلَّا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ " فَيُمْنَعُونَ مِنْ لِبَاسِهَا لِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَحَابَتُهُ يَلْبَسُونَهَا، وَلَمْ يَزَلْ لُبْسُهَا عَادَةَ الْأَكَابِرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَشْرَافِ وَالْخُطَبَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ فَرَغِبَ النَّاسُ عَنْهَا. وَقَدْ رَوَى الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ قَلَنْسُوَةٌ بَيْضَاءُ لَاطِئَةٌ يَلْبَسُهَا» . وَكَانَ لِعَلِيٍّ ﵁ قَلَنْسُوَةٌ بَيْضَاءُ يَلْبَسُهَا. وَذَكَرَ سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَلَا عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ. وَقَالَتْ أُمُّ نَهَارٍ: كَانَ أَنَسٌ يَمُرُّ بِنَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ عَلَى بِرْذَوْنٍ عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لَاطِئَةٌ.

стр. 1138

فَإِنَّمَا نَهَى عُمَرُ ﵁ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَنْ لُبْسِهَا؛ لِأَنَّهَا زِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَحَابَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أُسْوَةٌ وَقُدْوَةٌ، فَالْخُلَفَاءُ يَلْبَسُونَهَا اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَشَبُّهًا بِهِ وَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِاتِّبَاعِهِ وَاقْتِفَاءِ أَثَرِهِ، وَالْعُلَمَاءُ يَلْبَسُونَهَا إِذَا انْتَهَوْا فِي عِلْمِهِمْ وَعِزِّهِمْ وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُمْ وَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِمْ فَيَتَمَيَّزُونَ بِهَا لِلشَّرَفِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ لِمَا رَفَعَهُمُ اللَّهُ بِعِلْمِهِمْ عَلَى جَهَلَةِ خَلْقِهِ، وَالْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا هَيْبَةً وَرِفْعَةً، وَالْخُطَبَاءُ تَلْبَسُهَا عَلَى الْمَنَابِرِ لِعُلُوِّ مَقَامِهِمْ؛ فَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ لِبَاسِ الْقَلَنْسُوَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِيهِمْ. [فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا عِمَامَةٍ] ٢٣٧ - فَصْلٌ قَوْلُهُمْ: " وَلَا عِمَامَةٍ ". قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَالْعِمَامَةُ يُمْنَعُونَ مِنْ لُبْسِهَا وَالتَّعَمُّمِ بِهَا؛ إِنَّ الْعَمَائِمَ تِيجَانُ الْعَرَبِ وَعِزُّهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ مِنْ سِوَاهَا، وَلَبِسَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، فَهِيَ لِبَاسُ الْعَرَبِ قَدِيمًا، وَلِبَاسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ، فَهِيَ لِبَاسُ الْإِسْلَامِ. قَالَ جَابِرٌ ﵁: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» . قَالَ: وَرَوَى عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ،

стр. 1139

عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " «اعْتَمُّوا تَزْدَادُوا حِلْمًا، وَقَالَ: الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ» ".

стр. 1140

وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّيْنِ» . وَقَالَ أَنَسٌ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْفُضِ الْعِمَامَةَ» .

стр. 1141

وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ» ".

стр. 1142

وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ إِخْبَارًا بِالْوَاقِعِ - فَإِنَّهُ إِرْشَادٌ إِلَى الْمَشْرُوعِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ [عَمْرٍو] ، عَنْ [الْفُضَيْلِ] بْنِ الْفَضَالَةِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَلْزَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْعَصَائِبِ وَالْأَلْوِيَةِ. يُرِيدُ بِالْعَصَائِبِ الْعَمَائِمَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " «فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى [الْعَصَائِبِ] وَالتَّسَاخِينِ» ". فَالْعَصَائِبُ الْعَمَائِمُ، وَالتَّسَاخِينُ الْخِفَافُ.

стр. 1143

قَالُوا: وَالْعَمَائِمُ لَيْسَتْ مِنْ زِيِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ زِيِّ الْعَرَبِ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَلَا يُمَكَّنُ الذِّمِّيُّ مِنَ التَّعَمُّمِ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا عِزَّ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا هِيَ مِنْ زِيِّهِ. قُلْتُ: فَلَوْ خَالَفَتْ عَمَائِمُهُمْ عَمَائِمَ الْمُسْلِمِينَ فِي لَوْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهَلْ يُمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْهَا لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ الْمَقْصُودِ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُمَكَّنُوا إِذِ الْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ لَا يَلْبَسُونَ هَذَا الْجِنْسَ كَمَا لَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ وَلَوْ تَمَيَّزَتْ عَنْ خُيُولِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ رُكُوبَهَا عِزٌّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِرْخَاءِ الذَّوَائِبِ. وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي لُبْسِهِمُ الْعَمَائِمَ، وَلَكِنْ قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِ: إِنَّهُمْ يَشُدُّونَ فِي أَطْرَافِ عَمَائِمِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ مَا يُخَالِفُ لَوْنَهَا بِحُمْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَحَكَوْا فِي جَوَازِ تَمْكِينِهِمْ مَنِ الطَّيَالِسَةِ وَجْهَيْنِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَمَائِمِ أَوْلَى وَأَحَقُّ بِالْمَنْعِ لِمَا تَقَدَّمَ.

стр. 1144

وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ " أَنِ امْنَعْ مَنْ قِبَلَكَ فَلَا يَلْبَسُ نَصْرَانِيٌّ قَبَاءً وَلَا ثَوْبَ خَزٍّ وَلَا عَصَبٍ، وَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ التَّقَدُّمِ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ نَهْيٌ عَنْهُ، وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ قِبَلَكَ مِنَ النَّصَارَى قَدْ رَاجَعُوا لُبْسَ الْعَمَائِمِ وَتَرَكُوا الْمَنَاطِقَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ وَاتَّخَذُوا الْوَفْرَ وَالْجُمَمَ، وَلَعَمْرِي إِنْ كَانَ يُصْنَعُ ذَلِكَ فِيمَا قِبَلَكَ إِنَّ ذَلِكَ بِكَ ضَعْفٌ وَعَجْزٌ، فَانْظُرْ كُلَّ شَيْءٍ نُهِيتَ عَنْهُ وَتَقَدَّمْتَ فِيهِ فَلَا تُرَخِّصْ فِيهِ وَلَا تُغَيِّرْ مِنْهُ شَيْئًا ".

стр. 1145

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلْمَانَ، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حِبَّانَ قَالَا: دَخَلَ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِمُ الْعَمَائِمُ كَهَيْئَةِ الْعَرَبِ، قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلْحِقْنَا بِالْعَرَبِ. قَالَ: فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ بَنُو تَغْلِبَ. قَالَ: أَوَلَسْتُمْ مِنْ أَوْسَطِ الْعَرَبِ؟ قَالُوا: نَحْنُ نَصَارَى. قَالَ: عَلَيَّ بِجَلَمٍ، فَأَخَذَ مِنْ نَوَاصِيهِمْ وَأَلْقَى الْعَمَائِمَ وَشَقَّ مِنْ رِدَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شِبْرًا يَحْتَزِمُ بِهِ وَقَالَ: لَا تَرْكَبُوا السُّرُوجَ، وَارْكَبُوا الْأُكُفَ وَدَلُّوا أَرْجُلَكُمْ مِنْ شَقٍّ وَاحِدٍ. حَدَّثَنَا خَالِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُوسَى الْعَسْقَلَانِيُّ،

стр. 1146

حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الرُّعَيْنِيُّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَمْصَارِ الشَّامِ: " لَا يَمْشِي نَصْرَانِيٌّ إِلَّا مَفْرُوقَ النَّاصِيَةِ، وَلَا يَلْبَسُ قَبَاءً، وَلَا يَمْشِي إِلَّا بِزُنَّارٍ مِنْ جِلْدٍ، وَلَا يَلْبَسُ طَيْلَسَانًا، وَلَا يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ ذَاتَ خِدْمَةٍ، وَلَا يَلْبَسُ نَعْلًا ذَاتَ عَذَبَةٍ، وَلَا يَرْكَبُ عَلَى سَرْجٍ، وَلَا يُوجَدُ فِي بَيْتِهِ سِلَاحٌ إِلَّا انْتُهِبَ، وَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ حَتَّى تُصَلَّى الْجُمُعَةُ ". حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى عَنِ ابْنِ [مُسْهَرٍ] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ: " تُجَزَّ نَوَاصِيَهُمْ - يَعْنِيَ النَّصَارَى - وَلَا يَلْبَسُوا أَلْبِسَةَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُعْرَفُوا ".

стр. 1147

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَلَا يَرْكَبَنَّ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ عَلَى سَرْجٍ وَلْيَرْكَبَنَّ عَلَى إِكَافٍ، وَلَا يَرْكَبَنَّ نِسَاؤُهُمْ عَلَى رَاحِلَةٍ وَلْيَكُنْ رُكُوبُهُنَّ عَلَى إِكَافٍ، وَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ تَقَدُّمًا بَلِيغًا ".

стр. 1148

وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": بَابُ مَا تُؤْخَذُ بِهِ النَّصَارَى مِنِ اتِّخَاذِ الزَّنَانِيرِ وَعَلَى نِسَائِهِمْ مِنْ زِيِّهِمْ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ: " يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالزَّنَانِيرِ يُذَلُّونَ بِذَلِكَ ". ثَنَا يَحْيَى بْنُ [جَعْفَرِ بْنِ] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [الزِّبْرِقَانِ] ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ [السَّكَنِ] ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ ﵁ أَنْ تُجَزَّ نَوَاصِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنْ يَشُدُّوا الْمَنَاطِقَ، وَأَنْ يَرْكَبُوا الْأُكُفَ بِالْعَرْضِ.

стр. 1149

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْهَوُا النَّصَارَى أَنْ يَفْرِقُوا رُءُوسَهُمْ، وَتُجَزَّ نَوَاصِيهِمْ، وَأَنْ تُشَدَّ مَنَاطِقُهُمْ، وَلَا يَرْكَبُوا عَلَى سَرْجٍ، وَلَا يَلْبَسُوا عَصَبًا وَلَا خَزًّا، وَأَنْ يُمْنَعَ نِسَاؤُهُمْ أَنْ يَرْكَبْنَ الرَّحَائِلَ، فَإِنْ قُدِرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إِلَيْهِ فَإِنَّ سَكَنَهُ لِمَنْ وَجَدَهُ.

стр. 1150

[فَصْلٌ اخْتِصَاصُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالتَّلَحِّي فِي الْعَمَائِمِ] ٢٣٨ - فَصْلٌ [اخْتِصَاصُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالتَّلَحِّي فِي الْعَمَائِمِ] وَيُمْنَعُونَ مِنَ التَّلَحِّي، صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ [الْحَسَنِ] بْنِ مَنْصُورٍ الطَّبَرِيُّ فِي " شَرْحِ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ: " وَكَذَلِكَ لَا يَتَلَحَّى لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّلَحِي وَنَهَى عَنِ [الِاقْتِعَاطِ] ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ آمَنَ بِهِ وَاقْتَدَى بِأَفْعَالِهِ، فَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ أُمَّتِهِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ اتِّبَاعًا لِأَمْرِهِ وَاسْتِعْمَالًا لِسُنَّتِهِ، وَهُوَ زِيُّ الْعَرَبِ مِنْ آبَادِ الدَّهْرِ وَلَيْسَ هُوَ زِيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَا يُمَكَّنُ الذِّمِّيُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ زِيَّ قَوْمِهِ فِيمَا مَضَى، فَيَجِبُ أَلَّا يَكُونَ زِيًّا لَهُ الْآنَ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَصْلُ التَّلَحِّي فِي لُبْسِ الْعَمَائِمِ،

стр. 1151

وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَائِمَ يُقَالُ لَهَا [الْمِقْعَطَةُ] ، فَإِذَا لَاثَهَا الْمُعْتَمُّ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا تَحْتَ [حَنَكِهِ] قِيلَ: [اقْتَعَطَهَا فَهُوَ] الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَإِذَا أَدَارَهَا تَحْتَ الْحَنَكِ قِيلَ: تَلَحَّاهَا، وَكَانَ طَاوُسٌ يَقُولُ: " تِلْكَ عَمَّةُ الشَّيْطَانِ " يَعْنِي الَّتِي لَا يُتَلَحَّى بِهَا. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَعَمَّةُ الشَّيْطَانِ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِهَا أَوْلَى! . قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذَا تَعَمَّمُوا لَا يُرْسِلُونَ أَطْرَافَ الْعِمَامَةِ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ فِي التَّعَمُّمِ بِفِعْلِ الرَّسُولِ، بِفِعْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِيمَا رَوَى الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَيْلَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَنْ يَتَجَهَّزَ لِسَرِيَّةٍ بَعَثَهُ عَلَيْهَا، فَأَصْبَحَ قَدِ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ» . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: [حَدَّثَنَا] عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعْتَمُّ

стр. 1152

وَيُرْخِيهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَأَخْبَرَنِي أَشْيَاخُنَا أَنَّهُمْ رَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمُّونَ وَيُرْخُونَهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ. فَإِرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالشَّرَفِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَكَّنَ الْكُفَّارُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيهِ.

стр. 1153

[فَصْلٌ قوْلُهُمْ وَلَا فِي نَعْلَيْنِ] ٢٣٩ - فَصْلٌ قَوْلُهُمْ: " وَلَا فِي نَعْلَيْنِ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ ". أَيْ: لَا نَتَشَبَّهُ بِهِمْ فِي نِعَالِهِمْ، بَلْ تَكُونُ نِعَالُهُمْ مُخَالِفَةً لِنِعَالِ الْمُسْلِمِينَ لِيَحْصُلَ كَمَالُ التَّمْيِيزِ وَعَدَمُ الْمُشَابَهَةِ فِي الزِّيِّ الظَّاهِرِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْعَدَ مِنَ الْمُشَابَهَةِ فِي الزِّيِّ الْبَاطِنِ فَإِنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي أَحَدِهِمَا تَدْعُو إِلَى الْمُشَابَهَةِ فِي

стр. 1154

الْآخَرِ بِحَسَبِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْغِيَارِ

стр. 1155

وَالتَّمْيِيزِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ مُجَرَّدَ تَمْيِيزِ الْكَافِرِ عَنِ الْمُسْلِمِ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَاصِدِ، وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ تَرْكُ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَمُشَابَهَتِهِمْ بَاطِنًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَنَّ لِأُمَّتِهِ تَرْكَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَقَالَ: " «خَالَفَ هَدْيُنَا هَدْيَ الْمُشْرِكِينَ» "، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ

стр. 1156

أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ دَلِيلٍ حَتَّى شُرِّعَ لَهَا فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَجَنُّبُ مُشَابَهَتِهِمْ فِي مُجَرَّدِ الصُّورَةِ كَالصَّلَاةِ وَالتَّطَوُّعِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، فَعَوَّضَنَا بِالتَّنَفُّلِ فِي وَقْتٍ لَا تَقَعُ الشُّبْهَةُ بِهِمْ فِيهِ. وَلَمَّا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ لَا يُمْكِنُ [التَّعْوِيضُ] عَنْهُ بِغَيْرِهِ لِفَوَاتِ غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَمَرَنَا أَنْ نَضُمَّ إِلَيْهِ يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ لِتَزُولَ صُورَةُ

стр. 1157

الْمُشَابَهَةِ، ثُمَّ لَمَّا قَهَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَصَارُوا تَحْتَ قَهْرِهِمْ وَحُكْمِهِمْ

стр. 1158

أَلْزَمَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ﵁ بِتَرْكِ التَّشَبُّهِ بِالْمُسْلِمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَرْكِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، فَتَضَمَّنَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ الْعَظِيمَانِ مُجَانَبَتَهُمْ فِي الْهَدْيِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ حَتَّى فِي النِّعَالِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّةَ بِالصَّلَاةِ فِي نِعَالِهِمْ مُخَالَفَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَنَهَاهُمْ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَلْبَسُوا نِعَالَ الْمُسْلِمِينَ. [فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا بِفَرْقِ شَعْرٍ] ٢٤٠ - فَصْلٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: " وَلَا بِفَرْقِ شَعْرٍ ". الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ [الزُّهْرِيِّ] ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُءُوسَهُمْ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، فَسَدَلَ

стр. 1159

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِالْفَرْقِ، فَكَانَ الْفَرْقُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ» . وَالسَّدْلُ فِي اللُّغَةِ الْإِرْسَالُ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّعْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرْسِلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ أَوَّلًا يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَفْرِقَ شَعْرَهُ فَأَمْسَكَ عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ فَجَاءَهُ الْأَمْرُ بِالْفَرْقِ فَصَارَ هُوَ السُّنَّةَ. وَالْفَرْقُ هُوَ أَنْ يَقْسِمَ شَعْرَ الرَّأْسِ نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَجْعَلَ ذُؤَابَتَيْنِ عَلَى زِيِّ الْأَشْرَافِ الَّذِي لَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ الْعَلَوِيُّونَ وَالْعَبَّاسِيُّونَ. وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، بَلْ يُؤْمَرُونَ بِأَنْ يُرْسِلُوا شُعُورَهُمْ وَيُسْدِلُوهَا وَيَجْمَعُوا شُعُورَهُمْ حَتَّى تَكُونَ كَاللَّبِنَةِ مِنْ خَلْفِهِمْ. وَقَدْ وَسَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِوَسْمٍ يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ وَهُوَ أَنْ تُجَزَّ نَوَاصِيهِمْ، وَالنَّاصِيَةُ مِقْدَارُ رُبْعِ الرَّأْسِ، فَإِذَا كَانَ رُبْعُهُ مَحْلُوقًا كَانَ عَلَمًا ظَاهِرًا وَأَمْرًا مَشْهُورًا أَنَّهُ ذِمِّيٌّ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الشُّرُوطِ: " وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِمَ رُءُوسِنَا ".

стр. 1160

قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ بِجَزِّ نَوَاصِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ -. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: كَذَا قَالَ خَالِدٌ: " عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَسْلَمَ، عَنْ عُمَرَ، كَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
следующие страницы →