Полный текст (1 326 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ أَفْتَى فِي مِثْلِ هَذَا بِغَيْرِ مَا أَفْتَى بِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
ثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ صَدَقَةَ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: بَعَثْتَ إِلَيَّ بِصَدَقَةِ الْخَمْرِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَعْمِلُكَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا قَالَ: فَنَزَعَهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِتَفْصِيلِ الْأَمْوَالِ الَّتِي قِبَلَكَ مِنْ أَيْنَ دَخَلَتْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَصَنَّفَهُ لَهُ فَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ عُشْرِ الْخَمْرِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ
стр. 107
جَوَابُ كِتَابِهِ: إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَذْكُرُ مِنْ عُشُورِ الْخَمْرِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَإِنَّ الْخَمْرَ لَا يَعْشِرُهَا مُسْلِمٌ وَلَا يَشْتَرِيهَا وَلَا يَبِيعُهَا، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاطْلُبِ الرَّجُلَ فَارْدُدْهَا عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِمَا كَانَ فِيهَا فَطَلَبَ الرَّجُلَ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ الْأَرْبَعَةُ الْآلَافِ وَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِنِّي لَمْ أَعْلَمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا عِنْدِي الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ قَدْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الذِّمِّيِّ يَمُرُّ بِالْخَمْرِ عَلَى الْعَاشِرِ، قَالَ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْعُشُورُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِالْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ - عَشَرَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَعْشِرِ الْخَنَازِيرَ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ أَلَّا يَكُونَ عَلَى الْخَمْرِ عُشْرٌ أَيْضًا، انْتَهَى.
وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ مَحْضُ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا تَبَايَعُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَقَدْ تَعَاقَدُوا عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ مَالًا، فَإِذَا أَخَذْنَاهُ مِنْهُمْ أَخَذْنَا مَا هُوَ حَلَالٌ عِنْدَهُمْ،
стр. 108
وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كُلَّ سَنَةٍ كَمَا اكْتَسَبُوهُ بِعُقُودٍ أَوْ مَوَارِيثَ أَوْ أَسْبَابٍ مِنْ هِبَاتٍ وَوَصَايَا - فَغَيْرُهَا لَا يَجُوزُ فِي شَرْعِنَا - وَعَامَلُونَا بِهِ أَوْ قَضَوْنَا إِيَّاهُ مِمَّا لَنَا عَلَيْهِمْ، سَاغَ لَنَا أَخْذُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَوَّغْ فِي شَرْعِنَا تِلْكَ الْأَسْبَابُ الَّتِي حَدَّهَا، كَمَا تَأْخُذُ الْمَرْأَةُ مِنْ مَهْرٍ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَا نُجِيزُهُ نَحْنُ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَهُ نِكَاحًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَرَقُوهُ أَوْ غَصَبُوهُ أَوِ اكْتَسَبُوهُ بِوَجْهٍ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالرِّبَا، فَإِنَّهُ حَرَامُ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ.
وَأَمَّا مَا مَنَعَهُ الْخَلِيفَتَانِ فَهُوَ فَرْضُ الْعُشْرِ عَلَى نَفْسِ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ إِذَا اتَّجَرُوا فِيهَا، فَهَذَا غَيْرُ أَخْذِ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ إِذَا كَانَ لَنَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِهَةِ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْجِزْيَةِ وَالدَّيْنِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهَا - ظَاهِرٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَحِلُّ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ]
٢٥ - فَصْلٌ. وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَحِلُّ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ مُرَتَّبٌ عَلَى أَدْيَانِهِمْ لَا عَلَى أَنْسَابِهِمْ، فَلَا يُكْشَفُ عَنْ آبَائِهِمْ هَلْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ وَلَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَقَرَّهُمْ بِالْجِزْيَةِ وَلَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ، وَأَبَاحَ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ وَأَطْعِمَتَهُمْ وَلَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ فِي حِلِّهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ تَبْدِيلِهِ وَنَسْخِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْذُرُ إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَرَادُوا مَنْعَ أَوْلَادِهِمْ مِنَ الْمُقَامِ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَإِلْزَامَهُمْ بِالْإِسْلَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 109
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُمْ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ دُخُولَهُمْ فِي دِينِ الْيَهُودِيَّةِ كَانَ بَعْدَ تَبْدِيلِهِ، وَبَعْدَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ وَلَمْ يَسْأَلِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِمَّنْ أَقَرَّهُ بِالْجِزْيَةِ مَتَى دَخَلَ آبَاؤُهُ فِي الدِّينِ وَلَا مَنْ كَانَ يَأْكُلُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ أَلْبَتَّةَ.
стр. 110
وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَذَا أَوْ يَكُونُ شَرْطًا فِي حِلِّ الْمُنَاكَحَةِ وَالذَّبِيحَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالْجِزْيَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ إِلَّا لِمَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؟ ! وَأَيُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ آبَائِهِ إِذَا كَانَ هُوَ عَلَى دِينٍ بَاطِلٍ لَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ؟ فَسَوَاءٌ كَانَ آبَاؤُهُ كَذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُونُوا.
«وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ يَهُودِ الْيَمَنِ» وَإِنَّمَا دَخَلُوا فِي الْيَهُودِيَّةِ بَعْدَ الْمَسِيحِ فِي زَمَنِ تُبَّعٍ، وَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَلَمْ يَسْأَلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ عَنْ مَبْدَأِ دُخُولِهِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَلْ كَانَ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَمْ لَا؟
стр. 111
وَقَدِ اخْتَلَفَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجِزْيَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ فَقَالَ فِي " الْمُخْتَصَرِ ": (وَأَصْلُ مَا أَبْنِي عَلَيْهِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دَانَ دِينَ كِتَابٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ آبَاؤُهُ دَانُوا بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ، فَلَا تُقْبَلُ مِمَّنْ بَدَّلَ يَهُودِيَّةً بِنَصْرَانِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةً بِمَجُوسِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةً بِنَصْرَانِيَّةٍ أَوْ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عَلَى مَا دَانُوا بِهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ وَذَلِكَ خِلَافُ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الدِّينِ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَإِلَّا نُبِذَ إِلَيْهِ عَهْدُهُ وَأُخْرِجَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِمَالِهِ، وَصَارَ حَرْبًا، وَمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ مِنْ كِتَابِيَّةٍ لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا) .
стр. 112
قَالَ الْمُزَنِيُّ: قَدْ قَالَ فِي كِتَابِ " النِّكَاحِ ": (إِذَا بَدَّلَتْ بِدِينٍ يَحِلُّ نِكَاحُ أَهْلِهِ فَهُوَ حَلَالٌ) ، وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، فَمَنْ دَانَ مِنْهُمْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْمُنَازِعُونَ لَهُ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ الَّذِي تَبْنِي عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ثُبُوتُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ نَصًّا أَوِ اسْتِنْبَاطًا، فَأَيْنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِمَّنْ دَانَ بِدِينٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ آبَاؤُهُ دَانُوا بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ؟ وَأَيْنَ يُسْتَنْبَطُ ذَلِكَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيَكُونُ أَصْلًا مَنْصُوصًا أَوْ مُسْتَنْبَطًا؟
стр. 113
الثَّانِي: أَنَّ سُكُوتَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَنِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ، وَعَنِ الْإِيمَاءِ إِلَيْهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ إِطْلَاقَهُمَا وَعُمُومَهُمَا الْمُطَّرِدَيْنِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِمَا مَوْضِعٌ وَاحِدٌ مُخَصِّصٌ وَلَا مُقَيِّدٌ، فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ عَمَلَ النَّبِيِّ ﷺ وَسِيرَتَهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُبَيِّنٌ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْهُمَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَبْنِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَحِلِّ الذَّبَائِحِ وَالنِّكَاحِ إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ دِينِهِمْ لَا عَلَى آبَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ حَكَمَ - وَلَا أَحْسَنَ مِنْ حُكْمِهِ - أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَهُوَ مِنْهُمْ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، فَإِذَا كَانَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْهُمْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ كَانَ لَهُمْ حُكْمُهُمْ، وَهَذَا عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ مَنْ يَتَوَلَّاهُمْ وَدَخَلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ الْتِزَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ بَلْ إِمَّا الْإِسْلَامُ أَوِ السَّيْفُ، فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ قَبْلَ الْتِزَامِ الْإِسْلَامِ بِمَنْ دَخَلَ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ مَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ فَقَدِ انْتَقَلَ مِنْ دِينِهِ إِلَى دِينٍ خَيْرٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا بَاطِلَيْنِ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَإِنَّهُ قَدِ انْتَقَلَ مِنْ دِينِ الْحَقِّ إِلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ
стр. 114
بِصِحَّةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَبُطْلَانِ مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَلَا يُقَرُّ.
السَّابِعُ: أَنَّ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَدْ صَارَ بَاطِلًا بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنِ اخْتَارَهُ بِنَفْسِهِ مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ دُخُولُ آبَائِهِ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَنْ دَخَلَ فِيهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ دُخُولُ آبَائِهِ فِيهِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اخْتَارَ دِينًا بَاطِلًا، وَمَا عَلَى الرَّجُلِ مِنْ أَبِيهِ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْهُ؟
الثَّامِنُ: أَنَّ تَبَعِيَّتَهُ لِأَبِيهِ مُنْقَطِعَةٌ بِبُلُوغِهِ، بِحَيْثُ صَارَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَمَا بَالُ تَبَعِيَّةِ الْأَبِ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَثَّرَتْ فِي إِقْرَارِهِ عَلَى دِينٍ بَاطِلٍ قَدْ قَطَعَ الْإِسْلَامُ تَبَعِيَّتَهُ فِيهِ؟
التَّاسِعُ: أَنَّ ذَلِكَ الدِّينَ قَدْ عُلِمَ بُطْلَانُهُ وَنَسْخُهُ قَطْعًا بِمَجِيءِ الْمَسِيحِ، فَقَدْ أُقِرَّ عَلَى دِينٍ دَخَلَ فِيهِ آبَاؤُهُ بَعْدَ نَسْخِهِ وَتَبْدِيلِهِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ نِسْبَةَ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ بَعْدَ بَعْثِ الْمَسِيحِ وَتَرَكَ دِينَ الْمَسِيحِ، كَنِسْبَةِ مَنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ كِلَاهُمَا دَخَلَ فِي دِينٍ بَاطِلٍ مَنْسُوخٍ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ آبَاءَ هَذَا الْكِتَابِيِّ لَوْ أَدْرَكُوا دِينَ الْإِسْلَامِ فَدَخَلُوا فِيهِ، وَأَقَامَ هُوَ عَلَى دِينِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَأَقْرَرْنَاهُ وَلَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ مَعَ اعْتِرَافِ آبَائِهِ بِبُطْلَانِ دِينِهِمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا أُقِرَّ عَلَى دِينٍ قَدِ اعْتَرَفَ آبَاؤُهُ بِبُطْلَانِهِ فَكَيْفَ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينٍ دَخَلَ آبَاؤُهُ فِيهِ وَهُمْ مُعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ؟
الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْجِهَادِ كَانَ يُقِرُّ النَّاسَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ بَلْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُسْلِمُ
стр. 115
وَزَوْجُهَا كَافِرٌ فَلَا يُفَرِّقُ الْإِسْلَامُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكَافِرِ إِلَّا بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ النَّاسِ
стр. 116
فِي الدَّعْوَةِ مَرَاتِبَ، فَإِنَّهُ أُمِرَ أَوَّلًا أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّهِ، ثُمَّ أُمِرَ ثَانِيًا أَنْ يَقُومَ نَذِيرًا فَأُمِرَ بِإِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أُمِرَ بِإِنْذَارِ النَّاسِ وَالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالْهَجْرِ لِمَنْ آذَاهُ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْجِهَادِ الْعَامِّ، ثُمَّ بِضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَضَرَبَهَا عَلَيْهِمْ وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْمَجُوسَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ قَدْ دَخَلُوا كُلُّهُمْ فِي الدِّينِ وَكَانَ ﷺ يُقِرُّ النَّاسَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ بِمَا يَأْخُذُهُمْ بِهِ وَيَفْعَلُهُ مَعَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُ أَمْرُهُ بِالْهِجْرَةِ بَادَرَ إِلَى امْتِثَالِهِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ فَقَامَ بِهِ حَقَّ الْقِيَامِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكُفَّارِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِصُلْحِ الْكُفَّارِ بِتَوَادُعِهِمْ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ مَا لَمْ يَنْقُصُوهُ شَيْئًا مِمَّا شَرَطَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ يَمْنَعُ مَنْ أَرَادَ التَّهَوُّدَ أَوِ التَّنَصُّرَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، فَلَمَّا عَلَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَصَارَ لِلْمُسْلِمِينَ الْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ مَنَعَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمُ التَّهَوُّدَ أَوِ التَّنَصُّرَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَمْنَعْ يَهُودِيًّا مِنْ نَصْرَانِيَّةٍ، وَلَا نَصْرَانِيًّا مِنْ يَهُودِيَّةٍ كَمَا مَنَعَ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا.
وَقَدْ عَلِمَ ﷺ أَنَّ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنِ ابْنِ
стр. 117
عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْمِقْلَاتُ الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَهَوَّدَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَيْرَ يَهُودِيٍّ فَإِنَّهُ مِثْلُهُمْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَمْنَعْ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ وَلَا بَعْدَهُ وَثَنِيًّا دَخَلَ فِي دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَلْ وَلَا يَهُودِيًّا تَنَصَّرَ أَوْ نَصْرَانِيًّا تَهَوَّدَ أَوْ مَجُوسِيًّا دَخَلَ فِي التَّهَوُّدِ وَالتَّنَصُّرِ، بَلْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْيَوْمَ يُقِرُّونَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ الْأَوَّلُ إِنْ كَانَ دِينًا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَبٌ لِكَوْنِهِ لَقِيطًا أَوِ انْقَطَعَ نَسَبُهُ مِنْ أَبِيهِ بِكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ اعْتِبَارَهُ فِي دِينِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ دُخُولُ آبَائِهِ فِي الدِّينِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، لَمْ يَثْبُتْ لِهَذَا حُكْمُ
стр. 118
دِينِهِ وَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ لِعَدْمِ أَبِيهِ حِسًّا وَشَرْعًا، إِذْ تَبَعِيَّتُهُ هُنَا مُنْتَفِيَةٌ وَإِنَّمَا لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَفِيمَا إِذَا مَاتَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ دُونَ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ كَافِرًا تَبَعًا لَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى دِينِهِ كَانَ مُسْلِمًا ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ مَوْجُودٌ وَالْمُغَيَّرَ لَهَا مَفْقُودٌ، فَأَحْمَدُ اعْتَبَرَ فِي بَقَائِهِ عَلَى دِينِهِ وُجُودَ أَبَوَيْهِ لِتَتَحَقَّقَ التَّبَعِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَعْتَبِرْ بَقَاءَ الْأَبَوَيْنِ وَلَا وُجُودَهُمَا فِي كَوْنِهِ تَبَعًا لَهُمَا، فَإِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ حَيْثُ لَا تَتَحَقَّقُ تَبَعِيَّةُ الْأَبَوَيْنِ عُلِمَ أَنَّ إِقْرَارَهُ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ آبَائِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عَلَى مَا دَانُوا بِهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَذَلِكَ خِلَافُ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الدِّينِ بَعْدَهُ.
فَيُقَالُ: إِنْ أُرِيدَ بِمَا دَانُوا بِهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، فَلَا تُقْبَلُ مِنْ يَهُودِيٍّ جِزْيَةٌ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ آبَاءَهُ تَوَارَثُوا الْيَهُودِيَّةَ قَبْلَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهَا بَطَلَتْ بِمَبْعَثِهِ كَمَا بَطَلَتْ هِيَ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَسَائِرُ الْأَدْيَانِ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا دَانُوا بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا مَنْسُوخًا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا دَانُوا بِهِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَهُمُ الدَّعْوَةُ وَتَقُومَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ؟ فَإِنَّكَ إِنَّمَا اعْتَبَرْتَ وَقْتَ مَبْعَثِهِ خَاصَّةً.
стр. 119
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا دَانُوا بِهِ قَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمُ انْتَقَضَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّكَ لَمْ تَعْتَبِرْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْتَ نَفْسَ الْمَبْعَثِ.
الثَّانِي: أَنَّ الدِّينَ إِذَا كَانَ بَاطِلًا قَبْلَ الْمَبْعَثِ لَمْ يَكُنْ لِتَمَسُّكِ الْآبَاءِ بِهِ أَثَرٌ فِي إِقْرَارِ الْأَبْنَاءِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ إِذَا دَانُوا بِدِينٍ قَدْ أُقِرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ مَعَ بُطْلَانِهِ قَطْعًا، فَقَدْ أُقِرُّوا عَلَى دِينٍ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ وَأُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ قَوْلَهُ: " بِخِلَافِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الدِّينِ بَعْدَهُ " يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا إِلَى زَمَنِ الْمَبْعَثِ فَأَحْدَثُوا بَعْدَ الْمَبْعَثِ دِينًا آخَرَ غَيْرَهُ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ وَهَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَحْدَثُوا وَبَدَّلُوا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا بُعِثَ ﷺ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ الْإِحْدَاثِ وَالتَّبْدِيلِ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ إِحْدَاثٌ آخَرُ وَتَبْدِيلٌ آخَرُ، فَلَمْ يَكُنْ دِينُهُمْ قَبْلَ الْمَبْعَثِ سَالِمًا مِنَ الْإِحْدَاثِ وَالتَّبْدِيلِ بَلْ كَانَ كُلُّهُ قَدِ انْتَقَضَ إِلَّا الشَّيْءَ الْقَلِيلَ مِنْهُ.
السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: " فَإِنْ أَقَامَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا نُبِذَ إِلَيْهِ عَهْدُهُ " فَيُقَالُ: مَتَى سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ هَذِهِ السِّيرَةَ؟ وَمَتَى قَالَ هُوَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ لِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ: مَتَى دَخَلَ آبَاؤُكَ فِي الدِّينِ؟ فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا فِيهِ قَبْلَ مَبْعَثِي وَإِلَّا نَبَذْتُ إِلَيْكَ
стр. 120
الْعَهْدَ! وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ بَاطِلٌ قَطْعًا سَوَاءٌ أَدْرَكَ آبَاؤُهُ حَقَّهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكُوهُ، فَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ مِنَ الْبَاطِلِ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ إِقْرَارَهُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَاطِلِ دِينِهِ بِالْجِزْيَةِ وَالذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ وَكَفِّ شَرِّهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، خَيْرٌ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ بِمَالِهِ إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ، فَيَكُونَ قُوَّةً لِلْكُفَّارِ مُحَارِبًا لِلْإِسْلَامِ مُمْتَنِعًا مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ عَلَيْهِ مَعَ إِقَامَتِهِ عَلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: " وَمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ مِنْ كِتَابِيَّةٍ لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا " فَيُقَالُ: إِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْكِتَابِيَّةِ دَخَلَ آبَاؤُهَا فِي الدِّينِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ شَرْطًا فِي حِلِّ نِكَاحِهَا لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّ آبَاءَهَا كَانُوا كَذَلِكَ - وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ - وَخَبَرُهُمْ لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ امْرَأَةٍ كِتَابِيَّةٍ أَصْلًا وَهَذَا خِلَافُ نَصِّ الْقُرْآنِ!
وَلَا يُقَالُ: مَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُ أَبَوَيْهَا جَازَ نِكَاحُهَا، فَإِنَّ شَرْطَ الْحِلِّ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحِلِّ، وَالصَّحَابَةُ ﵃ تَزَوَّجُوا مِنْهُمْ، وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَلْزَمَ الْمُزَنِيُّ الشَّافِعِيَّ بِالنِّكَاحِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " النِّكَاحِ ": " إِذَا بَدَّلَتْ بِدِينٍ يَحِلُّ نِكَاحُ أَهْلِهِ فَهُوَ حَلَالٌ " قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ، ثُمَّ احْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ
стр. 121
تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الِاحْتِجَاجِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَمَنْ دَانَ مِنْهُمْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ.
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لَمْ يُبَحْ لَنَا ذَبِيحَةُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَتَى دَخَلَ آبَاؤُهُ فِي الدِّينِ، وَالْجَهْلُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ كَالْعِلْمِ بِانْتِفَائِهِ فِي امْتِنَاعِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: " تَنَصَّرَتْ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَيُنْزِلَ عَلَيْهِ الْفُرْقَانَ فَدَانَتْ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَخَذَ ﵊ الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرِ دُومَةَ، وَهُوَ رَجُلٌ يُقَالُ مِنْ غَسَّانَ أَوْ كِنْدَةَ، وَمِنْ أَهْلِ ذِمَّةِ الْيَمَنِ وَعَامَّتُهُمْ عَرَبٌ، وَمِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَفِيهِمْ عَرَبٌ، فَدَلَّ مَا وَصَفْتُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْأَحْسَابِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْأَدْيَانِ "، فَقَدْ صَرَّحَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَنْسَابِ فِي الْجِزْيَةِ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا عَلَى الْأَدْيَانِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْآبَاءُ دَانُوا بِالدِّينِ قَبْلَ تَبْدِيلِهِ أَوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، وَكَوْنُ الْآبَاءِ قَدْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، بَعْدَ بُطْلَانِهِ وَتَبْدِيلِهِ، لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّهُمْ بَيْنَ الْمَبْعَثِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا فِي دِينٍ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ.
وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ بَعْدَ الْمَبْعَثِ وَإِنْ دَخَلُوا فِي دِينٍ بَاطِلٍ قَدْ دَخَلُوا فِي دِينٍ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ.
стр. 122
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَنَحْوُهَا وَإِنْ كَانَتْ مُبْطِلَةً لِهَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهَا مِنْ أُصُولِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوَاعِدِهِ، فَمِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ اسْتَفَدْنَاهَا، وَمِنْهُ وَمِنْهُمْ تَعَلَّمْنَاهَا، وَلَمْ نَخْرُجْ فِيهَا عَنْ أُصُولِهِ وَقَوَاعِدِهِ.
وَلَيْسَ الْمُعْتَنُونَ بِالْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ وَاخْتِلَافِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِعِبَارَاتِهِمْ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنَّا وَلَا أَوْلَى بِهِ، بَلْ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ وَأُصُولُهُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا أَصْحَابُهُ، فَمَنْ وَافَقَهُ فِي نَفْسِ أُصُولِهِ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ فِي " نِهَايَتِهِ " بَعْدَ أَنْ حَكَى كَلَامَ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: " إِنَّ مَنْ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ بَعْدَ تَبْدِيلِ الدِّينَيْنِ، وَتَغْيِيرِ الْكِتَابَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّنَا ﷺ نُظِرَ، فَإِنْ تَمَسَّكَ بِالدِّينِ غَيْرَ مُبَدِّلٍ، وَحَذَفَ التَّبْدِيلَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ قُبِلَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُ، وَإِنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ الْمُبَدَّلِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ.
وَهَلْ يُقْبَلُ مِنْ أَوْلَادِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ هَلْ تُؤْخَذُ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ؟ قَالَ: " وَهَذَا كَلَامٌ مُخْتَلِطٌ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ تَمَسَّكَ بِالدِّينِ الْمُبَدَّلِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَأَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ نَظَرًا إِلَى
стр. 123
تَغْلِيبِ الْحَقْنِ، وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْكِتَابِ فَلَيْسَ كُلُّهُ مُبْدَلًا، وَغَيْرُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ يَنْتَصِبُ شُبْهَةً فِي جَوَازِ حَقْنِ دَمِهِ بِالْجِزْيَةِ، إِذْ ذَاكَ لَا يَنْحَطُّ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْمَجُوسُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَدَّ بِهَذَا بَلِ الْوَجْهُ الْقَطْعُ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ مَنْ حَكَى كَلَامَهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْلُومِ الْمَقْطُوعِ بِهِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَقِيَ عَلَيْهِ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْقَطْعُ بِأَخْذِهَا مِمَّنْ تَهَوَّدَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، إِذْ كَانُوا مُقَرِّينَ عَلَى دِينِهِمْ، فَقَدْ دَخَلَ فِي دِينٍ بَاطِلٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 124
[فَصْلٌ فِي بَنِي تَغْلِبَ وَأَحْكَامِهِمْ]
٢٦ - فَصْلٌ
فِي بَنِي تَغْلِبَ وَأَحْكَامِهِمْ.
بَنُو تَغْلِبَ بْنِ وَائِلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، مِنْ صَمِيمِ الْعَرَبِ انْتَقَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ وَكَانُوا قَبِيلَةً عَظِيمَةً لَهُمْ شَوْكَةٌ قَوِيَّةٌ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ فَصُولِحُوا عَلَى مُضَاعَفَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ عِوَضًا مِنَ الْجِزْيَةِ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ مَتَّى صُولِحُوا.
فَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ
стр. 125
حُدَيْرٍ قَالَ: «قَالَ عَلِيٌّ: " لَئِنْ بَقِيتُ لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ لَأَقْتُلَنَّ الْمُقَاتِلَةَ، وَلَأَسْبِيَنَّ الذُّرِّيَّةَ فَإِنِّي كَتَبْتُ الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ أَلَّا يُنَصِّرُوا أَبْنَاءَهُمْ» ".
لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، بَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إِنْكَارًا شَدِيدًا ".
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ: " لَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْعَرْضَةِ الثَّانِيَةِ " انْتَهَى.
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي صَالَحَهُمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنِ السَّفَّاحِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ كُرْدُوسٍ قَالَ: صَالَحْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ بَنِي
стр. 126
تَغْلِبَ - بَعْدَمَا قَطَعُوا الْفُرَاتَ وَأَرَادُوا أَنْ يَلْحَقُوا بِالرُّومِ - عَلَى أَلَّا يَصْبُغُوا صَبِيًّا، وَلَا يُكْرِهُوا عَلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِهِمْ وَعَلَى أَنَّ عَلَيْهِمُ الْعُشْرَ مُضَاعَفًا مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، فَكَانَ دَاوُدُ يَقُولُ: لَيْسَ لِبَنِي تَغْلِبَ ذِمَّةٌ قَدْ صَبَغُوا فِي دِينِهِمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ: " لَا يَصْبُغُوا فِي دِينِهِمْ " يَعْنِي لَا يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ الْمُلَائِيُّ يَزِيدُ فِي إِسْنَادِ هَذَا
стр. 127
الْحَدِيثِ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ السَّفَّاحِ عَنْ دَاوُدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عُمَرَ.
وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: ثَنَا مُغِيرَةُ عَنِ السَّفَّاحِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ زُرْعَةَ بْنِ النُّعْمَانِ - أَوِ النُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ - أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَلَّمَهُ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ قَدْ هَمَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، فَقَالَ النُّعْمَانُ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَنِي تَغْلِبَ قَوْمٌ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنَ الْجِزْيَةِ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ أَمْوَالٌ إِنَّمَا هُمْ أَصْحَابُ حُرُوثٍ وَمَوَاشٍ، وَلَهُمْ نِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ فَلَا تُعِنْ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ بِهِمْ، فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ ﵁ عَلَى أَنْ أَضْعَفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ.
قَالَ مُغِيرَةُ: فَحُدِّثْتُ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: لَئِنْ تَفَرَّغْتُ لِبَنِي تَغْلِبَ لَيَكُونَنَّ لِي فِيهِمْ رَأْيٌ: لَأَقْتُلَنَّ مُقَاتِلَتَهُمْ وَلَأَسْبِيَنَّ ذَرَارِيَهُمْ، فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَبَرِئَتْ مِنْهُمُ الذِّمَّةُ حِينَ نَصَّرُوا أَوْلَادَهُمْ.
стр. 128
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ - حَدِيثُ دَاوُدَ بْنِ كُرْدُوسٍ وَزُرْعَةَ - هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمُ الضِّعْفُ مِمَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَلَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ؟ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَرُّوا بِأَمْوَالِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، فَذَلِكَ ضِعْفُ هَذَا، وَهُوَ الْمُضَاعَفُ الَّذِي اشْتَرَطَ عُمَرُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَمْوَالِهِمْ مِنَ الْمَوَاشِي وَالْأَرَضِينَ يَكُونُ عَلَيْهَا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ الضِّعْفُ أَيْضًا، فَيَكُونُ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي الْعَشْرِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ثُمَّ عَلَى هَذَا مَا زَادَتْ، وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ وَعَلَى هَذَا الْحَبُّ وَالثِّمَارُ، فَيَكُونُ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فِيهِ عُشْرَانِ وَفِيمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ عُشْرٌ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ وَشَرْطِهِ عَلَيْهِمْ: أَنْ يَكُونَ عَلَى أَمْوَالِ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ مِثْلَمَا عَلَى أَمْوَالِ رِجَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ الْحِجَازِ، انْتَهَى.
فَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ.
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَبَى عَلَيْهِمْ إِلَّا الْجِزْيَةَ وَقَالَ: " لَا وَاللَّهِ
стр. 129
إِلَّا الْجِزْيَةَ، وَإِلَّا فَقَدَ آذَنْتُمْ بِالْحَرْبِ.
وَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ شَوْكَتَهُمْ ضَعُفَتْ، وَلَمْ يَخَفْ مِنْهُمْ مَا خَافَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ بَعْدُ مَشْغُولًا بِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَفَتْحِ الْبِلَادِ فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَلْحَقُوا بَعْدَهُ فَيُقَوُّونَهُمْ عَلَيْهِ، وَعُمَرُ [بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ] أَمِنَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: " لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لَأَقْتُلَنَّ مُقَاتِلَتَهُمْ وَلَأَسْبِيَنَّ ذُرِّيَّتَهُمْ، فَإِنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَنَصَّرُوا أَوْلَادَهُمْ ".
وَعَلَى هَذَا فَلَا تَجْرِي هَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِيهِمْ فَإِنَّهُمْ نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ عَلَى جَرَيَانِهَا عَلَيْهِمْ فَلَعَلَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ جَدَّدَ لَهُمْ صُلْحًا عَلَى أَنَّ حُكْمَ أَوْلَادِهِمْ حُكْمُهُمْ كَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ كَيْفِيَّةُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ]
٢٧ - فَصْلٌ
[كَيْفِيَّةُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ]
فَتُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْهُمْ مُضَاعَفَةً مِنْ مَالِ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَزَمِنٍ وَصَحِيحٍ وَأَعْمَى وَبَصِيرٍ، هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مُضَاعَفَةً مِنْ أَرْضِهِمْ كَمَا
стр. 130
تُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْمُسْلِمِ الزَّكَاةُ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ: الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَإِنْ كَانَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ فَلَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِمَّنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فَلَا تُؤْخَذُ مِنِ امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَحُكْمُهَا عِنْدَهُ حُكْمُ الْجِزْيَةِ وَإِنْ خَالَفَتْهَا فِي الِاسْمِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: هَؤُلَاءِ حَمْقَى رَضُوا بِالْمَعْنَى وَأَبَوُا الِاسْمَ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ: خُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاخْتَلَفَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ تَنُوخَ وَبَهْرَاءَ وَبَنِي تَغْلِبَ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يُضْعِفَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَلَا يُكْرَهُوا عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ وَهَكَذَا حَفِظَ أَهْلُ الْمَغَازِي فَقَالُوا: رَامَهُمْ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْجِزْيَةِ فَقَالُوا: ارْدُدْ مَا شِئْتَ بِهَذَا الِاسْمِ لَا اسْمِ الْجِزْيَةِ، فَرَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ أَضْعَفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ وَقَالَ لِلْمُعْشِرِ " فَإِذَا أَضْعَفْتَهَا عَلَيْهِمْ فَانْظُرْ إِلَى مَوَاشِيهِمْ وَذَهَبِهِمْ وَوَرِقِهِمْ وَأَطْعِمَتِهِمْ وَمَا أَصَابُوا مِنْ مَعَادِنِ بِلَادِهِمْ وَرِكَازِهَا وَكُلِّ أَمْرٍ أُخِذَ فِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ خُمْسٌ - فَخُذْ خُمْسَيْنِ، وَعُشْرٌ فَخُذْ عُشْرَيْنِ، وَنِصْفُ عُشْرٍ فَخُذْ عُشْرًا، وَرُبُعُ عُشْرٍ فَخُذْ نِصْفَ عُشْرٍ، وَكَذَلِكَ
стр. 131
مَوَاشِيهِمْ فَخُذِ الضِّعْفَ مِنْهُمْ، وَكُلِّ مَا أُخِذَ مِنْ عُشْرِ ذِمِّيٍّ فَمَسْلَكُهُ مَسْلَكُ الْفَيْءِ، وَمَا اتَّجَرَ بِهِ نَصَارَى الْعَرَبِ وَأَهْلُ دِينِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَهُودًا تُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ فِيهِ الصَّدَقَةُ، انْتَهَى.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ جِزْيَةٌ لَا صَدَقَةٌ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ، فَكَانَ جِزْيَةً كَمَا لَوْ أُخِذَ بِاسْمِ الْجِزْيَةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ طُهْرَةٌ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا سَأَلَهُمُ الْجِزْيَةَ لَمْ يَسْأَلْهُمُ الصَّدَقَةَ، فَالَّذِي سَأَلَهُمْ إِيَّاهُ عُمَرُ ﵁ هُوَ الَّذِي بَذَلُوهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ وَمَجَانِينَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ مَصْرِفُ الْفَيْءِ لَا مَصْرِفُ الصَّدَقَةِ، فَيُبَاحُ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ.
قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ: الْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ عُمَرَ ﵁، وَهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيُضْعِفَهُ عَلَيْهِمْ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَأْخُذُ مِنْ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ وَنِسَائِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ، وَذَلِكَ هُوَ الزَّكَاةُ وَعَلَى هَذَا الْبَذْلِ وَالصُّلْحِ دَخَلُوا وَبِهِ أَقَرُّوا.
قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ " فَهَذَا غَيْرُ مَذْهَبِ الْجِزْيَةِ، بَلْ مَذْهَبُ الصَّدَقَةِ.
стр. 132
قَالُوا: فَشَرْطُ عُمَرَ ﵁ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَمْوَالِ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ مَا عَلَى أَمْوَالِ رِجَالِهِمْ.
قَالُوا: وَلَفْظُ الصُّلْحِ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَاعَفَةِ لَا عَلَى الْجِزْيَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ بَذَلُوا ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنِ السَّبْيِ بِهَذَا الصُّلْحِ وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ، فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا أَشْبَهُ لِأَنَّهُ عَمَّهُمْ بِالصُّلْحِ، فَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ صَغِيرًا دُونَ كَبِيرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فُقَرَاءُ بَنِي تَغْلِبَ]
٢٨ - فَصْلٌ
[فُقَرَاءُ بَنِي تَغْلِبَ]
وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَقِيرًا وَلَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ كَالدُّورِ وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَعَبِيدِ الْخِدْمَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَحَدِهِمْ أَقَلَّ مِنْ جِزْيَةٍ كَفَى.
стр. 133
وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": يَحْتَمِلُ أَنْ يُكْمِلَ الْجِزْيَةَ، وَفِي مَصْرِفِهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَهُوَ جِزْيَةٌ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الصَّدَقَةِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ الْجِزْيَةِ فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ وَالْقَدْرِ، فَيُعْدَلُ بِمَصْرِفِهِ عَنْ مَصْرِفِهَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ ; لِأَنَّ مَعْنَى الشَّيْءِ أَخَصُّ بِهِ مِنِ اسْمِهِ وَلِهَذَا لَوْ سُمِّيَ رَجُلٌ أَسَدًا أَوْ نَمِرًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ لَمْ يَصِرْ لَهُ حُكْمُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ.
قَالَ: وَلِأَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ صَدَقَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ لَجَازَ دَفْعُهَا إِلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً
стр. 134
تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» .
[فَصْلٌ هَلْ نَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنَ التَّغْلِبِيِّ بَدَلًا مِنَ الصَّدَقَةِ]
٢٩ - فَصْلٌ
[هَلْ نَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنَ التَّغْلِبِيِّ بَدَلًا مِنَ الصَّدَقَةِ؟]
فَإِنْ بَذَلَ التَّغْلِبِيُّ الْجِزْيَةَ وَتُحَطَّ عَنْهُ الصَّدَقَةُ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ؟
فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ; لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى هَذَا فَلَا يُغَيَّرُ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وَهَذَا قَدْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ وَالصَّدَقَةَ بَدَلٌ فَإِذَا بَذَلَ الْأَصْلَ حَرُمَ قَتْلُهُ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ هِيَ الصَّغَارُ وَالذُّلُّ الَّذِي أَنِفُوا مِنْهُ فَتُرِكَ لِمَصْلَحَةٍ، فَإِذَا زَالَتِ الْمَصْلَحَةُ وَأَقَرُّوا بِهِ وَالْتَزَمُوهُ قُبِلَ مِنْهُمْ، وَهَذَا أَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ بَاذِلُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ حَرْبِيًّا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الصُّلْحِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ إِخْوَانُهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ نَقْضَ صُلْحِهِمْ وَإِلْزَامَهُمْ بِالْجِزْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَقَدْ
стр. 135
عَقَدَ مَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ مَا دَامُوا عَلَى الْعَهْدِ.
[فَصْلٌ هَلْ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ]
٣٠ - فَصْلٌ
[هَلْ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ]
وَهَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِبَنِي تَغْلِبَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاشِيهِمْ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَمْوَالِهِمْ، إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ ﵁ بِنَصَارَى [بَنِي] تَغْلِبَ حِينَ أَضْعَفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ فِي صُلْحِهِ إِيَّاهُمْ.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِأَبِي: هَلْ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَصِبْيَانِهِمْ وَنَخِيلِهِمْ وَكُرُومِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ [صَدَقَةٌ] ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ.
стр. 136
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَقَالَ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَالَّذِي تَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ أَوِ الْإِبِلُ هَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: كَيْفَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ؟ ! إِلَّا نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فَإِنَّهَا تُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ فِي أَرْضِهِمْ تُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ، أَرَاهُ قَالَ: إِنِ اشْتَرَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ هَلْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ فِي إِبِلِهِمْ وَبَقَرِهِمْ وَغَنَمِهِمْ؟ فَأَمْلَى عَلَيَّ لَيْسَ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا نَعْلَمُ فِي مَوَاشِي أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إِلَّا بَنِي تَغْلِبَ.
قَالَ: وَعُمَرُ ﵁ لَمَّا أَقَرَّهُمْ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَضْعَفَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ عَرَبٌ، قُلْتُ: وَتَذْهَبُ إِلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ مَوَاشِي بَنِي تَغْلِبَ خَاصَّةً؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَتُضْعِفُ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁؟ قَالَ: نَعَمْ.
стр. 137
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: حُكْمُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخَ وَبَهْرَاءَ، أَوْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ وَحِمْيَرَ أَوْ تَمَجَّسَ مِنْ تَمِيمٍ - حُكْمُ بَنِي تَغْلِبَ سَوَاءً.
стр. 138
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ أَحْمَدَ وَلِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَقَدْ حَكَيْنَا كَلَامَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَتَنُوخَ وَبَهْرَاءَ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا هُوَ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ خَاصَّةً وَقَدْ ظَنَّ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ عَرَبًا، فَأَلْحَقُوا بِهِمْ هَذِهِ الْقَبَائِلَ وَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْفَرْقِ كَمَا ذَكَرْنَا نُصُوصَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: " «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» " وَهُمْ عَرَبٌ، وَقَبِلَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَهُمْ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: " أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى ".
وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرِ دُومَةَ وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَحُكْمُ الْجِزْيَةِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي كُلِّ كِتَابِيٍّ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، إِلَّا مَا خُصَّ بِهِ بَنُو تَغْلِبَ لِمُصَالَحَةِ عُمَرَ ﵁ إِيَّاهُمْ، فَفِي مَنْ عَدَاهُمْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ وَشَوَاهِدِ السُّنَّةِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ صُلْحٌ كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ فِيمَا بَلَغَنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ
стр. 139
عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قِيَاسَ سَائِرِ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ يُخَالِفُ النُّصُوصَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ النَّصِّ.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي بَنِي تَغْلِبَ الصُّلْحُ، وَلَمْ يُوجَدِ الصُّلْحُ مَعَ غَيْرِهِمْ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مَعَ تَخَلُّفِ الْعِلَّةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ بَنِي تَغْلِبَ كَانُوا ذَوِي قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ، لَحِقُوا بِالرُّومِ وَخِيفَ مِنْهُمُ الضَّرَرُ إِنْ لَمْ يُصَالَحُوا، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا لِغَيْرِهِمْ، فَإِنْ وُجِدَ هَذَا لِغَيْرِهِمْ فَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَخِيفَ الضَّرَرُ بِتَرْكِ مُصَالَحَتِهِمْ، فَرَأَى الْإِمَامُ مُصَالَحَتَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، جَازَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجِزْيَةِ أَوْ زِيَادَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُهَذَّبِ " وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
стр. 140
وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا قِصَّةُ بَنِي تَغْلِبَ وَقِيَاسُهُمْ عَلَيْهِمْ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاشِيهِمْ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَمْوَالِهِمْ، إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ - كَمَا صَنَعَ عُمَرُ ﵁ بِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ حِينَ أَضْعَفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ فِي صُلْحِهِ إِيَّاهُمْ - إِذَا كَانُوا فِي مَعْنَاهُمْ.
أَمَّا قِيَاسُ مَنْ لَمْ يُصَالِحْ عَلَيْهِمْ فِي جَعْلِ جِزْيَتِهِمْ صَدَقَةً فَلَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[فَصْلٌ فِي مُنَاكَحَةِ وَحِلِّ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ]
٣١ - فَصْلٌ
[فِي مُنَاكَحَةِ وَحِلِّ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ]
وَأَمَّا مُنَاكَحَتُهُمْ وَحِلُّ ذَبَائِحِهِمْ فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ:
إِحْدَاهُمَا: لَا تَحِلُّ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَالشَّافِعِيِّ ﵀ وَطَرَدَ الشَّافِعِيُّ الْمَنْعَ فِي ذَبَائِحِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
стр. 141
كُلِّهِمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَمْ يَتَحَقَّقْ دُخُولُهُمْ فِي الدِّينِ قَبْلَ التَّبْدِيلِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ جَارٍ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّهُمْ لَمْ يَدِينُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلِ انْتَسَبُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ عَمَلًا، وَهَذَا مَأْخَذُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ أَصَحُّ وَأَفْقَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ آخِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: وَكَانَ آخِرَ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَرَى بِذَبَائِحِهِمْ بَأْسًا.
стр. 142
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَرِهَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عَلِيًّا ﵁، وَذَلِكَ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ، فَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ كَبَنِي إِسْرَائِيلَ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الضَّمَانِ فِي الْجِزْيَةِ]
٣٢ - فَصْلٌ
[فِي أَحْكَامِ الضَّمَانِ فِي الْجِزْيَةِ]
وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ: وَهِيَ هَلْ يَصِحُّ ضَمَانُ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
стр. 143
فَكَانَ الْجَوَابُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الضَّامِنُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّ الْجِزْيَةَ صَغَارٌ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَضْمَنَهَا عَنِ الْكَافِرِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُطَالَبًا بِهَا وَهُوَ فَرْعٌ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا لَوْ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَإِنْ كَانَ الضَّامِنُ ذِمِّيًّا فَإِنْ ضَمِنَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ صَحَّ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ ضَمِنَ دَيْنًا مُسْتَقِرًّا عَلَى مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْرِضٍ مِنَ السُّقُوطِ بِالْإِسْلَامِ فَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمَانِ كَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْرِضِ سُقُوطِهِ كُلِّهِ أَوْ نِصْفِهِ، وَكَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ ثَمَنِ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ بِصَدَدِ السُّقُوطِ بِتَلَفِهِ.
وَإِنْ ضَمِنَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ، وَالْجُمْهُورُ يُصَحِّحُونَهُ وَالشَّافِعِيُّ يُبْطِلُهُ فَإِذَا صَحَّحْنَاهُ صَحَّ ضَمَانُ الذِّمِّيِّ لِلْجِزْيَةِ كَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ مَا يُدَايِنُهُ بِهِ أَوْ مَا يُتْلِفُهُ عَلَيْهِ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ ضَمَانٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُهُ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ، فَإِنَّهُ الْتِزَامٌ فَلَا يُنَافِيهِ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي صِحَّةِ ضَمَانِ الْمُسْلِمِ لِلْجِزْيَةِ عَنِ الذِّمِّيِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عِنْدَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ الصَّغَارُ مِنْ جَرِّ الْيَدِ وَالِانْتِهَارِ وَالْإِذْلَالِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ صَحَّ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي " نِهَايَتِهِ ": وَالْأَصَحُّ عِنْدِي تَصْحِيحُ الضَّمَانِ فَإِنَّ
стр. 144
ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ إِمْكَانَ تَوْجِيهِ الطَّلَبِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَصِحَّ ضَمَانُ الذِّمِّيِّ أَيْضًا لِلْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى سُقُوطِ الصَّغَارِ عَنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا أَدَّى الضَّامِنُ كَمَا أَجْرَوُا الْخِلَافَ فِي تَوْكِيلِ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ فِي " رِعَايَتِهِ " فَقَالَ: " وَهَلْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِذِمِّيٍّ فِي أَدَاءِ جِزْيَتِهِ أَوْ أَنْ يَضْمَنَهَا عَنْهُ أَوْ أَنْ يُحِيلَ الذِّمِّيَّ عَلَيْهِ بِهَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ " انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا تَحَمَّلَهَا عَنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، وَالْحَمَالَةُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا مُلْتَزِمٌ لِمَا عَلَى فُلَانٍ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْحَمَالَةِ.
فَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يُصَحِّحَانِهَا، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَلَا نَصَّ لَهُ فِي الْمَنْعِ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْمَضْمُونُ لَهُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصْلَ وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الضَّامِنَ إِلَّا إِذَا اشْتَرَطَ فِيهِ بَرَاءَةَ الْأَصْلِ، فَحِينَئِذٍ تَنْعَقِدُ حَوَالَةٌ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى كَمَا أَنَّ الْحَوَالَةَ - بِشَرْطِ أَلَّا يَبْرَأَ الْمُحِيلُ - تَكُونُ كَفَالَةً، فَعِنْدَهُمْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِشَرْطِ أَلَّا يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَيَنْقَلِبُ ضَمَانًا وَيَصِحُّ الضَّمَانُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَتَنْقَلِبُ حَوَالَةً، وَهَذَا صَحِيحٌ لَا يُخَالِفُ نَصًّا وَلَا قِيَاسًا، وَلَا يَتَضَمَّنُ غَرَرًا فَالصَّوَابُ الْقَوْلُ بِهِ.
стр. 145
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ تَحَمَّلَ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالْجِزْيَةِ لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ، وَإِنْ تَحَمَّلَ بِهَا ذِمِّيٌّ آخَرُ عَنْهُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذَا كُلِّهِ: التَّفْصِيلُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَالَةِ وَالْحَمَالَةِ وَالضَّمَانِ وَالتَّوْكِيلِ فِي الدَّفْعِ، أَنَّهُ إِنْ فَعَلَهُ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَحْوِهِ جَازَ، وَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرَةً وَأَنَفَةً وَهَرَبًا مِنَ الصَّغَارِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →