Полный текст (1 326 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كُلِّهِمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَمْ يَتَحَقَّقْ دُخُولُهُمْ فِي الدِّينِ قَبْلَ التَّبْدِيلِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ جَارٍ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّهُمْ لَمْ يَدِينُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلِ انْتَسَبُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ عَمَلًا، وَهَذَا مَأْخَذُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَهَذَا الْمَأْخَذُ أَصَحُّ وَأَفْقَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ آخِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: وَكَانَ آخِرَ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَرَى بِذَبَائِحِهِمْ بَأْسًا.
стр. 142
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَرِهَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عَلِيًّا ﵁، وَذَلِكَ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ، فَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ كَبَنِي إِسْرَائِيلَ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الضَّمَانِ فِي الْجِزْيَةِ]
٣٢ - فَصْلٌ
[فِي أَحْكَامِ الضَّمَانِ فِي الْجِزْيَةِ]
وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ: وَهِيَ هَلْ يَصِحُّ ضَمَانُ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
стр. 143
فَكَانَ الْجَوَابُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الضَّامِنُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّ الْجِزْيَةَ صَغَارٌ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَضْمَنَهَا عَنِ الْكَافِرِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُطَالَبًا بِهَا وَهُوَ فَرْعٌ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا لَوْ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَإِنْ كَانَ الضَّامِنُ ذِمِّيًّا فَإِنْ ضَمِنَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ صَحَّ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ ضَمِنَ دَيْنًا مُسْتَقِرًّا عَلَى مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْرِضٍ مِنَ السُّقُوطِ بِالْإِسْلَامِ فَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمَانِ كَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْرِضِ سُقُوطِهِ كُلِّهِ أَوْ نِصْفِهِ، وَكَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ ثَمَنِ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ بِصَدَدِ السُّقُوطِ بِتَلَفِهِ.
وَإِنْ ضَمِنَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ، وَالْجُمْهُورُ يُصَحِّحُونَهُ وَالشَّافِعِيُّ يُبْطِلُهُ فَإِذَا صَحَّحْنَاهُ صَحَّ ضَمَانُ الذِّمِّيِّ لِلْجِزْيَةِ كَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ مَا يُدَايِنُهُ بِهِ أَوْ مَا يُتْلِفُهُ عَلَيْهِ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ ضَمَانٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُهُ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ، فَإِنَّهُ الْتِزَامٌ فَلَا يُنَافِيهِ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي صِحَّةِ ضَمَانِ الْمُسْلِمِ لِلْجِزْيَةِ عَنِ الذِّمِّيِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عِنْدَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ الصَّغَارُ مِنْ جَرِّ الْيَدِ وَالِانْتِهَارِ وَالْإِذْلَالِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ صَحَّ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي " نِهَايَتِهِ ": وَالْأَصَحُّ عِنْدِي تَصْحِيحُ الضَّمَانِ فَإِنَّ
стр. 144
ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ إِمْكَانَ تَوْجِيهِ الطَّلَبِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَصِحَّ ضَمَانُ الذِّمِّيِّ أَيْضًا لِلْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى سُقُوطِ الصَّغَارِ عَنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا أَدَّى الضَّامِنُ كَمَا أَجْرَوُا الْخِلَافَ فِي تَوْكِيلِ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ فِي " رِعَايَتِهِ " فَقَالَ: " وَهَلْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِذِمِّيٍّ فِي أَدَاءِ جِزْيَتِهِ أَوْ أَنْ يَضْمَنَهَا عَنْهُ أَوْ أَنْ يُحِيلَ الذِّمِّيَّ عَلَيْهِ بِهَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ " انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا تَحَمَّلَهَا عَنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، وَالْحَمَالَةُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا مُلْتَزِمٌ لِمَا عَلَى فُلَانٍ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْحَمَالَةِ.
فَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يُصَحِّحَانِهَا، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَلَا نَصَّ لَهُ فِي الْمَنْعِ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْمَضْمُونُ لَهُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصْلَ وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الضَّامِنَ إِلَّا إِذَا اشْتَرَطَ فِيهِ بَرَاءَةَ الْأَصْلِ، فَحِينَئِذٍ تَنْعَقِدُ حَوَالَةٌ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى كَمَا أَنَّ الْحَوَالَةَ - بِشَرْطِ أَلَّا يَبْرَأَ الْمُحِيلُ - تَكُونُ كَفَالَةً، فَعِنْدَهُمْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِشَرْطِ أَلَّا يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَيَنْقَلِبُ ضَمَانًا وَيَصِحُّ الضَّمَانُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَتَنْقَلِبُ حَوَالَةً، وَهَذَا صَحِيحٌ لَا يُخَالِفُ نَصًّا وَلَا قِيَاسًا، وَلَا يَتَضَمَّنُ غَرَرًا فَالصَّوَابُ الْقَوْلُ بِهِ.
стр. 145
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ تَحَمَّلَ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالْجِزْيَةِ لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ، وَإِنْ تَحَمَّلَ بِهَا ذِمِّيٌّ آخَرُ عَنْهُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذَا كُلِّهِ: التَّفْصِيلُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَالَةِ وَالْحَمَالَةِ وَالضَّمَانِ وَالتَّوْكِيلِ فِي الدَّفْعِ، أَنَّهُ إِنْ فَعَلَهُ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَحْوِهِ جَازَ، وَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرَةً وَأَنَفَةً وَهَرَبًا مِنَ الصَّغَارِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 146
٣٣ - فَصْلٌ
فِي السَّامِرَةِ وَاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِيهِمْ: هَلْ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ أَمْ لَا؟
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ فِيهِمْ فَمَرَّةً قَالَ: لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: تُؤْخَذُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ فِي " الْأُمِّ ": " يُنْظَرُ فِي أَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ الْيَهُودَ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَلَكِنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي الْفُرُوعِ لَمْ تَضُرَّ مُخَالَفَتُهُمْ، فَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ كَانُوا يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ " هَذَا نَقْلُ الرَّبِيعِ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَنَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُمْ صِنْفٌ مِنَ الْيَهُودِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.
стр. 147
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي حُكْمِهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقَرُّونَ بِهَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَمْ يَكُنِ الشَّافِعِيُّ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ أَمْرِ دِينِهِمْ، فَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَرَجَعَ إِلَى ذَلِكَ وَأَلْحَقَهُمْ بِهِمْ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَرْوَزِيُّ هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ وَيُقَرُّ الْمَجُوسُ بِهَا لِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَهَذَا مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يُقَرَّ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النَّارَ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِلَاهَيْنِ اثْنَيْنِ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِبَعْثٍ وَلَا نُشُورٍ، وَلَا أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَيَرَوْنَ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ وَلَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِمَّا يُحَرِّمُهُ الْأَنْبِيَاءُ وَلَا يُقَرُّ السَّامِرَةُ بِالْجِزْيَةِ مَعَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، وَيَدِينُونَ بِهَا وَيُؤْمِنُونَ بِالْمَعَادِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُصَلُّونَ صَلَاةَ الْيَهُودِ وَيَصُومُونَ صَوْمَهُمْ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ، وَيُحَرِّمُونَ مَا يُحَرِّمُهُ الْيَهُودُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا يُخَالِفُونَ الْيَهُودَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي مُوسَى وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ، فَإِنَّ السَّامِرَةَ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ غَيْرِ مُوسَى وَهَارُونَ وَيُوشِعَ وَإِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الْقِبْلَةِ، فَالْيَهُودُ تُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالسَّامِرَةُ تُصَلِّي إِلَى جَبَلِ عِزُونَ بِبَلَدِ نَابُلُوسَ وَتَزْعُمُ أَنَّهَا الْقِبْلَةُ الَّتِي أَمَرَ
стр. 148
اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا وَأَنَّهُمْ أَصَابُوهَا وَأَخْطَأَتْهَا الْيَهُودُ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ دَاوُدَ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بِجَبَلِ نَابُلُوسَ وَهُوَ عِنْدُهُمُ الطُّورُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى فَخَالَفَهُ دَاوُدُ، وَبَنَاهُ " بِإِيلِيَا " فَتَعَدَّى وَظَلَمَ بِذَلِكَ.
وَلُغَتُهُمْ قَرِيبَةٌ مِنْ لُغَةِ الْيَهُودِ وَلَيْسَتْ بِهَا، وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ تَشَعَّبَتْ عَنْ فِرْقَتَيْنِ: دُوسَانِيَّةٍ وَكُوسَانِيَّةٍ.
فَالْكُوسَانِيَّةُ: تُقِرُّ بِالْمَعَادِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وَالدُّوسَانِيَّةُ: تَزْعُمُ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ فِي الدُّنْيَا وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَهَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ أَقَلِّ الْأُمَمِ فِي الْأَرْضِ وَأَحْمَقِهَا وَأَشَدِّهَا مُجَانَبَةً لِلْأُمَمِ وَأَعْظَمِهَا آصَارًا وَأَغْلَالًا.
وَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ نِسْبَتِهِمْ إِلَى الْيَهُودِ فَهُمْ فِيهِمْ كَالرَّافِضَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ لَمْ تَحْدُثْ فِي الْإِسْلَامِ بَلْ هِيَ أُمَّةٌ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ الْمَسِيحِ، وَقَدْ فَتَحَ الصَّحَابَةُ الْأَمْصَارَ فَأَجْمَعُوا عَلَى إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُمْ، فَعَدَمُ إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ تَخْطِيَةٌ لَهُمْ وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.
стр. 149
[فَصْلٌ فِي الصَّابِئَةِ واخْتَلاف النَّاس فِيهِمُ]
٣٤ - فَصْلٌ فِي الصَّابِئَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَأَشْكَلَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْأَئِمَّةِ لِعَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِمَذْهَبِهِمْ وَدِينِهِمْ.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هُمْ صِنْفٌ مِنَ النَّصَارَى، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: يُنْظَرُ فِي أَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ النَّصَارَى فِي أَصْلِ الدِّينِ وَلَكِنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي الْفُرُوعِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ كَانُوا يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ.
стр. 150
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَيْسُوا مِنَ النَّصَارَى وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، قَالَ: لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفَلَكَ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَإِنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ فَهُمْ فِي حُكْمِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.
وَاسْتَفْتَى الْقَاهِرُ بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيُّ الْفُقَهَاءَ فِيهِمْ، فَأَفْتَاهُ أَبُو سَعِيدٍ أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَبَذَلُوا مَالًا عَظِيمًا فَتَرَكَهُمْ.
وَأَمَّا أَقْوَالُ السَّلَفِ فِيهِمْ: فَذَكَرَ سُفْيَانُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ لَيْسَ لَهُمْ دِينٌ.
стр. 151
وَفِي تَفْسِيرِ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الصَّابِئَةُ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ هَذَا الِاسْمُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُ كُلَّ [خَارِجٍ] مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِهِ.
وَقَالُوا: الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْمٌ لَا دِينَ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الصَّابِئُونَ قَوْمٌ لَيْسُوا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا دِينَ لَهُمْ.
وَحُكِيَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الصَّابِئُونَ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ، لَا
стр. 152
تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ الصَّابِئُونَ زَعَمُوا [أَنَّهُمْ] لَيْسُوا بِمَجُوسٍ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى، قَالَ: قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الصَّابِئُونَ أَهْلُ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ كَانُوا
стр. 153
بِجَزِيرَةِ الْمَوْصِلِ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ وَلَا كِتَابٌ وَلَا نَبِيٌّ إِلَّا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ، يُشَبِّهُونَهُمْ بِهِمْ.
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: هُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ عَنِ السُّدِّيِّ: هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
стр. 154
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّابِئُ الْمُسْتَحْدِثُ سِوَى دِينِهِ دِينًا كَالْمُرْتَدِّ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ دِينِهِ، وَكُلُّ خَارِجٍ مِنْ دِينٍ كَانَ عَلَيْهِ إِلَى آخَرَ غَيْرِهِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ صَابِئًا، يُقَالُ مِنْهُ: صَبَأَ فُلَانٌ يَصْبَأُ صَبَأً، وَيُقَالُ: صَبَأَتِ النُّجُومُ إِذَا طَلَعَتْ، وَصَبَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ إِذَا طَلَعَ.
قُلْتُ: الصَّابِئَةُ أُمَّةٌ كَبِيرَةٌ فِيهِمُ السَّعِيدُ وَالشَّقِيُّ، وَهِيَ إِحْدَى الْأُمَمِ الْمُنْقَسِمَةِ إِلَى مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، فَإِنَّ الْأُمَمَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ كُفَّارٌ أَشْقِيَاءُ كُلُّهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ سَعِيدٌ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْمَجُوسِ.
وَنَوْعٌ مُنْقَسِمُونَ إِلَى سَعِيدٍ وَشَقِيٍّ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئَةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّوْعَيْنِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
стр. 155
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] ، فَلَمْ يَقُلْ هَاهُنَا: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُمُ الْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا فَذَكَرَ سِتَّ أُمَمٍ، مِنْهُمُ اثْنَتَانِ شَقِيَّتَانِ، وَأَرْبَعٌ مِنْهُمْ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، وَحَيْثُ وَعَدَ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْهُمْ بِالْأَجْرِ ذَكَرَهُمْ أَرْبَعَ أُمَمٍ لَيْسَ إِلَّا.
فَفِي آيَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْأُمَمِ أَدْخَلَ مَعَهُمُ الْأُمَّتَيْنِ، وَفِي آيَةِ الْوَعْدِ بِالْجَزَاءِ لَمْ يُدْخِلْهَا مَعَهُمْ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّابِئِينَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالشَّقِيُّ وَالسَّعِيدُ وَهَذِهِ أُمَّةٌ قَدِيمَةٌ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهُمْ أَنْوَاعٌ: صَابِئَةٌ حُنَفَاءُ وَصَابِئَةٌ مُشْرِكُونَ.
وَكَانَتْ حَرَّانُ دَارَ مَمْلَكَةِ هَؤُلَاءِ قَبْلَ الْمَسِيحِ، وَلَهُمْ كُتُبٌ وَتَآلِيفُ
стр. 156
وَعُلُومٌ، وَكَانَ فِي بَغْدَادَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ الصَّابِئُّ صَاحِبُ " الرَّسَائِلِ " وَكَانَ عَلَى دِينِهِمْ وَيَصُومُ رَمَضَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَكْثَرُهُمْ فَلَاسِفَةٌ وَلَهُمْ مَقَالَاتٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ.
وَجُمْلَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَلَا يُوجِبُونَ اتِّبَاعَهُمْ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ فَهُوَ سَعِيدٌ نَاجٍ وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ بِعَقْلِهِ مَا دَعَوْا إِلَيْهِ فَوَافَقَهُمْ فِيهِ وَعَمِلَ بِوَصَايَاهُمْ فَهُوَ سَعِيدٌ وَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِمْ.
فَعِنْدَهُمْ: دَعْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَلَا تَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِلنَّجَاةِ وَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ لِلْعَالَمِ صَانِعًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا مُنَزَّهًا عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَصْنُوعَاتِ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ قَالُوا: نَحْنُ عَاجِزُونَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى جَلَالِهِ بِدُونِ الْوَسَائِطِ، وَالْوَاجِبُ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بِتَوَسُّطِ الرُّوحَانِيِّينَ الْمُقَدَّسِينَ الْمُطَهَّرِينَ عَنِ الْمَوَادِّ الْجُسْمَانِيَّةِ، الْمُبَرَّئِينَ عَنِ الْقُوَى الْجَسَدِيَّةِ الْمُنَزَّهِينَ عَنِ الْحَرَكَاتِ الْمَكَانِيَّةِ وَالتَّغْيِيرَاتِ الزَّمَانِيَّةِ بَلْ قَدْ جُبِلُوا عَلَى الطَّهَارَةِ وَفُطِرُوا عَلَى التَّقْدِيسِ.
قَالُوا وَإِنَّمَا أَرْشَدَنَا إِلَيْهِمْ مُعَلِّمُنَا الْأَوَّلُ " هِرْمِسُ " فَنَحْنُ نَتَقَرَّبُ إِلَيْهِمْ
стр. 157
وَبِهِمْ، وَهُمْ آلِهَتُنَا وَشُفَعَاؤُنَا عِنْدَ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَإِلَهِ الْآلِهَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُطَهِّرَ نُفُوسَنَا عَنِ الشُّبُهَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وَنُهَذِّبَ أَخْلَاقَنَا عَنْ عَلَائِقِ الْقُوَّةِ الْعَصَبِيَّةِ حَتَّى تَحْصُلَ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرُّوحَانِيَّاتِ، فَحِينَئِذٍ نَسْأَلُ حَاجَاتِنَا مِنْهُمْ، وَنَعْرِضُ أَحْوَالَنَا عَلَيْهِمْ، وَنَصْبُوا فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا إِلَيْهِمْ، فَيَشْفَعُونَ لَنَا إِلَى خَالِقِنَا وَخَالِقِهِمْ وَرَازِقِنَا وَرَازِقِهِمْ، وَهَذَا التَّطْهِيرُ وَالتَّهْذِيبُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِرِيَاضَتِنَا وَفِطَامِ أَنْفُسِنَا عَنْ دَنِيَّاتِ الشَّهَوَاتِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالِاسْتِمْدَادِ مِنْ جِهَةِ الرُّوحَانِيَّاتِ، وَالِاسْتِمْدَادُ هُوَ التَّضَرُّعُ وَالِابْتِهَالُ بِالدَّعَوَاتِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوَاتِ، وَالصِّيَامِ عَنِ الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَتَقْرِيبِ الْقَرَابِينِ وَالذَّبَائِحِ وَتَبْخِيرِ الْبَخُورَاتِ مَعَ الْعَزَائِمِ لِيَحْصُلَ لِنُفُوسِنَا اسْتِعْدَادٌ إِلَى الِاسْتِمْدَادِ الْعَالِي مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَيَكُونَ حُكْمُنَا وَحُكْمُ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا.
قَالُوا: وَالْأَنْبِيَاءُ أَتَوْا بِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَتَهْذِيبِهَا وَتَطْهِيرِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الرَّذَائِلِ، فَمَنْ أَطَاعَهُمْ فَهُوَ سَعِيدٌ.
قَالُوا: وَالرُّوحَانِيَّاتُ هِيَ الْأَسْبَابُ الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ وَتَصْرِيفِ الْأُمُورِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَهِيَ تَسْتَمِدُّ الْقُوَّةَ مِنَ الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ وَتَفِيضُ الْفَيْضَ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ السُّفْلِيَّةِ، فَمِنْهَا مُدَبِّرَاتُ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ فِي أَفْلَاكِهَا، وَهِيَ هَيَاكِلُهَا فَلِكُلِّ رُوحَانِيٍّ هَيْكَلٌ وَهُوَ فَلَكٌ، وَنِسْبَةُ الرُّوحَانِيِّ إِلَى ذَلِكَ الْهَيْكَلِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ نِسْبَةُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ، فَهُوَ رَبُّهُ وَمُدَبِّرُهُ.
стр. 158
وَيَقُولُونَ: الْهَيَاكِلُ آبَاءٌ، وَالْعَنَاصِرُ أُمَّهَاتٌ، فَتَفْعَلُ الرُّوحَانِيَّاتُ تَحْرِيكَهَا عَلَى قَدْرٍ مَخْصُوصٍ لِيَحْصُلَ مِنْ حَرَكَتِهَا انْفِعَالَاتٌ فِي الطَّبَائِعِ وَالْعَنَاصِرِ، فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكِيبَاتٌ وَامْتِزَاجَاتٌ فِي الْمُرَكَّبَاتِ، تُرَكَّبُ عَلَيْهَا نُفُوسٌ رُوحَانِيَّةٌ مِثْلُ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ التَّأْثِيرَاتُ كُلِّيَّةً صَادِرَةً عَنْ رُوحَانِيٍّ كُلِّيٍّ، وَقَدْ تَكُونُ جُزْئِيَّةً صَادِرَةً عَنْ رُوحَانِيٍّ جُزْئِيٍّ وَمِنْهَا مُدَبِّرَاتُ الْآثَارِ الْعُلْوِيَّةِ الظَّاهِرَةِ فِي الْجَوِّ كَالْمَطَرِ وَالثُّلُوجِ وَالْبَرَدِ وَالرِّيَاحِ وَالصَّوَاعِقِ وَالشُّهُبِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالسَّحَابِ، وَالْآثَارِ السُّفْلِيَّةِ كَالزَّلَازِلِ وَالْمِيَاهِ وَغَيْرِهَا.
قَالُوا: وَمُدَبِّرَاتٌ هَادِيَةٌ سَارِيَةٌ فِي جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ حَتَّى لَا يُرَى بِوُجُودِهَا خَالٍ عَنْ قُوَّةٍ وَهِدَايَةٍ بِحَسَبِ قَبُولِهِ وَاسْتِعْدَادِهِ.
وَأَمَّا أَحْوَالُ الرُّوحَانِيَّاتِ مِنَ الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَالنِّعْمَةِ وَاللَّذَّةِ وَالرَّاحَةِ وَالْبَهْجَةِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ فِي جِوَارِ رَبِّ الْأَرْبَابِ فَمِمَّا لَا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، طَعَامُهُمْ وَشَرَابُهُمُ التَّسْبِيحُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّمْجِيدُ، وَأُنْسُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ، فَهُمْ بَيْنَ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ وَقَاعِدٍ لَا يُرِيدُ تَبْدِيلَ حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا بِغَيْرِهَا، إِذْ لَذَّتُهُ وَبَهْجَتُهُ وَسُرُورُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ.
قَالُوا: وَالرُّوحَانِيَّاتُ مَبَادِئُ الْمَوْجُودَاتِ وَمَوَادُّ الْأَرْوَاحِ، وَالْمَبَادِئُ أَشْرَفُ ذَاتًا وَأَسْبَقُ وُجُودًا وَأَعْلَى رُتْبَةً مِنْ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ بِتَوَسُّطِهَا، فَعَالَمُهَا عَالَمُ الْكَمَالِ، وَالْمَبْدَأُ مِنْهَا وَالْمَعَادُ إِلَيْهَا وَالْمَصْدَرُ عَنْهَا وَالْمَرْجِعُ إِلَيْهَا وَالْأَرْوَاحُ لَهَا نَزَلَتْ مِنْ عَالَمِهَا حَتَّى اتَّصَلَتْ بِالْأَبْدَانِ وَتَوَسَّخَتْ بِأَوْضَارِ الْأَجْسَامِ ثُمَّ تَطَهَّرَتْ عَنْهَا بِالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الْمَرَضِيَّةِ حَتَّى انْفَصَلَتْ عَنْهَا فَصَعِدَتْ إِلَى عَالَمِهَا الْأَوَّلِ، فَالنُّزُولُ هُوَ النَّشْأَةُ
стр. 159
الْأُولَى وَالصُّعُودُ هُوَ النَّشْأَةُ الْأُخْرَى.
قَالُوا: وَطَرِيقُنَا فِي التَّوَسُّلِ إِلَى حَضْرَةِ الْقُدُسِ ظَاهِرٌ وَشَرْعُنَا مَعْقُولٌ، فَإِنَّ قُدَامَانَا مِنَ الزَّمَانِ الْأَوَّلِ لَمَّا أَرَادُوا الْوَسِيلَةَ عَمِلُوا أَشْخَاصًا فِي مُقَابَلَةِ الْهَيَاكِلِ الْعُلْوِيَّةِ عَلَى نِسَبٍ وَإِضَافَاتٍ وَأَحْوَالٍ وَأَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَأَوْجَبُوا عَلَى مَنْ يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى مَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْعُلْوِيَّاتِ لِبَاسًا وَبَخُورًا وَأَدْعِيَةً مَخْصُوصَةً، وَعَزَائِمَ يُقَرِّبُونَهَا إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَتَلَقَّيْنَا ذَلِكَ عَنْ مَرْعَادِيمُوتَ وَهِرْمِسَ.
فَهَذَا بَعْضُ مَا نَقَلَهُ أَرْبَابُ الْمَقَالَاتِ عَنْ دِينِ الصَّابِئَةِ، وَهُوَ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَفِيهِمُ الْكَافِرُ وَفِيهِمُ الْآخِذُ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ بِمَا وَافَقَ عُقُولَهُمْ وَاسْتَحْسَنُوهُ فَدَانُوا بِهِ وَرَضُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ.
وَعَقْدُ أَمْرِهُمْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِمَحَاسِنِ مَا عِنْدَ أَهْلِ الشَّرَائِعِ بِزَعْمِهِمْ، وَلَا يُوَالُونَ أَهْلَ مِلَّةٍ وَيُعَادُونَ أُخْرَى وَلَا يَتَعَصَّبُونَ لِمِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ، وَالْمِلَلُ عِنْدَهُمْ نَوَامِيسُ لِمَصَالِحِ الْعَالَمِ، فَلَا مَعْنَى لِمُحَارَبَةِ بَعْضِهَا بَعْضًا بَلْ يُؤْخَذُ بِمَحَاسِنِهَا وَمَا تَكْمُلُ بِهِ النُّفُوسُ وَتَتَهَذَّبُ بِهِ الْأَخْلَاقُ وَلِذَلِكَ سُمُّوا صَابِئِينَ كَأَنَّهُمْ صَبَئُوا عَنِ التَّعَبُّدِ بِكُلِّ مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَلِ وَالِانْتِسَابِ إِلَيْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَيْسُوا يَهُودًا وَلَا نَصَارَى وَلَا مَجُوسًا وَهُمْ نَوْعَانِ: صَابِئَةٌ حُنَفَاءُ، وَصَابِئَةٌ مُشْرِكُونَ؛ فَالْحُنَفَاءُ هُمُ النَّاجُونَ مِنْهُمْ،
стр. 160
وَبَيْنَهُمْ مُنَاظَرَاتٌ وَرَدٌّ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَهُمْ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ - كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ قَوْمُ مُوسَى - وَالْحُنَفَاءُ مِنْهُمْ أَتْبَاعُهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالصَّابِئَةُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمَجُوسِ، فَأَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنَ الصَّابِئَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ الْمَجُوسَ مِنْ أَخْبَثِ الْأُمَمِ دِينًا وَمَذْهَبًا وَلَا يَتَمَسَّكُونَ بِكِتَابٍ وَلَا يَنْتَمُونَ إِلَى مِلَّةٍ وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شُبْهَةُ كِتَابٍ أَصْلًا.
وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَتْ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ فَرِحَ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَسَاءَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَجُوسِ مِنْ أَجْلِ كِتَابِهِمْ وَكُلُّ مَا عَلَيْهِ الْمَجُوسُ مِنَ الشِّرْكِ، فَشِرْكُ الصَّابِئَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَخَفَّ مِنْهُ فَلَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنْهُ.
وَقَدْ تَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ، وَقَطَعَ بِأَخْذِهَا مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِي مَوْضِعٍ كَمَا حَكَيْنَا لَفْظَهُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ اسْتِسْلَافِ الْجِزْيَةِ]
٣٥ - فَصْلٌ
[فِي حُكْمِ اسْتِسْلَافِ الْجِزْيَةِ]
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ؟
قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِرِضَاهُمْ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الزَّكَاةَ إِلَّا بِرِضَا رَبِّ الْمَالِ، بَلِ الْجِزْيَةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَبِالْمَوْتِ فِي
стр. 161
أَثْنَاءِ السَّنَةِ، وَتَتَدَاخَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِيَ تَتَعَرَّضُ لِلسُّقُوطِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَبَعْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنْهَا؟
قِيلَ: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ؛ فَأَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ أَنْ يَأْخُذَ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِقِسْطِهِ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ: أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي آخِرِ السَّنَةِ عِنْدَ اسْتِمْرَارِ الْأَحْوَالِ بِذَلِكَ جَرَتْ سُنَنُ الْمَاضِينَ وَسُنَنُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْجِزْيَةُ مَوْضُوعُهَا عَلَى الْإِمْهَالِ كَالزَّكَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمًى أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ إِسْلَامٍ هَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ بِقِسْطِ مَا مَضَى؟
قِيلَ: الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَأَلَّا يُطَالَبَ بِقِسْطِ مَا مَضَى، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ لَمْ يَحِلَّ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا، وَلَكِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ حَمْدَانَ حَكَى فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ فَقَالَ: وَمَنْ أَسْلَمَ فِي الْحَوْلِ أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبَقًا أَوْ أُقْعِدَ أَوْ عَمِيَ - فِيهِ وَجْهَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنِ اتَّفَقَ اجْتِمَاعُ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ وَالْجِزْيَةِ فَهَلْ تُقَدَّمُ الْجِزْيَةُ أَوِ الدُّيُونُ؟
قِيلَ: أَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ وَقَالُوا: هَذَا مُسْتَحَقٌّ بِالْجِزْيَةِ، يُحِقُّ حُقُوقَ اللَّهِ كَالزَّكَاةِ وَيُحِقُّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ وَلَيْسَتْ مِنَ الْقُرَبِ، فَعَلَى هَذَا تَقَعُ الْمُحَاصَّةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الدُّيُونِ.
стр. 162
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهَا مُعَيَّنًا وَلَا تَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْآدَمِيِّ، وَهِيَ عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ وَصَغَارٌ لِأَهْلِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَيَخْرُجُ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي تَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ أَوْ وُقُوعِ الْمُحَاصَّةِ.
وَلِأَصْحَابِ أَحْمَدَ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مِثْلُ هَذِهِ.
стр. 163
[فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنِ اتِّفَاقٍ وَافْتِرَاقٍ]
٣٦ - فَصْلٌ
فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنِ اتِّفَاقٍ وَافْتِرَاقٍ.
الْخَرَاجُ هُوَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ الْجِزْيَةَ خَرَاجُ الرِّقَابِ، وَهُمَا حَقَّانِ عَلَى رِقَابِ الْكُفَّارِ وَأَرْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَّفِقَانِ فِي وُجُوهٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي وُجُوهٍ.
فَيَتَّفِقَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ، وَأَنَّ مَصْرِفَهُمَا مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَأَنَّهُمَا يَجِبَانِ فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ عَلَى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، وَالْخَرَاجَ بِالِاجْتِهَادِ، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ إِذَا قُدِّرَتْ عَلَى الْغَنِيِّ لَمْ تَزِدْ بِزِيَادَةِ غِنَاهُ، وَالْخَرَاجَ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ كَثْرَةِ الْأَرْضِ وَقِلَّتِهَا، وَالْخَرَاجَ يُجَامِعُ الْإِسْلَامَ حَيْثُ نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْجِزْيَةَ لَا تُجَامِعُهُ بِوَجْهٍ ; وَلِذَلِكَ يَجْتَمِعَانِ تَارَةً فِي رَقَبَةِ الْكَافِرِ وَأَرْضِهِ وَيَسْقُطَانِ تَارَةً، وَتَجِبُ الْجِزْيَةُ حَيْثُ لَا خَرَاجَ، وَالْخَرَاجُ حَيْثُ لَا جِزْيَةَ.
стр. 164
[ذكر أَصْلُ الْخَرَاجِ وَابْتِدَاءُ وَضْعِهِ وَأَحْكَامُهُ] [ فصل أَنْوَاعُ أَرْضِ الْخَرَاجِ] [ النوع الأول أَرْضٌ اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ إِحْيَاءَهَا]
[أَصْلُ الْخَرَاجِ وَابْتِدَاءُ وَضْعِهِ وَأَحْكَامُهُ]
وَنَحْنُ نَذْكُرُ كَيْفَ أَصْلُ الْخَرَاجِ وَابْتِدَاءُ وَضْعِهِ وَأَحْكَامُهُ.
[أَنْوَاعُ أَرْضِ الْخَرَاجِ:]
فَنَقُولُ: الْأَرْضُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا: أَرْضٌ اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ إِحْيَاءَهَا فَهَذِهِ أَرْضٌ عُشْرٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ.
قَالَ أَبُو الصَّقْرِ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ أَرْضٍ مَوَاتٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَرْبَابٌ وَلَا لِلسُّلْطَانِ عَلَيْهَا خَرَاجٌ أَحْيَاهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فِي غَيْرِ أَرْضِ السَّوَادِ كَانَ لِلسُّلْطَانِ عَلَيْهِ فِيهَا الْعُشْرُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: وَالْأَرَضُونَ الَّتِي يَمْلِكُهَا رَبُّهَا لَيْسَ فِيهَا خَرَاجٌ مِثْلَ هَذِهِ الْقَطَائِعِ الَّتِي أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ لِسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَخَبَّابٍ.
стр. 165
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْقَاضِي هَذَا النَّصَّ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ أَقْطَعَهُمْ مَنَافِعَهَا، وَأَسْقَطَ الْخَرَاجَ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ ; لِأَنَّ أَرْضَ السَّوَادِ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ، وَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لَهُمْ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ وَإِذَا مَلَكُوهَا بِمَنَافِعِهَا - وَالْخَرَاجُ مِنْ جُمْلَةِ مَنَافِعِهَا فَإِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْأُجْرَةِ - فَيَمْلِكُونَهُ بِمِلْكِ مَنَافِعِهَا إِذْ لَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ خَرَاجٌ فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُمُ الْأَرْضَ وَخَرَاجَهَا.
[النَّوْعُ الثَّانِي أَرْضٌ أَسْلَمَ عَلَيْهَا طَوْعًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ]
٣٧ - فَصْلٌ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَرْضٌ أَسْلَمَ عَلَيْهَا طَوْعًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَهِيَ لَهُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهَا سِوَى الْعُشْرِ، وَهَذَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ وَأَرْضِ الْيَمَنِ وَأَرْضِ الطَّائِفِ وَغَيْرِهَا.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ فَقَالَ: أَرْضُ الرَّجُلِ يُسْلِمُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَفِي يَدِهِ أَرْضٌ، فَهُوَ عُشْرٌ.
стр. 166
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَرْضُ الْعُشْرِ، الرَّجُلُ يُسْلِمُ وَفِي يَدِهِ أَرْضٌ فَهُوَ عُشْرٌ مِثْلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: " «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ الْأَرْضِ» " فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ يُسْلِمَ عَلَى أَرْضِهِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ خَرَاجٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ غَيْرُ الْعُشْرِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ يُسْلِمُ وَفِي يَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فَتَحَهَا الْإِمَامُ عَنْوَةً، فَهَذِهِ لَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ بِإِسْلَامِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
[النَّوْعُ الثَّالِثُ مَا مُلِكَ عَنِ الْكُفَّارِ عَنْوَةً وَقَهْرًا]
٣٨ - فَصْلٌ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا مُلِكَ عَنِ الْكُفَّارِ عَنْوَةً وَقَهْرًا فَهَذِهِ فِيهَا رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَالْمَنْقُولِ وَتَكُونُ أَرْضَ عُشْرٍ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا كَمَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَسَّمَهَا وَكَانَتْ كَذَلِكَ عُشْرِيَّةً غَيْرَ خَرَاجِيَّةٍ، وَإِنْ شَاءَ وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضْرِبُ عَلَيْهِ خَرَاجًا، يَكُونُ كَالْأُجْرَةِ لَهَا غَيْرَ مُقَدَّرِ الْمُدَّةِ بَلْ إِلَى الْأَبَدِ، فَهَذِهِ عُشْرِيَّةٌ خَرَاجِيَّةٌ.
فَإِنِ اسْتَمَرَّتْ فِي يَدِ الْكُفَّارِ فَفِيهَا الْخَرَاجُ زَرَعُوهَا أَوْ لَمْ يَزْرَعُوهَا وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَسْلَمُوا لَمْ يُسْقِطِ الْإِسْلَامُ خَرَاجَهَا وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْعُشْرُ فَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، الْعُشْرِ عَلَى الْمُغَلِّ وَالْخَرَاجِ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
стр. 167
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضٍ، بَلْ إِنْ أُخِذَ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ الْخَرَاجُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْعُشْرُ وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْخَرَاجُ.
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ» ".
وَشُبْهَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْخَرَاجَ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا هُوَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الرُّءُوسِ فَهُوَ عَلَى الْكُفَّارِ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَهُوَ عِوَضٌ عَنِ الْعُشْرِ الَّذِي يَجِبُ بِالْإِسْلَامِ وَبَدَلٌ عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ يُوضَعْ عَلَى الْأَرْضِ لَتَعَطَّلَتْ إِذْ كَانَتْ مَعَ كَافِرٍ عَنِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَامَ خَرَاجُهَا مَقَامَ الْعُشْرِ، فَإِذَا أَسْلَمُوا أُخِذُوا بِالْعُشْرِ وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِمْ بَيْنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ كَمَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِمْ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ الْكُفْرِ، بَلْ إِذَا سَقَطَتِ الْجِزْيَةُ بِالْإِسْلَامِ وَهِيَ خَرَاجُ الرُّءُوسِ فَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ الَّذِي هُوَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ.
وَلِهَذَا كَرِهَ الصَّحَابَةُ ﵃ لِلْمُسْلِمِ الدُّخُولَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ ; لِأَنَّهُ يَسْقُطُ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْخَرَاجِ بِدُخُولِهِ فِيهَا.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَنَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا: الْخَرَاجُ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ زُرِعَتْ أَوْ لَمْ تُزْرَعْ وَالْعُشْرُ فِي مُغَلِّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِلْكًا أَوْ عَارِيَةً أَوْ إِجَارَةً وَلَمْ يُوضَعِ الْخَرَاجُ بَدَلًا عَنِ الْعُشْرِ، بَلْ وُضِعَ حَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ فِي رَقَبَةِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى الْكَافِرِ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ ; لِأَنَّ الْعُشْرَ زَكَاةٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ كَمَا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ مَوَاشِيهِ وَأَمْوَالِهِ.
стр. 168
قَالُوا: وَإِنَّمَا كَرِهَ الصَّحَابَةُ ﵃ الدُّخُولَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا دَخَلَ فِيهَا الْتَزَمَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْخَرَاجِ وَهُوَ صَغَارٌ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَزِمَهُ وَيُقِرَّ بِهِ وَلَمَّا كَانَ تَابِعًا لِلْأَرْضِ كَانَ بَاقِيًا بِبَقَائِهَا تَابِعًا لَهَا وَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَتَعْطِيلِ نَفْعِهَا، كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِزَوَالِ الرَّقَبَةِ أَوْ عَجْزِهَا عَنِ الْأَدَاءِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ اجْتِمَاعِ الْحَقَّيْنِ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ إِذَا أَتْلَفَهُ فِي الْإِحْرَامِ - قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ وَالْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَ أَمَةً بِالزِّنَا غَرِمَ قِيمَتَهَا لِسَيِّدِهَا وَلَزِمَهُ الْحَدُّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ وَالْكَفَّارَةُ لِلْمَسَاكِينِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَرْضِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ.
[بَيْعُ أرض الخراج وَهِبَتُهَا وَرَهْنُهَا وَإِجَارَتُهَا]
٣٩ - فَصْلٌ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَهِبَتُهَا وَرَهْنُهَا وَإِجَارَتُهَا، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ عَلَى جَوَازِ جَعْلِهَا صَدَاقًا.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا وَهِبْتِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا لِأَنَّهَا وَقْفٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهَا تُورَثُ بِالِاتِّفَاقِ وَالْوَقْفُ لَا يُورَثُ، وَتُجْعَلُ صَدَاقًا بِالنَّصِّ وَالْوَقْفُ لَا يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ.
وَمَنْشَأُ الشُّبْهَةِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ وَقْفَهَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَوْقَافِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى إِعْتَاقِ الْعَبْدِ وَتَحْرِيرِهِ لِلَّهِ، وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ مَعْنَى وَقْفِهَا تَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا لَمْ يُقَسِّمْهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَا أَنَّهُ أَنْشَأَ تَحْبِيسَهَا وَتَسْبِيلَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ
стр. 169
هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا عُمَرُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ بَلْ وَقْفُهَا هُوَ تَرْكُ قِسْمَتِهَا وَإِبْقَاؤُهَا عَلَى حَالِهَا، وَضَرْبُ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا يُؤْخَذُ مِمَّنْ تَكُونُ فِي يَدِهِ، وَالْوَقْفُ إِنَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُهُ لِمَا فِي بَيْعِهِ مِنْ إِبْطَالِ وَقْفِيَّتِهِ، وَأَمَّا هَذِهِ فَإِذَا بِيعَتْ أَوِ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهَا فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ خَرَاجِيَّةً كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْأَوَّلِ.
وَحَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَرَاجِ، وَهُوَ لَا يَسْقُطُ بِنَقْلِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الْوَارِثِ كَمَا كَانَتْ عِنْدَ مُورِثِهِ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْعُهُ مُسْقِطًا لِسَبَبِ حُرِّيَّتِهِ بِالْأَدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ.
[النَّوْعُ الرَّابِعُ مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنْ يُقِرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ]
٤٠ - فَصْلٌ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنْ يُقِرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهَا، وَتَكُونُ الْأَرْضُ لَهُمْ فَهَذَا الْخَرَاجُ جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ، وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ وَلَهُمْ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا، فَإِنْ تَبَايَعُوهَا بَيْنَهُمْ كَانَتْ عَلَى حُكْمِهَا فِي الْخَرَاجِ، وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى مُسْلِمٍ سَقَطَ عَنْهُ خَرَاجُهَا وَإِنْ بِيعَتْ مِنْ ذِمِّيٍّ فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ خَرَاجُهَا؟ ذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَسْقُطُ خَرَاجُهَا لِبَقَاءِ كُفْرِهِ.
وَالثَّانِي: يَسْقُطُ لِخُرُوجِهِ بِالذِّمَّةِ مِنْ عَقْدِ مَنْ صُولِحَ عَلَيْهَا.
стр. 170
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ: مَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ صُولِحَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُهَا فَقَدْ وُضِعَ الْخَرَاجُ عَنْهَا، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أُخِذَتْ عَنْوَةً ثُمَّ أَسْلَمَ صَاحِبُهَا وُضِعَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَأُقِرَّ عَلَى أَرْضِهِ بِالْخَرَاجِ فَقَالَ أَحْمَدُ: جَيِّدٌ.
قَالَ: فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ عَنْ أَرْضِ الصُّلْحِ بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَرَضِينَ لَهُمْ، وَلَمْ يُسْقِطْهَا عَنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ ; لِأَنَّهَا وَقْفٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ أُجْرَةٌ عَنْهَا.
[النَّوْعُ الْخَامِسُ أَرْضٌ جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا فَخَلَّصَهَا الْمُسْلِمُونَ بِغَيْرِ قِتَالٍ]
٤١ - فَصْلٌ. النَّوْعُ الْخَامِسُ: أَرْضٌ جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا فَخَلَّصَهَا الْمُسْلِمُونَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَهَذِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ تُتْرَكُ وَقْفًا وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ يَكُونُ أُجْرَةً لِمَنْ تُقَرُّ فِي يَدِهِ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَلَا تَتَغَيَّرُ بِإِسْلَامٍ وَلَا ذِمَّةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ وَأَبِي الْحَارِثِ: كُلُّ أَرْضٍ جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ فَهِيَ فَيْءٌ.
[النَّوْعُ السَّادِسُ أَرْضٌ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى نُزُولِهِمْ عَنْهَا وَتَكُونُ مِلْكًا لَنَا وَتُقَرُّ بِالْخَرَاجِ]
٤٢ - فَصْلٌ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: أَرْضٌ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى نُزُولِهِمْ عَنْهَا وَتَكُونُ مِلْكًا لَنَا وَتُقَرُّ فِي أَيْدِيهِمْ بِالْخَرَاجِ، فَحُكْمُ هَذِهِ الْأَرْضِ أَيْضًا حُكْمُ أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ وَتُقَرُّ فِي أَيْدِيهِمْ بِالْخَرَاجِ، وَلَا يَسْقُطُ هَذَا الْخَرَاجُ
стр. 171
بِالْإِسْلَامِ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْمُنَاقَلَةِ فِيهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُنَاقَلَةً عَنْ حَقِّ الِاخْتِصَاصِ لَا بَيْعًا لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ إِذْ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُمْ وَإِنَّمَا يُعَاوَضُونَ عَلَى مَنْفَعَةِ الِاخْتِصَاصِ.
وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَقَبَةِ الْأَرْضِ وَلَا نَفْعِهَا، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِهَذِهِ الْأَرْضِ مَا أَقَامُوا عَلَى صُلْحِهِمْ وَلَا تَنْتَقِلُ مِنْ أَيْدِيهِمْ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ كَمَا لَا تُنْتَزَعُ الْأَرْضُ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا.
وَإِنْ صَارُوا ذِمَّةً وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ لَمْ يُسْقَطْ عَنْهُمُ الْخَرَاجُ بَلْ يُجْمَعُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجُ وَالْجِزْيَةُ.
[فَصْلٌ أَصْلُ وَضْعِ الْخَرَاجِ]
٤٣ - فَصْلٌ
[أَصْلُ وَضْعِ الْخَرَاجِ]
وَأَمَّا أَصْلُ وَضْعِ الْخَرَاجِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيٌّ [مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:] وَلَا أَعْلَمُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا وَقَدْ حَدَّثَنَاهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ بَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجُيُوشِهِمْ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى قَضَائِهِمْ وَبَيْتِ مَالِهِمْ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضِ، ثُمَّ فَرَضَ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ شَاةً بَيْنَهُمْ: شَطْرُهَا وَسَوَاقِطُهَا
стр. 172
لِعَمَّارٍ وَالشَّطْرُ الْآخَرُ بَيْنَ هَذَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَى قَرْيَةً يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ شَاةٌ إِلَّا سَرِيعًا خَرَابُهَا.
قَالَ: فَمَسَحَ عُثْمَانُ الْأَرْضَ فَجَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْبُرِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ بِهَا فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَجَعَلَ عَلَى رُءُوسِهِمْ - وَعَطَّلَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مِنْ ذَلِكَ - أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ كُلَّ سَنَّةٍ، ثُمَّ كَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَأَجَازَهُ وَرَضِيَ بِهِ، فَقِيلَ لِعُمُرَ: تُجَّارُ الْحَرْبِ كَمْ نَأْخُذُ مِنْهُمْ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْنَا؟ قَالَ: فَكَمْ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ إِذَا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِمْ؟ قَالُوا: الْعُشْرُ، قَالَ: فَخُذُوا مِنْهُمُ الْعُشْرَ.
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ ﵁ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ [أَوْ
стр. 173
غَامِرٍ] دِرْهَمًا وَقَفِيزًا، وَعَلَى جَرِيبِ الرُّطَبَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّجَرِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَعَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَمَسَحَ السَّوَادَ فَوَجَدَهُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا.
стр. 174
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " فَأَرَى حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ هَذَا غَيْرَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا كَانَ أَوْجَبَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَرْضِ خَاصَّةً بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ فِي حَدِيثِ مُجَالِدٍ، وَإِنَّمَا يَذْهَبُ الْخَرَاجُ مَذْهَبَ الْكِرَاءِ وَكَأَنَّهُ أَكْرَى كُلَّ جَرِيبٍ بِدِرْهَمٍ وَقَفِيزٍ فِي السَّنَةِ وَأَلْغَى مِنْ ذَلِكَ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا أُجْرَةً ".
قَالَ: " وَهَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: السَّوَادُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا عُمَّالٌ لَهُمْ فِيهَا بِكِرَاءٍ مَعْلُومٍ يُؤَدُّونَهُ، وَيَكُونُ بَاقِي مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ لَهُمْ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ وَلَا يَكُونُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ ; لِأَنَّ قَبَالَتَهُمَا لَا تَطِيبُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فَيَكُونُ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَقَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ، وَهَذَا الَّذِي كَرِهَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْقَبَالَةِ ".
стр. 175
حَدَّثَنَا شُرَيْكٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَتَقَبَّلُ الْأَرْضَ فَنُصِيبُ مِنْ ثِمَارِهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي الْفَضْلَ، قَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا الْعَجْلَانُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: أَتَقَبَّلُ مِنْكَ الْأُبُلَّةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَضَرَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِائَةً وَصَلَبَهُ حَيًّا.
стр. 176
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْقَبَالَاتُ حَرَامٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ الْقَبَالَاتُ رِبًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَى هَذِهِ الْقَبَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا أَنْ يَتَقَبَّلَ الرَّجُلُ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ وَالزَّرْعَ النَّابِتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْصِدَ وَيُدْرِكَ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ فِي حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
стр. 177
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِي الْقَرْيَةَ فَيَتَقَبَّلُهَا وَفِيهَا النَّخْلُ وَالشَّجَرُ وَالزَّرْعُ وَالْعُلُوجُ فَقَالَ: لَا يَتَقَبَّلُهَا فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا أَصْلُ كَرَاهَةِ هَذَا أَنَّهُ بَيْعُ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَلَمْ يُخْلَقْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ.
فَأَمَّا الْمُعَامَلَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ فَلَيْسَا مِنَ الْقَبَالَاتِ وَلَا يَدْخُلَانِ فِيهَا، وَقَدْ رُخِّصَ فِي هَذَيْنِ وَلَا نَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الْقَبَالَاتِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَعَلُوا كِرَاءَ الشَّجَرِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا: لَيْسَتْ إِجَارَةُ الشَّجَرِ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ إِجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا وَيَزْرَعُهَا لِيَسْتَغِلَّهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ شَيْخُنَا وَأَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ.
стр. 178
وَقَدْ فَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ ابْنِهِ صَالِحٍ، أَنَّهُ قَبِلَ حَدِيقَةَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَضَى بِهِ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَى عُمَرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ شُهْرَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا إِقْرَارِيًّا فَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَخْذُ أَبِي عُبَيْدٍ بِحَدِيثِ مُجَالِدٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ السُّكُوتُ عَنْ جَرِيبِ الشَّجَرِ لَمْ يَذْكُرْهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَتَرْكُهُ حَدِيثَ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ وَقَدْ حَفِظَ الثَّقَفِيُّ مَا لَمْ يَحْفَظِ الشَّعْبِيُّ وَأَنَّهُ جَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرِ النَّخْلَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَ الْقِصَّةَ وَمَيَّزَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ وَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَهَذَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ قَدْ وَضَعَا عَلَى الشَّجَرِ أُجْرَةً لَازِمَةً مُؤَبَّدَةً، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْفُقَهَاءُ مِنْ بَعْدِهِ بِأَنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةٌ.
قَالَ: وَمَعْنَى الْخَرَاجِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنَّمَا هُوَ الْكِرَاءُ وَالْغَلَّةُ، أَلَا تَرَاهُمْ يُسَمُّونَ غَلَّةَ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالْمَمْلُوكِ خَرَاجًا.
стр. 179
وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَنَّهُ قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» ".
стр. 180
وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ الْآخَرُ أَنَّهُ احْتَجَمَ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
فَسَمَّى الْغَلَّةَ خَرَاجًا فَأَرْضُ الْعَنْوَةِ يُؤَدِّي أَهْلُهَا إِلَى الْإِمَامِ الْخَرَاجَ كَمَا يُؤَدِّي مُسْتَأْجِرُ الْأَرْضِ وَالدَّارِ كِرَاءَهَا إِلَى رَبِّهَا الَّذِي يَمْلِكُهَا، وَيَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَا زَرَعَ وَغَرَسَ فِيهَا.
وَلَمَّا عَلِمَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ وَضْعَ الْخَرَاجِ عَلَى جَرِيبِ الشَّجَرِ إِجَارَةٌ لَهُ قَالَ: أَرَى حَدِيثَ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ هُوَ الْمَحْفُوظَ، وَقَامَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَعَدَ فِي فِعْلِ عُمَرَ ﵁ هَذَا، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَهِيَ الْقَبَالَةُ الْمَكْرُوهَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ أَصَحُّ وَأَصْرَحُ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْبِيلُ حَدِيقَةَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَمَعَهُ الْقِيَاسُ وَمَصْلَحَةُ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْقِيَاسِ بَيْنَ إِجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْبُتَ وَبَيْنَ إِجَارَةِ الشَّجَرِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى تَطْلُعَ، كِلَاهُمَا فِي الْقِيَاسِ سَوَاءٌ.
следующие страницы →