← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ دَلِيلٍ حَتَّى شُرِّعَ لَهَا فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَجَنُّبُ مُشَابَهَتِهِمْ فِي مُجَرَّدِ الصُّورَةِ كَالصَّلَاةِ وَالتَّطَوُّعِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، فَعَوَّضَنَا بِالتَّنَفُّلِ فِي وَقْتٍ لَا تَقَعُ الشُّبْهَةُ بِهِمْ فِيهِ. وَلَمَّا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ لَا يُمْكِنُ [التَّعْوِيضُ] عَنْهُ بِغَيْرِهِ لِفَوَاتِ غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَمَرَنَا أَنْ نَضُمَّ إِلَيْهِ يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ لِتَزُولَ صُورَةُ

стр. 1157

الْمُشَابَهَةِ، ثُمَّ لَمَّا قَهَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَصَارُوا تَحْتَ قَهْرِهِمْ وَحُكْمِهِمْ

стр. 1158

أَلْزَمَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ﵁ بِتَرْكِ التَّشَبُّهِ بِالْمُسْلِمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَرْكِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، فَتَضَمَّنَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ الْعَظِيمَانِ مُجَانَبَتَهُمْ فِي الْهَدْيِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ حَتَّى فِي النِّعَالِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّةَ بِالصَّلَاةِ فِي نِعَالِهِمْ مُخَالَفَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَنَهَاهُمْ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَلْبَسُوا نِعَالَ الْمُسْلِمِينَ. [فَصْلٌ قَوْلُهُمْ وَلَا بِفَرْقِ شَعْرٍ] ٢٤٠ - فَصْلٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: " وَلَا بِفَرْقِ شَعْرٍ ". الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ [الزُّهْرِيِّ] ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُءُوسَهُمْ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، فَسَدَلَ

стр. 1159

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِالْفَرْقِ، فَكَانَ الْفَرْقُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ» . وَالسَّدْلُ فِي اللُّغَةِ الْإِرْسَالُ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّعْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرْسِلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ أَوَّلًا يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَفْرِقَ شَعْرَهُ فَأَمْسَكَ عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ فَجَاءَهُ الْأَمْرُ بِالْفَرْقِ فَصَارَ هُوَ السُّنَّةَ. وَالْفَرْقُ هُوَ أَنْ يَقْسِمَ شَعْرَ الرَّأْسِ نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَجْعَلَ ذُؤَابَتَيْنِ عَلَى زِيِّ الْأَشْرَافِ الَّذِي لَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ الْعَلَوِيُّونَ وَالْعَبَّاسِيُّونَ. وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، بَلْ يُؤْمَرُونَ بِأَنْ يُرْسِلُوا شُعُورَهُمْ وَيُسْدِلُوهَا وَيَجْمَعُوا شُعُورَهُمْ حَتَّى تَكُونَ كَاللَّبِنَةِ مِنْ خَلْفِهِمْ. وَقَدْ وَسَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِوَسْمٍ يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ وَهُوَ أَنْ تُجَزَّ نَوَاصِيهِمْ، وَالنَّاصِيَةُ مِقْدَارُ رُبْعِ الرَّأْسِ، فَإِذَا كَانَ رُبْعُهُ مَحْلُوقًا كَانَ عَلَمًا ظَاهِرًا وَأَمْرًا مَشْهُورًا أَنَّهُ ذِمِّيٌّ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الشُّرُوطِ: " وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِمَ رُءُوسِنَا ".

стр. 1160

قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ بِجَزِّ نَوَاصِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ -. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: كَذَا قَالَ خَالِدٌ: " عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَسْلَمَ، عَنْ عُمَرَ، كَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ الصَّوَابُ.

стр. 1161

[فَصْلٌ فِي هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ وَتَرْكِهِ وَكَيْفِيَّةِ جَعْلِ شَعْرِهِ] ٢٤١ - فَصْلٌ فِي هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ وَتَرْكِهِ وَكَيْفِيَّةِ جَعْلِ شَعْرِهِ. لَمْ يَكُنْ هَدْيُهُ حَلْقَ رَأْسِهِ فِي غَيْرِ نُسُكٍ، بَلْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ حَلَقَ رَأْسَهُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. وَحَلْقُ الرَّأْسِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: شَرْعِيٌّ، وَشِرْكِيٌّ، وَبِدْعِيٌّ، وَرُخْصَةٌ. فَالشَّرْعِيُّ: الْحَلْقُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَالشِّرْكِيُّ: حَلْقُ الرَّأْسِ [لِلشُّيُوخِ] فَإِنَّهُمْ يَحْلِقُونَ رُءُوسَ الْمُرِيدِينَ

стр. 1162

لِلشَّيْخِ، وَيَقُولُونَ: احْلَقْ رَأْسَكَ لِلشَّيْخِ فُلَانٍ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ السُّجُودِ لَهُ، فَإِنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ عُبُودِيَّةٌ مُذِلَّةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَعْمَلُ الْمَشْيَخَةَ الْوَثَنِيَّةَ، فَتَرَى الْمُرِيدَ عَاكِفًا عَلَى السُّجُودِ لَهُ وَيُسَمِّيهِ وَضْعَ رَأْسٍ وَأَدَبًا، وَعَلَى التَّوْبَةِ لَهُ، وَالتَّوْبَةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَعَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ لَهُ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ عُبُودِيَّةٌ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا أَمِنُوا عَلَى الْأَسِيرِ جَزُّوا نَوَاصِيَهُ وَأَطْلَقُوهُ عُبُودِيَّةً وَإِذْلَالًا لَهُ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ تَمَامِ النُّسُكِ وَضْعُ النَّوَاصِي لِلَّهِ عُبُودِيَّةً وَخُضُوعًا وَذُلًّا. وَيُرَبُّونَهُ عَلَى الْحَلِفِ بِاسْمِ الشَّيْخِ لِإِذْلَالِهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» ". فَكَيْفَ مَنْ نَذَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؟ ! . وَأَمَّا الْحَلْقُ الْبِدْعِيُّ فَهُوَ: كَحَلْقِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُطَّوِّعَةِ وَالْفُقَرَاءِ يَجْعَلُونَهُ شَرْطًا فِي الْفَقْرِ، وَزِيًّا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ أَهْلِ الشُّعُورِ مِنَ الْجُنْدِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 1163

وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَوَارِجِ أَنَّهُ قَالَ: " «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ» ". وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِصَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَمَرَ بِكَشْفِ رَأْسِهِ وَقَالَ: " لَوْ رَأَيْتُكَ مَحْلُوقًا لَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ حَتَّى أَنْ تَكُونَ مِنَ الْخَوَارِجِ ". وَمِنْ حَلْقِ الْبِدْعَةِ الْحَلْقُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ بِمَوْتِ الْقَرِيبِ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَدْ بَرِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَالِقَةِ وَالصَّالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ. فَالْحَالِقَةُ الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. وَالصَّالِقَةُ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَنَحْوِهِ. وَالشَّاقَّةُ الَّتِي تَشُقُّ ثِيَابَهَا. وَأَمَّا الرَّجُلُ فَحَلْقُهُ لِذَلِكَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ يَكْرَهُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

стр. 1164

وَأَمَّا حَلْقُ الْحَاجَةِ وَالرُّخْصَةِ فَهُوَ كَالْحَلْقِ لِوَجَعٍ أَوْ قَمْلٍ أَوْ أَذًى فِي رَأْسِهِ مِنْ بُثُورٍ وَنَحْوِهَا فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. وَأَمَّا حَلْقُ بَعْضِهِ وَتَرْكُ بَعْضِهِ فَهُوَ مَرَاتِبُ: أَشَدُّهَا أَنْ يَحْلِقَ وَسَطَهُ وَيَتْرُكَ جَوَانِبَهُ كَمَا تَفْعَلُ شَمَامِسَةُ النَّصَارَى، وَيَلِيهِ أَنْ يَحْلِقَ جَوَانِبَهُ وَيَدَعَ وَسَطَهُ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ السَّفَلَةِ وَأَسْقَاطِ النَّاسِ، وَيَلِيهِ أَنْ يَحْلِقَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَيَتْرُكَ مُؤَخَّرَهُ. وَهَذِهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ دَاخِلَةٌ فِي الْقَزْعِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَبَعْضُهَا أَقْبَحُ مِنْ بَعْضٍ. فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ لِضَرَرٍ بِرَأْسِهِ أَوْ لِاسْتِخْرَاجِ ضَفِيرَةٍ تُؤْذِي عَيْنَيْهِ جَازَ حَلْقُ بَعْضِهِ هَذَا، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ أَوْ حَلْقُ جَمِيعِهِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ. [فَصْلٌ مَتَى يُرْخَى الشَّعْرُ وَمَتَى يُضَفَّرُ] ٢٤٢ - فَصْلٌ [مَتَى يُرْخَى الشَّعْرُ وَمَتَى يُضَفَّرُ] . وَأَمَّا إِرْخَاؤُهُ فَإِنْ طَالَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُجْعَلَ ذُؤَابَتَيْنِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، وَلَا يُرْسَلُ وَلَا يُضَفَّرُ ذُؤَابَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُجْمَعُ كُلُّهُ فِي مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ، وَلَا

стр. 1165

يَرُدُّ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ عَلَى الرَّأْسِ، فَكُلُّ هَذَا مَكْرُوهٌ. وَإِنْ قَصَّرَ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ أَوْ فَوْقَهَا بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى فَرْقُهُ وَجَعْلُهُ ذُؤَابَتَيْنِ جَازَ سَدْلُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهَكَذَا كَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَعْرِهِ إِنْ طَالَ فَرَقَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يُؤْخَذُونَ بِتَمْيِيزِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي شُعُورِهِمْ إِمَّا بِجَزِّ مَقَادِمِ رُءُوسِهِمْ وَإِمَّا بِسَدْلِهَا، وَلَوْ حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ. [فَصْلٌ مَنْعُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ لِبَاسِ الْأَرْدِيَةِ] ٢٤٣ - فَصْلٌ [مَنْعُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ لِبَاسِ الْأَرْدِيَةِ] . وَأَمَّا الْأَرْدِيَةُ فَهَلْ يُمَكَّنُونَ مِنْ لِبَاسِهَا لِكَوْنِ تَرْكِ لِبَاسِهَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الشُّرُوطِ، أَوْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ لِأَنَّهَا زِيُّ الْعَرَبِ وَعَادَتُهُمْ فَهِيَ كَالْعَمَائِمِ؟ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يَلْبَسُونَ الْأَرْدِيَةَ، فَإِنَّ الْأَرْدِيَةَ مِنْ لِبَاسِ الْعَرَبِ قَدِيمًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَدِي وَالصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ زِيُّ الْمُسْلِمِينَ وَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ فِي لُبْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرِّدَاءَ ثُمَّ قَالَ: فَلَا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْدِيَةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يُمَكَّنُونَ مِنَ الْأَرْدِيَةِ.

стр. 1166

قَالَ: وَأَمَّا الطَّيْلَسَانُ فَهُوَ الْمُغَوَّرُ الطَّرَفَيْنِ الْمَكْفُوفُ الْجَانِبَيْنِ الْمُلَفَّفُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلَا تَلْبَسُهُ، وَهُوَ لِبَاسُ الْيَهُودِ وَالْعَجَمِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ سَاجًا. وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَكْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ قَالَ: أَوَّلُ قُرَشِيٍّ لَبِسَ سَاجًا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ اشْتُرِيَ لَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: مِنْ حُلْوَانَ أَوْ حُلُولًا. وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَحْرَمَ فِي سَاجَةٍ، فَهُوَ لِبَاسٌ مُحْدَثٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ مِنْ لِبَاسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: " «يَتْبَعُهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» ". وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْبِيُّ: نَظَرَ أَنَسٌ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِمْ

стр. 1167

الطَّيَالِسَةُ فَقَالَ: كَأَنَّهُمُ السَّاعَةَ يَهُودُ خَيْبَرَ! . وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ الطَّيْلَسَانَ وَقَالَ: هُوَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ. قَالَ: وَقَدْ عَابَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى مَنْ لَبِسَ الطَّيْلَسَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَشَبَّهَهُمْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» ". قَالَ: وَلَا يُتْرَكُ أَهْلُ الذِّمَّةِ يَلْبَسُونَ طَيَالِسَهُمْ فَوْقَ عَمَائِمِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ أَشْرَافُ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاؤُهُمْ لِلتَّمْيِيزِ عَمَّنْ دُونَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ، وَلَيْسَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَهْلًا لِذَلِكَ فَيُمْنَعُونَ مِنْهُ. قَالَ: وَفِي " كِتَابِ عُمَرَ ": وَلَا يَلْبَسُونَ النَّعْلَيْنِ. قَالَ: فَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ لُبْسِ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ مِنَ النِّعَالِ. وَالنَّعْلَانِ هُمَا مِنْ زِيِّ الْعَرَبِ مِنْ آبَادِ الدَّهْرِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهُمَا وَيَسْتَعْمِلُهُمَا، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أُمِرْتُ بِالنَّعْلِ وَالْخَاتَمِ» .

стр. 1168

ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا: " «اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا كَانَ مُنْتَعِلًا» ". وَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ، وَكَانَ لِنَعْلَيْهِ قِبَالَانِ» . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " عَلَيْكُمْ بِالنِّعَالِ فَإِنَّهَا خَلَاخِيلُ الرِّجَالِ ". وَلَمْ تَكُنِ النِّعَالُ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِبَاسُهُمْ رَأْسَ الْخُفِّ الَّذِي يُسَمُّونَهُ " التَّمَسُّكُ " فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلُوا عَلَى عَادَةِ لِبَاسِهِمْ. قَالَ: وَلِأَنَّهَا مِنْ زِيِّ الْعُلَمَاءِ وَالْأَشْرَافِ وَالْأَكَابِرِ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ لِبَاسِهَا، انْتَهَى.

стр. 1169

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ الْيَهُودُ يَلْبَسُونَهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ وَحَوْلَهَا وَيَرْتَدُونَ وَيَفْرِقُونَ رُءُوسَهُمْ وَيَلْبَسُونَ الْعَمَائِمَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: " «إِنَّ الْيَهُودَ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ فَخَالِفُوهُمْ» ". وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ مَا اتُّبِعَ، وَلَمْ يُلْزِمْهُمْ بِالْغِيَارِ وَلَا خَلِيفَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁. قِيلَ: إِنَّمَا اعْتَمَدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَمَنْ بَعْدَهُ فِي الْغِيَارِ سُنَّتَهُ، فَإِنَّهُ أَرْشَدَ إِلَى مُخَالَفَتِهِمْ وَالنَّهْيِ عَنْهُمْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ إِلْزَامُهُمْ بِالْغِيَارِ إِذْ ذَاكَ مُمْكِنًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَوْلَوْا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَهَرُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ وَمَلَكُوا بِلَادَهُمْ، بَلْ كَانَتْ أَكْثَرُ بِلَادِهِمْ لَهُمْ وَهُمْ فِيهَا أَهْلُ صُلْحٍ وَهُدْنَةٍ، فَكَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ إِذْ ذَاكَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ مُخَالَفَتَهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَمْصَارَ الْكُفَّارِ وَمَلَّكَهُمْ دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَصَارُوا تَحْتَ الْقَهْرِ وَالذُّلِّ وَجَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ أَلْزَمَهُمُ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ وَالْإِمَامُ الْعَدْلُ الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - بِالْغِيَارِ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَاتَّبَعَهُ الْأَئِمَّةُ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَصَّرَ فِي هَذَا مِنَ الْمُلُوكِ مَنْ قَلَّتْ رَغْبَتُهُ فِي نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَإِعْزَازِ أَهْلِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ. وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وُجُوبِ إِلْزَامِهِمْ بِالْغِيَارِ، وَأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ.

стр. 1170

[فَصْلٌ قَولهم وَلَا نَتَشَبَّهُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي مَرَاكِبِهِمْ وَلَا نَرْكَبُ السُّرُوجَ] ٢٤٤ - فَصْلٌ قَالُوا: " وَلَا نَتَشَبَّهُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي مَرَاكِبِهِمْ، وَلَا نَرْكَبُ السُّرُوجَ، وَلَا نَتَقَلَّدُ السُّيُوفَ، وَلَا نَتَّخِذُ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ وَلَا نَحْمِلُهُ مَعَنَا ". فَأَهْلُ الذِّمَّةِ مَمْنُوعُونَ مِنْ رُكُوبِهِمُ السُّرُوجَ وَإِنَّمَا يَرْكَبُونَ الْأُكُفَ - وَهِيَ الْبَرَاذِعُ - عَرْضًا، وَتَكُونُ أَرْجُلُهُمْ جَمِيعًا إِلَى جَانِبٍ وَاحِدٍ كَمَا أَمَرَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ فِيمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ] ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنْ يَرْكَبُوا عَلَى الْأُكُفِ عَرْضًا وَأَنْ يَرْكَبُوا عَرْضًا وَلَا يَرْكَبُوا كَمَا يَرْكَبُ الْمُسْلِمُونَ. وَذَكَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَرْكَبَ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي شَقِّ شَقٍّ. وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: زَعَمَ أَبِي قَالَ: نَهَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَرْكَبَ السُّرُوجَ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ.

стр. 1171

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ [أَبِي] عُثْمَانَ الْأُمَوِيِّ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُحْمَلُوا عَلَى الْأُكُفِ وَأَنْ تُجَزَّ نَوَاصِيهِمْ. وَأَنَّ السُّرُوجَ مِنْ آلَاتِ الْخَيْلِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ مَمْنُوعُونَ مِنْ رُكُوبِهَا فَإِنَّهَا عِزٌّ لِأَهْلِهَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْعِزِّ، وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي " النِّهَايَةِ ": اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّا نَأْمُرُ الْكُفَّارَ بِالتَّمْيِيزِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِالْغِيَارِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ.

стр. 1172

وَقَالَ الْأَصْحَابُ: يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ الْجِيَادِ، وَيُكَلَّفُونَ رُكُوبَ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ إِلَّا النَّفِيسَةَ الَّتِي يُتَزَيَّنُ بِرُكُوبِهَا فَإِنَّهَا فِي مَعْنَى الْخَيْلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَتَمَيَّزَ مَرَاكِبُهُمْ عَنِ الْمَرَاكِبِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْأَمَاثِلُ وَالْأَعْيَانُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رِكَابُهُمُ الْعَرُورَ، وَهُوَ رِكَابُ الْخَشَبِ، ثُمَّ يُضْطَرُّونَ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ رُكُوبِ وَسَطِ الْجَوَادِ إِذَا كَانَ يَطْرُقُهَا الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ خَلَتْ مِنْ زَحْمَةِ الطَّارِقِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا حَرَجَ، ثُمَّ تَكْلِيفُهُمُ التَّمَيُّزَ بِالْغِيَارِ وَاجِبٌ حَتَّى لَا يَخْتَلِطُوا فِي زِيِّهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ فِي الدَّوَابِّ وَالْمَرَاكِبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقَالَ قَائِلُونَ: التَّمَيُّزُ بِهَا حَتْمٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْغِيَارِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ مَا عَدَا الْغِيَارَ أَدْنَى، ثُمَّ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ وَمَنْ إِلَيْهِ الْأَمْرُ ذَلِكَ فَلَا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَسُوغُ إِلَّا الِاتِّبَاعُ. وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ أَنْ تَتَمَيَّزَ بِالْغِيَارِ إِذَا بَرَزَتْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ كَالرَّجُلِ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ؛ إِذْ بُرُوزُ النِّسَاءِ نَادِرٌ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَمْيِيزًا فِي الْغِيَارِ. وَإِذَا دَخَلَ الْكَافِرُ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وَكَانَ لَا يَتَمَيَّزُ عَمَّنْ فِيهِ بِغِيَارٍ وَعَلَامَةٍ، فَالَّذِي رَأَتْهُ الْأَصْحَابُ مَنْعُ ذَلِكَ وَإِيجَابُ التَّمْيِيزِ فِي هَذَا الْمَقَامِ

стр. 1173

أَوْلَى؛ إِذْ رُبَّمَا يَفْسَدُ الْمَاءُ عَلَى حُكْمِ دِينِهِ بِحَيْثُ لَا يُشْعَرُ بِهِ. وَدُخُولُ الْكَافِرَةِ الْحَمَّامَ الَّذِي فِيهِ الْمُسْلِمَاتُ مِنْ غَيْرِ خِلَافِ غِيَارٍ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَكَانَ شَيْخِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: " لَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ رُكُوبِ جِنْسِ الْخَيْلِ، فَلَوْ رَكِبُوا الْبَرَاذِينَ الَّتِي لَا زِينَةَ فِيهَا وَالْبِغَالَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا مَنْعَ، وَالْحِمَارُ الَّذِي تَبْلُغُ قِيمَتُهُ مَبْلَغًا إِذَا رَكِبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ أَرَ لِلْأَصْحَابِ فِيهِ مَنْعًا، وَلَعَلَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى الْجِنْسِ، وَمِنَ الْكَلَامِ الشَّائِعِ: رُكُوبُ الْحِمَارِ ذُلٌّ وَرُكُوبُ الْخَيْلِ عِزٌّ "، انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلَا يَرْكَبُوا أَصْلًا فَرَسًا، وَإِنَّمَا يَرْكَبُونَ الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ". قَالَ أَصْحَابُهُ: فَتُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ رُكُوبِ الْفَرَسِ؛ إِذْ فِي رُكُوبِهَا الْفَضِيلَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْعِزُّ، وَهِيَ مَرَاكِبُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَحْمُونَ حَوْزَةَ الْإِسْلَامِ وَيَذُبُّونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فَجُعِلَ رِبَاطُ الْخَيْلِ لِأَجْلِ إِرْهَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَكَّنُوا مِنْ رُكُوبِهَا إِذْ فِيهِ إِرْهَابُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا

стр. 1174

الْخَيْرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ وَأَهْلُ الْجِهَادِ هُمْ أَهْلُ الْخَيْلِ وَالْخَيْرِ لِاسْتِعْمَالِهِمُ الْخَيْلَ فِي الْجِهَادِ، فَهُمْ أَحَقُّ بِرُكُوبِ مَا عُقِدَ الْخَيْرُ بِنَوَاصِيهَا مِنَ الْمَرَاكِبِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ الْخَيْلَ كَانَتْ وَحْشًا فِي الْبَرَارِي وَأَوَّلُ مَنْ أَنَّسَهَا وَرَكِبَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَهِيَ مِنْ مَرَاكِبِ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَبِهَا أَقَامُوا دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ، وَعَلَيْهَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَعَلَيْهَا فَتَحَ الصَّحَابَةُ الْفُتُوحَ وَنَصَرُوا الْإِسْلَامَ، فَمَا لِأَعْدَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَلِرُكُوبِهَا! ! . وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " لَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمُ اللَّهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ وَقَدْ أَقْصَاهُمْ ". [فَصْلٌ قَولهم وَلَا نَتَقَلَّدُ السُّيُوفَ] ٢٤٥ - فَصْلٌ قَالُوا: " وَلَا نَتَقَلَّدُ السُّيُوفَ ". يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ تَقَلُّدِ السُّيُوفِ لِمَا بَيْنَ كَوْنِهِمْ أَهْلَ ذِمَّةٍ وَكَوْنِهِمْ يَتَقَلَّدُونَ السُّيُوفَ مِنَ التَّضَادِّ، فَإِنَّ السُّيُوفَ عِزٌّ لِأَهْلِهَا وَسُلْطَانٌ، وَقَدْ قَالَ

стр. 1175

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» ". فَبِالسَّيْفِ النَّاصِرِ وَالْكِتَابِ الْهَادِي عَزَّ الْإِسْلَامُ وَظَهَرَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وَهُوَ قَضِيبُ الْأَدَبِ، وَفِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: " «بِيَدِهِ قَضِيبُ الْأَدَبِ» "، فَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ لِيَقْهَرَ بِهِ أَعْدَاءَهُ وَمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، فَالسَّيْفُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعْتَمَدُ فِي الْحَرْبِ عَلَيْهِ وَيُرْهِبُ بِهِ الْعَدُوَّ وَبِهِ يُنْصَرُ الدِّينُ وَيُذِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ، وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ حَمْلِهِ وَالْعِزِّ بِهِ. وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنِ اتِّخَاذِ السِّلَاحِ وَحَمْلِهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا كَالْقَوْسِ وَالنِّشَابِ وَالرُّمْحِ وَمَا يُبْقَى بَأْسُهُ، وَلَوْ مُكِّنُوا مِنْ هَذَا لَأَفْضَى إِلَى اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحِرَابِهِمْ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ: وَمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالرُّكُوبِ مِنْهُمْ مِنْ دَهَاقِينِهِمْ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوبُ إِذَا أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فَيَرْكَبُ الْبَغْلَةَ وَالْحِمَارَ عَلَى إِكَافٍ مِنْ غَيْرِ لِجَامٍ وَلَا حَكَمَةٍ وَلَا سُفْرٍ وَلَا مَرْكَبٍ مُحَلًّى ذَهَبًا وَفِضَّةً، كَمَا سَنَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ لَهُمْ حَيْثُ قَالُوا: " وَلَا نَتَشَبَّهُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي مَرَاكِبِهِمْ ".

стр. 1176

[فَصْلٌ بَعْضُ الْأَحْكَامِ الَّتِي ضُرِبَتْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ] ٢٤٦ - فَصْلٌ [بَعْضُ الْأَحْكَامِ الَّتِي ضُرِبَتْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ] . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: ثَنَا الْقَاسِمُ، ثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: اكْتُبْ بِأَمْرِنَا [يَا يَرْفَأُ] إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ تُجَزَّ نَوَاصِيهِمْ، وَأَنْ يَرْبُطُوا [الْكُسْتِيجَانَ] فِي أَوْسَاطِهِمْ لِيُعْرَفَ زِيُّهُمْ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.

стр. 1177

وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ: أَنْ يَأْمُرُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنْ يُخْتَمَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الشَّامِ أَنْ يَشُدَّ النَّصَارَى مَنَاطِقَهُمْ وَيَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالْغِيَارِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيُلْزِمَهُمْ أَنْ يُغَيِّرُوا فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَرْكَبِ. فَأَمَّا فِي الْمَلْبَسِ فَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يَلْبَسُونَ الْفَاخِرَ مِنَ اللِّبَاسِ الَّذِي يَلْبَسُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ وَكِبَارُهُمْ مِنَ الشُّرُوبِ الْمُرْتَفِعَةِ وَلَا الْخَزِّ. إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَلَّا يَلْبَسُوا عَصَبًا وَلَا خَزًّا، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ التَّقَدُّمِ إِلَيْهِ

стр. 1178

فَإِنَّ سَلَبَهُ لِمَنْ وَجَدَهُ. قَالَ: الْعَصَبُ هُوَ الْبُرْدُ الَّذِي يُصْبَغُ غَزْلُهُ وَهُوَ الْيَمَانِيُّ، وَقَدْ كَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ، وَقَدْ كَانَ خَلَعَ عَلَى كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ بُرْدَهُ عِنْدَ إِسْلَامِهِ، فَبَاعَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلِ الْخُلَفَاءُ يَتَوَارَثُونَهُ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ. وَأَمَّا الْخَزُّ: فَإِنَّهُ لِبَاسُ الْأَشْرَافِ وَمَنْ لَهُ عِزٌّ، فَمَنْ لَا عِزَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ يُمْنَعُ مِنَ الثِّيَابِ الْمُرْتَفِعَةِ اقْتِدَاءً بِالْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. [فَصْلٌ لَوْنُ لِبَاسِ أَهْلِ الْكِتَابِ] ٢٤٧ - فَصْلٌ [لَوْنُ لِبَاسِ أَهْلِ الْكِتَابِ] . وَأَمَّا لَوْنُ مَا يَلْبَسُونَ مِنَ الْغِيَارِ فَإِنَّهُمْ يَلْبَسُونَ الرَّمَادِيَّ [الْأَدْكَنَ] وَهَذَا غِيَارُ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا، وَالنَّصَارَى يُخْتَصُّونَ بِالرَّمَادِيِّ لِقَوْلِهِمْ فِي الْكِتَابِ: " وَنَشُدُّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا ": وَهُوَ " الْمِنْطَقَةُ " الْمَذْكُورَةُ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الزَّنَانِيرَ مَنَاطِقُ النَّصَارَى وَلَا يَكْفِي شَدُّهَا تَحْتَ ثِيَابِهِمْ بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا ظَاهِرَةً بَادِيَةً فَوْقَ الثِّيَابِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيَكْفِيهِمْ أَنْ يُغَيِّرُوا ثَوْبًا وَاحِدًا مِنْ جُمْلَةِ مَا يَلْبَسُونَ.

стр. 1179

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إِذَا دَخَلُوا الْحَمَّامَ عَلَّقُوا فِي رِقَابِهِمُ الْأَجْرَاسَ لِيُعْرَفَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: فَأَمَّا الْأَصْفَرُ مِنَ اللَّوْنِ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ لِبَاسِهِ إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهُ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ زِيَّ الْأَنْصَارِ، وَبِهِ كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَجَالِسَ وَالْمَحَافِلَ، وَهُوَ زِيُّهُمْ إِلَى الْيَوْمِ إِذَا دَخَلُوا عَلَى الْخُلَفَاءِ فَلَا يَتَشَبَّهُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ وَصَحَابَتِهِ فَيُمْنَعُونَ مِنْ لُبْسِهِ وَلَا يُمَكَّنُونَ. قُلْتُ: هَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ وَتَفْصِيلٍ، وَهُوَ أَنَّ لِبَاسَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِي يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ نَوْعَانِ: [الْأَوَّلُ:] نَوْعٌ مُنِعُوا مِنْهُ لِشَرَفِهِ وَعُلُوِّهِ، فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ. [وَالثَّانِي:] نَوْعٌ مُنِعُوا مِنْهُ لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا هَجَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَصَارَ مِنْ شِعَارِ الْكُفَّارِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ، فَمِنْ ذَلِكَ لِبَاسُ الْأَصْفَرِ وَالْأَزْرَقِ لَمَّا صَارَ مِنْ شِعَارِهِمْ فَوْقَ الرُّءُوسِ - وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَلْبَسُونَهُ - لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْغِيَارِ مَا يُمَيِّزُهُمْ بِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يُعْرَفُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالذِّلَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى الْأَمْصَارِ: أَنْ تُجَزَّ نَوَاصِيهِمْ - يَعْنِيَ النَّصَارَى - وَلَا يَلْبَسُوا لُبْسَةَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُعْرَفُوا.

стр. 1180

[فَصْلٌ فَسَادُ ذِمَمِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ] ٢٤٨ - فَصْلٌ [فَسَادُ ذِمَمِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ] قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إِذَا خَرَجَتْ فَيَكُونُ أَحَدُ خُفَّيْهَا أَحْمَرَ حَتَّى يُعْرَفَ بِأَنَّهَا ذِمِّيَّةٌ. وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ مَكْحُولٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ: امْنَعُوا نِسَاءَهُمْ أَنْ يَدْخُلْنَ مَعَ نِسَائِكُمُ الْحَمَّامَاتِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَكْرَهُ أَنْ تَطَّلِعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَسْنَ بِثِقَاتٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُؤْمَنُ الْفَسَادُ.

стр. 1181

وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاشِرَ [الْمَرْأَةُ] الْمَرْأَةَ (فَتَنْعَتُهَا) لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» . يَعْنِي: فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى وَصْفِ الذِّمِّيَّةُ الْمُسْلِمَةَ لِزَوْجِهَا الذِّمِّيِّ حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهَا، فَكَرِهَ أَحْمَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى.

стр. 1182

قَالَ: وَقَدْ رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بِشْرٍ كَرِهَ أَنْ تَقْبَلَ النَّصْرَانِيَّةُ وَأَنْ تَرَى عَوْرَتَهَا. قُلْتُ: أَحْمَدُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]

стр. 1183

إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فَخَصَّ نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ بِجَوَازِ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ لَهُنَّ دُونَ الْكَوَافِرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْأَثَرَ، فَعِنْدَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْمُسْلِمَةَ مَعَ الْكَافِرَةِ كَالْأُخْتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَنْظُرَانِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ قَولهم وَلَا نَتَكَلَّمُ بِكَلَامِهِمْ] ٢٤٩ - فَصْلٌ قَالُوا: " وَلَا نَتَكَلَّمُ بِكَلَامِهِمْ ". هَذَا الشَّرْطُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي لُغَتُهُمْ غَيْرُ لُغَةِ الْعَرَبِ كَنَصَارَى الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ إِذْ ذَاكَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْبِلَادِ دُونَ نَصَارَى الْعَرَبِ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُمْ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ، فَمَنَعَهُمْ عُمَرُ مِنَ التَّكَلُّمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا مُنِعُوا مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي زِيِّهِمْ وَلِبَاسِهِمْ وَمَرَاكِبِهِمْ وَهَيْئَاتِ شُعُورِهِمْ، فَأَلْزَمَهُمُ التَّكَلُّمَ بِلِسَانِهِمْ لِيُعْرَفُوا حِينَ التَّكَلُّمِ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ كَمَالِ التَّمَيُّزِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَلُغَتِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهَا الْأَنْجَاسُ وَالْأَخَابِثُ يَتَبَذَّلُونَهَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِهَا، كَيْفَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا أَشْرَفَ كُتُبِهِ وَمَدَحَهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ؟ !

стр. 1184

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ " «لِسَانَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» ". فَصَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا اللِّسَانَ عَنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ وَغَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ تَعْظِيمِهِ لِلْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ وَالْعَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَعَ مَا فِي تَمْكِينِهِمْ مِنَ التَّكَلُّمِ بِهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي مِنْهَا جَدَلُهُمْ فِيهَا وَاسْتِطَالَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا سَبَقَ أَنْ وَقَعَ لِابْنِ الْبَيِّعِ لَمَّا حَذِقَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَكَانَ مَجُوسِيًّا فَطَفِقَ يَغْمِصُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَمَّا خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، كَالصَّابِئِ الْكَاتِبِ الَّذِي عَلَا الْمُسْلِمِينَ فِي كِتَابَتِهِ وَتَرَسُّلِهِ ثُمَّ هَجَا الْعَرَبَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مَشْهُورَةٍ وَمَدَحَ عُبَّادَ الْكَوَاكِبِ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْمَجُوسِ. وَنَظَائِرُهُمَا كَثِيرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تَعَلُّمِ الْكُفَّارِ الْعَرَبِيَّةَ إِلَّا هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ وَحْدَهَا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعُوا مِنْهَا لِأَجْلِهَا.

стр. 1185

[فَصْلٌ قولهم وَلَا نَنْقُشُ خَوَاتِيمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ] ٢٥٠ - فَصْلٌ قَالُوا: " وَلَا نَنْقُشُ خَوَاتِيمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ ". وَهَذَا يَحْتَمِلُ أُمُورًا: أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ مَنْعَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الْكِتَابَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ بِحَالٍ حَتَّى فِي نَقْشِ الْخَوَاتِيمِ، فَلَا يَسْتَعْلُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ رُبَّمَا [تَوَصَّلُوا] بِذَلِكَ إِلَى مَفَاسِدَ يَعُودُ ضَرَرُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ فِي ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالْمُسْلِمِينَ فِي نَقْشِ خَوَاتِيمِهِمْ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يَنْقُشَ الرَّجُلُ عَلَى خَاتَمِهِ عَرَبِيًّا» .

стр. 1186

وَحَمْلُ هَذَا النَّهْيِ عَلَى نَقْشٍ مِثْلِ نَقْشِهِ، يَعْنِي: وَهُوَ الَّذِي نُقِشَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " نَهَى أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى خَاتَمِهِ لِمَا فِي الِاشْتِرَاكِ فِي ذَلِكَ النَّقْشِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ عَلَيْهِ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» " وَنَهَى أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ مِثْلَ نَقْشِهِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِي وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ: نَهَى أَنْ يَنْقُشَ عَرَبِيًّا. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، حَتَّى يُصَانَ ذَلِكَ النَّقْشُ عَنِ الْمُحَاكَاةِ، فَنَهَى عَنِ النَّقْشِ بِالْعَرَبِيَّةِ مُطْلَقًا، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا. [فَصْلٌ قَولهم وَلَا نَتَكَنَّى بِكُنَاهُمْ] ٢٥١ - فَصْلٌ قَالُوا: " وَلَا نَتَكَنَّى بِكُنَاهُمْ ". وَهَذَا لِأَنَّ الْكُنْيَةَ وُضِعَتْ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا لِلْمُكَنَّى بِهَا كَمَا قَالَ: أُكَنِّيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَهُ ... وَلَا أُلَقِّبَهُ وَالسَّوْأَةُ اللَّقَبَا وَأَيْضًا فَفِي تَكَنِّيهِمْ بِكُنَى الْمُسْلِمِينَ اشْتِبَاهٌ بِالْكُنْيَةِ، وَالْمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ حَتَّى فِي الْهَيْئَةِ وَالْمَرْكَبِ وَاللِّبَاسِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي جَوَازِ تَسَمِّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَا أَشْبَهَهَا؟

стр. 1187

قِيلَ: هَذَا مَوْضِعٌ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَنَقُولُ: الْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: [الْأَوَّلُ] : قِسْمٌ يَخْتَصُّ الْمُسْلِمِينَ. [وَالثَّانِي] : قِسْمٌ يَخْتَصُّ الْكُفَّارَ. [وَالثَّالِثُ] : قِسْمٌ مُشْتَرَكٌ. فَالْأَوَّلُ: كَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَهَذَا النَّوْعُ لَا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّسَمِّي بِهِ، وَالْمَنْعُ مِنْهُ أَوْلَى مِنَ الْمَنْعِ مِنَ التَّكَنِّي بِكِنَايَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَصِيَانَةُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عَنْ أَخَابِثِ خَلْقِ اللَّهِ أَمْرٌ جَسِيمٌ. وَالثَّانِي: كَجِرْجِسْ وَبُطْرُسْ وَيُوحَنَّا وَمَتَّى وَنَحْوِهَا، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَسَمُّوا بِذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُشَابَهَةِ فِيمَا يُخْتَصُّونَ بِهِ. وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: كَيَحْيَى وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَزَيْدٍ وَعُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ وَعَطِيَّةَ وَمَوْهُوبٍ وَسَلَامٍ وَنَحْوِهَا، فَهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَا الْمُسْلِمُونَ.

стр. 1188

فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَمْنَعُونَهُمْ مِنَ التَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَتُمَكِّنُونَهُمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كَيَحْيَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَإِبْرَاهِيمَ وَيُوسُفَ وَيَعْقُوبَ؟ قِيلَ: لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ قَدْ كَثُرَ اشْتِرَاكُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ بِخِلَافِ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ وَاسْمِ نَبِيِّنَا فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ، فَلَا يُمَكَّنُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنَ التَّسَمِّي بِهَا. وَقَدْ قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ " بَابٌ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ يُكَنَّوْنَ: أَخْبَرَنِي حَرْبٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: أَهْلُ الذِّمَّةِ يُكَنَّوْنَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لَا بَأْسَ، وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ كَنَّى. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَنَّى نَصْرَانِيًّا طَبِيبًا، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، ثُمَّ أَخْرَجَ إِلَيَّ فِيهِ بَابًا. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُكْرَهُ أَنْ يُكَنَّى غَيْرُ الْمُسْلِمِ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ

стр. 1189

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ [عَلَى] سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: " «مَا تَرَى مَا يَقُولُ أَبُو الْحُبَابِ؟» " أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: أَيُكَنَّى الذِّمِّيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُسْقُفِّ نَجْرَانَ: أَسْلِمْ يَا أَبَا الْحَارِثِ» .

стр. 1190

أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى قَالَا: ثَنَا أَبُو طَالِبٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: يُكَنِّي الرَّجُلُ أَهْلَ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: قَدْ «كَنَّى النَّبِيُّ ﷺ أُسْقُفَّ نَجْرَانَ» وَعُمَرُ ﵁ قَالَ: يَا أَبَا حَسَّانَ، إِنْ كَنَّى أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. أَخْبَرَنِي [مُحَمَّدُ] بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُهَنَّا قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: هَلْ يَصْلُحُ تَكَنِّي الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؟ فَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِنَصْرَانِيٍّ:

стр. 1191

أَسْلِمْ يَا أَبَا حَسَّانَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ. قُلْتُ: وَمَدَارُ هَذَا الْبَابِ وَغَيْرُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي كُنْيَتِهِ تَمْكِينُهُ مِنَ اللِّبَاسِ وَتَرْكِ الْغِيَارِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لَهُ وَرَجَاءَ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ غَيْرِهِ كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى كَمَا يُعْطِيهِ مِنْ مَالِ اللَّهِ لِتَأَلُّفِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَتَأَلُّفُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى، وَقَدْ ذَكَرَ وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: " سَلَامٌ عَلَيْكَ ". وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي تَأْلِيفِهِمُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِكُلِّ طَرِيقٍ تَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ، وَعَلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنَ الْغِيَارِ وَغَيْرِهِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ. وَلِهَذَا لَمْ يُغَيِّرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَغَيَّرَهُمْ عُمَرُ ﵁، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِأُسْقُفِّ

стр. 1192

نَجْرَانَ: «أَسْلِمْ يَا أَبَا الْحَارِثِ» . تَأْلِيفًا لَهُ وَاسْتِدْعَاءً لِإِسْلَامِهِ لَا تَعْظِيمًا لَهُ وَتَوْقِيرًا. [فَصْلٌ خِطَابُ الْكِتَابِيِّ بِسَيِّدِي وَمَوْلَايَ] ٢٥٢ - فَصْلٌ [خِطَابُ الْكِتَابِيِّ بِسَيِّدِي وَمَوْلَايَ] . وَأَمَّا أَنْ يُخَاطَبَ بِسَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَحَرَامٌ قَطْعًا. وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: " «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدَنَا، فَإِنْ يَكُنْ سَيِّدَكُمْ فَقَدْ أَغْضَبْتُمْ رَبَّكُمْ» ".

стр. 1193

وَأَمَّا تَلْقِيبُهُمْ بِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَعَضُدِ الدَّوْلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى سَدِيدًا وَلَا رَشِيدًا وَلَا مُؤَيَّدًا وَلَا صَالِحًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَمَنْ تَسَمَّى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدْعُوَهُ بِهِ، بَلْ إِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا قَالَ: يَا مَسِيحِيُّ يَا صَلِيبِيُّ، وَيُقَالُ لِلْيَهُودِيِّ: يَا إِسْرَائِيلِيُّ يَا يَهُودِيُّ. وَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ وُفِّقْنَا إِلَى زَمَانٍ يُصَدَّرُونَ فِي الْمَجَالِسِ، وَيُقَامُ لَهُمْ، وَتُقَبَّلُ أَيْدِيهِمْ، وَيَتَحَكَّمُونَ فِي أَرْزَاقِ الْجُنْدِ وَالْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَيُكَنَّوْنَ بِأَبِي الْعَلَاءِ وَأَبِي الْفَضْلِ وَأَبِي الطَّيِّبِ، وَيُسَمَّوْنَ حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَقَدْ كَانَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ يُوحَنَّا وَمَتَّى وَحُنَيْنًا وَجِرْجِسْ وَبُطْرُسْ وَمَارْ جِرْجِسْ وَمَارْقُسْ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَسْمَاءُ الْيَهُودِ عِزْرَا وَأَشْعَيَا وَيُوشَعَ وَحِزْقِيلَ وَإِسْرَائِيلَ وَسُعَيْجٌ وَحُيَيٌّ وَمِشْكَمٌ وَمُرْقُسْ وَسَمَوْأَلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلِكُلِّ زَمَانٍ دَوْلَةٌ وَرِجَالٌ.

стр. 1194

[فَصْلٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَيْهِمْ] ٢٥٣ - فَصْلٌ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَيْهِمْ. قَالَ الْخَلَّالُ: بَابٌ كَيْفَ عُنْوَانُ الْكِتَابِ وَكَيْفَ يُصَدَّرُ إِلَيْهِمْ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ يَكْتُبُ الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي كَيْفَ أَقُولُ السَّاعَةَ، ثُمَّ عَاوَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ قَالَ: عَمَّنْ هُوَ؟ قُلْتُ: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: نَعَمْ؛ يَكْتُبُ «السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» .

стр. 1195

وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ أَكْتُبُ إِلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَوْ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى؟ قَالَ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ [اتَّبَعَ] الْهُدَى يُذِلُّهُ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لَهُ يُكْتَبُ إِلَى النَّصْرَانِيِّ: أَبْقَاكَ اللَّهُ وَحَفِظَكَ وَوَفَّقَكَ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِإِسْحَاقَ: الرَّجُلُ يَقُولُ لِلْمُشْرِكِ: إِنَّهُ رَجُلٌ عَاقِلٌ، قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ عُقُولٌ. وَذَكَرَ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ [إِبْرَاهِيمَ وَ] مُجَاهِدًا: كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ فَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: سَلَامٌ عَلَيْكَ.
следующие страницы →