Полный текст (1 326 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْقَبَالَاتُ حَرَامٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ الْقَبَالَاتُ رِبًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَى هَذِهِ الْقَبَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا أَنْ يَتَقَبَّلَ الرَّجُلُ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ وَالزَّرْعَ النَّابِتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْصِدَ وَيُدْرِكَ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ فِي حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
стр. 177
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِي الْقَرْيَةَ فَيَتَقَبَّلُهَا وَفِيهَا النَّخْلُ وَالشَّجَرُ وَالزَّرْعُ وَالْعُلُوجُ فَقَالَ: لَا يَتَقَبَّلُهَا فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا أَصْلُ كَرَاهَةِ هَذَا أَنَّهُ بَيْعُ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَلَمْ يُخْلَقْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ.
فَأَمَّا الْمُعَامَلَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ فَلَيْسَا مِنَ الْقَبَالَاتِ وَلَا يَدْخُلَانِ فِيهَا، وَقَدْ رُخِّصَ فِي هَذَيْنِ وَلَا نَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الْقَبَالَاتِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَعَلُوا كِرَاءَ الشَّجَرِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا: لَيْسَتْ إِجَارَةُ الشَّجَرِ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ إِجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا وَيَزْرَعُهَا لِيَسْتَغِلَّهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ شَيْخُنَا وَأَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ.
стр. 178
وَقَدْ فَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ ابْنِهِ صَالِحٍ، أَنَّهُ قَبِلَ حَدِيقَةَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَضَى بِهِ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَى عُمَرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ شُهْرَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا إِقْرَارِيًّا فَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَخْذُ أَبِي عُبَيْدٍ بِحَدِيثِ مُجَالِدٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ السُّكُوتُ عَنْ جَرِيبِ الشَّجَرِ لَمْ يَذْكُرْهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَتَرْكُهُ حَدِيثَ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ وَقَدْ حَفِظَ الثَّقَفِيُّ مَا لَمْ يَحْفَظِ الشَّعْبِيُّ وَأَنَّهُ جَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرِ النَّخْلَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَ الْقِصَّةَ وَمَيَّزَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ وَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَهَذَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ قَدْ وَضَعَا عَلَى الشَّجَرِ أُجْرَةً لَازِمَةً مُؤَبَّدَةً، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْفُقَهَاءُ مِنْ بَعْدِهِ بِأَنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةٌ.
قَالَ: وَمَعْنَى الْخَرَاجِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنَّمَا هُوَ الْكِرَاءُ وَالْغَلَّةُ، أَلَا تَرَاهُمْ يُسَمُّونَ غَلَّةَ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالْمَمْلُوكِ خَرَاجًا.
стр. 179
وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَنَّهُ قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» ".
стр. 180
وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ الْآخَرُ أَنَّهُ احْتَجَمَ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
فَسَمَّى الْغَلَّةَ خَرَاجًا فَأَرْضُ الْعَنْوَةِ يُؤَدِّي أَهْلُهَا إِلَى الْإِمَامِ الْخَرَاجَ كَمَا يُؤَدِّي مُسْتَأْجِرُ الْأَرْضِ وَالدَّارِ كِرَاءَهَا إِلَى رَبِّهَا الَّذِي يَمْلِكُهَا، وَيَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَا زَرَعَ وَغَرَسَ فِيهَا.
وَلَمَّا عَلِمَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ وَضْعَ الْخَرَاجِ عَلَى جَرِيبِ الشَّجَرِ إِجَارَةٌ لَهُ قَالَ: أَرَى حَدِيثَ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ هُوَ الْمَحْفُوظَ، وَقَامَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَعَدَ فِي فِعْلِ عُمَرَ ﵁ هَذَا، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَهِيَ الْقَبَالَةُ الْمَكْرُوهَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ أَصَحُّ وَأَصْرَحُ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْبِيلُ حَدِيقَةَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَمَعَهُ الْقِيَاسُ وَمَصْلَحَةُ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْقِيَاسِ بَيْنَ إِجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْبُتَ وَبَيْنَ إِجَارَةِ الشَّجَرِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى تَطْلُعَ، كِلَاهُمَا فِي الْقِيَاسِ سَوَاءٌ.
стр. 181
فَإِنْ قِيلَ: مُسْتَأْجِرُ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي يَبْذُرُهَا قِيلَ: قَدْ يَسْتَأْجِرُهَا لِمَا يَنْبُتُ فِيهَا مِنَ الْكَلَأِ، وَكَوْنُهُ يَبْذُرُهَا مِثْلَ قِيَامِهِ عَلَى الشَّجَرِ بِالسَّقْيِ وَالزِّبَارِ وَالْإِصْلَاحِ، وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِصِحَّةِ إِجَارَةِ الظِّئْرِ لِلَبَنِهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إِجَارَةِ الشَّجَرِ لِثَمَرِهَا، وَطَرَدَ هَذَا مَا جَوَّزَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ إِجَارَةِ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ لِلَبَنِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ شَيْخُنَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِجَارَةِ الشَّجَرِ لِمَنْ يَخْدِمُهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ، وَبَيْنَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَقْدَ هُنَا وَقَعَ عَلَى بَيْعِ عَيْنٍ وَفِي الْإِجَارَةِ وَقَعَ عَلَى مَنْفَعَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْعَيْنَ فَهَذَا لَا يَضُرُّ كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلزِّرَاعَةِ الْعَيْنُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَتَسَلَّمُ الشَّجَرَ فَيَخْدِمُهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا كَمَا يَتَسَلَّمُ الْأَرْضَ، وَفِي الْبَيْعِ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى الشَّجَرِ وَيَخْدِمُهَا وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الِانْتِفَاعُ بِظِلِّهَا وَلَا رُؤْيَتُهَا وَلَا نَشْرُ الثِّيَابِ عَلَيْهَا، فَأَيْنَ أَحَدُ الرَّأْيَيْنِ مِنَ الْآخَرِ؟
الثَّالِثُ: أَنَّ إِجَارَةَ الشَّجَرِ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ مَعْلُومَةٍ لِيَنْتَفِعَ بِهَا فِي سَائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، وَتَدْخُلُ الثَّمَرَةُ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ كَمَا قُلْتُمْ فِي نَفْعِ الْبِئْرِ وَلَبَنِ الظِّئْرِ أَنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَعَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ فَهَذَا لَوْنٌ وَهَذَا لَوْنٌ.
стр. 182
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الشَّجَرَ كَالْأَرْضِ، وَخِدْمَتَهُ وَالْقِيَامَ عَلَيْهِ كَشَقِّ الْأَرْضِ وَخِدْمَتِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا وَمُغَلُّ الزَّرْعِ كَمُغَلِّ الثَّمَرِ، فَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ فَهَذَا مِنْهُ.
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ مَنْ مَنَعَ الْقَبَالَةَ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بَلْ هُوَ مِنَ الْقَبَالَةِ الْفَاسِدَةِ، وَهِيَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الضَّيْعَةَ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ وَشَجَرٍ وَعُلُوجٍ وَمَا فِيهَا مِنْ إِجَارَةِ بُيُوتٍ أَوْ حَوَانِيتَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَتَقَبَّلُ الْجَمِيعَ وَيَدْفَعُ إِلَى رَبِّهَا مَالًا مَعْلُومًا، فَهَذِهِ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تَتَضَمَّنُ أَنْوَاعًا مِنَ الْمَحْذُورِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَيُسَمُّونَهَا الْكِرَاءَ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: ذَلِكَ الرِّبَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِجَارَةَ الشَّجَرِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَا يَدْخُلُهَا رِبًا، وَالَّذِي مَنَعَهَا لَمْ يَمْنَعْهَا لِأَجْلِ الرِّبَا، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ حَيْثُ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَقَبَّلُ مِنْكَ الْأُبُلَّةَ فَلَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ إِجَارَةَ الشَّجَرِ بَلْ يَتَقَبَّلُ الْبَلَدَ كُلَّهُ بِمَا فِيهِ، وَيَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالًا مَعْلُومًا فَهَذَا لَا يُجِيزُهُ أَحَدٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقَالَ: " الرَّجُلُ يَأْتِي الْقَرْيَةَ فَيَتَقَبَّلُهَا وَفِيهَا النَّخْلُ وَالزَّرْعُ وَالشَّجَرُ وَالْعُلُوجُ "، فَهَذِهِ هِيَ الْقَبَالَاتُ الْمُحَرَّمَةُ لَا الَّتِي فَعَلَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا جَمِيعُ الصَّحَابَةِ، وَلَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إِلَّا بِهَا كَمَا لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إِلَّا بِإِجَارَةِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ الْبُسْتَانُ وَفِيهِ الْأَشْجَارُ الْكَثِيرَةُ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ نَوْعٍ بِبَيْعٍ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ.
стр. 183
وَالْمُسَاقَاةُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَمْنَعُهَا كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّهَا بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ، وَمَنْ جَوَّزَهَا فِي جَمِيعِ الشَّجَرِ فَقَدْ تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْمُسَاقَاةُ فِي بُسْتَانِهِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَهُ غَرَضٌ فِي الثِّمَارِ قَدْ لَا يُحْسِنُ الْمُسَاقَاةَ، فَتَتَعَطَّلُ مَصْلَحَةُ صَاحِبِ الْبُسْتَانِ وَمَصْلَحَةُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَفِي هَذَا فَسَادٌ لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ.
وَمَصْلَحَةُ الْإِجَارَةِ أَعْظَمُ مِمَّا يُقَدَّرُ فِيهَا مِنَ الْفَسَادِ بِكَثِيرٍ، وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ بِتَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ.
وَلَمَّا كَانَتْ مَصَالِحُ النَّاسِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِذَلِكَ وَضَعَ الْمَانِعُونَ حِيَلًا لِلْجَوَازِ بِأَنْ يُؤَجِّرُوهُ بَيَاضَ الْأَرْضِ بِأَضْعَافِ أَضْعَافِ مَا تُسَاوِي، ثُمَّ يُسَاقُونَهُ عَلَى ثَمَرِ الشَّجَرِ بِأَدْنَى أَدْنَى مَا يَكُونُ فَلَا الْإِجَارَةُ مَقْصُودَةٌ لَهُمَا وَلَا الْمُسَاقَاةُ فَقَدْ دَخَلَا عَلَى عَقْدٍ لَمْ يَقْصِدْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَالَّذِي قَصَدَهُ هَذَا وَهَذَا حَرَامٌ وَالَّذِي عَقَدَا عَلَيْهِ لَمْ يَقْصِدَاهُ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَقْصُودِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي طَرِيقِ الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ أَخُو الْجِزْيَةِ وَشَقِيقُهَا.
وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْخَرَاجِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
стр. 184
الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ: " «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ دِينَارَهَا وَمُدْيَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ دِينَارَهَا وَإِرْدَبَّهَا وَعُدْتُمْ كَمَا بَدَأْتُمْ» " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَالْمَعْنَى: سَيُمْنَعُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
[فَصْلٌ قَدْرُ الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْأَرْضِ]
٤٤ - فَصْلٌ
[قَدْرُ الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْأَرْضِ]
فَأَمَّا قَدْرُ الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ فَمُعْتَبَرٌ بِمَا تَحْمِلُهُ الْأَرْضُ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁:
стр. 185
" وَضَعَ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ كَذَا، وَعَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ كَذَا " أَهُوَ شَيْءٌ مُوَظَّفٌ عَلَى النَّاسِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ أَوْ إِنْ رَأَى الْإِمَامُ غَيْرَ هَذَا زَادَ وَنَقَصَ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ إِنْ شَاءَ زَادَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ شَاءَ نَقَصَ.
وَقَالَ: هُوَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: " إِنْ زِدْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا لَا يُجْهِدُهُمْ " إِنَّمَا نَظَرَ عُمَرُ ﵁ إِلَى مَا تُطِيقُ الْأَرْضُ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَيْسَ بِمَوْقُوفٍ عَلَى تَقْدِيرِ عُمَرَ ﵁.
وَنَقَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: وَالْإِمَامُ يُقِرُّهُ فِي أَيْدِيهِمْ مُقَاسَمَةً عَلَى النِّصْفِ، وَأَقَلَّ إِذَا رَضِيَ بِذَلِكَ الْأَكَرَةُ يُحَمِّلُهُمْ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُونَ.
وَنَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْهَرَهُ عَلَى مَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْقُصَ وَلَهُ أَنْ
стр. 186
يَزِيدَ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: وَوَضَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ ﵁ يَعْنِي السَّوَادَ - الْخَرَاجَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقَصَبِ وَالزَّيْتُونِ وَالنَّخْلِ أَشْيَاءَ مُوَظَّفَةً يُؤَدُّونَهَا.
وَقَالَ: خَرَاجُ السَّوَادِ - عَلَى حَدِيثِ الْحَكَمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ - قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ.
قَالَ الْخَلَّالُ فِي " جَامِعِهِ ": أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنْ لِلْإِمَامِ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ؛ فَيَزِيدُ عَلَيْهِمْ وَيَنْقُصُ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَمَا قَالَهُ عَبَّاسٌ الْخَلَّالُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ قَوْلٌ أَوَّلُ لَهُ، انْتَهَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ، فَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَأَتَاهُ ابْنُ حُنَيْفٍ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ لَهُ: تَاللَّهِ لَئِنْ وَضَعْتَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنَ الْأَرْضِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا لَا يُجْهِدُهَا.
وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا، وَعَلَى جَرِيبِ الرُّطَبَةِ
стр. 187
خَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إِلَى السَّوَادِ، فَوَضَعَ عَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى جَرِيبِ الرُّطَبَةِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةً، وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةً، وَعَلَى جَرِيبِ الزَّيْتُونِ اثْنَيْ عَشَرَ.
هَذَا مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَعْلَى وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَنْ عُمَرَ ﵁ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ شَرْعًا بِحَيْثُ لَا تَجُوزُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَلَا النُّقْصَانُ بَلْ هُوَ بِاعْتِبَارِ الطَّاقَةِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْخَرَاجِ مُرَاعًى فِي كُلِّ أَرْضٍ بِحَسَبِ مَا تَحْتَمِلُهُ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ مِنْ جِهَةِ جَوْدَةِ الْأَرْضِ وَرَدَاءَتِهَا وَمِنْ جِهَةِ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ، فَإِنَّ مِنْهُ مَا تَكْثُرُ قِيمَتُهُ وَمِنْهُ مَا تَقِلُّ وَمِنْ جِهَةِ خِفَّةِ مَئُونَةِ السَّقْيِ وَكَثْرَتِهَا، فَإِنَّ مِنْهَا مَا يَشْرَبُ بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ، وَمِنْهَا مَا يَشْرَبُ بِالْأَمْطَارِ وَالْأَنْهَارِ فَلَا بُدَّ لِوَاضِعِ الْخَرَاجِ مِنِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، لِيَعْلَمَ قَدْرَ مَا
стр. 188
تَحْتَمِلُهُ الْأَرْضُ، فَيَقْصِدَ الْعِدْلَ فِي وَضْعِهِ، فَلَا يُجْحِفَ بِأَرْبَابِهَا وَلَا بِمُسْتَحِقِّي الْخَرَاجِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ لِأَرْبَابِ الْأَرْضِ بَقِيَّةً يَجْبُرُونَ بِهَا النَّوَائِبَ وَالْجَوَائِحَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَرْصِ الثِّمَارِ فِي الزَّكَاةِ أَنْ يُتْرَكَ لِأَهْلِ النَّخْلِ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبُعُ.
стр. 189
وَقَالَ: " «إِنَّ فِي الْمَالِ السَّابِلَةَ وَالْعَرِيَّةَ وَالْوَاطِئَةَ» ".
[فَصْلٌ الْخَرَاجُ يُوضَعُ عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى الزَّرْعِ]
٤٥ - فَصْلٌ
[الْخَرَاجُ يُوضَعُ عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى الزَّرْعِ]
وَوَضْعُ الْخَرَاجِ ضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُوضَعَ عَلَى الزَّرْعِ.
فَإِنْ وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ اعْتُبِرَ حَوْلُهُ بِالسَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ دُونَ الشَّمْسِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي تُعْتَبَرُ بِهَا الْآجَالُ شَرْعًا؛ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ وَالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا.
وَإِنْ وُضِعَ عَلَى الزَّرْعِ؛ فَإِنْ جَعَلَهُ مُقَاسَمَةً كَانَ مُعْتَبَرًا بِكَمَالِ الزَّرْعِ وَتَصْفِيَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَامَهُ وَأَجَلَهُ.
وَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى مِكْيَلَتِهِ وَأَخَذَ عَلَى كُلِّ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ دِرْهَمًا أَوْ نَحْوَهُ اعْتُبِرَ أَيْضًا بِكَمَالِ الزَّرْعِ، وَوَضْعُهُ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ أَحْوَطُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُفَرِّطُ
стр. 190
فِي زَرْعِهَا فَيَتَعَطَّلُ خَرَاجُهَا، وَإِذَا وُضِعَ تَأَبَّدَ مَا بَقِيَتِ الْأَرْضُ عَلَى حَالِهَا مِنْ شُرْبِهَا وَقَبُولِهَا لِلزَّرْعِ، فَإِنْ تَعَطَّلَتْ وَبَارَتْ أَوِ انْقَطَعَ شُرْبُهَا فَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَهْلِهَا وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى إِصْلَاحِهَا فَهَذَا لَا يُسْقِطُ الْخَرَاجَ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ فَإِذَا عَطَّلَ الْمُسْتَأْجِرُ الِانْتِفَاعَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْأُجْرَةُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ لَا صُنْعَ لَهُمْ فِيهِ كَانْقِطَاعِ الْمِيَاهِ وَإِجْلَاءِ الْعَدُوِّ لَهُمْ عَنْ أَرْضِهِمْ، وَجَوْرٍ لَحِقَهُمْ مِنَ الْعُمَّالِ لَمْ تُمْكِنْهُمُ الْإِقَامَةُ عَلَيْهِ، وَتَخَرُّبِ الْأَرْضِ بِالْأَمْطَارِ وَالسُّيُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يُسْقِطُ الْخَرَاجَ عَنْهُمْ حَتَّى تَعُودَ الْأَرْضُ كَمَا كَانَتْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا.
وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَعْمُرَ الْأَرْضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَلَا يَجُوزُ إِلْزَامُهُمْ بِعِمَارَتِهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ سَأَلَهُمْ أَنْ يَعْمُرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَيَعْتَدَّ لَهُمْ بِمَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجِهَا فَرَضُوا بِذَلِكَ جَازَ وَلَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْمَصَالِحِ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ بِهِمْ عِمَارَتُهُمْ بِالْخَرَاجِ، وَفِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ وَلِأَصْحَابِ الْفَيْءِ فَهَذَا يَسُوغُ لَهُ إِلْزَامُهُمْ بِهِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ بَارَتْ لِصَيْدٍ أَوْ مَرْعًى جَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عَلَيْهَا خَرَاجًا بِحَسَبِ مَا تَحْتَمِلُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا خَرَاجُ الْأَرْضِ الْعَامِرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَ عَلَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا تُزْرَعُ
стр. 191
خَرَاجًا يَكُونُ عَلَى مَصَايِدِهَا وَمَرَاعِيهَا؟
قِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ وَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ؟ !
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الصَّيْدِ فِي أَجَمَةِ قُطْرَبُّلَ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَمْنَعُونَنَا أَنْ نَصِيدَ فِيهَا حَتَّى نُعْطِيَهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِلسَّائِلِ: احْرِصْ عَلَى أَلَّا تُعْطِيَهُمْ شَيْئًا فَإِنْ شَارَطْتَهُمْ لَا تَخُنْهُمْ.
[فَصْلٌ فِي زِيَادَةِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ زِيَادَةً عَارِضَةً]
٤٦ - فَصْلٌ
[فِي زِيَادَةِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ زِيَادَةً عَارِضَةً]
فَإِنْ زَادَتْ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ زِيَادَةً عَارِضَةً لَا يُوثَقُ بِدَوَامِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ
стр. 192
يَزِيدَ فِي خَرَاجِهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ وَثِقَ بِدَوَامِ ذَلِكَ رَاعَى الْمَصْلَحَةَ لِأَرْبَابِ الْأَرْضِ وَأَرْبَابِ الْفَيْءِ، وَاعْتَمَدَ فِي الزِّيَادَةِ مَا يَكُونُ عَدْلًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
[فَصْلٌ الْأَرْضُ الَّتِي يُمْكِنُ زَرْعُهَا خَرَاجُهَا وَاجِبٌ]
٤٧ - فَصْلٌ
[الْأَرْضُ الَّتِي يُمْكِنُ زَرْعُهَا خَرَاجُهَا وَاجِبٌ]
وَخَرَاجُ الْأَرْضِ إِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهَا وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ فِي يَدِهِ أَرْضٌ مِنَ الْخَرَاجِ لَمْ يَزْرَعْهَا يَكُونُ عَلَيْهِ خَرَاجُهَا؟ قَالَ: نَعَمِ، الْعَامِرُ وَالْغَامِرُ، وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ مَا أَخَلَّ بِزَرْعِهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّرْعِ أُخِذَ مِنْهُ فِيمَا آجَلَ بِزَرْعِهِ خَرَاجُ أَقَلِّ مَا يَزْرَعُ فِيهَا ; لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى زَرْعِهِ لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ.
وَلَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْخَرَاجِ لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا فِي كُلِّ عَامٍ بَلْ تُرَاحُ فِي عَامٍ أَوْ تُزْرَعُ عَامًا دُونَ عَامٍ، رُوعِيَ حَالُهَا فِي ابْتِدَاءِ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا، وَاعْتُبِرَ الْعَدْلُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَأَهْلِ الْفَيْءِ فِي خَصْلَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ:
[الْأُولَى:] إِمَّا أَنْ يَجْعَلَ خَرَاجَهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ خَرَاجِ مَا يُزْرَعُ فِي كُلِّ عَامٍ.
стр. 193
[الثَّانِيَةُ:] وَإِمَّا أَنْ يَمْسَحَ كُلَّ جَرِيبَيْنِ مِنْهَا بِجَرِيبٍ لِيَكُونَ أَحَدُهُمَا لِلْمَزْرُوعِ وَالْآخَرُ لِلْمَتْرُوكِ.
[الثَّالِثَةُ:] وَإِمَّا أَنْ يَضَعَهُ بِكَمَالِهِ عَلَى مِسَاحَةِ الْمَتْرُوكِ وَالْمَزْرُوعِ، وَيَسْتَوْفِيَ عَلَى أَرْبَابِهِ الشَّطْرَ مِنْ مِسَاحَةِ أَرْضِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ خَرَاجُ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ، فَزَرْعُ أَوْ غَرْسُ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، اعْتُبِرَ خَرَاجُهُ بِأَقْرَبِ الْمَنْصُوصَاتِ شَبَهًا بِهِ.
[فَصْلٌ فِي نَقْلِ أَرْضِ الْخَرَاجِ إِلَى الْعُشْرِ]
٤٨ - فَصْلٌ
[فِي نَقْلِ أَرْضِ الْخَرَاجِ إِلَى الْعُشْرِ]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُلَ أَرْضَ الْخَرَاجِ إِلَى الْعُشْرِ، وَيُعَطِّلَ خَرَاجَهَا وَلَا أَرْضَ الْعُشْرِ إِلَى الْخَرَاجِ وَيُعَطِّلَ عُشْرَهَا، بَلْ إِذَا كَانَتْ خَرَاجِيَّةً وَزُرِعَتْ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ اجْتَمَعَا فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا سُقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ أَرْضُ عُشْرٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا عُشْرًا، وَإِذَا سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَرْضُ خَرَاجٍ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا خَرَاجًا اعْتِبَارًا بِالْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْمَاءِ فَيُؤْخَذُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ الْخَرَاجُ وَبِمَاءِ الْعُشْرِ الْعُشْرُ، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْمَاءَ مَادَّةُ الزَّرْعِ وَالْأَرْضَ وِعَاءٌ لَهُ، فَهُوَ مُسْتَوْدَعٌ فِيهَا كَمَا لَوْ وَطِئَ رَجُلٌ أَمَةَ غَيْرِهِ بِرِيبَةٍ فَأَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ لِلْوَاطِئِ دُونَ مَالِكِ الْأَمَةِ، وَاعْتِبَارُ الْأَرْضِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ مَأْخُوذٌ عَنِ الْأَرْضِ لَا عَنِ الْمَاءِ وَالزَّرْعِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ، نَحْوَ مَنْ أَخَذَ التُّرَابَ وَالْهَوَاءَ الْمُخْتَصَّ
стр. 194
بِهَا وَالْبَذْرَ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ يَخْتَصُّ الْأَرْضَ، وَالْمَاءُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوَطْءِ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِأَنَّهَا أَمَةُ الْغَيْرِ كَانَ الْوَلَدُ لِمَالِكِ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْوَاطِئِ لِلسَّرِيَّةِ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ اعْتِقَادَ الْوَاطِئِ شَرْطًا وَلَوْ نَزَا فَحْلٌ عَلَى رَمَكَةٍ فَأَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الرَّمَكَةِ دُونَ صَاحِبِ الْفَحْلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَيْضًا فَالْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ وَلَا عُشْرٌ فَلَا يُعْتَبَرُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ صَاحِبَ الْخَرَاجِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَمَنَعَ صَاحِبَ الْعُشْرِ أَنْ يَسْقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَحْمَدُ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِأَيِّ الْمَاءَيْنِ شَاءَ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: الْخَرَاجُ مِثْلُ الْجِزْيَةِ عَلَى الرَّقَبَةِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِنَّمَا هُوَ جِزْيَةُ رَقَبَةِ الْأَرْضِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى رَقَبَةٍ فَالِاعْتِبَارُ بِهَا دُونَ الْمَاءِ الَّذِي لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهِ خَرَاجٌ.
[فَصْلٌ الْبِنَاءُ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ هَلْ يُسْقِطُ الْخَرَاجَ عَنْهَا]
٤٩ - فَصْلٌ
[الْبِنَاءُ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ هَلْ يُسْقِطُ الْخَرَاجَ عَنْهَا]
وَإِذَا بَنَى فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ دُورًا وَحَوَانِيتَ كَانَ خَرَاجُهَا مُسْتَحِقًّا عَلَيْهِ؛ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ،
стр. 195
فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ، وَقَدْ سَأَلَهُ: تَرَى أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ عَمَّا فِي يَدِهِ مِنْ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ عَلَى مَا وَظَّفَ عُمَرُ ﵁ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ؟ فَقَالَ: مَا أَجْوَدَ هَذَا، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُعْطِي عَنْ دَارِكَ الْخَرَاجَ فَتَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ بَغْدَادَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ الْخَرَاجَ، فَلَمَّا بُنِيَتْ مَسَاكِنَ رَاعَى أَحْمَدُ حَالَهَا الْأُولَى الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ عَهْدِ عُمَرَ ﵁ إِلَى أَنْ صَارَتْ دُورًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ بِنَائِهِ فِي مُقَامِهِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِزَارِعِهَا [وَفَلَّاحِهَا] عَفْوٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ فِيهَا إِلَّا بِمَسْكَنٍ يَسْكُنُهُ، وَمَا بَنَاهُ لِلْكِرَاءِ وَالتَّوْسِعَةِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فَعَلَيْهِ خَرَاجُهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَهُوَ غَيْرُ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ احْتِيَاطًا وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَهْلَ بَغْدَادَ عَامَّةً، بَلْ عَدَّ مِنْ جُمْلَةِ وَرَعِهِ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ الْخَرَاجَ عَنْ دَارِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَغَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا كَانَ أَحْمَدُ يُلْزِمُ بِهِ النَّاسَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَى الْمَسَاكِنِ.
стр. 196
[فَصْلٌ خَرَاجُ الْأَرْضِ الَّتِي تَمَّ تَأْجِيرُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ]
- فَصْلٌ
[خَرَاجُ الْأَرْضِ الَّتِي تَمَّ تَأْجِيرُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ]
وَإِذَا أَجَّرَ أَرْضَ الْخَرَاجِ أَوْ أَعَارَهَا فَخَرَاجُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَالْمُعِيرِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ فِي أَرْضِ السَّوَادِ يَتَقَبَّلُهَا الرَّجُلُ: يُؤَدِّي وَظِيفَةَ عُمَرَ وَيُؤَدِّي الْعُشْرَ بَعْدَ وَظِيفَةِ عُمَرَ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي الْعُشْرَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَفْصٍ فَقَالَ: بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا كَانَ الْخَرَاجُ وَالْعُشْرُ جَمِيعًا عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِ الْأَرْضِ، ثُمَّ سَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ رِوَايَةَ أَبِي الصَّقْرِ الْمُتَقَدِّمَةَ.
وَقَدْ يُحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخَرَاجَ مِنْ تَمَامِ تُرْبَةِ الْأَرْضِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّقْيِ وَالْحَرْثِ وَتَهْيِئَتِهَا لِلزِّرَاعَةِ بِمَا يَصْلُحُ لَهَا.
وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُؤَجِّرِ وَمَا يَأْخُذُهُ
стр. 197
مِنَ الْأُجْرَةِ عِوَضٌ عَنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَلَا يَكُونُ النَّفْعُ لَهُ وَالْخَرَاجُ عَلَى غَيْرِهِ، فَانْتِفَاعُهُ بِالْأَرْضِ تَارَةً يَكُونُ بِنَفْسِهِ وَتَارَةً يَكُونُ بِنِيَابَتِهِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ نَائِبٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِيرُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ مَجَّانًا، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِنْدَ أَبِي حَفْصٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ فِي " رِعَايَتِهِ " بَعْدَ أَقْوَالٍ فَقَالَ: وَخَرَاجُ الْعَنْوَةِ عَلَى رَبِّهَا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَعَنْهُ: بَلْ مُسْتَأْجِرِهَا وَمُسْتَعِيرِهَا، وَقِيلَ: بَلْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمُسْتَعِيرِ وَقِيلَ عَكْسُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعِنْدِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ لَا يَقْتَضِي مَا قَالَ أَبُو حَفْصٍ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَصَّ عَلَى رَجُلٍ تَقَبَّلَ أَرْضًا مِنَ السُّلْطَانِ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ بِالْخَرَاجِ وَجَعَلَ ذَلِكَ أُجْرَتَهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ السُّلْطَانِ بِأُجْرَةٍ بَلْ كَانَتْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِذَا كَانَتْ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ فَأَجَّرَهَا فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ بِأُجْرَةٍ هِيَ الْخَرَاجُ [وَهِيَ فِي يَدِ الثَّانِي بِأُجْرَةٍ عَنِ الْخَرَاجِ] .
[فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ عَامِلِ الصَّدَقَةِ وَرَبِّ الْأَرْضِ]
٥١ - فَصْلٌ
[فِي اخْتِلَافِ عَامِلِ الصَّدَقَةِ وَرَبِّ الْأَرْضِ]
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْأَرْضِ فِي حُكْمِهَا، فَادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهَا
стр. 198
أَرْضُ خَرَاجٍ وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ، وَقَوْلُهُمَا مُمْكِنٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ دُونَ الْعَامِلِ، فَإِنِ اتُّهِمَ اسْتُحْلِفَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى الشَّوَاهِدِ الدِّيوَانِيَّةِ السُّلْطَانِيَّةِ إِذَا عَلِمَ صِحَّتَهَا وَوَثِقَ بِكِتَابَتِهَا وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهَا تُهْمَةٌ.
[فَصْلٌ ادِّعَاءُ رَبِّ الْأَرْضِ دَفْعَ الْخَرَاجِ]
٥٢ - فَصْلٌ
[ادِّعَاءُ رَبِّ الْأَرْضِ دَفْعَ الْخَرَاجِ]
وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْأَرْضِ دَفْعَ الْخَرَاجِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَوِ ادَّعَى دَفْعَ الزَّكَاةِ وَيُعَرِّفُهَا بِنَفْسِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَهِيَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَقَوْلُ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَهُوَ حَقٌّ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الدُّيُونِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ.
[فَصْلٌ فِيمَنْ أَعْسَرَ بِالْخَرَاجِ]
٥٣ - فَصْلٌ
[فِيمَنْ أَعْسَرَ بِالْخَرَاجِ]
وَمَنْ أَعْسَرَ بِالْخَرَاجِ أُنْظِرَ بِهِ إِلَى يَسَارِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ بِالْإِعْسَارِ، وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْجِزْيَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلَمْ تَسْتَقِرَّ فِي ذِمَّتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ، فَهِيَ كَالزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ.
стр. 199
وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَهُوَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ فَيَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ كَأُجْرَةِ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَلِهَذَا لَمَّا ضَرَبَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُرَاعِ فِيهِ فَقِيرًا مِنْ غَنِيٍّ.
[فَصْلٌ فِيمَنْ مَاطَلَ بِالْخَرَاجِ]
٥٤ - فَصْلٌ
[فِيمَنْ مَاطَلَ بِالْخَرَاجِ]
وَإِذَا مَطَلَ بِالْخَرَاجِ مَعَ يَسَارِهِ حُبِسَ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَطْلِ رَغْمَ الْحَبْسِ ضُرِبَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ ضُرِبَ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ بِيعَ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مَا لَا يُضِرُّ بِهِ، فَلَا تُبَاعُ ثِيَابُهُ وَلَا بَقَرُهُ وَلَا مَسْكَنُهُ وَلَا آلَاتُ الْحَرْثِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ وَكَانَ فِي بَيْعِ بَعْضِهَا مَا يُؤَدِّي عَنْهُ خَرَاجَهُ وَلَا يُضِرُّ بِهِ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ أَوْ أَجْرِهِ وَقُبِضَ أُجْرَتُهُ عِوَضًا عَنِ الْخَرَاجِ وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ بَيْعُهَا لَمْ يُبَعْ وَأُنْظِرَ إِلَى الْمَيْسَرَةِ.
[فَصْلٌ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِ الْخَرَاجِ]
٥٥ - فَصْلٌ
[فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِ الْخَرَاجِ]
وَإِذَا عَجَزَ رَبُّ الْأَرْضِ عَنْ عِمَارَتِهَا قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُؤَجِّرَهَا وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَكَ عَنْهَا لِتَدْفَعَ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِعِمَارَتِهَا، وَلَمْ تُتْرَكْ عَلَى خَرَابِهَا، وَإِنْ دَفَعَ خَرَاجَهَا [لِئَلَّا تَصِيرَ بِالْخَرَابِ مَوَاتًا] أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: " مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ الْأَرْضِ فَإِنْ تَرَكَ
стр. 200
أَرْضَهُ فَلَمْ يُعَمِّرْهَا فَذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ يَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يُعَمِّرُهَا لَا تُخَرَّبُ، تَصِيرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
فَقَدْ مُنِعَ مِنْ تَرْكِ عِمَارَةِ أَرْضِ الْخَرَاجِ عَلَى وَجْهِ الْخَرَابِ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ بِالْخَرَابِ فِي حُكْمِ الْمَوَاتِ فَيَتَضَرَّرُ أَهْلُ الْفَيْءِ وَغَيْرُهُمْ بِتَعْطِيلِهَا وَإِنْ أُدِّيَ عَنْهَا الْخَرَاجُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ تَرَكَهَا لَمْ يُطَالَبْ بِعِمَارَتِهَا: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ فِي رَجُلٍ أَحْيَا أَرْضَ الْمَوَاتِ، فَيَحْفِرُ فِيهَا بِئْرًا أَوْ يَسُوقُ إِلَيْهَا مَاءً أَوْ يُحِيطُ عَلَيْهَا حَائِطًا ثُمَّ يَتْرُكُهَا، قَالَ: هِيَ لَهُ، قِيلَ لَهُ: فَهَلْ فِي ذَلِكَ وَقْتٌ إِذَا تَرَكَهَا؟ قَالَ: لَا.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ: إِذَا أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً وَزَرَعَهَا ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى عَادَتْ خَرَابًا فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّهُ بِإِحْيَائِهَا قَدْ مَلَكَهَا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَبَيْنَ تَرْكِهِ، وَغَايَتُهَا أَنْ تَعُودَ مَوَاتًا كَمَا كَانَتْ، وَأَمَّا أَرْضُ الْخَرَاجِ فَهِيَ مِلْكٌ لِأَصْحَابِ الْفَيْءِ، فَلَيْسَ لَهُ تَعْرِيضُهَا لِلْخَرَابِ وَتَعْطِيلُهَا عَلَيْهِمْ.
[فَصْلٌ فِي الْأَرْضِ الَّتِي لَا يَنَالُهَا الْمَاءُ]
٥٦ - فَصْلٌ
[فِي الْأَرْضِ الَّتِي لَا يَنَالُهَا الْمَاءُ]
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِنَ الْأَرْضِ هَلْ يُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجٌ أَمْ لَا، وَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
стр. 201
وَوَجْهُ الْوَضْعِ أَنَّ مَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ فَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا يَنَالُهُ الْمَاءُ.
وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَهُوَ كَالْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْجِزْيَةِ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي الْمَوَاتِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ هَلْ يُوضَعُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ نَصَّ فِي إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُحْيِيَهُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ أَوْ غَيْرُهُ أُخِذَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا.
[فَصْلٌ مَنْ أَحَقُّ بِالْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ]
٥٧ - فَصْلٌ
[مَنْ أَحَقُّ بِالْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ]
وَمَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالْخَرَاجِ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ، وَيَرِثُهَا وَارِثُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ بِيَدِ الْمَوْرُوثِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَزْعُهَا مِنْ يَدِهِ وَدَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَ هُوَ عَنْهَا أَوِ اشْتَرَاهَا غَيْرُهُ صَارَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا.
[فَصْلٌ فِيمَنْ ظُلِمَ فِي أَرْضِهِ الْخَرَاجِيَّةِ]
٥٨ - فَصْلٌ
[فِيمَنْ ظُلِمَ فِي أَرْضِهِ الْخَرَاجِيَّةِ]
وَمَنْ ظُلِمَ فِي خَرَاجِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَ بِالْقَدْرِ الَّذِي ظُلِمَ فِيهِ مِنَ الْعُشْرِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
إِحْدَاهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ سُرِقَ مَتَاعُهُ لَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهَذَا أَمْرُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ: يَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ،
стр. 202
فَهَذَا لِلْمَسَاكِينِ وَهَذَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَ بِهِ لِأَنَّهُمَا يَجِبَانِ فِي الْأَرْضِ بِسَبَبِ الْمُغَلِّ، فَإِذَا تَعَدَّى عَلَيْهِ الْعَامِلُ وَجَبَ فِيهِ التَّقْدِيرُ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ رِبْحِ الْآخَرِ.
[فَصْلٌ لِلْإِمَامِ إِسْقَاطُ الْخَرَاجِ وَتَرْكُهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
٥٩ - فَصْلٌ
[لِلْإِمَامِ إِسْقَاطُ الْخَرَاجِ وَتَرْكُهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
وَلِلْإِمَامِ تَرْكُ الْخَرَاجِ وَإِسْقَاطُهُ عَنْ بَعْضِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَتَخْفِيفُهُ عَنْهُ بِحَسَبِ النَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجِزْيَةَ الْمَقْصُودُ بِهَا إِذْلَالُ الْكَافِرِ وَصَغَارُهُ، وَهِيَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ دَمِهِ وَلَمْ يُمَكِّنْهُ اللَّهُ مِنَ الْإِقَامَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِالْجِزْيَةِ إِعْزَازًا لِلْإِسْلَامِ وَإِذْلَالًا لِلْكُفْرِ.
وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَهُوَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ وَحَقٌّ مِنْ حُقُوقِهَا، وَإِنَّمَا وُضِعَ بِالِاجْتِهَادِ فَإِسْقَاطُهُ كُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ إِسْقَاطِ الْإِمَامِ أُجْرَةَ الدَّارِ وَالْحَانُوتِ عَنِ الْمُكْتَرِي.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ أَرْضِ مَكَّةَ]
٦٠ - فَصْلٌ
[فِي أَحْكَامِ أَرْضِ مَكَّةَ]
وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَزَارِعِ مَكَّةَ وَإِنْ فُتِحَتْ عَنْوَةً.
وَقِيلَ: يُضْرَبُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ كَسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَقْبَحِ الْغَلَطِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ، وَمَكَّةُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُضْرَبَ عَلَى أَرْضِهَا الْجِزْيَةُ، وَهِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَدَارُ نُسُكِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ
стр. 203
أَعَاذَهَا اللَّهُ مِمَّا هُوَ دُونَ الْخَرَاجِ بِكَثِيرٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَنِ هَذَا الْقَائِلِ، وَكَيْفَ يَسُوغُ ضَرْبُ الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ أَخُو الْجِزْيَةِ وَشَقِيقُهَا وَرَضِيعُ لَبَنِهَا عَلَى خَيْرِ بِقَاعِ اللَّهِ وَأَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَدَارِ النُّسُكِ، وَمُتَعَبَّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَرْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَخْرَجَتْهُ، وَحَرَمِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَمْنِهِ وَمَحَلِّ بَيْتِهِ وَقِبْلَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: «صَحَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ افْتَتَحَ مَكَّةَ وَأَنَّهُ مَنَّ عَلَى أَهْلِهَا، فَرَدَّهَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُقَسِّمْهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا فَيْئًا» فَرَأَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ جَائِزٌ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ.
وَلَا نَرَى مَكَّةَ يُشْبِهُهَا شَيْءٌ مِنَ الْبِلَادِ مِنْ جِهَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ مِنَ الْأَنْفَالِ وَالْغَنَائِمِ بِمَا لَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ، فَنَرَى هَذَا كَانَ خَاصًّا لَهُ.
وَالْجِهَةُ الْأُخْرَى: أَنَّهُ قَدْ سَنَّ لِمَكَّةَ سُنَنًا لَمْ يَسُنَّهَا لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ
стр. 204
يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَبْنِي لَكَ بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ؟ - تَعْنِي بِمِنًى - فَقَالَ: " إِنَّمَا هِيَ مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ» ".
وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلَا أُجُورُ بُيُوتِهَا» ".
стр. 205
وَحَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ - أَرَاهُ رَفَعَهُ - قَالَ: مَكَّةُ مُنَاخٌ لَا يُبَاعُ رِبَاعُهَا، وَلَا تُؤْخَذُ إِجَارَتُهَا، وَلَا تَحِلُّ ضَالَّتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» ".
стр. 206
وَحُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِنَحْوِهِ، وَرِوَايَتُهُ: " «لَا تَحِلُّ غَنَائِمُهَا» ".
стр. 207
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: " «مَنْ أَكَلَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكَّةَ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» ".
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْكِرَاءَ بِمَكَّةَ.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ
стр. 208
عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى النَّاسِ: يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَمِيرِ مَكَّةَ: أَلَّا يَدَعَ أَهْلَ مَكَّةَ يَأْخُذُونَ عَلَى بُيُوتِ مَكَّةَ أَجْرًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُغْلَقَ دُورُ مَكَّةَ دُونَ الْحَاجِّ، وَأَنَّهُمْ يَضْطَرِبُونَ فِيمَا وَجَدُوا مِنْهَا فَارِغًا.
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْمُؤَدِّبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ ثُوَيْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.
стр. 209
قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ، وَهَذَا لِمَكَّةَ كُلِّهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَإِذَا كَانَتْ مَكَّةُ هَذِهِ سُنَنُهَا أَنَّهَا مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا يَطِيبُ كِرَاءُ بُيُوتِهَا، وَأَنَّهَا مَسْجِدٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ غَنِيمَةً فَتُقَسَّمُ بَيْنَ قَوْمٍ يَحُوزُونَهَا دُونَ النَّاسِ، أَوْ تَكُونُ فَيْئًا فَتَصِيرُ أَرْضَ خَرَاجٍ وَهِيَ أَرْضٌ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ أَوِ الْقَتْلَ فَإِذَا أَسْلَمُوا كَانَتْ أَرْضُهُمْ أَرْضَ الْعُشْرِ وَلَا تَكُونُ خَرَاجًا أَبَدًا؟ ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُفَسِّرًا حِينَ قَالَ: " «لَا تَحِلُّ غَنَائِمُهَا» ".
قَالَ: فَلَيْسَ تُشْبِهُ مَكَّةُ شَيْئًا مِنَ الْبِلَادِ لِمَا خُصَّتْ بِهِ، فَلَا حُجَّةَ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى غَيْرِهَا كَالْحُكْمِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَتْ تَخْلُو بِلَادُ الْعَنْوَةِ - سِوَى مَكَّةَ - مِنْ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ أَوْ تَكُونَ فَيْئًا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِأَرْضِ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ، انْتَهَى.
فَغَلِطَ فِي مَكَّةَ طَائِفَتَانِ: طَائِفَةٌ أَلْحَقَتْ غَيْرَهَا بِهَا فَجَوَّزَتْ أَلَّا تُقَسَّمَ وَلَا يُضْرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ وَلَا تَكُونَ فَيْئًا، وَطَائِفَةٌ شَبَّهَتْ مَكَّةَ بِغَيْرِهَا فَجَوَّزَتْ قِسْمَتَهَا، وَضَرْبَ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا وَهِيَ أَقْبَحُ الطَّائِفَتَيْنِ وَأَسْوَءُهُمْ مَقَالَةً، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 210
[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ]
٦١ - فَصْلٌ
فِي كَرَاهَةِ الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سُفْيَانَ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: " لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ وَأَرْضَهُمْ فَلَا تَتَبَايَعُوهَا، وَلَا يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ إِذْ أَنْجَاهُ اللَّهُ [مِنْهُ] ".
стр. 211
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي عُقَيْلٍ بَشِيرِ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: " لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا أَرَضِيَهِمْ " قَالَ: فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
стр. 212
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا الْأَثَرَ عَنْ يَزِيدَ ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ، إِذَا كَانُوا عَبِيدًا أَخَذَ مِنْهُمْ جَمِيعًا الْجِزْيَةَ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قَوْلُ عُمَرَ: " لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ " قَالَ: لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يُؤَدِّي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَإِذَا صَارَ إِلَى الْمُسْلِمِ انْقَطَعَ عَنْهُ ذَلِكَ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ مَنُصُوصَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فَيُؤَدِّيهَا عَنْهُ سَيِّدُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄.
قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ: " يَعْنِي شِرَاءَ رَقِيقِهِمْ "، وَيَقُولُ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا لِلْمُسْلِمِينَ.
стр. 213
وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وُجُوبُهَا عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِيءْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ مِنْهَا اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْأَحْرَارِ ; وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ ذُلٌّ وَصَغَارٌ وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ ; وَلِأَنَّهُ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ فَلَمْ يُقَرَّ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ.
وَقَالَ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى الشَّامِيُّ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سُفْيَانَ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ قَالَ قَالَ: عُمَرُ ﵁: " لَا تَبْتَاعُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَرْضُهُمْ فَلَا تَتَبَايَعُوهَا، وَلَا يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ فِي عُنُقِهِ بَعْدَ إِذْ
стр. 214
أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ.
قَالَ مُهَنَّا: فَسَأَلْتُهُ - يَعْنِي أَحْمَدَ - عَنْ سُفْيَانَ الْعُقَيْلِيِّ؟ فَقَالَ: رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، قُلْتُ: أَيَّ شَيْءٍ رَوَى أَيُّوبُ عَنْ سُفْيَانَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا عِيَاضٍ.
وَسَأَلْتُهُ: لِمَ قَالَ عُمَرُ: لَا تَتَبَايَعُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قَالَ: لِأَنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: تَذَاكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ هَذَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَظُنُّهُ كَرِهَهُ مِنْ أَنَّهُمْ جَمِيعًا فِي الْأَصْلِ حَيْثُ أُخِذُوا مَمَالِيكَ، وَإِنَّمَا مَلَكُوا هَؤُلَاءِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ مِنْهُمْ لَهُمْ، فَكَرِهَ شِرَاءَهُمْ وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي أَيْدِينَا، لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مِنَّا فَلَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
قَالَ: هَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
стр. 215
وَمَا أَرَى الْمَيْمُونِيَّ فَهِمَ مَا قَالَ أَحْمَدُ، وَإِلَّا فَلَا أَدْرِي مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَعُمَرُ ﵁ إِنَّمَا قَالَ: " لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا "، وَفِي لَفْظٍ: " يُؤَدِّي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ".
قَالَ أَحْمَدُ: فَإِذَا صَارَ إِلَى الْمُسْلِمِ انْقَطَعَ عَنْهُ، هَكَذَا لَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا بِهَذَا، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ ﵁: مَا مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ وَيَسْتَعْبِدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَرَاجٌ.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ جَعَلَ اسْتِعْبَادَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي إِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ".
وَلِلصَّحَابَةِ لَاسِيَّمَا الْخُلَفَاءَ مِنْهُمْ لَاسِيَّمَا عُمَرَ - فِقْهٌ وَنَظَرٌ لَا تَبْلُغُهُ أَفْهَامُ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُثْبِتْ لِرَقِيقِهِمْ أَحْكَامَ الرَّقِيقِ الَّتِي تَثْبُتُ لِرَقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَذَلِكَ لَا يُثْبِتُ الرِّقَّ فِي الْحَقِيقَةِ، فَمَنَعَ الْمُسْلِمَ مِنْ شِرَائِهِ احْتِيَاطًا وَلَمْ يُسْقِطِ الْجِزْيَةَ عَنْ رَقَبَتِهِ وَأَلْزَمَهَا مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَقِيقُهُ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ النَّظَرِ وَأَلْطَفِ الْفِقْهِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَرِهَ لِلْمُسْلِمِ شِرَاءَهُمْ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: كَانَ قَتَادَةُ يَكْرَهُ أَنْ يُشْتَرَى مِنْ رَقِيقِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ بِلَادِهِمْ - زَنْجِيًّا أَوْ حَبَشِيًّا أَوْ خُرَاسَانِيًّا - لَا يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
следующие страницы →