← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَقَدْ ذَكَرَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي عُقَيْلٍ بَشِيرِ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: " لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا أَرَضِيَهِمْ " قَالَ: فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 212

وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا الْأَثَرَ عَنْ يَزِيدَ ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ، إِذَا كَانُوا عَبِيدًا أَخَذَ مِنْهُمْ جَمِيعًا الْجِزْيَةَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قَوْلُ عُمَرَ: " لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ " قَالَ: لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يُؤَدِّي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَإِذَا صَارَ إِلَى الْمُسْلِمِ انْقَطَعَ عَنْهُ ذَلِكَ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ مَنُصُوصَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فَيُؤَدِّيهَا عَنْهُ سَيِّدُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄. قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ: " يَعْنِي شِرَاءَ رَقِيقِهِمْ "، وَيَقُولُ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 213

وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وُجُوبُهَا عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِيءْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ مِنْهَا اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْأَحْرَارِ ; وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ ذُلٌّ وَصَغَارٌ وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ ; وَلِأَنَّهُ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ فَلَمْ يُقَرَّ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ. وَقَالَ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى الشَّامِيُّ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سُفْيَانَ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ قَالَ قَالَ: عُمَرُ ﵁: " لَا تَبْتَاعُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَرْضُهُمْ فَلَا تَتَبَايَعُوهَا، وَلَا يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ فِي عُنُقِهِ بَعْدَ إِذْ

стр. 214

أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ مُهَنَّا: فَسَأَلْتُهُ - يَعْنِي أَحْمَدَ - عَنْ سُفْيَانَ الْعُقَيْلِيِّ؟ فَقَالَ: رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، قُلْتُ: أَيَّ شَيْءٍ رَوَى أَيُّوبُ عَنْ سُفْيَانَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا عِيَاضٍ. وَسَأَلْتُهُ: لِمَ قَالَ عُمَرُ: لَا تَتَبَايَعُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قَالَ: لِأَنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ. وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: تَذَاكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ هَذَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَظُنُّهُ كَرِهَهُ مِنْ أَنَّهُمْ جَمِيعًا فِي الْأَصْلِ حَيْثُ أُخِذُوا مَمَالِيكَ، وَإِنَّمَا مَلَكُوا هَؤُلَاءِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ مِنْهُمْ لَهُمْ، فَكَرِهَ شِرَاءَهُمْ وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي أَيْدِينَا، لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مِنَّا فَلَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. قَالَ: هَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.

стр. 215

وَمَا أَرَى الْمَيْمُونِيَّ فَهِمَ مَا قَالَ أَحْمَدُ، وَإِلَّا فَلَا أَدْرِي مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَعُمَرُ ﵁ إِنَّمَا قَالَ: " لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا "، وَفِي لَفْظٍ: " يُؤَدِّي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ". قَالَ أَحْمَدُ: فَإِذَا صَارَ إِلَى الْمُسْلِمِ انْقَطَعَ عَنْهُ، هَكَذَا لَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا بِهَذَا، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ ﵁: مَا مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ وَيَسْتَعْبِدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَرَاجٌ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ جَعَلَ اسْتِعْبَادَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي إِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ". وَلِلصَّحَابَةِ لَاسِيَّمَا الْخُلَفَاءَ مِنْهُمْ لَاسِيَّمَا عُمَرَ - فِقْهٌ وَنَظَرٌ لَا تَبْلُغُهُ أَفْهَامُ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُثْبِتْ لِرَقِيقِهِمْ أَحْكَامَ الرَّقِيقِ الَّتِي تَثْبُتُ لِرَقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَذَلِكَ لَا يُثْبِتُ الرِّقَّ فِي الْحَقِيقَةِ، فَمَنَعَ الْمُسْلِمَ مِنْ شِرَائِهِ احْتِيَاطًا وَلَمْ يُسْقِطِ الْجِزْيَةَ عَنْ رَقَبَتِهِ وَأَلْزَمَهَا مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَقِيقُهُ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ النَّظَرِ وَأَلْطَفِ الْفِقْهِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَرِهَ لِلْمُسْلِمِ شِرَاءَهُمْ. وَقَالَ سَعِيدٌ: كَانَ قَتَادَةُ يَكْرَهُ أَنْ يُشْتَرَى مِنْ رَقِيقِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ بِلَادِهِمْ - زَنْجِيًّا أَوْ حَبَشِيًّا أَوْ خُرَاسَانِيًّا - لَا يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

стр. 216

قُلْتُ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ عَمَّ بِهَا الْإِسْلَامُ، وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا مِرَارًا وَهِيَ بَيْعُ الْكُفَّارِ أَوْلَادَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، هَلْ يَمْلِكُهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ وَيَحِلُّ اسْتِخْدَامُهُمْ؟ فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ وَمَلَكَ الْمُشْتَرِي الْأَوْلَادَ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ مِلْكُهُمْ بِالسَّبْيِ وَالرِّقِّ فَيَجُوزُ بِالشِّرَاءِ وَإِنْ كَانُوا ذِمَّةً تَحْتَ الْجِزْيَةِ لَمْ يَجُزِ اشْتِرَاءُ أَوْلَادِهِمْ، وَلَا يَمْلِكْهُمُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُمْ مُلْتَزِمُونَ لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ يُنَافِي حُكْمَ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ هُدْنَةٍ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فَهَلْ يَجُوزُ شِرَاءُ أَوْلَادِهِمْ مِنْهُمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَالْجَوَازُ أَظْهَرُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ مَنَعَ الشِّرَاءَ مِنْهُمْ قَالَ: قَدْ أَمِنُوا بِالْهُدْنَةِ مِنَ السَّبْيِ وَهَذَا فِي حُكْمِ السَّبْيِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ شِرَاءُ أَرْضِ الْخَرَاجِ] ٦٢ - فَصْلٌ وَأَمَّا شِرَاءُ أَرْضِ الْخَرَاجِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ عَامِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ لِيَتَّخِذَ فِيهَا قَضْبًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمُرَ فَقَالَ مِمَّنِ اشْتَرَيْتَهَا؟ فَقَالَ مِنْ أَرْبَابِهَا فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عِنْدَ عُمَرَ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُهَا فَهَلِ اشْتَرَيْتَ مِنْهُمْ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْدُدْهَا عَلَى مَنِ اشْتَرَيْتَهَا مِنْهُ وَخُذْ مَالَكَ.

стр. 217

وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَنْتَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ إِيَّايَ وَهَذَا السَّوَادَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَرِهَ شِرَاءَ أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَإِنَّمَا كَرِهَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْتِزَامِهِ الْخَرَاجُ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الصَّغَارِ حَتَّى كَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبَالَتَهَا. لِذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: تَبِعَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أَكُونُ بِهَذَا السَّوَادِ فَأَتَقَبَّلُ

стр. 218

وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَزْدَادَ، وَلَكِنِّي أَدْفَعُ عَنِّي الضَّيْمَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، فَقَالَ: لَا تَنْزِعُوهُ مِنْ أَعْنَاقِهِمْ وَتَجْعَلُوهُ فِي أَعْنَاقِكُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَيَزِيدُ عَنِ الْحَجَّاجِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ يَزِيدُ: عَنْ أَبِيهِ -: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا.

стр. 219

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَفِي غَيْرِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ أَقَرَّ بِالطَّسْقِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالذُّلِّ وَالصَّغَارِ.

стр. 220

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَاهُ يَعْنِي بِالشِّرَاءِ هَاهُنَا الِاكْتِرَاءَ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا وَالْجِزْيَةُ عَلَى الْبَائِعِ وَقَدْ خَرَجَتِ الْأَرْضُ مِنْ مِلْكِهِ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: حَدَّثَنِي ابْنُ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَيْسَ بِشِرَاءِ أَرْضِ الْجِزْيَةِ بَأْسٌ. يُرِيدُ كِرَاءَهَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَادِ. فَابْنُ مَسْعُودٍ اكْتَرَى أَرْضَ الدِّهْقَانِ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ الدِّهْقَانُ جِزْيَتَهَا، فَلَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا لِلصَّغَارِ وَهَذَا قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: الْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلِاشْتِرَاطِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ مَعْنًى، وَهُوَ عَلَيْهِ بِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَهَذَا تَأْكِيدٌ لَهُ وَتَقْرِيرٌ. وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا فَقَدْ بَاءَ بِمَا بَاءَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ.

стр. 221

وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ مِشْكَمٍ: مَنْ عَقَدَ الْجِزْيَةَ فِي عُنُقِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أَلَّا أُخْبِرُكُمْ بِالرَّاجِعِ عَلَى عَقِبَيْهِ؟ رَجُلٌ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَهَاجَرَ فَحَسُنَتْ هِجْرَتُهُ، وَجَاهَدَ فَحَسُنَ جِهَادُهُ، فَلَمَّا قَفَلَ حَمَلَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا، فَذَلِكَ الرَّاجِعُ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَأْتِي النَّبَطِيَّ فَيَحْمِلُ أَرْضَهُ بِجِزْيَتِهَا، فَقَالَ: أَتَبْدَءُونَ بِالصَّغَارِ وَتُعْطُونَ أَفْضَلَ مِمَّا تَأْخُذُونَ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانٍ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مَا بَيْنَ الرُّهَا إِلَى

стр. 222

حَرَّانَ بِخَرَاجِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ تَتَابَعَتِ الْآثَارُ بِكَرَاهَةِ شِرَاءِ أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَإِنَّمَا كَرِهَهَا الْكَارِهُونَ مِنْ جِهَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْأُخْرَى: أَنَّ الْخَرَاجَ صَغَارٌ وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي حَدِيثَيْ عُمَرَ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا؛ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: " وَلَا يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ إِذْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهُ " وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانٍ وَمُسْلِمُ بْنُ مِشْكَمٍ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَمَذْهَبُهُ فِي الْفَيْءِ قَوْلُهُ لِعُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ حِينَ اشْتَرَى الْأَرْضَ: " «هَؤُلَاءِ أَهْلُهَا» " - يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ - وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ عَلِيٌّ لِدِهْقَانٍ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِهِ: أَمَّا أَنْتَ فَلَا جِزْيَةَ

стр. 223

عَلَيْكَ وَأَمَّا أَرْضُكَ فَلَنَا. قُلْتُ: قَوْلُهُ: " لَا جِزْيَةَ عَلَيْكَ " يُرِيدُ قَدْ سَقَطَ عَنْكَ خَرَاجُ رَأَسِكَ وَهُوَ الْجِزْيَةُ بِإِسْلَامِكَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُسْقِطُ الْخَرَاجَ الْمَضْرُوبَ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنْ شَاءَ الْمُسْلِمُ أَنْ يُقِيمَ بِهَا أَقَامَ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ نَزَلَ عَنْهَا فَسَلَّمَهَا إِلَى ذِمِّيٍّ بِالْخَرَاجِ، فَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً ثُمَّ أَسْلَمَ أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ بِالْخَرَاجِ، وَهُوَ إِجَارَةٌ حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْإِجَارَاتِ. وَالْخَرَاجُ وَإِنْ شَارَكَ الْإِجَارَةَ فِي شَيْءٍ فَبَيْنَهُمَا فُرُوقٌ عَدِيدَةٌ: مِنْهَا: أَنَّ الْإِجَارَةَ مُؤَقَّتَةٌ وَالْخَرَاجَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ لِأَرْضِ الْفَيْءِ وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ فِيهَا بِالْخَرَاجِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ رَأْيَهُ

стр. 224

كَانَ هَذَا، قَالَ: كُلُّ أَرْضٍ افْتُتِحَتْ عَنْوَةً فَهِيَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَخْبَرَنِي هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ دُخُولَهُ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَنَافِعِ بْنِ يَزِيدَ - وَكَانَ مِنْ خِيَارِهِمْ - وَأَظُنُّهُ قَالَ: وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَشُيُوخِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَى اللَّيْثِ أَيْضًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا دَخَلَ فِيهَا اللَّيْثُ لِأَنَّ مِصْرَ كَانَتْ عِنْدَهُ صُلْحًا

стр. 225

[وَكَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ] ، فَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ الدُّخُولَ فِيهَا. كَذَلِكَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَغَيْرُهُمَا. وَحَرَّمَهَا آخَرُونَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ عَنْوَةً. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ يَكْرَهُ الدُّخُولَ فِي بِلَادِ الثَّغْرِ ; لِأَنَّهَا عَنْوَةٌ وَلَمْ يَتَّخِذْ بِهَا زَرْعًا حَتَّى مَاتَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ قَدْ سَهَّلَ فِي الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا عَنْوَةً وَلَا صُلْحًا مِنْهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ ذَلِكَ رَأْيَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِيمَا يُحْكَى عَنْهُ. فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّ حَجَّاجًا حَدَّثَنِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ

стр. 226

عَنْ رَجُلٍ مِنْ طَيِّئٍ حَسِبْتُهُ قَالَ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّبَقُّرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» . قَالَ: ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكَيْفَ بِمَالٍ بِرَاذَانَ وَبِكَذَا وَبِكَذَا؟

стр. 227

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ التَّبَقُّرُ: التَّوَسُّعُ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مَنْ بَقَرْتُ الشَّيْءَ أَيْ وَسَّعْتُهُ. وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ، فَكَانَ

стр. 228

يُعْطِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَعْطَى أَرْضَهَا بِجِزْيَتِهَا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَتَأَوَّلُ بِالرُّخْصَةِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَنَّ الْجِزْيَةَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، إِنَّمَا هِيَ عَلَى الرُّءُوسِ لَا عَلَى الْأَرْضِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِنَّمَا الْجِزْيَةُ عَلَى الرُّءُوسِ وَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ جِزْيَةٌ. قَالَ: فَالدَّاخِلُ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالَّذِي يُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَقَرَّ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَنْوَةِ فِي أَرْضِهِمْ تَوَارَثُوهَا

стр. 229

وَتَبَايَعُوهَا، فَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ رَأْيَهُ الرُّخْصَةُ فِيهَا. قَالَ: فَالْعُلَمَاءُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكُلُّهُمْ إِمَامٌ إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْكَرَاهَةِ أَكْثَرُ وَالْحُجَّةَ فِي مَذْهَبِهِمْ أَبْيَنُ. وَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الرُّخْصَةِ بِإِقْطَاعِ عُثْمَانَ مَنْ أَقْطَعَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّوَادِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَرْضِ الْمُغَلَّةِ الَّتِي يَلْزَمُهَا الْخَرَاجُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَزَارِعِ وَالشَّجَرِ، فَأَمَّا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ بِأَرْضِ السَّوَادِ فَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا كَرِهَ شِرَاءَهَا وَحِيَازَتَهَا وَسُكْنَاهَا، وَقَدِ اقْتُسِمَتِ الْكُوفَةُ خِطَطًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ أَذِنَ فِي ذَلِكَ، وَنَزَلَهَا مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٌ وَحُذَيْفَةُ وَسَلْمَانُ وَخَبَّابٌ وَأَبُو مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ قَدِمَهَا عَلِيٌّ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَقَامَ بِهَا خِلَافَتَهُ كُلَّهَا، ثُمَّ كَانَ التَّابِعُونَ بَعْدُ بِهَا فَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْهُمُ ارْتَابَ بِهَا وَلَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْهَا شَيْءٌ وَكَذَلِكَ سَائِرُ السَّوَادِ.

стр. 230

[ذِكْرُ أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمْ] [ فصل أَمْوَالُهُمُ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا فِي الْمُقَامِ] [أَمْوَالُهُمُ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا فِي الْمُقَامِ] أَمَّا أَمْوَالُهُمُ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا فِي الْمُقَامِ أَوْ يَتَّخِذُونَهَا لِلْقِنْيَةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا صَدَقَةٌ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ طُهْرَةٌ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا. وَأَمَّا زُرُوعُهُمْ وَثِمَارُهُمُ الَّتِي يَسْتَغِلُّونَهَا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَيْءٌ غَيْرُ الْخَرَاجِ. وَأَمَّا مَا اسْتَغَلُّوهُ مِنَ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ فَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَذَاهِبَ النَّاسِ فِيهَا وَأَدِلَّةَ تِلْكَ الْمَذَاهِبِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَمَّا أَرْضُ الْعُشْرِ تَكُونُ لِلذِّمِّيِّ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: إِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ أَرْضَ عُشْرٍ تَحَوَّلَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ. قَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ.

стр. 231

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَذَلِكَ كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، - وَلَمْ أَسْمَعْهُ [مِنْهُ]- يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَرَجُلٍ ثَالِثٍ ذَكَرَهُ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الذِّمِّيِّ بِأَرْضِ الْبَصْرَةِ الْعُشْرَ مُضَاعَفًا. قَالَ: وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ: عَلَيْهِ الْعُشْرُ عَلَى حَالِهِ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. أَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَحَدَّثَنِي عَنْهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ زَكَاةٌ لِأَمْوَالِهِمْ وَطُهْرَةٌ لَهُمْ، وَلَا صَدَقَةَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي أَرْضِهِمْ وَلَا فِي مَوَاشِيهِمْ إِنَّمَا الْجِزْيَةُ عَلَى رُءُوسِهِمْ

стр. 232

صَغَارًا لَهُمْ وَفِي أَمْوَالِهِمْ إِذَا مَرُّوا بِهَا فِي تِجَارَاتِهِمْ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا عُشْرَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِبَيْعِهَا ; لِأَنَّ فِي إِقْرَارِهِ عَلَيْهَا إِبْطَالًا لِلصَّدَقَةِ. وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا عُشْرَ عَلَيْهِ وَلَا خَرَاجَ إِلَّا إِذَا اشْتَرَاهَا الذِّمِّيُّ مِنْ مُسْلِمٍ، وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ وَهَذَا بِمَنْزِلَتِهِ لَوِ اشْتَرَى مَاشِيَتَهُ أَوَلَسْتَ تَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ فِيهَا؟ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِهَذَا، أَنَّهُ قَالَ فِي ذِمِّيٍّ اسْتَأْجَرَ مِنْ مُسْلِمٍ أَرْضَ عُشْرٍ، قَالَ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي أَرْضِهِ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لِغَيْرِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الذِّمِّيِّ لَا عُشْرٌ وَلَا خَرَاجٌ ; لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ لَهُ هَذَا مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ "، بَابُ الذِّمِّيِّ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ أَوْ أَرْضَ الْخَرَاجِ أَوْ يَسْتَأْجِرُهَا: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ [أَبِي] هَارُونَ وَمُحَمَّدُ بْنُ

стр. 233

جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَيْءٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: يُضَعَّفُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجُ، قُلْتُ لَهُ: فَمَا تَرَى؟ قَالَ فِيهَا اخْتِلَافٌ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ وَصَالِحٍ وَاللَّفْظُ لِصَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: كَمْ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِمَّا أَخْرَجَتْ أَرَضُوهُمْ؟ فَقَالَ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ إِلَّا فِيمَا تَجِرُوا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ. أَخْبَرَنِي حَرْبٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الذِّمِّيِّ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ عَلَيْهِ شَيْئًا، إِنَّمَا الصَّدَقَةُ طُهْرَةُ مَالِ الرَّجُلِ، وَهَذَا الْمُشْرِكُ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ فِي هَذَا قَوْلًا حَسَنًا، يَقُولُونَ: لَا يُتْرَكُ الذِّمِّيُّ أَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضَ الْعُشْرِ. قَالَ: وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ قَوْلًا عَجَبًا يَقُولُونَ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَيُعْجِبُنِي أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشِّرَاءِ.

стр. 234

أَخْبَرَنِي عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّاغَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَيْسَ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، فَأَيُّ طُهْرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ! وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى: وَأَمَّا مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ فَمَرُّوا [يَعْنِي عَلَى الْعَشَّارِ] فَنِصْفُ الْعُشْرِ وَأَمَّا أَرَضُوهُمْ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِمُ الْعُشْرُ، وَمَا أَدْرِي مَا هُوَ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ طُهْرَةٌ. قَالَ: وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ ضَاعَفَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ فَحُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَدْعُونَهُمْ يَشْتَرُونَ أَرْضَهُمْ وَيَقُولُونَ: فِي شِرَائِهِمْ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَرْضٍ يُؤَدَّى عَنْهَا

стр. 235

الْخَرَاجُ أَيُؤَدَّى عَنْهَا الْعُشْرُ بَعْدَ الْخَرَاجِ قَالَ نَعَمْ كُلُّ مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْعُشْرَ بَعْدَ الْخَرَاجِ؟ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ [عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ] : وَسَأَلَهُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي يَشْتَرِي أَرْضَ الْمُسْلِمِ، قَالَ: أَرَى عَلَيْهِ زَكَاةً. قَالَ: وَحَكَوْا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْرِفُ هَذَا حَتَّى وَلِيَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخُمُسَ، كَأَنَّهُ أَضْعَفَ عَلَيْهِمْ. وَحَكَوْا عَنْ سُفْيَانَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. وَحَكَى لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يَدَعُونَ ذِمِّيًّا يَشْتَرِي مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، يَقُولُونَ: تَذْهَبُ الزَّكَاةُ.

стр. 236

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِيَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفُوا بِهَا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي مَنَازِلِهِمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ أَرْضَ الْعُشْرِ سَقَطَ عَنْهُ الْعُشْرُ. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ شِرَائِهَا. وَقَالَ: أَلَيْسَ يُحْكَى أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا اشْتَرَوْا مَا حَوْلَنَا ذَهَبَتِ الزَّكَاةُ وَذَهَبَ الْعُشْرُ؟ وَهَذَا فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، فَأَمَّا الْخَرَاجُ فَلَا. وَقَالَ ابْنُ مُشَيْشٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ: الْمُسْلِمُ يُؤَاجِرُ أَرْضَ الْخَرَاجِ مِنَ الذِّمِّيِّ، قَالَ: لَا يُؤَاجَرُ الذِّمِّيُّ، وَهَذَا ضَرَرٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ - وَذَكَرَ مَالِكًا - يَقُولُونَ: لَا تَدَعْ ذِمِّيًّا يَزْرَعُ ; لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الْعُشْرَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ.

стр. 237

وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَا تُكْرَى أَرْضُ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، ثَنَا الْأَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اشْتَرَوْا شَيْئًا مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ، قَالَ: فِيهِ الْخُمْسُ. قَالَ أَحْمَدُ: أَضْعَفَهُ [عَلَيْهِمْ] ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مُسْلِمٍ زَارَعَ ذِمِّيًّا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵀ أَنْ خُذْ مِنَ الْمُسْلِمِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ فِي نَصِيبِهِ وَخُذْ مِنَ

стр. 238

النَّصْرَانِيِّ مَا عَلَيْهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ صُلْحٍ أَوْ خَرَاجٍ، فَهُمْ عَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ أَوْ جُعِلَ عَلَى أَرْضِهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَيُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا ; لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الْعُشْرَ وَإِنَّمَا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ، وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ. فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَيَقُولُونَ: لَا يُتْرَكُ الذِّمِّيُّ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ. وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِذَلِكَ وَالِاحْتِجَاجِ لِقَوْلِهِمْ مَالَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ أَرْضَ الْعُشْرِ يُضَاعَفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْقَوْلِ أَلَّا يُمَكَّنُوا أَنْ يَشْتَرُوا، فَإِنِ اشْتَرَوْا ضُوعِفَ عَلَيْهِمْ كَمَا تُضَاعَفُ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ إِذَا مَرُّوا عَلَى الْعَاشِرِ، وَهِيَ - فِي الْأَصْلِ - لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ لَوْ لَمْ يَمُرُّوا بِهَا عَلَى الْعَاشِرِ وَاتَّجَرُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ، فَلَمَّا مَرُّوا جُعِلَتْ عَلَيْهِمْ وَأُضْعِفَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِلَّا

стр. 239

فَأَرْضُ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يُضَاعَفُ عَلَيْهِمُ الْعُشْرُ ; لِأَنَّ فِي أَرْضِهِمُ الْعُشْرَ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ مَرَّتَيْنِ: هَذَا مَعْنَى مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا اشْتَرَوْهُ أَيْضًا مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ مُضَاعَفٌ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَأَنَا أُفَسِّرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَأَوَّلُ يَأْخُذُ مِنْ أَرْضِهِمُ الضِّعْفَ، قُلْتُ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَرْضُ خَرَاجٍ فَكَيْفَ نَأْخُذُ مِنْهُمُ الضِّعْفَ؟ قَالَ: نَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ، قُلْتُ: فَهَذَا إِذَنْ فِي الْحَبِّ إِذَا أَخْرَجَتْ نَنْظُرُ إِلَى قَدْرِ مَا أَخْرَجَتْ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ وَنُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اتَّجَرُوا فِيهَا قُوِّمَتْ ثُمَّ أُخِذَ مِنْهَا زَكَاتُهَا مَرَّتَيْنِ، يُضَعَّفُ عَلَيْهِمْ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُشَبِّهُ الزَّرْعَ بِهَذَا. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالَّذِي لَا أَشُكُّ فِيهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ - أَنَّ أَرْضَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّتِي فِي الصُّلْحِ لَيْسَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ، إِنَّمَا يُنْظَرُ مَا أَخْرَجَتْ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ مَرَّتَيْنِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَالَّذِي يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ مَا عَلَيْهِ؟ قَالَ لِي: النَّاسُ كُلُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا

стр. 240

وَيُشَبِّهُهُ بِمَالِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ إِذَا كَانَ مُقِيمًا بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَبِمَا يُثْبِتُهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ أَمْوَالٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذِهِ حُقُوقٌ لِقَوْمٍ وَلَا يَكُونُ شِرَاؤُهُ الْأَرْضَ يَذْهَبُ بِحُقُوقِ هَؤُلَاءِ. وَالْحَسَنُ يَقُولُ: مَنِ اشْتَرَاهَا ضُوعِفَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: فَكَيْفَ يُضَعَّفُ عَلَيْهِ، قَالَ: لِأَنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخُمْسُ، قُلْتُ: يَذْهَبُ إِلَى أَنْ يُضَعَّفَ عَلَيْهِ فَيُؤْخَذَ مِنْهُ الْخُمْسُ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: نَعَمْ يُضَعَّفُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ لَنَا: وَيَدْخُلُ عَلَى الذِّمِّيِّ، قَالَ: لَا نَرَى بِأَنْ يَأْخُذَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُوسِرًا مِنْهُمْ عَمَدَ إِلَى أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَاشْتَرَاهَا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ أَضَرَّ هَذَا بِحُقُوقِ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهَا الْعُشْرُ أَوِ الْخَرَاجُ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّمَا الْخَرَاجُ عَلَى مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ وَفِي الْمَالِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: قَوْلُ عُمَرَ وَالْحَسَنِ

стр. 241

يُضَعَّفُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ: فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْكَ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْخَلَّالُ: فَقَدْ بَيَّنَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَاهُنَا مَذْهَبَهُ وَحَسَّنَ مَذْهَبَ مَنْ جَعَلَ عَلَيْهِمُ الضِّعْفَ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَأَقْوَى مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَإِنْ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَاهُ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الِاخْتِيَارُ لَهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو الْمُزَنِيَّ عَنِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَهْلِ فَارِسَ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ خَوَّلَكُمْ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: ثَنَا سُوَيْدٌ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو فِيمَا أُخِذَ عَنْوَةً، قَالَ: زِيدُوا

стр. 242

عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ خَوَلُكُمُ، انْتَهَى. فَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ كَمَا تَرَاهُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِهِ وَاحْتِجَاجِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْكِي مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا عُشْرَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وَعَنْهُ عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ وَإِذَا كَانُوا إِذَا اتَّجَرُوا فِي غَيْرِ بِلَادِهِمْ أُخِذَ مِنْهُمْ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ جَوَازِ التِّجَارَةِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُسْقِطُونَ بِهَا حَقًّا لِمُسْلِمٍ، فَإِذَا دَخَلُوا فِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ وَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، إِذْ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ لَتَعَطَّلَتْ حُقُوقُ أَرْبَابِ الْعُشْرِ وَمَا عَلَيْهِ مِنَ

стр. 243

الْمُنْقَطِعِينَ مِنَ الْجُنْدِ وَالْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّا لَوْ مَكَّنَّاهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ لَتَهَافَتُوا وَتَهَالَكُوا عَلَيْهَا لِكَثْرَةِ الْمُغَلِّ وَقِلَّةِ الْمَئُونَةِ فَتَذْهَبُ حُقُوقُ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا بَاطِلٌ. وَقِيَاسُ الْأَرْضِ عَلَى الْمَوَاشِي وَالْعُرُوضِ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْمَوَاشِيَ وَالْعُرُوضَ لَا تُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ بَلْ تَتَنَاقَلُهَا الْأَيْدِي، وَتَخْتَلِفُ عَلَيْهَا الْمُلَّاكُ وَالْأَرْضُ إِذَا صَارَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا خَرَاجَ، عَضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَأَمْسَكَهَا بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَعَطَّلَ مَصْلَحَتَهَا عَلَى أَهْلِ الْعُشْرِ وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمَ أَبُو حَنِيفَةَ فَسَادَ هَذَا قَالَ: إِذَا اشْتَرَى أَرْضَ الْعُشْرِ تَحَوَّلَتْ خَرَاجِيَّةً. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا: أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ شِرَاءِ أَرْضِ الْعُشْرِ وَاكْتِرَائِهَا، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ، كَمَا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاشِيهِمْ وَعُرُوضِهِمْ وَنُقُودِهِمْ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَمَذْهَبُهُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مَنْعُهُمْ مِنْ شِرَاءِ أَرْضِ الْعُشْرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَصْرِفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِهِمْ؟ قِيلَ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ مَا يُؤْخَذُ مِنَ التَّغْلِبِيِّ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ فَكَذَا هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ بَاعَهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ أَسْلَمَ؟ فَقَالَ الْأَصْحَابُ: يَسْقُطُ عَنْهُ أَحَدُ الْعُشْرَيْنِ وَيَبْقَى الْآخَرُ وَهُوَ عُشْرُ الزَّكَاةِ، وَلَمْ يُفَصِّلُوا.

стр. 244

وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّهُ إِنْ بَاعَهَا أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ فَكَذَلِكَ وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَ اشْتِدَادِهِ وَوُجُوبِ الْعُشْرَيْنِ لَمْ يَسْقُطْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ وَصَلَاحِ الثَّمَرِ سَقَطَ عَنْهُ الْعُشْرَانِ. أَمَّا عُشْرُ الزَّكَاةِ فَلِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْعُشْرُ الْمُضَاعَفُ فَإِنَّمَا وَجَبَ بِسَبَبِ الْكُفْرِ فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِإِسْلَامِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوِ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً مِنْ تَغْلِبِيٍّ فَمَا حُكْمُهَا؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْأَصْحَابُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نَبْتِهَا كَمَا لَوِ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِ فِيهَا عُشْرٌ وَاحِدٌ. وَالثَّالِثُ: عَلَيْهَا فِيهَا عُشْرَانِ كَمَا كَانَ عَلَى التَّغْلِبِيِّ، وَهُوَ الْأَقْيَسُ وَالْأَصَحُّ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوِ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ أَرْضًا مِنْ مُسْلِمٍ لَا عُشْرَ فِيهَا، مِثْلَ أَنْ كَانَتْ دُورًا أَوْ خَانًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَزَرَعَهَا فَهَلْ يَجِبُ فِي زَرْعِهَا شَيْءٌ؟ قِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ شِرَائِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ حَقُّ مُسْلِمٍ مِنَ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوِ اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً مِنْ ذِمِّيٍّ فَزَرَعَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُ الْخَرَاجِ، كَمَا كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَكَمَا لَوْ وَرِثَهَا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ فِي " رِعَايَتِهِ ": وَإِنِ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ أَرْضًا

стр. 245

خَرَاجِيَّةً أَوْ أَرْضَ تَغْلِبِيٍّ جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نَبْتِهَا وَقِيلَ: بَلْ عُشْرَانِ، وَقِيلَ: بَلْ عُشْرٌ فِي نَبْتِ الْخَرَاجِيَّةِ لَا فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْ تَغْلِبِيٍّ. قُلْتُ: أَمَّا شِرَاؤُهُ أَرْضَ التَّغْلِبِيِّ فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ عُشْرَانِ، كَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى التَّغْلِبِيِّ وَلَا يَسْقُطُ بِشِرَائِهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي كَانَ عَلَى أَرْضِ التَّغْلِبِيِّ بَلْ إِذَا ضُوعِفَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ بِشِرَائِهَا مِنْ مُسْلِمٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، فَلَأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى التَّغْلِبِيِّ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لِلْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ الَّتِي لَا عُشْرَ عَلَيْهَا فَهَذَا لَا يَتَوَجَّهُ فِيهِ نِزَاعٌ، وَلَا نَقْبَلُ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَلَاسِيَّمَا إِذَا اشْتَرَاهَا مِنْ ذِمِّيٍّ كَمَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، فَهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ عَلَيْهِ فِيهَا عُشْرَيْنِ وَلَا عُشْرًا. فَإِنْ قِيلَ: يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إِذَا اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ قِيلَ: إِنْ كَانَتْ عُشْرِيَّةً - مَعَ كَوْنِهَا خَرَاجِيَّةً - فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عُشْرِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ دَارًا أَوْ خَانًا جَازَ لَهُ شِرَاؤُهَا وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ فِي زَرْعِهَا اتِّفَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ هَذَا مِنْ سُوءِ التَّفْرِيعِ وَالتَّصَرُّفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي إِجَارَةِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ لِلذِّمِّيِّ؟ قِيلَ: قَدْ نَصَّ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صِحَّةِ الْإِجَارَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ يُرَادُ لِلدَّوَامِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، وَالْحُكْمُ فِي زَرْعِهِ كَالْحُكْمِ فِي زَرْعِ مَا اشْتَرَاهُ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ هَاهُنَا وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْعُشْرَيْنِ

стр. 246

فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ وَيَكُونُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى الزَّرْعَ وَحْدَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِمُضَاعَفَةِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ الْإِجَارَةِ. وَأَمَّا شِرَاؤُهُ الزَّرْعَ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوِ اشْتَرَاهُ مَعَ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، قِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا زَرَعَهُ بِنَفْسِهِ. [فَصْلٌ أَمْوَالهم الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ] ٦٣ - فَصْلٌ. وَأَمَّا أَمْوَالُهُمُ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفُ عُشْرِهَا إِنْ كَانُوا ذِمَّةً، وَعُشْرًا إِنْ كَانُوا أَهْلَ هُدْنَةٍ. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ تَلَقَّاهَا النَّاسُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَصْلَهَا وَكَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهَا وَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِهَا بِحَوَلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَتَأْيِيدِهِ بَعْدَ أَنْ نَذْكُرَ مُقَدِّمَةً فِي الْمُكُوسِ وَتَحْرِيمِهَا وَالتَّغْلِيظِ فِي أَمْرِهَا، وَتَحْرِيمِ الْجَنَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ، وَأَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى مَا وَضَعَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الْخَرَاجِ أَوِ الْعُشْرِ كَقِيَاسِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ قَاسُوا الرِّبَا عَلَى الْبَيْعِ، وَالْمَيْتَةَ عَلَى الْمُذَكَّى. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ

стр. 247

يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ التُّجِيبِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» ". وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي

стр. 248

حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ فِي النَّارِ» ". قَالَ: يَعْنِي الْعَاشِرَ. حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: " إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ وَيُؤْخَذُ كَمَا هُوَ فَيُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ ". حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: " أَنْ ضَعْ عَنِ النَّاسِ الْفِدْيَةَ، وَضَعْ عَنِ النَّاسِ الْمَائِدَةَ، وَضَعْ عَنِ النَّاسِ الْمَكْسَ وَلَيْسَ بِالْمَكْسِ وَلَكِنَّهُ الْبَخْسُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] ، فَمَنْ جَاءَكَ بِصَدَقَةٍ فَاقْبَلْهَا مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يَأْتِكَ بِهَا فَاللَّهُ حَسِيبُهُ ". حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ عَنْ ضَمْرَةَ عَنْ كُرَيْزِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ

стр. 249

عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ الْقَارِي: أَنِ ارْكَبْ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي بِرَفَحٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: " بَيْتُ الْمَكْسِ " فَاهْدِمْهُ ثُمَّ احْمِلْهُ إِلَى الْبَحْرِ فَانْسِفْهُ فِيهِ نَسْفًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ مِصْرَ وَالرَّمْلَةِ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُخَيِّسِ بْنِ ظَبْيَانَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُذَامٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَتَاهِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ لَقِيَ صَاحِبَ عُشُورٍ فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ» ".

стр. 250

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُخَيِّسِ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ قَالَ سَمِعَ فُلَانٌ ابْنَ عَتَاهِيَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا لَقِيتُمْ عَاشِرًا فَاقْتُلُوهُ» " يَعْنِي بِذَلِكَ الصَّدَقَةَ يَأْخُذُهَا عَلَى غَيْرِ حَقِّهَا. حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ سَكْرَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: أَعَلِمْتَ أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعُشْرَ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ.
следующие страницы →