Полный текст (1 326 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ وَيَكُونُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى الزَّرْعَ وَحْدَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِمُضَاعَفَةِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ الْإِجَارَةِ.
وَأَمَّا شِرَاؤُهُ الزَّرْعَ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوِ اشْتَرَاهُ مَعَ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، قِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا زَرَعَهُ بِنَفْسِهِ.
[فَصْلٌ أَمْوَالهم الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ]
٦٣ - فَصْلٌ.
وَأَمَّا أَمْوَالُهُمُ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفُ عُشْرِهَا إِنْ كَانُوا ذِمَّةً، وَعُشْرًا إِنْ كَانُوا أَهْلَ هُدْنَةٍ.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ تَلَقَّاهَا النَّاسُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَصْلَهَا وَكَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهَا وَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِهَا بِحَوَلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَتَأْيِيدِهِ بَعْدَ أَنْ نَذْكُرَ مُقَدِّمَةً فِي الْمُكُوسِ وَتَحْرِيمِهَا وَالتَّغْلِيظِ فِي أَمْرِهَا، وَتَحْرِيمِ الْجَنَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ، وَأَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى مَا وَضَعَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الْخَرَاجِ أَوِ الْعُشْرِ كَقِيَاسِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ قَاسُوا الرِّبَا عَلَى الْبَيْعِ، وَالْمَيْتَةَ عَلَى الْمُذَكَّى.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ
стр. 247
يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ التُّجِيبِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» ".
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
стр. 248
حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ فِي النَّارِ» ".
قَالَ: يَعْنِي الْعَاشِرَ.
حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: " إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ وَيُؤْخَذُ كَمَا هُوَ فَيُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ ".
حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: " أَنْ ضَعْ عَنِ النَّاسِ الْفِدْيَةَ، وَضَعْ عَنِ النَّاسِ الْمَائِدَةَ، وَضَعْ عَنِ النَّاسِ الْمَكْسَ وَلَيْسَ بِالْمَكْسِ وَلَكِنَّهُ الْبَخْسُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] ، فَمَنْ جَاءَكَ بِصَدَقَةٍ فَاقْبَلْهَا مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يَأْتِكَ بِهَا فَاللَّهُ حَسِيبُهُ ".
حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ عَنْ ضَمْرَةَ عَنْ كُرَيْزِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ
стр. 249
عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ الْقَارِي: أَنِ ارْكَبْ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي بِرَفَحٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: " بَيْتُ الْمَكْسِ " فَاهْدِمْهُ ثُمَّ احْمِلْهُ إِلَى الْبَحْرِ فَانْسِفْهُ فِيهِ نَسْفًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ مِصْرَ وَالرَّمْلَةِ.
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُخَيِّسِ بْنِ ظَبْيَانَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُذَامٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَتَاهِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ لَقِيَ صَاحِبَ عُشُورٍ فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ» ".
стр. 250
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُخَيِّسِ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ قَالَ سَمِعَ فُلَانٌ ابْنَ عَتَاهِيَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا لَقِيتُمْ عَاشِرًا فَاقْتُلُوهُ» " يَعْنِي بِذَلِكَ الصَّدَقَةَ يَأْخُذُهَا عَلَى غَيْرِ حَقِّهَا.
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ سَكْرَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: أَعَلِمْتَ أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعُشْرَ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ.
стр. 251
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ حُدَيْرٍ يَقُولُ: أَنَا أَوَّلُ عَاشِرٍ عَشَرَ فِي الْإِسْلَامِ، قُلْتُ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْشُرُونَ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَعْشُرُ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهَدًا، كُنَّا نَعْشُرُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْعَبْسِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: سَأَلْتُ زِيَادَ بْنَ حُدَيْرٍ مَنْ كُنْتُمْ تَعْشُرُونَ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَعْشُرُ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهَدًا، قُلْتُ: فَمَنْ كُنْتُمْ تَعْشُرُونَ؟ قَالَ: تُجَّارَ الْحَرْبِ، كَمَا كَانُوا يَعْشُرُونَنَا إِذَا أَتَيْنَاهُمْ.
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا
стр. 252
عَلِمْتُ عَمَلًا أَخْوَفَ عِنْدِي أَنْ يُدْخِلَنِي اللَّهُ النَّارَ مِنْ عَمَلِكُمْ هَذَا، وَمَا تَرَانِي أَنْ أَكُونَ ظَلَمْتُ فِيهِ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكِنِّي لَا أَدْرِي مَا هَذَا الْحَبْلُ الَّذِي لَمْ يَسُنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ قَالُوا: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ دَخَلْتَ فِيهِ؟ قَالَ: لَمْ يَدَعْنِي زِيَادٌ وَلَا شُرَيْحٌ وَلَا السُّلْطَانُ حَتَّى دَخَلْتُ فِيهِ.
قُلْتُ: هُوَ سِلْسِلَةٌ كَانَ يُعْتَرَضُ بِهَا عَلَى النَّهْرِ تَمْنَعُ السُّفُنَ مِنَ الْمُضِيِّ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَةُ وَكَانَ مَكَانُهَا يُسَمَّى السِّلْسِلَةَ، وَأَقَامَ بِهَا مَسْرُوقٌ زَمَانًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، كَانَ عَامِلًا لِزِيَادٍ وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ مَعَهُ فَمَا رَأَيْتُ أَمِيرًا قَطُّ كَانَ أَعَفَّ مِنْهُ، مَا كَانَ يُصِيبُ شَيْئًا إِلَّا مَا دَخَلَهُ.
وَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: كَيْفَ خَرَجَ مَسْرُوقٌ مِنْ عَمَلِهِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الثَّوْبِ يُبْعَثُ بِهِ إِلَى الْقَصَّارِ فَيُجِيدُ غَسْلَهُ؟ فَكَذَلِكَ خَرَجَ مِنْ عَمَلِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ الْمَكْسُ لَهُ أَصْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُهُ مُلُوكُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ جَمِيعًا، فَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ التُّجَّارِ عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ إِذَا مَرُّوا بِهَا عَلَيْهِمْ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا فِي كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ
стр. 253
كَتَبَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِثْلَ ثَقِيفٍ وَالْبَحْرِينِ وَدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ " «أَنَّهُمْ لَا يُحْشُرُونَ وَلَا يُعْشَرُونَ» "، فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ أَحَادِيثَ فِيهِ كَثِيرَةٍ فَأَبْطَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِرَسُولِهِ وَبِالْإِسْلَامِ، وَجَاءَتْ فَرِيضَةُ الزَّكَاةِ بِرُبُعِ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهَا مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِهَا فَلَيْسَ بِعَاشِرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذِ الْعُشْرَ إِنَّمَا أَخَذَ رُبُعَهُ.
وَهُوَ مُفَسَّرٌ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يُحَدِّثُونَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» ".
стр. 254
قُلْتُ: وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَ " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» ".
стр. 255
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَالْعَاشِرُ الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ بِغَيْرِ حَقِّهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَكَذَلِكَ وُجِّهَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " «لَمْ يَأْخُذِ الْعُشُورَ» "، إِنَّمَا أَرَادَ هَذَا وَلَمْ يُرِدِ الزَّكَاةَ، وَكَيْفَ يُنْكَرُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ يَأْخُذُونَهُ عِنْدَ الْأَعْطِيَةِ، وَكَانَ رَأْيُ ابْنِ عُمَرَ دَفْعَهَا إِلَيْهِمْ؟
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: " مَا كُنَّا نَعْشُرُ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهَدًا " إِنَّمَا أَرَادَ: أَنَّا كُنَّا نَأْخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
قَالَ: وَكَانَ مَذْهَبُ عُمَرَ فِيمَا وَضَعَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الزَّكَاةَ، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ تَامًّا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَهُ إِذَا قَدِمُوا بِلَادَهُمْ فَكَانَ سَبِيلُهُ فِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ بَيِّنًا وَاضِحًا.
قَالَ: وَكَانَ الَّذِي يُشْكِلُ عَلَيَّ وَجْهُهُ أَخْذُهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الصَّدَقَةُ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِثْلُ مَا أَخَذُوا مِنَّا، فَلَمْ أَدْرِ مَا هُوَ حَتَّى تَدَبَّرْتُ حَدِيثًا لَهُ فَوَجَدْتُهُ إِنَّمَا صَالَحَ عَلَى ذَلِكَ صُلْحًا سِوَى جِزْيَةِ الرُّءُوسِ وَخَرَاجِ الْأَرَضِينَ.
حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ عَمَّارًا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ
стр. 256
ذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ طُولٌ قَالَ: فَمَسَحَ عُثْمَانُ الْأَرْضَ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ، وَجَعَلَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَجَعَلَ عَلَى رُءُوسِهِمْ - وَعَطَّلَ مِنْ ذَلِكَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ - أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَأَجَازَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَرَى الْأَخْذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ فِي أَصْلِ الصُّلْحِ، فَهُوَ الْآنَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِيهِ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: إِنَّمَا صُولِحُوا عَلَى أَنْ يُقَرُّوا بِبِلَادِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِهَا لِلتِّجَارَةِ أُخِذَ مِنْهَا كُلَّمَا مَرُّوا.
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرَى أَنِّي لَوْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَعَضَّ عَلَى حَجْرِ كَذَا وَكَذَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي لَفَعَلْتَ، اخْتَرْتُ لَكَ غَيْرَ عَمَلِي فَكَرِهْتَهُ، إِنِّي أَكْتُبُ لَكَ سُنَّةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 257
عَنْهُ قُلْتُ: اكْتُبْ لِي سُنَّةَ عُمَرَ فَكَتَبَ: يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمٌ، قُلْتُ: وَمَنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ؟ قَالَ: الرُّومُ، كَانُوا يَقْدَمُونَ الشَّامَ.
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الْعُشْرِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ، وَمِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ رُبُعَ الْعُشْرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ عَامِلًا عَلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ فَكُنَّا نَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ الْعُشْرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ مِنَ الزَّيْتِ وَالْحِنْطَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ ; لِكَيْ يُكْثِرَ الْحَمْلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَيَأْخُذُ مِنَ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ.
وَلِهَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَيْهِ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَامِلِهِ بِمِصْرَ: مَنْ مَرَّ بِكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَخُذْ مِمَّا يُدِيرُونَ فِي التِّجَارَاتِ مِنْ
стр. 258
أَمْوَالِهِمْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَلَا تَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، وَاكْتُبْ لَهُمْ بِمَا تَأْخُذُ كِتَابًا إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْحَوْلِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: كُنْتُ مَعَ جَدِّي زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ عَلَى الْعُشُورِ، فَمَرَّ نَصْرَانِيٌّ بِفَرَسٍ فَقَوَّمُوهُ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَنَا الْعَيْنَ وَأَخَذْتَ الْفَرَسَ، وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْنَاكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي الْعُشْرِ مَا فَعَلَ لِمُصَالَحَتِهِ إِيَّاهُمْ
стр. 259
عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِعَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ الَّذِينَ صَالَحَهُمْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَكَذَلِكَ دَهْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ بِلَادُ الْعَجَمِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَلِذَلِكَ كَانَ الَّذِي كَانَ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْعُشْرَ فِي الْإِسْلَامِ عُمَرُ ﵁.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَتَأَوَّلُ عَلَى عُمَرَ فِيهِ شَيْئًا غَيْرَهُ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْهُ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ لِمَ أَخَذَ عُمَرُ الْعُشْرَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُمْ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصُّلْحِ أَشْبَهُ بِعُمَرَ وَأَوْلَى بِهِ، وَبِهِ كَانَ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ نَفْسُهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: بَعَثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْعُشُورِ، فَقُلْتُ: تَبْعَثُنِي إِلَى الْعُشُورِ مِنْ بَيْنِ عُمَّالِكَ؟ فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ أَجْعَلَكَ عَلَى مَا جَعَلَنِي عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁؟ أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ
стр. 260
نِصْفَ الْعُشْرِ.
[فَصْلٌ هَلْ يُؤْخَذُ الْعُشُورُ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ]
٦٤ - فَصْلٌ
[هَلْ يُؤْخَذُ الْعُشُورُ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ]
إِذَا عُرِفَ بِهَذَا فَاخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ: هَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ أَمْ يَخْتَصُّ الْأَخْذُ بِالْحَرْبِيِّ؟
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ شَيْءٌ، وَإِنِ اضْطَرَبَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا غَيْرَ الْحِجَازِ، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ أَثْبَتَتْ لَهُ الْأَمَانَ الْعَامَّ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ فِي الْمُقَامِ وَالسَّفَرِ فَإِنْ دَخَلَ إِلَى أَرْضِ الْحِجَازِ فَيُنْظَرُ فِي حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ لِرِسَالَةٍ أَوْ نَقْلِ مِيرَةٍ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَا حَاجَةَ بِأَهْلِ الْحِجَازِ إِلَيْهَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عِوَضًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ نِصْفَ الْعُشْرِ ; لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ شَرَطَ نِصْفَ الْعُشْرِ عَلَى مَنْ دَخَلَ الْحِجَازَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا لِتِجَارَةٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ إِلَّا بِعِوَضٍ يَشْرُطُهُ، وَمَهْمَا شَرَطَ جَازَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرُطَ الْعُشْرَ، لِيُوَافِقَ فِعْلَ عُمَرَ وَإِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَمَانٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَهُوَ كَالْهُدْنَةِ.
стр. 261
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ ; لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَهُ، هَذَا نَصُّهُ.
وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَصَرَّفُوا فِي مَذْهَبِهِ وَقَالُوا: أَمَّا الْمُعَاهَدُ فَإِذَا دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ تَاجِرًا أُخِذَ مِنْهُ عُشْرُ مَالِهِ، وَإِنْ دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تِجَارَةٍ بِأَنْ أَمَّنَهُ مُسْلِمٌ، فَإِنْ دَخَلَ غَيْرَ الْحِجَازِ لَمْ يُطَالَبْ بِشَيْءٍ وَإِنْ دَخَلَ الْحِجَازَ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ فَهَلْ يُطَالَبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَاجِرًا فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالُوا: وَهَلْ يَفْتَقِرُ أَخْذُ الْعُشْرِ إِلَى شَرْطِ الْإِمَامِ أَوْ يَكْفِي فِيهِ شَرْطُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى وَجْهَيْنِ.
قَالُوا: وَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَحُطَّ مِنَ الْعُشْرِ فِي صِنْفٍ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ جَازَ، وَإِنْ رَأَى حَطَّ الْعُشْرِ بِالْكُلِّيَّةِ لِتَتَّسِعَ الْمَكَاسِبُ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ مُرَاعَاةً لِلْمَصْلَحَةِ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَحُّ -: لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْعُشْرِ إِذَا رَأَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالُوا: وَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ فِي مَالٍ ثُمَّ عَادَ بِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَمْ يُكَرِّرْ عَلَيْهِ الْأَخْذَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ الْجِزْيَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَإِنْ وَافَاهُ بِمَالٍ آخَرَ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ أَخَذْنَا عُشْرَهُ.
قَالُوا: فَإِنْ كَانَ الْمَالُ الْمُتَرَدَّدَ بِهِ إِلَى الْحِجَازِ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَرَّةً ثَانِيَةً فِي الْعَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁.
стр. 262
وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ فَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ عِنْدَهُ مِنْ بَضَائِعِ تُجَّارِ الْحَرْبِ.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَإِنِ اتَّجَرَ فِي بَلَدِهِ لَمْ يُطَالَبْ بِشَيْءٍ وَإِنِ اضْطَرَبَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ كُلَّمَا دَخَلَ وَلَوْ مِرَارًا فِي السَّنَةِ، مِنَ الْمَالِ الصَّامِتِ وَالرَّقِيقِ وَالطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتَّجِرُ فِيهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ فِي الْمَأْخُوذِ: هَلْ هُوَ عُشْرُ مَا يَدْخُلُ بِهِ؟ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ، أَوْ عُشْرُ مَا يُعَوِّضُهُ؟ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالُوا: وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ هَلِ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ لِحَقِّ الْوُصُولِ إِلَى الْبَلَدِ الثَّانِي أَوْ لِحَقِّ الِانْتِفَاعِ فِيهِ؟
قَالُوا: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا فَرْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَوْ دَخَلُوا بِبِضَاعَةٍ أَوْ عَيْنٍ ثُمَّ أَرَادُوا الرُّجُوعَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعُوا وَيَشْتَرُوا، فَابْنُ حَبِيبٍ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الْعُشْرَ كَالْحَرْبِيِّينَ، وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُوجِبُهُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا فِيهِ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: لَوْ دَخَلُوا بِإِمَاءٍ فَابْنُ حَبِيبٍ يَمْنَعُهُمْ مِنْ وَطْئِهِنَّ وَاسْتِخْدَامِهِنَّ وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ إِذْ لَا يَرَى الشَّرِكَةَ، وَلَوْ بَاعُوا فِي بَلَدٍ ثُمَّ اشْتَرَوْا فِيهِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ إِلَّا عُشْرٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ بَاعُوا فِي أُفُقٍ ثُمَّ اشْتَرَوْا
стр. 263
بِالثَّمَنِ فِي أُفُقٍ آخَرَ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرَانِ.
قَالُوا: وَيُخَفَّفُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا حَمَلُوهُ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مِنَ الزَّيْتِ وَالْحِنْطَةِ خَاصَّةً، فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ. هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ.
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ كَامِلًا كَمَا لَوْ حَمَلُوا ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِمَا أَوْ حَمَلُوا غَيْرَهُمَا إِلَيْهِمَا، وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ مُطْلَقٍ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَتَجُوزُ مُشَارَطَتُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ عَقْدِ الْأَمَانِ عَلَى الدُّخُولِ، وَلَوِ اتَّجَرَ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا، فَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: يَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَبِيعُوهُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ، فَإِنْ خِيفَ مِنْ خِيَانَتِهِمْ فِي ذَلِكَ جُعِلَ مَعَهُمْ أَمِينٌ.
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَذَلِكَ إِذَا جَلَبُوهُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا إِلَى أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَا ذِمَّةَ فِيهَا.
وَفِي " الْوَاضِحَةِ " لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ: إِذَا نَزَلَ الْحَرْبِيُّ بِخَمْرٍ أَوْ
стр. 264
خِنْزِيرٍ أَرَاقَ الْإِمَامُ الْخَمْرَ وَقَتَلَ الْخِنْزِيرَ وَلَمْ يُنْزِلْهُمْ مَعَ بَقَائِهِمَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ فَأُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ مَا بِيَدِهِ أَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ رَجَعَ بِالْعُشَرِ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ دَيْنًا لِمُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ عُشْرٌ، وَإِنِ ادَّعَاهُ لَمْ يُصَدَّقْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَلَا يَسْقُطْ بِثُبُوتِهِ لِذِمِّيٍّ.
هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ تَفْصِيلُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ في أخذ الْعُشُورُ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ]
٦٥ - فَصْلٌ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مِنْ أَيْنَ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ - إِذَا اتَّجَرُوا فِيهَا - الضِّعْفَ؟ عَلَى أَيِّ سُنَّةٍ هُوَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي إِلَّا أَنَّهُ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، ثُمَّ قَالَ: تُؤْخَذُ مِنَّا زَكَاتُنَا رُبُعَ الْعُشْرِ، وَتُضْعَفُ عَلَيْهِمْ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفَ الْعُشْرِ.
стр. 265
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَإِنِ اتَّجَرُوا - يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ - بِأَمْوَالِهِمْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا هَلْ لَنَا فِيهَا شَيْءٌ؟ فَأَمْلَى عَلَيَّ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إِذَا مَرُّوا بِتِجَارَتِهِمْ عَلَيْنَا.
قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِأَبِي: تَجِبُ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ إِذَا مَرُّوا بِالْعَاشِرِ فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ، مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، يَعْنِي: فَإِذَا نَقَصَتْ مَنِ الْعِشْرِينَ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَمِنَ الْمُسْلِمِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ.
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَمَا عَلَيْهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ - فِي أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَتَّجِرُونَ فِيهَا إِذَا مَرُّوا بِهَا عَلَيْنَا؟ فَأَمْلَى عَلَيَّ فِي السَّنَةِ مَرَّةً.
كَذَا يَرْوِي إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ عُمَرَ: لَا يَأْخُذُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً.
قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ إِذَا تَجَرُوا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ أُخِذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ، فَإِذَا كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ إِلَّا الْجِزْيَةُ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ رُبُعُ الْعُشْرِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَسْأَلُهُ عَنِ النَّصْرَانِيِّ
стр. 266
وَالْيَهُودِيِّ إِذَا مَرَّا عَلَى الْعَاشِرِ كَمْ يَأْخُذُ مِنْهُمَا؟ قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُمَا نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الذِّمِّيِّ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ دِينَارٍ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: إِذَا نَقَصَتْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ؟
قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: وَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا مَرَّ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالْعَاشِرِ مَرَّتَيْنِ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ كُلَّمَا مَرُّوا؟ قَالَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ مَرُّوا بِالْعَاشِرِ مِرَارًا، قُلْتُ: فَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهِيَ زَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ زَكَاةٌ، وَلَكِنْ إِذَا مَرُّوا بِالْعَاشِرِ عَشَرَهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ سِنْدِيٌّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الذِّمِّيِّ يَمُرُّ بِالْعَاشِرِ: يَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ الْعُشْرِ، فَقِيلَ: فِي كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ مَعَهُ نِصْفُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، قَالَ: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، هَكَذَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اتَّجَرُوا فِيهَا قُوِّمَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أُخِذَ مِنْهُمْ زَكَاتُهَا مَرَّتَيْنِ، يُضْعَفُ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِ عُمَرَ
стр. 267
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَضْعِفْهَا عَلَيْهِمْ "، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ شَبَّهَ الزَّرْعَ بِهَذَا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعَفْوُ "؟ فَقَالَ: عُمَرُ ﵁ جَعَلَ عَلَيْهِمْ مَا بَلَغَكَ، كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ نَصْرَانِيٌّ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: إِنَّ عَامِلَكَ عَشَرَنِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: هُوَ الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، قَالَ عُمَرُ ﵁: أَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفِيُّ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ: أَنْ لَا تَعْشُرُوا فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ وَالزَّكَاةَ إِنَّمَا تُؤْخَذُ فِي الْعَامِ مَرَّةً.
стр. 268
[فَصْلٌ مَتَّى أُخِذَ مِنْهُمْ مَرَّةً كُتِبَ لَهُمْ حُجَّةٌ بِأَدَائِهِمْ لِتَكُونَ وَثِيقَةً لَهُمْ]
٦٦ - فَصْلٌ.
وَمَتَّى أُخِذَ مِنْهُمْ مَرَّةً كُتِبَ لَهُمْ حُجَّةٌ بِأَدَائِهِمْ لِتَكُونَ وَثِيقَةً لَهُمْ، وَحُجَّةً عَلَى مَنْ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَعْشُرُهُمْ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَإِنْ مَرَّ ثَانِيَةً بِأَكْثَرَ مِنَ الْمَالِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ أُخِذَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَحْدَهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُعْشَرْ.
وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ مَالِ التِّجَارَةِ شَيْءٌ، فَلَوْ مَرَّ بِالْعَاشِرِ مِنْهُمْ مُنْتَقِلٌ وَمَعَهُ أَمْوَالٌ أَوْ سَائِمَةٌ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَإِنْ كَانَتْ مَاشِيَتُهُ لِلتِّجَارَةِ أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ عُشْرِهَا.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ، فَرَوَى عَنْهُ صَالِحٌ: مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، يَعْنِي: فَإِذَا نَقَصَ مَنِ الْعِشْرِينَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ لَا يَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا عَلَى التَّغْلِبِيِّ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى الذِّمِّيِّ، كَمَا فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ نِصْفَ مِثْقَالٍ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَهَا شَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ لَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ; لِأَنَّ الْعَشَرَةَ مَالٌ يَبْلُغُ وَاجِبُهُ نِصْفَ دِينَارٍ، فَوَجَبَ فِيهِ كَالْعِشْرِينَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يُعْشَرُ فَوَجَبَ فِي الْعَشَرَةِ مِنْهُ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ، هَذَا مَذْهَبُهُ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ.
стр. 269
وَخَالَفَ ابْنُ حَامِدٍ نَصَّهُ فَقَالَ: يُؤْخَذُ عُشْرُ الْحَرْبِيِّ وَنِصْفُ عُشْرِ الذِّمِّيِّ مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ: " خُذْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا "، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ وَاجِبٌ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ، كَنَصِيبِ الْمَالِكِ فِي أَرْضِهِ الَّتِي عَامَلَهُ عَلَيْهَا.
وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ عُمَرَ بَيَانُ الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» "، وَقَوْلِهِ " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ".
стр. 270
[فَصْلٌ هَلْ تُؤْخَذُ الْعُشُورُ الْمَضْرُوبَةُ عَلَى الذِّمِّيِّ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ]
٦٧ - فَصْلٌ
[هَلْ تُؤْخَذُ الْعُشُورُ الْمَضْرُوبَةُ عَلَى الذِّمِّيِّ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؟]
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الذِّمِّيِّ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: قَالَ عُمَرُ: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْآخِذِ مِنْهَا، يَعْنِي: مِنْ ثَمَنِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّهُ فِي الْجِزْيَةِ وَقَوْلَ عُمَرَ.
وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَسْرُوقٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْخَمْرِ خَاصَّةً.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ أَحْمَدَ إِنَّمَا مَنَعَ الْأَخْذَ مِنْ أَعْيَانِهَا لَا مِنْ أَثْمَانِهَا، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْخَمْرُ لَا يَعْشُرُهَا مُسْلِمٌ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ صَدَقَةَ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: بَعَثْتَ إِلَيَّ بِصَدَقَةِ الْخَمْرِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاللَّهِ لَا اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا، فَنَزَعَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ: " وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنَ
стр. 271
الثَّمَنِ ": إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مِنْ جِزْيَتِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا، ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا فَأَنْكَرَهُ عُمَرُ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا إِذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ هُمُ الْمُتَوَلِّينَ بَيْعَهَا ; لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا تَكُونُ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِعُمَرَ: إِنْ عُمَّالَكَ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: لَا تَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنَ الثَّمَنِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجُوزُ أَخْذُ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مِنْهُمْ عَنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا ; وَلِأَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، فَجَازَ أَخْذُ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ كَأَثْمَانِ ثِيَابِهِمْ.
قُلْتُ: وَلَوْ بَذَلُوهَا فِي ثَمَنٍ مَبِيعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ بَدَلٍ مُتْلَفٍ جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَخْذُهَا وَطَابَتْ لَهُ.
قَالُوا: وَإِذَا مَرَّ الذِّمِّيُّ بِالْعَاشِرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا مَعَهُ أَوْ يَنْقُصُ عَنِ النِّصَابِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ أَخْذَ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ يُعِيدُ لَهُ مَالَ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ، فَيَمْنَعُهُ الدَّيْنُ كَالزَّكَاةِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ مَرَّ بِجَارِيَةٍ فَادَّعَى أَنَّهَا ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
стр. 272
إِحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مِلْكِهِ فِيهَا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ فَأَشْبَهَتْ بَهِيمَتَهُ.
قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: نَصْرَانِيٌّ مَرَّ بِعَشَّارٍ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ، فَقَالَ: ابْنَتِي أَوْ أَهْلِي؟ قَالَ: يُصَدِّقُهُ وَلَا يُصَدِّقُهُ فِي أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ دَيْنٌ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الذِّمِّيِّ يَمُرُّ بِالْعَشَّارِ فَيَقُولُ: عَلَيَّ دَيْنٌ، قَالَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، قِيلَ: فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جَارِيَةٌ فَقَالَ: هِيَ أَهْلِي أَوْ أُخْتِي؟ قَالَ: هُوَ وَاحِدٌ.
قَالَ الْخَلَّالُ: أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: يُصَدِّقُهُ فِي الْجَارِيَةِ وَلَا يُصَدِّقُهُ فِي الدَّيْنِ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلِ مِنْ قَوْلِهِ.
قُلْتُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّيْنِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمِلْكِ فِي الْجَارِيَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ الْحَرْبِيُّ الْمُعَاهَدُ هَلْ عَلَيْهِ الْعُشْرُ]
٦٨ - فَصْلٌ
[الْحَرْبِيُّ الْمُعَاهَدُ هَلْ عَلَيْهِ الْعُشْرُ؟]
فَهَذَا مَذْهَبُهُ فِي الذِّمِّيِّ.
وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمَعَاهَدُ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ.
стр. 273
قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَعَلَيْهِمُ الْعُشْرُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ، فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمُرَادُهُ بِأَهْلِ الْعَهْدِ أَهْلُ الذِّمَّةِ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَأَمْلَى عَلَيَّ: عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ.
وَقَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: أَهْلُ الْحَرْبِ إِذَا مَرُّوا بِالْعَشَّارِ أَخَذَ مِنْهُمُ الْعُشْرَ، مِنَ الْعَشَرَةِ وَاحِدًا.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: كَمْ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؟ قَالَ: الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ دِينَارٌ.
قُلْتُ: حَدِيثُ عُمَرَ: " كَمْ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ إِذَا قَدِمْتُمْ؟ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ أَمِيرًا أَوْ مُصَدِّقًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدًا.
стр. 274
[فَصْلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ فِي جَمِيعِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ]
٦٩ - فَصْلٌ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ فِي جَمِيعِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا دَخَلُوا بِمِيرَةٍ بِالنَّاسِ إِلَيْهَا حَاجَةٌ أُذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ عُشْرٍ، لِيَكْثُرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَعُمَرَ بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ مِنَ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ، وَمِنِ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ الْعُشْرِ، لِيَكْثُرَ الْحَمْلُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَكِنْ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ رِعَايَةً لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، أَوِ التَّرْكَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا عَارِضٌ، لَا أَنَّهُ يَتْرُكُ تَعْشِيرَ الْمِيرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ.
[فَصْلٌ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ تَاجِرٍ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى]
٧٠ - فَصْلٌ.
وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ تَاجِرٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ عُشْرٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَرْبِيَّةً أَوْ ذِمِّيَّةً،
стр. 275
لَكِنْ إِنْ دَخَلَتِ الْحِجَازَ عُشِرَتْ ; لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنَ الْإِقَامَةِ بِهِ.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُصُوصِ أَحْمَدَ أَلْبَتَّةَ وَلَا تَقْتَضِيهِ أُصُولُهُ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ وَصِبْيَانِهِمْ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ الصَّحَابَةِ لَيْسَ فِيهَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَلَا بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَلَيْسَ هَذَا بِجِزْيَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ يَخْتَصُّ بِمَالِ التِّجَارَةِ لِتَوَسُّعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَانْتِفَاعِهِ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالزَّكَاةِ.
[فَصْلٌ لَا يُعْشَرُونَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً]
٧١ - فَصْلٌ.
وَلَا يُعْشَرُونَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ: نَأْخُذُ مِنَ الْحَرْبِيِّ كُلَّمَا دَخَلَ إِلَيْنَا مِنْ قَلِيلِ الْمَالِ أَوْ كَثِيرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ عُمَرَ وَنَصِّ أَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 276
[فَصْلٌ عُشْرُ الْأَمْوَالِ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ]
٧٢ - فَصْلٌ
[عُشْرُ الْأَمْوَالِ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ]
وَإِنْ جَاءَ الْحَرْبِيُّ مُنْتَقِلًا إِلَيْنَا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ لَمْ نَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مِنْ تِجَارَةٍ مَعَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ.
[فَصْلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ سَوَاءٌ أَخَذُوهُ مِنَّا إِذَا دَخَلْنَا إِلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَأْخُذُوهُ]
٧٣ - فَصْلٌ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذُوهُ مِنَّا إِذَا دَخَلْنَا إِلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَأْخُذُوهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا إِذَا دَخَلْنَا أَخْذَنَا مِنْهُمْ وَإِلَّا فَلَا.
[فَصْلٌ تَفْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ فيما يؤخذ من الذمي إذا مر ببلاد الإسلام]
٧٤ - فَصْلٌ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا، فَنَأْخُذُ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ.
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ: كَيْفَ نَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْنَا؟ قَالَ: كَيْفَ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ إِذَا دَخَلْتُمْ إِلَيْهِمْ؟ قَالُوا: الْعُشْرَ، قَالَ: فَكَذَلِكَ خُذُوا مِنْهُمْ.
وَقَالَ زِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ: كُنَّا لَا نَعْشُرُ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهَدًا، قِيلَ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْشُرُونَ؟ قَالَ: كُفَّارُ أَهْلِ الْحَرْبِ، نَأْخُذُ مِنْهُمْ كَمَا يَأْخُذُونَ مِنَّا [وَقَالَ
стр. 277
غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ:] وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
قَالُوا: فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ دَيْنٌ أَوْ لَيْسَ هَذَا الْمَالُ لِي، وَحَلَفَ عَلَيْهِ صُدِّقَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّامِتُ وَالْمَتَاعُ وَالرَّقِيقُ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَإِذَا مَرَّ بِالْفَوَاكِهِ وَأَشْبَاهِهَا الَّتِي لَا بَقَاءَ لَهَا فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ فِيهَا مِنْهُ شَيْءٌ.
قَالُوا: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الْمَالِ الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي السَّنَةِ، وَإِنْ مَرَّ بِهِ مِرَارًا.
وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَ مِائَةَ دِرْهَمٍ أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِيهِ، وَبِمِقْدَارِ النِّصَابِ وَبِقَدْرِ الْوَاجِبِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَ أَنْ حَكَى بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: " وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَهَا وُجُوهٌ:
стр. 278
فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: إِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَالُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُمْ شَبَّهُوهُ بِالصَّدَقَةِ، ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ حِينَ سَمَّى مَا يَجِبُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ الَّتِي تُدَارُ لِلتِّجَارَاتِ، إِنَّمَا قَالَ: يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَذَا، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَذَا، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَذَا، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي أَدْنَى مَبْلَغِ الْمَالِ وَقْتًا.
ثُمَّ قَالُوا: رَأَيْنَاهُ قَدْ ضَمَّ أَمْوَالَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ، فَحَمَلْنَا وَقْتَ أَمْوَالِهِمْ عَلَى الزَّكَاةِ، إِذْ كَانَ لِأَدَاءِ الزَّكَاةِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَهُوَ الْمِائَتَانِ فَأَخَذْنَا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِهَا وَأَلْقَيْنَا مَا دُونَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ فَقَالُوا: الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَيْسَ بِزَكَاةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ إِلَى مَبْلَغِهَا وَإِلَى حَدِّهَا، إِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ رُءُوسِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِأَدَاءِ مَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمْ وَقْتٌ يُوَقَّتُ، وَعَلَى ذَلِكَ صُولِحُوا؟
قَالُوا: فَكَذَلِكَ مَا مَرُّوا بِهِ مِنَ التِّجَارَاتِ يُؤْخَذُ مِنْ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا.
وَأَمَّا سُفْيَانُ فِي تَوْقِيتِهِ بِالْمِائَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْمُوَظَّفَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ هُوَ الضِّعْفُ مِمَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فِي كُلِّ مِائَتَيْنِ عَشَرَةٌ، جَعَلَ فَرْعَ الْمَالِ
стр. 279
عَلَى حَسَبِ أَصْلِهِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ فِي الْمِائَةِ خَمْسَةً كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي الْمِائَتَيْنِ عَشَرَةٌ لِيُوَافِقَ الْحُكْمُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَأَسْقَطَ مَا دُونَ الْمِائَةِ كَمَا عُفِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَمَّا دُونَ الْمِائَتَيْنِ، فَصَارَتِ الْمِائَةُ لِلذِّمِّيِّ كَالْمِائَتَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا رَأْيُهُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَلَسْتُ أَدْرِي مَا وُقِّتَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: إِذْ مَرَّ أَحَدُكُمْ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الْعُشْرُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَوْلُ سُفْيَانَ هُوَ عِنْدِي أَعْدَلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَأَشْبَهُهَا بِالَّذِي أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، مَعَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ إِلَى زُرَيْقِ بْنِ حَيَّانَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ: " مَنْ مَرَّ بِكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَخُذْ مِمَّا يُدِيرُونَ فِي التِّجَارَاتِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا، فَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ إِنَّمَا هِيَ مَعْدُولَةٌ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي الزَّكَاةِ، وَهِيَ عِنْدَنَا تَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مَعَ تَفْسِيرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا يُوجَدُ فِي هَذَا مُفَسِّرٌ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ.
قَالَ: فَهَذَا مَا جَاءَ فِي تَوْقِيتِ أَدَاءِ مَا تَجِبُ فِيهِ الْحُقُوقُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِ.
стр. 280
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا ادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَاخْتِيَارُ سُفْيَانَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ فَإِنَّ الَّذِي أَخْتَارُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
فَأَقُولُ: إِنْ كَانَ لَهُ شُهُودٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى دَيْنِهِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَالِهِ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ قَدْ وَجَبَ لِرَبِّهِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ فِي عُنُقِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يُحْصِي أَهْلَ هَذَا الْحَقِّ، فَيَقْدِرُ عَلَى قَسْمِ مَالِ الذِّمِّيِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا الْغَرِيمِ بِالْحِصَصِ وَلَا يَعْلَمُ كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَقَدْ عَلِمَ حَقَّ هَذَا الْغَرِيمِ فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ أَوْلَى بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ دَيْنُ هَذَا الذِّمِّيِّ إِلَّا بِقَوْلِهِ كَانَ مَرْدُودًا غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ قَدْ لَزِمَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ يُرِيدُ إِبْطَالَهُ بِالدَّعْوَى، وَلَيْسَ بِمُؤْتَمَنٍ فِي ذَلِكَ كَمَا يُؤْتَمَنُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى زَكَوَاتِهِمْ فِي الصَّامِتِ إِنَّمَا هَذَا فَيْءٌ وَحُكْمُهُ غَيْرُ حُكْمِ الصَّدَقَةِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَمَرِّهِ عَلَى الْعَاشِرِ مِرَارًا فِي السَّنَةِ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَسُفْيَانَ فِيهِ: إِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ: إِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّمَا مَرَّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا - إِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُ مِنْ مِصْرٍ إِلَى آخَرَ سِوَاهُ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ فِي هَذَا لِلْإِمَامَيْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَدْ كُفِينَا النَّظَرَ فِيهِ.
стр. 281
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، فَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ عَامِلَكَ يَأْخُذُ مِنِّي الْعُشْرَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إِنَّمَا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةٌ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: هُوَ الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ، قَدْ كَتَبْتُ لَكَ فِي حَاجَتِكَ.
حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: " أَنْ تَأْخُذَ الْعُشُورَ ثُمَّ تَكْتُبَ بِمَا تَأْخُذُ مِنْهُمُ الْبَرَاءَةَ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَلَا مِنْ رِبْحِهِ زَكَاةَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَالِ إِنَّ مَرَّ بِهِ ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَحَدِيثُ عُمَرَ هَذَا هُوَ عَدْلٌ بَيْنَ قَوْلِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَالُ التَّالِي هُوَ الَّذِي مَرَّ بِهِ بِعَيْنِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ تِلْكَ السَّنَةَ وَلَا مِنْ رِبْحِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي قَدْ لَزِمَهُ فِيهِ قَدْ قَضَاهُ، فَلَا يُقْضَى حَقٌّ وَاحِدٌ مِنْ مَالٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ مَرَّ بِمَالٍ سِوَاهُ أُخِذَ مِنْهُ، وَإِنْ جُدِّدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ مِرَارًا، إِذْ كَانَ قَدْ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ بِمَالٍ سِوَى الْمَالِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْمَالَ الْأَوَّلَ لَا يُجْزِئُ عَنِ
стр. 282
الْآخَرِ وَلَا يَكُونُ فِي هَذَا أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الْمُسْلِمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَرَّ بِمَالٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ، ثُمَّ إِنْ مَرَّ بِمَالٍ آخَرَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ مَالِهِ هَذَا أَيْضًا ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَكُونُ قَاضِيَةً عَنِ الْمَالِ الْآخَرِ؟ فَهَذَا قَدْرُ مَا فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ عَادَ بِمَالِهِ ذَلِكَ أَوْ مَالٍ سِوَاهُ، إِنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بَطَلَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا عَادَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُسْتَأْنِفًا لِلْحُكْمِ كَالَّذِي لَمْ يَدْخُلْهَا قَطُّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: لَا يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَدَّعِي مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ: يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا مَرَّ بِجِوَارٍ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ عُشْرُ قِيمَتِهِنَّ.
قُلْتُ: فَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ يُعْشَرُ كُلَّمَا دَخَلَ إِلَيْنَا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ [كُلَّمَا] دَخَلَ إِلَيْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنِهِ صَالِحٍ: أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ.
стр. 283
وَأَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَإِنَّ الْمَالَ الثَّانِيَ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمَالِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يَنْسَحِبْ حُكْمُهَا عَلَى مَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَا يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَهَكَذَا مَالُ الْمَعَاهَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 284
[ذكر الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا] [ فَصْلٌ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا]
٧٥ - فَصْلٌ
فِي الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ".
فَقَالَ: ذَلِكَ أُرِيدُ، فَقَالَ: أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَلِكَ أُرِيدُ "، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ: " اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنَّ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
стр. 285
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسَ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسَ! قَالَ: «اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ: " ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ أَبَدًا " فَتَنَازَعُوا - وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ - فَقَالُوا: مَا لَهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ.
فَقَالَ: " ذَرُونِي، الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ " فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ فَقَالَ: " أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوٍ مِمَّا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ "، وَالثَّالِثَةُ إِمَّا سَكَتَ عَنْهَا، وَإِمَّا قَالَهَا فَنَسِيتُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
следующие страницы →