Полный текст (1 326 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، فَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ عَامِلَكَ يَأْخُذُ مِنِّي الْعُشْرَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إِنَّمَا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةٌ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: هُوَ الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ، قَدْ كَتَبْتُ لَكَ فِي حَاجَتِكَ.
حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: " أَنْ تَأْخُذَ الْعُشُورَ ثُمَّ تَكْتُبَ بِمَا تَأْخُذُ مِنْهُمُ الْبَرَاءَةَ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَلَا مِنْ رِبْحِهِ زَكَاةَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَالِ إِنَّ مَرَّ بِهِ ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَحَدِيثُ عُمَرَ هَذَا هُوَ عَدْلٌ بَيْنَ قَوْلِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَالُ التَّالِي هُوَ الَّذِي مَرَّ بِهِ بِعَيْنِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ تِلْكَ السَّنَةَ وَلَا مِنْ رِبْحِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي قَدْ لَزِمَهُ فِيهِ قَدْ قَضَاهُ، فَلَا يُقْضَى حَقٌّ وَاحِدٌ مِنْ مَالٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ مَرَّ بِمَالٍ سِوَاهُ أُخِذَ مِنْهُ، وَإِنْ جُدِّدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ مِرَارًا، إِذْ كَانَ قَدْ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ بِمَالٍ سِوَى الْمَالِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْمَالَ الْأَوَّلَ لَا يُجْزِئُ عَنِ
стр. 282
الْآخَرِ وَلَا يَكُونُ فِي هَذَا أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الْمُسْلِمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَرَّ بِمَالٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ، ثُمَّ إِنْ مَرَّ بِمَالٍ آخَرَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ مَالِهِ هَذَا أَيْضًا ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَكُونُ قَاضِيَةً عَنِ الْمَالِ الْآخَرِ؟ فَهَذَا قَدْرُ مَا فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ عَادَ بِمَالِهِ ذَلِكَ أَوْ مَالٍ سِوَاهُ، إِنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بَطَلَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا عَادَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُسْتَأْنِفًا لِلْحُكْمِ كَالَّذِي لَمْ يَدْخُلْهَا قَطُّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: لَا يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَدَّعِي مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ: يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا مَرَّ بِجِوَارٍ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ عُشْرُ قِيمَتِهِنَّ.
قُلْتُ: فَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ يُعْشَرُ كُلَّمَا دَخَلَ إِلَيْنَا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ [كُلَّمَا] دَخَلَ إِلَيْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنِهِ صَالِحٍ: أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ.
стр. 283
وَأَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَإِنَّ الْمَالَ الثَّانِيَ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمَالِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يَنْسَحِبْ حُكْمُهَا عَلَى مَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَا يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَهَكَذَا مَالُ الْمَعَاهَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 284
[ذكر الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا] [ فَصْلٌ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا]
٧٥ - فَصْلٌ
فِي الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ".
فَقَالَ: ذَلِكَ أُرِيدُ، فَقَالَ: أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَلِكَ أُرِيدُ "، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ: " اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنَّ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
стр. 285
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسَ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسَ! قَالَ: «اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ: " ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ أَبَدًا " فَتَنَازَعُوا - وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ - فَقَالُوا: مَا لَهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ.
فَقَالَ: " ذَرُونِي، الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ " فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ فَقَالَ: " أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوٍ مِمَّا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ "، وَالثَّالِثَةُ إِمَّا سَكَتَ عَنْهَا، وَإِمَّا قَالَهَا فَنَسِيتُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
стр. 286
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَّمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا فَأَمَّنَهُمْ، وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ؛ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «آخَرُ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 287
وَفِي " مُسْنَدِهِ " أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا عَلِيُّ، إِنْ أَنْتَ وُلِّيتَ الْأَمْرَ بَعْدِي فَأَخْرِجْ أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ".
стр. 288
وَفِي " الْمُسْنَدِ " أَيْضًا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ابْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ قَالَ: «آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ".
стр. 289
قَالَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» "، قَالَ: إِنَّمَا الْجَزِيرَةُ مَوْضِعُ الْعَرَبِ، وَأَمَّا مَوْضِعٌ يَكُونُ فِيهِ أَهْلُ السَّوَادِ وَالْفُرْسُ فَلَيْسَ هُوَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ. مَوْضِعُ الْعَرَبِ: الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» " قَالَ: هُمُ الَّذِينَ قَاتَلُوا النَّبِيَّ ﷺ لَيْسَتْ لَهُمْ ذِمَّةٌ، لَيْسَ هُمْ مِثْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: أَيْ يُخْرَجُونَ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ دُونَ الشَّامِ يُرِيدُ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُخْرَجُونَ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ.
[حَدُّ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ]
وَقَالَ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ حَنْبَلٍ: [حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ:] قَالَ عَمِّي: جَزِيرَةُ
стр. 290
الْعَرَبِ يَعْنِي الْمَدِينَةَ وَمَا وَالَاهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجْلَى يَهُودَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا بِهَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا يَبْقَى دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» " تَفْسِيرُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ فَارِسَ وَالرُّومِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُلُّ مَا كَانَ دُونَ أَطْرَافِ الشَّامِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: مَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ فَارِسَ وَالرُّومِ قِيلَ لَهُ: مَا كَانَ خَلْفَ الْعَرَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَفِي " الْمُغْنِي ": " جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ الْوَادِي إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ،
стр. 291
قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ مِنْ رِيفِ الْعِرَاقِ إِلَى عَدَنٍ طُولًا، وَمِنْ تِهَامَةَ وَمَا وَرَاءَهَا إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ عَرْضًا.
стр. 292
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ مِنْ حَفْرِ أَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ طُولًا، وَمِنْ رَمْلِ يَبْرِينَ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ عَرْضًا.
стр. 293
قَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّمَا قِيلَ لَهَا: " جَزِيرَةُ الْعَرَبِ " لِأَنَّ بَحْرَ الْحَبَشِ وَبَحْرَ فَارِسَ وَالْفُرَاتَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهَا، وَنُسِبَتْ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهَا أَرْضُهَا وَمَسْكَنُهَا وَمَعْدِنُهَا.
وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ: الْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهَا، يُرِيدُ مَكَّةَ وَالْيَمَامَةَ وَخَيْبَرَ
стр. 294
وَالْيَنْبُعَ وَفَدَكَ وَمَخَالِيفَهَا وَمَا وَالَاهَا، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَجِّلُوا مِنْ تَيْمَاءَ وَلَا مِنَ الْيَمَنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّهَا مَا بَيْنَ الْوَادِي إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَوَّلَهُ.
стр. 295
وَحَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَرْضَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ قَالَ: " «أَخْرِجُوا أَهْلَ نَجْرَانَ وَيَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» "، وَكَذَا قَوْلُهُ لِعَلِيٍّ ﵁: " «أَخْرِجْ أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَالُوا: شَفَاعَتُكَ بِلِسَانِكَ، وَكِتَابُكَ بِيَدِكَ، أَخْرَجَنَا عُمَرُ مِنْ أَرْضِنَا فَرُدَّهَا إِلَيْنَا صَنِيعَةً، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ وَلَا أُغَيِّرُ شَيْئًا صَنَعَهُ عُمَرُ.
قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: قَالَ الْأَعْمَشُ: فَكَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَاغْتَنَمَ هَذَا.
قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْرُهُ بِإِخْرَاجِ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَمْ يَعْتَذِرْ بِأَنَّ عُمَرَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ أَوْ لَعَلَّهُ نَسِيَ الْحَدِيثَ أَوْ أَحَالَ عَلَى عُمَرَ ﵁ قَطْعًا لِمُنَازَعَتِهِمْ وَطَلَبِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَهْلُ نَجْرَانَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَالَحَهُمْ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ أَمْنٍ عَلَى أَرْضِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَكَيْفَ اسْتَجَازَ
стр. 296
عُمَرُ ﵁ إِخْرَاجَهُمْ؟ قِيلَ: قَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " إِنَّمَا نَرَى عُمَرَ قَدِ اسْتَجَازَ إِخْرَاجَ أَهْلِ نَجْرَانَ وَهُمْ أَهْلُ صُلْحٍ، لِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ خَاصَّةً، يُحَدِّثُونَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُونٍ مَوْلَى آلِ سَمُرَةَ عَنِ ابْنِ سَمُرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ آخَرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: " «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ وَأَخْرِجُوا أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ".
فَإِنْ قِيلَ: زِدْتُمُ الْأَمْرَ إِشْكَالًا، فَكَيْفَ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ وَقَدْ عَقَدَ مَعَهُمُ الصُّلْحَ؟ قِيلَ: الصُّلْحُ كَانَ مَعَهُمْ بِشُرُوطٍ فَلَمْ يَفُوا بِهَا، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا نَرَاهُ قَالَ ذَلِكَ لَنَكْثٍ كَانَ مِنْهُمْ، أَوْ لِأَمْرٍ أَحْدَثُوهُ بَعْدَ الصُّلْحِ.
قَالَ: وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ عُمَرُ ﵁ إِلَيْهِمْ قَبْلَ إِجْلَائِهِ إِيَّاهُمْ مِنْهَا.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: انْظُرْ كِتَابًا قَرَأْتُهُ عِنْدَ فُلَانِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَكَلِّمْ فِيهِ زِيَادَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: فَكَلَّمْتُهُ فَأَعْطَانِي، فَإِذَا فِي الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ رُعَاشٍ كُلِّهِمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ مُسْلِمُونَ ثُمَّ ارْتَدَدْتُمْ بَعْدُ، وَإِنَّهُ مَنْ يَتُبْ
стр. 297
مِنْكُمْ وَيُصْلِحْ لَا يَضُرَّهُ ارْتِدَادُهُ وَنُصَاحِبْهُ صُحْبَةً حَسَنَةً، فَادَّكِرُوا وَلَا تَهْلِكُوا وَلْيُبَشَّرْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ، فَإِنْ أَبَى إِلَّا النَّصْرَانِيَّةَ فَإِنَّ ذِمَّتِي بَرِيئَةٌ مِمَّنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَ عَشْرٍ تَبْقَى مِنْ شَهْرِ الصَّوْمِ مِنَ النَّصَارَى بِنَجْرَانَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ يَعْلَى كَتَبَ يَعْتَذِرُ أَنْ يَكُونَ أَكَرَهَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ عَذَّبَهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ [قَسْرًا جَبْرًا وَ] وَعِيدًا لَمْ يَنْفَذْ إِلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَمَرْتُ يَعْلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْكُمْ نِصْفَ مَا عَمِلْتُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنِّي لَنْ أُرِيدَ نَزْعَهَا مِنْكُمْ مَا أَصْلَحْتُمْ.
стр. 298
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي " فَأَمَّا إِخْرَاجُ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْهَا فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ عَلَى تَرْكِ الرِّبَا فَنَقَضُوا عَهْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَقَرَّ أَهْلَ خَيْبَرَ بِهَا إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ وَهِيَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ.
قِيلَ: أَمَّا إِقْرَارُ أَهْلِ خَيْبَرَ فَإِنَّهُ لَمْ يُقِرَّهُمْ إِقْرَارًا لَازِمًا، بَلْ قَالَ: " نُقِرُّكُمْ
стр. 299
مَا شِئْنَا " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ عَقْدَ الصُّلْحِ جَائِزًا مِنْ جِهَتِهِ مَتَى شَاءَ نَقَضَهُ بَعْدَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ، فَلَمَّا أَحْدَثُوا وَنَكَثُوا أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁.
فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: " «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ تَعَالَى» "، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ، هُمْ عَدُّونَا وَتُهْمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ.
فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ ﵁ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي [أَبِي] الْحُقَيْقِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَظْنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ
стр. 300
قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟ فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، قَالَ: فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «أَتَى
стр. 301
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ، وَغَلَبَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ - وَهِيَ السِّلَاحُ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّ حُيَيٍّ - وَاسْمُهُ سَعْيَةُ -: مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءُوا بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ قَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ حُيَيٌّ قُتِلَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْيَةَ إِلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَهِمْ، وَقَسَّمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَكُنْ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحْهَا وَنَقُمْ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا وَلَا يَفْرَغُونَ أَنْ يَقُومُوا، فَأَعْطَاهُمْ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَتَمْرٍ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 302
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَأْتِيهِمْ فِي كُلِّ عَامٍ يَخُرُصُهَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُضَمِّنُهُمُ الشَّطْرَ فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شِدَّةَ خَرْصِهِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَتُطْعِمُونَنِي السُّحْتَ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ مِنْ عِدْلِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ عَلَى أَلَّا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ.
فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ كُلَّ عَامٍ وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ ﵁ غَشُّوا الْمُسْلِمِينَ، وَأَلْقَوُا ابْنَ عُمَرَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ فَفَدَعُوا يَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ كَانَ لَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ فَلْيَحْضُرْ حَتَّى نُقَسِّمَهَا بَيْنَهُمْ، فَقَسَّمَهَا عُمَرُ ﵁ بَيْنَهُمْ.
فَقَالَ رَئِيسُهُمْ: لَا تُخْرِجْنَا، دَعْنَا نَكُنْ فِيهَا كَمَا أَقَرَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِرَئِيسِهِمْ: أَتَرَاهُ سَقَطَ عَلَيَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " كَيْفَ بِكَ إِذَا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّامِ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا "، وَقَسَّمَهَا عُمَرُ ﵁ بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ» .
стр. 303
وَأَمَّا رَهْنُ النَّبِيِّ ﷺ دِرْعَهُ عِنْدَ الْيَهُودِيِّ فَلَعَلَّهُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَقْدَمُونَ الْمَدِينَةَ بِالْمِيرَةِ وَالتِّجَارَةِ مِنْ حَوْلِهَا، أَوْ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ وَإِلَّا فَيَهُودُ الْمَدِينَةِ كَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ: بَنِي قَيْنُقَاعَ وَبَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ.
فَأَمَّا بَنُو قَيْنُقَاعَ فَحَارَبَهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَأَجْلَاهُمْ إِلَى خَيْبَرَ وَأَجْلَى بَنِي قَيْنُقَاعَ أَيْضًا، وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَجْلَى كُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَهَذَا الْيَهُودِيُّ الْمُرْتَهَنُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِطَعَامٍ أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُحَارِبْ فَبَقِيَ عَلَى أَمَانِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذَا أَصْلُ إِجْلَاءِ الْكُفَّارِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ كُلِّهَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ".
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا» ".
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُمْنَعُونَ مِنَ الْحِجَازِ، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفِهَا وَهِيَ قُرَاهَا.
стр. 304
أَمَّا غَيْرُ الْحَرَمِ مِنْهُ فَيُمْنَعُ الْكِتَابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الِاسْتِيطَانِ وَالْإِقَامَةِ بِهِ وَلَهُ الدُّخُولُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِمَصْلَحَةٍ كَأَدَاءِ رِسَالَةٍ أَوْ حَمْلِ مَتَاعٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ حَاجَةٍ، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تِجَارَتِهِ شَيْئًا، وَلَا يُمَكَّنْ مِنَ الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ.
وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْيَمَنَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْإِقَامَةِ فِيهَا وَهَذَا وَهْمٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا قَبْلَ مَوْتِهِ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، وَأَقَرَّهُمْ فِيهَا وَأَقَرَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَأَقَرَّهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵃، وَلَمْ يُجْلُوهُمْ مِنَ الْيَمَنِ مَعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ إِمَامٍ أَنَّهُ أَجْلَاهُمْ مِنَ الْيَمَنِ.
وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُخْرَجُونَ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ وَيَنْبُعَ وَمَخَالِيفِهَا وَلَمْ يَذْكُرَا الْيَمَنَ، وَلَمْ يُجْلُوا مِنْ تَيْمَاءَ أَيْضًا وَكَيْفَ يَكُونُ الْيَمَنُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهِيَ وَرَاءَ الْبَحْرِ فَالْبَحْرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَزِيرَةِ؟ فَهَذَا الْقَوْلُ غَلَطٌ مَحْضٌ.
стр. 305
[حُكْمُ دُخُولِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْحَرَمَ]
وَأَمَّا الْحَرَمُ فَإِنْ كَانَ حَرَمَ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَوْ قَدِمَ رَسُولٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي دُخُولِهِ، وَيَخْرُجُ الْوَالِي أَوْ مَنْ يَثِقُ بِهِ إِلَيْهِ وَلَا يَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِخِطَّةِ مَكَّةَ بَلْ بِالْحَرَمِ كُلِّهِ.
وَأَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ لِرِسَالَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ حَمْلِ مَتَاعٍ.
[فَصْلٌ مَذْهَبُ أَحْمَدَ في الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا]
٧٦ - فَصْلٌ.
فَهَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَعِنْدَهُ يَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُ الْحِجَازِ لِلتِّجَارَةِ ; لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَتَّجِرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ عَنْهُ رِوَايَةً: أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ فِي امْتِنَاعِ دُخُولِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا غَلَطٌ عَلَى أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ دُخُولُهُمْ بِالتِّجَارَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ وَبَعْدَهُ وَتَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: أَرْبَعَةٌ وَهِيَ حَدُّ مَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ.
وَإِذَا مَرِضَ بِالْحِجَازِ جَازَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ لِمَشَقَّةِ الِانْتِقَالِ عَلَى الْمَرِيضِ.
стр. 306
وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُ مَنْ يُمَرِّضُهُ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ وَكَانَ حَالًّا أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ لِمَطْلٍ أَوْ غَيْبَةٍ مُكِّنَ مِنَ الْإِقَامَةِ لِيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَفِي إِخْرَاجِهِ ذَهَابُ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْإِقَامَةِ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَسْتَوْفِيهِ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ وَيَتَعَجَّلَ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنُصُوصَتَيْنِ أَشْهَرُهُمَا الْمَنْعُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ شَيْخِنَا الْجَوَازُ.
وَالْمَنْعُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَالْجَوَازُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ
стр. 307
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَجْلَى يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا: إِنْ لَنَا دُيُونًا لَمْ تَحِلَّ فَقَالَ: " ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» .
وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ وَحَدِيثُهُ لَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْحَسَنِ.
فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْإِقَامَةِ لِبَيْعِ بِضَاعَتِهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ تَرْكَهَا أَوْ حَمْلَهَا مَعَهُ ضَيَاعَ مَالِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الدُّخُولَ بِالْبَضَائِعِ وَيَضُرُّ بِأَهْلِ الْحِجَازِ وَيَقْطَعُ الْجَلْبَ عَنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَالثَّانِي: يُمْنَعُ مِنَ الْإِقَامَةِ ; لِأَنَّ لَهُ مِنْهَا بُدًّا، فَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْحِجَازِ جَازَ وَيُقِيمُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً، وَلَا يَدْخُلُونَ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَقِيلَ: يَكْفِي إِذْنُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ: هَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْحَرَمِ.
قَالَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَجْرَانَ وَنَحْوِهِنَّ.
стр. 308
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُصَرِّحُ بِأَنَّ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
قَالُوا: فَإِنْ دَخَلُوا غَيْرَ الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.
وَأَمَّا الْحَرَمُ فَيُمْنَعُونَ دُخُولَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي دُخُولِهِ، فَإِنْ دَخَلَ أَحَدُهُمْ فَمَرِضَ أَوْ مَاتَ أُخْرِجَ وَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ.
وَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ حَرَمِ الْمَدِينَةِ؟ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ «صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلُّوا فِيهِ» وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ، فَلَمْ تَتَنَاوَلِ الْآيَةُ حَرَمَ الْمَدِينَةِ وَلَا مَسْجِدَهَا.
стр. 309
[فَصْلٌ تَفْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ في الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا]
٧٧ - فَصْلٌ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِلَّا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ: وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهُمَا.
وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْهُ دُخُولَ الْيَمَنِ فِيهَا.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهَا مِنْ أَقْصَى عَدَنٍ وَمَا وَالَاهَا مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ كُلِّهَا إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ وَمِصْرَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ، وَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنَ الِاجْتِيَازِ بِهَا مُسَافِرِينَ وَلَكِنْ لَا يُقِيمُونَ.
[فَصْلٌ مذهب أَبُو حَنِيفَةَ في الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا]
٧٨ - فَصْلٌ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَعِنْدَهُ: لَهُمْ دُخُولُ الْحَرَمِ كُلِّهِ حَتَّى الْكَعْبَةِ نَفْسِهَا، وَلَكِنْ لَا يَسْتَوْطِنُونَ بِهِ.
وَأَمَّا الْحِجَازُ فَلَهُمُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ بِقَدْرِ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَكَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَاسَ دُخُولَهُمْ مَكَّةَ عَلَى دُخُولِهِمْ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقِيَاسُ فَإِنَّ لِحَرَمِ مَكَّةَ أَحْكَامًا يُخَالِفُ بِهَا الْمَدِينَةَ، عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ حَرَمًا.
стр. 310
فَإِنْ قِيلَ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا مَنَعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْهُ: وَلِهَذَا «أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: " أَنَّهُ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» " وَالْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ هُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ لَا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمُ الْمَنْعُ.
قِيلَ: لِلنَّاسِ قَوْلَانِ فِي دُخُولِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي لَفْظِ الْمُشْرِكِينَ.
[الْأَوَّلُ:] فَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ كَانُوا يَقُولُونَ: هُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يَقُولَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَعُزَيْزٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وَالثَّانِي: لَا يَدْخُلُونَ فِي لَفْظِ " الْمُشْرِكِينَ " ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُمْ غَيْرَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧] .
قَالَ شَيْخُنَا: " وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ دِينُ التَّوْحِيدِ فَلَيْسُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَصْلِ، وَالشِّرْكُ طَارِئٌ عَلَيْهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ مَا عَرَضَ لَهُمْ لَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الدِّينِ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ الْآيَةِ دَخَلُوا
стр. 311
فِي عُمُومِهَا الْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ كَوْنُهُمْ نَجَسًا، وَالْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْآيَةُ نَبَّهَتْ عَلَى دُخُولِهِمُ الْحَرَمَ عِوَضًا عَنْ دُخُولِ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] ، فَإِنَّهَا لَمَّا نَزَلَتِ انْقَطَعَ عَنْهُمْ مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْلِبُونَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمِيرَةِ، فَأَعَاضَهُمُ اللَّهُ بِالْجِزْيَةِ.
قِيلَ: لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِوَجْهٍ مَا، بَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَتُحْمَلُ إِلَى مَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ الْإِغْنَاءَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَقَعَ بِالْفُتُوحِ وَالْفَيْءِ وَالتِّجَارَاتِ الَّتِي حَمَلَهَا الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَكَّةَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْآيَةُ إِنَّمَا مَنَعَتْ قُرْبَانَهُمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ خَاصَّةً، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ؟ قِيلَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ يُرَادُ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، نَفْسُ الْبَيْتِ، وَالْمَسْجِدُ الَّذِي حَوْلَهُ، وَالْحَرَمُ كُلُّهُ.
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَاهُنَا الْحَرَمُ كُلُّهُ وَالنَّاسُ سَوَاءٌ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] ،
стр. 312
وَإِنَّمَا أَسْرَى بِهِ مِنْ دَارِهِ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ، وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ، أَنَّ الْمُرَادَ مَكَّةُ كُلُّهَا وَالْحَرَمُ، وَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِنَفْسِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُطَافُ فِيهِ.
وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَتِ الْيَهُودُ بِخَيْبَرَ وَمَا حَوْلَهَا وَلَمْ يَكُونُوا يُمْنَعُونَ مِنَ الْمَدِينَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 313
مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى طَعَامٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ» فَلَمْ يُجْلِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ نُزُولِهَا مِنَ الْحِجَازِ، «وَأَمَرَ مُؤَذِّنَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي دُخُولِهِمْ مَسَاجِدَ الْحِلِّ؟ قِيلَ: إِنْ دَخَلُوهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُمَكَّنُوا مِنْهُ ; لِأَنَّهُمْ نَجَسٌ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُمْ وَقَدْ مُنِعَا مِنْ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ.
стр. 314
وَإِنْ دَخَلُوهَا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْزَلَ الْوُفُودَ مِنَ الْكُفَّارِ فِي مَسْجِدِهِ، فَأَنْزَلَ فِيهِ وَفْدَ نَجْرَانَ وَوَفْدَ ثَقِيفٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَدْخُلُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ.
«وَقَدِمَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ - وَهُوَ مُشْرِكٌ - فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى
стр. 315
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ لِيَفْتِكَ بِهِ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ» .
وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْحَائِضِ وَالْجَنْبِ ; فَإِنَّهُمْ نَجْسٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ لَيْسَا بِنَجَسٍ بِنَصِّ السُّنَّةِ.
وَلَمَّا دَخَلَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَعْطَاهُ كِتَابًا فِيهِ حِسَابُ عَمَلِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ادْعُ الَّذِي كَتَبَهُ لِيَقْرَأَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَالَ وَلِمَ؟ قَالَ إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إِلَى حَدَثِ جَنَابَتِهِ حَدَثُ شِرْكِهِ فَتَغَلَّظَ الْمَنْعُ.
وَأَمَّا دُخُولُ الْكُفَّارِ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي عُهُودِهِمْ، وَيُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الرَّسَائِلَ، وَيَحْمِلُونَ مِنْهُ الْأَجْوِبَةَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ الدَّعْوَةَ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ - إِذْ ذَاكَ -
стр. 316
الْمَسْجِدَ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ إِذْ ذَاكَ أَعْظَمَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِيهِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُمَا التَّطَهُّرُ وَالدُّخُولُ إِلَى الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا الْآنَ فَلَا مَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِهِمْ مَسَاجِدَهُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ جَازَ دُخُولُهَا بِلَا إِذْنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 317
[ذكر معاملة أهل الذمة عند اللقاء] [ فصل حكم بداءة أهل الذمة بِالسَّلَامِ]
ذِكْرُ [مُعَامَلَتِهِمْ] عِنْدَ اللِّقَاءِ وَكَرَاهَةِ أَنْ يُبْدَءُوا بِالسَّلَامِ وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ ".
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ» " هَكَذَا بِالْوَاوِ.
وَفِي لَفْظٍ: " عَلَيْكَ " بِلَا وَاوٍ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 318
قَالَ: " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ هَكَذَا.
وَفِي لَفْظٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: " فَقُولُوا: عَلَيْكُمْ " بِلَا وَاوٍ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ " وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الْوَاوَ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، قَالَ: " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ "، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: " أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ؟ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» ".
стр. 319
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قُلْتُ: " «بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ» ".
وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَغَضِبَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: " بَلَى قَدْ سَمِعْتُ فَرَدَدْتُ: عَلَيْكُمْ، إِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا» ".
وَعَنْ أَبِي [بَصْرَةَ] ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّا غَادُونَ عَلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
стр. 320
وَلَهُ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ".
следующие страницы →