← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الْمَسْجِدَ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ إِذْ ذَاكَ أَعْظَمَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِيهِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُمَا التَّطَهُّرُ وَالدُّخُولُ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَأَمَّا الْآنَ فَلَا مَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِهِمْ مَسَاجِدَهُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ جَازَ دُخُولُهَا بِلَا إِذْنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 317

[ذكر معاملة أهل الذمة عند اللقاء] [ فصل حكم بداءة أهل الذمة بِالسَّلَامِ] ذِكْرُ [مُعَامَلَتِهِمْ] عِنْدَ اللِّقَاءِ وَكَرَاهَةِ أَنْ يُبْدَءُوا بِالسَّلَامِ وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ ". وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ» " هَكَذَا بِالْوَاوِ. وَفِي لَفْظٍ: " عَلَيْكَ " بِلَا وَاوٍ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -

стр. 318

قَالَ: " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ هَكَذَا. وَفِي لَفْظٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: " فَقُولُوا: عَلَيْكُمْ " بِلَا وَاوٍ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ " وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الْوَاوَ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، قَالَ: " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ "، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: " أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ؟ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» ".

стр. 319

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قُلْتُ: " «بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ» ". وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَغَضِبَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: " بَلَى قَدْ سَمِعْتُ فَرَدَدْتُ: عَلَيْكُمْ، إِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا» ". وَعَنْ أَبِي [بَصْرَةَ] ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّا غَادُونَ عَلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

стр. 320

وَلَهُ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ".

стр. 321

[مَعْنَى السَّلَامِ] [الْوَجْهُ الْأَوَّلُ:] وَلَمَّا كَانَ السَّلَامُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ ﵎، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ فِي الْأَصْلِ - كَالْكَلَامِ وَالْعَطَاءِ - بِمَعْنَى

стр. 322

السَّلَامَةِ كَانَ الرَّبُّ تَعَالَى أَحَقَّ بِهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ السَّالِمُ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَعَيْبٍ وَنَقْصٍ وَذَمٍّ، فَإِنَّ لَهُ الْكَمَالَ الْمُطْلَقَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَكَمَالُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا كَذَلِكَ، وَالسَّلَامُ يَتَضَمَّنُ سَلَامَةَ أَفْعَالِهِ مِنَ الْعَبَثِ وَالظُّلْمِ وَخِلَافِ الْحِكْمَةِ، وَسَلَامَةَ صِفَاتِهِ مِنْ مُشَابَهَةِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَسَلَامَةَ ذَاتِهِ مَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ، وَسَلَامَةَ أَسْمَائِهِ مِنْ كُلِّ ذَمٍّ، فَاسْمُ السَّلَامِ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ جَمِيعِ الْكَمَالَاتِ لَهُ وَسَلْبَ جَمِيعِ النَّقَائِصِ عَنْهُ. وَهَذَا مَعْنَى: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَيَتَضَمَّنُ إِفْرَادَهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَإِفْرَادَهُ بِالتَّعْظِيمِ، وَهَذَا مَعْنَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَانْتَظَمَ اسْمُ " السَّلَامِ " الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ الَّتِي يُثْنَى بِهَا عَلَى الرَّبِّ ﷻ . وَمِنْ بَعْضِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ أَنَّهُ الْحَيُّ الَّذِي سَلِمَتْ حَيَاتُهُ مِنَ الْمَوْتِ وَالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالتَّغَيُّرِ، الْقَادِرُ الَّذِي سَلِمَتْ قُدْرَتُهُ مِنَ اللُّغُوبِ وَالتَّعَبِ وَالْإِعْيَاءِ وَالْعَجْزِ عَمَّا يُرِيدُ، الْعَلِيمُ الَّذِي سَلِمَ عِلْمُهُ أَنْ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ يَغِيبَ عَنْهُ مَعْلُومٌ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ صِفَاتِهِ عَلَى هَذَا.

стр. 323

فَرِضَاهُ سُبْحَانَهُ سَلَامٌ أَنْ يُنَازِعَهُ الْغَضَبُ، وَحِلْمُهُ سَلَامٌ أَنْ يُنَازِعَهُ الِانْتِقَامُ، وَإِرَادَتُهُ سَلَامٌ أَنْ يُنَازِعَهَا الْإِكْرَاهُ، وَقُدْرَتُهُ سَلَامٌ أَنْ يُنَازِعَهَا الْعَجْزُ وَمَشِيئَتُهُ سَلَامٌ أَنْ يُنَازِعَهَا خِلَافُ مُقْتَضَاهَا، وَكَلَامُهُ سَلَامٌ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ كَذِبٌ أَوْ ظُلْمٌ، بَلْ تَمَّتَ كَلِمَاتُهُ صِدْقًا وَعَدْلًا، وَوَعْدُهُ سَلَامٌ أَنْ يَلْحَقَهُ خُلْفٌ، وَهُوَ سَلَامٌ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ شَيْءٌ أَوْ بَعْدَهُ شَيْءٌ أَوْ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَوْ دُونَهُ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَعَطَاؤُهُ وَمَنْعُهُ سَلَامٌ أَنْ يَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ، وَمَغْفِرَتُهُ سَلَامٌ أَنْ يُبَالِيَ بِهَا أَوْ يَضِيقَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ أَوْ تَصْدُرَ عَنْ عَجْزٍ عَنْ أَخْذِ حَقِّهِ كَمَا تَكُونُ مَغْفِرَةُ النَّاسِ، وَرَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ وَرَأْفَتُهُ وَبِرُّهُ وَجُودُهُ وَمُوَالَاتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَتَحَبُّبُهُ إِلَيْهِمْ وَحَنَانُهُ عَلَيْهِمْ وَذِكْرُهُ لَهُمْ وَصَلَاتُهُ عَلَيْهِمْ سَلَامٌ أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِمْ أَوْ تَعَزُّزٍ بِهِمْ أَوْ تَكَثُّرٍ بِهِمْ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ مَا يُنَافِي كَلَامَهُ الْمُقَدَّسَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَأَخْطَأَ كُلَّ الْخَطَأِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ السُّلُوبِ، فَإِنَّ السَّلْبَ الْمَحْضَ لَا يَتَضَمَّنُ كَمَالًا، بَلِ اسْمُ السَّلَامِ مُتَضَمِّنٌ لِلْكَمَالِ السَّالِمِ مِنْ كُلِّ مَا يُضَادُّهُ، وَإِذَا لَمْ تَظْلِمْ هَذَا الِاسْمَ وَوَفَّيْتَهُ مَعْنَاهُ وَجَدْتَهُ مُسْتَلْزِمًا لِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَشَرْعِ الشَّرَائِعِ، وَثُبُوتِ الْمَعَادِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَثُبُوتِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَعُلُوِّ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِأَفْعَالِهِمْ وَسَمْعِهِ لِأَصْوَاتِهِمْ وَاطِّلَاعِهِ عَلَى سَرَائِرِهِمْ وَعَلَانِيَاتِهِمْ، وَتَفَرُّدِهِ بِتَدْبِيرِهِمْ وَتَوَحُّدِهِ فِي كَمَالِهِ الْمُقَدَّسِ عَنْ شَرِيكٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَهُوَ السَّلَامُ الْحَقُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا هُوَ النَّزِيهُ الْبَرِيءُ عَنْ نَقَائِصِ الْبَشَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

стр. 324

وَلَمَّا كَانَ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفًا بِأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا شِمَالٌ بَلْ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، كَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا حُسْنَى وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا

стр. 325

خَيْرٌ، وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا كَمَالٌ وَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَوْلِيَائِهِ فِي الدُّنْيَا وَتَحِيَّتَهُمْ يَوْمَ لِقَائِهِ، «وَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ وَكَمَّلَ خَلْقَهُ فَاسْتَوَى قَالَ اللَّهُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ بِهِ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذَرِّيَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ الْجَنَّةِ بِدَارِ السَّلَامِ، فَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ،

стр. 326

وَالْجَنَّةُ دَارُهُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ السَّلَامَةُ، وَالْجَنَّةُ دَارُ السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَعَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دَارَ السَّلَامِ ; لِأَنَّ تَحِيَّتَهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا. [الْوَجْهُ الثَّانِي:] وَأَمَّا قَوْلُ الْمُسَلِّمِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَهُوَ إِخْبَارٌ لِلْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ بِسَلَامَتِهِ مِنْ غِيلَةِ الْمُسْلِمِ وَغِشِّهِ وَمَكْرِهِ وَمَكْرُوهٍ يَنَالُهُ مِنْهُ، فَيَرُدُّ الرَّادُّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِكَ وَأَحَلَّهُ عَلَيْكَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْوَجْهِ وَبَيْنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ خَبَرٌ وَفِي الثَّانِي طَلَبٌ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: اذْكُرِ اللَّهَ الَّذِي عَافَاكَ مِنَ الْمَكْرُوهِ وَأَمَّنَكَ مِنَ الْمَحْذُورِ وَسَلَّمَكَ مِمَّا تَخَافُ وَعَامَلَنَا مِنَ السَّلَامَةِ وَالْأَمَانِ بِمِثْلِ مَا عَامَلَكَ بِهِ، فَيَرُدُّ الرَّادُّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَزِيدَهُ كَمَا أَنَّ مَنْ أَهْدَى لَكَ هَدِيَّةً يُسْتَحَبُّ لَكَ أَنْ تُكَافِئَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وَمَنْ دَعَا لَكَ يَنْبَغِي أَنْ تَدْعُوَ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَوَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى سَلَامِ الْمُسَلِّمِ وَرَدِّ الرَّادِّ بِشَارَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، جَعَلَهَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُسْلِمِينَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالسَّلَامَةِ مِنَ الشَّرِّ،

стр. 327

وَحُصُولِ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ، وَهِيَ دَوَامُ ذَلِكَ وَثَبَاتُهُ، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ أُعْطُوهَا لِدُخُولِهِمْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، فَأَعْظَمُهُمْ أَجْرًا أَحْسَنُهُمْ تَحِيَّةً، وَأَسْبَقُهُمْ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ " وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ صَاحِبَهُ بِالسَّلَامِ ". وَاشْتَقَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ تَحِيَّةِ بَيْنِهِمُ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ، وَاسْمُ دِينِهِ الْإِسْلَامُ الَّذِي هُوَ دِينُ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] . وَوَجْهٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنْ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ لَهُمْ تَحِيَّةٌ بَيْنَهُمْ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ كَالسُّجُودِ وَتَقْبِيلِ الْأَيْدِي وَضَرْبِ الْجُوكِ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمُ: انْعَمْ صَبَاحًا، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: عِشْ أَلْفَ عَامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَشَرَعَ اللَّهُ ﵎ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " وَكَانَتْ أَحْسَنَ مِنْ جَمِيعِ تَحِيَّاتِ الْأُمَمِ بَيْنَهَا، لِتَضَمُّنِهَا السَّلَامَةَ الَّتِي لَا حَيَاةَ وَلَا فَلَاحَ إِلَّا بِهَا، فَهِيَ الْأَصْلُ الْمُقَدَّمُ

стр. 328

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَانْتِفَاعُ الْعَبْدِ بِحَيَاتِهِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِشَيْئَيْنِ: بِسَلَامَتِهِ مِنَ الشَّرِّ وَحُصُولِ الْخَيْرِ، وَالسَّلَامَةُ مِنَ الشَّرِّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُصُولِ الْخَيْرِ وَهِيَ الْأَصْلُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ، بَلْ وَكُلُّ حَيَوَانٍ، إِنَّمَا يَهْتَمُّ بِسَلَامَتِهِ أَوَّلًا وَغَنِيمَتِهِ ثَانِيًا، عَلَى أَنَّ السَّلَامَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ حُصُولَ الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ فَاتَهُ حَصَلَ لَهُ الْهَلَاكُ وَالْعَطَبُ أَوِ النَّقْصُ، فَفَوَاتُ الْخَيْرِ يَمْنَعُ حُصُولَ السَّلَامَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَتَضَمَّنَتِ السَّلَامَةُ نَجَاةَ الْعَبْدِ مِنَ الشَّرِّ، وَفَوْزَهُ بِالْخَيْرِ مَعَ اشْتِقَاقِهَا مِنِ اسْمِ اللَّهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ السَّلَامَ اسْمُهُ وَوَصْفُهُ وَفِعْلُهُ، وَالتَّلَفُّظُ بِهِ ذِكْرٌ لَهُ كَمَا فِي " السُّنَنِ " «أَنَّ رَجُلَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَيَمَّمَ وَرَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: " إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» ".

стр. 329

فَحَقِيقٌ بِتَحِيَّةٍ هَذَا شَأْنُهَا أَنْ تُصَانَ عَنْ بَذْلِهَا لِغَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَأَلَّا يُحَيَّى بِهَا أَعْدَاءُ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ. وَلِهَذَا كَانَتْ كُتُبُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مُلُوكِ الْكُفَّارِ " «سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» " وَلَمْ يَكْتُبْ لِكَافِرٍ: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " أَصْلًا، فَلِهَذَا قَالَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: " «وَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ» ".

стр. 330

[فَصْلٌ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ] ٧٩ - فَصْلٌ [رَدُّ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ] وَأَمَّا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ أَنْ يُقْتَصَرَ بِهِ عَلَى " عَلَيْكُمْ "، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي إِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا، وَصَحَّ هَذَا وَهَذَا. فَاسْتَشْكَلَتْ طَائِفَةٌ دُخُولَ هَذِهِ الْوَاوِ هَاهُنَا إِذْ هِيَ لِلتَّقْرِيرِ وَإِثْبَاتِ الْأَوَّلِ، كَمَّا إِذَا قِيلَ لَكَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا، فَقُلْتَ: وَأَنْتَ فَعَلْتَهُ، أَوْ قَالَ: فُلَانٌ يُصَلِّي الْخَمْسَ، فَتَقُولُ: وَيُزَكِّي مَالَهُ. قَالُوا: فَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ إِضْرَابٍ، لَا مَوْضِعُ تَقْرِيرٍ وَمُشَارَكَةٍ فَهُوَ مَوْضِعُ: بَلْ عَلَيْكُمْ، لَا مَوْضِعَ وَعَلَيْكُمْ، فَإِذَا حُذِفَ الْوَاوُ كَانَ إِعَادَةً لِمِثْلِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ إِشْعَارٍ بِأَنَّكَ عَلِمْتَ مُرَادَهُ، وَإِذَا أَتَيْتَ بِلَفْظَةِ " بَلْ " أَشْعَرْتَهُ أَنَّكَ فَهِمْتَ مُرَادَهُ وَرَدَدْتَهُ عَلَيْهِ قِصَاصًا، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالْكَرَمِ وَالْفَضْلِ، وَلِهَذَا السِّرِّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - دَخَلَتِ الْوَاوُ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي دُخُولِهَا إِشْكَالٌ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ، وَكَأَنَّ الرَّادَّ يَقُولُ: الَّذِي أَخْبَرْتَ بِوُقُوعِهِ عَلَيْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ فِيهِ سَوَاءٌ، فَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْكَ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَغْلِيظِ الرَّاوِي فِي إِثْبَاتِهَا إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ إِلَيْكَ سَبِيلٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَرْوِيهِ عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ بِالْوَاوِ،

стр. 331

وَابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِحَذْفِهَا وَهُوَ الصَّوَابُ. قِيلَ: قَدْ ضَبَطَ الْوَاوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَضَبَطَهَا عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، وَضَبَطَهَا عَنْهُ مَالِكٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ ": كَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فَقَالَ: " وَعَلَيْكُمْ "، انْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهُوَ بِالْوَاوِ عِنْدَهُمَا. وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: " وَابْنُ عُيَيْنَةَ رَوَاهُ بِحَذْفِهِمَا "، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا. وَجَوَابٌ آخَرُ وَلَعَلَّهُ أَحْسَنُ مِنَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي دُخُولِ الْوَاوِ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ تَحِيَّتِهِمْ، بَلْ فِيهِ رَدُّهَا وَتَقْرِيرُهَا لَهُمْ أَيْ: وَنَحْنُ أَيْضًا نَدْعُو لَكُمْ بِمَا دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا، فَإِنَّ دُعَاءَهُمْ قَدْ حَصَلَ وَوَقَعَ مِنْهُمْ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِمُ الْمُجِيبُ بِقَوْلِهِ: " وَعَلَيْكُمْ " كَانَ فِي ذِكْرِ الْوَاوِ سِرٌّ لَطِيفٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا

стр. 332

الَّذِي طَلَبْتُمُوهُ لَنَا وَدَعَوْتُمْ بِهِ، هُوَ بِعَيْنِهِ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ لَا تَحِيَّةَ لَكُمْ غَيْرُهُ. وَالْمَعْنَى: وَنَحْنُ نَقُولُ لَكُمْ مَا قُلْتُمْ بِعَيْنِهِ، كَمَا إِذَا قَالَ رِجْلٌ لِمَنْ يَسُبُّهُ: عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ أَيْ وَأَنَا أَيْضًا قَائِلٌ لَكَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا قَدْ حَصَلَ لِي وَهُوَ حَصَلَ لَكَ مَعِي، فَتَأَمَّلْهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقُلْتُ: وَلَكَ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ قَدْ حَصَلَتْ لِي وَلَكَ، فَإِنَّ هَذَا عِلْمُ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الدَّعْوَةَ قَدِ اشْتَرَكَتْ فِيهَا أَنَا وَأَنْتَ، وَلَوْ قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقُلْتَ: لَكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْعَارٌ بِذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا فَالصَّوَابُ إِثْبَاتُ الْوَاوِ، وَبِهِ جَاءَتْ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ، وَذَكَرَهَا الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 333

[فَصْلٌ كَيْفَ نَرُدُّ عَلَى أهل الذمة إِذَا تَحَقَّقَ لَدَيْنَا أَنَّهُمْ قَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ] ٨٠ - فَصْلٌ [كَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِذَا تَحَقَّقَ لَدَيْنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ "] . هَذَا كُلُّهُ إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ شَكَّ فِيمَا قَالَ، فَلَوْ تَحَقَّقَ السَّامِعُ أَنَّ الذِّمِّيَّ قَالَ لَهُ: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " لَا شَكَّ فِيهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: " وَعَلَيْكَ؟ " فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ أَنْ يُقَالَ: لَهُ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ وَاللَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ،

стр. 334

فَنَدَبَ إِلَى الْفَضْلِ، وَأَوْجَبَ الْعَدْلَ وَلَا يُنَافِي هَذَا شَيْئًا مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِوَجْهٍ مَا، فَإِنَّهُ ﷺ إِنَّمَا أَمَرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِ الرَّادِّ " وَعَلَيْكُمْ " بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ الْمَذْكُورِ الَّذِي كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِي تَحِيَّتِهِمْ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: " «أَلَا تَرَيْنَنِي قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ، لَمَّا قَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ؟ " ثُمَّ قَالَ: " إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» وَالِاعْتِبَارُ وَإِنْ كَانَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عُمُومُهُ فِي نَظِيرِ الْمَذْكُورِ لَا فِيمَا يُخَالِفُهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] ، فَإِذَا زَالَ هَذَا السَّبَبُ وَقَالَ الْكِتَابِيُّ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَالْعَدْلُ فِي التَّحِيَّةِ يَقْتَضِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نَظِيرَ سَلَامِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 335

[فَصْلٌ فِي عِيَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ] ٨١ - فَصْلٌ فِي عِيَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ قَرَابَةُ نَصْرَانِيٍّ: يَعُودُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ لَهُ قَرَابَةُ نَصْرَانِيٍّ يَعُودُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: نَصْرَانِيٌّ، قَالَ: أَرْجُو أَلَا تَضِيقَ الْعِيَادَةُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَقُلْتُ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى يَعُودُ الرَّجُلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: أَلَيْسَ عَادَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودِيَّ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ؟ وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ عِيَادَةِ الْقَرَابَةِ وَالْجَارِ النَّصْرَانِيِّ، قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يَعُودُ

стр. 336

أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ إِذَا عَادَهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ يَقْبَلُ مِنْهُ فَلْيَعُدْهُ، كَمَا عَادَ النَّبِيُّ ﷺ الْغُلَامَ الْيَهُودِيَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ النَّصْرَانِيُّ فَإِذَا مَرِضَ يَعُودُهُ؟ قَالَ: يُحَيَّى فَيَقُومُ عَلَى الْبَابِ وَيُعْذِرُ إِلَيْهِ. وَقَالَ مُهَنَّأُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَعُودُ الْكَافِرَ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ يَرْتَجِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، قُلْتُ لَهُ: وَتَرَى إِذَا عَادَهُ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ عَنْ عِيَادَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَعَمْ.

стр. 337

وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَعُودُ شَرِيكًا لَهُ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، قَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ مَنْصُوصَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ: الْمَنْعُ، وَالْإِذْنُ، وَالتَّفْصِيلُ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَرْجُوَ ذَلِكَ مِنْهُ عَادَهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ " الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: «لَمَّا

стр. 338

حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: " أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] » . وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ.

стр. 339

وَقَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنِي مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْهَمْدَانِيُّ، ثَنَا يُونُسُ - يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ - ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَادَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجْلِسْ عِنْدَهُ وَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا يَهُودِيُّ يَا نَصْرَانِيُّ» ؟

стр. 340

[فَصْلٌ فِي شُهُودِ جَنَائِزِهِمْ] ٨٢ - فَصْلٌ فِي شُهُودِ جَنَائِزِهِمْ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُشَيِّعُ الْمُسْلِمُ جِنَازَةَ الْمُشْرِكِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَيَشْهَدُ جِنَازَتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، نَحْوُ مَا صَنَعَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ؛ كَانَ شَهِدَ جِنَازَةَ أُمِّهِ وَكَانَ يَقُومُ نَاحِيَةً وَلَا يَحْضُرُ لِأَنَّهُ مَلْعُونٌ.

стр. 341

وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَمُوتُ وَهُوَ يَهُودِيٌّ، وَلَهُ وَلَدٌ مُسْلِمٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يَرْكَبُ دَابَّتَهُ وَيَسِيرُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَلَا يَكُونُ خَلْفَهُ، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَدْفِنُوهُ رَجَعَ، مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ. قُلْتُ: أَرَادَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ [أَبِي] إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: مَاتَتْ أُمِّي نَصْرَانِيَّةً، فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: ارْكَبْ فِي جِنَازَتِهَا وَسِرْ أَمَامَهَا.

стр. 342

قَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي سَهْلُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «جَاءَ قَيْسُ بْنُ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنْ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَحْضُرَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " ارْكَبْ دَابَّتَكَ وَسِرْ أَمَامَهَا، فَإِذَا رَكِبْتَ وَكُنْتَ أَمَامَهَا فَلَسْتَ مَعَهَا» ". قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ أَبِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَهُ بِهِ.

стр. 343

وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمُسْلِمِ تَمُوتُ لَهُ أُمٌّ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ ذُو قَرَابَتِهِ، وَتَرَى أَنْ يَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى يُوَارِيَهُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوْ أَخًا أَوْ قَرَابَةً قَرِيبَةً وَحَضَرَهُ فَلَا بَأْسَ، «وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنْ يُوَارِيَ أَبَا طَالِبٍ» قُلْتُ: فَتَرَى أَنْ يَفْعَلَ هُوَ ذَلِكَ؟ قَالَ أَهْلُ دِينِهِ يَلُونَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ يَكُونُ مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا ذَهَبُوا بِهِ تَرَكَهُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَلُونَهُ.

стр. 344

قَالَ حَنْبَلٌ: وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، قَالَ: أَحْسِنْ وِلَايَتَهَا، وَكَفِّنْهَا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهَا. قَالَ يُوسُفُ: كُنَّا مَعَهُ فِي نَاحِيَةٍ وَالنَّصَارَى يَعِجُّونَ مَعَ أُمِّهِ.

стр. 345

وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ جَارٌ مُسْلِمٌ مَاتَتْ أُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً، يَتْبَعُ هَذَا جِنَازَتَهَا؟ قَالَ: لَا يَتْبَعُهَا، يَكُونُ نَاحِيَةً مِنْهَا. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ شُهُودِ جِنَازَةِ النَّصْرَانِيِّ الْجَارِ، قَالَ: عَلَى نَحْوِ مَا صَنَعَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، كَانَ شَهِدَ جِنَازَةَ أُمِّهِ فَكَانَ يَقُومُ نَاحِيَةً وَلَا يَحْضُرُ لِأَنَّهُ مَلْعُونٌ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِأَبِي: رَجُلٌ مُسْلِمٌ مَاتَتْ لَهُ أُمٌّ نَصْرَانِيَّةٌ، يَتْبَعُ جِنَازَتَهَا؟ قَالَ: يَكُونُ نَاحِيَةً مِنْهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ أَبُوهُ نَصْرَانِيًّا، قَالَ: يَشْهَدُهُ وَيَدْفِنُهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: كَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، ثُمَّ رَوَى عَنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ يَعْنِي أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 346

[فَصْلٌ فِي تَعْزِيَتِهِمْ] ٨٣ - فَصْلٌ فِي تَعْزِيَتِهِمْ. قَالَ حَمْدَانُ الْوَرَّاقُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تُعَزِّي أَهْلَ الذِّمَّةِ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي، أُخْبِرُكَ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَيُعَزَّى أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي. ثُمَّ قَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، ثَنَا هُرَيْمٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَجْلَحَ عَزَّى نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُعَزِّيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُلْ: أَكْثَرَ اللَّهُ مَالَكَ

стр. 347

وَوَلَدَكَ وَأَطَالَ حَيَاتَكَ أَوْ عُمُرَكَ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ يُعَزَّى النَّصْرَانِيُّ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَلِمَ يُعَزِّيهِ؟ وَقَالَ حَرْبٌ: ثَنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، ثَنَا كَثِيرُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ غَالِبٍ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: إِذَا عَزَّيْتَ الذِّمِّيَّ فَقُلْ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْرٌ. وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، قُلْتُ لَهُ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ يُعَزِّينِي أَيَّ شَيْءٍ أَرُدُّ إِلَيْهِ؟ فَأَطْرَقَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: مَا

стр. 348

أَحْفَظُ فِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِإِسْحَاقَ: فَكَيْفَ يُعَزَّى الْمُشْرِكُ؟ ، قَالَ: يَقُولُ: أَكْثَرُ اللَّهُ مَالَكَ وَوَلَدَكَ.

стр. 349

[فَصْلٌ فِي تَهْنِئَتِهِمْ] ٨٤ - فَصْلٌ فِي تَهْنِئَتِهِمْ. بِزَوْجَةٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ قُدُومِ غَائِبٍ أَوْ عَافِيَةٍ أَوْ سَلَامَةٍ مِنْ مَكْرُوهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ فَأَبَاحَهَا مَرَّةً وَمَنَعَهَا أُخْرَى، وَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي التَّعْزِيَةِ وَالْعِيَادَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ لِيَحْذَرِ الْوُقُوعَ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الْجُهَّالُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِدِينِهِ، كَمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: مَتَّعَكَ اللَّهُ بِدِينِكَ أَوْ نَيَّحَكَ فِيهِ، أَوْ يَقُولُ لَهُ: أَعَزَّكَ اللَّهُ أَوْ أَكْرَمَكَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَكْرَمَكَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّكَ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا فِي التَّهْنِئَةِ بِالْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَأَمَّا التَّهْنِئَةُ بِشَعَائِرِ الْكُفْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ أَنْ يُهَنِّئَهُمْ بِأَعْيَادِهِمْ وَصَوْمِهِمْ، فَيَقُولَ: عِيدٌ مُبَارَكٌ عَلَيْكَ، أَوْ تَهْنَأُ بِهَذَا الْعِيدِ، وَنَحْوَهُ، فَهَذَا إِنْ سَلِمَ قَائِلُهُ مِنَ الْكُفْرِ فَهُوَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُهَنِّئَهُ بِسُجُودِهِ لِلصَّلِيبِ، بَلْ ذَلِكَ أَعْظَمُ إِثْمًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَشَدُّ مَقْتًا مِنَ التَّهْنِئَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَارْتِكَابِ الْفَرْجِ الْحَرَامِ وَنَحْوِهِ. وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَا قَدْرَ لِلدِّينِ عِنْدَهُ يَقَعُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَدْرِي قُبْحَ مَا فَعَلَ، فَمَنْ هَنَّأَ عَبْدًا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ كُفْرٍ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَقْتِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ، وَقَدْ

стр. 350

كَانَ أَهْلُ الْوَرَعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَتَجَنَّبُونَ تَهْنِئَةَ الظَّلَمَةِ بِالْوِلَايَاتِ، وَتَهْنِئَةَ الْجُهَّالِ بِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ وَالتَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ تَجَنُّبًا لِمَقْتِ اللَّهِ وَسُقُوطِهِمْ مِنْ عَيْنِهِ، وَإِنْ بُلِيَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ فَتَعَاطَاهُ دَفْعًا لِشَرٍّ يَتَوَقَّعُهُ مِنْهُمْ فَمَشَى إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، وَدَعَا لَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 351

[فَصْلٌ فِي الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ] ٨٥ - فَصْلٌ فِي الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ. قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ حَمَلَتْ مِنْ مُسْلِمٍ فَمَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا حَمْلٌ مِنْ مُسْلِمٍ، فَقَالَ: يُرْوَى عَنْ وَاثِلَةَ: تُدْفَنُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى. وَقَالَ حَنْبَلٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قُلْتُ فَإِنْ مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْهُ، أَيْنَ تَرَى أَنْ تُدْفَنَ؟ قَالَ: قَدْ قَالُوا: تُدْفَنُ فِي حُجْرَةٍ مِنْ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ حُبْلَى مِنْ مُسْلِمٍ، قَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، وَقَالَ: أَرَى أَنْ تُدْفَنَ نَاحِيَةً مِنْ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، لَوْ كَانَتْ مَقْبَرَةً عَلَى حِدَةٍ، قُلْتُ: مَا الَّذِي تَخْتَارُ؟ فَذَكَرَ قَوْلَهُ هَذَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْمَرْأَةُ النَّصْرَانِيَّةُ إِذَا حَمَلَتْ مِنَ الْمُسْلِمِ فَمَاتَتْ حَامِلًا؟ قَالَ: حَدِيثُ وَاثِلَةَ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ [وَأَبُو الْحَارِثِ] : سَمِعْتُ أَحْمَدَ وَسُئِلَ عَنِ

стр. 352

الْمَرْأَةِ النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ؟ قَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، يُقَالُ: تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَالُ: فِي مَقَابِرِ النَّصَارَى. قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قَالَ سَمُرَةُ: تُدْفَنُ مَا بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، قِيلَ لَهُ: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: لَوْ كَانَ لِهَؤُلَاءِ مَقَابِرُ عَلَى حِدَةٍ مَا كَانَ أَحْسَنَهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْطَأَ أَبُو الْحَارِثِ فِي قَوْلِهِ: سَمُرَةُ، إِنَّمَا هُوَ وَاثِلَةُ. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ نَصْرَانِيَّةٍ فِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ، قَالَ: تُدْفَنُ فِي نَاحِيَةٍ، وَلَا تَكُونُ مَعَ النَّصَارَى لِمَكَانِ وَلَدِهَا، وَلَا مَعَ

стр. 353

الْمُسْلِمِينَ فَتُؤْذِيَهُمْ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ، يَكُونُ فِي بَطْنِهَا الْمُسْلِمُ، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ أَنْ تُدْفَنَ بَيْنَ مَقْبَرَتَيْنِ! يَعْنِي مَقَابِرَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَكَأَنَّ كَلَامَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تُدْفَنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ الَّذِي فِي بَطْنِهَا. وَسُئِلَ أَيْضًا: مَا تَقُولُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ أَيْنَ تُدْفَنُ؟ قَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، عَنْ عُمَرَ: تُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ وَاثِلَةَ: تُدْفَنُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، وَذَكَرَ آخَرُ أَنَّهَا تُدْفَنُ مَعَ النَّصَارَى. قَالَ: أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ تُدْفَنَ بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مَقَابِرُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَتَبَسَّمَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ. قُلْتُ: أَمَّا أَثَرُ وَاثِلَةَ فَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ فِي امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْ مُسْلِمٍ قَالَ: تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةٍ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى.

стр. 354

وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: مَاتَتِ امْرَأَةٌ بِالشَّامِ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، فَأَمَرَ عُمَرُ أَنْ تُدْفَنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهَا. قَالُوا: وَيَكُونُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى يَسَارِهَا ; لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إِلَى ظَهْرِ أُمِّهِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.

стр. 355

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ فِي " رِعَايَتِهِ ": دُفِنَتْ مُنْفَرِدَةً كَالْمُرْتَدِّ. قُلْتُ: وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ مِنَ التَّوَارُثِ وَالْمُوَالَاةِ وَدَفْعِهِ إِلَى الْكُفَّارِ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَقَدْ زَالَ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَيُدْفَنُ وَحْدَهُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الذِّمِّيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: مَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهِ: وَتَكُونُ لِلْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ صُنْدُوقٍ مُودَعٍ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ أَهْلِ دِينِهَا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ يُثْبِتُ أَحْكَامَ الدُّنْيَا مِنْ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَفَرَّدَ بِهَذَا الْحُكْمِ وَحْدَهُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا تُدْفَنُ فِي طَرَفِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
следующие страницы →