Полный текст (1 326 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
[فَصْلٌ فِي الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ]
٨٥ - فَصْلٌ
فِي الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ.
قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ حَمَلَتْ مِنْ مُسْلِمٍ فَمَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا حَمْلٌ مِنْ مُسْلِمٍ، فَقَالَ: يُرْوَى عَنْ وَاثِلَةَ: تُدْفَنُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى.
وَقَالَ حَنْبَلٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قُلْتُ فَإِنْ مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْهُ، أَيْنَ تَرَى أَنْ تُدْفَنَ؟ قَالَ: قَدْ قَالُوا: تُدْفَنُ فِي حُجْرَةٍ مِنْ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ حُبْلَى مِنْ مُسْلِمٍ، قَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، وَقَالَ: أَرَى أَنْ تُدْفَنَ نَاحِيَةً مِنْ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، لَوْ كَانَتْ مَقْبَرَةً عَلَى حِدَةٍ، قُلْتُ: مَا الَّذِي تَخْتَارُ؟ فَذَكَرَ قَوْلَهُ هَذَا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْمَرْأَةُ النَّصْرَانِيَّةُ إِذَا حَمَلَتْ مِنَ الْمُسْلِمِ فَمَاتَتْ حَامِلًا؟ قَالَ: حَدِيثُ وَاثِلَةَ.
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ [وَأَبُو الْحَارِثِ] : سَمِعْتُ أَحْمَدَ وَسُئِلَ عَنِ
стр. 352
الْمَرْأَةِ النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ؟ قَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، يُقَالُ: تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَالُ: فِي مَقَابِرِ النَّصَارَى.
قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قَالَ سَمُرَةُ: تُدْفَنُ مَا بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، قِيلَ لَهُ: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: لَوْ كَانَ لِهَؤُلَاءِ مَقَابِرُ عَلَى حِدَةٍ مَا كَانَ أَحْسَنَهُ.
قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْطَأَ أَبُو الْحَارِثِ فِي قَوْلِهِ: سَمُرَةُ، إِنَّمَا هُوَ وَاثِلَةُ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ نَصْرَانِيَّةٍ فِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ، قَالَ: تُدْفَنُ فِي نَاحِيَةٍ، وَلَا تَكُونُ مَعَ النَّصَارَى لِمَكَانِ وَلَدِهَا، وَلَا مَعَ
стр. 353
الْمُسْلِمِينَ فَتُؤْذِيَهُمْ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ، يَكُونُ فِي بَطْنِهَا الْمُسْلِمُ، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ أَنْ تُدْفَنَ بَيْنَ مَقْبَرَتَيْنِ! يَعْنِي مَقَابِرَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَكَأَنَّ كَلَامَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تُدْفَنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ الَّذِي فِي بَطْنِهَا.
وَسُئِلَ أَيْضًا: مَا تَقُولُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ أَيْنَ تُدْفَنُ؟ قَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، عَنْ عُمَرَ: تُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ وَاثِلَةَ: تُدْفَنُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، وَذَكَرَ آخَرُ أَنَّهَا تُدْفَنُ مَعَ النَّصَارَى.
قَالَ: أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ تُدْفَنَ بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مَقَابِرُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَتَبَسَّمَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ.
قُلْتُ: أَمَّا أَثَرُ وَاثِلَةَ فَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ فِي امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْ مُسْلِمٍ قَالَ: تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةٍ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى.
стр. 354
وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: مَاتَتِ امْرَأَةٌ بِالشَّامِ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، فَأَمَرَ عُمَرُ أَنْ تُدْفَنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهَا.
قَالُوا: وَيَكُونُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى يَسَارِهَا ; لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إِلَى ظَهْرِ أُمِّهِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
стр. 355
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ فِي " رِعَايَتِهِ ": دُفِنَتْ مُنْفَرِدَةً كَالْمُرْتَدِّ.
قُلْتُ: وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ مِنَ التَّوَارُثِ وَالْمُوَالَاةِ وَدَفْعِهِ إِلَى الْكُفَّارِ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَقَدْ زَالَ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَيُدْفَنُ وَحْدَهُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الذِّمِّيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدُ مُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا: مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهِ: وَتَكُونُ لِلْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ صُنْدُوقٍ مُودَعٍ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ أَهْلِ دِينِهَا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ يُثْبِتُ أَحْكَامَ الدُّنْيَا مِنْ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَفَرَّدَ بِهَذَا الْحُكْمِ وَحْدَهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا تُدْفَنُ فِي طَرَفِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 356
[ذكر الْمَنْع مِن اسْتِعْمَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ وِلَايَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأُمُورِهِمْ] [ فَصْلٌ الْمَنْع مِن اسْتِعْمَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ وِلَايَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأُمُورِهِمْ]
٨٦ - فَصْلٌ
فِي الْمَنْعِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ وِلَايَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأُمُورِهِمْ.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: يُسْتَعْمَلُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْخَرَاجِ؟ قَالَ: لَا يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 357
وَسَلَّمَ: " «إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ» ".
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ وَكِيعٌ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَلَحِقَهُ عِنْدَ الْحَرَّةِ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَتْبَعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ: " تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ " قَالَ: لَا،: " قَالَ ارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ".
ثُمَّ لَحِقَهُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 358
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهُ قُوَّةٌ وَجَلَدٌ، قَالَ: جِئْتُ لِأَتْبَعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ: " تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ".
ثُمَّ لَحِقَهُ حَتَّى ظَهَرَ عَلَى الْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: " أَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجَ مَعَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوِهِ.
وَفِي " مُسْنَدِ " الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ
стр. 359
خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوًا أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي وَلَمْ نُسْلِمْ، فَقُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، فَقَالَ: " أَسْلَمْتُمَا "؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: " فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ "، قَالَ: فَأَسْلَمْنَا وَشَهِدْنَا مَعَهُ» .
وَفِي " السُّنَنِ " وَ " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَنْقُشُوا عَلَى خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا» ".
стр. 360
وَفُسِّرَ قَوْلُهُ: " «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ» " يَعْنِي: لَا تَسْتَنْصِحُوهُمْ وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِرَأْيِهِمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ: مُبَاعَدَتُهُمْ وَعَدَمُ مُسَاكَنَتِهِمْ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَيْنَ ظَهَرَانَيِ الْمُشْرِكِينَ لَا تَرَاءَى نَارُهُمَا» ".
стр. 361
وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ نَقْشِ الْخَاتَمِ بِالْعَرَبِيِّ فَهَذَا قَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ "، وَقَالَ: " لَا يَنْقُشُ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي» ".
فَإِنْ كَانَ الرَّاوِي حَفِظَ اللَّفْظَ الْآخَرَ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ بَابِ حِمَايَةِ
стр. 362
الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ بِنَقْشِ " الْعَرَبِيِّ " إِلَى نَقْشِ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " فَتَذْهَبُ فَائِدَةُ الِاخْتِصَاصِ بِالنَّقْشِ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ ﵁: إِنَّ لِي كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا، قَالَ: مَالِكٌ؟ قَاتَلَكَ اللَّهُ! أَمَّا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، أَلَا اتَّخَذْتَ حَنِيفًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِي كِتَابَتُهُ وَلَهُ دِينُهُ، قَالَ: لَا أُكْرِمْهُمْ إِذْ أَهَانَهُمُ اللَّهُ وَلَا أُعِزُّهُمْ إِذْ أَذَلَّهُمُ اللَّهُ، وَلَا أُدْنِيهِمْ إِذْ أَقْصَاهُمُ اللَّهُ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ عُمَّالِهِ يَسْتَشِيرُهُ فِي اسْتِعْمَالِ الْكُفَّارِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَالَ قَدْ كَثُرَ، وَلَيْسَ يُحْصِيهِ إِلَّا هُمْ فَاكْتُبْ إِلَيْنَا بِمَا تَرَى، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَا تُدْخِلُوهُمْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تُسْلِمُوهُمْ مَا مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَلَا تَأْمَنُوهُمْ عَلَى أَمْوَالِكُمْ، وَتَعَلَّمُوا الْكِتَابَةَ فَإِنَّمَا هِيَ الرِّجَالُ.
стр. 363
وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ قِبَلَهُ كَاتِبٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَلَا يُعَاشِرْهُ وَلَا يُوَازِرْهُ وَلَا يُجَالِسْهُ وَلَا يَعْتَضِدْ بِرَأْيِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِعْمَالِهِمْ، وَلَا خَلِيفَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
وَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ فِي عَمَلِي كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا لَا يَتِمُّ أَمْرُ الْخَرَاجِ إِلَّا بِهِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُقَلِّدَهُ دُونَ أَمْرِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ قَرَأْتُ كِتَابَكَ فِي أَمْرِ النَّصْرَانِيِّ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ قَدْ مَاتَ، وَالسَّلَامُ.
وَكَانَ لِعُمَرَ ﵁ عَبْدٌ نَصْرَانِيٌّ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ حَتَّى نَسْتَعِينَ بِكَ عَلَى بَعْضِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَسْتَعِينَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَأَبَى، فَأَعْتَقَهُ وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ.
وَكَتَبَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِلنَّاسِ نَفْرَةً عَنْ سُلْطَانِهِمْ فَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكَنِي وَإِيَّاكَ، أَقِمِ الْحُدُودَ وَلَوْ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَإِذَا حَضَرَكَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا لِلَّهِ وَالْآخَرُ لِلدُّنْيَا فَآثِرْ نَصِيبَكَ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا تَنْفَدُ وَالْآخِرَةَ تَبْقَى، عُدْ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ وَاشْهَدْ جَنَائِزَهُمْ وَافْتَحْ بَابَكَ وَبَاشِرْهُمْ، وَأَبْعِدْ أَهْلَ الشَّرِّ وَأَنْكِرْ أَفْعَالَهُمْ وَلَا تَسْتَعِنْ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بِمُشْرِكٍ، وَسَاعِدْ عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِكَ، فَإِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَكَ حَامِلًا لِأَثْقَالِهِمْ.
стр. 364
[فَصْلٌ فِي حَالِ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ] [ فصل حَالُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
٨٧ - فَصْلٌ
[فِي حَالِ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
وَدَرَجَ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الَّذِينَ لَهُمْ ثَنَاءٌ حَسَنٌ فِي الْأُمَّةِ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْمَنْصُورِ وَالرَّشِيدِ وَالْمَهْدِيِّ وَالْمَأْمُونِ وَالْمُتَوَكِّلِ وَالْمُقْتَدِرِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ مَا جَرَى.
[حَالُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
فَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَى جَمِيعِ
стр. 365
عُمَّالِهِ فِي الْآفَاقِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ " ﴿حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩] " وَجَعَلَهُمْ: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ
стр. 366
يَهْلِكْ مَنْ هَلَكَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِلَّا بِمَنْعِهِ الْحَقَّ وَبَسْطِهِ يَدَ الظُّلْمِ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا مَضَى أَنَّهُمْ إِذَا قَدِمُوا بَلَدًا أَتَاهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ فَاسْتَعَانُوا بِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَكِتَابَتِهِمْ لِعِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالْجِبَايَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَا خِيرَةَ وَلَا تَدْبِيرَ فِيمَا يَغْضَبُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُدَّةٌ وَقَدْ قَضَاهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا أَعْلَمَنَّ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعُمَّالِ أَبْقَى فِي عَمَلِهِ رَجُلًا مُتَصَرِّفًا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ، فَإِنَّ مَحْوَ أَعْمَالِهِمْ كَمَحْوِ دِينِهِمْ، وَأَنْزِلُوهُمْ مَنْزِلَتَهُمُ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهَا مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَآمُرُ بِمَنْعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ إِلَّا عَلَى الْأُكُفِ، وَلْيَكْتُبْ كُلٌّ مِنْكُمْ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ عَمَلِهِ.
وَكَتَبَ إِلَى حَيَّانَ، عَامِلِهِ عَلَى مِصْرَ بِاعْتِمَادِ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ إِنْ دَامَ هَذَا الْأَمْرُ فِي مِصْرَ أَسْلَمَتِ الذِّمَّةُ، وَبَطَلَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا وَقَالَ لَهُ: اضْرِبْ حَيَّانَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثِينَ سَوْطًا أَدَبًا عَلَى قَوْلِهِ، وَقُلْ لَهُ: مَنْ دَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ فَضَعْ عَنْهُ الْجِزْيَةَ، فَوَدِدْتُ لَوْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا دَاعِيًا لَا جَابِيًا.
وَأَمَرَ أَنْ تُهْدَمَ بِيَعُ النَّصَارَى الْمُسْتَجَدَّةُ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إِلَى بَعْضِ
стр. 367
مَلُّوكِ الرُّومِ وَسَأَلُوهُ فِي مُكَاتَبَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الشَّعْبَ سَأَلُوا فِي مُكَاتَبَتِكَ لِتُجْرِيَ أُمُورَهُمْ عَلَى مَا وَجَدْتَهَا عَلَيْهِ، وَتُبْقِيَ كَنَائِسَهُمْ، وَتُمَكِّنَهُمْ مِنْ عِمَارَةِ مَا خَرُبَ مِنْهَا، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَكَ فَعَلَ فِي أَمْرِ كَنَائِسِهِمْ مَا مَنَعْتَهُمْ مِنْهُ، فَإِنْ كَانُوا مُصِيبِينَ فِي اجْتِهَادِهِمْ فَاسْلُكْ سُنَّتَهُمْ، وَإِنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لَهَا فَافْعَلْ مَا أَرَدْتَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَنْ تَقَدَّمَنِي كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] .
وَكَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ فِي عَمَلِكَ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا يَتَصَرَّفُ فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَادْعُ حَسَّانَ بْنَ زَيْدٍ - يَعْنِي: ذَلِكَ الْكَاتِبَ - إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ مِنَّا وَنَحْنُ مِنْهُ، وَإِنْ أَبَى فَلَا تَسْتَعِنْ بِهِ وَلَا تَتَّخِذْ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسْلَمَ حَسَّانُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
стр. 368
[فَصْلٌ حَالُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
٨٨ - فَصْلٌ
[حَالُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فَإِنَّهُ لَمَّا حَجَّ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ وَسَأَلُوهُ مُخَاطَبَةَ الْمَنْصُورِ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْمَظَالِمَ وَلَا يُمَكِّنَ النَّصَارَى مِنْ ظُلْمِهِمْ وَعَسْفِهِمْ فِي ضِيَاعِهِمْ، وَيَمْنَعَهُمْ مِنِ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِمْ وَتَحَرِّيهِمْ لِكَوْنِهِ أَمَرَهُمْ أَنْ يَقْبِضُوا مَا وَجَدُوهُ لِبَنِي أُمَيَّةَ.
قَالَ شَبِيبٌ: فَطُفْتُ مَعَهُ، فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ عَلَى أَصَابِعِي، فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ بِمَا فِي نَفْسِي؟ فَقَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَقُلْتُ: إِنَّ
стр. 369
اللَّهَ لَمَّا قَسَّمَ أَقْسَامَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ لَمْ يَرْضَ لَكَ إِلَّا بِأَعْلَاهَا وَأَسْنَاهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ فَوْقَكَ فِي الدُّنْيَا أَحَدًا، فَلَا تَرْضَ لِنَفْسِكَ أَنْ يَكُونَ فَوْقَكَ فِي الْآخِرَةِ أَحَدٌ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَاءَتْ، وَعَنْكُمْ قُبِلَتْ، وَإِلَيْكُمْ تُؤَدَّى، وَمَا دَعَانِي إِلَى قَوْلِي إِلَّا مَحْضُ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَالْإِشْفَاقِ عَلَيْكَ وَعَلَى نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكَ، اخْفِضْ جَنَاحَكَ إِذَا عَلَا كَعْبُكَ، وَابْسُطْ مَعْرُوفَكَ إِذَا أَغْنَى اللَّهُ يَدَيْكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ دُونَ أَبْوَابِكَ نِيرَانًا تَأَجَّجُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، لَا يُعْمَلُ فِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سَلَّطْتَ الذِّمَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ظَلَمُوهُمْ وَعَسَفُوهُمْ وَأَخَذُوا ضِيَاعَهُمْ وَغَصَبُوهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَجَارُوا عَلَيْهِمْ، وَاتَّخَذُوكَ سُلَّمًا لِشَهَوَاتِهِمْ، وَإِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَقَالَ الْمَنْصُورُ: خُذْ خَاتَمِي فَابْعَثْ بِهِ إِلَى مَنْ تَعْرِفُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: يَا رَبِيعُ اكْتُبْ إِلَى الْأَعْمَالِ وَاصْرِفْ مَنْ بِهَا مِنَ الذِّمَّةِ، وَمَنْ أَتَاكَ بِهِ شَبِيبٌ فَأَعْلِمْنَا بِمَكَانِهِ لِنُوَقِّعَ بِاسْتِخْدَامِهِ.
فَقَالَ شَبِيبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْتُونَكَ وَهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ فِي خِدْمَتِكَ، إِنْ أَطَاعُوهُمْ أَغْضَبُوا اللَّهَ وَإِنْ أَغْضَبُوهُمْ أَغْرَوْكَ بِهِمْ، وَلَكِنْ تُوَلِّي فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ عِدَّةً، فَكُلَّمَا وَلَّيْتَ رَجُلًا عَزَلْتَ آخَرَ.
стр. 370
[فَصْلٌ الْمَهْدِيُّ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
٨٩ - فَصْلٌ
[الْمَهْدِيُّ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَأَمَّا الْمَهْدِيُّ فَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي زَمَانِهِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِذَلِكَ وَيَنْصَحَهُ، وَكَانَ لَهُ عَادَةٌ فِي حُضُورِ مَجْلِسِهِ، فَاسْتُدْعِيَ لِلْحُضُورِ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ فَامْتَنَعَ فَجَاءَ الْمَهْدِيُّ إِلَى مَنْزِلِهِ وَسَأَلَهُ السَّبَبَ فِي تَأَخُّرِهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَذَكَرَ اجْتِمَاعَ النَّاسِ إِلَى بَابِهِ مُتَظَلِّمِينَ مِنْ ظُلْمِ الذِّمَّةِ ثُمَّ أَنْشَدَهُ:
بِأَبِي وَأُمِّيَ ضَاعَتِ الْأَحْلَامُ ... أَمْ ضَاعَتِ الْأَذْهَانُ وَالْأَفْهَامُ؟
مَنْ صَدَّ عَنْ دِينِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... أَلَهُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ قِيَامُ؟
إِلَّا تَكُنْ أَسْيَافُهُمْ مَشْهُورَةً ... فِينَا، فَتِلْكَ سُيُوفُهُمْ أَقْلَامُ
ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ تَحَمَّلْتَ أَمَانَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَدْ عُرِضَتْ
стр. 371
عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا ثُمَّ سَلَّمْتَ الْأَمَانَةَ الَّتِي خَصَّكَ اللَّهُ بِهَا إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّا سَمِعْتَ تَفْسِيرَ جَدِّكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ، أَنَّ الصَّغِيرَةَ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبِيرَةَ الْقَهْقَهَةُ فَمَا ظَنُّكَ بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَانَاتِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ؟ ! وَقَدْ نَصَحْتُكَ، وَهَذِهِ النَّصِيحَةُ حُجَّةٌ عَلَيَّ مَا لَمْ تَصِلْ إِلَيْكَ، فَوَلَّى عِمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ أَعْمَالَ الْأَهْوَازِ وَكُوَرَ دِجْلَةَ وَكُوَرَ فَارِسَ، وَقَلَّدَ حَمَّادًا أَعْمَالَ السَّوَادِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَنْبَارِ وَإِلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَلَا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنَ الذِّمَّةِ يَكْتُبُ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُمَّالِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَكْتَبَ أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى قُطِعَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ يَدُ شَاهُونَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْكُتَّابِ.
وَكَانَ لِلْمَهْدِيِّ عَلَى بَعْضِ ضِيَاعِهِ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ بِالْبَصْرَةِ، فَظَلَمَ النَّاسَ فِي مُعَامَلَتِهِ فَتَظَلَّمَ الْمُتَظَلِّمُونَ إِلَى سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، فَأَحْضَرَ وُكَلَاءَ النَّصْرَانِيِّ وَاسْتُدْعِيَ بِالْبَيِّنَةِ، فَشَهِدَتْ عَلَى النَّصْرَانِيِّ بِظُلْمِ النَّاسِ وَتَعَدِّي مَنَاهِجِ الْحَقِّ، وَمَضَى النَّصْرَانِيُّ فَأَخَذَ كِتَابَ الْمَهْدِيِّ إِلَى الْقَاضِي سَوَّارٍ بِالتَّثَبُّتِ فِي أَمْرِهِ، فَجَاءَ الْبَصْرَةَ وَمَعَهُ الْكِتَابُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ
стр. 372
حَمْقَى النَّصَارَى، وَجَاءُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدُوا سَوَّارًا جَالِسًا لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَتَجَاوَزَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَجِبُ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ، فَمَنَعَهُ الْخَدَمُ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِمْ وَسَبَّهُمْ، وَدَنَا حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَمِينِ سَوَّارٍ وَدَفَعَ لَهُ الْكِتَابَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ، وَقَالَ: أَلَسْتَ نَصْرَانِيًّا؟ فَقَالَ: بَلَى أَصْلَحَ اللَّهُ الْقَاضِي، فَرَفَعَ رَأَسَهُ وَقَالَ: جُرُّوا بِرِجْلِهِ فَسُحِبَ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَأَدَّبَهُ تَأْدِيبًا بَالِغًا، وَحَلَفَ أَلَّا يَبْرَحَ وَاقِفًا إِلَى أَنْ يُوَفِّيَ الْمُسْلِمِينَ حُقُوقَهُمْ، فَقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ: قَدْ فَعَلْتَ الْيَوْمَ أَمْرًا يُخَافُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَاقِبَةٌ، فَقَالَ: أَعِزَّ أَمْرَ اللَّهِ يُعِزَّكَ اللَّهُ.
[فَصْلٌ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
٩٠ - فَصْلٌ
[هَارُونُ الرَّشِيدُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَأَمَّا هَارُونُ الرَّشِيدُ فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَّدَ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى أَعْمَالَ خُرَاسَانَ،
стр. 373
وَجَعْفَرًا أَخَاهُ دِيوَانَ الْخَرَاجِ، أَمَرَهُمَا بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَعُمِّرَتِ الْمَسَاجِدُ وَالْجَوَامِعُ وَالصَّهَارِيجُ وَالسِّقَايَاتُ، وَجُعِلَ فِي الْمَكَاتَبِ مَكَاتَبٌ لِلْيَتَامَى، وَصَرَفَ الذِّمَّةَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُسْلِمِينَ عِوَضًا مِنْهُمْ، وَغَيَّرَ زِيَّهُمْ وَلِبَاسَهُمْ وَخَرَّبَ الْكَنَائِسَ، وَأَفْتَاهُ بِذَلِكَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ.
[فَصْلٌ الْمَأْمُونُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
٩١ - فَصْلٌ
[الْمَأْمُونُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَأَمَّا الْمَأْمُونُ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ: اسْتَحْضَرَنِي الْمَأْمُونُ فِي بَعْضِ لَيَالِيهِ وَنَحْنُ بِمِصْرَ، فَقَالَ لِي: قَدْ كَثُرَتْ سِعَايَاتُ النَّصَارَى، وَتَظَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ وَخَانُوا السُّلْطَانَ فِي مَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَمْرُو تَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ
стр. 374
أَصْلُ هَؤُلَاءِ الْقِبْطِ؟ فَقُلْتُ: هُمْ بَقِيَّةُ الْفَرَاعِنَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِمِصْرَ، وَقَدْ نَهَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنِ اسْتِخْدَامِهِمْ، فَقَالَ: صِفْ لِي كَيْفَ كَانَ تَنَاسُلُهُمْ فِي مِصْرَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أَخَذَتِ الْفُرْسُ الْمُلْكَ مِنْ أَيْدِي الْفَرَاعِنَةِ قَتَلُوا الْقِبْطَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اصْطَنَعَتْهُ يَدُ الْهَرَبِ وَاخْتَفَى " بِأَنْصِنَا " وَغَيْرِهَا، فَتَعَلَّمُوا طِبًّا وَكِتَابًا، فَلَمَّا مَلَكَتِ الرُّومُ مُلْكَ الْفُرْسِ كَانُوا سَبَبًا فِي إِخْرَاجِ الْفُرْسِ عَنْ مُلْكِهِمْ، وَأَقَامُوا فِي مَمْلَكَةِ الرُّومِ إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ دَعْوَةُ الْمَسِيحِ.
وَفِيهِمْ يَقُولُ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانٍ مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ يَمْدَحُ بِهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁ وَيَحُثُّهُ عَلَى قَتْلِهِمْ وَيُغْرِيهِ بِهِمْ.
يَا عَمْرُو قَدْ مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِصْرَنَا ... وَبَسَطْتَ فِيهَا الْعَدْلَ وَالْإِقْسَاطَا
فَاقْتُلْ بِسَيْفِكَ مَنْ تَعَدَّى طَوْرَهُ ... وَاجْعَلْ فُتُوحَ سُيُوفِكَ الْأَقْبَاطَا
فَبِهِمْ أُقِيمَ الْجَوْرُ فِي جَنْبَاتِهَا ... وَرَأَى الْأَنَامُ الْبَغْيَ وَالْإِفْرَاطَا
عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَثَلَّثُوا مَعْبُودَهُمْ ... وَتَوَازَرُوا وَتَعُدَّوُا الْأَشْرَاطَا
وَبَقِيَ فِي نَفْسِ الْمَأْمُونِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَغْدَادَ اتَّفَقَ لَهُمْ مُجَاهَرَةٌ فِي بَغْدَادَ بِالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ عَلَى مُعَلِّمِهِ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْكِسَائِيِّ، فَلَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ
стр. 375
الْمَأْمُونُ وَوَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا تَعْمَلُ بِهِ؟ فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِإِحْضَارِ الذِّمَّةِ، فَكَانَ عِدَّةُ مَنْ صَرَفَ وَسَجَنَ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِ مِائَةٍ، وَبَقِيَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ مُنْحَازِينَ إِلَى حِمَايَةِ بَعْضِ جِهَاتِهِ، فَخَرَجَ تَوْقِيعُهُ بِمَا نُسْخَتُهُ: " أَخْبَثُ الْأُمَمِ الْيَهُودُ، وَأَخْبَثُ الْيَهُودِ السَّامِرَةُ، وَأَخْبَثُ السَّامِرَةِ بَنُو فُلَانٍ، فَلْيُقْطَعْ مَا بِأَسْمَائِهِمْ مِنْ دِيوَانِ الْجَيْشِ وَالْخَرَاجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ".
وَدَخَلَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ عَلَى الْمَأْمُونِ وَفِي مَجْلِسِهِ يَهُودِيٌّ جَالِسٌ فَأَنْشَدَهُ:
يَابْنَ الَّذِي طَاعَتُهُ فِي الْوَرَى ... وَحُكْمُهُ مُفْتَرَضٌ وَاجِبُ
إِنَّ الَّذِي عُظِّمْتَ مِنْ أَجْلِهِ ... يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبُ
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَصَحِيحٌ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ.
[فَصْلٌ الْمُتَوَكِّلُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
٩٢ - فَصْلٌ
[الْمُتَوَكِّلُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَأَمَّا الْمُتَوَكِّلُ فَإِنَّهُ صَرَفَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَغَيَّرَ زِيَّهُمْ فِي
стр. 376
مَرَاكِبِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاشِرِينَ مِنْهُمْ لِلْأَعْمَالِ كَثُرُوا فِي زَمَانِهِ وَزَادُوا عَلَى الْحَدِّ، وَغَلَبُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِخِدْمَةِ أُمِّهِ وَأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَكَانَتِ الْأَعْمَالُ الْكِبَارُ كُلُّهَا أَوْ عَامَّتُهَا إِلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ النَّوَاحِي، وَكَانُوا قَدْ أَوْقَعُوا فِي نَفْسِ الْمُتَوَكِّلِ مِنْ مُبَاشَرِي الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا وَأَنَّهُمْ بَيْنَ مُفَرِّطٍ وَخَائِنٍ، وَعَمِلُوا عَمَلًا بِأَسْمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَسْمَاءِ بَعْضِ الذِّمَّةِ لِيَنْفُوا التُّهْمَةَ وَأَوْجَبُوا بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالًا كَثِيرًا، وَعُرِضَ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ فَأُغْرِيَ بِهِمْ وَظَنَّ مَا أَوْجَبُوا مِنْ ذَلِكَ حَقًّا، وَأَنَّ الْمَالَ فِي جِهَاتِهِمْ كَمَا أَوْجَبُوهُ، وَدَخَلَ سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ النَّصْرَانِيُّ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ وَكَانَ يَأْنَسُ بِهِ وَيُحَاضِرُهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ فِي الصَّحَارِي وَالصَّيْدِ، وَخَلْفَكَ مَعَادِنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَنْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَمْلَؤُهَا ذَهَبًا عِوَضًا عَنِ الْفَاكِهَةِ.
стр. 377
فَقَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ: عِنْدَ مَنْ؟ فَقَالَ: عِنْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ إِسْرَائِيلَ، وَمُوسَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمَيْمُونِ بْنِ هَارُونَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ اسْمُهُ ثَابِتٌ فِي الْعَمَلِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ الْمَرْفُوعِ لِلْمُتَوَكِّلِ، فَقَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ: مَا تَقُولُ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى؟ فَسَكَتَ، فَقَالَ: بِحَيَاتِي عَلَيْكَ قُلْ لِي مَا عِنْدَكَ، فَقَالَ: قَدْ حَلَّفْتَنِي بِحَيَاتِكَ وَلَا بُدَّ لِي مِنْ صِدْقِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ صَاغَ لَهُ صَوَالِجَةً وَأُكْرُمَنَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَضْرِبُ كُرَةً مِنْ جُلُودٍ بِصَوْلَجَانٍ مِنْ خَشَبٍ وَأَنْتَ تَضْرِبُ كُرَةً مِنْ فِضَّةٍ بِصَوْلَجَانٍ مِنْ فِضَّةٍ! ! فَالْتَفَتَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى الْفَتْحِ بْنِ خَاقَانَ وَقَالَ: ابْعَثْ فَأَحْضِرْ هَؤُلَاءِ، وَضَيِّقْ عَلَيْهِمْ. فَحَضَرَتْ جَمَاعَةُ الْكُتَّابِ وَعَلِمُوا مَا وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْكَافِرِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى فَأَنْفَذَ مَعَهُمْ كَاتَبَهُ إِلَى سَلَمَةَ، وَعَاتَبَهُ فِيمَا جَرَى مِنْهُ،
стр. 378
فَحَلَفَ إِنَّنِي لَمْ أَفْعَلْ مَا فَعَلْتُهُ إِلَّا عَلَى سُكْرٍ، وَلَمْ أَقُلْ مَا قُلْتُهُ عَنْ حَقِيقَةٍ فَأَخَذَ خَطَّهُ بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِ وَعَرَّفَهُ مَأْثَمَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى خَطِّ سَلَمَةَ وَقَالَ: هَذَا قَصْدُهُ أَنْ يَخْلُوَ أَرْكَانُ دَوْلَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُتَّابِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَمَكَّنَ هُوَ وَرَهْطُهُ مِنْهَا.
وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ قَدْ جَعَلَ فِي مَوْكِبِهِ مَنْ يَأْخُذُ الْمُتَظَلِّمِينَ وَيُحْضِرُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى خَلْوَةٍ، فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ عَوْنٍ النَّصْرَانِيَّ غَصَبَهُ دَارَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى قِصَّةِ الشَّيْخِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ إِلَى أَنْ كَادَتْ تَطِيرُ أَزْرَارُهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى صَالِحٍ عَامِلِهِ بِرَدِّ دَارِهِ.
قَالَ الْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ: فَقُمْتُ نَاحِيَةً لِأَكْتُبَ لَهُ بِمَا أَمَرَنِي فَأَتْبَعَنِي رَسُولًا يَسْتَحِثُّنِي فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى الْكِتَابِ زَادَ فِيهِ بِخَطِّهِ: نُفِيتُ عَنِ الْعَبَّاسِ؛ لَئِنْ خَالَفْتَ فِيمَا أَمَرْتُ بِهِ لَأُوَجِّهَنَّ مَنْ يَجِيئُنِي بِرَأْسِكَ، وَوَصَلَ الشَّيْخَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ حَاجِبًا، وَكَثُرَ تَظَلُّمُ النَّاسِ مِنْ كُتَّابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَتَتَابَعَتِ الْإِغَاثَاتُ.
وَحَجَّ الْمُتَوَكِّلُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَرُئِيَ رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَدْعُو عَلَى الْمُتَوَكِّلِ فَأَخَذَهُ الْحَرَسُ وَجَاءُوا بِهِ سَرِيعًا فَأَمَرَ بِمُعَاقَبَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا قُلْتُ مَا قُلْتُهُ إِلَّا وَقَدْ أَيْقَنْتُ بِالْقَتْلِ، فَاسْمَعْ كَلَامِي وَمُرْ
стр. 379
بِقَتْلِي، فَقَالَ: قُلْ، فَقَالَ: سَأُطْلِقُ لِسَانِي بِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُغْضِبُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدِ اكْتَنَفَتْ دَوْلَتَكَ كُتَّابٌ مِنَ الذِّمَّةِ أَحْسَنُوا الِاخْتِيَارَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَأَسَاءُوا الِاخْتِيَارَ لِلْمُسْلِمِينَ وَابْتَاعُوا دُنْيَاهُمْ بِآخِرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، خِفْتَهُمْ وَلَمْ تَخَفِ اللَّهَ وَأَنْتَ مَسْئُولٌ عَمَّا اجْتَرَحُوا وَلَيْسُوا مَسْئُولِينَ عَمَّا اجْتَرَحْتَ، فَلَا تُصْلِحْ دُنْيَاهُمْ بِفَسَادِ آخِرَتِكَ، فَإِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَصْلَحَ دُنْيَا غَيْرِهِ بِفَسَادِ آخِرَتِهِ، وَاذْكُرْ لَيْلَةً تَتَمَخَّضُ صَبِيحَتُهَا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلَ لَيْلَةٍ يَخْلُو الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ بِعَمَلِهِ، فَبَكَى الْمُتَوَكِّلُ إِلَى أَنَّ غُشِيَ عَلَيْهِ وَطَلَبَ الرَّجُلَ فَلَمْ يُوجَدْ، فَخَرَجَ أَمْرُهُ بِلُبْسِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ الثِّيَابَ الْعَسَلِيَّةَ، وَأَلَّا يُمَكَّنُوا مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَلْتَكُنْ رُكُبُهُمْ خَشَبًا، وَأَنْ تُهَدَّمَ بِيَعُهُمُ الْمُسْتَجَدَّةُ، وَأَنْ تُطَبَّقَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ وَلَا يُفْسَحَ لَهُمْ فِي دُخُولِ حَمَّامَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُفْرَدَ لَهُمْ حَمَّامَاتٌ خَدَمُهَا ذِمَّةٌ، وَلَا يَسْتَخْدِمُوا مُسْلِمًا فِي حَوَائِجِهِمْ لِنُفُوسِهِمْ، وَأَفْرَدَ لَهُمْ مَنْ يَحْتَسِبُ عَلَيْهِمْ وَكَتَبَ كِتَابًا نُسْخَتُهُ:
" أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى الْإِسْلَامَ دِينًا فَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ وَأَنَارَهُ وَنَصَرَهُ وَأَظْهَرَهُ وَفَضَّلَهُ وَأَكْمَلَهُ، فَهُوَ الدِّينُ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، بَعَثَ بِهِ صَفِيَّهُ وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ مُحَمَّدًا ﷺ فَجَعَلَهُ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ، وَسَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] ، وَأَنْزَلَ كِتَابًا عَزِيزًا: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ،
стр. 380
أَسْعَدَ بِهِ أُمَّتَهُ وَجَعَلَهُمْ: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
وَأَهَانَ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ وَوَضَعَهُمْ وَصَغَّرَهُمْ وَقَمَعَهُمْ وَخَذَلَهُمْ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ وَالْمَسْكَنَةَ، وَقَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَخَبَّثَ سَرَائِرَهُمْ وَضَمَائِرَهُمْ، فَنَهَى عَنِ ائْتِمَانِهِمْ وَالثِّقَةِ بِهِمْ لِعَدَاوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَغِشِّهِمْ وَبَغْضَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] .
стр. 381
وَقَالَ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] .
وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] .
وَقَدِ انْتَهَى إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أُنَاسًا لَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا رَوِيَّةَ، يَسْتَعِينُونَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَيَتَّخِذُونَهُمْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُسَلِّطُونَهُمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ فَيَعْسِفُونَهُمْ، وَيَبْسُطُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى ظُلْمِهِمْ وَغَشَمِهِمْ وَالْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ، فَأَعْظَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ وَأَكْبَرَهُ وَتَبَرَّأَ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَأَحَبَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِحَسْمِهِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ، وَرَأَى أَنْ يَكْتُبَ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى الْكُوَرِ وَالْأَمْصَارِ وَوُلَاةِ الثُّغُورِ وَالْأَجْنَادِ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِمْ لِلذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، وَالْإِشْرَاكِ لَهُمْ فِي أَمَانَاتِهِمْ وَمَا قَلَّدَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتَحْفَظَهُمْ إِيَّاهُ، وَجَعَلَ فِي الْمُؤْمِنِينَ الثِّقَةَ فِي الدِّينِ وَالْأَمَانَةَ عَلَى إِخْوَانِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَحُسْنَ الرِّعَايَةِ لِمَا اسْتَرْعَاهُمْ، وَالْكِفَايَةَ لِمَا اسْتُكْفُوا، وَالْقِيَامَ بِمَا حُمِّلُوا، مَا أَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الْمُكَذِّبِينَ بِرُسُلِهِ الْجَاحِدِينَ لِآيَاتِهِ الْجَاعِلِينَ مَعَهُ إِلَهًا آخَرَ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
стр. 382
وَرَجَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَلْهَمَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَذَفَ فِي قَلْبِهِ جَزِيلُ الثَّوَابِ وَكَرِيمُ الْمَآبِ، وَاللَّهُ يُعِينُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نِيَّتِهِ فِي تَعْزِيزِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَحِزْبِهِ.
فَلْيُعْلَمْ هَذَا مِنْ رَأْيِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يُسْتَعَانَنَّ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْزَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنَازِلَهُمُ الَّتِي أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، فَاقْرَأْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَهْلِ أَعْمَالِكَ وَأَشِعْهُ فِيهِمْ، وَلَا يَعْلَمَنَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ اسْتَعَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عُمَّالِكَ وَأَعْوَانِكَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي عَمَلٍ. وَالسَّلَامُ.
[فَصْلٌ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
٩٣ - فَصْلٌ
[الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَأَمَّا الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَزَلَ كُتَّابَ
стр. 383
النَّصَارَى وَعُمَّالَهُمْ، وَأَمَرَ أَلَّا يُسْتَعَانَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَتَّى أَمَرَهُ بِقَتْلِ أَبِي يَاسِرٍ النَّصْرَانِيِّ عَامِلِ مُؤْنِسٍ الْحَاجِبِ.
وَكَتَبَ إِلَى نُوَّابِهِ بِمَا نُسْخَتُهُ: عَوَائِدُ اللَّهِ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ تُوَفَّى عَلَى غَايَةِ رِضَاهُ وَنِهَايَةِ أَمَانِيهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُظْهِرُ عِصْيَانَهُ إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ عِظَةً لِلْأَنَامِ، وَبَادَرَهُ بِعَاجِلِ الِاصْطِلَامِ: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، فَمَنْ نَكَثَ وَطَغَى وَبَغَى، وَخَالَفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَخَالَفَ مُحَمَّدًا وَسَعَى فِي إِفْسَادِ دَوْلَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَاجَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِسَطْوَتِهِ، وَطَهَّرَ مِنْ رِجْسِهِ دَوْلَتَهُ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
وَقَدْ أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَرْكِ الِاسْتِعَانَةِ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَلْيَحْذَرِ الْعُمَّالُ تَجَاوُزَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَوَاهِيهِ.
стр. 384
[فَصْلٌ الرَّاضِي بِاللَّهِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
٩٤ - فَصْلٌ
[الرَّاضِي بِاللَّهِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَكَذَلِكَ الرَّاضِي بِاللَّهِ كَثُرَتِ الشِّكَايَةُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي زَمَانِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ، فَمِمَّنْ كَتَبَ إِلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ الْحُسَيْنِ الشَّرِيفُ الْبَيَاضِيُّ:
يَابْنَ الْخَلَائِفِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأُولَى ... طَهُرَتْ أُصُولُهُمُ مِنَ الْأَدْنَاسِ
قَلَّدْتَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ عَدُوَّهَمْ ... مَا هَكَذَا فَعَلَتْ بَنُو الْعَبَّاسِ
حَاشَاكَ مِنْ قَوْلِ الرَّعِيَّةِ: إِنَّهُ ... نَاسٍ لِقَاءَ اللَّهِ أَوْ مُتَنَاسِ
مَا الْعُذْرُ إِنْ قَالُوا غَدًا: هَذَا الَّذِي ... وَلَّى الْيَهُودَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ؟
أَتَقُولُ: كَانُوا وَفَّرُوا الْأَمْوَالَ إِذْ ... خَانُوا بِكُفْرِهِمُ إِلَهَ النَّاسِ؟
لَا تَذْكُرَنْ إِحْصَاءَهُمْ مَا وَفَّرُوا ... ظُلْمًا وَتَنْسَى مُحْصِيَ الْأَنْفَاسِ
стр. 385
وَخَفِ الْإِلَهَ غَدًا إِذَا وُفِّيتَ مَا
كَسَبَتْ يَدَاكَ الْيَوْمَ بِالْقِسْطَاسِ ... فِي مَوْقِفٍ مَا فِيهِ إِلَّا شَاخِصٌ
أَوْ مُهْطِعٌ أَوْ مُقْنِعٌ لِلرَّاسِّ ... أَعْضَاؤُهُمْ فِيهِ الشُّهُودُ، وَسِجْنُهُمْ
نَارٌ، وَحَارِسُهُمْ شَدِيدُ الْبَاسِ ... إِنْ تَمْطُلِ الْيَوْمَ الدُّيُونَ مَعَ الْغِنَى
فَغَدًا تُؤَدِّيهَا مَعَ الْإِفْلَاسِ ... لَا تَعْتَذِرْ عَنْ صَرْفِهِمْ بِتَعَذُّرِ الْ
مُتَصَرِّفِينَ الْحُذَّقِ الْأَكْيَاسِ ... مَا كُنْتَ تَفْعَلُ بَعْدَهُمْ لَوْ أُهْلِكُوا
فَافْعَلْ، وَعُدَّ الْقَوْمَ فِي الْأَرْمَاسِ
وَكَتَبَ إِلَيْهِ وَقَدْ صَرَفَ ابْنَ فَضْلَانَ الْيَهُودِيَّ بِابْنِ مَالِكٍ النَّصْرَانِيِّ:
[فَصْلٌ الْآمِرُ بِاللَّهِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
أَبَعْدَ ابْنِ فَضْلَانٍ تُوَلِّي ابْنَ مَالِكٍ ... بِمَاذَا غَدًا تَحْتَجُّ عِنْدَ سُؤَالِكَا؟
خَفِ اللَّهَ وَانْظُرْ فِي صَحِيفَتِكَ الَّتِي ... حَوَتْ كُلَّ مَا قَدَّمْتَهُ مِنْ فِعَالِكَا!
وَقَدْ خَطَّ فِيهَا الْكَاتِبُونَ فَأَكْثَرُوا ... وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: فَذَلِكَا
فَوَاللَّهِ مَا تَدْرِي إِذَا مَا لَقِيتَهَا ... أَتُوضَعُ فِي يُمْنَاكَ أَمْ فِي شِمَالِكَا
стр. 386
٩٥ - فَصْلٌ
[الْآمِرُ بِاللَّهِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْآمِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ امْتَدَّتْ أَيْدِي النَّصَارَى، وَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ بِالْجِنَايَةِ، وَتَفَنَّنُوا فِي أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَالِ الْمَضَرَّةِ إِلَيْهِمْ، وَاسْتُعْمِلَ مِنْهُمْ كَاتِبٌ يُعْرَفُ " بِالرَّاهِبِ " وَلُقِّبَ بِالْأَبِ الْقِدِّيسِ الرُّوحَانِيِّ النَّفِيسِ أَبِي الْآبَاءِ وَسَيِّدِ الرُّؤَسَاءِ مُقَدِّمِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ وَسَيِّدِ الْبَتْرَكِيَّةِ، صَفِيِّ الرَّبِّ وَمُخْتَارِهِ ثَالِثَ عَشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، فَصَادَرَ اللَّعِينُ عَامَّةَ مَنْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ كَاتِبٍ وَحَاكِمٍ وَجُنْدِيٍّ وَعَامِلٍ وَتَاجِرٍ، وَامْتَدَّتْ يَدُهُ إِلَى النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ، فَخَوَّفَهُ بَعْضُ مَشَايِخِ الْكُتَّابِ مِنْ خَالِقِهِ وَبَاعِثِهِ وَمُحَاسِبِهِ، وَحَذَّرَهُ مِنْ سُوءِ عَوَاقِبِ أَفْعَالِهِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ كُتَّابِ مِصْرَ وَقِبْطِهَا فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لَهُ وَمُسْمِعًا لِلْجَمَاعَةِ: نَحْنُ مُلَّاكُ هَذِهِ الدِّيَارِ حَرْبًا وَخَرَاجًا، مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنَّا وَتَغَلَّبُوا عَلَيْهَا وَغَصَبُوهَا وَاسْتَمْلَكُوهَا مِنْ أَيْدِينَا، فَنَحْنُ مَهْمَا فَعَلْنَا بِالْمُسْلِمِينَ فَهُوَ قُبَالَةُ مَا فَعَلُوا بِنَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ رُؤَسَائِنَا
стр. 387
وَمُلُوكِنَا فِي أَيَّامِ الْفُتُوحِ، فَجَمِيعُ مَا نَأْخُذُهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِ مُلُوكِهِمْ وَخُلَفَائِهِمْ حِلٌّ لَنَا، وَبَعْضُ مَا نَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا حَمَلْنَا لَهُمْ مَالًا كَانَتِ الْمِنَّةُ عَلَيْهِمْ وَأَنْشَدَ:
بِنْتُ كَرْمٍ غَصَبُوهَا أُمَّهَا ... وَأَهَانُوهَا فَدِيسَتْ بِالْقَدَمْ
ثُمَّ عَادُوا حَكَّمُوهَا فِيهِمُ ... وَلَنَاهِيكَ بِخَصْمٍ يَحْتَكِمْ
فَاسْتَحْسَنَ الْحَاضِرُونَ مِنَ النَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَاسْتَعَادُوهُ وَعَضُّوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الَّذِي اخْتَاطَّ عَلَيْهِ قَلَمُ اللَّعِينِ مِنْ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ مِائَتَا أَلْفٍ وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مَا بَيْنَ دَارٍ وَحَانُوتٍ وَأَرْضٍ بِأَعْمَالِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ أَعَادَهَا إِلَى أَصْحَابِهَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْأَفْضَلِ، وَمِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ انْتَبَهَ الْآمِرُ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَأَفَاقَ مِنْ سَكْرَتِهِ، وَأَدْرَكَتْهُ الْحَمِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَالْغَيْرَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، فَغَضِبَ لِلَّهِ غَضَبَ نَاصِرٍ لِلدِّينِ وَبَارٍّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَلْبَسَ الذِّمَّةَ الْغِيَارَ وَأَنْزَلَهُمْ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْزِلُوا بِهَا مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَأَمَرَ أَلَّا يُوَلَّوْا شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يُنْشِئُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا يَقِفُ عَلَيْهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، فَكَتَبَ عَنْهُ مَا نُسْخَتُهُ:
" الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْبُودِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، وَالْمُجِيبِ دُعَاءَ مَنْ يَدْعُوهُ بِأَسْمَائِهِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ الْمُتَوَحِّدِ بِالْقُوَّةِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأَوْلَى وَالْآخِرَةِ، هَدَى الْعِبَادَ بِالْإِيمَانِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَوَفَّقَهُمْ فِي الطَّاعَاتِ لِمَا هُوَ أَنْفَعُ زَادٍ فِي الْمَعَادِ، وَتَفَرَّدَ بِعِلْمِ الْغُيُوبِ، فَعَلِمَ
стр. 388
مِنْ كُلِّ عَبْدٍ إِضْمَارَهُ كَمَا عَلِمَ تَصْرِيحَهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] ، الَّذِي شَرَّفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَعَظَّمَهُ، وَقَضَى بِالْعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ لِمَنِ انْتَحَاهُ وَتَيَمَّمَهُ، وَفَضَّلَهُ عَلَى كُلِّ شَرْعٍ سَبَقَهُ وَعَلَى كُلِّ دِينٍ تَقَدَّمَهُ، فَنَصَرَهُ وَخَذَلَهَا وَأَشَادَ بِهِ وَأَخْمَلَهَا، وَرَفَعَهُ وَوَضَعَهَا، وَوَطَّدَهُ وَضَعْضَعَهَا، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ دِينًا سِوَاهُ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ.
فَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
وَشَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ وَأُولِي الْعِلْمِ الَّذِينَ هُمْ خُلَاصَةُ الْأَنَامِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨ - ١٩] .
وَلَمَّا ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِهِ نِعْمَتَهُ أَكْمَلَهُ لَهُمْ وَأَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَأَوْضَحَهُ إِيضَاحًا مُبِينًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَأَهْلِ الْبَغْيِ وَالرَّشَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
стр. 389
وَأَمَرَ تَعَالَى بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ إِلَى الْمَمَاتِ، فَقَالَ - وَبِقَوْلِهِ يَهْتَدِي الْمُؤْمِنُونَ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
وَهُوَ وَصِيَّةُ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ لِبَنِيهِ، وَإِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢ - ١٣٣] .
وَأَشْهَدُ عَلَيْهِ الْحَوَارِيُّونَ عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَهُوَ الشَّاهِدُ الْأَمِينُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
وَأَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ أَنْ يَدْعُوَ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَيْهِ، وَيُشْهِدَ مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى - وَقَوْلُهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ -: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
стр. 390
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى الَّذِي رَفَعَهُ بِاصْطِفَائِهِ إِلَى مَحَلِّهِ الْمُنِيفِ، وَبَعَثَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالدِّينِ الْقَيِّمِ الْحَنِيفِ، وَجَعَلَهُ أَفْضَلَ مَنْ كَانَ وَأَفْضَلَ مَنْ يَكُونُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ، فَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ لِظَهْرِ الْكُفْرِ قَاصِمَةً، وَشَرِيعَتُهُ لِمَنْ لَاذَ بِهَا وَلَجَأَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ عَاصِمَةً، وَحُجَجُهُ لِمَنْ عَانَدَ وَكَفَرَ خَاصِمَةً، حَتَّى أَذْعَنَ الْمُعَانِدُونَ وَاعْتَرَفَ الْجَاحِدُونَ وَذَلَّ الْمُشْرِكُونَ وَ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] ، وَأَشْرَقَ وَجْهُ الدَّهْرِ بِرِسَالَتِهِ ضِيَاءً وَابْتِهَاجًا، وَدَخَلَ النَّاسُ بِدَعْوَتِهِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَأَشْرَقَتْ عَلَى الْوُجُوهِ شَمْسُ الْإِسْلَامِ، وَاتَّسَقَ قَمَرُ الْإِيمَانِ، وَوَلَّتْ عَلَى أَدْبَارِهَا مَهْزُومَةً عَسَاكِرُ الشَّيْطَانِ.
وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِهِ وَخُلَفَائِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَّتَهُ وَابْتَغَوْا فِي الْقِيَامِ بِهَا رِضْوَانَهُ، وَوَقَفُوا عِنْدَ شَرْعِهِ فَأَعَزُّوا مَنْ أَعَزَّهُ وَأَهَانُوا مَنْ أَهَانَهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِبَالِغِ حِكْمَتِهِ وَسَابِغِ نِعْمَتِهِ شَرَّفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَطَهَّرَهُ مِنَ الْأَدْنَاسِ، وَجَعَلَ أَهْلَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، فَالْإِسْلَامُ الدِّينُ الْقَوِيمُ الَّذِي اصْطَفَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَدْيَانِ لِنَفْسِهِ، وَجَعَلَهُ دِينَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَةِ قُدْسِهِ، فَارْتَضَاهُ وَاخْتَارَهُ، وَجَعَلَ خَيْرَ عِبَادِهِ وَخَاصَّتَهُ هُمْ أَوْلِيَاءَهُ وَأَنْصَارَهُ، يُحَافِظُونَ عَلَى حُدُودِهِ وَيُثَابِرُونَ وَيَدْعُونَ
следующие страницы →