Полный текст (1 326 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
٩٥ - فَصْلٌ
[الْآمِرُ بِاللَّهِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْآمِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ امْتَدَّتْ أَيْدِي النَّصَارَى، وَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ بِالْجِنَايَةِ، وَتَفَنَّنُوا فِي أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَالِ الْمَضَرَّةِ إِلَيْهِمْ، وَاسْتُعْمِلَ مِنْهُمْ كَاتِبٌ يُعْرَفُ " بِالرَّاهِبِ " وَلُقِّبَ بِالْأَبِ الْقِدِّيسِ الرُّوحَانِيِّ النَّفِيسِ أَبِي الْآبَاءِ وَسَيِّدِ الرُّؤَسَاءِ مُقَدِّمِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ وَسَيِّدِ الْبَتْرَكِيَّةِ، صَفِيِّ الرَّبِّ وَمُخْتَارِهِ ثَالِثَ عَشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، فَصَادَرَ اللَّعِينُ عَامَّةَ مَنْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ كَاتِبٍ وَحَاكِمٍ وَجُنْدِيٍّ وَعَامِلٍ وَتَاجِرٍ، وَامْتَدَّتْ يَدُهُ إِلَى النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ، فَخَوَّفَهُ بَعْضُ مَشَايِخِ الْكُتَّابِ مِنْ خَالِقِهِ وَبَاعِثِهِ وَمُحَاسِبِهِ، وَحَذَّرَهُ مِنْ سُوءِ عَوَاقِبِ أَفْعَالِهِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ كُتَّابِ مِصْرَ وَقِبْطِهَا فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لَهُ وَمُسْمِعًا لِلْجَمَاعَةِ: نَحْنُ مُلَّاكُ هَذِهِ الدِّيَارِ حَرْبًا وَخَرَاجًا، مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنَّا وَتَغَلَّبُوا عَلَيْهَا وَغَصَبُوهَا وَاسْتَمْلَكُوهَا مِنْ أَيْدِينَا، فَنَحْنُ مَهْمَا فَعَلْنَا بِالْمُسْلِمِينَ فَهُوَ قُبَالَةُ مَا فَعَلُوا بِنَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ رُؤَسَائِنَا
стр. 387
وَمُلُوكِنَا فِي أَيَّامِ الْفُتُوحِ، فَجَمِيعُ مَا نَأْخُذُهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِ مُلُوكِهِمْ وَخُلَفَائِهِمْ حِلٌّ لَنَا، وَبَعْضُ مَا نَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا حَمَلْنَا لَهُمْ مَالًا كَانَتِ الْمِنَّةُ عَلَيْهِمْ وَأَنْشَدَ:
بِنْتُ كَرْمٍ غَصَبُوهَا أُمَّهَا ... وَأَهَانُوهَا فَدِيسَتْ بِالْقَدَمْ
ثُمَّ عَادُوا حَكَّمُوهَا فِيهِمُ ... وَلَنَاهِيكَ بِخَصْمٍ يَحْتَكِمْ
فَاسْتَحْسَنَ الْحَاضِرُونَ مِنَ النَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَاسْتَعَادُوهُ وَعَضُّوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الَّذِي اخْتَاطَّ عَلَيْهِ قَلَمُ اللَّعِينِ مِنْ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ مِائَتَا أَلْفٍ وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مَا بَيْنَ دَارٍ وَحَانُوتٍ وَأَرْضٍ بِأَعْمَالِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ أَعَادَهَا إِلَى أَصْحَابِهَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْأَفْضَلِ، وَمِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ انْتَبَهَ الْآمِرُ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَأَفَاقَ مِنْ سَكْرَتِهِ، وَأَدْرَكَتْهُ الْحَمِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَالْغَيْرَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، فَغَضِبَ لِلَّهِ غَضَبَ نَاصِرٍ لِلدِّينِ وَبَارٍّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَلْبَسَ الذِّمَّةَ الْغِيَارَ وَأَنْزَلَهُمْ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْزِلُوا بِهَا مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَأَمَرَ أَلَّا يُوَلَّوْا شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يُنْشِئُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا يَقِفُ عَلَيْهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، فَكَتَبَ عَنْهُ مَا نُسْخَتُهُ:
" الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْبُودِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، وَالْمُجِيبِ دُعَاءَ مَنْ يَدْعُوهُ بِأَسْمَائِهِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ الْمُتَوَحِّدِ بِالْقُوَّةِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأَوْلَى وَالْآخِرَةِ، هَدَى الْعِبَادَ بِالْإِيمَانِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَوَفَّقَهُمْ فِي الطَّاعَاتِ لِمَا هُوَ أَنْفَعُ زَادٍ فِي الْمَعَادِ، وَتَفَرَّدَ بِعِلْمِ الْغُيُوبِ، فَعَلِمَ
стр. 388
مِنْ كُلِّ عَبْدٍ إِضْمَارَهُ كَمَا عَلِمَ تَصْرِيحَهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] ، الَّذِي شَرَّفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَعَظَّمَهُ، وَقَضَى بِالْعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ لِمَنِ انْتَحَاهُ وَتَيَمَّمَهُ، وَفَضَّلَهُ عَلَى كُلِّ شَرْعٍ سَبَقَهُ وَعَلَى كُلِّ دِينٍ تَقَدَّمَهُ، فَنَصَرَهُ وَخَذَلَهَا وَأَشَادَ بِهِ وَأَخْمَلَهَا، وَرَفَعَهُ وَوَضَعَهَا، وَوَطَّدَهُ وَضَعْضَعَهَا، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ دِينًا سِوَاهُ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ.
فَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
وَشَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ وَأُولِي الْعِلْمِ الَّذِينَ هُمْ خُلَاصَةُ الْأَنَامِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨ - ١٩] .
وَلَمَّا ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِهِ نِعْمَتَهُ أَكْمَلَهُ لَهُمْ وَأَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَأَوْضَحَهُ إِيضَاحًا مُبِينًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَأَهْلِ الْبَغْيِ وَالرَّشَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
стр. 389
وَأَمَرَ تَعَالَى بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ إِلَى الْمَمَاتِ، فَقَالَ - وَبِقَوْلِهِ يَهْتَدِي الْمُؤْمِنُونَ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
وَهُوَ وَصِيَّةُ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ لِبَنِيهِ، وَإِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢ - ١٣٣] .
وَأَشْهَدُ عَلَيْهِ الْحَوَارِيُّونَ عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَهُوَ الشَّاهِدُ الْأَمِينُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
وَأَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ أَنْ يَدْعُوَ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَيْهِ، وَيُشْهِدَ مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى - وَقَوْلُهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ -: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
стр. 390
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى الَّذِي رَفَعَهُ بِاصْطِفَائِهِ إِلَى مَحَلِّهِ الْمُنِيفِ، وَبَعَثَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالدِّينِ الْقَيِّمِ الْحَنِيفِ، وَجَعَلَهُ أَفْضَلَ مَنْ كَانَ وَأَفْضَلَ مَنْ يَكُونُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ، فَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ لِظَهْرِ الْكُفْرِ قَاصِمَةً، وَشَرِيعَتُهُ لِمَنْ لَاذَ بِهَا وَلَجَأَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ عَاصِمَةً، وَحُجَجُهُ لِمَنْ عَانَدَ وَكَفَرَ خَاصِمَةً، حَتَّى أَذْعَنَ الْمُعَانِدُونَ وَاعْتَرَفَ الْجَاحِدُونَ وَذَلَّ الْمُشْرِكُونَ وَ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] ، وَأَشْرَقَ وَجْهُ الدَّهْرِ بِرِسَالَتِهِ ضِيَاءً وَابْتِهَاجًا، وَدَخَلَ النَّاسُ بِدَعْوَتِهِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَأَشْرَقَتْ عَلَى الْوُجُوهِ شَمْسُ الْإِسْلَامِ، وَاتَّسَقَ قَمَرُ الْإِيمَانِ، وَوَلَّتْ عَلَى أَدْبَارِهَا مَهْزُومَةً عَسَاكِرُ الشَّيْطَانِ.
وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِهِ وَخُلَفَائِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَّتَهُ وَابْتَغَوْا فِي الْقِيَامِ بِهَا رِضْوَانَهُ، وَوَقَفُوا عِنْدَ شَرْعِهِ فَأَعَزُّوا مَنْ أَعَزَّهُ وَأَهَانُوا مَنْ أَهَانَهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِبَالِغِ حِكْمَتِهِ وَسَابِغِ نِعْمَتِهِ شَرَّفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَطَهَّرَهُ مِنَ الْأَدْنَاسِ، وَجَعَلَ أَهْلَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، فَالْإِسْلَامُ الدِّينُ الْقَوِيمُ الَّذِي اصْطَفَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَدْيَانِ لِنَفْسِهِ، وَجَعَلَهُ دِينَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَةِ قُدْسِهِ، فَارْتَضَاهُ وَاخْتَارَهُ، وَجَعَلَ خَيْرَ عِبَادِهِ وَخَاصَّتَهُ هُمْ أَوْلِيَاءَهُ وَأَنْصَارَهُ، يُحَافِظُونَ عَلَى حُدُودِهِ وَيُثَابِرُونَ وَيَدْعُونَ
стр. 391
إِلَيْهِ وَيَذْكُرُونَ وَ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ، فَهُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَإِلَى مَرْضَاتِهِ يُسَارِعُونَ، وَلِمَنْ خَرَجَ عَنْ دِينِهِ يُجَاهِدُونَ، وَلِعِبَادِهِ بِجُهْدِهِمْ يَنْصَحُونَ، وَعَلَى طَاعَتِهِ يُثَابِرُونَ وَ ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] ، ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥] .
هَذَا وَإِنَّ أُمَّةً هَدَاهَا اللَّهُ إِلَى دِينِهِ الْقَوِيمِ، وَجَعَلَهَا دُونَ الْأُمَمِ الْجَاحِدَةِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تُوفِي مِنَ الْأُمَمِ سَبْعِينَ هُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقَةٌ بِأَنْ لَا يُوَالِيَ مِنَ الْأُمَمِ سِوَاهَا، وَلَا يُسْتَعَانَ بِمَنْ خَانَ اللَّهَ خَالِقَهُ وَرَازِقَهُ وَعَبَدَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا، فَكَذَّبَ رُسُلَهُ وَعَصَى أَمْرَهُ وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِ وَاتَّخَذَ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مَوْسُومُونَ بِغَضَبِ اللَّهِ وَلَعْنَتِهِ، وَالشِّرَكِ بِهِ وَالْجَحْدِ لِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي جَمِيعِ صَلَوَاتِهِمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ هِدَايَةَ سَبِيلِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ،
стр. 392
وَتَجَنُّبَهُمْ سَبِيلَ الَّذِينَ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَطَرَدَهُمْ عَنْ جَنَّتِهِ، فَبَاءُوا بِغَضَبِهِ وَلَعْنَتِهِ مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ.
فَالْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ هُمُ الْيَهُودُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَأُمَّةُ الضَّلَالِ هُمُ النَّصَارَى الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصُّلْبَانِ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ بِأَنَّهُمْ بِالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْغَضَبِ مَوْسُومُونَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] .
стр. 393
وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُمْ ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] ، وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُفْتَرِينَ، فَقَالَ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] .
وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَعَنَهُمْ، وَلَا أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] .
وَحَكَمَ سُبْحَانَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حُكْمًا تَرْتَضِيهِ الْعُقُولُ، وَيَتَلَقَّاهُ كُلُّ مُنْصِفٍ بِالْإِذْعَانِ وَالْقَبُولِ، فَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] .
وَأَخْبَرَ عَلَى مَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ الَّتِي صَارُوا بِهَا مَثَلًا فِي الْعَالَمِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ - فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٥ - ١٦٦] .
стр. 394
ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ حُكْمًا مُسْتَمِرًّا فِي الذَّرَارِيِّ وَالْأَعْقَابِ، عَلَى مَرِّ السِّنِينَ وَالْأَحْقَابِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ، فَكَانَ هَذَا الْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا بِبَعْضِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] .
فَهُمْ أَنْجَسُ النَّاسِ قُلُوبًا، وَأَخْبَثُهُمْ طَوِيَّةً، وَأَرْدَؤُهُمْ سَجِيَّةً، وَأَوْلَاهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] .
فَهُمْ أُمَّةُ الْخِيَانَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ وَكِتَابِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] .
وَأَخْبَرَ عَنْ سُوءِ مَا يَسْتَمِعُونَ وَيَقُولُونَ، وَخُبْثِ مَا يَأْكُلُونَ وَيُجْمِعُونَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] .
стр. 395
وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَعَنَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَقَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠] .
وَقَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ فِي حُكْمِهِ الْمُبِينِ، فَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] .
وَأَخْبَرَ عَنْ حَالِ مُتَوَلِّيهِمْ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْمَرَضِ الْمُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَقَالَ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] .
стр. 396
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حُبُوطِ أَعْمَالِ مُتَوَلِّيهِمْ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ لِذَلِكَ مِنَ الْحَذِرَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] .
وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ أَعْدَائِهِ أَوْلِيَاءَ وَقَدْ كَفَرُوا بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ سُوءٍ يَنَالُونَهُمْ بِهِ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ إِذَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] .
وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ أُسْوَةً حَسَنَةً فِي إِمَامِ الْحُنَفَاءِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ تَبَرَّءُوا مِمَّنْ لَيْسَ عَلَى دِينِهِمُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَإِيثَارًا لِمَرْضَاتِهِ وَمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وَتَبَرَّأَ سُبْحَانَهُ مِمَّنِ اتَّخَذَ الْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَحَذَّرَهُ نَفْسَهُ أَشَدَّ
стр. 397
التَّحْذِيرِ فَقَالَ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] .
فَمِنْ ضُرُوبِ الطَّاعَاتِ إِهَانَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ الَّتِي هُمْ إِلَيْهَا صَائِرُونَ، وَمِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَةِ أَخْذُ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمُ الَّتِي يُعْطُونَهَا عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وَمِنَ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ أَنْ تَعُمَّ جَمِيعَ الذِّمَّةِ إِلَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِاسْتِخْرَاجِهَا، وَأَنْ يُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَمِنْهَاجِهَا، وَأَلَّا يُسَامَحَ بِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَوْ كَانَ فِي قَوْمِهِ عَظِيمًا، وَأَلَّا يُقْبَلَ إِرْسَالُهُ بِهَا وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ زَعِيمًا، وَأَلَّا يُحِيلَ بِهَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُوكِّلَ فِي إِخْرَاجِهَا عَنْهُ أَحَدًا مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَأَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ إِعْزَازًا لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالًا لِطَائِفَةِ الْكُفَّارِ وَأَنْ تُسْتَوْفَى مِنْ جَمِيعِهِمْ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ. وَأَهْلُ خَيْبَرَ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ.
وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ الْخَيَابِرَةُ مِنْ وَضْعِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ بِعَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ ذَلِكَ زُورٌ وَبُهْتَانٌ، وَكَذِبٌ ظَاهِرٌ يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، لَفَّقَهُ الْقَوْمُ الْبُهُتُ وَزَوَّرُوهُ، وَوَضَعُوهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَتَمَّمُوهُ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى النَّاقِدِينَ أَوْ يَرُوجُ عَلَى عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَكْشِفَ حَالَ الْمُبْطِلِينَ وَإِفْكَ الْمُفْتَرِينَ.
стр. 398
وَقَدْ تَظَاهَرَتِ السُّنَنُ، وَصَحَّ الْخَبَرُ بِأَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَأَوْجَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ الْخَيْلَ وَالرِّكَابَ، فَعَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِجْلَائِهِمْ عَنْهَا كَمَا أَجْلَى إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِسَقْيِ نَخْلِهَا وَمَصَالِحِ أَرْضِهَا أَقَرَّهُمْ فِيهَا كَالْأُجَرَاءِ، وَجَعَلَ لَهُمْ نِصْفَ الِانْتِفَاعِ، وَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا مُبِيَّنًا، وَقَالَ: " «نُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا شِئْنَا» ".
فَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْخَيَابِرَةُ صَاغِرِينَ، وَأَقَامُوا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فِي الْأَرْضِ عَامِلِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ مِنَ الذِّمَامِ وَالْحُرْمَةِ مَا يُوجِبُ إِسْقَاطَ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كَيْفَ وَفِي الْكِتَابِ الْمَشْحُونِ بِالْكَذِبِ وَالْمَيْنِ شَهَادَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، وَشَهَادَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ بَعْدَ خَيْبَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ.
وَفِي الْكِتَابِ الْمَكْذُوبِ أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمُ الْكُلَفَ وَالسُّخَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى زَمَانِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا عَلَى زَمَانِ خُلَفَائِهِ الَّذِينَ سَارُوا فِي النَّاسِ أَحْسَنَ السَّيْرِ، وَلَمَا اتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ فِيهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُومُ بِعَمَلِ الْأَرْضِ وَسَقْيِ النَّخِيلِ، أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْيَهُودَ مِنْ خَيْبَرَ مُمْتَثِلًا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ "، وَقَالَ:
стр. 399
" لَئِنْ بَقِيتُ لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا» ".
[فصل مَا يُلْزَم بِهِ أهل الذمة مِنَ اللِّبَاسِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَمْيِيزِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ]
٩٦ - فَصْلٌ
[مَا يُلْزَمُوا بِهِ مِنَ اللِّبَاسِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَمْيِيزِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ]
وَأَمَّا الْغِيَارُ فَلَمْ يُلْزَمُوا بِهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا اتُّبِعَ فِيهِ أَمْرُ عُمَرَ ﵁، وَكَانَ بَدْءُ أَمْرِهِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ أَمِيرَ الْكُوفَةِ جَاءَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ وَأَسْلَمَتْ، فَذَكَرَتْ أَنَّ زَوْجَهَا يَضْرِبُهَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، فَضَرَبَهُ خَالِدٌ وَحَلَقَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَشَكَاهُ النَّصْرَانِيُّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَأَشْخَصَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ: الْحُكْمُ مَا حَكَمْتَ بِهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَلَا يَلْبَسُوا لُبْسَةَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُعْرَفُوا مِنْ بَيْنِهِمْ.
وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى شَيْءٍ أَوْ يُؤْتَمَنُوا عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ سَمُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الذِّرَاعِ؟ ! .
стр. 400
وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: " مَا «زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي» ".
وَقَدْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - لِقِيَامِهِ بِمَا اسْتُحْفِظَ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَةِ وَحِفْظِ نِظَامِهَا، وَلِانْتِصَابِهِ لِمَصَالِحِ أُمَّةٍ جَعَلَهُ اللَّهُ رَأْسَهَا وَإِمَامَهَا وَلِرِعَايَةِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلِجَعْلِ الْكُفَّارِ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ - أَنْ يَعْتَمِدَ كُلٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَا يَصِيرُونَ بِهِ مُسْتَذِلِّينَ مُمْتَهَنِينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، فَلْتُسْتَأْدَ جِزْيَةُ رُءُوسِهِمْ أَجْمَعَ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ مِنْ حِزْبِ الْمُشْرِكِينَ لِأَحَدٍ، وَلْيُنَبَّهْ فِي اسْتِخْرَاجِهَا وَالْحَوْطَةِ عَلَيْهَا إِلَى أَبْعَدِ غَايَةٍ وَأَمَدٍ، وَلْيُفَرَّقْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ فِي الشَّبَهِ وَالزِّيِّ لِيَتَمَيَّزَ ذَوُو الْهِدَايَةِ وَالرُّشْدِ مِنْ ذَوِي الضَّلَالَةِ وَالْبَغْيِ، وَلْيُوسَمُوا بِالْغِيَارِ وَشَدِّ الزُّنَّارِ وَإِزَالَةِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَشَبُّهِهِمْ بِهِمْ مِنَ الْعَارِ،
стр. 401
وَلْيُؤْمَرُوا بِأَنْ يُغَيِّرُوا مِنْ أَسْمَائِهِمْ مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ كَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعُثْمَانَ، وَكَذَلِكَ الْكُنَى الْمُخْتَصَّةُ بِالْمُسْلِمِينَ كَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ، فَلْتُغَيَّرْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ وَيَصْلُحُ لَهُمْ، وَلْيُنْسَخْ بِالثَّانِي الْمُسْتَجَدِّ السَّالِفِ الْأَوَّلِ، وَلْيُقَرَّرْ بِالتَّعْوِيضِ عَنْهُ عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ مُتَأَوَّلٌ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ لَمْ يُتَقَدَّمْ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بِنَهْيٍ وَلَا تَحْذِيرٍ، لَنَالَهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ مِنَ النَّكَالِ وَالتَّدْمِيرِ.
فَلْيَحْذَرُوا التَّعَرُّضَ لِهَذَا الْعِقَابِ الْأَلِيمِ وَالْعَذَابِ الْوَبِيلِ، وَلْيَكُنِ الْغِيَارُ وَشَدُّ الزُّنَّارِ مِمَّا يُؤْمَرُونَ بِهِ بِالْحَضْرَةِ وَبِالْأَعْمَالِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْأَقَاصِي مِنْ صَبْغِ أَبْوَابِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ بِاللَّوْنِ الْأَغْبَرِ الرَّصَاصِيِّ، وَلْيُؤْخَذْ كُلٌّ مِنْهُمْ بِأَنْ يَكُونَ زُنَّارُهُ فَوْقَ ثِيَابِهِ، وَلْيَحْذَرْ غَايَةَ الْحَذَرِ أَنْ يُرَى مُنْصَرِفًا إِلَّا بِهِ، وَلْيَمْنَعْ لَابَسُهُ أَنْ يَسْتُرَهُ بِرِدَائِهِ وَلْيَحْذَرِ الرَّاكِبُ مِنْهُمْ أَنْ يُخْفِيَهُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ لِإِخْفَائِهِ، وَلَا يُمَكَّنُوا مِنْ رُكُوبِ شَيْءٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ، وَلَا سُلُوكِ مَدَافِنِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مَقَابِرِهِمْ فِي نَهَارٍ وَلَا لَيْلٍ، وَلَا يُفْسَحُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْمَرَاكِبِ الْمُحَلَّاةِ، وَلْتَكُنْ تَوَابِيتُ مَوْتَاهُمْ مَشْدُودَةً بِحِبَالِ اللِّيفِ مَكْشُوفَةً غَيْرَ مُغَشَّاةٍ، وَلْيُمْنَعُوا مِنْ تَعْلِيَةِ دُورِهِمْ عَلَى دُورِ مَنْ جَاوَرَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَنْتَهِيَ فِيهِمْ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] .
стр. 402
[فَصْلٌ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى غِشِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَدَاوَتِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ]
٩٧ - فَصْلٌ
فِي سِيَاقِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى غِشِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَدَاوَتِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ وَتَمَنِّيهِمُ السُّوءَ لَهُمْ، وَمُعَادَاةِ الرَّبِّ تَعَالَى لِمَنْ أَعَزَّهُمْ أَوْ وَالَاهُمْ أَوْ وَلَّاهُمْ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
وَقَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
стр. 403
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٤ - ٤٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] .
وَقَالَ تَعَالَى مُبَشِّرًا لِمَنْ وَالَاهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا - الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ - وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٣] .
стр. 404
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٧ - ٥٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ - وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ - اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ٨ - ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] .
стр. 405
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ [الممتحنة: ١] ، إِلَى قَوْلِهِ:. . . . ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .
стр. 406
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ - إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٩ - ١٢٠] .
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِثْمٌ وَلَا خَطِيئَةٌ فِي خِيَانَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَفِي بَعْضِ هَذَا كِفَايَةٌ.
стр. 407
[فَصْلٌ حُكْمُ تَوْلِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضَ شُئُونِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ]
٩٨ - فَصْلٌ
[حُكْمُ تَوْلِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضَ شُئُونِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ]
وَلَمَّا كَانَتِ التَّوْلِيَةُ شَقِيقَةَ الْوِلَايَةِ كَانَتْ تَوْلِيَتُهُمْ نَوْعًا مِنْ تَوَلِّيهِمْ، وَقَدْ حَكَمَ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وَلَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، وَالْوَلَايَةُ تُنَافِي الْبَرَاءَةَ، فَلَا تَجْتَمِعُ الْبَرَاءَةُ وَالْوَلَايَةُ أَبَدًا، وَالْوَلَايَةُ إِعْزَازٌ، فَلَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَإِذْلَالُ الْكُفْرِ أَبَدًا، وَالْوَلَايَةُ صِلَةٌ، فَلَا تُجَامِعُ مُعَادَاةَ الْكَافِرِ أَبَدًا.
[فَصْلٌ الْمَلِكُ الصَّالِحُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
٩٩ - فَصْلٌ
[الْمَلِكُ الصَّالِحُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ]
وَلَوْ عَلِمَ مُلُوكُ الْإِسْلَامِ بِخِيَانَةِ النَّصَارَى الْكِتَابَ، وَمُكَاتَبَتَهُمُ الْفِرِنْجَ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ، وَتَمَنِّيَهُمْ أَنْ يَسْتَأْصِلُوا الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَسَعْيَهُمْ فِي ذَلِكَ بِجَهْدِ الْإِمْكَانِ - لَثَنَاهُمْ ذَلِكَ عَنْ تَقْرِيبِهِمْ وَتَقْلِيدِهِمُ الْأَعْمَالَ.
وَهَذَا الْمَلِكُ الصَّالِحُ كَانَ فِي دَوْلَتِهِ نَصْرَانِيٌّ يُسَمَّى مُحَاضِرَ الدَّوْلَةِ أَبَا الْفَضَائِلِ بْنَ دُخَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمُبَاشِرِينَ أَمْكَنُ مِنْهُ.
وَكَانَ الْمَذْكُورُ قَذَاةً فِي عَيْنِ الْإِسْلَامِ، وَبَثْرَةً فِي وَجْهِ الدِّينِ، وَمَثَالِبُهُ فِي الصُّحُفِ مَسْطُورَةٌ، وَمَخَازِيهِ مُخَلَّدَةٌ مَذْكُورَةٌ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ
стр. 408
وَقَّعَ لِرَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ بِرَدِّهِ إِلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَخُرُوجِهِ مِنَ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلْ يُكَاتِبُ الْفِرِنْجَ بِأَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَمْرِ الدَّوْلَةِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِهَا.
وَكَانَ مَجْلِسُهُ مَعْمُورًا بِرُسُلِ الْفِرِنْجِ وَالنَّصَارَى، وَهُمْ مُكْرَمُونَ لَدَيْهِ وَحَوَائِجُهُمْ مَقْضِيَّةٌ عِنْدَهُ، وَيَحْمِلُ لَهُمُ الْأَدْرَارَ وَالضِّيَافَاتِ، وَأَكَابِرُ الْمُسْلِمِينَ مَحْجُوبُونَ عَلَى الْبَابِ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ، وَإِذَا دَخَلُوا لَمْ يُنْصَفُوا فِي التَّحِيَّةِ وَلَا فِي الْكَلَامِ.
فَاجْتَمَعَ بِهِ بَعْضُ أَكَابِرِ الْكِتَابِ فَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ وَحَذَّرَهُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَةِ صُنْعِهِ، فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إِلَّا تَمَرُّدًا، فَلَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا يَسِيرٌ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي مَجْلِسِ الصَّالِحِ أَكَابِرُ النَّاسِ مِنَ الْكُتَّابِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، فَسَأَلَ السُّلْطَانُ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ عَنْ أَمْرٍ أَفْضَى بِهِ إِلَى ذِكْرِ مَخَازِي النَّصَارَى، فَبَسَطَ لِسَانَهُ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ بَعْضَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَقَالَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ: إِنَّ النَّصَارَى لَا يَعْرِفُونَ الْحِسَابَ وَلَا يَدْرُونَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْوَاحِدَ ثَلَاثَةً وَالثَّلَاثَةَ وَاحِدًا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
وَأَوَّلُ أَمَانَتِهِمْ وَعَقْدُ دِينِهِمْ: بِسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ إِلَهٍ وَاحِدٍ، فَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ الشُّعَرَاءِ وَقَالَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
كَيْفَ يَدْرِي الْحِسَابَ مَنْ جَعَلَ الْوَا ... حِدَ رَبَّ الْوَرَى تَعَالَى ثَلَاثَةْ
стр. 409
ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَأْمَنُ أَنْ يَفْعَلَ فِي مُعَامَلَةِ السُّلْطَانِ كَمَا فَعَلَ فِي أَصْلِ اعْتِقَادِهِ، وَيَكُونَ مَعَ هَذَا أَكْثَرَ النَّصَارَى أَمَانَةً؟ وَكُلَّمَا اسْتَخْرَجَ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ دَفَعَ إِلَى السُّلْطَانِ دِينَارًا، وَأَخَذَ لِنَفْسِهِ اثْنَيْنِ، وَلَاسِيَّمَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ قُرْبَةً وَدِيَانَةً؟
وَانْصَرَفَ الْقَوْمُ، وَاتَّفَقَ أَنْ كَبَتْ بِالنَّصْرَانِيِّ بِطْنَتُهُ، وَظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ فَأُرِيقَ دَمُهُ، وَسُلِّطَ عَلَى وُجُودِهِ عَدَمُهُ، وَفِيهِ يَقُولُ عِمَارَةُ الْيَمَنِيُّ:
قُلْ لِابْنِ دُخَانٍ إِذَا جِئْتَهُ ... وَوَجْهُهُ يَنْدَى مِنَ الْقَرْقَفِ
لَمْ تَكْفِكَ الدُّنْيَا وَلَوْ أَنَّهَا ... أَضْعَافُ مَا فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ
فَاصْفَعْ قَفَا الذُّلِّ وَلَوْ أَنَّهُ ... بَيْنَ قَفَا الْقِسِّيسِ وَالْأُسْقُفِ
مَلَّكَكَ الدَّهْرُ سِبَابَ الْوَرَى ... فَاحْلِقْ لِحَاهُمْ آمِنًا وَانْتِفِ
خَلَا لَكَ الدِّيوَانُ مِنْ نَاظِرٍ ... مُسْتَيْقِظِ الْعَزْمِ وَمِنْ مُشْرِفِ
فَاكْسِبْ وَحَصِّلْ وَادَّخِرْ وَاكْتَنِزْ ... وَاسْرِقْ وَخُنْ وَابْطِشْ وَلَا تَضْعُفِ
وَابْكِ وَقُلْ مَا صَلُحَ لِي دِرْهَمٌ ... فَرْدٌ وَصَلِّبْ وَابْتَهِلْ وَاحْلِفِ
وَاغْتَنِمِ الْفُرْصَةَ مِنْ قَبْلِ أَنْ ... تَقْضِي عَلَى الْإِنْجِيلِ وَالْمُصْحَفِ
стр. 410
[ذكر ذبائح أهل الذمة] [ فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ ذَبَائِحِهِمْ]
١٠٠ - فَصْلٌ
فِي أَحْكَامِ ذَبَائِحِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
وَلَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الذَّبَائِحُ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمْ.
стр. 411
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا، فَقُلْتُ: إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِيهِ؟ قَالَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ يَوْمَ فَتْحِ خَيْبَرَ: " «وَلِي جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ» " الْحَدِيثَ.
قَالَ إِسْحَاقُ: أَجَادَ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْيَهُودِيِّ
стр. 412
وَالنَّصْرَانِيِّ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَذْبَحَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرَ النَّسِيكَةِ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا أَهَلُّوا لِلَّهِ وَسَمَّوْا عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ،
стр. 413
وَالْمُسْلِمُ فِي قَلْبِهِ اسْمُ اللَّهِ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ مِمَّا ذَبَحُوا لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ يُجْتَنَبُ ذَلِكَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُسَمُّونَ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَقَالَ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَبَائِحِ السَّامِرَةِ، قَالَ: تُؤْكَلُ، هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قَالَ أَبِي: لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَتَفَرَّدَتِ الشِّيعَةُ دُونَ الْأُمَّةِ بِتَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ
стр. 414
الذَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ لَمْ تُدْرِكْهَا، وَبِأَنَّهُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَبِأَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ فِي الْحِلِّ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ، وَخَبَرُهُمْ لَا يُقْبَلُ، وَبِأَنَّهُمْ لَوْ سَمَّوْا لَمْ يُسَمُّوا اللَّهَ فِي الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَارِفِينَ بِاللَّهِ.
قَالُوا: وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا سِوَى الذَّبَائِحِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ الذَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ لَمْ تُدْرِكْهَا، فَإِنْ أَرَادُوا بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْأَكْلَ بِهَا فَهَذِهِ ذَكَاةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا ذَكَاةُ الْمُسْلِمِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِهَا نَفْيُ الْحِلَّ، وَيَصِيرُ الدَّلِيلُ هَكَذَا: لِأَنَّ ذَكَاةَ الْمُسْلِمِ لَمْ تُدْرِكْهَا، فَغَيَّرُوا الْعِبَارَةَ وَقَالُوا: لَمْ تُدْرِكْهَا الذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَكَذِبٌ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ.
وَلِلشِّيعَةِ طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَا تَفَرَّدُوا بِهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ: هَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَالِمُ أَهْلِ الْبَيْتِ يَقُولُ: كُلُوا مِنْ ذَبَائِحِ بَنِي تَغْلِبَ، وَتَزَوَّجُوا مِنْ نِسَائِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إِلَّا
стр. 415
بِالْوَلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ.
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّبْهَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَكْرَهُ ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ.
стр. 416
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ؟ فَقَالَ: فِيمَا أَحْسَبُ، هَذَا عَنْ عَلِيٍّ: لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، فَقَالَ: مَا أُثْبِتُهُ عَنْ عَلِيٍّ.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ تَنَازَعَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَفِيهَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ.
стр. 417
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ، مَا تَرَى فِيهَا؟ بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ: أَمَّا عَلِيٌّ فَكَرِهَهَا وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَخَّصَ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ فِي الْحِلِّ، فَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّهَا لَشَرْطٌ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ، فَلَا يُؤْكَلُ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ سَوَاءٌ ذَبَحَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ، لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا مَذْكُورَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
стр. 418
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ سُمِّيَ أَمْ لَا، فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ مَتَى شَقَّ الْعِلْمُ بِهِ وَكَانَ فِيهِ أَعْظَمُ الْحَرَجِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعِلْمِ بِهِ كَذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ فِيهَا وَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنْ نَاسًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَسَمَّوُا اللَّهَ أَمْ لَا، فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» .
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ وَلَا مُعَامَلَتُهُ وَلَا أَكْلُ طَعَامِهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَنَدُ إِلَى قَوْلِهِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ اللَّهَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَارِفِينَ بِهِ، حُجَّةٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ وَمُحْيِيهِمْ وَمُمِيتُهُمْ وَإِنْ جَهِلُوا بَعْضَ صِفَاتِهِ أَوْ أَكْثَرَهَا، فَالْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِتَعَذُّرِهَا، وَأَصْلُ الْمَعْرِفَةِ مَعَهُمْ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْآيَةِ بِمَا عَدَا الذَّبَائِحَ فَمُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَمُسْتَلْزِمٌ لِحَمْلِهَا عَلَى مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّ الْفَاكِهَةَ وَالْحُبُوبَ وَنَحْوَهَا لَا تُسَمَّى مِنْ طَعَامِهِمْ، بِخِلَافِ ذَبَائِحِهِمْ، فَفَهْمُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُمْ أَوْلَى مِنْ فَهْمِ " الرَّافِضَةِ "، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 419
[فَصْلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَاهَدِ وَالْحَرْبِيِّ فِي أَحْكَامِ الذَّبَائِحِ]
١٠١ - فَصْلٌ
[لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَاهَدِ وَالْحَرْبِيِّ فِي أَحْكَامِ الذَّبَائِحِ]
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُعَاهَدِ، لِدُخُولِهِمْ جَمِيعًا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فَفِيهِمْ رِوَايَتَانِ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ ﵃.
[فَصْلٌ مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ ذَبَائِحِهِمْ]
[المسألة الأولى مَا تَرَكُوا التَّسْمِيَةَ عَلَيْهِ]
١٠٢ - فَصْلٌ
[مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ ذَبَائِحِهِمْ]
وَهَاهُنَا خَمْسُ مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: مَا تَرَكُوا التَّسْمِيَةَ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: مَا سَمَّوْا عَلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ.
الثَّالِثَةُ: مَا ذَبَحُوهُ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ حِلَّهُ وَهُوَ حَلَالٌ عِنْدَنَا.
الرَّابِعَةُ: مَا ذَبَحُوهُ مُعْتَقَدِينَ حِلَّهُ، هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْنَا مِنْهُ الشُّحُومُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهَا؟
стр. 420
الْخَامِسَةُ: مَا ذَبَحُوهُ فَخَرَجَ لَاصِقَ الرِّئَةِ، وَيُسَمُّونَهُ " الطَّرِيفَا " هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَمْ لَا؟ وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهَا وَمَأْخَذَهَا، بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فَمَنْ أَبَاحَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ إِذَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ، اخْتَلَفُوا: هَلْ يُبَاحُ إِذَا ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُبَاحُ ; لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي ذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُبَاحُ وَإِنْ أُبِيحَ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ بِلِسَانِهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْمَنْقُولِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ أَحْمَدَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا أَهَلُّوا بِهَا لِلَّهِ وَسَمَّوْا عَلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وَالْمُسْلِمُ فِي قَلْبِهِ اسْمُ اللَّهِ، فَقَدْ خَرَجَ بِالْفَرْقِ كَمَا تَرَى.
стр. 421
وَمَنْ حَرَّمَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ مِنَ الْمُسْلِمِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ فِي مَتْرُوكِهَا مِنَ الْكِتَابِيِّ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُبَاحُ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَكْحُولٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا ذَكَرُوا اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى ذَبِيحَتِهِمْ فَهَلْ يُلْحَقُ بِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ]
١٠٣ - فَصْلٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا ذَكَرُوا اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى ذَبِيحَتِهِمْ " كَالزُّهَرَةِ " وَ " الْمَسِيحِ " وَغَيْرِهِمَا، فَهَلْ يُلْحَقُ بِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، أَوْ يُحَرَّمُ قَطْعًا وَإِنْ أُبِيحَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ.
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ يَذْبَحُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يُسَمِّ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِمَّا يَذْبَحُونَ لِكَنَائِسِهِمْ يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ فِيهِ عَلَى عَمْدٍ، إِنَّمَا يُذْبَحُ لِلْمَسِيحِ فَقَدْ كَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ، إِلَّا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَتَأَوَّلُ أَنَّ طَعَامَهُمْ حِلٌّ، وَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ الْكَرَاهِيَةُ لِأَكْلِ مَا ذُبِحَ لِكَنَائِسِهِمْ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ أَيْضًا: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ
стр. 422
الْكِتَابِ وَلَمْ تُسَمِّ، قَالَ: إِنْ كَانَتْ نَاسِيَةً فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَذْبَحُونَ لِكَنَائِسِهِمْ قَدْ يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ عَلَى عُمَدٍ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا ذُبِحَ " لِلزُّهَرَةِ " فَلَا يُعْجِبُنِي أَكْلُهُ، قِيلَ لَهُ: أَحْرَامٌ أَكْلُهُ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ حَرَامٌ، وَلَكِنْ لَا يُعْجِبُنِي.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يُجْتَنَبُ مَا ذُبِحَ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي " مُحَرَّرِهِ ": وَإِنْ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنُصُوصَتَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدِي تَحْرِيمُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمُ الَّتِي
стр. 423
سَمَّوْا عَلَيْهَا اسْمَ الْمَسِيحِ.
قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ": وَكَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ خُصُّوا بِإِبَاحَةِ ذَبِيحَتِهِمْ، حَتَّى كَأَنَّهَا قَدْ أُهِلَّ بِهَا لِلَّهِ مَعَ الْكُفْرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ إِذْ كَانُوا قَدْ أَهَلُّوا بِهَا وَأَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِهَذَا الْوَضْعِ - فِيمَا أَحْسَبُ - اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِأَعْيَادِهِمْ أَوْ ذَبَحُوا بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِأَنَّهُمْ أَخْلَصُوا الْكُفْرَ عِنْدَ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ، فَصَارَتْ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي أُبِيحَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ.
فَأَمَّا مَنْ بَلَغَنَا عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ فَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ السُّكُونِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَهْلِي فَإِذَا كَتِفُ شَاةٍ مَطْبُوخَةٌ، قُلْتُ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالُوا جِيرَانُنَا مِنَ النَّصَارَى ذَبَحُوا كَبْشًا لِكَنِيسَةِ جِرْجِسَ، قَلَّدُوهُ عِمَامَةً وَتَلَقَّوْا دَمَهُ فِي طَسْتٍ، ثُمَّ طَبَخُوا وَأَهْدَوْا إِلَيْنَا وَإِلَى جِيرَانِنَا، قَالَ: قُلْتُ: ارْفَعُوا هَذَا ثُمَّ هَبَطْتُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْتُهُ، وَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا، هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ طَعَامُهُمْ لَنَا حِلٌّ وَطَعَامُنَا لَهُمْ حِلٌّ.
стр. 424
ثَنَا عَلِيُّ [ثَنَا] زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَكَمِ التُّجِيبِيُّ، حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ عُتْبَةَ - أَوْ عُتْبَةُ بْنُ جَرِيرٍ - قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ ذَبَائِحِ النَّصَارَى لِمَوْتَاهُمْ، قَالَ: لَا بَاسَ بِهِ.
стр. 425
ثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ مَكْحُولٍ فِيمَا ذَبَحَتِ النَّصَارَى لِأَعْيَادِ كَذَا، قَالَ: كُلْهُ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَقُولُونَ وَأَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ.
وَثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ قَالَ: كُلْهَا، وَلَوْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَلَى اسْمِ جِرْجِسَ لَأَكَلْتُهَا.
следующие страницы →