Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
خلاف [هذا من] رواية علي بن زياد عنه فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها أنا آخذها]
مسألة وقال مالك في أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها: أنا آخذها، قال مالك: أنا أرى أنه أحق بها بما أعطوا بها لأن في ذلك خيرا يعتق ولدها ولا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الزوج إذا أراد أن يأخذهم بالثمن الذي أعطوا بهم فبيعهم من غيره بذلك الثمن إضرار بالولد في غير منفعة تصير إليهم، فلا يمكنون من ذلك إذ لا مضرة عليهم في بيعهم من الزوج ولا منفعة لهم في بيعهم من سواه، ولو باعوها وحدها دون ولدها لم يكن أحق بها بما يعطى فيها إلا أن تكون حاملا إذ لا تكون له أم ولد إذا اشتراها وإن كانت قد ولدت منه قبل الشراء إلا أن يشتريها وهي حامل منه، وفي ذلك اختلاف قد روي عن مالك أنها لا تكون له أم ولد حتى يكون أصل الحمل بعد الشراء. ومثل هذا في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العتق وفي غير ما موضع، وكذلك يجب في كل شيء مشترك لا شفعة فيه إذا باع بعض الأشراك أنصباءهم أن يكون لمن بقي منهم أن يأخذ ذلك بالثمن الذي يعطى فيه ما لم ينفذ البيع، والله الموفق.
[رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته فقال له الأب نعم]
ومن كتاب أوله
استأذن سيده في تدبير جاريته قال: وسألت ابن القاسم عن رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته، فقال له الأب: نعم، فذهب أبوها إلى رجل فسأله ابنته أن يخليها مع ختنه ففعل فخلا بها فافتضها، قال: إن كانت طاوعته ضربت الحد ولا صداق لها، وإن كان استكرهها كان لها
стр. 1962
الصداق على أبوي الجارية المملكة إلا أن لا يكون عندهما شيء فيكون ذلك لها على الذي افتضها إن كان موسرا ويتبع هو أبوي الجارية، وعلى أبوي الجارية المملكة وأبوي الجارية المستكرهة النكال على كل حال.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة: إن الصداق على الذي افتضها ويرجع الذي افتضها على الذي غره، وهو القياس، وما هنا استحسان لأنا إذا قضينا لها بالصداق على الذي افتضها أعدينا الذي افتضها بذلك على الذي غره، فالقضاء لها بالصداق على الغار أولى من أجل أنه أقل عناء، والذي يوجبه النظر الصحيح أن تكون مخيرة في اتباع من شاءت منهما لأن الذي افتضها غريمها والغار غريم غريمها، فلها أن ترجع عليه بما لغريمها أن يرجع عليه، وسائر قوله في المسألة صحيح لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها، وذلك من صداقها، فتضع المرأة صداقها عن زوجها، هل ترى الشرط قد وضع عن زوجها بوضع الصداق عنه؟ وهل للمرأة قضاء في ذلك الشرط مع أبيها ما كان حيا؟ أو هل للأب أن يسنده إلى أحد إذا مات؟ أو هل بيد المرأة من ذلك الشرط شيء، إن لم يسنده أبوها إلى أحد؟ قال ابن القاسم: أما قولك ذلك من صداقها فذلك باطل ولا يوضع عنه الشرط بوضع الصداق وذلك بيد أبيها، فإن تزوج فأراد الأب أن يطلق وأرادت هي الإقامة مع زوجها نظر في ذلك، فإن كان الذي أرادت من ذلك هو حظها وهو خير لها لم يكن للأب أن يطلق، وإن كان الذي أراد أبوها من الفراق هو حظها وهو خير لها كان القضاء
стр. 1963
في ذلك، قضاء أبيها ولم يقبل لها قول؛ لأني سمعت مالكا يسأل عن الرجل يجعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه، فحل الأجل ولم يأت فأراد أبوها أن يطلق، وقالت المرأة: لا أحب فراق زوجي فقال مالك: القول في ذلك قولها، ويمنع أبوها من الفراق، وإن مات أبوها وأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له وكان في ذلك بمنزلة أبيها، قال: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء، وفي سماع [أبي محمد] يحيى قال ابن القاسم: وإن طلق الأب قبل أن يمنعه السلطان مضى الطلاق، وإن طلق بعد منع السلطان فلا يجوز.
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في الذي اشترط على زوج ابنته إن تزوج عليها فأمرها بيدها إنه إن تزوج عليها فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن السلطان ينظر في ذلك، فمن رأى الحظ في إرادته منهما كان القضاء قضاءه الأب كان أو الابنة، ولم يقل كما قال مالك في الذي جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه إنه إن لم يأت إلى الأجل فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن القول في ذلك قولها ويمنع أبوها من الفراق، والوجه فيما ذهب إليه إنه جعل لاشتراط الأب على زوج ابنته أن أمرها بيده إن تزوج عليها حقا فلم ير أن يخرج من يده إلا بنظر السلطان لأنه يقول: أنا أعلم أنه إنما تزوج عليها إرادة الإضرار بها من حيث لم تعلم هي، ولذلك شرطت أن أمرها بيدي فوجب أن ينظر السلطان في ذلك، بخلاف جعل الزوج ذلك بيده دون أن يشترط عليه؛ لأنه إذا لم يشترطه عليه فإنما فعله لزوجته لا له، فكانت أحق بالقضاء في ذلك منه، والله أعلم، ولا فرق بين المسألتين إلا من جهة الشرط. وقوله: إنه إن مات فأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له هو مثل ما له في كتاب بيع الخيار من المدونة خلاف رواية علي بن زياد عنه في ذلك فيه،
стр. 1964
وقوله: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء خلاف ما حكى عنه ابن القاسم في كتاب بيع الخيار من المدونة لأنه قال فيه. فكأني رأيت مالكا رأى ذلك لها، أو قال ذلك لها ولم أتبينه، وبالله التوفيق.
[مسألة: أصدقها مائة دينار فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا أيحال بينه وبين وطئها]
مسألة قال عيسى: قلت له: فلو كان فرض مائة دينار أو نحوها فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا، أيحال بينه وبين وطئها حتى يقدم إليها أدنى ما ينكح به؟ فقال: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها.
قال محمد بن رشد: قوله: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها كلام متناقض فليس على ظاهره، ومعناه: الإنكار أن يكون عليه أن يعطيها ربع دينار قبل أن يعود إلى مسيسها، وتقديره: أيقال له أعطها ربع دينار وهو ليس عليه أن يجتنب مسيسها أي ليس يقال له ذلك، وكذلك في سماع أبي زيد أن ذلك يكون دينا عليه ولا يكف عن وطئها، ومحمد بن المواز يرى الوطء الثاني كالأول فيكره له التمادي على الوطء حتى يعطيها ربع دينار [ولها عنده أن تمنعه نفسها حتى يعطيها ربع دينار، وإن كانت قد أذنت له في الدخول عليها فدخل، وهو إغراق؛ لأن الدخول بها قبل أن يقدم إليها شيئا من صداقها ليس بحرام، وإنما يكره مخافة أن تهب له بعد ذلك الصداق فيكون قد استحل فرجها بلا صداق، فإذا دخل فقد فات الأمر وذهب موضع الكراهية، ولو أذنت له بالدخول عليها قبل أن يدفع إليها من صداقها شيئا لما كان له أن يدخل حتى يقدم إليها من صداقها ربع دينار، ولكان لها أن تمنعه من ذلك أيضا لأن الكراهة في ذلك حق لله تعالى، فلا يلزمها الإذن فيما زاد على ربع دينار، وقد مضى هذا في رسم الطلاق الثاني
стр. 1965
والثالث من سماع أشهب، ويأتي في رسم أوصى ورسم يوصي ورسم العشور من سماع عيسى وفي سماع أبي زيد، وبالله التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.
[مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله ﷺ ويغتسل]
ومن كتاب العرية قال ابن القاسم وسفيان بن عيينة: الفرق ثلاثة آصع.
قال محمد بن رشد: زاد في سماع أصبغ من كتاب الوضوء وهو الذي كان يتوضأ منه رسول الله ﷺ ويتطهر، وهو المعنى المقصود إليه، وقد مضى هنالك القول في صفته وتسميته ومبلغ ما يحمل من الماء ووجه تخريج ما يعارض ظاهره من الآثار في مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله ﷺ ويغتسل مستوفى، فمن أحب الوقوف من ذلك على الشفاء تأمله هناك، ولا وجه لإعادته هنا إذ ذلك الموضع به أليق وأولى، وبالله التوفيق.
[مسألة: زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله ثم مات]
مسألة قال: وكل من زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله أو زوج ابنته في حياته أجنبيا أو قريبا فحمل صداقها في ماله ثم مات أن ذلك يكون في ماله من رأس المال ولا يحاسب به الابن ولا الابنة في موروثهما منه ويحاصان الغرماء في الموت، وإن حمل ذلك عنهما في المرض لم يجز في شيء منهما من ماله وخير ابنه فإن شاء بنى وغرم الصداق، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل، وإن دخل اتبع به دينا، قلت: وكذلك الأجنبي الذي زوجه ابنته في مرضه وحمل عنه الصداق إن دخل غرم، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل؟ قال: نعم، وإنما هيج هذه المسألة ابن أبي حسان في رجل قال في مرضه لابن أخيه قد وصلتك بابنتي فإنه إن قبل زوج وخفف عنه من الصداق بقدر ما يرى مما أراد من التخفيف عنه.
стр. 1966
قال محمد بن رشد: أما إذا زوج الأب ابنه أو ابنته في صحته أجنبيا أو قريبا وحمل عنهما الصداق في ماله فلا اختلاف في أن ذلك يكون لهما في رأس ماله إن مات ولا يحاسبان بذلك في ميراثهما ويحاصان به الغرماء في الموت والفلس كما قال، ومعنى ذلك في الدين المستحدث، وأما في الدين القديم فلا لأنه إذا كان عليه دين يغترق ماله فلا يجوز له أن يحمل صداقا عن أحد لأنه من المعروف، والدين أحق من المعروف ومن الهبات. وأما إن زوج ابنه في مرضه وحمل عنه الصداق فمات من مرضه فلا اختلاف في أن ذلك وصية لا تجور إلا أن يجيزها له الورثة ويخير، فإن شاء بنى وغرم الصداق، وإن شاء فارق ولا شيء عليه، وإن كان صغيرا نظر في ذلك له وليه أو وصيه بعد موت أبيه، قاله في المدونة. وقد قال مالك فيها فيمن يضمن الأب عن ابنه في مرضه لا يعجبني هذا النكاح، ووجه كراهته له ما دخله من الخيار، ووجه القول الأول أنه خيار لم ينعقد عليه النكاح، وإنما أوجبه الحكم، فلم يكن له فيه تأثير، وأما إن زوج ابنته في مرضه وحمل الصداق عن زوجها ففي ذلك اختلاف كثير جعل ذلك ههنا وصية للابنة فلم يجزها، وقال مطرف وابن الماجشون إنها وصية للزوج فتجوز له من ثلثه إن لم يكن وارثا، ورويا ذلك عن مالك، وهو قول ابن وهب في سماع أصبغ وقول ابن القاسم في رواية أبي زيد، واختلف في ذلك قول أشهب على ما ألزمه أصبغ في سماعه من مسألة الذي يقر في مرضه أنه قبض صداق ابنته، قال ابن الماجشون وهذا إذا كان الذي سمي لها وحمله عن زوجها صداق مثلها فأقل، وأما إن كان أكثر من صداق مثلها فالزائد على صداق مثلها وصية لها لا يجوز باتفاق إلا أن يجيزها الورثة، وروى ذلك أبو قرة عن مالك، وقاله عدة من أصحابه، فإن لم يجيزوا ذلك لها كان الزوج مخيرا بين أن يخرجه من ماله أو يترك النكاح، ولا يلزمه منه شيء، وبالله التوفيق.
[مسألة: أصدقها الخادم ثم بعد سنين تصدقت به عليه ثم مات زوجها]
مسألة وسئل عن الرجل تموت امرأته فيرث ما تركت هو وولدها،
стр. 1967
وكان ما تركت خادما فتزوج امرأة فأصدقها تلك الخادم وأقامت في يديها سنين، ثم إنها تصدقت عليه بالخادم فأقامت بعد ذلك سنين هي له، ثم توفي فوجد له كتاب فيه ذكر الخادم أنها لولده من امرأته التي توفيت أو كتب بذلك في وصيته، هل ترى أنها لهم دون إخوتهم من أبيهم؟ قال: ليس لولده الذين ذكر في كتابه أنها لهم في الخادم شيء، وإنما لهم قيمتها يوم أصدقها امرأته.
قال محمد بن رشد: إنما يكون لهم قيمتها يوم أصدقها على ما قال إذا ثبت أنها لهم ببينة تشهد على ذلك أو على إقرار الأب لهم بها في صحته فيحمل قوله وجد له في كتاب فيه ذكر الخادم أنها لولده من امرأته على أحد وجهين، إما أن يكون الكتاب تضمن معرفة الشهود لذلك، وإما أنه تضمن إشهاده على نفسه بذلك في صحته، وأما إن لم يعلم ذلك إلا بأنه كتبه في وصيته في مرضه فلا يكون لهم بذلك شيء، إذ لا يجوز إقرار الرجل في مرضه لبعض ولده دون بعض إذا كانت حالتهم واحدة في البر به أو العقوق له على ما في سماع أصبغ من كتاب المديان والتفليس، وإنما وجب لهم قيمتها يوم أصدقها امرأته لأنها قد فاتت بتزويجه بها على مذهبه مليا كان أو معدما ودخل بالمرأة أو لم يدخل بها، وستأتي هذه المسألة والقول فيها في رسم الجواب من سماع عيسى إن شاء الله.
[مسألة: امرأة وليت عقد نكاح جارية لها ثم إن الرجل زوج الجارية طلقها]
مسألة وعن امرأة وليت عقد نكاح جارية لها ثم إن الرجل طلق امرأته قبل أن يعلم أنه كان مفسوخا ثم أراد أن يتزوجها، قال: إن كان طلقها البتة فلا ينكحها حتى تنكح زوجا غيره.
قال محمد بن رشد: هذا على ما اختاره ابن القاسم وأخذ به من قول مالك، وقد مضى هذا في آخر رسم من سماع أشهب، ومثله في المدونة
стр. 1968
وغيرها من قوله واختياره، وبالله التوفيق لا شريك له.
[مسألة: المرأة تدعي على زوجها صداقا مؤخرا إلى غير أجل قبل الدخول بها]
ومن كتاب يوصي
لمكاتبه بوضع نجم من نجومه قال: وسألته عن المرأة تدعي على زوجها صداقا مؤخرا إلى غير أجل قبل الدخول بها وتأتي على ذلك بشاهد يشهد أنه تزوجها بمائة دينار نقدا ومائة مؤخرة إلى موت أو فراق، فقال: أما إذا ادعت ذلك قبل البناء بها فلا يقبل قولها بشاهد واحد ولا تحلف معه إذا كان زوجها منكرا لذلك لأنها تدعي فسخ نكاح، فلا يجوز في الفسخ شاهد ويمينها، ولا يكون الفسخ إلا بشهادة شاهدين؛ لأنها وإن طلبت حقها فيما تزعم فإن ذلك الحق لا يثبت لها إلا بفسخ النكاح، فنحن لو قبلنا يمينها مع شاهدها فسخنا نكاحه ولم تتبعه بقليل ولا بكثير، وردت عليه ما أخذت منه إن كانت أخذت منه شيئا لأن هذا النكاح إذا أُدرك قبل الدخول بها فُسخ، فلا تثبت لها المائة الآجلة التي ادعت إذا كان ذلك قبل الدخول بشاهد واحد مع يمينها، ولا يثبت لها أيضا بشاهدين؛ لأنها لو أقامت شاهدين فسخنا النكاح بينهما، قال: وإن ادعت هذا الآجل بعد الدخول وأتت بشاهد قلنا النكاح قد ثبت، وقد فات موضع الفسخ؛ لأنه لا يفسخ مثل هذا النكاح بعد الدخول ولو شهد على ذلك العدول فقد فات منه موضع الفسخ، وإنما هي مدعية حق وليست مدعية فسخ نكاح، فهي تحلف مع شاهدها وتستحق صداق مثلها، فإذا حلفت قُوِّمَ لها صداق مثلها فأعطيته إلا أن يكون الذي وصل إليها من العاجل أكثر من صداق مثلها فيكون ذلك لها ولا ترد منه شيئا
стр. 1969
ويسقط عن زوجها الآجل الذي عليه، وإن كان الذي وصل إليها أقل من صداق مثلها ألحقت بتمام صداق مثلها نقدا إن كان لصاحبها مال وإلا اتبعته [به] دينا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها لا تحلف مع شاهدها قبل الدخول على ما تدعي من أنه أصدقها مائة نقدا ومائة إلى موت أو فراق صحيح على المشهور في المذهب من أن النكاح يفسخ قبل الدخول على كل حال وإن رضي الزوج بتعجيل المائة التي إلى أجل مجهول أو رضيت المرأة بتركها، وأصبغ يقول: إن النكاح لا يفسخ إذا رضي الزوج بتعجيلها أو رضيت المرأة بتركها، فعلى قوله يحلف قبل البناء مع شاهدها، وقد حكى ذلك ابن حبيب عنه. وظاهر قوله أنها إذا حلفت مع شاهدها بعد الدخول وكان صداق مثلها أكثر من المعجل والمؤجل فلها جميع ذلك، ومثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف عنه و [عن] ابن الماجشون، وهو ظاهر ما في المدونة في باب نكاح الشغار، وحكي عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ أنه إذا وجد صداق مثلها من المعجل والمؤجل فلا يزاد على مقدار المعجل والمؤجل كما لا ينقص من مقدار المعجل؛ لأنه إذا عجل لها ما رضيت به إلى أجل فلا حجة لها، وقد قيل: إن لها صداق مثلها كان أقل من المائة أو أكثر من المائتين، وهو ظاهر قول أصبغ وأبي زيد في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى، وبالله التوفيق.
[مسألة: يخطب امرأة وتحته أخرى فيقول وليها لا أزوجك إلا على أن تطلق امرأتك]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يخطب امرأة وتحته امرأة أخرى فيقول وليها: لا أزوجك إلا على أن تطلق امرأتك، التي تحتك أو تجعل أمرها بيد صاحبتها، فيقول أشهدكم إذا دخلت على
стр. 1970
صاحبتكم فأمر امرأتي التي تحتي بيدها، فزوجوه على ذلك ثم صالح امرأته التي تحته فتدخل عليه الأخرى وليست التي جعل أمرها بيدها تحته ولا في ملكه ثم يريد أن يتزوجها، قال: يتزوجها وليس من أمرها بيد امرأته قليل ولا كثير؛ لأنه إنما قال: إذا دخلت على صاحبتكم فأمر امرأتي بيدها فقد دخلت وليست في ملكه، وهو بمنزلة من يحلف لغريم له بطلاق امرأته أن يوفيه حقا له عليه إلى أجل فصالح امرأته قبل الأجل فَحَلَّ الأجل وليست في ملكه فإنه لا يقع عليه حنث، وهو يتزوجها بعد الأجل إن شاء. قلت: وكذلك لو قال يوم تدخل علي صاحبتكم فامرأتي التي تحتي طالق البتة أو طالق واحدة أو اثنتين فصالحها ثم تدخل عليه الأخرى وليست في ملكه ثم يريد أن يتزوجها؟ قال: نعم، هو مثله، وله أن يتزوجها، ولا يلحقه طلاق؛ لأنه من وجه التقاضي، قلت: ولا يكون مثل أن يقول: إن دخلت دار عمرو بن العاص فامرأتي طالق فيصالح امرأته فيدخل الدار ثم يتزوجها فتريد أن تدخل الدار؟ قال: ليس هذا مثله هذا إن عاد إلى دخول الدار بعد أن يتزوجها عاد عليه الطلاق ما بقي عليه من ذلك الطلاق شيء؛ لأنه فعل ذلك الفعل بعينه الذي حلف عليه وهي في ملكه؛ ولأن الذي قال يوم تدخل عليّ فامرأتي طالق فصالحها ودخلت عليه وهي ليست في ملكه فقد وقع الفعل وليست في ملكه، فليس يستطيع أن يعود إلى ذلك الفعل بعد أن تزوج هذه التي حلف فيها؛ لأن الدخول عليه إنما هو مرة واحدة فقد دخلت عليه تلك المرأة وليست في ملكه، ولا يستطيع أن يعود إلى ذلك أكثر، وأن الذي حلف ألا يدخل دار عمرو بن العاص فهو يستطيع أن يعود إلى دخولها بعد أن يتزوجها؛ لأنه فعل حلف عليه يستطيع أن يفعله متى شاء، وإن دخول المرأة إنما هو مرة واحدة فليس يستطيع أن تدخل عليه ثانية بعد أن تزوجها إلا أن يطلقها ثم
стр. 1971
يتزوجها، وأما إن لم يطلقها فليست تستطيع أن تدخل عليه أكثر من تلك المرة التي دخلت والمرأة التي فيها اليمين ليست في ملكه فليس عليه فيها شيء وإن تزوجها بعد ذلك، وكذلك الذي حلف بطلاق امرأته إن دخلت دار عمرو بن العاص فصالح امرأته ثم دخل وأقام فيها ثم تزوج تلك المرأة ودخلت عليه في الدار؛ فإنه لا يقع عليه طلاق حتى يخرج ثم تدخل، وأما ما أقام فيها معها فليس يقع عليه طلاق، وكذلك الذي يحلف بطلاق امرأته ألا يدخل الفسطاط فصالح امرأته تلك ثم دخل الفسطاط فتزوج تلك المرأة بالفسطاط وسكن معها بالفسطاط؟ قال: لا يلزمه يمين ولا يقع عليه حنث ما أقام بالفسطاط حتى يخرج من الفسطاط ثم يدخل، فإن خرج ثم دخل وقع عليه الطلاق، وقيل له: وكذلك الذي يحلف بطلاق امرأته إن ركب هذه الدابة فصالح امرأته وركب الدابة ثم تزوجها وهو على تلك الدابة؟ قال: إن لم ينزل حين تزوجها حنث، وليست الدابة ولا الثوب يلبسه مثل الدار؛ لأنه لو أقام على الدابة راكب بعد التزويج فذلك فعل مبتدأ، وكذلك الثوب إن لبسه بعد أن راجعها حنث؛ لأن إقرار الثوب عليه بعد مراجعتها فعل حادث وركوب الدابة كذلك، قلت: فيحلف بطلاق امرأته أن لا يركب هذه السفينة أو لا يدخلها فيصالح امرأته ثم دخل السفينة فيتزوجها فدخلت عليه في السفينة وأقام ولم يخرج منها؟ قال: أما إذا قال: إن دخلت فصالحها ثم دخل وراجعها فدخلت عليه في السفينة فإنه لا يلزمه حنث حتى يخرج ثم يدخل، وأما إن قال: إن ركبت فهو مخالف لقوله: إن دخلت. إن قال: إن ركبت فصالحها ثم ركب فراجعها وهو فيها فإنه إن لم ينزل مكانه حنث، وهو بمنزلة الثوب والدابة، وقد سمعت بعض أهل العلم يقول فيمن حلف ألا يتزوج بالفسطاط فخرج إلى مكة فعقد نكاح فسطاطية بمكة قال: لا شيء
стр. 1972
عليه إذا عقد نكاحها بغير الفسطاط وإن كانت المرأة بالفسطاط إذا عقد النكاح بغير الفسطاط، قال: فإن قال: كل امرأة أتزوجها من أهل مصر فهي طالق فلا يجوز له أن يعقد نكاح مصرية بموضع من المواضع وتطلق عليه إن فعل، قيل لابن القاسم: وكذلك الذي حلف بالطلاق ألا يشتري سلعة كذا وكذا بالفسطاط فخرج إلى مكة فاشترى تلك السلعة بعينها من صاحبها بمكة والسلعة بالفسطاط؟ قال: نعم، هو كذلك أيضا لا حنث عليه. قلت: وكذلك الذي يقول في عبد بعينه إن اشتراه بالفسطاط فهو حر فلقيه سيده بمكة فاشتراه منه ثم والعبد بالفسطاط؟ قال: نعم، هو كذلك أيضا لا شيء عليه، ثم قال بأثر ذلك: أرأيت لو أن رجلا خطب إلى قوم وتحته امرأة فقالوا: إنا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فذهب عنهم فصالح امرأته ثم أتاهم فزوجوه وكتبوا عليه طلاق امرأته وليست تحته امرأة، ثم أراد أن يتزوجها أيلحقه من يمينه شيء؟ قال: ليس يلحقه من ذلك الطلاق شيء ويتزوجها إن شاء.
قال محمد بن رشد: أما قوله: في الذي شرط لامرأته أن أمر امرأته التي تحته بيدها يوم تدخل عليه أو أنها طالق واحدة أو اثنتين يوم تدخل عليه فصالحها ثم دخلت عليه وليست في ملكه ثم تزوجها بعد ذلك إنه ليس بيدها من أمرها شيء ولا يلزمه فيها طلاق لأنها يوم دخلت عليه لم تكن في ملكه فهو صحيح على ما يوجبه اللفظ، وأما على ما يقتضيه المعنى فيجب أن يكون أمرها بيدها إن تزوجها عليها بعد أن دخل بها وأن تطلق كلامه أيضا إن كان قال: فهي طالق لأنه إنما أراد أن لا يجمع بينهما، وهو الذي يأتي على مذهبه في المدونة؛ لأنه قال في كتاب الأيمان بالطلاق منها في الذي يشترط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق أو أمرها بيدها فيطلق امرأته واحدة أو اثنتين فتبين منه ثم يتزوج امرأة ثم يراجع امرأته أن المرأة التي تزوج تطلق عليه أو يكون أمرها بيد امرأته، وإن لم يتزوجها عليها وإنما تزوجها هي عليها لأنه إنما
стр. 1973
أراد أن لا يجمع بينهما ولا ينوى في ذلك إن ادعى نية، وأما الذي حلف لغريمه بطلاق امرأته ليوفينه حقه إلى أجل فصالح امرأته قبل الأجل فإنه لا يقع عليه حنث بمضي الأجل، وله أن يتزوجها بعد ذلك ولا يكون عليه شيء باتفاق إلا أنه قال في المدونة: وبئس ما فعل من فر من الحنث من أجل أنه غر غريمه إذا حلف له ثم فر من الحنث، إذ لو علم ذلك لقام عليه بحقه ولم ينظره به، وقوله: لأنه من وجه التقاضي إشارة منه إلى مسألة الغريم المذكور التي احتج بها، وسائر المسائل التي ذكر صحيحة ومعانيها التي ذكر بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، وتفريقه في الذي يحلف وهو في السفينة أن لا يركبها وأن لا يدخلها صحيح لأن الركوب واللباس والسكنى يقع على ابتداء ذلك وعلى التمادي عليه، والدخول إنما يقع على ابتداء الدخول في الشيء لا على التمادي على المقام في داخله، وبالله التوفيق.
[مسألة: يزوج ابنته فيقول له الناكح إني أخاف أن تكون وليتك سوداء]
مسألة وسئل عن الرجل يزوج ابنته أو وليته فيقول له الناكح: إني أخاف أن تكون وليتك سوداء أو عمياء أو عوراء، فقال: ليس لها من هذه العيوب شيء، وهي برية من ذلك فيجد بها بعض ذلك هل يردها بذلك؟ قال: نعم إذا شرطه على ذلك ردها، وهو قول مالك، قلت: أرأيت إن لم يعلم العيب حتى مس؟ قال: يكون لها الصداق عليه ويكون ذلك له غرما على من غره، قال أصبغ: قال ابن القاسم: وكذلك لو خطب رجل إلى رجل فقال: قد قيل لي: إن وليتك سوداء، فقال: قد كذب من قال ذلك، هي البيضاء الكذا فنكحها فوجدها سوداء إنما ترد عليه لأنه غره، وهو كالشرط، وكذلك العمياء والعرجاء، قال أصبغ: ومثله الرجل يسوم الرجل الجارية فيقول: إنها ليست تطبخ ولا تخبز فيقول: هي تطبخ وتخبز وتنصب، أو يقول، ليست بعذراء، فيقول: هي عذراء فيكون ذلك كالشرط.
стр. 1974
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أعلمه في أن الخاطب إذا قال للمخطوب إليه: قد قيل لي: إن وليتك سوداء أو عوراء فقال له: قد كذب من قال ذلك بل هي البيضاء الكذا أن ذلك شرط بمنزلة قوله: ليس لك من هذه العيوب لشيء، يكون للناكح ردها إن وجد بها بعض ذلك، فإن لم يعلم بذلك حتى مس كان لها الصداق، وكان ذلك له غرما على من غره، وإنما اختلفوا إذا وصفها له الولي عند الخطبة بالبياض وصحة العينين ابتداء على غير سبب وهي عوراء أو سوداء فقيل: إن ذلك لازم للزوج ولا كلام له في ذلك لأنه فرط إذ لم يتثبت ويستخبر لنفسه، وهو قول أصبغ في الخمسة، ومذهب ابن القاسم في رواية يحيى عنه واختيار محمد بن المواز، وقيل: إنه بالخيار قبل الدخول إن شاء تقدم على أن عليه جميع الصداق وإن شاء فارق ولم يكن عليه شيء، فإن لم يعلم حتى دخل ردت إلى صداق مثلها على ما بها من العيوب ورجع بالزائد عليها، وهو قول ابن وهب وعيسى بن دينار، وقيل: إنه يرجع به على الولي الذي غره إلا أن تكون ثيبا قد علمت بكذب وليها فتقدمت على معرفة بذلك فيرجع عليها إن كان لها مال وإلا رجع على الولي، وهو قول ابن حبيب، قال ابن القاسم في الدمياطية: ولو قال له غير الولي الذي زوجها منه أنا ضامن لها أنها ليست بسوداء ولا عوراء ولا عرجاء فدخل بها ووجدها بخلاف ما ضمن له لكان له الرجوع عليه بما زاد على صداق مثلها وليا كان أو غيره، وكذلك الحكم في الذي يزوج وليته على أن لها من المال كذا وكذا شرطا لما ليس لها أو سمى ذلك لها عند الخطبة من غير شرط لا فرق بين المسألتين في واحد من الوجهين، لقول النبي ﷺ : «تنكح المرأة لجمالها ولمالها» ، ففرق بين الوجهين إلا أن محمد بن المواز ذهب إلى أنه إن زوج وليته بشرط أن لها من المال ما ليس لها فإنما للزوج أن يرجع على من شرط له ذلك وغره بما زاد من المهر على صداق مثلها إن هو خلى سبيلها ولم يرض بها،
стр. 1975
وهو بعيد؛ لأنه يقول: لم أتزوجها ولا رضيت بما سميت من الصداق إلا لما شرط لها من المال، فإذا لم يكن ذلك فأنا أردها وأرجع بجميع الصداق على الذي غرني كما يقول في السوداء سواء إذا غر بما شرط له من بياضها، وابن حبيب يرى للزوج رد القرعاء والسوداء وإن لم يغر من ذلك كالعيوب الأربعة، وذكر ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وأما الذي يبيع الجارية ويصفها بأنها عذراء وبأنها تنصب وتطبخ وتخبز، فسواء وصفها بذلك ابتداء أو بعد أن قال له المبتاع: إنها ليست عذراء ولا تطبخ ولا تخبز، للمبتاع أن يردها إذا لم تكن على ذلك كالشرط سواء، ولا اختلاف في هذا، قال في سماع أصبغ من العيوب: وكذلك لو قال: إنها تزعم أنها بكر أو إنها صناعة أو رقامة لردها إذا لم تكن على ذلك كالشرط، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يزوج ابنته قبل أن تبلغ المحيض فيدخل بها زوجها ثم يطلقها]
مسألة قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يزوج ابنته قبل: أن تبلغ المحيض فيدخل بها زوجها ثم يطلقها، هل يجوز تزويج أبيها إياها بغير مؤامرتها؟ قال: قال مالك تزويجه جائز عليها من غير مؤامرتها ما لم تحض، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن تزويج أبيها جائز عليها إذا رجعت إليه من غير مؤامرتها ما لم تحض عند أبيها، فإذا حاضت عند أبيها بعدما رجعت إليه رأيت أن لا يجوز عليها تزويجه إلا بمؤامرتها وكانت كالثيب التي مات عنها زوجها أو طلقها وقد حاضت، قلت: أرأيت الصغيرة التي لم تحض إذا دخل بها زوجها ثم طلقها أو مات عنها قبل أن تحيض أتلزم أباها النفقة عليها؟ قال: نعم، قلت: أرأيت إذا حاضت بعد أن رجعت أيلزم النفقة عليها وهو لا يستطيع أن يزوجها إلا بمؤامرتها؟ قال: لا تلزمه نفقتها إذا حاضت، وذلك ما ليس فيه شك، قال: وسئل عنها سحنون فقال: إذا رجعت إلى أبيها قبل أن تحيض وقد كان دخل بها
стр. 1976
زوجها كان حالها حال البكر يزوجها أبوها بغير رضاها وإن حاضت، ويلزمه الإنفاق عليها.
قال محمد بن رشد: وقد قيل: إنه لا يجبرها على النكاح وإن لم تبلغ، وجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن الأب يملك العقد على ابنته بعلة البكورة والصغر، فإذا ارتفعت البكورة قبل ارتفاع الصغر كان من حقه أن يزوجها لعلة الصغر حتى تبلغ، كما أنه إذا ارتفع الصغر قبل ارتفاع البكورة كان له من حقه أن يزوجها بعلة البكورة حتى ترتفع أيضا، ووجه قول سحنون أن وطأها قبل البلوغ لا يعتبر به إذ لا تحصن به في النكاح، ولا تحد فيه في الزنى، فوجب أن يكون للأب أن يزوجها وإن بلغت كمن لم يدخل بها، ووجه القول الثالث أنه لما كان دخوله بها قبل أن تبلغ المحيض كدخوله بها بعد أن بلغت المحيض سواء في أن ذلك وطء تحل به إن كان طلقها ثلاثا وجب أن يكون ذلك سواء في أنه لا يجوز للأب أن يزوجها إلا برضاها، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل ينكح المرأة فيهدي لها هل يدخل بها بتلك الهدية]
مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح المرأة فيهدي لها هل ترى أن يدخل بها بتلك الهدية؟ قال: لا يدخل بتلك الهدية حتى يقدم لها من صداقها ربع دينار لأنه ليس من الصداق، قلت: فهل يدخل إذا رهنها بصداقها رهنا؟ قال: نعم يدخل بالرهن، قلت: فالرجل يهدي الهدية ثم يطلقها قبل الدخول بها والهدية قائمة؟ قال: لا شيء له منها لأنه ليس من الصداق، قلت: فإن أهدى لها الهدية ثم عثر على النكاح أنه مفسوخ ففسخ قبل البناء فهل يرجع فيأخذ الهدية؟ قال: إن أدرك منها شيئا أخذه، وإن فاتت لم يكن له قبلها قليل ولا كثير، قلت: فهل يجوز أن يتحمل بالصداق ويبني بأهله
стр. 1977
بالحمالة؟ قال ابن القاسم: أخبرني بعض من أثق به أن بعض أهل الفضل قد أجازه، ولست أرى ذلك، وأحب إلي أن يقدم لها ربع دينار.
قال محمد بن رشد: أجاز له الدخول بالرهن وكره ذلك بالهدية، وأجاز له ابن حبيب الدخول بالهدية، وروى مثله ابن نافع عن مالك في المبسوط، وفي كتاب ابن المواز لمالك أن من تزوج امرأة بدين له على رجل فلا يدخل بها حتى يقبض من ذلك ثلاثة دراهم يدفعها إليها، وقال أيضا: له أن يدخل وإن لم تقبض شيئا لأنه حق لها لو شاءت باعته وقبضت ثمنه، فعلى القول بأنه لا يدخل بها إذا تزوجها بالدين يكون له على رجل حتى تقبض من ذلك ثلاثة دراهم لا يجوز له أن يدخل بها أيضا بالرهن لأن ذلك أحرى أن لا يجوز، ولم ير ابن القاسم له أن يدخل بالحمالة، وحكى عن بعض أهل الفضل أنه أجازه، فحصل الاختلاف في هذه المسائل كلها، وأخفها الدخول بالدين، والأظهر أن الدخول به جائز لأنه حق قد وجب لها لو شاءت باعته وأخذت ثمنه، والقول بأنه لا يدخل به بعيد، فمن لم ير له الدخول به حتى يقبض منه ثلاثة دراهم فأحرى أن لا يجيز له الدخول في سائر المسائل، ويليه الدخول بالرهن لأنها قد قبضت ما هي أحق به من الغرماء في الموت والفلس، وأشدها الدخول بالحمالة؛ لأن ذمة الحميل كذمة الزوج ولم تقبض شيئا، والأظهر أنه لا يدخل بها، فمن أجاز له الدخول بها فأحرى أن يجيز له الدخول بها في سائر المسائل، وأما الرهن فوجه إجازة الدخول به هو أنها قبضته لتستوفي صداقها منه، وهي أحق به من الغرماء في الموت والفلس، وقد قيل: إن من حلف أن يقبض حقه يبر بالرهن، وأما الهدية فوجه قوله: إنه لا يدخل بها هو ما ذكره من أنها ليست من الصداق، ولو طلقها لم يكن له منها شيء وإن كانت قائمة ولو ألفى النكاح مفسوخا لم يكن له إلا ما أدرك منها، وبالله التوفيق.
تم كتاب النكاح الثاني
والحمد لله حق حمده، والصلاة الكاملة على سيدنا محمد نبيه وعبده.
стр. 1978
[كتاب النكاح الثالث]
[الرجل يزوج أمته عبدا لغيره فجرحها فأسلمه سيده]
كتاب النكاح الثالث
стр. 1979
ومن كتاب أوله أوصى
أن ينفق على أمهات أولاده وسئل مالك عن الرجل يزوج أمته عبدا لغيره فجرحها فأسلمه سيده أتحرم عليه؟ قال: لا وهو على نكاحه لأنه ليس مالا من مالها هو لسيدها مال من ماله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: لأن إسلامه إلى سيدها في الجناية عليها كبيعه منه، وهو لو باعه منه لم يؤثر ذلك في صحة نكاحها، واختلف في جنايته عليها إن كانت مُثْلَة بها هل تطلق عليه أم لا؟ فحكى سحنون عن مالك في آخر رسم المزارع من سماع يحيى من كتاب العتق أنها تطلق عليه بمنزلة بيعه لها لأنه ليس بمأمون على عيبها، وهي رواية زياد بن جعفر عن مالك في المدنية، وقال ابن القاسم: لا يفرق بينهما، ويكون بينهما القصاص والقود إلا أن يرى السلطان للتفرقة وجها مثل أن يخافه عليها، وبالله التوفيق.
[مسألة: حكم اجتماع النكاح والبيع في عقد واحد]
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: لا يجوز نكاح وبيع، ولا صرف وبيع [ولا شركة وبيع] ولا مساقاة وبيع، ولا قراض وبيع، قال
стр. 1980
ابن القاسم: فإن وقع هذا فسخ كله إلا أن يفوت، فإن فات عمل فيه مثل ما يعمل في المكروه، فأما النكاح والبيع فإنه إن دخل بها رأيت أن تعطى صداق مثلها، [وإن لم يدخل بها فسخ النكاح، وأما الصرف والبيع فإن أدرك رد كله، وإن فاتت السلعة بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق لزمه قيمتها يوم قبضها. .] . وإن كانت السلعة لم تفت بنماء ولا نقصان ولا اختلاف أسواق ردت، وإن كانت قد فاتت بشيء من ذلك لزمته قيمتها يوم قبضها ويرد قابض الورق عليه وزنه وعينه ويرد إليه البائع ذهبه، وأما الشركة والبيع فإن السلعة إن كانت لم تفت ردت وفسخت شركتهما، وإن كانت فاتت بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق لزمته قيمتها يوم قبضها، وأما القراض والبيع فإنه إن أدرك الأمر فسخ بينهما، وإن فاتت السلعة بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق لزمته السلعة بقيمتها يوم قبضها وكان المقارض أجيرا في القراض تدفع إليه إجارة مثله لأن مالكا قال لي: من قارض رجلا على أن يسلفه أو يجعل له عددا من الربح مسمى كان أجيرا في القراض ولم يجعل له في هذا إلا قراض مثله، فإذا باعه بيعا على أن يقارضه كان البائع قد ترك له فضلا في سلعته على أن قارضه بمنزلة السلف إن كان المقارض قد زاده في ثمن السلعة على أن قارضه، فكأنه أعطاه فضلا في قراضه على أن قارضه، وهو وجه بين. وأما المساقاة والبيع فإن كانت السلعة لم تفت ردت، وإن فاتت بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق لزمت قيمتها يوم قبضها ورد في المساقاة إلى مساقاة مثله، وذلك أني سألت مالكا عن رجل ساقى رجلا حائطا ثلاث سنين وفيه ثمرة قد طابت واشترطها الداخل بينهما فقال: تكون الثمرة لصاحبها ويعطى المساقى فيها ما أنفق
стр. 1981
ويكون الرجل على مساقاة مثله حتى تنقضي السنتان، ولم يفسخه مالك، وقد كان الرجل عمل فيها سنة وبقيت له سنتان، فأتم له مالك مساقاته على مساقاة مثله ورد إليه قيمة عمله ونفقته، فهذه سنة المساقاة والبيع فيما نرى، والله أعلم.
قال محمد بن رشد: أما النكاح والبيع فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن القاسم وروايته عن مالك هاهنا وفي المدونة أن ذلك لا يجوز على حال ويفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويكون فيه صداق المثل، قيل: لأن البيع طريقه المكايسة وتجوز فيه الهبة، والنكاح طريقه المكارمة ولا تجوز فيه الهبة، فإذا وقعا معا لم يدر ما يقع مما أعطى الزوج للبضع مما يقع منه لما أعطت المرأة فآل ذلك إلى الجهل بمبلغ الصداق وبمبلغ ثمن ما وقع فيه البيع فوجب فيه الفسخ، وقيل: مخافة أن يكون الفرج موهوبا بغير صداق فلا يجوز وإن كان فيما أعطى الزوج فضل كثير على ما أعطت المرأة حماية للذرائع؛ لأن كثيرا من النساء ترضى أن تتزوج الرجل على أن تعطيه لرغبتها فيه لشرفه وحاله أو لكثرة يساره أو ما أشبه ذلك، فيخشى إن صح الأمر من هذين أن لا يصح من غيرهما، وهذا التعليل لأصبغ، فإن طلق الزوج على هذا القول قبل الدخول لم يكن إلا شيء من الصداق لأن الصداق الفاسد لا يجب للمرأة منه شيء بالموت ولا بالطلاق، والقول الثاني: أنه يكره ابتداء حماية للذرائع، فإذا وقع نظر فيه فإن لم يكن فيما أعطى الزوج على ما أعطت المرأة فضل يكون صداقا لم يجز وفسخ قبل الدخول ومضى بعده بصداق المثل، وإن كان فيه فضل قيل قدر ربع دينار فأكثر وهو قول مطرف وقيل فضل بائن كثير لا يقارب أن يستغرقه ما أعطت المرأة، وهو قول ابن الماجشون جاز النكاح ولم يفسخ، وقول مطرف أظهر لأن التقويم يكشف صحة العقد من فساده كما لو تزوج بعرض لا يدرى هل يساوي ربع دينار أم لا يساويه إلا بعد التقويم، وإن طلق الزوج على هذا القول قبل الدخول وفيما
стр. 1982
أعطى الزوج فضل ربع دينار أو أكثر على قول مطرف أو فضل بائن كثير على قول ابن الماجشون كان للزوجة نصف الفضل، وهو أحد قولي مالك في المبسوط، فجعل الزائد على ما أعطت المرأة للنكاح، وهو نحو قول مطرف وابن نافع في الذي يصالح بشقص فيه شفعة عن موضحتين عمد وخطأ أنه لا يكون لموضحته العمد من قيمة الشقص إلا ما زاد على دية موضحة الخطأ المعلومة والقول الثالث أن ذلك جائز من غير اعتبار بفضل ما أعطى الزوج على ما أعطت المرأة ويكون ما أعطى الزوج منضوضا على قيمة ما أعطت المرأة وعلى صداق مثلها إن طلق قبل الدخول واستحق شيء مما وقع فيه البيع مع النكاح، حكى هذا القول عبد الوهاب عن أشهب، وهو قول له وجه، إذ ليس في المنع من النكاح والبيع معا نص في القرآن ولا في السنة ولا أجمعت على ذلك الأمة، فلا يكون على قول أشهب النكاح فاسدا، وإذا كان ما أعطى الزوج أقل مما أعطت المرأة إذا وقع من ذلك للبضع عند النض ربع دينار فأكثر. وقد ذهب بعض أهل النظر إلى أنه إنما ينض على مذهبه ما أعطى الزوج على قيمة ما أعطت المرأة وعلى صداق مثلها إذا كان قيمة ذلك مقاربا لهما جميعا، وأما إن كان أكثر منهما جميعا بكثير أو أقل منهما جميعا بكثير فيجعل للبضع الزائد على ما أعطت المرأة؛ لأنه إن كان أكثر منهما جميعا بكثير حمل على الزوج أن الزيادة إنما زادها لشهوته في المرأة وحرصه على نكاحها لما ركب الله في النفوس من الشهوة إلى ذلك، وإن كان أقل منهما جميعا بكثير حمل على المرأة أن النقصان إنما نقصته لرغبتها في النكاح وحرصها عليه وشهوتها فيه، وهو معنى حسن لو ساعده الظاهر. وأما الصرف والبيع فقوله فيه: إنه لا يجوز معناه في الكثير، إذ قد علم من مذهبه في المدونة وغيرها إجازة ذلك في اليسير، قال أبو بكر الأبهري: وإنما لم يجز في الكثير مخافة أن يئول الأمر إلى الصرف المتأخر باستحقاق السلعة؛ لأن السلعة إن استحقت وجب أن ينض الذهب على الدراهم وعلى قيمة السلعة فلا يدرى في حال العقد ما وقع للدراهم من الذهب، وقال ابن القاسم في التفسير: إنما لم يجز ذلك لأن السلعة إن استحقت لم يدر المبتاع بما يرجع من الذهب إذ لا يصح أن ينض
стр. 1983
على قيمة السلعة وقيمة الدراهم إذ لا تقوم الدراهم كما تقوم السلع، وقال ربيعة في المدونة: إنما كره اجتماع البيع والصرف من أجل أن السلعة إن وجد بها عيب يريد أو استحقت انتقض الصرف، فإن وقع ذلك كان الحكم فيه على ما ذكر من فسخ ذلك كله ورد الذهب والورق على وزنه والسلعة بعينها إن كانت قائمة أو قيمتها إن كانت فائتة. وأما الشركة والبيع فإنما لم يجز اجتماعهما في صفقة واحدة لأن الشركة من العقود الجائزة لكل واحد من المشاركين أن ينفصل عن صاحبه متى ما أراد ولا يلزمه البقاء معه على الشركة فدخل [على] ذلك الغرر في البيع لأن البائع إنما رضي ببيع سلعته منه بالثمن الذي سمياه لما رجاه من الانتفاع ببقائه معه على الشركة، وذلك لا يلزمه، ولو لزمه أيضا لكان البيع غررا لجهل قدر الانتفاع بمشاركته إياه، فوجب أن يفسخ البيع في السلعة وترد بعينها إن كانت قائمة وتكون فيها القيمة إن كانت فائتة كما قال. وأما قوله: وفسخت شركتهما فإنه لفظ وقع على غير تحصيل إذ ليست الشركة من العقود اللازمة فيحتاج إلى فسخها وإن رضي بعد فسخ البيع بالبقاء على الشركة جاز ذلك لهما وكان كشركة مبتدأة. وأما القراض والبيع فإنما لم يجز أن يجتمعا في صفقة واحدة من أجل أن القراض مخالف للبيع في وجهين: أحدهما أن القراض من العقود الجائزة، والثاني أنه إجارة مجهولة، تجوز بالإجماع والاتباع والقياس على المساقاة، فإذا انضاف أحدهما إلى الآخر أفسد كل واحد منهما صاحبه؛ لأن البيع يعود مجهولا بإضافته إلى المجهول، ولأن القراض يخرج عن أصله باشتراط إضافة البيع إليه فيعود إجارة مجهولة، فوجب لذلك أن يفسخ البيع على ما قال ويرد في القراض إلى إجارة مثله. وأما المساقاة والبيع فإنما لم يجز أن يجتمعا في صفقة واحدة من أجل أن المساقاة تخالف البيع في أنها إجارة مجهولة مخصصة بالسنة من الإجارة المجهولة، فلما كانت تخالف البيع في هذا وتوافقه في أنها من
стр. 1984
العقود اللازمة لم ير أن يفسخها إذا لم تدرك حتى فاتت بالعمل وأمضاها إلى تمام أجلها على مساقاة المثل وفسخ البيع في القيام وصححه بالقيمة في الفوات قياسا على ما قال مالك في الذي ساقى رجلا حائطا ثلاث سنين وفيه ثمر قد طاب وعمل سنة من الثلاث سنين من أنه تكون الثمرة التي قد طابت لصاحب الحائط ويكون للعامل فيها نفقته وأجرة مثله، ويكون على مساقاة مثله في العام الذي مضى من الثلاثة الأعوام وفي العامين الباقيين؛ لأن معنى المسألة أنه ساقاه في الحائط ثلاث سنين سوى العام الذي فيه الثمرة التي قد طابت فاقتضت المسألة الأجل في الثمرة التي قد طابت ببعضها ومساقاة الثلاث سنين بعدها في صفقة واحدة، فقاس ابن القاسم البيع والمساقاة على قول مالك في هذه المسألة لأنها إجارة ومساقاة، والإجارة بيع من البيوع، فلا فرق بين البيع والمساقاة وبين الإجارة، ففوات الإجارة بالعمل في مسألة الإجارة والمساقاة كفوات السلعة في مسألة البيع والإجارة يكون للعامل قيمة عمله كما يكون لرب السلعة قيمة سلعته، ولو عثر على ذلك قبل أن تفوت الإجارة في الثمرة التي قد طابت بالعمل لنقضت كما أنه لو عثر على البيع قبل أن تفوت السلعة لنقض وردت السلعة بعينها، ولو عثر على ذلك بعد فوات الإجارة في الثمرة التي قد طابت بالعمل وقبل أن يعمل من مساقاة الثلاثة الأعوام شيئا لكان له أجر مثله في الثمرة التي قد طابت، وفسخت المساقاة في الأعوام الثلاثة على ما قال في المدونة. والإجارة في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك فاسدة لوجهين: أحدهما إضافتها إلى المساقاة في الصفقة، والثاني عقدها بلفظ المساقاة خلاف ما ذهب إليه سحنون من أن من ساقى رجلا في حائط قد طاب وحل بيعه إن ذلك جائز، وهي إجارة، وبالله التوفيق.
[مسألة: حكم نكاح الرجل المرأة بالهدية دون الصداق]
مسألة وقال: لا أرى أن يصيب الرجل امرأته بالهدية حتى يقدم إليها من صداقها ربع دينار فصاعدا، فإذا طلقها من قبل أن يدخل بها وقد أهدى لها أعطاها نصف الصداق ولم يكن له عليها شيء فيما
стр. 1985
أهدى إليها ولم يحاسبها في الهدية.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في آخر الرسم الذي قبل هذا، فلا معنى لإعادة القول فيه.
[الرجل ينكح ابنته بنقد خمسة أرؤس فقال له الناكح خمسة أرؤس كثير]
ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك قال: وسئل مالك عن الرجل ينكح ابنته بنقد خمسة أرؤس فقال له الناكح: خمسة أرؤس كثير، فقال أبو الجارية: على أن تترك لك أهلك رأسين، فقال: إني أخاف ألا تفعل، قال: امرأته طالق البتة إن لم يجعلها تضع عنك رأسين، فتزوجها فسألها الأب فلم تفعل، فقال لها زوجها: اتقي الله أترضين أن تطلق أمك؟ فعالجها الزوج حتى وضعت عنه الرأسين، فقال: هو حانث لأنه لم يجعلها هو أن تضعهما، وإنما وضعت ذلك بطلبة زوجها.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال: لأن الذي حلف أن يفعله لم يفعله فوقع عليه الحنث.
[مسألة: رجل من العرب تزوج أمة قوم فولد له منها ولد]
مسألة وسئل عن رجل من العرب تزوج أمة: قوم فولد له منها ولد، قال: ولده عبد لسيد الأمة، قلت: فتزوج الصبي حرة فولد له ولد هل ينتسب إلى آبائه؟ قال: نعم ينتسب إلى قوم جده وآبائه وهم يرثونه فيعقلون عنه.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال. إن الولد تبع لأمه في الحرية والرق لأنه كعضو منها، وقد جاء أن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، فولد الحرة من العبد حر بحرية أمه ينتسب إلى قوم أبيه ويوارثهم ولا يوارث أباه العبد إلا أن يعتق، إذ لا ميراث بين الحر والعبد، وبالله التوفيق.
стр. 1986
[مسألة: رجل تزوج امرأة بجنان على أن فيها عشرة فدادين فلم تجد إلا خمسة]
مسألة قيل لابن القاسم في رجل تزوج امرأة بجنان على أن فيها عشرة فدادين فلم تجد إلا خمسة، قال: يثبت النكاح ويكون لها عليه قيمة الخمسة التي نقصت، قلت: دخل أو لم يدخل؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يكون لها عليه قيمة الخمسة التي نقصت معناه إذا رضيت بإمساك الجنان ولم ترد الرد، ولو أرادت الرد لكان لها أن ترده ويكون لها قيمة جميعه على أن فيه عشرة فدادين لأن حكم ما نقص من العدد الذي اشترطت حكم الاستحقاق. ومن اشترى عشرة فدادين فاستحق منها خمسة كان مخيرا بين أن يرجع بما ينوب المستحق من الثمن أو يرد ما بقي، والقياس أن تكون مخيرة بين أن ترد الجنان وترجع بصداق مثلها أو تمسك وترجع بنصف صداق مثلها وهو ما ناب الخمسة التي نقصت من العدة التي اشترطت، قال ابن صالح وابن لبابة: هذا الذي يأتي على قياس قولهم في البيوع غير أن ذلك لا يوجد لهم، وليس ذلك كما قال، بل هو موجود لمالك، وقد مضى ذلك في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب. ولو وجدت في الجنان على قياس هذا القول أكثر من عشرة فدادين لم يكن لها منه إلا عشرة فدادين، ويكون الزوج معها فيه شريكا. بالزيادة، وقد روي عن مالك أن اشتراط المبتاع عدد الزرع في الأرض عند ابتياعها إنما هو كصفة من صفاتها فإن وجد زيادة كان له، وإن وجد نقصانا كان مخيرا بين أن يرد أو يمسك بجميع الثمن، فعلى هذا القول تكون المرأة مخيرة بين أن ترد الجنان وترجع بقيمته أو بصداق مثلها على الاختلاف الذي ذكرناه وبين أن تمسك ولا شيء لها، وهذا الاختلاف قائم من أول مسألة من كتاب تضمين الصناع من المدونة، وهو منصوص عليه في سماع عيسى ونوازل سحنون من كتاب جامع البيوع وفي نوازل سحنون أيضا من كتاب العيوب.
[مسألة: رجل تزوج امرأة بمائة دينار خمسون منها نقدا وخمسون إلى سنة]
مسألة وقال في رجل تزوج امرأة بمائة دينار خمسون منها نقدا،
стр. 1987
وخمسون إلى سنة، فانقضت السنة ولم يدخل بها فدخل بها بعد السنة، فطلبت الخمسين، وقال: لم أدخل حتى أديتها، قال مالك: إذا دخل بها بعد السنة فهو مصدق ويحلف.
قال محمد بن رشد: حكم لما حل من الكالئ قبل البناء بحكم النقد، وهو قول ابن حبيب في الواضحة ومثله في النكاح الثاني من المدونة في الذي يتزوج بنقد كذا وخادم إلى سنة فدخل بعد السنة، فعلى هذا يكون من حق الزوجة إذا حل الكالئ قبل الدخول ألا يدخل بها حتى يؤديه إليها، وقد حكى الفضل عن يحيى بن يحيى أنه إذا أتى بالنقد وأعسر بالكالئ كان له أن يدخل بها وتتبعه بالكالئ دينا عليه، قال: هو أشبه بما روى ابن سحنون عن أبيه، فعلى هذا لا يبرأ الزوج بالدخول منه ولا يصدق عليه على أنه قد دفعه وتحلف المرأة أو يكون القول قولها.
[مسألة: الرجل يتزوج المرأة ويتحمل رجل آخر بالصداق]
مسألة وسألته عن رجل تزوج امرأة وتحمل رجل بالصداق فدخل بها زوجها فطلبت المرأة الصداق من الحميل بعد دخول الزوج عليها، وزعم الزوج والحميل أنها قد قبضته قبل الدخول، قال: القول قول الحميل ويحلف، قيل لسحنون: فلو كانت ارتهنت بصداقها منه رهنا ثم دخل بها هل الرهن والحميل بمنزلة سواء ويبرئه الدخول؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله: القول قول الحميل ويحلف يريد يحلف ما علم أنه بقي لما قبل زوجها شيء من صداقها، وإنما يلزمه اليمين على هذا إذا غاب الزوج أو كان حاضرا فأقر أنه لم يدفع وهو عديم لأنه يتهم لزوجته على الحميل، فالقول قول الحميل، وأما إن ادعى الزوج الدفع أو كان مليا فأقر أنه لم يدفع فلا شيء على الحميل لسقوط الحمالة عنه بيمين الزوج إن ادعى الدفع أو بإقراره إن كان مليا. وقول سحنون: إن الدخول يبرئ
стр. 1988
الزوج من الصداق إذا ادعى دفعه قبل الدخول وإن كان قد رهنها به رهنا صحيح إذا كان الرهن عند النكاح لا عند الدخول؛ لأن من حقها أن تمتنع من دخوله بها حتى يؤدي إليها مهرها ارتهنت به منه رهنا أو لم ترتهن فلا تأثير للرهن في ذلك.
[مسألة: امرأة تصدقت على زوجها بصداقها فمنت عليه بعد ذلك]
مسألة وسئل عن امرأة تصدقت على زوجها بصداقها فمنت عليه بعد ذلك فقال: أنا أكتب لك صداقا فكتب لها صداقا إلى أجل أو حال، قال: إن لم تقبض الذي كتب لها في حياته فلا شيء لها لأنها عطية.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن العطية إذا لم تحز حتى مات المعطي بطلت لقول أبي بكر الصديق لعائشة: لو كنت حزته لكان لك الحديث، وهذا المعنى مروي أيضا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأنس بن مالك ﵃، ولا مخالف لهم من الصحابة، فقامت بذلك الحجة على من يقول: إنها لا تفتقر إلى حيازة، وهو قول أحمد بن حنبل وجماعة سواه، والحمد لله.
[أرسل رجلا يزوجه امرأة سماها فذهب الرجل وزوجها إياه بعبد المرسل]
ومن كتاب لم يدرك وقال مالك في رجل أرسل رجلا يزوجه امرأة سماها، فذهب الرجل وزوجها إياه بعبد المرسل ولم يكن سمى له صداقا يسوق عنه فسخط ذلك، قال: إن سخطه فسخ النكاح ولم يكن عليه شيء، قال: ولو كان ساق عنه دنانير أو دراهم فكان ذلك مثل صداق مثلها لزمه النكاح على ما أحب أو كره، وهذا بمنزلة ما لو بعث رجلا يبتاع له سلعة سماها له بعينها ولم يسم له ثمنها فذهب الرسول فابتاعها بدار المرسل أو بعبده لم يلزمه إلا أن يشاء لأنه ليس
стр. 1989
للرسول أن يبيع عليه داره ولا غلامه، ولو كان اشترى بدنانير أو دراهم لزمه الاشتراء على ما أحب أو كره إذا كان يشبه ثمن مثله، فالنكاح بهذه المنزلة. قلت: أرأيت إن طلق قبل أن يرد النكاح أيكون عليه نصف ما ساق عنه؟ قال: نعم، ذلك عليه لأن طلاقه إجازة للنكاح، ولو كان رده لم يكن عليه شيء، وكان فراقه ذلك طلقة، وإن تزوجها يوما ما كانت عنده على اثنتين.
قال محمد بن رشد: قوله: إن سخطه فسخ النكاح يريد بطلقة على ما قال في آخر المسألة يدخل على أنه إن رضي بذلك جاز، وهذا إذا كان ذلك بقرب العقد، وأما إن لم يعلم بذلك حتى بعد الأمر فيتخرج جواز النكاح إن رضي به على قولين، ولو أعلم الرسول ولي المرأة عند العقد بافتياته على الذي أرسله في عبده بغير إذنه لكان العقد فاسدا لدخوله على أن للزوج الخيار، وقد مضى ما يدل على الذي ذكرناه في مسألة الولي يزوج وليته الغائبة بغير أمرها في أول سماع ابن القاسم وهي مسألة المرأة تأمر وليها أن يزوجها فيزوجها من رجل لا يسميه لها في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب، وسائر ما ذكر في المسألة صحيح بين لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل وقع ابن له في جب فقال لرجل إن أخرجته منه فأنا أزوجك ابنتي]
مسألة وقال في رجل وقع ابن له في جب فقال لرجل: إن أخرجته منه فأنا أزوجك ابنتي أو قد زوجتك ابنتي إن أخرجته فأخرجه، قال: لا يلزمه النكاح ولا يكون نكاحا، وأرى له أجرة مثله فيما شخص استخرجه حيا أو ميتا، قال: وليس يكون النكاح جعلا ولا كراء في شيء من الأشياء، قلت: فما ذكر في كتاب الله من قصة موسى وشعيب؟ قال: الإسلام على غير ذلك، قلت: فإن وقع؟ قال: إن وقع وأدرك قبل البناء فسخ، وإن فات بدخول كان لها صداق مثلها وكان له كراء مثله فيما شخص.
стр. 1990
قال محمد بن رشد: جمع في هذه الرواية بين النكاح بالجعل وبالإجارة فقال: لا يكون النكاح جعلا ولا كراء في شيء من الأشياء، وهما مفترقان، أما النكاح فلا اختلاف في أنه لا يجوز لأن الجعل لا يلزم المجعول له، وله أن يترك متى شاء، فالنكاح به نكاح فيه خيار، فلا اختلاف في أنه لا يجوز، وأما النكاح بالأجرة مثل أن يتزوجها على أن يحجها أو يعمل لها عملا ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك مكروه كان معه نقد أو لم يكن، فإن وقع نفذ ومضى ولم يفسخ، وهو قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم وقع ذلك هاهنا في بعض الروايات، واستحسنه ابن لبابة وتعجب من رواية عيسى وقوله: الإسلام على غير ذلك، قال: وقد ثبت عن النبي ﵇ مثل ذلك، يريد ما جاء في بعض الآثار من قوله: «قد أنكحتكها بما معك من القرآن تعلمها إياه» للرجل الذي سأله أن يزوجه المرأة التي كانت وهبت له نفسها إذ لم يجد شيئا يصدقها إياه إلا سورا من القرآن سماها على ما جاء في الحديث، وهو ظاهر ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من الكراهة في ذلك، والثاني أن ذلك لا يجوز كان معه نقد أو لم يكن، فإن وقع فسخ قبل الدخول وثبت بعده، وكان فيه صداق المثل، وهو الذي يدل عليه قوله في هذه الرواية: الإسلام على غير ذلك، والثالث الفرق بين أن يكون معه نقد أو لا يكون معه نقد، وهذه التفرقة على وجهين: أحدهما أنه إن كان معه نقد جاز ولم يفسخ، وإن لم يكن معه نقد فسخ قبل الدخول وثبت بعده وكان فيه صداق المثل، والثاني أنه إن لم يكن معه نقد فسخ قبل الدخول وثبت بعده وكان فيه صداق المثل، وإن كان معه نقد فسخ قبل الدخول ومضى بعده بالمسمى من النقد والكراء والعمل أو قيمة ذلك على اختلاف قول ابن القاسم في ذلك في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى في الذي يتزوج المرأة بصداق مسمى على أن يحجها، إذ لا فرق عندهم بين أن يتزوجها على أن يحجها أو على أن يعمل لها عملا، وقال ابن حبيب على ما اختاره من إجازة النكاح على أن يحجها أو على
стр. 1991
أن يعمل لها عملا وإن لم يكن مع ذلك نقد إنه لا يدخل بها حتى يحجها أو يعطيها مقدار ما ينفق على مثلها في الحج بها، فإذا أخذت ذلك فإن شاءت حجت وإن شاءت تركت، وفي ذلك من قوله نظر لأن فسخ الدين في الدين يدخل في التخيير، فالصواب أن لا يحمل ذلك من قوله على التخيير وأن يكون معناه أنه لا يدخل بها حتى يحجها على قول من يوجب عليه إحجاجها أو يعطيها مقدار ما ينفق على مثلها في الحج، على قول من يرى ذلك عليه على ما وقع من الاختلاف في ذلك في سماع يحيى، وقال أشهب: له أن يدخل بها قبل أن يحجها إلا أن يأتي إبان الحج قبل أن يدخل بها فلا يكون ذلك له كالكالئ يحل قبل الدخول.
[مسألة: زوج رجلا على أنه إن كان حرا فالنكاح ثابت وإن كان مملوكا فلا نكاح بينهما]
مسألة وقال في رجل زوج رجلا على أنه إن كان حرا فالنكاح ثابت وإن كان مملوكا فلا نكاح بينهما، فدخل بها أو لم يدخل، قال: دخل أو لم يدخل، يوقف عنها حتى يتبين، فإن كان حرا ثبت النكاح، وإن كان مملوكا فلا نكاح بينهما. قلت: فإن كان عبدا يوم وقعت العقدة فعتق بعد ذلك، فعثر على ذلك وهو حر بعد وقد دخل أو لم يدخل، قال: دخل أو لم يدخل فالنكاح مفسوخ إذا كان عبدا يوم وقعت العقدة، ولكن إن كان دخل بها فلها الصداق كله إن كان سيده أعتقه ولم يستثن ماله، فإن كان استثنى ماله أخذ منها ما ساق إليها وترك لها قدر ما تستحل به، وضعف الترك عن مالك وقال: إنما هو مال من مال السيد، وإن لم يدخل بها فسخ النكاح ولا شيء لها استثنى ماله سيده أو لم يستثن لأنه لم يكن نكاحا.
قال محمد بن رشد: أجاز هذا النكاح على ما فيه من معنى الخيار بكونه موقوفا على اختبار حال الزوج إن كان حرا أو عبدا، إذ ليس بخياره على الحقيقة في العقد لأن النكاح بالخيار لا ينعقد حتى يمضي، ولا ميراث فيه
стр. 1992
إن مات أحدهما قبل أن يمضي، وهذا ينعقد بنفس العقد ويكون فيه الميراث إن مات أحدهما ثم انكشف أن الزوج كان حرا يوم العقد، وإنما يجوز النكاح ويوقف عنها على ما قال حتى يتبين إن كان الزوج حرا أو عبدا إذا كان اختبار ذلك قريبا، والله أعلم، ولا يحل له أن يدخل حتى يعلم أنه كان حرا يوم وقعت العقدة؛ إذ لا ينعقد النكاح إلا بكونه حرا يومئذ، فلا يصح له أن يدخل بامرأة لا يدرى هل انعقد نكاحه معها أم لا، فإن دخل وقف عنها حتى يعلم حاله يوم العقد، فإن انكشف أنه كان حرا ثبت معها، وإن انكشف أنه كان عبدا فرق بينهما، أعتق بعد ذلك أو لم يعتق، ويكون لها الصداق إن كان سيده أعتقه ولم يستثن ماله، وإن كان استثناه أخذ منها ما ساق إليها وترك لها قدر ما تستحل به على ما قال، وإذا أخذ ذلك منها كان لها أن تتبعه دينا ثابتا في ذمته وكذلك إن كان لم يعتق وأخذ ذلك السيد منها كان لها أن تتبعه دينا ثابتا في ذمته إن عتق إلا أن يسقط ذلك السيد عن ذمته قبل أن يعتقه، وقد قيل: إنه لا يسقط ذلك عن ذمته إلا السلطان، والقولان في المدونة.
[مسألة: الرجل يتزوج المرأة فيصدقها صداقا فتطلب منه نفقة العرس]
مسألة سألنا مالكا عن الرجل يتزوج المرأة فيصدقها صداقا فتطلب منه نفقة العرس هل يكون ذلك عليه؟ قال: ما أرى ذلك عليه، وما هو بصداق ولا بشيء ثابت، وقال: أرأيت لو كان طلقها قبل أن يدخل بها هل كان عليه نصف نفقة العرس أو مات عنها قبل أن يدخل بها هل كانت تأخذ مع صداقها قيمة نفقة العرس؟ ما هذا بشيء ولا هذا أمر ثابت، فردد عليه وقيل له: يا أبا عبد الله إنه شيء قد أجروه بينهم، وهو سنتهم، فقال: إن كان ذلك شأنهم وسنتهم فأرى أن يفرض ذلك عليهم، قال ابن القاسم: وإن تشاحوا لم يكن ذلك لهم إلا أن يشترطوه.
стр. 1993
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: اليتيمة يزوجها عمها أو ابن عمها أو وصي وهي صغيرة لم تبلغ]
مسألة وسئل عن اليتيمة يزوجها عمها أو ابن عمها أو وصي وهي صغيرة لم تبلغ من رجل ثم تموت أو يموت الزوج هل بينهما ميراث؟ أو عليها عدة؟ أو لها مهر؟ وهل يكون هذا نكاحا ثابتا أم لا؟ قال ابن القاسم: إنه يكره أن يزوجها أحد إلا أبوها حتى تبلغ المحيض، ولا أعلم أن مالكا كان يبلغ بها أن يقطع الميراث بينهما، فأرى أن يتوارثا فإنه أمر جل الناس قد أجازوه، وقد زوج عروة بن الزبير بنت أخيه وهي صبية ابنه، والناس يومئذ متوافرون، وعروة من هو.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم مستوفى فليس لإعادته هاهنا معنى، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة الغريبة الكبيرة تلجأ إلى الرجل فيقوم لها بحوائجها ويناولها الحاجة]
مسألة وسئل عن المرأة الغريبة الكبيرة تلجأ إلى الرجل فيقوم لها بحوائجها ويناولها الحاجة هل ترى ذلك حسنا؟ قال: لا بأس به، وليدخل معه غيره أحب إلي، ولو تركها الناس لضاعت.
قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال: إنه جائز للرجل أن يقوم للمرأة الأجنبية في حوائجها ويناولها الحاجة إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما لا يظهر من زينتها لقول الله : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل فجائز للرجل أن
стр. 1994
ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة، فإن اضطر إلى الدخول عليها أدخل معه غيره ليبعد سوء الظن عن نفسه، فقد روي «أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ لقيا النبي ﷺ ومعه صفية زوجته ﵂ فقال لهما: " إنها صفية " فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما فتهلكا» ، أو كما قال ﷺ .
[مسألة: رجلا قال لامرأته أنت طالق إن تزوجت عليك إلا بإذنك أو رضاك]
مسألة وقال: لو أن رجلا قال لامرأته: أنت طالق إن تزوجت عليك إلا بإذنك أو رضاك فقال لها: خذي مني مائة دينار وأذني لي في التزوج، قال: لا يجوز ذلك إلا عندما يريد أن يفعل.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة موعبا في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: طلقها زوجها طلقة واحدة قبل أن يدخل بها ثم مات فظهر بها حمل]
مسألة قال ابن القاسم: لو أن امرأة طلقها زوجها طلقة واحدة قبل أن يدخل بها ثم مات فظهر بها حمل وزعمت أنه منه وأنه كان يأتيها في أهلها قبل قولها وورثه الولد، ولم يكن لها هي ميراث، ولم يكن لها أكثر من نصف الصداق الذي أخذت.
قال محمد بن رشد: أما الولد فلا اختلاف في أنه يلحق به ويرثه إذا أتت به بعد موته لما يشبه أن يكون منه وزعمت أنه منه وكان ما قالت من إتيانه إليها في أهلها يمكن على ما قال في المدونة فقول النبي ﷺ : «الولد
стр. 1995
للفراش» لأنها قد صارت فراشا له بعقد النكاح، فوجب أن يلحق به ولدها إذا ادعت أنه منه إلا أن يتبين كذبها أو يكون حيا فينكر ويلاعن، وأما الصداق والميراث فقد قال محمد بن المواز: إن الصواب أن يكون لها الصداق كاملا والميراث إن مات قبل انقضاء العدة للحوق الولد، وروى مثله زياد بن جعفر عن مالك في المدنية، وهو الذي يأتي على أصولهم في أن لحوق النسب يدفع التهم، من ذلك قولهم في الذي يقر في مرضه الذي مات منه بحمل أمته أنه منه وورثته كلالة أنها تعتق من رأس المال، وقولهم في الملاعن يستلحق ولده بعد موته وله ابنة أو ولد إن له ميراثه منه مع الابنة أو الولد بخلاف إذا استلحقه بعد موته ولا ولد له على ما وقع في نوازل سحنون من كتاب الاستلحاق، وقول ابن القاسم هاهنا وفي المدونة أظهر، إذ لا ضرر على المرأة في لحوق النسب بزوجها يسقط عنها التهمة في دعواها الصداق والميراث بل لها في ذلك منفعة وهو سقوط الحد عنها، فهي مدعية في الجميع إلا أن السنة أحكمت أن يدرأ الحد عنها لإمكان ما ادعت من إتيان زوجها إياها في أهلها وإلحاق النسب بالزوج للحق الذي له في ذلك إذ لم يعلم منه إنكار لما ادعت، والله الموفق.
[مسألة: المرأة يكون معها ولد فتزوج فيولد لها من زوجها ثم يموت الصبي]
مسألة وسألته عن المرأة يكون معها ولد فتزوج فيولد لها من زوجها ثم يموت الصبي الذي تزوجت له فتزعم أنه لم يكن ولدها وإنما هو ولد كان لسيدها ترضعه ويطلبها زوجها ميراث ابنه منه فيأتي بشاهدين يشهدان أنه ابنها، فقال ابن القاسم: يثبت ميراث ولد زوجها منها منه بشهادة الشاهدين، قلت: فإن استلحقته بعد ذلك فقالت: هو ولدي هل يكون لها ميراثها منها؟ فقال: لا يقبل قولها
стр. 1996
ولا يكون لها من ذلك شيء بعد الإنكار، قلت: فمصابتها ما تصنع به؟ وهل يقسم على ورثة الصبي دونها ويكون كمن لا أم له؟ وكيف إن قسم هل يرث ابنها من زوجها من مصابتها شيئا وهو إنما ورث بولادتها ومن قبلها؟ قال: تكون مصابتها منه بين جميع من يرث الصبي ابنها وغيره.
قال محمد بن رشد: ليس للأم أن تستلحق ولدها فسواء زعمت أنه لم يكن ولدها أو أقرت بذلك لا يستحق الزوج ميراث ابنه منه إلا بشهادة الشاهدين، ولا تستحق هي ميراثه باستلحاقها إياه ولا بشهادة الشاهدين بعد الإنكار، على هذا يحمل قوله، ولا يلتفت إلى ما يدل عليه ظاهره من خلاف ذلك، وإذا بطل ميراثها منه بشهادة الشاهدين لإنكارها أن يكون ابنها كان كمن لا أم له، وورثه سائر ورثته دونها، وقوله: إن ميراثها منه يكون بين جميع من يرثه ابنها وغيره كلام فيه نظر لأن ابنها من الزوج أخو الميت لأمه، فميراثه منه السدس فريضة فرضها الله له فكيف يصح أن يكون له من مصابة أمه شيء فيكون قد ورث أكثر من السدس؟ هذا لا يصح، وإنما يستقيم قوله: إن كان يدخل الفريضة عول بميراث الأم ينتقص ابنها به من السدس فإذا بطل ميراث الأم كان له منه تمام السدس إن ارتفع العول من الفريضة أو ما يجب له منه ما بينه وبين السدس إن لم يرتفع العول جملة، مثال هذا ارتفاع العول أن يترك الصبي المتوفى أمه وأخوين لأم أحدهما ابنها من هذا الزوج وأختين لأب، ويثبت ذلك كله بالبينة وتنكر الأم أن يكون المتوفى ابنها فتكون الفريضة على أن الأم وارثة من ستة وتعول إلى سبعة فيرجع كل واحد من الأخوين للأم من السدس إلى السبع، فإذا أنكرت الأم أن يكون المتوفى ابنها بطل ميراثها وارتفع العول من الفريضة فكان لكل واحد من الورثة تمام فريضته من ميراثها ابنها من الزوج وغيره من الورثة، فهذا وجه قوله يكون
стр. 1997
مصابتها منه بين جميع من يرث الصبي ابنها وغيرها، لا وجه له إلا هذا، وبالله التوفيق، ولا قوة إلا بالله.
[الدعوى إلى عرس النكاح وفيه لهو يسير ودف]
ومن كتاب أوله سلف دينارا
في ثوب إلى أجل وسئل مالك عن الرجل يدعى إلى الصنيع فيجد فيه اللعب أيدخل؟ قال: إن كان الشيء الخفيف مثل الدف والكبر الذي يلعب به النساء فما أرى بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد بالصنيع صنيع العرس أو صنيع العرس والملاك على ما قال أصبغ في سماعه لأن ذلك هو الذي رخص في بعض اللهو فيه لما يستحب من إعلان النكاح مع ما جاء في ذلك، روي أن رسول الله ﷺ قال: «أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفاف» ، وأنه قال: «فصل بين الحلال والحرام الدف والصوت» ، «وأنه ﷺ مر ببني زريق فسمع غناء ولعبا فقال: " ما هذا؟ " فقالوا: نكح فلان يا رسول الله، فقال: " هذا النكاح لا السفاح، ولا نكاح حتى يسمع دف أو يرى دخان» ، فاتفق أهل العلم فيما علمت على إجازة الدف وهو الغربال في العرس، واختلفوا في الكبر والمزهر على ثلاثة أقوال: أحدها أنهما يحملان جميعا على محمل الغربال أو يدخلان مدخله في جواز استعمالهما في العرس، وهو قول ابن حبيب، والثاني أنه لا يحمل واحد منهما محمله ولا يدخل معه ولا يجوز استعماله في عرس ولا غيره، وهو قول أصبغ في سماعه بعد هذا من هذا الكتاب، وعليه يأتي ما في سماع سحنون عن ابن القاسم من كتاب جامع البيوع أن الكبر إذا بيع يفسخ بيعه ويؤدب أهله لأنه إذا قال ذلك في الكبر
стр. 1998
فأحرى أن يقوله في المزهر لأنه ألهى منه، والثالث أنه يحمل محمله ويدخل مدخله الكبر وحده دون المزهر،. وهو قول ابن القاسم هاهنا، وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الوصايا، وعليه يأتي ما في سماع عيسى من كتاب السرقة أن السارق يقطع في قيمة الكبر صحيحا. ولابن كنانة في المدونة إجازة البوق في العرس، فقيل: معنى ذلك في البوقات والزمارات التي لا تلهي كل الإلهاء، والله أعلم، واختلف في جواز ما أجيز من ذلك فقيل: ما هو من قبيل الجائز الذي يستوي فعله وتركه في أنه لا حرج في فعله ولا ثواب في تركه، وهو المشهور في المذهب، وقيل: إنه من قبيل الجائز الذي تركه أحسن من فعله، فيكره فعله لما في تركه من الثواب لا أن في فعله حرجا أو عقابا وهو قول مالك في المدونة أنه كره الدفاف والمعازف في العرس وغيره، واختلف هل يجوز ذلك للنساء دون الرجال أو للنساء والرجال؟ فقال أصبغ في سماعه: إن ذلك إنما يجوز للنساء دون الرجال، وإن الرجال لا يجوز لهم عمله ولا حضوره، والمشهور أن عمله وحضوره جائز للرجال والنساء، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية في سماع أصبغ خلاف قول أصبغ، وهو مذهب مالك ﵀، إلا أنه كره لذي الهيئة من الناس أن يحضر اللعب، روى ذلك ابن وهب عنه في سماع أصبغ، وأما ما لا يجوز عمله من اللهو في العرس فلا يجوز لمن دعي إليه أن يأتيه، وقد مضى القول على ذلك في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم.
[مسألة: رجل شرط لامرأته في عقدة النكاح إن خرج بها إلا بإذنها فهي طالق]
مسألة وقال ابن القاسم في رجل شرط لامرأته في عقدة النكاح إن خرج بها إلا بإذنها فهي طالق، فخرج بها بإذنها فسألته أن يردها فحلف بطلاقها البتة ألا يردها، قال: يحنث إذا أبى أن يردها إن سألته ذلك لأن مالكا قال: عليه أن يردها إذا سألته ذلك، فإن لم يردها حنث، كان عليه الطلاق إن ردها أو لم يكن إذا حلف لها بالطلاق أن لا يخرجها إلا بإذنها فأخرجها بإذنها ثم سألته أن يردها لم
стр. 1999
يكن عليه أن يردها، ولا حنث عليه إذا خرج بها بإذنها، قال مالك: وتحلف بالله ما كان إذنها له تريد به قطعا لشرطها، فإن حلفت كان عليه أن يردها، قال: وأخبرني سحنون عن ابن القاسم أنه قال: لا يعجبني إذا خرج بها برضاها أن يكون عليه أن يردها إلا أن يردها طائعا فيحنث كما قال مالك في أول مرة، وذلك أنه لو شرط لها ألا يتزوج عليها إلا بإذنها فأذنت له ثم أرادت أن تفسخ ذلك لم يكن لها ذلك، وكذلك التسرر.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها محصلا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته ههنا، وتعليله في رواية سحنون يدل على أنه لا يمين عليها خلاف رواية عيسى أنه يردها في الشرط بعد يمينها وبالله التوفيق لا شريك له.
[زوج أختا له صغيرة ثم غفل أن يستأمرها عن ذلك حتى كبرت]
ومن كتاب أوله:
إن خرجت من هذه الدار قال: وسئل مالك عمن زوج أختا له صغيرة أو ولية له غير أخت صغيرة لم تبلغ أن يستأمرها في نفسها ثم غفل عن ذلك حتى كبرت الجارية فاستوجبت رضاها فرضيت هل يقران على هذا النكاح؟ قال: لا، إلا أن يطول بولادة أو يطول زمان ذلك بعد الدخول، فإن أدرك قبل الفوت فسخ وكانت طلقة، قيل له: فلو مات أحدهما قبل الفسخ هل كانا يتوارثان؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبا في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته هنا.
[مسألة: رجل أخذ جارية لأم ولده فزوجها غلامه ثم مات فطلبت أم الولد جاريتها]
مسألة وسئل عن رجل أخذ جارية لأم ولده فزوجها غلامه ثم مات
стр. 2000
فطلبت أم الولد جاريتها هل ترى تزويجه إياها غلامه نزعا من أم ولده؟ قال: لا أراه نزعا والجارية لأم ولده، والنكاح ثابت، وهو بمنزلة لو زوج جارية لعبده غلامه ثم أعتق سيد الجارية ولم يستثن ماله إن الجارية للعبد والنكاح ثابت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن العبد وأم الولد مالكان لأموالهما فلا يحمل ما فعل السيد في ذلك على الانتزاع إذا لم يصرح به إلا أن يكون مما لا يصح أن يفعله إلا بعد الانتزاع مثل أن يطأ أو يعتق أو يهب أو يتصدق أو يصالح به عن نفسه وما أشبه ذلك، وقد اختلف إذا رهنه في دين عليه فقال في المدونة: إن ذلك لا يكون انتزاعا وإن افتكه بقي على ملكه إلا أنه لم يجز له إن كانت أمة أن يطأها لأنه رأى ذلك تعريضا للانتزاع، وقد قيل: إن الرهن انتزاع لأن للمرتهن حقا في عين الرهن يجب له به أن يباع في حقه وما في المدونة أظهر، إذ للسيد أن يفتكه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يتزوج المرأة فتشترط عليه أن لا يتزوج عليها]
مسألة وقال مالك في الرجل يتزوج المرأة فتشترط عليه أن لا يتزوج عليها، فإن فعل فالتي يتزوج طالق البتة، فإن لم يفعل فأمرها بيدها فيتزوج، فقال: إن لم يطلق فأمرها بيدها، ولا يقع عليه طلاق إن تزوج، إنما يؤمر أن يطلق التي تزوج وإلا اختارت نفسها امرأته التي تحته، فإن لم يفعل لم يلزمه ذلك.
قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة في رسم القبائل من سماع ابن القاسم، وقد مضى القول عليها هناك، فلا معنى لإعادته هاهنا، والحمد لله.
[مسألة: فوض إلى الرجل أمر امرأته فمرض ففرض لها في المرض فدخل بها]
مسألة قال ابن القاسم: إذا فوض إلى الرجل أمر امرأته فمرض ففرض لها في المرض فدخل بها فإنه إن كان فرض لها مثل صداق
следующие страницы →